← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

ومن العجب أنهم يقرون بتوحيد الربوبية دون الألوهية ولا ريب أن كل إنسان عاقل يقر بتوحيد الربوبية فإن إقراره ذلك حجة عليه أن يقر بتوحيد الألوهية. لأنه إذا كان يقر بأن الخالق هو الله، المدبر هو الله، والمالك هو الله فكيف يكون هناك معبود مع الله ومن ثم تجدون الله يقرر توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، [سورة البقرة، الآية: ٢١] فجعل توحيد الربوبية دليلا ملزما بتوحيد الألوهية. ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ هذا هو توحيد الألوهية ألوهية بالنسبة لله وعبودية بالنسبة للخلق، ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ، هذا هو توحيد الربوبية، فإذا كنتم تؤمنون بذلك فلماذا لا توحدونه بالعبادة، لماذا تعبدون الأصنام والأشجار معه، هذا دليل عقلي لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يحيد عنه ولهذا يذكر الله ذلك ملزما لهؤلاء المشركين أن يقولوا بأن الله إله واحد وصدق الله . أيها الإخوة: توحيد الألوهية ليس بالأمر الهين الذي يظنه كثير من المعاصرين اليوم أنه على الهامش وأن مجرد إقرار الإنسان برب خالق مدبر للكون حكيم في صنعه كاف في الإيمان والتوحيد، إن هذه النظرة نظرة بلا شك خاطئة، ولو كان التوحيد كما يراه هؤلاء بأنه إفراد الله أو بأنه الإيمان بأن الله وحده هو الخالق الرازق لو كان هذا هو التوحيد لم تكن هناك حاجة إلى إرسال الرسل لأن التكذيب بهذا التوحيد أو إنكار هذا التوحيد لم يقع إلا نادرا ولا سيما فيما سلف من الأزمان، لكن التوحيد الذي بعثت الرسل لتحقيقه والقتال عليه هو توحيد الألوهية والذي يسمى أحيانا بتوحيد العبادة لأنه إن نظرت إليه من جهة الله فسمه توحيد ألوهية وإن نظرت إليه من جهة الإنسان فسمه توحيد العبادة أو العبودية، المهم أن كثيرا من الناس اليوم من

стр. 2137

المعاصرين الذين نالوا ما نالوا من الثقافة يركزون كثيرا على توحيد الربوبية، وعندي أن توحيد الربوبية ليس بالأمر الأهم بالنسبة لتوحيد الألوهية، لأن منكريه قليلون وكل إنسان عاقل فإنه لا بد أن يدرك أن لهذا الكون العظيم المنظم إلها خالقا حكيما واستمع إلى قول الله تعالى في سورة الطور: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ . [سورة الطور، الآية: ٣٥] . هذا استفهام ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ، وجوابه: ما خلقوا من غير شيء ولا هم الخالقون. لأنهم قبل أن يوجدوا عدم والعدم ليس بشيء، فضلا عن أن يوجد شيئا. وهم أيضا لم يخلقوا من غير شيء لأن خلق شيء من غير شيء مستحيل في العقل كل حادث فلا بد له من محدث ويذكر أن طائفة من السمنية وهم أناس من الوثنية الذين ينكرون الخالق أتوا إلى أبي حنيفة ﵀ في العراق وقالوا: من الذي خلق هذا الكون فقال: أمهلوني ثم أمهلوه وجاؤوا إليه وقال لهم: إني أفكر في سفينة جاءت محملة إلى نهر دجلة محملة بالبضائع وأن هذه السفينة نزلت البضائع وانصرفت بعد ذلك، أفكر هل يمكن هذا أم لا بد من أناس يشحنونها أولا ثم ينزلونها ثانيا، فقالوا: كيف تفكر بهذا، هل هذا يحتاج لتفكير؟ هذا غير معقول قال: إذا كان هذا غير معقول، فكيف يعقل أن هذه الشمس والنجوم والقمر والبحار والأنهار والأشجار النامية والإنس وكل ما نشاهده كيف يعقل أن يكون بدون موجد، هل هذا معقول فانقطعوا. ولهذا جاءت الآية تستدل على أن الخالق هو الله عن طريق السبر والتقسيم فهم إما أن يخلقوا بدون خالق، أو يخلقوا أنفسهم، أو يكون لهم خالق وهو الله وهذه الأخيرة هي النتيجة فتوحيد الربوبية أيها الإخوة لا ينكره إلا النادر، النادر من الناس حتى من أنكره ممن قص الله علينا

стр. 2138

من نبأ إنكاره، فإنما ينكرونه مكابرة، وهم في قرارة أنفسهم يؤمنون به؛ ففرعون قال لقومه حين حشرهم وناداهم قال لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ولم يكن صادقا في ذلك. لأن موسى قال له مجابهة: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [سورة الإسراء الآية: ١٠٢] لما قال هذا لفرعون هل قال فرعون له: ما علمت ذلك؟ أبدا ما قال، ولا استطاع أن يقول، وكان يقول لقومه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [سورة القصص، الآية: ٣٨] . والخلاصة أن المهم بنا أيها الإخوة أن نحرص على بث روح التوحيد، توحيد الألوهية في نفوس الناس؛ حتى يكون هدف الإنسان وجه الله والدار الآخرة في جميع شئونه في عبادته وأخلاقه ومعاملاته وجميع شئونه؛ لأن هذا هو المهم أن يكون الإنسان قصده ورجاؤه وإنابته ورجوعه إلى الله ، وبهذا التوحيد - أعني توحيد الألوهية والعبادة - ينال العبد سعادة الدنيا والآخرة؛ لأن قلبه ينسلخ عما سوى الله، ويتعلق بالله وحده، لا يدعو إلا الله ولا يرجو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يؤمل كشف الضر إلا من الله ولا جلب الخير إلا من الله إن عبد فلله وبالله، حتى إن الموفق تكون عاداته عبادات، والمخذول تكون عباداته عادات؛ لأن الموفق يستطيع أن يجعل أكله عبادة، وشربه عبادة، ولباسه عبادة، ودخوله عبادة، وخروجه عبادة حتى مخاطبة الناس يمكن يجعلها عبادة. ويمكن أن نضرب مثلا بالأكل كيف يكون عبادة؟ أولا: ينوي به الإنسان امتثال أمر الله في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ هذا أمر.

стр. 2139

ثانيا: ينوي الحفاظ على بقائه وعلى روحه؛ لأن الحفاظ على النفس مأمور به حتى العبادة إذا كان الإنسان مريضا، ويخشى على نفسه إن استعمل هذا الماء أن يتضرر، فإنه يتطهر بالتيمم بالتراب كل ذلك حماية للإنسان من أن يتضرر ويضر نفسه، ولهذا قال العلماء -وصدقوا فيما قالوا-: إن المضطر إلى الطعام والشراب يجب عليه وجوبا أن يأكل حتى من الميتة ولحم الخنزير، يجب أن يأكل إذا خاف على نفسه التلف؛ لأنه واجب عليه أن ينقذ نفسه، إذًا أنوي بالأكل والشرب الحفاظ على نفس فيكون ذلك عبادة. ثالثا: ينوي بالأكل والشرب التقوي على طاعة الله، فيكون عبادة لأن من القواعد المقررة شرعا أن للوسائل أحكام المقاصد، فإذا كان هذا الأكل والشرب يعينني على طاعة الله فنويت بهذا الاستعانة على طاعة الله صار عبادة. رابعا: أنوي بالأكل التبسط بنعمة الكريم جلا وعلا؛ لأن الكريم يحب أن يتبسط الناس بكرمه وأضرب مثلا ولله المثل الأعلى؛ لو أن رجلا من الناس كريما قدم طعاما للآكلين هل رغبته أن يرجع الطعام غير مأكول أو أن يأكله الناس؟ يأكله الناس طبعا؛ لأن هذا مقتضى الكرم، فأنا إذا أكلت أنوي التبسط بنعمة الله كان عبادة، فانظر يا أخي كيف كان الطعام الذي تدعو إليه الطبيعة، وتقتضيه العادة، كيف أمكن أن يكون عبادة بحسب الانتباه واليقظة والنية، بينما يأتي الغافل إلى الصلاة، وإلى المسجد على العادة، وإذا أتى على العادة صارت عبادته الآن عادة. وبهذا يتبين لنا أن توحيد العبادة وتحقيق توحيد العبادة أمر مهم جدا، وهذا ما ندعو إليه أن يحقق الناس العبادة لله وحده. ولو قال قائل: هل يجوز أن أدعو رسول الله ﷺ ؟

стр. 2140

الجواب: لا يجوز أن أقول: يا رسول الله أنقذني من الشدة، يا رسول الله ارزقني ولدا. لا يجوز بأي حال من الأحوال، بل هو شرك أكبر، مخرج من الملة، سواء دعا الرسول ﷺ ، أو دعا غيره، وغيره أقل منه شأنا، وأقل منه وجاهة عند الله ، فإذا كان دعاء الرسول ﷺ شركا فدعاء غيره أقبح وأقبح، والرسول ﵊ أعظم الناس جاها عند الله، وقيل له ﵊ -والقائل هو الله-: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ، أنا لا أملك لكم ضرا ولا رشدا، ولو أرادني الله بشيء ما وجدت من دونه ملتحدا يمنعني منه، إذًا لمن أتجه بالدعاء؟ إلى الله ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ وليتضح القول في مسألة دعاء الرسول ﷺ أو غيره من المخلوقين نقول: الدعاء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: جائز، وهو أن يدعو مخلوقا بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة، قال ﷺ في حقوق المسلم على أخيه: «وإذا دعاك فأجبه» (١) وقال ﷺ : «وتعين الرجل في دابته» (٢) الحديث. الثاني: أن تدعو مخلوقا سواء كان حيا أو ميتا فيما لا يقدر عليه إلا الله

стр. 2141

فهذا شرك أكبر؛ لأن هذا من فعل الله لا يستطيعه البشر مثل: يا فلان اجعل ما في بطن امرأتي ذكرا. الثالث: أن تدعو مخلوقا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة؛ كدعاء الأموات، فهذا شرك أكبر أيضا؛ لأن هذا لا يقدر عليه المدعو، ولا بد أن يعتقد فيه الداعي سرا يدبر به الأمور. واعلم: أنك لن تدعو الله بدعاء إلا ربحت في كل حال، إما أن يستجيب الله دعاءك، وإما أن يصرف عنك من السوء ما هو أعظم، وإما أن يدخرها لك عنده يوم القيامة ثوابا وأجرا، فألح في الدعاء وكرر لا تقل: دعوت فلم يستجب لي، انتظر كل دعوة تدعو الله بها، فهي عبادة تنال بها أجرا، سواء حصل المطلوب أم لم يحصل. أما توحيد الأسماء والصفات فخلاصته أنه يجب علينا أن نثبت لله كل ما أثبته لنفسه من أسماء أو صفات، كل ما أثبته لنفسه من أسماء أو صفات يجب علينا أن نثبتها، ولا يحل لنا أن ننكر ذلك بمقتضى أقيسة باطلة وعقول فاسدة، نحن نعلم أن الله سمى نفسه بأسماء كثيرة؛ منها ما يمكننا علمه، ومنها ما لا يمكننا علمه. قال النبي ﷺ في حديث عبد الله بن مسعود المشهور في دعاء الكرب والغم: «اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك» . (١) ومعني الدعاء أي: كلما قضيت علي مما أحب أو أكره فهو عدل ليس فيه جور حتى

стр. 2142

المصائب عدل من الله ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى، الآية: ٣٠] ، ويقول الرسول ﵊ في بقية الحديث: «أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب غمي» ، هنا يقول: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك» . والذي استأثر به في علم الغيب لا يمكن لأحد معرفته؛ لأن الله استأثر به، ولم يُطلع عليه أحدا، ومع هذا يقول الرسول ﵊: «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة» . (١) لكن ليس معنى إحصائها ما نجد بعض الناس يقوله: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا قدوس، يا سميع.. حتى يكمل تسعة وتسعين يقول: أحصيتها وأنا داخل الجنة، ولا محالة هذا غير صحيح حتى لو وضعها في مسبحة. لكن إحصاءها يكون بثلاثة أمور: أولا: إحصاؤها لفظا يعني يلتمسها من الكتاب والسنة حتى يحصيها لفظا. ثانيا: فهمها معنى وإلا فلا فائدة، ما الفائدة من أن تقول: يا رحمن، يا رحيم، وأنت لا تدري معنى رحمن ولا رحيم. الثالث: التعبد لله بمقتضاها؛ بمعنى أنك إذا علمت أنه سميع تدعوه لأنه يسمع، إذا علمت أنه قريب تدعوه لأنه قريب، إذا علمت أنه مجيب تدعوه لأنه مجيب، ولما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر قال لهم النبي ﷺ :

стр. 2143

«يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم -يعني هونوا عليها- إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وهو معكم» . (١) فتأمل كيف بين لهم الرسول ﷺ معنى هذه الأسماء. قريب سميع بصير. إذا علمت أن الله سميع، هل تقول قولا يغضبه، لا. إذا علمت أنه رحيم تتعرض لرحمته، وإذا علمت أنه غفور تتعرض لمغفرته، وهلم جرا، هذا هو معنى إحصاء أسماء الله ولا بد أن تثبت لله كل ما أثبته لنفسه من وصف، وإن شئت فقل: من صفة. وإن من حق النبي ﷺ علينا الذي هو فوق حق الوالدين أن نجرد الاتباع له، بمعنى ألا نتقدم بين يديه، فلا نشرع في دينه ما لم يشرع، ولا نتجاوز ما شرعه، أو نقصر فيه؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٣١] . وهذه الآية يسميها السلف آية المحنة: معناها الامتحان؛ لأن قوما زعموا أنهم يحبون الله؛ فوضع الله هذا الميزان، فكلما كان الإنسان أحب لله كان لرسوله أتبع، وكلما ضعف اتباع الرسول فإن محبة الله في القلب ضعيفة. حتى وإن ادعاها مدعيها، نعم هل من محبة رسول الله ﷺ أن نتقدم بين يديه ونُحْدِث في دينه ما ليس منه، لا أبدا. ليس هذا من محبة الله، وليس هذا من محبة رسول الله ﷺ ؛ لأن محبة الله عنوانها ودليلها وميزانها أن نتبع رسول الله ﷺ ، ومحبة الرسول ﷺ من محبة الله، فإذا كانت دعوى محبة الله لا تتحقق إلا باتباع الرسول ﷺ ، فإن دعوى محبة الرسول لا تتحقق إلا باتباع الرسول

стр. 2144

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحينئذ إذا كان هذا الشهر هو الشهر الذي بعث فيه الرسول ﷺ ، وكذلك هو الشهر الذي ولد فيه الرسول ﷺ على ما قاله أهل التاريخ، إلا أنه لا تعلم الليلة التي ولد فيها، وأحسن ما قيل أنه ولد في الليلة التاسعة من هذا الشهر لا الليلة الثانية عشرة، خلافا لما هو مشهور عند كثير من المسلمين اليوم؛ لأن هذا لا أساس له من الصحة من حيث التاريخ، وحسب ما حسبه أهل الفلك المتأخرون؛ فإن ولادته كانت في اليوم التاسع من هذا الشهر، لكن هل يعلم اليوم الذي ولد فيه؟ الجواب: نعم ولد يوم الاثنين؛ «لأن النبي ﷺ سئل عن يوم الاثنين. فقال: "ذاك يوم ولدت فيه» (١) لكن اليوم من الشهر لا يعلم يقينا، ولكن أرجح ما قيل فيه هو اليوم التاسع، وأيا كان لا يهمنا في التاسع أو الثاني عشر أو غيره، لكن الذي يهمنا أن نكون لله مخلصين، ولنبيه ﷺ متبعين، وأن نحقق ذلك الإخلاص وذلك الاتباع؛ لأن دين الإسلام لا يدخل الإنسان فيه إلا إذا قال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. وشهادة أن محمدا رسول الله تستلزم اتباعه وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، فالذي يهمنا أيها الإخوة: ألا نجعل في هذا الشهر أمرا زائدا على الشهور الأخرى أبدا، إذا كنا صادقين في أننا نحب الرسول ﵊؛ فلنتبع شرعه ولا نتعداه؛ لأن أي بدعة تحدث يتقرب بها الإنسان إلى رب العالمين وليست في دين الله فإنها تتضمن أيها الإخوة الاعتراض على الله وعلى رسوله ﷺ وعلى الصحابة ﵃؛ لأن كل إنسان يحدث في دين الله بدعة يتعبد بها ويتقرب إلى الله بها، فإن بدعته هذه تستلزم الطعن أو القدح في الله وفي الرسول وفي الصحابة، أما

стр. 2145

في الله فلأنه إذا ابتدع في دين الله ما ليس منه فقد كذب الله؛ لأنه يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإذا أحدثنا في دين الله شيئا بعد موت الرسول ﵊، فمقتضى ذلك التكذيب للآية، والقدح في الله ؛ فإن قيل: كيف يتضمن القدح في الله من حيث لا يشعر الإنسان؟ أي إنسان يبتدع في دين الله ما ليس منه من أذكار أو صلوات أو غيرها مما يتقرب به إلى الله. نقول: إذا كنت تتقرب بذلك إلى الله، فإن ذلك دين تدين الله به، وترجو به ثوابه والنجاة من عقابه، فأين أنت من قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ كيف يكون كمالا وأنت تأتي بعده بجديد، هل يكون كمالا يحتاج إلى تكميل فيما بعد؟ الجواب: لا يكون ذلك، كما أن فيه انتقاصا للرسول ﷺ ، حيث أخبر بكمال الدين، وذلك في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ، وكذلك انتقاص لله ؛ لأن الله بيّن كمال الدين كما في الآية الكريمة، وكذلك فيه انتقاص للصحابة رضوان عليهم من حيث إنهم كتموا شيئا من الشريعة الإسلامية؟ وكذلك اتهام لهم -رضوان الله عليهم- بالجهل في دين الله . ومن هذا الكلام يتبين أن من ابتدع في دين الله ، فإن بدعته هذه تتضمن القدح في: ١ - الله . ٢ - ورسوله ﷺ . ٣ - وفي الصحابة رضوان الله عليهم. أيها الإخوة: نحن لا نتهم صانعي هذه البدع أو محدثي هذه البدع كلهم بسوء القصد، قد يكون قصدهم حسنا، ولكن هل يكفي في العبادة أن يكون قصد الإنسان حسنا أو لا بد من المتابعة؟ لا بد من المتابعة، ليس كافيا

стр. 2146

أن يكون قصد الإنسان حسنا، وإلا ابتدع كل واحد في دين الله ما يريد، يقول: أنا قصدي حسن، أقول: ليس كل إنسان يحدث بدعة نسيء الظن به، نحن نحسن الظن بكثير منهم، لكن ليس كل من كان قصده حسنا يكون فعله صوابا وحسنا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [سورة فاطر، الآية: ٨] ، نقول للذي يبتدع أي بدعة في دين الله: ماذا تريد؟ قال: أريد التقرب إلى الله . فنقول: تقرب إلى الله بما شرع، فيه الكفاية، تقرب إلى الله بما درج عليه السلف الصالح والصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان إلى يوم الدين ففيه الكفاية، لا تتعب نفسك بأمر لم يشأه الله فيعود عليك بالضرر؛ قال ﷺ : «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» ، ثم إن البدع في الحقيقة هي انتقاد غير مباشر للشريعة الإسلامية؛ لأن معنى البدع أن الشريعة الإسلامية لم تتم، وأن هذا المبتدع أتمها بما أحدث من العبادة التي يتقرب بها إلى الله كما زعم. وأنا أعجب ممن يقسمون البدع إلى أقسام، ويجعلون من البدع بدعا حسنة، مع أن أعلم الخلق وأنصح الخلق وأفصح الخلق يقول باللسان العربي المبين، يقول ﷺ : «كل بدعة ضلالة» ولا أعظم من هذا العموم عموم مستوف «كل بدعة ضلالة» ، لا نستطيع بعقولنا القاصرة أن نقول: إن البدعة تنقسم إلى أقسام، منها واجب، ومنها مستحب ومكروه وحرام. ليس في الدين بدعة حسنة أبدا، أما السنة الحسنة فهي التي توافق الشرع، وهذه تشمل أن يبدأ الإنسان بالسَّن أي يبدأ العمل بها، أو يبعثها بعد تركها، أو يفعل شيئا يسنه يكون وسيلة لأمر متعبد به؛ فهذه ثلاثة أشياء: الأول: إطلاق السنة على من ابتدأ العمل، ويدل له سبب الحديث؛ «فإن النبي ﷺ حث على التصدق على القوم الذين قدموا عليه ﷺ ،»

стр. 2147

«وهم في حاجة وفاقة، فحث على التصدق فجاء رجل من الأنصار بصرة من فضة قد أثقلت يده فوضعها في حجر النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» (١) فهذا الرجل سن سنة، ابتداء عمل لا ابتداء شرع. الثاني: السنة التي تركت ثم فعلها الإنسان فأحياها فهذا يقال عنه: سنها بمعنى أحياها وإن كان لم يشرعها من عنده. الثالث: أن يفعل شيئا وسيلة لأمر مشروع مثل بناء المدارس وطبع الكتب فهذا لا يتعبد بذاته ولكن لأنه وسيلة لغيره فكل هذا داخل في قول النبي ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» . لكن قد يعترض معترض فيقول: هل أنتم أعلم ممن نطق الكتاب بموافقته كما حصل من عمر بن الخطاب ﵁ حينما أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس برمضان، بإمام واحد وكان الناس يصلون أوزاعا ثم جمعهم عمر ﵁. فخرج ذات ليلة وهم يصلون فقال: نعمت البدعة هذه. والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون". (٢) فالجواب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يعارض كلام الرسول ﷺ بأي كلام، لا بكلام أبي بكر الذي هو أفضل الأمة بعد نبيها، ولا بكلام عمر الذي هو ثاني هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام عثمان الذي هو ثالث هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام علي الذي هو رابع هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام أحد غيرهم لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور، الآية: ٦٣] قال

стр. 2148

الإمام أحمد ﵀: " أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قول النبي ﷺ أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ".أ. هـ-. وقال ابن عباس ﵄: " يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر ". الوجه الثاني: أننا نعلم علم اليقين أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من أشد الناس تعظيما لكلام الله تعالى ورسوله ﷺ ، وكان مشهورا بالوقوف على حدود الله تعالى حتى كان يوصف بأنه كان وقافا عند كلام الله تعالى. وما قصة المرأة التي عارضته - إن صحت القصة - في تحديد المهور بمجهولة عند الكثير حيث عارضته بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٢٠] . فانتهى عمر عما أراد من تحديد المهور (١) لكن هذه القصة في صحتها نظر. لكن المراد بيان أن عمر كان وقافا عند حدود الله تعالى لا يتعداها، فلا يليق بعمر ﵁ وهو من هو أن يخالف كلام سيد البشر محمد ﷺ وأن يقول عن بدعة: " نعمت البدعة " وتكون هذه البدعة هي التي أرادها رسول الله ﷺ بقوله: «كل بدعة ضلالة» بل

стр. 2149

لا بد أن تنزل البدعة التي قال عنها عمر: إنها " نعمت البدعة " على بدعة لا تكون داخلة تحت مراد النبي ﷺ في قوله: «كل بدعة ضلالة» فعمر ﵁ يشير بقوله: " نعمت البدعة هذه " إلى جمع الناس على إمام واحد بعد أن كانوا متفرقين، وكان أصل قيام رمضان من رسول الله ﷺ فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ قام في الناس ثلاث ليال وتأخر عنهم في الليلة الرابعة وقال: " إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» . فقيام الليل في رمضان جماعة من سنة الرسول ﵊، وسماها عمر ﵁ بدعة باعتبار أن النبي ﷺ لما ترك القيام صار الناس متفرقين يقوم الرجل لنفسه، ويقوم الرجل ومعه الرجل، والرجل ومعه الرجلان، والرهط، والنفر في المسجد، فرأى أمير المؤمنين عمر ﵁ برأيه السديد الصائب أن يجمع الناس على إمام واحد فكان هذا الفعل بالنسبة لتفرق الناس من قَبْل بدعة، فهي بدعة اعتبارية إضافية، وليست بدعة مطلقة إنشائية أنشأها عمر ﵁؛ لأن هذه السنة كانت موجودة في عهد الرسول ﷺ فهي سنة لكنها تركت منذ عهد الرسول ﵊ حتى أعادها عمر ﵁ وبهذا التقعيد لا يمكن أبدا أن يجد أهل البدع من قول عمر هذا منفذا لما استحسنوه من بدعهم. من العلماء من قسم البدعة إلى أقسام ومنها بدع حسنة فما الجواب عن ذلك؟ والجواب عن ذلك أن نقول: ما ادعاه العلماء من أن هناك بدعة حسنة. فلا تخلو من حالين: ١. أن لا تكون بدعة لكن يظنها بدعة. ٢. أن تكون بدعة فهي سيئة لكن لا يعلم عن سوئها.

стр. 2150

فكل ما ادعي أنه بدعة حسنة فالجواب عنه بهذا. وعلى هذا فلا مدخل لأهل البدع في أن يجعلوا من بدعهم بدعة حسنة وفي يدنا هذا السيف الصارم من رسول الله ﷺ «كل بدعة ضلالة» . إن هذا السيف الصارم إنما صنع في مصانع النبوة والرسالة، إنه لم يصنع في مصانع مضطربة، لكنه صنع في مصانع النبوة، وصاغه النبي ﷺ هذه الصياغة البليغة فلا يمكن لمن بيده مثل هذا السيف الصارم أن يقابله أحد ببدعة يقول: إنها حسنة ورسول الله ﷺ يقول: «كل بدعة ضلالة» أيها الإخوة: في هذا الشهر يحدث بعض المسلمين احتفالا يسمونه، عيد المولد، هو والحمد لله في بلادنا ليس بذاك المشهور لكن أقول: إنه يوجد في بعض البلاد الإسلامية من يحتفل بما يدعونه ليلة المولد لا على المستوى الشعبي فحسب بل حتى على المستوى الرسمي، والحقيقة أن هذا مؤلم، كيف نتلهى بالقشور بل كيف نتلهى بالعظام التي تجرح حلوقنا لنبتلعها، ثم نترك ما هو من أهم المهمات بل هو أهم المهمات وهو أصول الدين، ندعها تجرح الدين أمام هؤلاء ولا أحد منهم ينبض بكلمة إلا من شاء الله، كيف نحتفل ونقيم الأعياد والحلوى والاجتماع والأذكار وليتها أذكار سالمة، إننا نسمع أن بعضهم ينشد القصائد التي والله لا يرضاها الله ولا رسوله، لقد «قالوا للرسول ﵊ " ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني لله ندا بل قل: ما شاء الله وحده» . يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم فنقول له بكل بساطة: لك من تلوذ به سوى رسول الله وهو الله الذي قال له: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [سورة الجن، الآية: ٢٢] .

стр. 2151

كيف تقول: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم. ليته الحادث الخاص، الحادث الخاص قد تشكو إلى زيد أو عبيد ويقضي حاجتك، الحادث العمم كالفيضانات الصواعق الزلازل إذا أصابت الرجل عنده من يقول: مالي من ألوذ به سوى الرسول ﷺ ، هكذا يقول أما من كان على الفطرة، فإنه يلوذ بالله وحده وهذا هو الحق. ومما تقدم يتبين لنا أن الاحتفال بالمولد النبوي لا يجوز بل هو أمر مبتدع وذلك لأمرين: أولاً: ليلة مولد الرسول ﷺ ليست معلومة على الوجه القطعي، بل إن بعض العصريين حقق أنها ليلة التاسع من ربيع الأول وليست ليلة الثاني عشر منه، وحينئذ فجعل الاحتفال ليلة الثاني عشر منه لا أصل له من الناحية التاريخية. ثانياً: من الناحية الشرعية فالاحتفال لا أصل له أيضاً لأنه لو كان من شرع الله لفعله النبي، ﷺ أو بلغه لأمته ولو فعله أو بلغه لوجب أن يكون محفوظاً لأن الله تعالى يقول: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٢) فلما لم يكن شيء من ذلك علم أنه ليس من دين الله، وإذا لم يكن من دين الله فإنه لا يجوز لنا أن نتعبد به لله ونتقرب به إليه، فإذا كان الله تعالى قد وضع للوصول إليه طريقاً معيناً وهو ما جاء به الرسول، ﷺ فكيف يسوغ لنا ونحن عباد أن نأتي بطريق من عند أنفسنا يوصلنا إلى الله؟ هذا من الجناية في حق الله أن نشرع في

стр. 2152

دينه ما ليس منه، كما أنه يتضمن تكذيب قول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ . فنقول: هذا الاحتفال إن كان من كمال الدين فلا بد أن يكون موجودا قبل موت الرسول، ﵊، وإن لم يكن من كمال الدين فإنه لا يمكن أن يكون من الدين لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ومن زعم أنه من كمال الدين وقد حدث بعد الرسول، ﷺ فإن قوله يتضمن تكذيب هذه الآية الكريمة، ولا ريب أن الذين يحتفلون بمولد الرسول، ﵊ إنما يريدون بذلك تعظيم الرسول ﷺ وإظهار محبته وتنشيط الهمم على أن يوجد منهم عاطفة في ذلك الاحتفال للنبي، ﷺ وكل هذا من العبادات، محبة الرسول ﷺ عبادة بل لا يتم الإيمان حتى يكون الرسول ﷺ أحب إلى الإنسان من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين، وتعظيم الرسول ﷺ من العبادة، كذلك إلهاب العواطف نحو النبي ﷺ من الدين أيضا لما فيه من الميل إلى شريعته، إذًا فالاحتفال بمولد النبي ﷺ من أجل التقرب إلى الله وتعظيم رسوله ﷺ عبادة وإذا كان عبادة فإنه لا يجوز أبدا أن يحدث في دين الله ما ليس منه، فالاحتفال بالمولد بدعة ومحرم، ثم إننا نسمع أنه يوجد في هذا الاحتفال من المنكرات العظيمة ما لا يقره شرع ولا حس ولا عقل فهم يتغنون بالقصائد التي فيها الغلو في الرسول ﷺ حتى جعلوه أكبر من الله والعياذ بالله ومن ذلك أيضا أننا نسمع من سفاهة بعض المحتفلين أنه إذا تلا التالي قصة المولد ثم وصل إلى قوله: " ولد المصطفى " قاموا جميعا قيام رجل واحد يقولون: إن روح الرسول ﷺ حضرت فنقوم إجلالا لها وهذا سفه، ثم إنه ليس من الأدب أن يقوموا لأن الرسول، ﷺ ، كان يكره القيام له

стр. 2153

فأصحابه وهم أشد الناس حبا له وأشد منا تعظيما للرسول ﷺ لا يقومون له لما يرون من كراهيته لذلك وهو حي فكيف بهذه الخيالات؟ ! وهذه البدعة - أعني بدعة المولد - حصلت بعد مضي القرون الثلاثة المفضلة وحصل فيها ما يصحبها من هذه الأمور المنكرة التي تخل بأصل الدين فضلا عما يحصل فيها من الاختلاط بين الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات. وهؤلاء الذين فعلوا هذه البدعة عند بعضهم حسن نية لكن أرجو منهم أن يتأنوا في الأمر، وأن يتأملوا فيه، هل فعلوا ذلك عبادة لله فليأتوا ببرهانهم أن ذلك من باب التعبد لله، ولماذا لم يتعبد به الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام بعدهم هل أتوا بذلك محبة للرسول ﵊، إذا كان كذلك فإن الحبيب يقتدي بحبيبه ولا يتجاوز خطاه. هل أتوا بذلك تعظيما للرسول ﵊ وهو الرسول ﷺ لا يريد ذلك لنفسه ونهى أمته عن الغلو فيه كما غلت النصارى بعيسى بن مريم (١) . هل قالوا ذلك تقليدا للنصارى حيث كانوا يحتفلون بمولد عيسى بن مريم ﵊، إذا كان كذلك فالأمر فادح لحديث «من تشبه بقوم فهو منهم» ، والذي يظهر لي والله أعلم أن ذلك من باب مراغمة النصارى لأن النصارى يحدثون احتفالا بمولد عيسى بن مريم، وقالوا: إذًا نحن نضادهم ونوجد احتفالا لنبينا ﷺ ويدل على هذا أنهم جعلوا الاحتفال بالمولد وحقيقة الأمر أن النعمة لم تتم إلا برسالته ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ ، [سورة آل عمران، الآية: ١٦٤] وموضع المنة (بعث) وهذا يقرب أن الذي ابتدع هذه البدعة أراد مضادة النصارى، ومشاركتهم في إحداث المولد بعيسى بن مريم ﵊، وعلى كل حال فإنني أبين ذلك

стр. 2154

حتى لا تغتر بتلك البدعة لأن الحق ما قام الدليل عليه، وليس الحق فيما عمله الناس، الذين كانوا بعد القرون الثلاثة؛ لأننا نقول: إن الإجماع قد دل على أن هذا ليس من العبادة في شيء إجماع من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين لأن هذه البدعة حدثت في القرن الرابع من الهجرة وانتشرت ومع الأسف أنها لم تُبين للناس على حقيقتها، وإلا فإني أعتقد والعلم عند الله أنها لو بينت على حقيقتها ما كان الناس يتعبون في أمر لا يعود عليهم إلا بالضرر، أبدا الإنسان المؤمن عاقل وحازم وفطن، كل شيء يعود عليه بالضرر لا يمكن أن يفعله أبدا مهما كان، ولذلك أسأل الله تعالى لإخواني هؤلاء أن يوفقني وإياهم للصواب، حتى يتبعوا الرسول ﵊ بالعقيدة والقول والعمل. ثم إننا نحث إخواننا ولا سيما الشباب على أن يحرصوا غاية الحرص على دعوة إخوانهم إلى الحق ولكن ليكن ذلك باللطف واللين وبيان الحق (١) لأن النبي ﷺ قال: «إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» (٢) وهذا كلام الرسول ﷺ وهو لا ينطق عن الهوى. «جاء مرة يهودي إلى الرسول ﵊، وعنده عائشة فقال: السام عليكم - والسام هو الموت - قالت عائشة ﵂: عليك السام واللعنة. فنهاها الرسول ﵊ وقال: " إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (٣) إن كانوا قائلين:السام عليكم قلنا: وعليكم يعني عليكم السام عاملناهم بالعدل، إن كانوا قالوا: السلام عليكم قلنا: وعليكم يعني السلام. ولهذا قال ابن القيم ﵀ في كتابه أحكام أهل الذمة قال: إذا قال اليهودي أو النصراني:

стр. 2155

السلام عليكم وأظهر اللام قل: عليكم السلام، ولا حرج لأنه قال: السلام عليكم. لأن الرسول ﵊ قال: قولوا: وعليكم، والواو حرف عطف فيكون المعطوف مماثلا للمعطوف عليه. إذًا إن كانوا قالوا: السلام يقول: وعليكم السلام وهذا من العدل قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ . المهم أقول لإخواني الشباب أن يدعوا إلى الله على بصيرة وعلم بالرفق واللين ولا ييأسوا قد تحصل من المدعو نفرة في أول الأمر وكراهية لكن إذا عومل بالتي هي أحسن وبدون عنف وباللين فإن الله يقول لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ لماذا؟ ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [سورة طه، الآيتان: ٤٣-٤٤] ، فهكذا ينبغي على كل داعية إلى الخير أن يقابل الناس باللين وبيان الحق وأن يصبر على ما يجد من جفوة، قد يجد جفوة أو نفرة فليصبر، أليس الرسول ﵊ وهو أكرم الخلق عند الله يأتي المشركون إليه وهو ساجد تحت الكعبة ويضعون عليه سلا الناقة - دم وفرث وسلا - وهو ساجد لله رب العالمين؟!. ومع ذلك صبر ﵊ فكانت العاقبة له ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، [سورة هود، الآية:٤٩] واعلم أنك لا تصاب بمثل هذه النفرة أو الكلام عليك إلا أجرت عليه إذا صبرت. قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٤٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٢٨] كما أدعوكم أيضا إلى الاتفاق فيما بينكم لا تكونوا أحزابا متفرقين أنا أعتقد أن كل واحد من هذا الشباب الصالح لا يريد إلا الحق والخير،

стр. 2156

إذا كان كذلك لماذا نتفرق في جماعة تبليغ. يأتي ناس يكفرونهم ويضلونهم وفي جماعة إخوان مسلمين وجماعة سلفيين وجماعة، أشياء متعددة، لماذا لا نتفق ونكون جماعة واحدة المخطئ منا يصوبه المصيب والمصيب يحمد الله على الصواب، أما أن نتفرق هذا خطأ والواجب أن نكون يدا واحدة وألا تتفرق كلمتنا وأن نكون كما قال الله : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٩٢] . وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة آل عمران، الآية: ١٠٥] وقال لرسوله ﵊: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ، [سورة الأنعام، الآية: ١٥٩] . وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ . [سورة الشورى، الآية:١٣] . أسأل الله تعالى أن يجمع كلمتنا على الحق وأن يهدينا صراطه المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ونسأله تعالى أن يرزقنا الفقه في دينه والاستقامة عليه وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين. تم بحمد الله تعالى المجلد السابع ويليه بمشيئة الله المجلد الثامن

стр. 2157

شرح العقيدة الواسطية

стр. 2158

مقدمة الشارح إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فقد من الله تعالى علينا بشرح " العقيدة الواسطية " التي ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية في عقيدة أهل السنة والجماعة تقريرًا على الطلبة الذين درسوها علينا في المسجد، ومن أجل حرصهم على حفظ التقرير، قاموا بتسجيله ثم تفريغه كتابة من أشرطة التسجيل. ومن المعلوم أن الشرح المتلقى من التقرير ليس كالشرح المكتوب بالتحرير، لأن الأول يعتريه من النقص والزيادة ما لا يعتري الثاني. وقد تقدمت عدة مكاتب نشر بطلب طباعته. ولكن، لما كان الشرح المتلقى من التقرير ليس كالشرح المكتوب بالتحرير، لذا رأيت من المهم أن أقرأ الشرح بتمهل من أجل إخراج الشرح على الوجه المرضي، ففعلت ذلك ولله الحمد وحذفت ما لا يحتاج إليه، وزدت ما يحتاج إليه. وأسأل الله تعالى أن ينفع به كما نفع بأصله، وأن يجعلنا من دعاة الحق وأنصاره، إنه قريب مجيب. المؤلف محمد بن صالح العثيمين ٢٧ \٣\١٤١٥هـ

стр. 2159

مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فإنه هذا الكتاب الذي يسمى " العقيدة الواسطية " ألفه حبر الأمة في زمانه: أبو العباس، شيخ الإسلام، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني، ﵀، المتوفى سنة ٧٢٨هـ. ولهذا الرجل من المقامات -التي يشكر عليها والتي نرجو من الله له المثوبة عليها- في الدفاع عن الحق ومهاجمة أهل الباطل ما يعلمه كل من تتبع كتبه وسبرها، والحقيقة أنه من نعم الله على هذه الأمة؛ لأن الله كف به أمورًا عظيمة خطيرة على العقيدة الإسلامية. وهذا الكتاب كتاب مختصر، يسمى " العقيدة الواسطية "، ألفه شيخ الإسلام؛ لأنه حضر إليه رجل من قضاة واسط، شكا إليه ما كان الناس يعانونه من المذاهب المنحرفة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، فكتب هذه العقيدة التي تعد زبدة لعقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالأمور التي خاض الناس فيها بالبدع وكثر فيها الكلام والقيل والقال. وقبل أن نبدأ الكلام على هذه الرسالة العظيمة نحب أن نبين أن جميع رسالات الرسل، من أولهم نوح ﵊، إلى آخرهم محمد ﷺ ؛ كلها تدعو إلى التوحيد. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .

стр. 2160

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] . وذلك أن الخلق خلقوا لواحد وهو الله ، خلقوا لعبادته، لتتعلق قلوبهم به تألهًا وتعظيمًا، وخوفًا ورجاء وتوكلًا ورغبة ورهبة، حتى ينسلخوا عن كل شيء من الدنيا لا يكون معينًا لهم على توحيد الله في هذه الأمور، لأنك أنت مخلوق، لا بد أن تكون لخالقك، قلبًا وقالبًا في كل شيء. ولهذا كانت دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى هذا الأمر الهام العظيم، عبادة الله وحده لا شريك له. ولم يكن الرسل الذين أرسلهم الله إلى البشر يدعون إلى توحيد الربوبية كدعوتهم إلى توحيد الألوهية، ذلك أن منكري توحيد الربوبية قليلون جدًّا وحتى الذين ينكرونه هم في قرارة نفوسهم لا يستطيعون أن ينكروه، اللهم إلا أن يكونوا قد سلبوا العقول المدركة أدنى إدراك، فإنهم قد ينكرون هذا من باب المكابرة. وقد قسم العلماء ﵏ التوحيد إلى ثلاثة أقسام: أحدها: توحيد الربوبية: وهو " إفراد الله في أمور ثلاثة؛ في الخلق والملك والتدبير ". دليل ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ووجه الدلالة من الآية: أنه قدم فيها الخبر الذي من حقه التأخير، والقاعدة البلاغية: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. ثم تأمل افتتاح هذه الآية بـ (ألا) الدالة على التنبيه والتوكيد: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ،

стр. 2161

لا لغيره، فالخلق هذا هو، والأمر هو التدبير. أما الملك، فدليله مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية: ٢٧] ؛ فإن هذا يدل على انفراده بالملك، ووجه الدلالة من هذه الآية كما سبق تقديم ما حقه التأخير. إذًا، فالرب منفرد بالخلق والملك والتدبير. فإن قلت: كيف تجمع بين ما قررت وبين إثبات الخلق لغير الله، مثل قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ، ومثل قوله ﷺ في المصورين: «يقال لهم أحيوا ما خلقتم» (١) ومثل قوله تعالى في الحديث القدسي: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» . (٢) ؛ فكيف تجمع بين قولك: أن الله منفرد بالخلق، وبين هذه النصوص؟ . فالجواب أن يقال: إن الخلق هو الإيجاد، وهذا خاص بالله تعالى، أما تحويل الشيء من صورة إلى أخرى، فإنه ليس بخلق حقيقة، وإن سمي خلقًا باعتبار التكوين، لكنه في الواقع ليس بخلق تام، فمثلًا: هذا النجار صنع من الخشب بابًا، فيقال: خلق بابًا لكن مادة هذه الصناعة الذي خلقها هو الله ، لا يستطيع الناس كلهم مهما بلغوا في القدرة أن يخلقوا عود أراك أبدًا، ولا أن يخلقوا ذرة ولا أن يخلقوا ذبابًا. واستمع إلى قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] .

стр. 2162

الذين: اسم موصول يشمل كل ما يدعى من دون الله من شجر وحجر وبشر وملك وغيره، كل الذين يدعون من دون الله ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] ، ولو انفرد كل واحد بذلك، لكان عجزه من باب أولى، ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣] ، حتى الذين يدعون من دون الله لو سلبهم الذباب شيئًا؛ ما استطاعوا أن يستنقذوه من هذا الذباب الضعيف، ولو وقع الذباب على أقوى ملك في الأرض، ومص من طيبه، لا يستطيع هذا الملك أن يستخرج الطيب من هذا الذباب، وكذلك لو وقع على طعامه؛ فإذًا الله هو الخالق وحده. فإن قلت: كيف تجمع بين قولك: إن الله منفرد بالملك وبين إثبات الملك للمخلوقين، مثل قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١] ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] ؟ فالجواب: أن الجمع بينهما من وجهين: الأول: أن ملك الإنسان للشيء ليس عامًّا شاملًا، لأنني أملك ما تحت يدي، ولا أملك ما تحت يدك والملك ملك الله ؛ فمن حيث الشمول: ملك الله أشمل وأوسع، وهو ملك تام. الثاني: أن ملكي لهذا الشيء ليس ملكًا حقيقيًا أتصرف فيه كما أشاء، وإنما أتصرف فيه كما أمر الشرع، وكما أذن المالك الحقيقي، وهو الله ، ولو بعت درهمًا بدرهمين، لم أملك ذلك، ولا يحل لي ذلك، فإذًا ملكي قاصر وأيضًا لا أملك فيه شيئًا من الناحية القدرية، لأن التصرف لله، فلا أستطيع أن أقول لعبدي المريض: ابرأ فيبرأ، ولا أستطيع أن أقول لعبدي الصحيح الشحيح: امرض فيمرض، لكن التصرف الحقيقي لله ، فلو قال له: ابرأ، برأ، ولو قال: امرض. مرض، فإذًا لا أملك

стр. 2163

التصرف المطلق شرعًا وقدرًا، فملكي هنا قاصر من حيث التصرف، وقاصر من حيث الشمول والعموم، وبذلك يتبين لنا كيف كان انفراد الله بالملك. وأما التدبير، فللإنسان تدبير، ولكن نقول: هذا التدبير قاصر، كالوجهين السابقين في الملك، ليس كل شيء أملك تدبيره إلا على وفق الشرع الذي أباح لي هذا التدبير. وحينئذ يتبين أن قولنا: " إن الله منفرد بالخلق والملك والتدبير ": كلية عامة مطلقة، لا يستثنى منها شيء، لأن كل ما أوردناه لا يعارض ما ثبت لله من ذلك. القسم الثاني: توحيد الألوهية: وهو إفراد الله بالعبادة، بألا تكون عبدًا لغير الله، لا تعبد ملكًا ولا نبيًّا ولا وليًّا ولا شيخًا ولا أمًّا ولا أبًا، لا تعبد إلا الله وحده، فتفرد الله وحده بالتأله والتعبد، ولهذا يسمى: توحيد الألوهية، ويسمى: توحيد العبادة، فباعتبار إضافته إلى الله هو توحيد ألوهية، وباعتبار إضافته إلى العابد هو توحيد عبادة. والعبادة مبنية على أمرين عظيمين، هما المحبة والتعظيم، الناتج عنهما: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] ، فبالمحبة تكون الرغبة، وبالتعظيم تكون الرهبة والخوف. ولهذا كانت العبادة أوامر ونواهي: أوامر مبنية على الرغبة وطلب الوصول إلى الآمر، ونواهي مبنية على التعظيم والرهبة من هذا العظيم. فإذا أحببت الله ، رغبت فيما عنده ورغبت في الوصول إليه،

стр. 2164

وطلبت الطريق الموصل إليه، وقمت بطاعته على الوجه الأكمل، وإذا عظمته خفت منه، كلما هممت بمعصية، استشعرت عظمة الخالق ، فنفرت، ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤] ، فهذه من نعمة الله عليك، إذا هممت بمعصية، وجدت الله أمامك، فهبت وخفت وتباعدت عن المعصية، لأنك تعبد الله رغبة ورهبة. فما معنى العبادة؟ العبادة: تطلق على أمرين، على الفعل والمفعول. تطل على الفعل الذي هو التعبد، فيقال: عبد الرجل ربه عبادة وتعبدًا وإطلاقها على التعبد من باب إطلاق اسم المصدر، ونعرفها باعتبار إطلاقها على الفعل بأنها: " التذلل لله حبًّا وتعظيمًا، بفعل أوامره واجتناب نواهيه ". وكل من ذل لله عز بالله , ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨] . وتطلق على المفعول، أي: المتعبد به وهي بهذا المعنى تعرف بما عرفها به شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال ﵀: " العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ". (١) هذا الشيء الذي تعبدنا الله به يجب توحيد الله به، لا يصرف لغيره، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والدعاء والنذر والخشية والتوكل. . إلى غير ذلك من العبادات. فإن قلت: ما هو الدليل على أن الله منفرد بالألوهية؟

стр. 2165

فالجواب: هناك أدلة كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] . وأيضًا قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] ٍ، لو لم يكن من فضل العلم إلا هذه المنقبة، حيث إن الله ما أخبر أن أحدًا شهد بألوهيته إلا أولو العلم، نسأل الله أن يجعلنا منهم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ ، بالعدل، ثم قرر هذه الشهادة بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، فهذا دليل واضح على أنه لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنتم تشهدون أن لا إله إلا الله. هذه الشهادة الحق. إذا قال قائل: كيف تقرونها مع أن الله تعالى يثبت ألوهية غيره، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] ، ومثل قوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ، ومثل قوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١] ، ومثل قول إبراهيم: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] . . إلى غير ذلك من الآيات، كيف تجمع بين هذا وبين الشهادة بأن لا إله إلا الله؟ فالجواب: أن ألوهية ما سوى الله ألوهية باطلة، مجرد تسمية , ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] ، فألوهيتها باطلة، وهي وإن عبدت وتَأَلَّهَ إليها من ضل، فإنها ليست أهلًا لأن تعبد، فهي آلهة معبودة، لكنها آلهة باطلة ,

стр. 2166

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠] . وهذا النوعان من أنواع التوحيد لا يجحدهما ولا ينكرهما أحد من أهل القبلة المنتسبين إلى الإسلام؛ لأن الله تعالى موحد بالربوبية والألوهية، لكن حصل فيما بعد أن من الناس من ادعى ألوهية أحد من البشر؛ كغلاة الرافضة مثلًا، الذين يقولون: إن عليًّا إله، كما صنع زعيمهم عبد الله بن سبأ؛ حيث جاء إلى علي بن أبي طالب ﵁، وقال له: أنت الله حقًّا! لكن عبد الله بن سبأ أصله يهودي دخل في دين الإسلام بدعوى التشيع لآل البيت؛ ليفسد على أهل الإسلام دينهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: " إن هذا صنع كما صنع بولص حين دخل في دين النصارى ليفسد دين النصارى ". (١) هذا الرجل عبد الله بن سبأ قال لعليّ بن أبي طالب ﵁ أنت الله حقًّا! وعلي بن أبي طالب لا يرضى أن أحدًا ينزله فوق منزلته هو حتى إنه ﵁ من إنصافه وعدله وعلمه وخبرته كان يقول على منبر الكوفة: " خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر "، (٢) يعلن ذلك في الخطبة، وقد تواتر النقل عنه بذلك ﵁، والذي يقول هكذا ويقر بالفضل لأهله من

стр. 2167

البشر كيف يرضى أن يقول له قائل: إنك أنت الله؟! ولهذا عزرهم أبشع تعزير، أمر بالأخاديد فخدت، ثم ملئت حطبًا وأوقدت، ثم أتى بهؤلاء فقذفهم في النار وأحرقهم بها؛ لأن فريتهم عظيمة -والعياذ بالله- وليست هينة، ويقال: إن عبد الله بن سبأ هرب ولم يمسكوه المهم أن علي بن أبي طالب ﵁ أحرق السبئية بالنار، لأنهم ادعوا فيه الألوهية. فنقول: كل من كان من أهل القبلة لا ينكرون هذين النوعين من التوحيد: وهما: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وإن كان يوجد في بعض أهل البدع من يؤله أحدًا من البشر. لكن الذي كثر فيه النزاع بين أهل القبلة هو: القسم الثالث وهو توحيد الأسماء والصفات: هذا هو الذي كثر فيه الخوض، فانقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام، وهم: ممثل، ومعطل، ومعتدل، والمعطل: إما مكذب أو محرف. وأول بدعة حدثت في هذه الأمة هي بدعة الخوارج؛ لأن زعيمهم خرج على النبي ﷺ وهو ذو الخويصرة من بني تميم، حين قسم النبي ﷺ ذهبية جاءت فقسمها بين الناس، فقال له هذا الرجل: يا محمد اعدل! (١) فكان هذا أول خروج خُرِجَ به على الشريعة الإسلامية، ثم عظمت فتنتهم في أواخر خلافة عثمان وفي الفتنة بين عليّ ومعاوية، فكفروا المسلمين واستحلوا دماءهم. ثم حدثت بدعة القدرية مجوسي هذه الأمة الذين قالوا: إن الله لم يقدر أفعال العباد وليست داخلة تحت مشيئته وليست

стр. 2168

مخلوقة له، بل كان زعماؤهم وغلاتهم يقولون: إنها غير معلومة لله، ولا مكتوبة في اللوح المحفوظ، وأن الله لا يعلم بما يصنع الناس، إلا إذا وقع ذلك ويقولون: إن الأمر أنُف؛ أي: مستأنف وهؤلاء أدركوا آخر عصر الصحابة، فقد أدركوا زمن عبد الله بن عمر ﵁ وعبادة بن الصامت وجماعة من الصحابة، لكنه في أواخر عصر الصحابة. ثم حدثت بدعة الإرجاء وأدركت زمن كثير من التابعين، والمرجئة هم الذين يقولون: إنه لا تضر مع الإيمان معصية! أنت مؤمن تقول نعم. يقول لك: لا تضرك المعصية مع الإيمان تزني وتسرق وتشرب الخمر، وتقتل ما دمت مؤمنًا، فأنت مؤمن كامل الإيمان وإن فعلت كل معصية! لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كلام القدرية والمرجئة حين رده بقايا الصحابة كان في الطاعة والمعصية والمؤمن والفاسق، لم يتكلموا في ربهم وصفاته. فجاء قوم من الأذكياء ممن يدَّعون أن العقل مقدم على الوحي، فقالوا قولًا بين القولين -قول المرجئة وقول الخوارج- قالوا: الذي يفعل الكبيرة ليس بمؤمن كما قاله المرجئة، وليس بكافر كما قاله الخوارج، بل هو في منزلة بين منزلتين، كرجل سافر من مدينة إلى أخرى فصار في أثناء الطريق، فلا هو في مدينته ولا في التي سافر إليها، بل في منزلة بين منزلتين، هذا في أحكام الدنيا، أما في الآخرة، فهو مخلد في النار، فهم يوافقون الخوارج في الآخرة، لكن في الدنيا يخالفونهم. ظهرت هذه البدعة وانتشرت، ثم حدثت بدعة الظلمة والجهمة، وهي بدعة جهم بن صفوان وأتباعه، ويسمون الجهمية، حدثت هذه البدعة، وهي لا تتعلق بمسألة الأسماء، والأحكام؛ مؤمن أم كافر أم فاسق، ولا في منزلة بين منزلتين، بل تتعلق بذات الخالق. انظر كيف تدرجت البدع

стр. 2169

في صدر الإسلام، حتى وصلوا إلى الخالق جل وعلا، وجعلوا الخالق بمنزلة المخلوق، يقولون كما شاؤوا، فيقولون: هذا ثابت لله، وهذا غير ثابت، هذا يقبل العقل أن يتصف الله به، وهذا لا يقبل العقل أن يتصف به، فحدثت بدعة الجهمية والمعتزلة، فانقسموا في أسماء الله وصفاته إلى أقسام متعددة: قسم قالوا: لا يجوز أبدًا أن نصف الله لا بوجود ولا بعدم، لأنه إن وصف بالوجود، أشبه الموجودات، وإن وصف بالعدم، أشبه المعدومات، وعليه يجب نفي الوجود والعدم عنه، وما ذهبوا إليه، فهو تشبيه للخالق بالممتنعات والمستحيلات؛ لأن تقابل العدم والوجود تقابل نقيضين، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وكل عقول بني آدم تنكر هذا الشيء ولا تقبله، فانظر كيف فروا من شيء فوقعوا في أشر منه. وقسم آخر قالوا: نصفه بالنفي ولا نصفه بالإثبات، يعني: أنهم يجوزون أن تسلب عن الله الصفات لكن لا تثبت؛ يعني: لا نقول: هو حي، وإنما نقول: ليس بميت! ولا نقول: عليم، بل نقول: ليس بجاهل.. . وهكذا. قالوا: لو أثبتَّ له شيئًا شبهته بالموجودات، لأنه على زعمهم كل الأشياء الموجودة متشابهة، فأنت لا تثبت له شيئًا، وأما النفي، فهو عدم، مع أن الموجود في الكتاب والسنة في صفات الله من الإثبات أكثر من النفي بكثير. قيل لهم: إن الله قال عن نفسه: (سميع بصير) . قالوا: هذا من باب الإضافات؛ بمعنى: نُسِبَ إليه السمع لا لأنه متصف به، ولكن لأن له مخلوقًا يسمع، فهو من باب الإضافات؛ فـ (سميع) ؛ يعني: ليس له سمع، لكن له مسموع. وجاءت طائفة ثانية، قالوا: هذه الأوصاف لمخلوقاته، وليست له،

стр. 2170

أما هو، فلا يثبت له صفة. ٣ - وقسم قالوا: يثبت له الأسماء دون الصفات، وهؤلاء هم المعتزلة أثبتوا أسماء الله؛ قالوا: إن الله سميع بصير قدير عليم حكيم.. . لكن قدير بل قدرة، سميع بلا سمع بصير بلا بصر، عليم بلا علم، حكيم بلا حكمة. ٤ - وقسم رابع قالوا: نثبت له الأسماء حقيقة، ونثبت له صفات معينة دل عليها العقل وننكر الباقي؛ نثبت له سبع صفات فقط والباقي ننكره تحريفًا لا تكذيبًا، لأنهم لو أنكروه تكذيبًا، كفروا، لكن ينكرونه تحريفًا وهو ما يدعون أنه " تأويل ". الصفات السبع هي مجموعة في قوله: له الحياة والكلام والبصر ... سمع إرادة وعلم واقتدر فهذه الصفات نثبتها لأن العقل دل عليها وبقية الصفات ما دل عليها العقل، فنثبت ما دل عليه العقل، وننكر ما لم يدل عليه العقل وهؤلاء هم الأشاعرة، آمنوا بالبعض، وأنكروا البعض. فهذه أقسام التعطيل في الأسماء والصفات وكلها متفرعة من بدعة الجهم، «ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» . (١) فالحاصل أنكم أيها الإخوة لو طالعتم في كتب القوم التي تعتني بجمع أقاويل الناس في هذا الأمر، لرأيتم العجب العجاب، الذي تقولون: كيف يتفوه عاقل -فضلًا عن مؤمن- بمثل هذا الكلام؟! ولكن من لم يجعل الله له نورًا، فما له من نور! الذي أعمى الله بصيرته كالذي أعمى الله

стр. 2171

بصره؛ فكما أن أعمى البصر لو وقف أمام الشمس التي تكسر نور البصر لم يرها، فكذلك من أعمى الله بصيرته لو وقف أمام أنوار الحق ما رآها والعياذ بالله. ولهذا ينبغي لنا دائمًا أن نسأل الله تعالى الثبات على الأمر، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا لأن الأمر خطير، والشيطان يدخل على ابن آدم من كل صوب ومن كل وجه ويشككه في عقيدته وفي دينه وفي كتاب الله وسنة رسوله فهذه في الحقيقة البدع التي انتشرت في الأمة الإسلامية. ولكن ولله الحمد ما ابتدع أحد بدعة، إلا قيض الله له بمنه وكرمه من يبين هذه البدعة ويدحضها بالحق وهذا من تمام مدلول قول الله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ، هذا من حفظ الله لهذا الذكر، وهذا أيضًا هو مقتضى حكمة الله ؛ لأن الله تعالى جعل محمدًا ﷺ خاتم النبيين، والرسالة لا بد أن تبقى في الأرض، وإلا لكان للناس حجة على الله وإذا كانت الرسالة لا بد أن تبقى في الأرض؛ لزم أن يقيض الله بمقتضى حكمته عند كل بدعة من يبينها ويكشف عورها، وهذا هو الحاصل، ولهذا أقول لكم دائمًا: احرصوا على العلم؛ لأننا في هذا البلد في مستقبل إذا لم نتسلح بالعلم المبني على الكتاب والسنة؛ فيوشك أن يحل بنا ما حل في غيرنا من البلاد الإسلامية، وهذا البلد الآن هو الذي يركز عليه أعداء الإسلام ويسلطون عليه سهامهم، من أجل أن يضلوا أهلها؛ فلذلك تسلحوا بالعلم، حتى تكونوا على بينة من أمر دينكم وحتى تكونوا مجاهدين بألسنتكم وأقلامكم لأعداء الله . وكل هذه البدع انتشرت بعد الصحابة؛ فالصحابة ﵃ لم يكونوا يبحثون في هذه الأمور، لأنهم يتلقون الكتاب والسنة على

стр. 2172

ظاهرهما وعلى ما تقتضيه الفطرة، والفطرة السليمة سليمة، لكن أتى هؤلاء المبتدعون، فابتدعوا في دين الله تعالى ما ابتدعوا، إما لقلة علمهم، أو لقصور فهمهم، أو لسوء قصدهم، فأفسدوا الدنيا بهذه البدع التي ابتدعوها، ولكن كما قلنا: إن الله تعالى بحكمته وحمده ومنته وفضله مامن بدعة خرجت إلا قيض الله لها من يدحضها ويبينها. ومن جملة الذين بينوا البدع وقاموا قيامًا تامًّا بدحضها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وأسأل الله لي ولكم أن يجمعنا به في جنات النعيم. هذا الرجل الذي نفع الله بما آتاه من فضله ومنَّ على الأمة بمثله ألف هذه " العقيدة " كما قلت إجابة لطلب أحد قضاة واسط الذي شكا إليه ما كان الناس عليه من البدع وطلب منه أن يؤلف هذه " العقيدة " فألفها.

стр. 2173

بسم الله ــ * البداءة بالبسملة هي شأن جميع المؤلفين؛ اقتداء بكتاب الله؛ حيث أنزل البسملة في ابتداء كل سورة واستنادًا إلى سنة الرسول ﷺ . و إعراب البسملة ومعناها تكلم فيه الناس كثيرًا، وفي متعلقها، وأحسن ما يقال في ذلك: أنها متعلقة بفعل محذوف متأخر مناسب للمقام؛ فإذا قدمتها بين يدي الأكل، فيكون التقدير: بسم الله آكل، وبين يدي القراءة يكون التقدير: بسم الله أقرأ. نقدره فعلًا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال لا الأسماء، ولهذا كانت الأفعال تعمل بلا شرط، والأسماء لا تعمل إلا بشرط؛ لأن العمل أصل في الأفعال، فرع في الأسماء. ونقدره متأخرًا لفائدتين: الأولى: الحصر؛ لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، فيكون: باسم الله أقرأ، بمنزلة: لا أقرأ إلا باسم الله. الثانية: تيمنًا بالبداءة باسم الله . ونقدره خاصًّا؛ لأن الخاص أدل على المقصود من العام، إذ من الممكن أن أقول: التقدير: باسم الله أبتدئ لكن (باسم الله أبتدئ) لا تدل على تعيين المقصود، لكن (باسم الله أقرأ) خاص، والخاص أدل على المعنى من العام. * " الله " علم على نفس الله ، ولا يسمى به غيره ومعناه: المألوه، أي: المعبود محبة وتعظيمًا وهو مشتق على القول الراجح لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] ، فإن ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلق بلفظ الجلالة، يعني: وهو

стр. 2174

الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أرسل رسوله ــ المألوه في السماوات وفي الأرض. " الرحمن "، فهو ذو الرحمة الواسعة؛ لأن (فعلان) في اللغة العربية تدل على السعة والامتلاء، كما يقال: رجل غضبان: إذا امتلأ غضبًا. " الرحيم " اسم يدل على الفعل؛ لأنه فعيل بمعنى فاعل فهو دال على الفعل. فيجتمع من "الرحمن الرحيم": أن رحمة الله واسعة وأنها واصلة إلى الخلق. وهذا هو ما أوما إليه بعضهم بقوله: الرحمن رحمة عامة والرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين، ولما كانت رحمة الله للكافر رحمة خاصة في الدنيا فقط فكأنها لا رحمة لهم؛ لأنهم في الآخرة يقول تعالى لهم إذا سألوا الله أن يخرجهم من النار وتوسلوا إلى الله تعالى بربوبيته واعترافهم على أنفسهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ؛ فلا تدركهم الرحمة، بل يدركهم العدل، فيقول الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] . الله تعالى يحمد على كماله وعلى إنعامه، فنحن نحمد الله لأنه كامل الصفات من كل وجه، ونحمده أيضًا لأنه كامل الأنعام والإحسان: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] ، وأكبر نعمة أنعم الله بها على الخلق إرسال الرسل الذي به هداية الخلق، ولهذا يقول المؤلف "الحمد لله الذي أرسل رسول رسوله بالهدى ودين الحق". والمراد بالرسول هنا الجنس، فإن جميع الرسل أرسلوا بالهدى ودين الحق، ولكن الذي أكمل الله به الرسالة محمد ﷺ ، فإنه قد ختم الله به

стр. 2175

بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. ــ الأنبياء، وتم به البناء، كما وصف محمد ﷺ نفسه بالنسبة للرسل، كرجل بنى قصرًا وأتمه، إلا موضع لبنة، فكان الناس يأتون إلى هذا القصر ويتعجبون منه؛ إلا موضع هذه اللبنة، يقول: «فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» (١) ، ﵊. " بالهدى ": الباء هنا للمصاحبة والهدى هو العلم النافع ويحتمل أن تكون الباء للتعدية، أي: إن المرسل به هو الهدى ودين الحق. "ودين الحق" هو العمل الصالح؛ لأن الدين هو العمل أو الجزاء على العمل، فمن إطلاقه على العمل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ، ومن إطلاقه على الجزاء قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧] . والحق ضد الباطل، وهو -أي الحق- المتضمن لجلب المصالح ودرء المفاسد في الأحكام والأخبار. " ليظهره على الدين كله ": اللام للتعليل ومعنى " ليظهره "، أي: يعليه؛ لأن الظهور بمعنى العلو، ومنه: ظهر الدابة أعلاها ومنه: ظهر الأرض سطحها، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] . والهاء في "يظهره" هل هو عائد على الرسول أو على الدين؟ إن كان عائدًا على " دين الحق "؛ فكل من قاتل لدين الحق سيكون هو العالي. لأن الله يقول: " ليظهره "، يظهر هذا الدين على الدين كله، وعلى ما لا دين له فيظهره عليهم من باب أولى؛ لأن من لا يدين أخبث ممن يدين بباطل؛ فإذًا: كل الأديان التي يزعم أهلها أنهم على حق سيكون دين الإسلام عليها
следующие страницы →