← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم إن صدر ــ ولكن العصمة في إجماعهم؛ فلا يمكن أن يجمعوا على شيء من كبائر الذنوب وصغائرها فيستحلوها أو يفعلوا. لكن الواحد منهم قد يفعل شيئا من الكبائر، كما حصل من مسطح بن أثاثه وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش في قصة الإفك (١) ، ولكن هذا الذي حصل تطهروا منه بإقامة الحد عليهم. يعني: كغيرهم من البشر، لكن يمتازون عن غيرهم بما قال المؤلف ﵀: " ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر ". هذا من الأسباب التي يمحو الله بها عنهم ما فعلوه من الصغائر أو الكبائر، وهو ما لهم من السوابق والفضائل التي لم يلحقهم فيها أحد، فهم نصروا النبي ﵊، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وبذلوا رقابهم لإعلاء كلمة الله، فهذه توجب مغفرة ما صدر منهم، ولو كان من أعظم الذنوب، إذا لم يصل إلى الكفر. ومن ذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة حين أرسل إلى قريش يخبرهم عن مسير النبي ﷺ إليهم، حتى أطلع الله نبيه على ذلك، فلم يصلهم الخبر، فاستأذن عمر النبي ﷺ أن يضرب عنق حاطب، فقال النبي ﷺ : «إنه شهد بدرا، وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما»

стр. 2767

حتى أنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ : أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به، كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم، ثم إن كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته ــ «شئتم، فقد غفرت لكم» . وذلك في قوله ﷺ : «خير الناس قرني» ، وفي قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» . يعني: وإذا تاب منه، ارتفع عنه وباله ومعرته، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] ، ومن تاب من الذنب كمن لا ذنب له، فلا يؤثر عليه. لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] . لقوله تعالى في الحديث القدسي في أهل بدر: «اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» .

стр. 2768

أو بشفاعة محمد ﷺ الذين هم أحق الناس بشفاعته أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا، فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور. ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم ــ وقد سبق أن النبي ﷺ يشفع في أمته، والصحابة ﵃ أحق الناس في ذلك. فإن البلاء في الدنيا يكفر الله به السيئات، كما أخبر بذلك النبي ﷺ في قوله: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها» ﷺ ، والأحاديث في هذا مشهورة كثيرة. سبق دليله، فتكون هذه من باب أولى ألا تكون سببا للقدح فيهم والعيب. فهذه الأسباب التي ذكرها المؤلف ترفع القدح في الصحابة، وهي قسمان: الأول: خاص بهم، وهو ما لهم من السوابق والفضائل. والثاني: عام، وهي التوبة، والحسنات الماحية، وشفاعة النبي ﷺ ، والبلاء. القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل جدا نزر أقل القليل، ولهذا

стр. 2769

من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل، علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء ــ قال: " مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم ". ولا شك أنه حصل من بعضهم سرقة وشرب خمر وقذف وزنى بإحصان وزنى بغير إحصان، لكن كل هذه الأشياء تكون مغمورة في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، وبعضها أقيم فيه الحدود، فيكون كفارة. فكل هذه مناقب وفضائل معلومة مشهورة، تغمر كل ما جاء من مساوئ القوم المحققة، فكيف بالمساوئ غير المحققة أو التي كانوا فيها مجتهدين متأولين. هذا بالإضافة إلى ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قوله: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄. وعلى هذا تثبت خيريتهم على غيرهم من أتباع الأنبياء بالنص والنظر في أحوالهم. فإذا نظرت بعلم وبصيرة وإنصاف في محاسن القوم وما أعطاهم الله من الفضائل، علمت يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، فهم خير من الحواريين أصحاب عيسى، خير من النقباء أصحاب موسى، وخير من الذين آمنوا من نوح ومع هود وغيرهم، لا يوجد أحد في أتباع الأنبياء أفضل من الصحابة ﵃، والأمر في هذا ظاهر معلوم، لقوله تعالى:

стр. 2770

لا كان ولا يكون مثلهم وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى ــ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، وخيرنا الصحابة، ولأن النبي ﷺ خير الخلق، فأصحابه خير الأصحاب بلا شك. هذا عند أهل السنة والجماعة، أما عند الرافضة، فهم شر الخلق، إلا من استثنوا منهم. أي: ما وجد ولا يوجد مثلهم، لقوله ﵊: «خير الناس قرني» فلا يوجد على الإطلاق مثلهم ﵃ لا سابقا ولا لاحقا. أما كون هذه الأمة خير الأمم، فلقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [ال عمران: ١١٠] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ، ولأن النبي ﷺ خير الرسل، فلا جرم أن تكون أمته خير الأمم. - وأما كون الصحابة صفوة قرون الأمة، فلقوله ﷺ : «خير الناس قرني» ، وفي لفظ: «خير أمتي قرني» ، والمراد بقرنه: الصحابة، وبالذين يلونهم: التابعون، وبالذين يلونهم: تابعو التابعين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والاعتبار بالقرون الثلاثة بجمهور أهل القرن، وهم وسطه، وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء

стр. 2771

الأربعة، حتى إنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل، وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك وجمهور تابعي التابعين في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية " اهـ. وكان آخر الصحابة موتا أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي سنة مئة من الهجرة، وقيل: مئة وعشر. قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (١) : " واتفقوا على أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومئتين ".

стр. 2772

فصل ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء ــ فصل في كرامة الأولياء كرامات الأولياء مسألة هامة ينبغي أن يعرف الحق فيها من الباطل، هل هي حقيقة ثابتة، أو هي من باب التخيلات؟ فبين المؤلف ﵀ قول أهل السنة فيها بقوله: " ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء ". فمن هم الأولياء؟ والجواب: أن الله بينهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " من كان مؤمنا تقيا، كان الله وليا ". ليست الولاية بالدعوى والتمني، الولاية إنما هي بالإيمان والتقوى، فلو رأينا رجلا يقول: إنه ولي ولكنه غير متق لله تعالى، فقوله مردود عليه. أما الكرامات، فهي جمع كرامة، والكرامة أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد ولي، تأييدا له، أو إعانة، أو تثبيتا، أو نصرا للدين. - فالرجل الذي أحيا الله تعالى له فرسه، وهو صلة بن أشيم، بعد أن ماتت، حتى وصل إلى أهله، فلما وصل إلى أهله، قال لابنه: ألق السرج

стр. 2773

عن الفرس، فإنها عرية! فلما ألقى السرج عنها، سقطت ميتة. فهذه كرامة لهذا الرجل إعانة له. - أما التي لنصرة الإسلام، فمثل الذي جرى للعلاء بن الحضرمي ﵁ في عبور ماء البحر، وكما جرى لسعد بن أبي وقاص ﵁ في عبور نهر دجلة، وقصتها مشهورة في التاريخ. فالكرامة أمر خارق للعادة. أما ما كان على وفق العادة، فليس بكرامة. وهذا الأمر إنما يجريه الله على يد ولي، احترازا من أمور السحر والشعوذة، فإنها أمور خارقة للعادة، لكنها تجري على يد غير أولياء الله، بل على يد أعداء الله، فلا تكون هذه كرامة. وقد كثرت هذه الكرامات التي تدعى أنها كرامات في هؤلاء المشعوذين الذين يصدون عن سبيل الله، فالواجب الحذر منهم ومن تلاعبهم بعقول الناس وأفكارهم. فالكرامة ثابتة بالقرآن والسنة، والواقع سابقا ولاحقا. - فمن الكرامات الثابتة بالقرآن والسنة لمن سبق قصة أصحاب الكهف، الذين عاشوا في قوم مشركين، وهم قد آمنوا بالله، وخافوا أن يغلبوا على آمرهم، فخرجوا من القرية مهاجرين إلى الله ، فيسر الله لهم غارا في جبل، وجه هذا الغار إلى الشمال، فلا تدخل الشمس عليهم فتفسد أبدانهم ولا يحرمون منها، إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، وهم في فجوه منه، وبقوا في هذا الكهف ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا، وهم نائمون، يقلبهم الله ذات

стр. 2774

اليمن وذات الشمال، في الصيف وفي الشتاء، لم يزعجهم الحر، ولم يؤلمهم البرد، ما جاعوا وما عطشوا وما ملوا من النوم. فهذه كرامة بلا شك، بقوا هكذا حتى بعثهم الله وقد زال الشرك عن هذه القرية، فسلموا منه. - ومن ذلك قصة مريم ﵂، أكرمها الله حيث أجاءها المخاض إلى جذع النخلة، وأمرها الله أن تهز بجذعها لتتساقط عليها رطبا جنيا. - ومن ذلك قصة الرجل الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه، كرامة له، ليتبين له قدرة الله تعالى، ويزداد ثباتا في إيمانه. - أما في السنة، فالكرامات كثيرة، وراجع (كتاب الإنبياء، باب ما ذكر عن بن إسرائيل) في " صحيح البخاري "، وكتاب " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " لشيخ الإسلام ابن تيمية. - وأما شهادة الواقع بثبوت الكرامات، فظاهر، يعلم به المرء في عصره، إما بالمشاهدة، وإما بالأخبار الصادقة. فمذهب أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء. وهناك مذهب مخالف لمذهب أهل السنة، وهو مذهب المعتزلة ومن تبعهم، حيث إنهم ينكرون الكرامات، ويقولون: إنك لو أثبت الكرامات، لاشتبه الساحر بالولي بالنبي، لأن كل واحد منهم يأتي بخارق. فيقال: لا يمكن الالتباس، لأن الكرامة على يد ولي، والولي لا يمكن أن يدعي النبوة، ولو ادعاها، لم يكن وليا. آية النبي تكون على يد نبي،

стр. 2775

والشعوذة والسحر على يد عدو بعيد من ولاية الله، وتكون بفعله باستعانته بالشياطين، فينالها بكسبه، بخلاف الكرامة، فهي من الله تعالى، لا يطلبها الولي بكسبه. قال العلماء: كل كرامة لولي، في آية للنبي الذي اتبعه، لأن الكرامة شهادة من الله أن طريق هذا الولي طريق صحيح. وعلى هذا، ما جرى من الكرامات للأولياء من هذه الأمة فإنها آيات لرسول الله ﷺ . ولهذا قال بعض العلماء: ما من آية لنبي من الأنبياء السابقين، إلا ولرسول الله ﷺ مثلها. - فأورد عليهم أن الرسول ﷺ لم يلق في النار فيخرج حيا، كما حصل ذلك لإبراهيم. فأجيب بأنه جرى ذلك لأتباع الرسول ﵊، كما ذكره المؤرخون عن أبي مسلم الخولاني، وإذا أكرم أتباع الرسول ﵊ بجنس هذا لأمر الخارق للعادة، دل ذلك على أن دين النبي ﷺ حق، لأنه مؤيد بجنس هذه الآية التي حصلت لإبراهيم. وأورد عليهم أن البحر لم يفلق للنبي ﷺ ، وقد فلق لموسى! فأجيب بأنه حصل لهذه الأمة فيما يتعلق في البحر شيء أعظم مما حصل لموسى، وهو المشي على الماء، كما في قصة العلاء بن الحضرمي، حيث مشوا على ظهر الماء، وهذا أعظم مما حصل لموسى، مشى على أرض يابسة.

стр. 2776

وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات ــ وأورد عليهم أن من آيات عيسى إحياء الموتى، ولم يقع ذلك لرسول الله ﷺ . فأجيب بأنه حصل وقع لأتباع الرسول ﵊، كما في قصة الرجل الذي مات حماره في أثناء الطريق، فدعا الله تعالى أن يحييه، فأحياه الله تعالى. وأورد عليهم إبراء الأكمة والأبرص. فأجيب بأنه حصل من النبي ﷺ أن قتادة بن النعمان لما جرح في أحد، ندرت عينه حتى صارت على خده، فجاء النبي ﷺ ، فأخذها بيده، ووضعها في مكانها، فصارت أحسن عينيه. فهذه من أعظم الآيات. فالآيات التي كانت للأنبياء السابقين كان من جنسها للنبي ﷺ أو لأمته، ومن أراد المزيد من ذلك، فليرجع إلى كتاب " البداية والنهاية في التاريخ " لابن كثير. تنبيه: الكرامات، قلنا: إنها تكون تأييدا أو تثبيتا أو إعانة للشخص أو نصرا للحق، ولهذا كانت الكرامات في التابعين أكثر منها في الصحابة، لأن الصحابة عندهم من التثبيت والتأييد والنصر ما يستغنون به عن الكرامات فإن الرسول ﷺ كان بين أظهرهم، وأما التابعون، فإنهم دون ذلك، ولذلك كثرت الكرامات في زمنهم تأييدا لهم وتثبيتا ونصرا للحق الذي هم عليه. " خوارق ": جمع خارق. و" العادات ": جمع عادة.

стр. 2777

في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات ــ والمراد بـ " خوارق العادات ": ما يأتي على خلاف العادة الكونية. وهذه الكرامات لها أربع دلالات: أولا: بيان كمال قدرة الله ، حيث حصل هذا الخارق للعادة بأمر الله. ثانيا: تكذيب القائلين بأن الطبيعة هي التي تفعل، لأنه لو كانت الطبيعة هي التي تفعل، لكانت الطبيعة على نسق واحد لا يتغير، فإذا تغيرت العادات والطبيعة، دل على أن للكون مدبرا وخالقا. ثالثا: أنها آية للنبي المتبوع كما أسلفنا قريبا. رابعا: أن فيها تثبيتا وكرامة لهذا الولي. يعني: أن الكرامة تنقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بالعلوم والمكاشفات، وقسم آخر يتعلق بالقدرة والتأثيرات. - أما العلوم، فأن يحصل للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره. - وأما المكاشفات، فأن يظهر له من الأشياء التي يكشف له عنها ما لا يحصل لغيره. - مثال الأول - العلوم: ما ذكر عن أبي بكر: أن الله أطلعه على ما في بطن زوجته - الحمل -، أعلمه الله أنه أنثى. (١) - ومثال الثاني - المكاشفات -: ما حصل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حيث كان يخطب الناس يوم الجمعة على المنبر، فسمعوه يقول: يا سارية! الجبل! فتعجبوا من هذا الكلام، ثم سألوه عن ذلك؟

стр. 2778

كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة ــ فقال: إنه كشف له عن سارية بن زنيم وهو أحد قواده في العراق، وأنه محصور من عدوه، فوجهه إلى الجبل، وقال له: يا سارية! الجبل! فسمع سارية صوت عمر، وانحاز إلى الجبل، وتحصن به. (١) هذه من أمور المكاشفات، لأنه أمر واقع، لكنه بعيد. - أما القدرة والتأثيرات، فمثل ما وقع لمريم من هزها لجذع النخل وتساقط الرطب عليها، ومثل ما وقع للذي عنده علم من الكتاب، حيث قال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ . الكرامات موجودة فيما سبق من الأمم، ومنها قصة أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة، وموجودة في عهد الرسول ﷺ ، كقصة أسيد بن حضير، وتكثير الطعام عند بعض الصحابة، وموجودة في التابعين، مثل قصة صلة بن أشيم الذي أحيا الله له فرسه. يقول شيخ الإسلام في كتاب " الفرقان ": " وهذا باب واسع، قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع، وأما ما نعرفه نحن عيانا ونعرفه في هذا الزمان، فكثير ". الدليل على أنها موجودة إلى يوم القيامة: سمعي وعقلي:

стр. 2779

- أما السمعي، فإن الرسول ﷺ أخبر في قصة الدجال أنه يدعو رجلا من الناس من الشباب، يأتي، ويقول له: كذبت! إنما أنت المسيح الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله ﷺ ، فيأتي الدجال، فيقتله قطعتين، فيجعل واحدة هنا وواحدة هنا رمية الغرض (يعني: بعيد ما بينهما) ، ويمشي بينهما، ثم يدعوه، فيقوم يتهلل، ثم يدعوه ليقر له بالعبودية، فيقول الرجل: ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم! فيريد الدجال أن يقتله، فلا يسلط عليه. فهذه أي: عدم تمكن الدجال من قتل ذلك الشاب من الكرامات بلا شك. - وأما العقلي، فيقال: ما دام سبب الكرامة هي الولاية، فالولاية لا تزال موجودة إلى قيام الساعة (١)

стр. 2780

فصل ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار الرسول ﷺ ــ فصل في طريقة أهل السنة العملية لما فرغ المؤلف مما يريد ذكره من طريقة أهل السنة العقدية، شرع في ذكر طريقتهم العملية. قوله: " اتباع الآثار ": لا اتباع إلا بعلم، إذا، فهم حريصون على طلب العلم، ليعرفوا آثار الرسول ﷺ ثم يتبعونها فهم يتبعون آثار الرسول ﷺ في العقيدة والعبادة والأخلاق والدعوة إلى الله تعالى، يدعون عباد الله إلى شريعة الله في كل مناسبة، وكلما اقتضت الحكمة أن يدعوا إلى الله، دعوا إلى الله، ولكنهم لا يخبطون خبط عشواء، وإنما يدعون بالحكمة، يتبعون آثار الرسول ﵊ في الأخلاق الحميدة في معاملة الناس باللطف واللين، وتنزيل كل إنسان منزلته، يتبعونه أيضا في أخلاقه مع أهله، فتجدهم يحرصون على أن يكونوا أحسن الناس لأهليهم، لأن النبي ﷺ يقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» . (١) ونحن لا نستطيع أن نحصر آثار الرسول ﵊، ولكن نقول على سبيل الإجمال في العقيدة والعبادة والخلق والدعوة: في العبادة لا يتشددون ولا يتهاونون ويتبعون ما هو أفضل. وربما يشتغلون عن العبادة بمعاملة الخلق للمصلحة، كما كان الرسول يأتيه الوفود يشغلونه عن الصلاة، فيقضيها فيما بعد.

стр. 2781

باطنا وظاهرا ــ قوله: " باطنا وظاهرا ": الظهور والبطون أمر نسبي: ظاهرا فيما يظهر للناس، وباطنا فيما يسرونه بأنفسهم. ظاهرا في الأعمال الظاهرة، وباطنا في أعمال القلوب......... فمثلا، التوكل والخوف والرجاء والإنابة والمحبة وما أشبه ذلك، هذه من أعمال القلوب، يقومون بها على الوجه المطلوب، والصلاة فيها القيام والقعود والركوع والسجود والصدقة والحج، والصيام، وهذه من أعمال الجوارح، فهي ظاهرة. ثم اعلم أن آثار الرسول ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام أو أكثر: أولا: ما فعله على سبيل التعبد، فهذا لا شك أننا مأمورون باتباعه، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ، فكل شيء لا يظهر فيه أنه فعله تأثرا بعادة أو بمقتضى جبلة وفطرة أو حصل اتفاقا، فإنه على سبيل التعبد، ونحن مأمورون به. ثانيا: ما فعله اتفاقا، فهذا لا يشرع لنا التأسي فيه، لأنه غير مقصود، كما لو قال قائل: ينبغي أن يكون قدومنا إلى مكة في الحج في اليوم الرابع من ذي الحجة لأن الرسول ﷺ قدم مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة. (١) فنقول: هذا غير مشروع، لأن قدومه ﷺ في هذا اليوم وقع اتفاقا. ولو قائل قال: ينبغي إذا دفعنا من عرفة ووصلنا إلى الشعب الذي نزل فيه ﷺ وبال أن ننزل ونبول ونتوضأ وضوء خفيفا كما فعل النبي ﷺ ! فنقول: هذا لا يشرع.

стр. 2782

وكذلك غيرها من الأمور التي وقعت اتفاقا، فإنه لا يشرع التأسي فيه بذلك، لأنه ﷺ فعله لا على سبيل القصد للتعبد، والتأسي به تعبد. ثالثا: ما فعله بمقتضى العادة، فهل يشرع لنا التأسي به؟ الجواب: نعم، ينبغي لنا أن نتأسى به، لكن بجنسه لا بنوعه. وهذه المسألة قل من يتفطن لها من الناس، يظنون أن التأسي به فيما هو على سبيل العادة بالنوع، ثم ينفون التأسي به في ذلك. ونحن نقول: نتأسى به، لكن باعتبار الجنس، بمعنى أن نفعل ما تقتضيه العادة التي كان عليها الناس، إلا أن يمنع ذلك مانع شرعي. رابعا: ما فعله بمقتضى الجبلة، فهذا ليس من العبادات قطعا، لكن قد يكون عبادة من وجه، بأن يكون فعله على صفة معينة عبادة: كالنوم، فإنه بمقتضى الجبلة، لكن يسن أن يكون على اليمين، والأكل والشرب جبلة وطبيعة، ولكن قد يكون عبادة من جهة أخرى، إذا قصد به الإنسان امتثال أمر الله والتنعم بنعمه والقوة على عبادته وحفظ البدن، ثم إن صفة أيضا تكون عبادة كالأكل باليمين، والبسملة عند البداءة، والحمدلة عند الانتهاء. وهنا نسأل: هل اتخاذ الشعر عادة أو عبادة؟ يرى بعض العلماء أنه عبادة، وأنه يسن للإنسان اتخاذ الشعر. ويرى آخرون أن هذا من الأمور العادية، بدليل قول الرسول ﷺ الذي رآه قد حلق بعض رأسه وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: «احلقوا»

стр. 2783

واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ــ «كله أو ذروا كله» ، وهذا يدل على أن اتخاذ الشعر ليس بعبادة، وإلا، لقال: أبقه، ولا تحلق منه شيئا! وهذه المسألة ينبغي التثبت فيها، ولا يحكم على شيء بأنه عبادة، إلا بدليل، لأن الأصل في العبادات المنع، إلا ما قام الدليل على مشروعيته. أي: ومن طريقة أهل السنة اتباع ... إلخ، فهي معطوفة على " اتباع الآثار ". يعني: إلى الأعمال الصالحة. يعني: من هذه الأمة. المهاجرون: من هاجروا إلى المدينة. الأنصار: أهل المدينة في عهد النبي ﷺ . وإنما كان اتباع سبيلهم من منهج أهل السنة والجماعة، لأنهم أقرب إلى الصواب والحق ممن بعدهم، وكلما بعد الناس عن عهد النبوة، بعدوا من الحق، وكلما قرب الناس من عهد النبوة، قربوا من الحق، وكلما كان الإنسان أحرص على معرفة سيرة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، كان أقرب إلى الحق. ولهذا ترى اختلاف الأمة بعد زمن الصحابة والتابعين أكثر انتشارا وأشمل لجميع الأمور، لكن الخلاف في عهدهم كان محصورا. فمن طريقة أهل السنة والجماعة أن ينظروا في سبيل السابقين الأولين

стр. 2784

واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» ــ من المهاجرين والأنصار، فيتبعوها، لأن اتباعها يؤدي إلى محبتهم، مع كونهم أقرب إلى الصواب والحق، خلافا لمن زهد في هذه الطريقة، وصار يقول: هم رجال ونحن رجال! لا يبالي بخلافهم!! وكأن قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي كقول فلان وفلان من أواخر هذه الأمة!! وهذا خطأ وضلال، فالصحابة أقرب إلى الصواب، وقولهم مقدم على قول غيرهم من أجل ما عندهم من الإيمان والعلم، وما عندهم من الفهم السليم التقوى والأمانة، وما لهم من صحبة الرسول ﷺ . " اتباع ": معطوف على " اتباع الآثار ". " الوصية " العهد إلى غيره بأمر هام. معنى: " عليكم بسنتي ... " إلخ: الحث على التمسك بها، وأكد هذا بقوله: «وعضوا عليها بالنواجذ» ، وهي أقصى الأضراس، مبالغة في التمسك بها. والسنة: هي الطريقة ظاهرا وباطنا. والخلفاء الراشدون: هم الذين خلفوا النبي ﷺ في أمته علما وعملا ودعوة. وأول من يدخل في هذا الوصف وأولى من يدخل فيه: الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. ثم يأتي رجل في هذا العصر، ليس عنده من العلم شيء، ويقول: أذان الجمعة الأول بدعة، لأنه ليس معروفا على عهد الرسول ﷺ ، ويجب

стр. 2785

وإياكم ومحدثات الأمور ــ أن نقتصر على الأذان الثاني فقط! فنقول له: إن سنة عثمان ﵁ سنة متبعة إذا لم تخالف سنة رسول الله ﷺ ، ولم يقم أحد من الصحابة الذين هم أعلم منك وأغير على دين الله بمعارضته، وهو من الخلفاء الراشدين المهديين، الذين أمر رسول الله ﷺ باتباعهم. ثم إن عثمان ﵁ اعتمد على أصل، وهو أن بلالا يؤذن قبل الفجر في عهد النبي ﷺ ، لا لصلاة الفجر، ولكن ليرجع القائم ويوقظ النائم، كما قال ذلك رسول الله ﷺ ، فأمر عثمان بالأذان الأول يوم الجمعة، لا لحضور الإمام، ولكن لحضور الناس، لأن المدينة كبرت واتسعت واحتاج الناس أن يعلموا بقرب الجمعة قبل حضور الإمام، من أجل أن يكون حضورهم قبل حضور الإمام. فأهل السنة والجماعة يتبعون ما أوصى به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الحث على التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، إلا إذا خالف كلام رسول الله ﷺ ونعتذر عن هذا الصحابي، ونقول: هذا من باب الاجتهاد المعذور فيه. إياكم للتحذير، أي: أحذركم. " والأمور ": بمعنى: الشؤون، والمراد بها أمور الدين، أما أمور الدنيا، فلا تدخل في هذا الحديث، لأن الأصل في أمور الدنيا الحل، فما

стр. 2786

فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " ــ ابتدع منها، فهو حلال، إلا أن يدل الدليل على تحريمه. لكن أمور الدين الأصل فيها الحظر، فما ابتدع منها، فهو حرام بدعة، إلا بدليل من الكتاب والسنة على مشروعيته. قال النبي عليه الصلاة السلام: «فإن كل بدعة ضلالة» (١) : الجملة مفرعة على الجملة التحذيرية، فيكون المراد بها هنا توكيد التحذير وبيان حكم البدعة. هذا كلام عام مسور بأقوى لفظ دال على العموم، وهو لفظ (كل) ، فهو تعميم محكم صدر من الرسول ﷺ ، والرسول ﵊ أعلم الخلق بشريعة الله، وأنصح الخلق لعباد الله، وأفصح الخلق بيانا، وأصدقهم خبرا، فاجتمعت في حقه أربعة أمور: علم ونصح وفصاحة وصدق، نطق بقوله: «كل بدعة ضلالة» . فعلى هذا: كل من تعبد لله بعقيدة أو قول أو فعل لم يكن من شريعة الله، فهو مبتدع. فالجهمية يتعبدون بعقيدتهم، ويعتقدون أنهم منزهون لله، والمعتزلة كذلك. والأشاعرة يتعبدون بما هم عليه من عقيدة باطلة. - والذين أحدثوا أذكارا معينة يتعبدون لله بذلك، ويعتقدون أنهم مأجورون على هذا. - والذين أحدثوا أفعالا يتعبدون لله بها ويعتقدون أنهم مأجورون على هذا.

стр. 2787

كل هذه الأصناف الثلاثة الذين ابتدعوا في العقيدة أو في الأقوال أو في الأفعال، كل بدعة من بدعهم، فهي ضلالة، ووصفها الرسول ﵊ بالضلالة، لأنها مركب، ولأنها انحراف عن الحق. والبدعة تستلزم محاذير فاسدة: فأولا: تستلزم تكذيب قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، لأنه إذا جاء ببدعة جديدة يعتبرها دينا، فمقتضاه أن الدين لم يكمل. ثانيا: تستلزم القدح في الشريعة، وأنها ناقصة، فأكملها هذا المبتدع. ثالثا: تستلزم القدح في المسلمين الذين لم يأتوا بها، فكل من سبق هذه البدع من الناس دينهم ناقص! وهذا خطير!! رابعا: من لوازم هذه البدعة أن الغالب أن من اشتغل ببدعة، انشغل عن سنة، كما قال بعض السلف: " ما أحدث قوم بدعة، إلا هدموا مثلها من السنة ". خامسا: أن هذه البدع توجب تفرق الأمة، لأن هؤلاء المبتدعة يعتقدون أنهم أصحاب الحق، ومن سواهم على ضلال!! وأهل الحق يقولون: أنتم الذين على ضلال! فتتفرق قلوبهم. فهذه مفاسد عظيمة، كلها تترتب على البدعة من حيث هي بدعة، مع أنه يتصل بهذه البدعة سفه في العقل وخلل في الدين. وبهذا نعرف أن من قسم البدعة إلى ثلاثة أقسام أو خمسة أو ستة، فقد أخطأ، وخطؤه من أحد وجهين:

стр. 2788

- إما أن لا ينطبق شرعا وصف البدعة على ما سماه بدعة. - وإما أن لا يكون حسنا كما زعم. فالنبي ﷺ قال: «كل بدعة ضلالة» ، فقال: " كل "، فما الذي يخرجنا من هذا السور العظيم حتى نقسم البدع إلى أقسام؟ فإن قلت: ما تقول في قول أمير المؤمنين عمر ﵁ حين خرج إلى الناس وهم يصلون بإمامهم في رمضان، فقال: نعمت البدعة هذه. فأثنى عليها، وسماها بدعة؟! فالجواب أن نقول: ننظر إلى هذه البدعة التي ذكرها، هل ينطبق عليها وصف البدعة الشرعية أو لا. فإذا نظرنا لم يخرج وجدنا أنه لا ينطبق عليها وصف البدعة الشرعية، فقد ثبت أن النبي ﷺ صلى بأصحابه في رمضان ثلاث ليال، ثم تركه خوفا من أن تفرض عليهم، فثبت أصل المشروعية، وانتفى أن تكون بدعة شرعية، ولا يمكن أن نقول: إنها بدعة، والرسول ﷺ قد صلاها. وإنما سماها عمر ﵁ بدعة، لأن الناس تركوها، وصاروا لا يصلون جماعة بإمام واحد، بل أوزاعا، الرجل وحده والرجلان والثلاثة والرهط، فلما جمعهم على إمام واحد، صار اجتماعهم بدعة بالنسبة لما كانوا عليه أولا من هذا التفرق. فإنه خرج ﵁ ذات ليلة، فقال: لو أني جمعت الناس على إمام واحد، لكان أحسن، فأمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس

стр. 2789

بإحدى عشرة ركعة، فقاما للناس بإحدى عشرة ركعة، فخرج ذات ليلة والناس يصلون بإمامهم، فقال: نعمت البدعة هذه. إذا، هي بدعة نسبية، باعتبار أنها تركت ثم أنشئت مرة أخرى. فهذا وجه تسميتها ببدعة. وأما أنها بدعة شرعية، ويثني عليها عمر، فكلا. وبهذا نعرف أن كلام رسول الله ﷺ لا يعارضه كلام عمر ﵁. فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين قول الرسول ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» ، فأثبت أن الإنسان يسن سنة حسن في الإسلام؟ فنقول: كلام الرسول ﷺ يصدق بعضه بعضا، ولا يتناقض، فيريد بالسنة الحسنة السنة المشروعة، ويكون المراد بسنها المبادرة إلى فعلها. يعرف هذا ببيان سبب الحديث، وهو أن النبي ﷺ قاله حين جاء أحد الأنصار بصرة (يعني: من الدراهم) ، ووضعها بين يدي النبي ﷺ حين دعا أصحابه أن يتبرعوا للرهط الذين قدموا من مضر مجتابي النمار، وهم من كبار العرب، فتمعر وجه النبي ﷺ لما رأى من حالهم، فدعا إلى التبرع لهم، فجاء هذا الرجل أول ما جاء بهذه الصرة، فقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» .

стр. 2790

ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله ــ أو يقال: المراد بالسنة الحسنة ما أحدث ليكون وسيلة إلى ما ثبتت مشروعيته، كتصنيف الكتب وبناء المدارس ونحو ذلك. وبهذا نعرف أن كلام الرسول ﷺ لا يناقض بعضه بعضا، بل هو متفق، لأنه ﵊ لا ينطق عن الهوى. هذا علمنا واعتقادنا، وأن ليس في كلام الله من كذب، بل هو أصدق الكلام، فإذا أخبر الله عن شيء بأنه كائن، فهو كائن، وإذا أخبر عن شيء بأنه سيكون، فإنه سيكون، وإذا أخبر عن شيء بأن صفته كذا وكذا، فإن صفته كذا وكذا، فلا يمكن أن يتغير الأمر عما أخبر الله به، ومن ظن التغير، فإنما ظنه خطأ، لقصوره أو تقصيره. مثال ذلك لو قال قائل: إن الله أخبر أن الأرض قد سطحت، قال: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠] ، ونحن نشاهد أن الأرض مكورة، فكيف يكون خبره خلاف الواقع؟ فجوابه أن الآية لا تخالف الواقع، ولكن فهمه خاطئ إما لقصوره أو تقصيره، فالأرض مكورة مسطحة، وذلك لأنها مستديرة، ولكن لكبر حجمها لا تظهر استدارتها إلا في مساحة واسعة تكون بها مسطحة، وحينئذ يكون الخطأ في فهمه، حيث ظن أن كونها قد سطحت مخالف لكونها كروية. فإذا كنا نؤمن أن أصدق الكلام كلام الله، فلازم ذلك أنه يجب علينا أن نصدق بكل ما أخبر به كتابه، سواء كان ذلك عن نفسه أو عن مخلوقاته.

стр. 2791

وخير الهدي هدي محمد ﷺ ــ " الهدي ": هو الطريق التي كان عليها السالك. والطرق شتى، لكن خيرها طريق النبي ﷺ ، فنحن نعلم ذلك ونؤمن به، نعلم أن خير الهدي هدي محمد ﷺ في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات، وأن هدي محمد ﷺ ليس بقاصر، لا في حسنه وتمامه وانتظامه موافقته لمصالح الخلق، ولا في أحكام الحوداث التي لم تزل ولا تزال تقع إلى يوم القيامة، فإن هدي محمد ﷺ كامل تام، فهو خير الهدي، أهدى من شريعة التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وجميع الهدي. فإذا كنا نعتقد ذلك، فوالله، لا نبغي به دليلا. وبناء على هذه العقيدة لا نعارض قول رسول الله ﷺ بقول أحد من الناس، كائنا من كان، حتى لو جاءنا قول لأبي بكر، وهو خير الأمة، وقول لرسول الله ﷺ ، أخذنا بقول رسول الله ﷺ . وأهل السنة والجماعة بنوا هذا الاعتقاد على الكتاب والسنة. - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] . - وقال النبي ﷺ وهو يخطب الناس على المنبر: «خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ » . ولهذا تجد الذين اختلفوا في الهدي وخالفوا فيه: إما مقصرين عن شريعة الرسول ﷺ ، وإما غالين فيها، بين متشددين وبين متهاونين، بين مفرط ومفرط، وهدي الرسول ﷺ يكون بين هذا وهذا.

стр. 2792

ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد ــ أي: يقدمون. أي يقدمون كلام الله على كلام غيره من سائر أصناف الناس في الخبر والحكم، فأخبار الله عندهم مقدمة على خبر كل أحد. فإذا جاءتنا أخبار عن أمم مضت وصار القرآن يكذبها، فإننا نكذبها. مثال ذلك: اشتهر عند كثير من المؤرخين أن إدريس قبل نوح، وهذا كذب، لأن القرآن يكذبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] ، وإدريس من النبيين، كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦] إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [مريم: ٥٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦] فلا نبي قبل نوح إلا آدم فقط. أي: طريقته وسنته التي عليها. في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات والأحوال وفي كل شيء، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] .

стр. 2793

ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة في الاجتماع وضدها الفرقة وإن كان لفظ الجماعة قد صار أسما لنفس القوم المجتمعين ــ قوله: " ولهذا ": اللام في قول: " ولهذا " للتعليل، أي: ومن أجل إيثارهم كلام الله وتقديم هدي رسول الله ﷺ . لتصديقهما والتزامهما وإيثارهما على غيرهما. ومن خالف الكتاب والسنة، وادعى أنه من أهل الكتاب والسنة، فهو كاذب، لأن من كان من أهل شيء لا بد أن يلزمه ويلتزم به. الجماعة اسم مصدر يجتمع اجتماعا وجماعة، فالجماعة هي الاجتماع، فمعنى أهل الجماعة أهل الاجتماع، لأنهم مجتمعون على السنة، متالفون فيها، لا يضلل بعضهم بعضا، ولا يبدع بعضهم بعضا، بخلاف أهل البدع. هذا استعمال ثان، حيث صار لفظ (الجماعة) عرفا: اسما للقوم المجتمعين. وعلى ما قرره المؤلف تكون (الجماعة) في قولنا: " أهل السنة والجماعة ": معطوفة على (السنة) ، ولهذا عبر المؤلف بقوله: " سموا أهل الجماعة "، ولم يقل: سموا جماعة، فكيف يكونون أهل الجماعة وهم جماعة؟ نقول: الجماعة في الأصل: الاجتماع، فأهل الجماعة، يعني: أهل الاجتماع، لكن نقل اسم الجماعة إلى القوم المجتمعين نقلا عرفيا.

стр. 2794

والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين ــ يعني به الدليل الثالث، لأن الأدلة أصول الأحكام، حيث تبنى عليها. والأصل الأول: هو الكتاب، والثاني: السنة، والإجماع هو: الأصل الثالث، ولهذا يسمون: أهل الكتاب والسنة والجماعة. فهذه ثلاثة أصول يعتمد عليها في العلم والدين، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب والسنة، فأصلان ذاتيان، وأما الإجماع، فأصل مبني على غيره، إذ لا إجماع إلا بكتاب أو سنة. أما كون الكتاب والسنة يرجع إليه، فأدلته كثيرة، منها: - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] . - وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] . ومن أنكر أن تكون السنة أصلا في الدليل، فقد أنكر أن يكون القرآن أصلا. ولا شك عندنا في أن من قال: إن السنة لا يرجع إليها في الأحكام الشرعية، أنه كافر مرتد عن الإسلام، لأنه مكذب ومنكر للقرآن، فالقرآن في غير ما موضع جعل السنة أصلا يرجع إليه. وأما الدليل على أن الإجماع أصل، فيقال: أولا: هل الإجماع موجود أو غير موجود؟ قال بعض العلماء: لا إجماع موجود، إلا على ما فيه نص، وحينئذ؛

стр. 2795

يستغنى بالنص عن الإجماع. فمثلا، لو قال قائل: العلماء مجمعون على أن الصلوات المفروضة خمس، فهذا صحيح، لكن ثبوت فرضيتها بالنص. ومجمعون على تحريم الزنى، فهذا صحيح، لكن ثبوت تحريمه بالنص. ومجمعون على تحريم نكاح ذوات المحارم فهذا صحيح، لكن ثبوت تحريمه بالنص. ولهذا قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع، فهو كاذب، وما يدريه؟ لعلهم اختلفوا. والمعروف عن عامة العلماء أن الإجماع موجود، وأن كونه دليلا ثابت بالقرآن والسنة: - فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ، فإن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ﴾ : يدل على أن ما أجمعنا عليه لا يجب رده إلى الكتاب والسنة، اكتفاء بالإجماع! وهذا الاستدلال فيه شيء!! - ومن ذلك قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ، فقال ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . - واستدلوا أيضا بحديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» . (١) - وهذا الحديث حسنه بعضهم وضعفه آخرون، لكن قد نقول: إن هذا، وإن كان ضعيف السند، لكن يشهد لمتنه ما سبق من النص القرآني. فجمهور الأمة على أن الإجماع دليل مستقل، وأننا إذا وجدنا مسألة

стр. 2796

وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إذا بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة ــ فيها إجماع، أثبتناها بهذا الإجماع. وكأن المؤلف ﵀ يريد من هذه الجملة إثبات أن إجماع أهل السنة حجة. " الأصول الثلاثة ": هي الكتاب والسنة والإجماع. يعني: أن أهل السنة والجماعة يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من قول أو عمل، باطن أو ظاهر، لا يعرفون أنه حق، إلا إذا وزنوه بالكتاب والسنة والإجماع، فإن وجد له دليل منها، فهو حق، وإن كان على خلافه، فهو باطل. يعني أن الإجماع الذي يمكن ضبطه والإحاطة به هو ما كان عليه السلف الصالح وهم القرون الثلاثة، الصحابة والتابعون وتابعوهم. ثم علل المؤلف ذلك بقوله: " إذ بعدهم كثر الاختلاف وكثرت الأمة " يعني: أنه كثر الاختلاف ككثرة الأهواء، لأن الناس تفرقوا طوائف، ولم يكونوا كلهم يريدون الحق، فاختلفت الآراء، وتنوعت الأقوال، " وانتشرت الأمة ": فصارت الإحاطة بهم من أصعب الأمور. فشيخ الإسلام ﵀ كأنه يقول: من ادعى الإجماع بعد السلف الصالح، وهم القرون الثلاثة، فإنه لا يصح دعواه الإجماع، لأن الإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح، وهل يمكن أن يوجد إجماع بعد الخلاف؟ فنقول: لا إجماع مع وجود خلاف سابق ولا عبرة بخلاف بعد تحقق الإجماع.

стр. 2797

فصل ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة ــ فصل في منهج أهل السنة والجماعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الخصال أي: أهل السنة والجماعة. " مع هذه الأصول ": السابقة التي ذكرها قبل هذا، وهو اتباع آثار الرسول ﵊، واتباع الخلفاء الراشدين وإيثارهم كلام الله وكلام رسوله على غيره واتباع إجماع المسلمين، مع هذه الأصول: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. " المعروف ": كل ما أمر به الشرع، فهم يأمرون به. " المنكر ": كل ما نهى عن الشرع، فهم ينهون عنه. لأن هذا هو ما أمر الله به في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . وكذلك قال النبي ﵊: «لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا» . (١) فهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ولا يتأخرون عن ذلك. ولكن يشترط للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أن يكونا على ما توجبه الشريعة وتقتضيه.

стр. 2798

ولذلك شروط: الشرط الأول: أن يكون عالما بحكم الشرع فيما يأمر به أو ينهى عنه، فلا يأمر إلا بما علم أن الشرع أمر به: ولا ينهى إلا عما علم أن الشرع نهى عنه، ولا يعتمد في ذلك على ذوق ولا عادة. لقوله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] . وقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] . وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] . فلو رأى شخصا يفعل شيئا الأصل فيه الحل، فإنه لا يحل له أن ينهاه عنه حتى يعلم أنه حرام أو منهي عنه. - ولو رأى شخصا ترك شيئا يظنه الرائي عبادة، فإنه لا يحل له أن يأمره بالتعبد به حتى يعلم أن الشرع أمر به. - الشرط الثاني: أن يعلم بحال المأمور: هل هو ممن يوجه إليه الأمر أو النهي أم لا؟ فلو رأى شخصا يشك هل هو مكلف أم لا، لم يأمره بما لا يؤمر به مثله حتى يستفصل. الشرط الثالث: أن يكون عالما بحال المأمور حال تكليفه، هل قال بالفعل أم لا؟

стр. 2799

- فلو رأى شخصا دخل المسجد ثم جلس، وشك هل صلى ركعتين، فلا ينكر عليه، ولا يأمره بهما، حتى يستفصل. ودليل ذلك «أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة، فدخل رجل، فجلس، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " أصليت؟ " قال: لا قال: " قم فصل ركعتين وتجوز فيهما» . - ولقد نقل لي أنه بعض الناس يقول: يحرم أن يسجل القرآن بأشرطة، لأن ذلك إهانة للقرآن على زعمه! فينهى الناس أن يسجلوا القرآن على هذه الأشرطة، لظنه أنه منكر!! فنقول له: إن المنكر أن تنهاهم عن شيء لم تعلم أنه منكر!! فلا بد أن تعلم أن هذا منكر في دين الله. وهذا في غير العبادات، أما العبادات، فإننا لو رأينا رجلا يتعبد بعبادة، لم يعلم أنها مما أمر الله به، فإننا ننهاه، لأن الأصل في العبادات المنع. الشرط الرابع: أن يكون قادرا على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا ضرر يلحقه، فإن لحقه ضرر، لم يجب عليه، لكن إن صبر وقام به، فهو أفضل؛ لأن جميع الواجبات مشروطة بالقدرة والاستطاعة، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . فإذا خاف إذا أمر شخصا بمعروف أن يقتله، فإنه لا يلزمه أن يأمره، لأنه

стр. 2800

لا يستطيع ذلك، بل قد يحرم عليه حينئذ. وقال بعض العلماء: بل يجب عليه الأمر والصبر، وإن تضرر بذلك ما لم يصل إلى حد القتل. لكن القول الأول أولى، لأن هذا الأمر إذا لحقه الضرر بحبس ونحوه، فإن غيره قد يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفا مما حصل، حتى في حال لا يخشى منها ذلك الضرر. وهذا ما لم يصل الأمر إلى حد يكون الأمر حد يكون الأمر بالمعروف من جنس الجهاد، كما لو أمر بسنة ونهى عن بدعة، ولو سكت، لاستطال أهل البدعة على أهل السنة، ففي هذه الحال يجب إظهار السنة وبيان البدعة؛ لأنه من الجهاد في سبيل الله، ولا يعذر من تعين عليه بالخوف على نفسه. الشرط الخامس: أن لا يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفسدة أعظم من السكوت، فإن ترتب عليها ذلك، فإنه لا يلزمه، بل لا يجوز له أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر. ولهذا قال العلماء: إن إنكار المنكر ينتج منه إحدى أحوال أربعة: إما أن يزول المنكر، أو يتحول إلى أخف منه، أو إلى مثله، أو إلى أعظم منه. - أما الحالة الأولى والثانية، فالإنكار واجب. - أما في الثالثة، فهي في محل نظر. - وأما في الرابعة، فلا يجوز الإنكار، لأن المقصود بإنكار المنكر إزالته أو تخفيفه. - مثال ذلك: إذا أراد أن يأمر شخصا بفعل إحسان، لكن يستلزم فعل هذا الإحسان ألا يصلي مع الجماعة، فهنا لا يجوز الأمر بهذا المعروف،

стр. 2801

لأنه يؤدي إلى ترك واجب من أجل فعل مستحب. وكذلك في المنكر لو كان إذا نهى عن هذا المنكر، تحول الفاعل له إلى فعل منكر أعظم، فإنه في هذه الحال لا يجوز أن ينهى عن هذا المنكر دفعا لأعلى المفسدتين بأدناهما. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فإن سب آلهة المشركين، لا شك أنه أمر مطلوب، لكن لما كان يترتب عليه أمر محظور أعظم من المصلحة التي تكون بسب آلهة المشركين، وهو سبهم لله تعالى عدوا بغير علم، نهى الله عن سب آلهة المشركين في هذه الحال. ولو وجدنا رجلا يشرب الخمر، وشرب الخمر منكر، فلو نهيناه عن شربه، لذهب يسرق أموال الناس ويستحل أعراضهم، فهنا لا ننهاه عن شرب الخمر، لأنه يترتب عليه مفسدة أعظم. الشرط السادس: أن يكون هذا الآمر أو الناهي قائما بما يأمر به منتهيا عما ينهى عنه، وهذا على رأي بعض العلماء، فإن كان غير قائم بذلك، فإنه لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، لأن الله تعالى قال لبني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] ، فإذا كان هذا الرجل لا يصلي، فلا يأمر غيره بالصلاة، وإن كان يشرب الخمر، فلا ينهى غيره عنها، ولهذا قال الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم فهم استدلوا بالأثر والنظر.

стр. 2802

ولكن الجمهور على خلاف ذلك، وقالوا: يجب أن يأمر بالمعروف، وإن كان لا يأتيه، وينهى عن المنكر، وإن كان يأتيه، وإنما وبخ الله تعالى بني إسرائيل، لا على أمرهم بالبر، ولكن على جمعهم بين الأمر بالبر ونسيان النفس. وهذا القول هو الصحيح، فنقول: أنت الآن مأمور بأمرين: الأول: فعل البر، والثاني: الأمر بالبر. منهي عن أمرين: الأول: فعل المنكر، والثاني: ترك النهي عن فعله. فلا تجمع بين ترك المأمورين وفعل المنهيين، فإن ترك أحدهما لا يستلزم سقوط الآخر. فهذه ستة شروط، منها أربعة للجواز، وهي الأول والثاني والثالث والخامس، على تفصيل فيه، واثنان للوجوب، وهما الرابع والسادس. ولا يشترط أن لا يكون من أصول الآمر أو الناهي كأبيه أو أمه أو جده أو جدته، بل ربما نقول: إن هذا يتأكد أكثر، لأن من بر الوالدين أن ينهاهما عن فعل المعاصي ويأمرهما بفعل الطاعات قد يقول: أنا إذا نهيت أبي، غضب علي، وهجرني، فماذا أصنع؟ نقول: اصبر على هذا الذي ينالك بغضب أبيك وهجره، والعاقبة للمتقين، واتبع ملة إبراهيم ﵇، حيث عاتب أباه على الشرك، فقال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ إلى أن قال: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ قال، أي: أبوه: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٢ - ٤٦] . وقال إبراهيم أيضا لأبيه آزر:

стр. 2803

ويرون إقامة الحج، والجهاد، والجمع، والأعياد، مع الأمراء، أبرارا كانوا أو فجارا ــ ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] . الأبرار: جمع بر، وهو كثير الطاعة، والفجار: جمع فاجر وهو العاصي كثير المعصية. فأهل السنة ﵏ يخالفون أهل البدع تماما، فيرون إقامة الحج مع الأمير، وإن كان من أفسق عباد الله. وكان الناس فيما سبق يجعلون على الحج أميرا، كما جعل النبي ﷺ أبا بكر أميرا على الحج في العام التاسع من الهجرة، وما زال الناس على ذلك، يجعلون للحجة أميرا قائدا يدفعون ويقفون بوقوفه، وهذا هو المشروع، لأن المسلمين يحتاجون إلى إمام يقتدون به، أما كون كل إنسان على رأسه، فإنه يحصل به فوضى واختلاف. فهم يرون إقامة الحج مع الأمراء، وإن كانوا فساقا، حتى وإن كانوا يشربون الخمر في الحج، لا يقولون: هذا إمام فاجر، لا نقبل إمامته؛ لأنهم يرون أن طاعة ولي الأمر واجبة، وإن كان فاسقا، بشرط أن لا يخرجه فسقه إلى الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان، فهذا لا طاعة له، ويجب أن يزال عن تولي أمور المسلمين، لكن الفجور الذي دون الكفر مهما بلغ، فإن الولاية لا تزال به، بل هي ثابتة، والطاعة لولي الأمر واجبة في غير المعصية. - خلافا للخوارج، الذين يرون أنه لا طاعة للإمام والأمير إذا كان عاصيا، لأن من قاعدتهم: أن الكبيرة تخرج من الملة. - وخلافا للرافضة الذين يقولون: إنه لا إمام إلا المعصوم، وإن الأمة

стр. 2804

الإسلامية منذ غاب من يزعمون أنه الإمام المنتظر، ليست على إمام، ولا تبعا لإمام، بل هي تموت ميتة جاهلية من ذلك الوقت إلى اليوم، ويقولون: إنه لا إمام إلا الإمام المعصوم، ولا حج ولا جهاد مع أي أمير كان؛ لأن الإمام لم يأت بعد. لكن أهل السنة والجماعة يقولون: نحن نرى إقامة الحج مع الأمراء سواء كانوا أبرارا أو فجارا، وكذلك إقامة الجهاد مع الأمير، ولو كان فساقا، ويقيمون الجهاد مع أمير لا يصلي معهم الجماعة، بل يصلي في رحله. فأهل السنة والجماعة لديهم بعد نظر، لأن المخالفات في هذه الأمور معصية لله ورسوله، وتجر إلى فتن عظيمة. فما الذي فتح باب الفتن والقتال بين المسلمين والاختلاف في الآراء إلا الخروج على الأئمة؟! فيرى أهل السنة والجماعة وجوب إقامة الحج والجهاد مع الأمراء، وإن كانوا فجارا. ولكن هذا لا يعني أن أهل السنة والجماعة لا يرون أن فعل الأمير منكر، بل يرون أنه منكر، وأن فعل الأمير للمنكر قد يكون أشد من فعل عامة الناس، لأن فعل الأمير للمنكر يلزم منه زيادة على إثمه محذوران عظيمان: الأول: اقتداء الناس به وتهاونهم بهذا المنكر. والثاني: أن الأمير إذا فعل المنكر سيقل في نفسه تغييره على الرعية أو

стр. 2805

تغيير مثله أو مقاربه. لكن أهل السنة والجماعة يقولون: حتى مع هذا الأمر المستلزم لهذين المحذورين أو لغيرهما، فإنه يجب علينا طاعة ولاة الأمور، وإن كانوا عصاة، فنقيم معهم الحج والجهاد، وكذلك الجمع، نقيمها مع الأمراء، ولو كانوا فجارا. فالأمير إذا كان يشرب الخمر مثلا، ويظلم الناس بأموالهم، نصلي خلفه الجمعة، وتصح الصلاة، حتى إن أهل السنة والجماعة يرون صحة الجمعة خلف الأمير المبتدع إذا لم تصل بدعته إلى الكفر؛ لأنهم يرون أن الاختلاف عليه في مثل هذه الأمور شر، ولكن لا يليق بالأمير الذي له إمامة الجمعة أن يفعل هذه المنكرات. وكذلك أيضا إقامة الأعياد مع الأمراء الذي يصلون بهم، أبرارا كانوا أو فجارا. وبهذه الطريق الهادئة يتبين أن الدين الإسلامي وسط بين الغالي فيه والجافي عنه. فقد يقول قائل: كيف نصلي خلف هؤلاء ونتابعهم في الحج والجهاد والجمع والأعياد؟! فنقول: لأنهم أئمتنا، ندين لهم بالسمع والطاعة: امتثالا لأمر الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . ولأمر النبي ﷺ بقوله: «إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها ". قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: " أدوا إليهم حقهم،»
следующие страницы →