← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة. السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك. السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» ، فصلوات الله وسلامه عليه، بلغ البلاغ المبين. ــ الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة، أي: ما أرادوا إلا الشفاعة، ومع ذلك وقعوا في الشرك. السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك، أي: أرادوا أن تشفع لهم، بل ظنوا أنها تنشطهم على العبادة، وهذا ظن فاسد كما سبق السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله ﷺ : «لا تطروني» . . . الحديث، معنى الإطراء: الغلو في المدح، والمبالغة فيه. وهذا الذي نهى عنه ﷺ وقع فيه بعض هذه الأمة، بل أشد؛ حتى جعلوا النبي ﷺ المرجع في كل شيء، وهذا أعظم من قول النصارى: المسيح ابن الله، وثالث ثلاثة. ومعنى: " بلغ "؛ أي: أوصل وبين.

стр. 3222

الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين. التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم؛ ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده. العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء. ــ الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين، وذلك بقوله ﷺ : «هلك المتنطعون» ؛ فلم يرد مجرد الخبر، ولكن التحذير من التنطع. التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم، أي: لم تعبد هذه التماثيل إلا بعد أن نسي العلم واضمحل؛ ففيه دليل على معرفة قدر وجوده أي العلم، وأن وجوده أمر ضروري للأمة؛ لأنه إذا فقد العلم؛ حل الجهل محله، وإذا حل الجهل؛ فلا تسأل عن حال الناس؛ فسوف لا يعرفون كيف يعبدون الله، ولا كيف يتقربون إليه. العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء، فهذا من أكبر الأسباب لفقد العلم، فإذا مات العلماء؛ لم يبق إلا جهال الخلق يفتون بغير علم. ومن أسباب فقده أيضا: الغفلة والإعراض عنه، والتشاغل بأمور الدنيا، وعدم المبالاة به. ثم إن العلم قد يكون موجودا وهو معدوم، وذلك فيما إذا كثر القراء الذين يقرءون العلم ولا يعلمون به، وقل الفقهاء الذين يعملون به؛ فبهذا يصبح العلم عديم الفائدة ووجوده كعدمه، بل إن في وجوده ضررا على الأمة؛ لأن العامة إذا رأوا من ينتسب إليه ساكتا غير عامل بما علم؛ ظنوا أن ما عليه الناس حق.

стр. 3223

فضرر العلم الذي لا ينفع أشد من ضرر الجهل، وإذا وجد الجهل؛ فإن الناس قد يطلبون العلم ويتلمسونه. الخلاصة للباب: بيان أن الغلو في الصالحين من أسباب الكفر، وليس هو السبب الوحيد للكفر. وأن خطر الغلو عظيم ونتائجه وخيمة؛ فالواجب تنزيل الصالحين منازلهم؛ فلا يستوي الصالح والفاسد، بل ينزل كل منزلته، ولكن لا نتجاوز به المنزلة فنغلو فيه؛ فدين الله وسط لا يعطي الإنسان أكثر مما يستحق، ولا يسلبه ما يستحق، وهذا هو العدل. س١: ما الفرق بين التنطع والغلو والاجتهاد؟ الجواب: الغلو مجاوزة الحد. والتنطع معناه: التشدق بالشيء والتعمق فيه، وهو من أنواع الغلو. أما الاجتهاد؛ فإنه بذل الجهد لإدراك الحق، وليس فيه غلو إلا إذا كان المقصود بالاجتهاد كثرة الطاعة غير المشروعة؛ فقد تؤدي إلى الغلو، فلو أن الإنسان مثلا أراد أن يقوم ولا ينام، وأن يصوم النهار ولا يفطر، وأن يعتزل ملاذ الدنيا كلها؛ فلا يتزوج ولا يأكل اللحم ولا الفاكهة وما أشبه ذلك؛ فإن هذا الغلو، وإن كان الحامل على ذلك الاجتهاد والبر، ولكن هذا خلاف هدي النبي ﷺ . س٢: ما حكم الذهاب إلى قبور الصالحين لقراءة الفاتحة؟

стр. 3224

الجواب: هذا من البدع، وسواء قلنا يصل الثواب أو لا يصل؛ فكونك تتخذ القراءة عند القبر خاصة هذا من البدع. وإنما اختلف السلف فيما إذا قرئت الفاتحة عند الميت بعد دفنه مباشرة أو غيرها من القرآن. والصحيح أيضا أنه ليس بسنة، والسنة أن تستغفر له وتسأل له التثبيت.

стр. 3225

باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح؛ فكيف إذا عبده ؟ ! في الصحيح عن عائشة؛ «أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال:» ــ قوله: (التغليظ) ، التشديد. قوله: " من عبد الله عند قبر رجل صالح "، أي: عمل عملا تعبد الله به من قراءة أو صلاة أو صدقة أو غير ذلك. قوله: " فكيف إذا عبده؟ "، أي: يكون أشد وأعظم، وذلك لأن المقابر والقبور للصالحين أو من دونهم من المسلمين أهلها بحاجة إلى الدعاء؛ فهم يزارون لينفعوا لا لينتفع بهم إلا باتباع السنة في زيارة المقابر، والثواب الحاصل بذلك، لكن هذا ليس انتفاعا بأشخاصهم، بل انتفاع بعمل الإنسان بما أتى به من السنة. فالزيارة التي يقصد منها الانتفاع بالأموات زيارة بدعية. والزيارة التي يقصد بها نفع الأموات والاعتبار بحالهم زيارة شرعية. قوله: " في الصحيح "، أي: "الصحيحين" وقد سبق الكلام على مثل هذه العبارة في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.

стр. 3226

«أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح؛ بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» . ــ قوله: (أم سلمة) ، كانت ممن هاجر مع زوجها إلى أرض الحبشة، ولما توفي زوجها أبو سلمة تزوجها النبي ﷺ ، وأخبرته وهو في مرض موته بما رأت؛ كما في (الصحيح) . قولها: " من الصور " الظاهر أن هذه الصور صور مجسمة وتماثيل منصوبة. قوله: " أولئك "، المشار إليهم نصارى الحبشة، ويحتمل أن يراد من فعلوا هذه الأفعال أيا كانوا. قوله: " أولئك "، يجوز في الكاف الكسر إذا كان الخطاب لأم سلمة، والفتح إذا كان الخطاب باعتبار الجنس. وقد ذكر العلماء أن في كاف الخطاب المتصل باسم الإشارة ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يكون مطابقا للمخاطب المفرد للمفرد والمثنى للمثنى والجمع للجمع، مذكرا كان أم مؤنثا. الوجه الثاني: الفتح مطلقا. الوجه الثالث: الكسر للمؤنث مطلقا، والفتح للمذكر مطلقا.

стр. 3227

فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين (١) : فتنة القبور، وفتنة التماثيل. ــ وأشهرها: أن يكون مطابقا للمخاطب، ثم الفتح مطلقا، ثم الفتح للمذكر، والكسر للمؤنث. قوله: «الرجل الصالح أو العبد الصالح» ، أو: شك من الراوي. قوله: «بنوا على قبره» ، أي: قبر ذلك الرجل الصالح. قوله: «صوروا فيه تلك الصور» ، أي: التي رأت، والأقرب أنها صورة ذلك الرجل، وربما أنهم يضيفون إلى صورته صورة بعض الصالحين، وربما تكون الصور على أحجام مختلفة، فتجمع منها صور كثيرة. قوله: «أولئك شرار الخلق عند الله» ؛ لأن عملهم هذا وسيلة إلى الكفر والشرك، وهذا أعظم الظلم وأشده، فما كان وسيلة إليه؛ فإن صاحبه جدير بأن يكون من شرار الخلق عند الله . قوله: (فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل) ، هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. قوله: (فتنة القبور) ؛ لأنهم بنوا المساجد عليها. قوله: (فتنة التماثيل) ؛ لأنهم صوروا فجمعوا بين فتنتين، وإنما سمي ذلك فتنة؛ لأنها سبب لصد الناس عن دينهم، وكل ما كان كذلك؛ فإنه من الفتنة، قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١، ٢] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾

стр. 3228

ولهما عنها؛ قالت: «لما نزل برسول الله ﷺ ؛ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها؛ كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. » ــ [البروج: ١٠] ؛ أي: صدوهم، أو فعلوا ما يصدونهم به عن دين الله. قوله: (ولهما) ، الضمير يعود على البخاري ومسلم، وإن لم يسبق لهما ذكر، ولكنه لما كان ذلك مصطلحا معروفا؛ صح أن يعود الضمير عليهما، وهما لم يذكرا اعتمادا على المعروف المعهود. وقوله: (عنها) ؛ أي: عن عائشة. قالت: «لما نزل برسول الله» ، أي: نزل به ملك الموت لقبض روحه. قوله: (طفق) ، من أفعال الشروع، واسمها مستتر، وجملة (يطرح) خبرها. قوله: (خميصة) ، هي كساء مربع له أعلام كان يطرحه النبي ﷺ على وجهه. قوله: «فإذا اغتم بها» ، أي: أصابه الغم بسببها، وقد احتضر ﷺ . قوله: (وهو كذلك) ، أي: وهو في هذه الحال عند الاحتضار. قوله: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، يقول هذا في سياق الموت، و (لعنة الله) ؛ أي: طرده وإبعاده، وهذه الجملة يحتمل أنه يراد بها ظاهر اللفظ؛ أي: أن النبي ﷺ يخبر بأن الله لعنهم. ويحتمل أن يراد بها الدعاء؛ فتكون خبرية لفظا إنشائية معنى، والمعنى على هذا الاحتمال أن النبي ﷺ دعا عليهم وهو في سياق الموت بسبب هذا الفعل.

стр. 3229

«يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك؛ أبرز قبره؛ غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» . أخرجاه. ــ قوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، الجملة هذه تعليل لقوله: «لعنة الله على اليهود والنصارى» ، كأن قائلا يقول: لماذا لعنهم النبي ﷺ ؛ فكان الجواب: أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ أي: أمكنة للسجود، سواء بنوا مساجد أم لا، يصلون ويعبدون الله تعالى فيها مع أنها مبنية على القبور. قوله: «يحذر ما صنعوا» ، أي: أنه ﷺ قال في سياق الموت تحذيرا لأمته مما صنع هؤلاء؛ لأنه علم أنه سيموت وأنه ربما يحصل هذا ولو في المستقبل البعيد. قوله: «ولولا ذلك أبرز قبره» ، أبرز؛ أي: أخرج من بيته؛ لأن البروز معناه الظهور، أي لولا التحذير وخوف أن يتخذ قبره مسجدا؛ لأخرج ودفن في البقيع مثلا، لكنه في بيته أصون له، وأبعد عن اتخاذه مسجدا؛ فلهذا لم يبرز قبره، وهذا أحد الأسباب التي أوجبت أن لا يبرز مكان قبره ﷺ . ومن أسباب ذلك: «إخباره ﷺ أنه ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض» (١) ، ولا مانع أن يكون للحكم الواحد سببان فأكثر، كما أن السبب الواحد قد يترتب عليه حكمان أو أكثر؛ كغروب الشمس يترتب عليه جواز إفطار الصائم.

стр. 3230

وصلاة المغرب. قوله: «غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» ، خشي فيها روايتان: خشي وخشي. فعلى رواية خشي يكون الذي وقعت منهم الخشية الصحابة ﵃، وعلى رواية خشي يكون الذي وقعت منه الخشية النبي ﷺ . والحقيقة أن الأمر كله حاصل؛ فالرسول ﷺ أخبر بأنه ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض، ولعن اليهود والنصارى؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد خوفا من اتخاذ قبره مسجدا، والصحابة ﵃ اتفقوا على أن يدفن ﷺ في بيته بعد تشاورهم؛ لأنهم خشوا ذلك. ويجوز أن يكون بعضهم أشار بأن يدفن في بيته، وليس في ذهنه إلا هذه الخشية، وبعضهم أشار أن يدفن في بيته وعنده علم بأنه ﷺ قال: «ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض» ، وخوفا من اتخاذه مسجدا. في هذا الحديث والحديث السابق: التحذير من اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، وهم أفضل الصالحين؛ لأن مرتبة النبيين هي المرتبة الأولي من المراتب الأربع التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] . اعتراض وجوابه: إذا قال قائل: نحن الآن واقعون في مشكلة بالنسبة لقبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 3231

الآن، فإنه في وسط المسجد؛ فما هو الجواب؟ قلنا: الجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن المسجد لم يبن على القبر؛ بل بني المسجد في حياة النبي ﷺ . الوجه الثاني: أن النبي ﷺ لم يدفن في المسجد حتى يقال: إن هذا من دفن الصالحين في المسجد، بل دفن في بيته. الوجه الثالث: أن إدخال بيوت الرسول ﷺ ، ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق من الصحابة، بل بعد أن انقرض أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل، وذلك عام ٩٤ م تقريبا؛ فليس مما أجازه الصحابة أو أجمعوا عليه، مع أن بعضهم خالف في ذلك، وممن خالف أيضا سعيد بن المسيب من التابعين؛ فلم يرض بهذا العمل. الوجه الرابع: أن القبر ليس في المسجد، حتى بعد إدخاله؛ لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد؛ فليس المسجد مبنيا عليه، ولهذا جعل هذا المكان محفوظا ومحوطا بثلاثة جدران، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة، أي مثلث، والركن في الزاوية الشمالية، بحيث لا يستقبله الإنسان إذا صلى لأنه منحرف. فبهذا كله يزول الإشكال الذي يحتج به أهل القبور، ويقولون هذا منذ عهد التابعين إلى اليوم، والمسلمون قد أقروه ولم ينكروه؛ فنقول: إن الإنكار قد وجد حتى في زمن التابعين، وليس محل إجماع، وعلى فرض أنه إجماع؛ فقد تبين الفرق من الوجوه الأربعة التي ذكرناها.

стр. 3232

ولمسلم عن جندب بن عبد الله؛ قال: (سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا؛ لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك» . ــ قوله: (بخمس) ، أي: خمس ليال، لكن العرب تطلقها على الأيام والليالي. قوله: (أبرأ) ، البراءة: هي التخلي؛ أي: أتخلى أن يكون لي منكم خليل. قوله: (خليل) ، هو الذي يبلغ في الحب غايته؛ لأن حبه يكون قد تخلل الجسم كله، قال الشاعر يخاطب محبوبته: قد تخللت مسلك الروح مني ... وبهذا سمي الخليل خليلا والخلة أعظم أنواع المحبة وأعلاها، ولم يثبتها الله فيما نعلم إلا لاثنين من خلقه، هما: إبراهيم في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] ، ومحمد لقوله ﷺ : «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» . وبهذا تعرف الجهل العظيم الذي يقوله العامة: إن إبراهيم خليل الله، ومحمدا حبيب الله، وهذا تناقض في حق الرسول ﷺ ؛ لأنهم بهذه المقالة

стр. 3233

جعلوا مرتبة النبي ﷺ دون مرتبة إبراهيم، لأنهم إذا جعلوه حبيب الله لم يفرقوا بينه وبين غيره من الناس؛ فإن الله يحب المحسنين والصابرين، وغيرهم ممن علق الله بفعلهم المحبة؛ فعلى رأيهم لا فرق بين الرسول ﷺ وغيره، لكن الخلة ما ذكرها الله إلا لإبراهيم، والنبي ﷺ أخبر أن الله اتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. فالمهم: أن العامة مشكل أمرهم، دائما يصفون الرسول ﷺ بأنه حبيب الله، فنقول: أخطأتم وتنقصتم نبيكم؛ فالرسول خليل الله؛ لأنكم إذا وصفتموه بالمحبة أنزلتموه عن بلوغ غايتها. قوله: «فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» ، هذا تعليل لقوله: ( «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل» ؛ فالنبي ﷺ ليس في قلبه خلة لأحد إلا لله . قوله: «ولو كنت متخذا من أمتي خليلا؛ لاتخذت أبا بكر خليلا» . وهذا نص صريح على أن أبا بكر أفضل من علي، ﵄، وفي هذا رد على الرافضة الذين يزعمون أن عليا أفضل من أبي بكر. وقوله: (لو) ، حرف امتناع لامتناع؛ فيمتنع الجواب لامتناع الشرط، وعلى هذا امتنع ﷺ من اتخاذ أبي بكر خليلا؛ لأنه يمتنع أن يتخذ من أمته خليلا. قوله: (ألا وإن من كان قبلكم) ، للتنبيه، وهذه الجملة في أثناء الحديث لكنه ابتدأها بالتنبيه لأهمية المقام. قوله: (ألا فلا تتخذوا) ، هذا تنبيه آخر للنهي عن اتخاذ القبور مساجد، وهذا عام يشمل قبره وقبر غيره. قوله: (فإني أنهاكم عن ذلك) ، هذا نهي باللفظ دون الأداة تأكيدا لهذا

стр. 3234

فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن - وهو في السياق - من فعله. والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد. ــ النهي لأهمية المقام. من فوائد الحديث: ١ - أن النبي ﷺ تبرأ من أن يتخذ أحدا خليلا؛ لأن قلبه مملوء بمحبة الله تعالى. ٢ - أن الله تعالى اتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا؛ ففيه فضيلة لرسول الله ﷺ . ٣ - فضيلة إبراهيم ﷺ باتخاذه خليلا. ٤ - فضيلة أبي بكر، وأنه أفضل الصحابة؛ لأن الحديث يدل على أنه أحب الصحابة إلى الرسول ﷺ . ٥ - التحذير من اتخاذ القبور مساجد في قوله: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد» ، قوله: «فإني أنهاكم عن ذلك» . ٦ - أن من دفن شخصا في مسجد وجب عليه نبشه وإخراجه من المسجد. ٧ - حرص النبي ﷺ على أمته في إبعادهم عن الشرك وأسبابه؛ لأن اتخاذ القبور مساجد من وسائل الشرك وذرائعه، ولهذا حرص النبي ﷺ على تحذير أمته منه، وهذا من كمال رأفته ورحمته بالأمة. ٨ - أن من بنى مسجدا على قبر وجب عليه هدمه. قوله: (فقد نهى عنه في آخر حياته. . .) هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 3235

وهو معنى قولها: «خشي أن يتخذ مسجدا» ؛ فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه؛ فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه؛ يسمى مسجدا؛ كما قال ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهور» . ــ وقوله: (فقد نهى عنه في آخر حياته) الضمير يعود إلى النبي ﷺ ، والمنهي عنه هو اتخاذ القبور مساجد. قوله: (ثم إنه لعن وهو في سياق من فعله) ؛ فالنبي ﷺ وهو عند فراق الدنيا لعن من اتخذ القبور مساجد. قوله: (والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد) . (عندها) ؛ أي: عند القبور، وقوله: (من ذلك) ؛ أي: من اتخاذها مساجد، وعلى هذا؛ فلا تجوز عند القبور، ولهذا نهى النبي ﷺ ؛ كما في (صحيح مسلم) من حديث أبي مرثد الغنوي أن يصلى إلى القبور؛ فقال: «لا تصلوا إلى القبور» . قوله: (وهو معنى قولها: «خشي أن يتخذ مسجدا» الضمير في (قولها) يرجع إلى عائشة ﵂.

стр. 3236

قوله: (فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا) هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. قد يقال: «خشي أن يتخذ مسجدا» معناه: خشي أن يبنى عليه مسجد، لكن يبعده أن الصحابة لا يمكن أن يبنوا حول قبره مسجدا؛ لأن مسجده لبيته؛ فكيف يبنون مسجدا آخر؟ ! هذا شيء مستحيل بحسب العادة؛ فيكون معنى قولها: «خشي أن يتخذ مسجدا» ؛ أي: مكانا يصلى فيه، وإن لم يبن المسجد. ولا ريب أن أصل تحريم بناء المساجد على القبور أن المساجد مكان الصلاة، والناس يأتون إليها للصلاة فيها، فإذا صلى الناس في المسجد بني على قبر؛ فكأنهم صلوا عند القبر، والمحذور الذي يوجد في بناء المساجد على القبور يوجد فيما إذا اتخذ هذا المكان للصلاة؛ وإن لم يبن مسجد. فتبين بهذا أن اتخاذ القبور مساجد له معنيان: الأول: أن تبنى عليها مساجد. الثاني: أن تتخذ مكانا للصلاة عندها وإن لم يبن المسجد فإذا كان هؤلاء القوم مثلا يذهبون إلى هذا القبر ويصلون عنده ويتخذونه مصلى؛ فإن هذا بمعنى بناء المساجد عليها، وهو أيضا من اتخاذها مساجد. قوله: (وكل موضع قصدت الصلاة فيه؛ فقد اتخذ مسجدا) . وهذا يشهد له العرف؛ فإن الناس الذين لهم مساجد في مكان أعمالهم؛ كالوزارات والإدارات لو سألت واحدا منهم أين المسجد؟ لأشار إلى المكان الذي اتخذوه مصلى يصلون فيه، مع أنه لم يبن، لكن لما كانت الصلاة تقصد فيه؛ صار يسمى مسجدا. قوله: (بل كل مكان يصلى. . .) ، فقوله: (مسجدا) ؛ أي: مكانا

стр. 3237

ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» (١) . ورواه أبو حاتم في "صحيحه". ــ للسجود، وهذا معنى ثالث زائد على المعنيين الأولين، وهو أن يقال: كل شيء تصلي فيه، فإنه مسجد ما دمت تصلي فيه، كما يقال للسجادة التي تصلي عليها مسجد أو مصلى وإن كان الغالب عليها اسم مصلى. الخلاصة: إنه لا يجوز بناء المساجد على القبور؛ لأنها وسيلة إلى الشرك، وهو عبادة صاحب القبر. ولا يجوز أيضا أن تقصد القبور للصلاة عندها، وهذا من اتخاذها مساجد؛ لأن العلة من اتخاذها مساجد موجودة في الصلاة عنها، فلو فرض أن رجلا يذهب إلى المقبرة ويصلي عند قبر ولي من الأولياء على زعمه؛ قلنا: إنك اتخذت هذا القبر مسجدا، وإنك مستحق لما استحقه اليهود والنصارى من اللعنة، وفي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية دليل على صحة تسمية كل شيء يصلى فيه مسجدا بالمعنى العام. قوله: (مرفوعا) ، المرفوع: ما أسند إلى النبي ﷺ .

стр. 3238

قوله: «إن من شرار الناس» ، من: للتبعيض، وشرار: جمع شر، مثل صحاب جمع صحب، والمعنى: أصحاب الشر، وفي هذا دليل على أن الناس يتفاوتون في الشر، وأن بعضهم أشد من بعض. قوله: (من تدركهم الساعة) ، من: اسم موصول اسم إن، والساعة؛ أي: يوم القيامة، وسميت بذلك لأنها داهية، وكل شيء داهية عظيمة يسمى ساعة، كما يقال: هذه ساعتك في الأمور الداهية التي تصيب الإنسان. قوله: " وهم أحياء "، الجملة حال من الهاء في "تدركهم". وفي قولهم: «تدركهم الساعة وهم أحياء» إشكال، وهو أنه ثبت عن النبي ﷺ قوله: ( «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» ، وفي رواية: «حتى تقوم الساعة» ؛ فكيف نوفق بين الحديثين؛ لأن ظاهر الحديث الذي ساقه المؤلف إن كل من تدركهم الساعة وهم أحياء؛ فهم من شرار الخلق؟ ! والجمع بينهما أن يقال: إن المراد بقوله: «حتى تقوم الساعة» ؛ أي: إلى قرب قيام الساعة، وليس إلى قيامها بالفعل؛ لأنها لا تقوم إلا على شرار الخلق؛ فالله يرسل ريحا تقبض نفس كل مؤمن ولا يبقى إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة. قوله: «الذين يتخذون القبور مساجد» ، فهم من شرار الخلق، وإن لم

стр. 3239

يشركوا؛ لأنهم فعلوا وسيلة من وسائل الشرك، والوسائل لها أحكام المقاصد، لكنها تعطى حكمها بالمعنى العام، فإن كانت وسيلة لواجب صارت واجبة، وإن كانت وسيلة لمحرم؛ فهي محرمة. فشر الناس في هذا الحديث ينقسمون إلى صنفين: الأول: الذين تدركهم الساعة وهم أحياء. الثاني: الذين يتخذون القبور مساجد. وفي قوله ﷺ : «إن من شرار الناس» دليل على أن الناس يتفاوتون في الشر؛ لأن بعضهم أشد من بعض فيه، كما أنهم يتفاوتون في الخير أيضا؛ لقوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣] ، وذلك من حيث الكمية، فمن صلى ركعتين؛ فليس كمن صلى أربعا. ومن حيث الكيفية، فمن صلى وهو قانت خاشع حاضر القلب؛ ليس كمن صلى وهو غافل. ومن حيث النوعية، فالفرض أفضل من النفل، وجنس الصلاة أفضل من جنس الصدقة؛ لأن الصلاة أفضل الأعمال البدنية. وهذا الذي تدل عليه الأدلة مذهب أهل السنة والجماعة، وهو التفاضل في الأعمال، حتى في الإيمان الذي هو في القلب يتفاضل الناس فيه، بل إن الإنسان يحس في نفسه أنه في بعض الأحيان يجد في قلبه من الإيمان ما لا يجده في بعض الأحيان؛ فكيف بين شخص وشخص؟ فهو يتفاضل أكثر. وخلاصة الباب: أنه يجب البعد عن الشرك ووسائله، ويغلظ على من عبد الله عند قبر رجل صالح.

стр. 3240

فيه مسائل: الأولى: ما ذكر الرسول فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل. ــ وكلام المؤلف ﵀ في قوله: (فيمن عبد الله) يشمل الصلاة وغيرها والأحاديث التي ساقها في الصلاة، لكنه ﵀ كأنه قاس غيرها عليها، فمن زعم أن الصدقة عند هذا القبر أفضل من غيره؛ فهو شبيه بمن اتخذه مسجدا لأنه يرى أن لهذه البقعة أو لمن فيها شأنا يفضل به على غيره؛ فالشيخ عمم، والدليل خاص. فإن قيل: لا يستدل بالدليل الخاص على العام؟ أجيب: إن الشيخ أراد بذلك أن العلة هي تعظيم هذا المكان؛ لكونه قبرا، وهذا كما يوجد في الصلاة يوجد في غيرها من العبادات؛ فيكون التعميم من باب القياس لا من باب شمول النص له لفظا. فيه مسائل: الأولى: ما ذكر الرسول ﷺ فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل، تؤخذ من لعن النبي ﷺ الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قوله: (ولو صحت نية الفاعل) ؛ لأن الحكم علق على مجرد صورته؛ فهذا العمل لا يحتاج إلى نية لأنه معلق بمجرد الفعل. فالنية تؤثر في الأعمال الصالحة وتصحيحها، وتؤثر في الأعمال التي لا

стр. 3241

الثانية: النهي عن التماثيل وغلظ الأمر في ذلك. الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك؛ فكيف بين لهم هذا أولا، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم. ــ يقدر عليها فيعطى أجرها، وما أشبه ذلك، بخلاف ما علق على فعل مجرد؛ فلا حاجة فيه إلى النية. أي: ولو كان يعبد الله، ولو كان يريد التقرب إلى الله ببناء هذا المسجد اعتبارا بما يئول إليه الأمر، وبالنتيجة السيئة التي تترتب على ذلك، وهذه النقطة نتدرج منها إلى نقطة أخرى، وهي التحذير من مشابهة المشركين وإن لم يقصد الإنسان المشابهة، وهذه قد تخفى على بعض الناس، حيث يظن أن التشبه إنما يحرم إذا قصدت المشابهة، والشرع إنما علق الحكم بالتشبه؛ أي: بأن يفعل ما يشبه فعلهم، سواء قصد أو لم يقصد، ولهذا قال العلماء في مسألة التشبه: وإن لم ينو ذلك؛ فإن التشبه يحصل بمطلق الصورة. فإن قيل: قاعدة «إنما الأعمال بالنيات» هل تعارض ما ذكرنا؟ الجواب: لا تعارضه؛ لأن ما علق بالعمل ثبت له حكمه وإن لم ينو الفعل؛ كالأشياء المحرمة؛ كالظهار، والزنا، وما أشبهها. الثانية: النهي عن التماثيل وغلظ الأمر في ذلك، تؤخذ من قوله: «وصوروا فيه تلك الصور» ، ولا سيما إذا كانت هذه الصور معظمة عادة؛ كالرؤساء، والزعماء، والأب، والأخ، والعم. الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك، كيف بين لهم هذا أولا، ثم قبل

стр. 3242

موته بخمس قال ما قال؟ ! ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم. وهذا مما يدل على حرص النبي ﷺ على حماية جانب التوحيد؛ لأنه خلاصة دعوة الرسل، ولأن التوحيد أعظم الطاعات؛ فالمعاصي ولو كبرت أهون من الشرك، حتى قال ابن مسعود: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا) ؛ لأن الحلف بغيره نوع من الشرك، والحلف بالله كاذبا معصية، وهي أهون من الشرك. فالشرك أمره عظيم جدا، ونحن نحذر إخواننا المسلمين مما هم عليه الآن من الانكباب العظيم على الدنيا حتى غفلوا عما خلقوا له، واشتغلوا بما خلق لهم؛ فعامة الناس الآن تجدهم مشتغلين بالدنيا، وليس في أفكارهم إلا الدنيا قائمين وقاعدين ونائمين ومستيقظين، وهذا في الحقيقة نوع من الشرك؛ لأنه يوجب الغفلة عن الله ، ولهذا سمى النبي ﷺ من فعل ذلك عبدا لما تعبد له، فقال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة» ، ولو أقبل العبد على الله بقلبه وجوارحه لحصل ما قدر له من الدنيا؛ فالدنيا وسيلة وليست غاية، وتعس من جعلها غاية، كيف تجعلها غاية وأنت لا تدري مقامك فيها؟ ! وكيف تجعلها غاية وسرورها مصحوب بالأحزان؛ كما قال الشاعر: فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر فالحاصل: أن النبي ﷺ بعث لتحقيق عبادة الله، ولهذا كان حريصا على

стр. 3243

الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر. الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم. السادسة: لعنه إياهم على ذلك. السابعة: أن مراده ﷺ تحذيره إيانا عن قبره. ــ سد كل الأبواب التي تؤدي إلى الشرك؛ فالرسول ﷺ حذر من اتخاذ القبور مساجد ثلاث مرات: الأولى: في سائر حياته. والثانية: قبل موته بخمس. والثالثة: وهو في السياق. الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره أن يوجد القبر، تؤخذ من قوله: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد» ؛ فإن قبره داخل في ذلك بلا شك، بل أول ما يدخل فيه. الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، تؤخذ من قوله ﷺ : «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، وبئس رجلا جعل إمامه اليهود والنصارى وتشبه بهم في قبيح أعمالهم. السادسة: لعنه إياهم على ذلك، تؤخذ من قوله: «لعنة الله على اليهود والنصارى» . السابعة: أن مراده تحذيره إيانا عن قبره، تؤخذ من قول عائشة: "يحذر ما صنعوا"؛ أي: ما صنعه اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.

стр. 3244

الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره. التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدا. العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجدا وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذرية إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته. ــ الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره، تؤخذ من قول عائشة: «ولولا ذلك أبرز قبره؛ غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» . هناك علة أخرى، وهي: إخباره بأنه ما من نبي يموت إلا دفن حيث يموت، ولا يمتنع أن يكون للحكم علتان، كما لا يمتنع أن يكون للعلة حكمان. التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدا، سبق أن ذكرنا أن لها معنيين: ١ - بناء المساجد عليها. ٢ - اتخاذها مكانا للصلاة تقصد فيصلى عندها، بل إن من صلى عندها ولم يتخذها للصلاة؛ فقد اتخذها مسجدا بالمعنى العام. العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجدا وبين من تقوم عليه الساعة؛ فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته. ومعنى هذا أن الرسول ﷺ ذكر التحذير من الشرك قبل أن يموت. وقوله: (مع خاتمته) ، وهي أن من تقوم عليهم شرار الخلق والذين تقوم عليهم الساعة وهم أحياء هؤلاء الكفار، والذين يتخذون القبور مساجد هؤلاء فعلوا أسباب الشرك والكفر.

стр. 3245

الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع، بل أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية، وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد. ــ الحادية عشرة: ذكر في خطبته قبل موته بخمس الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع. قوله: (قبل أن يموت بخمس) ، أي: خمس ليال، والعرب يعبرون عن الأيام بالليالي وبالعكس. قوله: (أشر أهل البدع) ، يقال: أشر، ويقال: شر؛ بحذف الهمزة، وهو الأكثر استعمالا. وإنما تكلم المؤلف ﵀ عن حال الرافضة والجهمية وحكمهما قبل ذكر اسمهما من أجل تهييج النفس على معرفتهما والاطلاع عليهما؛ لأن الإنسان إذا ذكر له الحكم والوصف قبل ذكر الموصوف والمحكوم عليه؛ صارت نفسه تتطلع وتتشوق إلى هذا، فلو قال من أول الكلام: الرد على الرافضة والجهمية؛ فلا يكون للإنسان التشوق مثل ما لو تكلم عن حالهما وحكمهما أولا. وحالهما: أنها أشر أهل البدع. وحكمهم: أن بعض أهل العلم أخرجهم من الثنتين والسبعين فرقة. والرافضة: اسم فاعل من رفض الشيء إذا استبعده، وسموا بذلك لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حين سألوه: ما تقول في

стр. 3246

أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما، وقال: هما وزيرا جدي. فرفضوه وتركوه، وكانوا في السابق معه، لكن لما قال الحق المخالف لأهوائهم، نفروا منه والعياذ بالله، فسموا رافضة. وأصل مذهبهم من عبد الله بن سبأ، وهو يهودي تلبس بالإسلام، فأظهر التشيع لآل البيت والغلو فيهم ليشغل الناس عن دين الإسلام ويفسده كما أفسد بولص دين النصارى عندما تلبس بالنصرانية. وأول ما أظهر ابن سبأ بدعته في عهد علي بن أبي طالب، حتى إنه جاءه وقال: أنت الله حقا - والعياذ بالله -. فأمر علي بالأخدود فحفرت، وأمر بالحطب فجمع، وبالنار فأوقدت، ثم أحرقهم بها؛ إلا أنه يقال: إن عبد الله بن سبأ هرب وذهب إلى مصر ونشر بدعته؛ فالله أعلم. فالمهم أن عليا ﵁ رأى أمرا لم يحتمله، حيث ادعوا فيه الألوهية فأحرقهم بالنار إحراقا، ثم بدأت هذه الفرقة الخبيثة تتكاثر؛ لأن شعارها في الحقيقة النفاق الذي يسمونه التقية، ولهذا كانت هذه الفرقة أخطر ما يكون على الإسلام؛ لأنها تتظاهر بالإسلام والدعوة إليه، وتقيم شعائره الظاهرة؛ كتحريم الخمور وما أشبه ذلك، لكنها تناقضه في الباطن؛ فهم يرون أئمتهم آلهة تدير الكون، وأنهم أفضل من الأنبياء والملائكة والأولياء، وأنهم في مرتبة لا ينالها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهؤلاء كيف يصح أن تقبل منهم دعوى الإسلام، ولذلك يقول عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كثير من كتبه قولا إذا اطلع عليه الإنسان عرف حالهم: (إنهم أشد الناس ضررا على الإسلام، وأنهم هجروا المساجد وعمروا المشاهد) ؛ فهم يقولون: لا نصلي جماعة إلا خلف إمام معصوم ولا معصوم الآن، وهم أول من بنى المشاهد على القبور كما قال الشيخ

стр. 3247

هنا، ورموا أفضل أتباع الرسول على الإطلاق - وهما أبو بكر وعمر - بالنفاق، وإنهما ماتا على ذلك؛ كعبد الله بن أبي ابن سلول وأشباهه والعياذ بالله؛ فانظر بماذا تحكم على هؤلاء بعد معرفة معتقدهم ومنهجهم؟ ! وأما الجهمية؛ فهم أتباع الجهم بن صفوان، وأول بدعته أنه أنكر صفات الله، وقال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما؛ فأنكر المحبة والكلام، ثم بدأت هذه البدعة تنتشر وتتسع، فاعتنقها طوائف غير الجهمية؛ كالمعتزلة ومتأخري الرافضة؛ لأن الرافضة كانوا بالأول مشبهة، ولهذا قال أهل العلم: أول من عرف بالتشبيه هشام بن الحكم الرافضي، ثم تحولوا من التشبيه إلى التعطيل، وصاروا ينكرون الصفات. والجهم بن صفوان أخذ بدعته عن الجعد بن درهم، والجعد أخذ بدعته عن أبان بن سمعان، وأبان أخذها عن طالوت الذي أخذها عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ ؛ فتكون بدعة التعطيل أصلها من اليهود، ثم إن الجهم بن صفوان نشأ في بلاد خراسان، وفيها كثير من الصائبة وعباد الكواكب والفلاسفة، فأخذ منهم أيضا ما أخذ، فصارت هذه البدعة مركبة من اليهودية والصابئة والمشركين. وانتشرت هذه البدعة في الأمة الإسلامية، وهؤلاء الجهمية معطلة في الصفات ينكرون الصفات، ومنهم من أنكر الأسماء مع الصفات، وهذه الأسماء التي يضيفها الله - سبحانه - إلى نفسه جعلوها إضافات وليست حقيقة، أو أنها أسماء لبعض مخلوقاته؛ فالسميع عندهم بمعنى من خلق السمع في غيره والبصير كذلك، وهكذا. ومنهم من أنكر أن يكون الله متصفا بالإثبات أو العدم، فقالوا: لا يجوز

стр. 3248

أن نثبت لله صفة أو ننفي عنه صفة؛ حتى قالوا: لا يجوز أن نقول عنه: إنه موجود ولا إنه معدوم؛ لأننا قلنا موجود شبهناه بالموجودات، وإن قلنا بأنه معدوم شبهناه بالمعدومات؛ فنقول: لا موجود ولا معدوم؛ فكابروا المعقول، وكذبوا المنقول، وهذا لا يمكن؛ لأن تقابل الوجود والعدم من تقابل النقيضين اللذين لا يمكن ارتفاعهما ولا اجتماعهما، بل لا بد أن يوجد أحدهما، فوصف الله بذلك تشبيه له بالممتنعات على قاعدتهم. ومذهبهم في القضاء والقدر: الجبر، فيقولون: إن الإنسان مجبر على عمله يعمل بدون اختياره إن صلى؛ فهو مجبر، وإن قتل فهو مجبر، وهكذا، فعطلوا بذلك حكمة الله لأنه إذا كان كل عامل مجبرا على عمله لم يكن هناك حكمة في الثواب والعقاب، بل بمجرد المشيئة يعاقب هذا ويثيب هذا، وبذلك عطلوا عن الفاعلين أوصاف المدح والذم، فلا يمكن أن تمدح إنسانا أو تذمه؛ لأن العاصي مجبر والمطيع مجبر. ويقال لهم: إنكم إذا قلتم ذلك أثبتم أن الله أظلم الظالمين؛ لأنه كيف يعاقب العاصي وهو مجبر على المعصية؟ ويثيب الطائع وهو مجبر على طاعته؟ فيكون أعطى من لا يستحق؛ وعاقب من لا يستحق، وهذا ظلم. فقالوا: هذا ليس بظلم؛ لأن الظلم تصرف المالك في غير ملكه، وهذا تصرف من المالك في ملكه يفعل به ما يشاء. وأجيب: بأنه باطل؛ لأنه المالك إذا كان متصفا بصفات الكمال لن يخلف وعده، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] ، فلو أخلف هذا الوعد؛ لكان نقصا في حقه وظلما لخلقه، حيث وعدهم فأخلفهم.

стр. 3249

ومذهبهم في أسماء الإيمان والدين الإرجاء، فيقولون: إن الإيمان مجرد اعتراف الإنسان بالخالق على الوصف المعطل عن الصفات حسب طريقتهم، وأن الأقوال والأعمال لا مدخل لها في الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. ومن هذه الأمور الثلاثة قالوا: إن أفسق وأعدل عباد الله في الإيمان سواء، بل قالوا إن فرعون مؤمن كامل الإيمان، وجبريل مؤمن كامل الإيمان، لكن فرعون كفر؛ لأنه ادعى الربوبيه لنفسه فقط، فصار بذلك كافرا. قال ابن القيم عنهم: والناس في الإيمان شيء واحد ... كالمشط عند تماثل الأسنان فمذهبهم من أخبث المذاهب إن لم نقل أخبثها، لكن أخبث منه مذهب الرافضة، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إن جميع البدع أصلها من الرافضة) ؛ فهم أصل البلية في الإسلام، ولهذا قال المؤلف: (أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة) ، ولعل الصواب من الثلاث والسبعين فرقة، أو أن الصواب أخرجهم إلى الثنتين والسبعين؛ أي: أخرجهم من الثالثة التي كان عليها الرسول ﷺ وأصحابه؛ لأن المعروف أن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي من كانت على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. وصدق ﵀ في قوله عن هاتين الطائفتين الرافضة والجهمية: (شر أهل البدع) . وقد قتل الجهم بن صفوان سلمة بن أحوز شرطة نصر بن سيار؛ لأن أظهر هذا المذهب ونشره. وقول المؤلف: (وبسبب الرافضة حديث الشك، وعبادة القبور، وهم أول من

стр. 3250

الثانية عشرة: ما بلي به ﷺ من شدة النزع. الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة. ــ بنى عليها المساجد) ، ولهذا يجب الحذر من بدعتهم وبدعة الجهمية وغيرها، ولا شك أن البدع دركات بعضها أسفل من بعض؛ فعلى المرء الحذر من البدع، وأن يكون متبعا لمنهج السلف الصالح في هذا الباب وفي غيره. الثانية عشرة: ما بلي به ﷺ من شدة النزع، تؤخذ من قولها: «طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها» ، وفي هذا دليل على شدة نزعه، وهكذا «كان الرسول ﷺ يمرض ويوعك كما يوعك الرجلان» من الناس، وهذا من حكمة الله ؛ فهو ﷺ شدد عليه البلاء في مقابلة دعوته وأوذي إيذاء عظيما، وكذلك أيضا فيما يصيبه من الأمراض يضاعف عليه، والحكمة من ذلك لأجل أن ينال أعلى درجات الصبر؛ لأن الإنسان إذا ابتلي بالشر وصبر كان ذلك أرفع لدرجته. والصبر درجة عالية لا تنال إلا بوجود أسبابها، ومنها الابتلاء؛ فيصبر ويحتسب حتى ينال درجة الصابرين. الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة، ويدل عليها قوله ﷺ : «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» ) ، ولا شك أن هذه الكرامة عظيمة؛ لأننا لا نعلم أحدا نال هذه المرتبة إلا رسول الله ﷺ وإبراهيم ﷺ .

стр. 3251

الرابعة عشر: التصريح بأنها أعلى من المحبة. الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة. ــ الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة، ودليل ذلك أنه ﷺ كان يحب أبا بكر، وكان أحب الناس إليه؛ فأثبت له المحبة، ونفى عنه الخلة؛ فدل هذا على أنها أعلى من المحبة، والتصريح ليس من هذا الحديث فقط، بل بضمه إلى غيره؛ فقد ورد من حديث آخر أنه صرح: «بأن أبا بكر أحب الرجال إليه» ، ثم قال هنا: «لو كنت متخذا من أمتي خليلا؛ لاتخذت أبا بكر خليلا» فدل على أن الخلة أعلى من المحبة. الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة، تؤخذ من قوله ﷺ : «ولو كنت متخذا من أمتي خليلا؛ لاتخذت أبا بكر خليلا» ، فلو كان غيره أفضل منه عند النبي ﷺ ؛ لكان أحق بذلك. ومن المسائل الهامة أيضا: أن الأفضلية في الإيمان والعمل الصالح فوق الأفضلية بالنسب؛ لأننا لو راعينا الأفضلية بالنسب؛ لكان حمزة بن عبد المطلب والعباس ﵄ أحق من أبي بكر في ذلك، ومن ثم قدم أبو بكر ﵁ على علي بن أبي طالب وغيره من آل النبي ﷺ .

стр. 3252

السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته. ــ السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته، لم يقل التصريح، وإنما قال: الإشارة؛ لأن النبي ﷺ لم يقل: إن أبا بكر هو الخليفة من بعده، لكن لما قال: «لو كنت متخذا من أمتي خليلا؛ لاتخذت أبا بكر خليلا» علم أنه ﵁ أولى الناس برسول الله ﷺ ؛ فيكون أحق الناس بخلافته.

стр. 3253

باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله ــ هذا الباب له صلة بما قبله، وهو أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله. أي: يئول الأمر بالغالين إلى أن يعبدوا هذه القبور أو أصحابها. والغلو: مجاوزة الحد مدحا أو ذما، والمراد هنا مدحا. والقبور لها حق علينا من وجهين: ١ - أن لا نفرط فيما يجب لها من الاحترام؛ فلا تجوز إهانتها ولا الجلوس عليها، وما أشبه ذلك. ٢ - أن لا نغلو فيها فنتجاوز الحد. وفي (صحيح مسلم) قال علي بن أبي طالب لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» ، وفي رواية: «ولا صورة إلا طمستها» . والقبر المشرف: هو الذي يتميز عن سائر القبور؛ فلا بد أن يسوى ليساويها لئلا يظن أن لصاحب هذا القبر خصوصية ولو بعد زمن: إذ هو وسيلة إلى الغلو فيه. قوله: (الصالحين) ، يشمل الأنبياء والأولياء، بل ومن دونهم.

стр. 3254

روى مالك في (الموطأ) ؛ أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ــ قوله: (أوثانا) ، جمع وثن، وهو كل ما نصب للعبادة، وقد يقال له: صنم، والصنم: تمثال ممثل؛ فيكون الوثن أعم. ولكن ظاهر كلام المؤلف أن كل ما يعبد من دون الله يسمى وثنا، وإن لم يكن على تمثال نصب؛ لأن القبور قد لا يكون لها تمثال ينصب على القبر فيعبد. قوله: (تعبد من دون الله) ، أي: من غيره، وهو شامل لما إذا عبدت وحدها أو عبدت مع الله؛ لأن الواجب في عبادة الله إفراده فيها، فإذا قرن بها غيره صارت عبادة لغير الله، وقد ثبت في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيره تركته وشركه» . قوله: في (الموطأ) ، كتاب مشهور من أصح الكتب؛ لأنه ﵀ تحرى فيه صحة السند، وسنده أعلى من سند البخاري لقربه من الرسول ﷺ ، وكلما كان السند أعلى كان إلى الصحة أقرب، وفيه مع الأحاديث آثار عن

стр. 3255

الصحابة، وفيه أيضا كلام وبحث للإمام مالك نفسه. وقد شرحه كثير من أهل العلم، ومن أوسع شروحه وأحسنها في الرواية والدراية: (التمهيد) لابن عبد البر، وهذا - أعني (التمهيد) - فيه علم كثير. قوله: (اللهم) ، أصلها: يا الله! فحذفت يا النداء لأجل البداءة باسم الله، وعوض عنها الميم الدالة على الجمع؛ فكأن الداعي جمع قلبه على الله، وكانت الميم في الآخر لأجل البداءة باسم الله. قوله: «لا تجعل قبري وثنا يعبد» ، لا: للدعاء؛ لأنها طلب من الله، وتجعل: تصير، والمفعول الأول لها: (قبري) ، والثاني: (وثنا) . وقوله: (يعبد) ، صفة لوثن، وهي صفة كاشفة؛ لأنه الوثن هو الذي يعبد من دون الله. وإنما سأل النبي ﷺ ذلك؛ لأن من كان قبلنا جعلوا قبور أنبيائهم مساجد وعبدوا صالحيهم، فسأل النبي ﷺ ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد؛ لأن دعوته كلها بالتوحيد ومحاربة الشرك. قوله: (اشتد) ، أي: عظم. قوله: (غضب الله) ، صفة حقيقية ثابتة لله لا تماثل غضب المخلوق لا في الحقيقة ولا في الأثر. وقال أهل التأويل: غضب الله هو الانتقام ممن عصاه، وبعضهم يقول: إرادة الانتقام ممن عصاه. وهذا تحريف للكلام عن مواضعه؛ لأن النبي ﷺ لم يقل: انتقم الله، وإنما قال: اشتد غضب الله، وهو ﷺ يعرف كيف يعبر، ويعرف الفرق بين غضب الله وبين الانتقام، وهو أنصح الخلق وأعلم الخلق بربه، فلا يمكن أن يأتي بكلام وهو يريد خلافه؛ لأنه لو أتى بذلك لكان ملبسا، وحاشاه أن يكون

стр. 3256

ــ كذلك؛ فالغضب غير الانتقام وغير إرادة الانتقام؛ فالغضب صفة حقيقية ثابتة لله تليق بجلاله لا تماثل غضب المخلوق، لا في الحقيقة ولا في الأثر. وهناك فروق بين غضب المخلوق وغضب الخالق، منها: ١ - غضب المخلوق حقيقة هو: غليان دم القلب، وجمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى يفور، أما غضب الخالق؛ فإنه صفة لا تماثل هذا، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . ٢ - أن غضب الآدمي يؤثر آثارا غير محمودة؛ فالآدمي إذا غضب قد يحصل منه ما لا يحمد، فيقتل المغضوب عليه، وربما يطلق زوجته، أو يكسر الإناء، ونحو ذلك، أما غضب الله؛ فلا يترتب عليه إلا آثار حميدة لأنه حكيم، فلا يمكن أن يترتب على غضبه إلا تمام الفعل المناسب الواقع في محله. فغضب الله ليس كغضب المخلوقين، لا في الحقيقة ولا في الآثار، وإذا قلنا ذلك؛ فلا نكون وصفنا الله بما يماثل صفات المخلوقين، بل وصفناه بصفة تدل على القوة وتمام السلطان؛ لأن الغضب يدل على قدرة الغاضب على الانتقام وتمام سلطانه؛ فهو بالنسبة للخالق صفة كمال، وبالنسبة للمخلوق صفة نقص. ويدل على بطلان تأويل الغضب بالانتقام قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] . فإن معنى آسَفُونَا: أغضبونا؛ فجعل الانتقام غير الغضب، بل أثرا مترتبا عليه؛ فدل هذا على بطلان تفسير الغضب بالانتقام. واعلم أن كل من حرف نصوص الصفات عن حقيقتها وعما أراد الله بها ورسوله؛ فلا بد أن يقع في زلة ومهلكة؛ فالواجب علينا أن نسلم لما جاء به

стр. 3257

ولابن جرير بسنده، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] . ــ الكتاب والسنة من صفات الله تعالى على ما ورد إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل. قوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، أي: جعلوها مساجد؛ إما بالبناء عليها، أو بالصلاة عندها؛ فالصلاة عند القبور من اتخاذها مساجد، والبناء عليها من اتخاذها مساجد. وهنا نسأل: هل استجاب الله دعوة نبيه ﷺ بأن لا يجعل قبره وثنا يعبد، أم اقتضت حكمته غير ذلك؟ الجواب: يقول ابن القيم: إن الله استجاب له؛ فلم يذكر أن قبره ﷺ جعل وثنا، بل إنه حمي بثلاثة جدران؛ فلا أحد يصل إليه حتى يجعله وثنا يعبد من دون الله، ولم يسمع في التاريخ أنه جعل وثنا. قال ابن القيم في (النونية) : فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران صحيح أنه يوجد أناس يغلون فيه، ولكن لم يصلوا إلى جعل قبره وثنا، ولكن قد يعبدون الرسول ﷺ ولو في مكان بعيد، فإن وجد من يتوجه له ﷺ بدعائه عند قبره؛ فيكون قد اتخذه وثنا، لكن القبر نفسه لم يجعل وثنا. قوله: (ولابن جرير) ، هو محمد بن جرير بن يزيد الطبري، الإمام المشهور في التفسير، توفي سنة ٣١٠ هـ. وتفسيره: هو أصل التفسير بالأثر ومرجع لجميع المفسرين بالأثر، ولا

стр. 3258

يخلو من بعض الآثار الضعيفة، وكأنه يريد أن يجمع ما روي عن السلف من الآثار في تفسير القرآن، ويدع للقارئ الحكم عليها بالصحة أو الضعف بحسب تتبع رجال السند، وهي طريقة جيدة من وجه، وليست جيدة من وجه آخر. فجيدة من جهة أنها تجمع الآثار الواردة حتى لا تضيع، وربما تكون طرقها ضعيفة ويشهد بعضها لبعض. وليست جيدة من جهة أن القاصر بالعلم ربما يخلط الغث بالسمين ويأخذ بهذا وهذا، لكن من عرف طريقة السند، وراجع رجال السند، ونظر إلى أحوالهم وكلام العلماء فيهم؛ علم ذلك. وقد أضاف إلى تفسيره بالأثر: التفسير بالنظر، ولا سيما ما يعود إلى اللغة العربية، ولهذا دائما يرجح الرأي ويستدل له بالشواهد الواردة في القرآن وعن العرب. ومن الناحية الفقهية؛ فالطبري مجتهد، لكنه سلك طريقة خالف غيره فيها بالنسبة للإجماع؛ فلا يعتبر خلاف الرجل والرجلين، وينقل الإجماع ولو خالف في ذلك رجل أو رجلان، وهذه الطريقة تؤخذ عليه؛ لأن الإجماع لا بد أن يكون من جميع أهل العلم المعتبرين في الإجماع، وقد يكون الحق مع هذا الواحد المخالف. والعجيب أني رأيت بعض المتأخرين يحذرون الطلبة من تفسيره؛ لأنه مملوء على زعمهم بالإسرائيليات، ويقولون: عليكم بـ (تفسير الكشاف) للزمخشري وما أشبه ذلك، وهؤلاء مخطئون؛ لأنهم لجهلهم بفضل التفسير بالآثار عن السلف واعتزازهم بأنفسهم وإعجابهم بآرائهم صاروا يقولون هذا. قوله: (عن سفيان) ، إما سفيان الثوري، أو ابن عيينة، وهذا مبهم،

стр. 3259

قال: (كان يلت لهم السويق، فمات، فعكفوا على قبره) . ــ والمبهم يمكن معرفته بمعرفة شيوخه وتلاميذه، وفي الشرح - أعني (تيسير العزيز الحميد) - يقول: الظاهر أنه الثوري. قوله: (عن مجاهد) ، هو مجاهد بن جبر المكي، إمام المفسرين من التابعين، ذكر عنه أنه قال: (عرضت المصحف على عبد الله بن عباس ﵄ من فاتحته إلى خاتمته؛ فما تجاوزت آية إلى وقفت عندها أسأله عن تفسيرها) . قوله: (أفرأيتم) ، الهمزة: للاستفهام، والمراد به التحقير، والخطاب لعابدي هذه الأصنام اللات والعزى. . . إلخ. لما ذكر الله تعالى قصة المعراج وما حصل فيه من الآيات العظيمة التي قال عنها: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ؛ قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ؛ أي: ما نسبة هذه الأصنام للآيات الكبيرة التي رآها النبي ﷺ ليلة المعراج. قوله: اللَّاتِ، (كان يلت لهم. . .) إلخ، على قراءة التشديد: من لت يلت؛ فهو لات. أما على قراءة التخفيف؛ فوجهها أنها خففت لتسهيل الكلام؛ أي: حذف منها التضعيف تخفيفا. وقد سبق أنهم قالوا: إن اللات من الإله. وأصله: رجل كان يلت السويق للحجاج، فلما مات؛ عظموه، وعكفوا على قبره، ثم جعلوه إلها، وجعلوا التسمية الأولى مقترنة بالتسمية الأخيرة؛ فيكون أصله من لت السويق، ثم جعلوه من الإله، وهذا على قراءة التخفيف أظهر من التشديد؛ فالتخفيف يرجح أنه من الإله، والتشديد يرجح أن أصله رجل يلت السويق.

стр. 3260

وكذا قال أبو الجوزاء، عن ابن عباس: (كان يلت السويق للحاج) . ــ وغلوا في قبره، وقالوا: هذا الرجل المحسن الذي يلت السويق للحجاج ويطعمهم إياه، ثم بعد ذلك عبدوه؛ فصار الغلو في القبور يصيرها أوثانا تعبد من دون الله. وفي هذا التحذير من الغلو في القبور، ولهذا نهي عن تخصيصها والبناء عليها والكتابة عليها خوفا من هذا المحظور العظيم الذي يجعلها تعبد من دون الله، «وكان الرسول ﷺ يأمر إذا بعث بعثا: بأن لا يدعوا قبرا مشرفا إلا سووه» ؛ لعلمه أنه مع طول الزمان سيقال: لولا أن له مزية ما اختلف عن القبور؛ فالذي ينبغي أن تكون القبور متساوية لا ميزة لواحد منها عن البقية. قوله: (السويق) ، هو عبارة عن الشعير يحمص، ثم يطحن، ثم يخلط بتمر أو شبهه، ثم يؤكل. وقوله: (كان يلت لهم السويق، فمات، فعكفوا على قبره) ، يعني: ثم عبدوه وجعلوه إلها مع الله. قوله: (وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج) ، والغريب أن الناس في جاهليتهم يكرمون حجاج بيت الله، ويلتون لهم السويق، وكان العباس يسقي لهم من زمزم، وربما يجعل في زمزم نبيذا يحليه زبيبا أو نحوه، وفي الوقت الحاضر صار الناس بالعكس يستغلون الحجاج
следующие страницы →