← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

ومعنى أنبئكم: أخبركم، وهي مرادفة للخبر في اصطلاح المحدثين، وقال بعض العلماء من ناحية اللغة لا الاصطلاح: إن الإنباء لغة يكون في الأمور الهامة، والإخبار أعم منه يكون في الهامة وغير الهامة. قوله: (العضه) على وزن الحبل والصمت والوعد، بمعنى القطع، وأما رواية العِضة على وزن عدة، فإنها بمعنى التفريق، وأيا كان، فإنها تتضمن قطعا وتفريقا. قوله: (هي النميمة) . فعيلة بمعنى مفعولة، وهي من نم الحديث إلى غيره، أي: نقله، والنميمة فسرها بقوله: (القالة بين الناس) ، أي: نقل القول بين الناس، فينقل من هذا إلى هذا، فيأتي لفلان ويقول: فلان يسبك، فهو نم إليه الحديث ونقله، وسواء كان صادقا أو كاذبا، فإن كان كاذبا، فهو بهت ونميمة، وإن كان صادقا، فهو نميمة. والنميمة كما أخبر الرسول ﷺ تقطع الصلة، وتفرق بين الناس (١) ، فتجد هذين الرجلين صديقين، فيأتي هذا النمام، فيقول لأحدهما: صاحبك يسبك، فتنقلب هذه المودة إلى عداوة، فيحصل التفرق، وهذا يشبه السحر بالتفرق؛ لأن السحر فيه تفريق، قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] . والنميمة من كبائر الذنوب، وهي سبب لعذاب القبر، ومن أسباب حرمان دخول الجنة، قال ﷺ : «لا يدخل الجنة قتات» (٢) ، أي: نمام، وفي حديث ابن عباس المتفق عليه: أنه ﷺ «مر بقبرين يعذبان، أحدهما كان يمشي»

стр. 3362

ــ «بالنميمة» . والنميمة كما هي من كبائر الذنوب، فهي في الحقيقة خلق ذميم، ولا ينبغي للإنسان أن يطيع النمام مهما كانت حاله، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠، ١١] ، واعلم أن من نم إليك نم فيك أو منك، فاحذره. وهي أيضا من أسباب فساد المجتمع؛ لأن هذا النمام إذا أراد أن يعتدي على كل صديقين متحابين، ويفرق بينهما بنميمته فسد المجتمع؛ لأن المجتمع مكون من أفراد، فإذا تفرقت صار كما قال الله : ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] ، وإذا لم يكن المجتمع كإنسان واحد، فإنه لا يمكن أن يكون مجتمعا، فهو أفراد متناثرة، والأفراد المتناثرة ليس لها قوة، ولهذا قال الشاعر: لا تخاصم بواحد أهل بيت ... فضعيفان يغلبان قويا وقال الآخر: تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا ... فإذا افترقن تكسرت أفرادا ونحن لو تأملنا النصوص الشرعية، لوجدناها تحرم كل ما يكون سببا للتفرق والقطيعة، قال ﷺ : ( «ولا يبيع بعضكم على بيع أخيه» ، وقال: «لا»

стр. 3363

ولهما عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إن من البيان لسحرا» ــ «يخطب الرجل على خطبة أخيه» ، وكل هذا لدفع ما يوجب العداوة والبغضاء بين الناس. * * * قوله: (إن من البيان) . (إن) : حرف توكيد، ينصب الاسم ويرفع الخبر، و (من) : يحتمل أن تكون للتبعيض، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس، فعلى الأول يكون المعنى: إن بعض البيان سحر وبعضه ليس بسحر، وعلى الثاني يكون المعنى: إن جنس البيان كله سحر. قوله: (لسحرا) . اللام للتوكيد، و (سحرا) : اسم إن. والبيان: هو الفصاحة والبلاغة، وهو من نعمة الله على الإنسان، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣،٤] . والبيان نوعان. الأول: بيان لا بد منه، وهذا يشترك فيه جميع الناس، فكل إنسان إذا جاع قال: إني جعت، وإذا عطش قال: إني عطشت، وهكذا.

стр. 3364

الثاني: بيان بمعنى الفصاحة التامة التي تسبي العقول وتغير الأفكار، وهي التي قال فيها الرسول ﷺ : «إن من البيان لسحرا» . وعلى هذا التقسيم تكون (من) للتبعيض، أي: بعض البيان -وهو البيان الكامل الذي هو الفصاحة- سحر. أما إذا جعلنا البيان بمعنى الفصاحة فقط، صارت (من) لبيان الجنس. ووجه كون البيان سحرا: أنه يأخذ بلب السامع، فيصرفه أو يعطفه، فيظن السامع أن الباطل حق لقوة تأثير المتكلم، فينصرف إليه، ولهذا إذا أتى إنسان يتكلم بكلام معناه باطل، لكن لقوة فصاحته وبيانه يسحر السامع حقا، فينصرف إليه، وإذا تكلم إنسان بليغ يحذر من حق، ولفصاحته وبيانه يظن السامع أن هذا الحق باطل، فينصرف عنه، وهذا من جنس السحر الذي يسمونه العطف والصرف، والبيان يحصل به عطف وصرف، فالبيان في الحقيقة بمعنى الفصاحة، ولا شك أنها تفعل فعل السحر، وابن القيم يقول عن الحور: حديثها السحر الحلال. وقوله: (إن من البيان لسحرا) ، وهل هذا على سبيل الذم، أو على سبيل المدح، أو لبيان الواقع ثم ينظر إلى أثره؟ الجواب: الأخير هو المراد، فالبيان من حيث هو بيان لا يمدح عليه ولا يذم، ولكن ينظر إلى أثره، والمقصود منه، فإن كان المقصود منه رد الحق وإثبات الباطل، فهو مذموم؛ لأنه استعمال لنعمة الله في معصيته، وإن كان المقصود منه إثبات الحق وإبطال الباطل، فهو ممدوح، وإذا كان البيان يستعمل في طاعة الله وفي الدعوة إلى الله، فهو خير من العي، لكن إذا ابتلي الإنسان ببيان ليصد الناس عن دين الله، فهذا لا خير فيه، والعي خير منه، والبيان من حيث هو لا

стр. 3365

ــ شك أنه نعمة، ولهذا امتن الله به على الإنسان، فقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] . * وجه مناسبة الحديث للباب: المؤلف كان حكيما في تعبيره بالترجمة، حيث قال: باب بيان شيء من أنواع السحر، ولم يحكم عليها بشيء؛ لأن منها ما هو شرك، ومنها ما هو من كبائر الذنوب، ومنها دون ذلك، ومنها ما هو جائز على حسب ما يقصد به وعلى حسب تأثيره وآثاره. * * *

стр. 3366

* فيه مسائل: الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت. الثانية: تفسير العيافة والطرق. الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر. الرابعة: العقد مع النفث من ذلك. الخامسة: أن النميمة من ذلك. السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة. ــ قال: (فيه مسائل) ، أي: في هذا الباب وما تضمنه من الأحاديث والآثار مسائل: * المسألة الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت. وقد سبق تفسير هذه الثلاثة وتفسير الجبت. * الثانية: تفسير العيافة والطرق. وقد بينت في الباب أيضا وشرحت. * الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر، لقوله: (من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر) ، وسبق الكلام عليها أيضا. * الرابعة: العقد مع النفث من ذلك، لحديث أبي هريرة: «من عقد عقدة ثم نفث فيها، فقد سحر» ، وقد تقدم الكلام على ذلك. * الخامسة: أن النميمة من ذلك، لحديث ابن مسعود: «ألا هل أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة» ، وهي من السحر؛ لأنها تفعل ما يفعل الساحر من التفريق بين الناس والتحريش بينهم، وقد سبق بيان ذلك. * السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة. أي: من السحر بعض الفصاحة، لقول النبي ﷺ : «إن من البيان لسحرا» ، والمؤلف ﵀ قال: بعض الفصاحة استدلالا بقوله ﷺ : (إن من البيان) ؛ لأن (من) هنا عند المؤلف للتبعيض، ووجه كون ذلك من السحر أن لسان البليغ ذي البيان قد يصرف الهمم وقد يلهب بما عنده من الفصاحة. * * *

стр. 3367

باب ما جاء في الكهان ونحوهم ــ الكهان: جمع كاهن، والكهنة أيضا جمع كاهن، وهم قوم يكونون في أحياء العرب يتحاكم الناس إليهم، وتتصل بهم الشياطين، وتخبرهم عما كان في السماء، تسترق السمع من السماء، وتخبر الكاهن به، ثم الكاهن يضيف إلى هذا الخبر ما يضيف من الأخبار الكاذبة، ويخبر الناس، فإذا وقع مما أخبر به شيء، اعتقده الناس عالما بالغيب، فصاروا يتحاكمون إليهم، فهم مرجع للناس في الحكم، ولهذا يسمون الكهنة، إذ هم يخبرون عن الأمور في المستقبل، يقولون: سيقع كذا وسيقع كذا، وليس من الكهانة في شيء من يخبر عن أمور تدرك بالحساب، فإن الأمور التي تدرك بالحساب ليست من الكهانة في شيء، كما لو أخبر عن كسوف الشمس أو خسوف القمر، فهذا ليس من الكهانة؛ لأنه يدرك بالحساب، وكما لو أخبر أن الشمس تغرب في ٢٠ من برج الميزان مثلا في الساعة كذا وكذا، فهذا ليس من علم الغيب، وكما يقولون: إنه سيخرج في أول العام أو العام الذي بعده مذنب (هالي) ، وهو نجم له ذنب طويل، فهذا ليس من الكهانة في شيء؛ لأنه من الأمور التي تدرك بالحساب، فكل شيء يدرك بالحساب، فإن الإخبار عنه ولو كان مستقبلا لا يعتبر من علم الغيب، ولا من الكهانة. وهل من الكهانة ما يخبر به الآن من أحوال الطقس في خلال أربع وعشرين ساعة أو ما أشبه ذلك؟ الجواب: لا؛ لأنه أيضا يستند إلى أمور حسية، وهي تكيف الجو؛ لأن الجو يتكيف على صفة معينة تعرف بالموازين الدقيقة عندهم، فيكون صالحا لأن

стр. 3368

روى مسلم في (صحيحه) عن بعض أزواج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ ، قال: «من أتى عرافا، فسأله عن شيء، فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوما» (١) ــ يمطر، أو لا يمطر، ونظير ذلك في العلم البدائي إذا رأينا تجمع الغيوم والرعد والبرق وثقل السحاب، نقول: يوشك أن ينزل المطر. فالمهم أن ما استند إلى شيء محسوس، فليس من علم الغيب، وإن كان بعض العامة يظنون أن هذه الأمور من علم الغيب، ويقولون: إن التصديق بها تصديق بالكهانة. والشيء الذي يدرك بالحس إنكاره قبيح، كما قال السفاريني: فكل معلوم بحس أو حجا ... فنكره جهل قبيح بالهجا فالذي يعلم بالحس لا يمكن إنكاره ولو أن أحدا أنكره مستندا بذلك إلى الشرع، لكان ذلك طعنا بالشرع. * * * قوله: (من) : شرطية، فهي للعموم. والعراف: صيغة مبالغة من العارف، أو نسبة، أي: من ينتسب إلى العرافة. والعراف قيل: هو الكاهن، وهو الذي يخبر عن المستقبل. وقيل: هو اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يستدل على

стр. 3369

معرفة الغيب بمقدمات يستعملها، وهذا المعنى أعم، ويدل عليه الاشتقاق، إذ هو مشتق من المعرفة، فيشمل كل من تعاطى هذه الأمور وادعى بها المعرفة. قوله: (فسأله، لم تقبل له صلاة أربعين يوما) . ظاهر الحديث أن مجرد سؤاله يوجب عدم قبول صلاته أربعين يوما، ولكنه ليس على إطلاقه، فسؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن يسأله سؤالا مجردا، فهذا حرام لقول النبي ﷺ : (من أتى عرافا ... ) ، فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه، إذ لا عقوبة إلا على فعل محرم. القسم الثاني: أن يسأله فيصدقه، ويعتبر قوله، فهذا كفر لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] . القسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله، فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث. «وقد سأل النبي ﷺ ابن صياد، فقال: (ماذا خبأت لك؟ قال: الدخ. فقال: (اخسأ، فلن تعدو قدرك) » ، فالنبي ﷺ سأله عن شيء أضمره له، لأجل أن يختبره، فأخبره به. القسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور يتبين بها

стр. 3370

كذبه وعجزه، وهذا مطلوب، وقد يكون واجبا. وإبطال قول الكهنة لا شك أنه أمر مطلوب، وقد يكون واجبا، فصار السؤال هنا ليس على إطلاقه، بل يفصل فيه هذا التفصيل على حسب ما دلت عليه الأدلة الشرعية الأخرى. وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس في أمور، والكهان يستخدمون الجن ليأتوهم بخبر السماء، فيضيفون إليه من الكذب ما يضيفون، وخدمة الجن للإنس ليست محرمة على كل حال، بل هي على حسب الحال. فالجني يخدم الإنس في أمور لمصلحة الإنس، وقد يكون للجن فيها مصلحة، وقد لا يكون له فيها مصلحة، بل لأنه يحبه في الله ولله، ولا شك أن من الجن مؤمنين يحبون المؤمنين من الإنس؛ لأنه يجمعهم الإيمان بالله. وقد يخدمونهم لطاعة الإنس لهم فيما لا يرضي الله ، إما في الذبح لهم، أو في عبادتهم، أو ما أشبه ذلك. والأغرب من ذلك أنهم ربما يخدمون الإنس لأمر محرم من زنا أو لواط؛ لأن الجنية قد تستمتع بالإنسي بالعشق والتلذذ بالاتصال به، أو بالعكس، وهذا أمر معلوم مشهود، حتى ربما كان الجني الذي في الإنسان ينطق بذلك، كما يعلم من الذين يقرؤون على المصابين بالجن. والنبي ﷺ حضر إليه الجن وخاطبهم وأرشدهم، ووعدهم بعطاء لا نظير له، فقال لهم: «كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة، فهي علف لدوابكم» ، وذكر أن في عهد عمر ﵁ امرأة لها رئي من

стр. 3371

الجن، وكانت توصيه بأشياء، حتى إنه تأخر عمر ذات يوم، فأتوا إليها، فقالوا: ابحثي لنا عنه. فذهب هذا الجني الذي فيها، وبحث وأخبرهم أنه في مكان كذا، وأنه يسم إبل الصدقة. (١) قوله: (فصدقه) . ليست في (صحيح مسلم) ، بل الذي في (مسلم) : (فسأله، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) ، وزيادتها في نقل المؤلف، إما لأن النسخة التي نقل منها بهذا اللفظ (فصدقه) ، أو أن المؤلف عزاه إلى (مسلم) باعتبار أصله، فأخذ من (مسلم) : (فسأله) ، وأخذ من أحمد: (فصدقه) . قوله: (لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) . نفي القبول هنا يلزم منه نفي الصحة أولا؟ نقول: نفي القبول إما أن يكون لفوات شرط، أو لوجود مانع، ففي هاتين الحالين يكون نفي القبول نفيا للصحة، كما لو قلت: من صلى بغير وضوء لم يقبل الله صلاته، ومن صلى في مكان مغصوب لم يقبل الله صلاته عند من يرى ذلك. وإن كان نفي القبول لا يتعلق بفوات شرط ولا وجود مانع، فلا يلزم من نفي القبول نفي الصحة، وإنما يكون المراد بالقبول المنفي: إما نفي القبول التام، أي: لم تقبل على وجه التمام الذي يحصل به تمام الرضا وتمام المثوبة. وإما أن يراد به أن هذه السيئة التي فعلها تقابل تلك الحسنة في الميزان، فتسقطها، ويكون وزرها موازيا لأجر تلك الحسنة، وإذا لم يكن له أجر صارت كأنها غير مقبولة، وإن كانت مجزئة ومبرئة للذمة، لكن الثواب الذي حصل

стр. 3372

ــ بها قوبل بالسيئة فأسقطته. ومثله قوله ﷺ : «من شرب الخمر، لم تقبل له صلاة أربعين يوما» . (١) وقوله: (أربعين يوما) . تخصيص هذا العدد لا يمكننا أن نعلله؛ لأن الشيء المقدر بعدد لا يستطيع الإنسان غالبا أن يعرف حكمته، فكون الصلاة خمس صلوات أو خمسين لا نعلم لماذا خصصت بذلك، فهذا من الأمور التي يقصد بها التعبد لله، والتعبد لله بما لا تعرف حكمته أبلغ من التعبد له بما تعرف حكمته؛ لأنه أبلغ في التذلل، صحيح أن الإنسان إذا عرف الحكمة اطمأنت نفسه أكثر، لكن كون الإنسان ينقاد لما لا يعرف حكمته دليل على كمال الانقياد والتعبد لله ، فهو من حيث العبودية أبلغ وأكمل، أما ذاك، فهو من حيث الطمأنينة إلى الحكم يكون أبلغ؛ لأن النفس إذا علمت بالحكمة في شيء اطمأنت إليه بلا شك، وازدادت أخذا له وقبولا، فهناك أشياء مما عينه الشرع بعدد أو كيفية لا نعلم ما الحكمة فيه، ولكن سبيلنا أن نكون كما قال الله تعالى عن المؤمنين: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] . فعلينا التسليم والانقياد وتفويض الأمر إلى الله تعالى. ويؤخذ من الحديث: تحريم إتيان العراف وسؤاله، إلا ما استثني، كالقسم الثالث والرابع، لما في إتيانهم وسؤالهم من المفاسد العظيمة، التي ترتب على

стр. 3373

وعن أبي هريرة ﵁ ، عن النبي ﷺ ، قال: «من أتى كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » رواه أبو داود (١) ــ تشجيعهم وإغراء الناس بهم، وهم في الغالب يأتون بأشياء كلها باطلة. * * * قوله: (من أتى كاهنا) . تقدم معنى الكهان، وأنهم كانوا رجالا في أحياء العرب تنزل عليهم الشياطين، وتخبرهم بما سمعت من أخبار السماء. قوله: (فصدقه) . أي: نسبه إلى الصدق، وقال: إنه صادق، وتصديق الخبر يعني: تثبيته وتحقيقه، فقال: هذا حق وصحيح وثابت. قوله: (بما يقول) . (ما) عامة في كل ما يقول، حتى ما يحتمل أنه صدق، فإنه لا يجوز أن يصدقه؛ لأن الأصل فيهم الكذب. قوله (فقد كفر بما أنزل على محمد) ، أي: بالذي أنزل، والذي أنزل على محمد ﷺ القرآن أنزل إليه بواسطة جبريل، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٢،١٩٣] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] ، وبهذا نعرف أن القول الراجح في الحديث القدسي أنه من كلام الله تعالى معنى، وأما لفظه، فمن الرسول ﷺ ، لكنه حكاه عن الله؛ لأننا لو لم نقل بذلك لكان الحديث القدسي أرفع سندا من

стр. 3374

القرآن، حيث إن الرسول ﷺ يرويه عن ربه مباشرة والقرآن بواسطة جبريل. ولأنه لو كان من كلام الله لفظا، لوجب أن تثبت له أحكام القرآن؛ لأن الشرع لا يفرق بين المتماثلين، وقد علم أن أحكام القرآن لا تنطبق على الحديث القدسي، فهو لا يتعبد بتلاوته، ولا يقرأ في الصلاة، ولا يعجز لفظه، ولو كان من كلام الله، لكان معجزا؛ لأن كلام الله لا يماثله كلام البشر، وأيضا باتفاق أهل العلم فيما أعلم أنه لو جاء مشرك يستجير ليسمع كلام الله وأسمعناه الأحاديث القدسية، فلا يصح أن يقال: إنه سمع كلام الله. فدل هذا على أنه ليس من كلام الله، وهذا هو الصحيح، وللعلماء في ذلك قولان: هذا أحدهما، والثاني: أنه من قول الله لفظا. فإن قال قائل: كيف تصححون هذا والنبي ﷺ ينسب القول إلى الله، ويقول: قال الله تعالى، ومقول القول هو هذا الحديث المسوق؟ قلنا: هذا كما قال الله تعالى عن موسى وفرعون وإبراهيم: قال موسى، قال فرعون، قال إبراهيم ... مع أننا نعلم أن هذا اللفظ ليس من كلامهم ولا قولهم؛ لأن لغتهم ليست اللغة العربية، وإنما نقل نقلا عنهم، ويدل هذا أن القصص في القرآن تختلف بالطول والقصر والألفاظ، مما يدل على أن الله سبحانه ينقلها بالمعنى، ومع ذلك ينسبها إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] ، وقال عن موسى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ، وقال عن فرعون: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤] . قوله: (بما أنزل على محمد) . ذكر أهل السنة أن كل كلمة وصف فيها القرآن بأنه منزل أو أنزل من الله، فهي دالة على علو الله سبحانه وتعالى

стр. 3375

وللأربعة، والحاكم -وقال: (صحيح على شرطهما) - عن أبي هريرة: ــ بذاته، وعلى أن القرآن كلام الله؛ لأن النزول يكون من أعلى، والكلام لا يكون إلا من متكلم به. قوله: (كفر بما أنزل على محمد) . وجه ذلك: أن ما أنزل على محمد قال الله تعالى فيه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] ، وهذا من أقوى طرق الحصر؛ لأن فيه النفي والإثبات، فالذي يصدق الكاهن في علم الغيب وهو يعلم أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فهو كافر كفرا أكبر مخرجا من الملة، وإن كان جاهلا ولا يعتقد أن القرآن فيه كذب، فكفره كفر دون كفر. قوله: (وللأربعة والحاكم) . الأربعة هم: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم ليس من أهل (السنن) ، لكن له كتاب سمي (صحيح الحاكم) . قوله: (صحيح على شرطهما) ، أي: شرط البخاري ومسلم، لكن قول (على شرطهما) هذا على ما يعتقد، وإلا، فقد يكون الأمر على خلاف ذلك. ومعنى قوله: (على شرطهما) ، أي: أن رجاله رجال (الصحيحين) ، وأن ما اشترطه البخاري ومسلم موجود فيه. ونحن لا ننكر أن هناك أحاديث صحيحة لم يذكرها البخاري ومسلم؛ لأنهما لم يستوعبا الصحيح كله، وهذا أمر واقع، ولكن ينظر في قول من قال: إن هذا الحديث على شرطهما، فقد تكون فيه علة خفية خفيت على هذا القائل، ويكون البخاري ومسلم علماها وتركا الحديث من أجلها.

стр. 3376

«من أتى عرافا أو كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » . (١) ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفا. (٢) ــ قوله: (صحيح) . يقولون: الحاكم ممن يتساهل بالتصحيح، ولهذا قالوا: لا عبرة بتصحيح الحاكم، ولا بتوثيق ابن حبان، ولا بوضع ابن الجوزي، ولا بإجماع ابن المنذر. وهذا القول فيه مجازفة في الحقيقة؛ لأن كلمة (لا عبرة) ، أي: لا يلتفت إليه، والصواب أنه لا يؤخذ مقبولا في كل حال، مع أني تدبرت كلام ابن المنذر ﵀، ووجدت أنه دائما إذا نقل الإجماع يقول: إجماع من نحفظ قوله من أهل العلم، وهو بهذا قد احتفظ لنفسه، ولا يكلف الله نفسا إلى وسعها. ولكننا مع ذلك نقول: إذا كان الرجل ذا طلاع واسع، فقد يكون هذا القول إجماعا، أما إذا كان هذا الرجل لا يعرف إلا ما حوله، فإن قوله هذا لا يكون إجماعا ولا يوثق به، ولا نحكم بأنه إجماع. مثاله: فلو قال رجل لم يدرس إلا المذهب الحنبلي في مسألة، وقال: هذا إجماع من نحفظ قوله من أهل العلم، فإن قوله هذا لا يعتبر؛ لأنه لم يحفظ إلا قولا قليلا من أقوال أهل العلم. قوله: (من أتى عرافا أو كاهنا) . (أو) يحتمل أن تكون للشك، ويحتمل

стр. 3377

وعن عمران بن حصين مرفوعا: «ليس منا من تطير أو تطير له،» ــ أن تكون للتنويع، فالحديث الأول بلفظ عراف، والثاني بلفظ كاهن، والثالث جمع بينهما، فتكون (أو) للتنويع. وجاء المؤلف بهذا الحديث مع أن الأول والثاني مغنيان عنه؛ لأن كثرة الأدلة مما يقوي المدلول، أرأيت لو أن رجلا أخبرك بخبر فوثقت به، ثم جاء آخر وأخبرك به ازددت توثقا وقوة، ولهذا فرق الشارع بين أن يأتي الإنسان بشاهد واحد أو شاهدين. وظاهر صنيع المؤلف: أن حديث أبي هريرة: (من أتى عرافا أو كاهنا) أنه موقوف؛ لأنه قال عن أبي هريرة، لكنه لما قال في الذي بعده: (موقوفا) ترجح عندنا أن الحديث الذي قبله مرفوع. قوله: (ليس منا) . تقدم الكلام على هذه الكلمة، وأنها لا تدل على خروج الفاعل من الإسلام، بل على حسب الحال. قوله: (مرفوعا) ، أي إلى النبي ﷺ . قوله: (تطير) . التطير: هو التشاؤم بالمرئي أو المسموع أو المعلوم أو غير ذلك، وأصله من الطير؛ لأن العرب كانوا يتشاءمون أو يتفاءلون بها، وقد سبق ذلك.

стр. 3378

«أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » . رواه البزار بإسناد جيد. (١) ــ ومنه ما يحصل لبعض الناس إذ شرع في عمل، ثم حصل له في أوله تعثر تركه وتشاءم، فهذا غير جائز، بل يعتمد على الله ويتوكل عليه، ومادمت أنك تعلم أن في هذا الأمر خيرا، فغامر فيه ولا تشاءم؛ لأنك لم توفق فيه لأول مرة، فكم من إنسان لم يوفق في العمل أول مرة، ثم وفق في ثاني مرة أو ثالث مرة؟! ويقال: إن الكسائي -إمام النحو- طلب النحو عدة مرات، ولكنه لم يوفق، فرأى نملة تحمل نواة تمر، فتصعد إلى الجدار، فتسقط، حتى كررت ذلك عدة مرات، ثم صعدت بها إلى الجدار وتجاوزته، فقال: سبحان الله! هذه النملة تكابد هذه النواة حتى نجحت، إذن أنا سأكابد على النحو حتى أنجح. فكابد، فصار إمام أهل الكوفة في النحو. قوله: (أو تطير له) . بالبناء للمفعول، أي: أمر من يتطير له، مثل أن يأتي شخص، ويقول: سأسافر إلى المكان الفلاني، وأنت صاحب طير، وأريد أن تزجر طيرك لأنظر: هل هذه الوجهة مباركة أم لا، فمن فعل ذلك، فقد تبرأ منه الرسول ﷺ . وقوله: (من تطير) يشمل من تطير لنفسه، أو تطير لغيره.

стр. 3379

ورواه الطبراني في (الأوسط) بإسناد حسن من حديث ابن عباس، دون قوله: (ومن أتى كاهنا ... "، إلى آخره. (١) ــ وقوله: (أو تكهن أو تكهن له) . سبق أن الكهانة ادعاء علم الغيب في المستقبل، يقول سيكون كذا وكذا، وربما يقع، فهذا متكهن، ومن الغريب أنه شاع الآن في أسلوب الناس قولهم: تكهن بأن فلانا سيأتي، ويطلقون هذا اللفظ الدال على عمل محرم على أمر مباح، وهذا لا ينبغي؛ لأن العامي الذي لا يفرق بين الأمور يظن أن الكهانة كلها مباحة، بدليل إطلاق هذا اللفظ على شيء مباح معلوم إباحته. قوله: (أو تكهن له) ، أي: طلب من الكاهن أن يتكهن له، كأن يقول للكاهن: ماذا يصيبني غدا، أو في الشهر الفلاني، أو في السنة الفلانية، وهذا تبرأ منه الرسول ﷺ . قوله: (أو سحر أو سحر له) . تقدم تعريف السحر، وتقدمه بيان أقسامه. قوله: (أو سحر له) ، أي: طلب من الساحر أن يسحر له، ومنه النشرة عن طريق السحر، فهي داخلة فيه، وكانوا يستعملونها على وجوه متنوعة، منها أنهم يأتون بطست فيه ماء، ويصبون فيه رصاصا، فيتكون هذا الرصاص بوجه الساحر، أي: تكون صورة الساحر في هذا الرصاص، ويسمونها العامة

стр. 3380

قال البغوي: (العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك) . (١) وقيل: هو الكاهن. والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. وقيل: الذي يخبر عما في الضمير. ــ عندنا (صب الرصاص) ، وهذا من أنواع السحر المحرم، وقد تبرأ رسول الله ﷺ من فاعله. الشاهد من هذا الحديث قوله: (ومن أتى كاهنا ... ) إلخ، وقوله: (ورواه الطبراني في (الأوسط) بإسناد جيد من حديث ابن عباس ... ) إلخ، فيكون هذا مقويا للأول. * قوله: (قال البغوي: العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات ... ) . العراف: صيغة مبالغة فإما أن يراد بها الصيغة، وإما أن يراد بها النسبة. وهو الذي يدعي معرفة تتعلق بعلم الغيب، فيدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على مكان المسروق والضالة ونحوها. وظاهر كلام البغوي ﵀: أنه شامل لمن ادعى معرفة المستقبل والماضي؛ لأن مكان المسروق يعلم بعد السرقة، وكذلك الضالة قد حصل

стр. 3381

وقال أبو العباس ابن تيمية: (العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق) . (١) ــ الضياع، ولكن المسألة ليست اتفاقية بين أهل العلم، ولهذا قال المؤلف ﵀: (وقيل: هو) ، أي: العراف الكاهن. والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. قوله: (وقيل: هو الذي يخبر عما في الضمير) ، أي: أن تضمر شيئا فتقول: ما أضمرت؟ فيقول: أضمرت كذا وكذا. أو المغيبات في المستقبل، تقول: ماذا سيحدث في الشهر الفلاني في اليوم الفلاني؟ ماذا ستلد امرأتي؟ متى يقدم ولدي؟ وهو لا يدري. والخلاصة: أن العلماء اختلفوا في تعريف العراف، فقيل: هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على مكان المسروق والضالة ونحوها، فيكون شاملا لمن يخبر عن أمور وقعت. وقيل: الذي يخبر عما في الضمير. وقيل: هو الكاهن، والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. قوله: (وقال أبو العباس ابن تيمية) . هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، يكنى بأبي العباس، ولم يتزوج، ولم يتركه من باب الرهبانية، ولكنه - والله أعلم - كان مشغولا بالجهاد العلمي مع قلة الشهوة، وإلا

стр. 3382

لو كان قوي الشهوة لتزوج، وليس كما يدعي المزورون أن له ولدا مدفونا إلى جانبه في دمشق، فإنه غير صحيح قطعا. وظاهر كلام الشيخ: أن شيخ الإسلام جزم بهذا، ولكن شيخ الإسلام قال: وقيل العراف، وذكره بقيل، ومعلوم أن ما ذكر بقيل ليس مما يجزم بأن الناقل يقول به، صحيح أنه إذا نقله ولم ينقضه، فهذا دليل على أنه ارتضاه. وعلى كل حال، فشيخ الإسلام ساق هذا القول وارتضاه، ثم قال: ولو قيل: إنه اسم خاص لبعض هؤلاء الرمال والمنجم ونحوهم، فإنهم يدخلون فيه بالعموم المعنوي؛ لأن عندنا عموما معنويا، وهو ما ثبت عن طريق القياس، وعموما لفظيا، وهو ما دل عليه اللفظ، بحيث يكون اللفظ شاملا له. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن استخدام الإنس للجن له ثلاث حالات. الحال الأولى: أن يستخدم في طاعة الله، كأن يكون له نائبا في تبليغ الشرع، فمثلا: إذا كان له صاحب من الجن مؤمن يأخذ عنه العلم، ويتلقى منه، وهذا شيء ثبت أن الجن قد يتعلمون من الإنس، فيستخدمه في تبليغ الشرع لنظرائه من الجن، أو في المعونة على أمور مطلوبة شرعا، فهذا لا بأس به، بل إنه قد يكون أمرا محمودا أو مطلوبا، وهو من الدعوة إلى الله والجن حضروا النبي ﷺ وقرأ عليهم القرآن، وولوا إلى قومهم منذرين، والجن فيهم الصلحاء والعباد والزهاد والعلماء؛ لأن المنذر لا بد أن يكون عالما بما ينذر، عابدا مطيعا لله -سبحانه- في الإنذار.

стр. 3383

الحال الثانية: أن يستخدمهم في أمور مباحة، مثل أن يطلب منهم العون على أمر من الأمور المباحة، قال: فهذا جائز بشرط أن تكون الوسيلة مباحة، فإن كانت محرمة، صار حراما، كما لو كان الجني لا يساعده في أموره إلا إذا ذبح له أو سجد له أو ما أشبه ذلك. ثم ذكر ما ورد أن عمر تأخر ذات مرة في سفره، فاشتغل فكر أبي موسى، فقالوا له: إن امرأة من أهل المدينة لها صاحب من الجن، فلو أمرتها أن ترسل صاحبها للبحث عن عمر، ففعل، فذهب الجني، ثم رجع، فقال: إن أمير المؤمنين ليس به بأس، وهو يسم إبل الصدقة في المكان الفلاني، فهذا استخدام في أمر مباح. الحال الثالثة: أن يستخدمهم في أمور محرمة، كنهب أموال الناس وترويعهم، وما أشبه ذلك، فهذا محرم، ثم إن كانت الوسيلة شركا صار شركا، وإن كانت وسيلته غير شرك صار معصية، كما لو كان هذا الجني الفاسق يألف هذا الإنسي الفاسق ويتعاون معه على الإثم والعدوان، فهذا يكون إثما وعدوانا، ولا يصل إلى حد الشرك. ثم قال: إن من يسأل الجن، أو يسأل من يسأل الجن، ويصدقهم في كل ما يقولون، فهذا معصية وكفر، والطريق للحفظ من الجن هو «قراءة آية الكرسي، فمن قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح،» كما ثبت ذلك عنه ﷺ ، وهي:

стр. 3384

وقال ابن عباس في قوم يكتبون (أباجاد) وينظرون في النجوم: (ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق) . (١) ــ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ... الآية. قوله: (يكتبون أباجاد وينظرون في النجوم) . الواو هنا ليست عطفا، ولكنها للحال، يعني: والحال أنهم ينظرون، فيربطون ما يكتبون بسير النجوم وحركتها. قوله: (ما أرى من فعل ذلك) . ويجوز بفتح الهمزة بمعنى: أعلم، وبالضم بمعنى: ما أظن. وقوله: (أباجاد) . هي: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضطغ ... وتعلم أباجاد ينقسم إلى قسمين: الأول: تعلم مباح بأن نتعلمها لحساب الجمل، وما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به، ومازال أناس يستعملونها، حتى العلماء يؤرخون بها، قال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في تاريخ بناء المسجد الجامع القديم: جد بالرضا واعط المنى ... من ساعدوا في ذا البنا تاريخه حين انتهى ... قول المنيب اغفر لنا والشهر في شوال يا ... رب تقبل سعينا فقوله: (اغفر لنا) لو عددناها حسب الجمل صارت ١٣٦٢ هـ. وقد اعتنى بها العلماء في العصور الوسطى، حتى في القصائد الفقهية والنحوية وغيرها.

стр. 3385

ويؤرخون بها مواليد العلماء ووفياتهم، ولم يرد ابن عباس هذا القسم. الثاني: محرم، وهو كتابة (أباجاد) كتابة مربوطة بسير النجوم وحركتها وطلوعها وغروبها، وينظرون في النجوم ليستدلوا بالموافقة أو المخالفة على ما سيحدث في الأرض، إما على سبيل العموم، كالجدب والمرض والجرب وما أشبه ذلك، أو على سبيل الخصوص، كأن يقول لشخص: سيحدث لك مرض أو فقر أو سعادة أو نحس في هذا وما أشبه ذلك، فهم يربطون هذه بهذه، وليس هناك علاقة بين حركات النجوم واختلاف الوقائع في الأرض. وقوله: (ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق) . قوله: (خلاق) ، أي: نصيب. ظاهر كلام ابن عباس أنه يرى كفرهم؛ لأن الذي ليس له نصيب عند الله هو الكافر، إذ لا ينفى النصيب مطلقا عن أحد من المؤمنين، وإن كان له ذنوب عذب بقدر ذنوبه، أو تجاوز الله عنها، ثم صار آخر أمره إلى نصيبه الذي يجده عند الله. ولم يبين المؤلف ﵀ حكم الكاهن والمنجم والرمال من حيث العقوبة في الدنيا، وذلك أننا إن حكمنا بكفرهم، فحكمهم في الدنيا أنهم يستتابوا، فإن تابوا، وإلا، قتلوا كفرا. وإن حكمنا بعدم كفرهم، إما لكون السحر لا يصل إلى الكفر، أو قلنا: إنهم لا يكفرون؛ لأن المسألة فيها خلاف، فإنه يجب قتلهم لدفع مفسدتهم ومضرتهم، حتى وإن قلنا بعدم كفرهم؛ لأن أسباب القتل ليست مختصة بالكفر فقط، بل للقتل أسباب متعددة ومتنوعة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾

стр. 3386

[المائدة: ٣٣] ، فكل من أفسد على الناس أمور دينهم أو دنياهم، فإنه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل، ولا سيما إذا كانت هذه الأمور تصل إلى الإخراج من الإسلام. والنظر في النجوم ينقسم إلى أقسام: الأول: أن يستدل بحركاتها وسيرها على الحوادث الأرضية، سواء كانت عامة أو خاصة، فهو شرك إن اعتقد أن هذه النجوم هي المدبرة للأمور، أو أن لها شركا، فهو كفر مخرج عن الملة، وإن اعتقد أنها سبب فقط، فكفره غير مخرج من الملة، ولكن يسمى كفرا، لقول النبي ﷺ على إثر سماء كانت من الليل: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، أما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» . وقد سبق لنا أن هذا الكفر ينقسم إلى قسمين بحسب اعتقاد قائله. الثاني: أن يتعلم علم النجوم ليستدل بحركاتها وسيرها على الفصول وأوقات البذر والحصاد والغرض وما أشبهه، فهذا من الأمور المباحة؛ لأنه يستعان بذلك على أمور دنيوية. القسم الثالث: أن يتعلمها لمعرفة أوقات الصلوات وجهات القبلة، وما أشبه ذلك من الأمور المشروعة، فالتعلم هنا مشروع، وقد يكون فرض كفاية أو فرض عين. * * *

стр. 3387

* فيه مسائل: الأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن. الثانية: التصريح بأنه كفر. الثالثة: ذكر من تكهن له. الرابعة: ذكر من تطير له. الخامسة: ذكر من سحر له. السادسة: ذكر من تعلم أباجاد. ــ فيه مسائل: · الأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن. يؤخذ من قوله: «من أتى كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد» ، ووجهه: أنه كذب بالقرآن، وهذا من أعظم الكفر. · الثانية: التصريح بأنه كفر. تؤخذ من قوله: (فقد كفر بما أنزل على محمد) . · الثالثة: ذكر من تكهن له. تؤخذ من حديث عمران بن حصين، حيث قال: (ليس منا) ، أي: إنه كالكاهن في براءة النبي ﷺ منه. · الرابعة: ذكر من تطير له. تؤخذ من قوله: (أو تطير له) . · الخامسة: ذكر من سحر له. تؤخذ من قوله: (أو سحر له) . وأتى المؤلف بذكر من تكهن له، أو سحر له، أو تطير له؛ لأنه قد يعارض فيه معارض، فيقول هذا في الكهان، وهذا في المتطيرين، وهذا في السحرة، فقال: إن من طلب أن يفعل له ذلك، فهو مثلهم في العقوبة. · السادسة: ذكر من تعلم أباجاد. وتعلم ذلك فيه تفصيل لا يحمد ولا يذم، إلا على حسب الحال التي تنزل عليها، وقد سبق ذلك.

стр. 3388

السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف. ــ · السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف. وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم: القول الأول: أن العراف هو الكاهن، فهما مترادفان، فلا فرق بينهما. القول الثاني: أن العراف هو الذي يستدل على معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها، فهو أعم من الكاهن؛ لأنه يشمل الكاهن وغيره، فهما من باب العام والخاص. القول الثالث: أن العراف يخبر عن أمور بمقدمات يستدل عليها، والكاهن هو الذي يخبر عما في الضمير، أو عن المغيبات في المستقبل. فالعراف أعم، أو أن العراف يختص بالماضي، والكاهن بالمستقبل، فهما متباينان، والظاهر أنهما متباينان، فالكاهن من يخبر عن المغيبات في المستقبل والعراف من يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك. * * *

стр. 3389

باب ما جاء في النشرة عن جابر، «أن رسول الله ﷺ سئل عن النشرة؟ فقال:» ــ تعريف النشرة: في اللغة، بضم النون: فعلة من النشر، وهو التفريق. وفي الاصطلاح: حل السحر عن المسحور؛ لأن هذا الذي يحل السحر عن المسحور: يرفعه، ويزيله، ويفرقه. أما حكمها، فهو يتبين مما قاله المؤلف ﵀، وهو من أحسن البيانات. ولا ريب أن حل السحر عن المسحور من باب الدواء والمعالجة، وفيه فضل كبير لمن ابتغى به وجه الله، لكن في القسم المباح منها؛ لأن السحر له تأثير على بدن المسحور وعقله ونفسه وضيق الصدر، حيث لا يأنس إلا بمن استعطف عليه. وأحيانا يكون أمراضا نفسية بالعكس، تنفر هذا المسحور عمن تنفره عنه من الناس، وأحيانا يكون أمراضا عقلية، فالسحر له تأثير إما على البدن، أو العقل، أو النفس. * * * قوله في (عن النشرة) . ال للعهد الذهني، أي: المعروفة في الجاهلية التي كانوا يستعملونها في الجاهلية، وذلك طريق من طرق حل السحر، وهي على نوعين: الأول: أن تكون باستخدام الشياطين، فإن كان لا يصل إلى حاجته منهم

стр. 3390

« (هي من عمل الشيطان» . رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود (١) ، وقال: (سئل أحمد عنها؟ فقال: ابن مسعود يكره هذا كله) . ــ إلا بالشرك، كانت شركا، وإن كان يتوصل لذلك بمعصية دون الشرك، كان لها حكم تلك المعصية. الثاني: أن تكون بالسحر، كالأدوية والرقى والعقد والنفث وما أشبه ذلك، فهذا له حكم السحر على ما سبق. ومن ذلك ما يفعله بعض الناس، أنهم يضعون فوق رأس المسحور طستا فيه ماء ويصبون عليه رصاصا ويزعمون أن الساحر يظهر وجهه في هذا الرصاص، فيستدل بذلك على من سحره، وقد سئل الإمام أحمد عن النشرة، فقال: إن بعض الناس أجازها، فقيل له: إنهم يجعلون ماء في طست، وإنه يغوص فيه، وإنه يبدو وجهه، فنفض يده وقال: ما أدري ما هذا؟ ما أدري ما هذا؟ فكأنه ﵀ توقف في الأمر وكره الخوض فيه. قوله: (من عمل الشيطان) ، أي: من العمل الذي يأمر به الشيطان ويوحي به؛ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء ويوحي إلى أوليائه بالمنكر، وهذا يغني عن قوله: إنها حرام، بل هو أشد؛ لأن نسبتها للشيطان أبلغ في تقبيحها والتنفير منها، ودلالة النصوص على التحريم لا تنحصر في لفظ التحريم أو نفي

стр. 3391

الجواز، بل إذا رتبت العقوبات على الفعل كان دليلا على تحريمه. قوله: (رواه أحمد بسند جيد وأبو داود) . سند أبي داود إلى أحمد متصل؛ لأنه قد حدثه وأدركه. قوله: (فقال: ابن مسعود يكره هذا كله) . أجاب ﵀ بقول الصحابي، وكأنه ليس عنده أثر صحيح عن النبي ﷺ في ذلك، وإلا لاستدل به. والمشار إليه في قوله: (يكره هذا كله) كل أنواع النشرة، وظاهره: ولو كانت على الوجه المباح على ما يأتي، لكنه غير مراد؛ لأن النشرة بالقرآن والتعوذات المشروعة لم يقل أحد بكراهته، وسبق أن ابن مسعود ﵁ كان يكره تعليق التمائم من القرآن وغير القرآن. وعلى هذا، فالكلية في قول أحمد: (يكره هذا كله) يراد بها النشرة التي من عمل الشيطان، وهي النشرة بالسحر والنشرة التي من التمائم. وقوله: (يكره) . الكراهة عند المتقدمين يراد بها التحريم غالبا، ولا تخرج عنه إلا بقرينة، وعند المتأخرين خلاف الأولى، فلا تظن أن لفظ المكروه في عرف المتقدمين أو كلامهم مثله في كلام المتأخرين، بل هو يختلف، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ، إلى أن قال بعد أن ذكر أشياء محرمة: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] ، ولا شك أن المراد بالكراهة هنا التحريم. * * *

стр. 3392

وفي (البخاري) عن قتادة: (قلت لابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع، فلم ينه عنه) . (١) ــ قوله: (رجل به طب) . أي: سحر، ومن المعلوم أن الطب هو علاج المرض، لكن سمي السحر طبا من باب التفاؤل، كما سمي اللديغ سليما والكسير جبيرا. قوله: (أو يؤخذ عن امرأته) . أي: يحبس عن زوجته، فلا يتمكن من جماعها، وهو ليس به بأس، وهذا نوع من السحر. والعجيب أنه مشتهر عند الناس أنه إذا كان عند العقد، وعقد أحد عقده عند العقد، فإنه يحصل حبسه عن امرأته، وبالغ بعضهم، فقال: إذا شبك أحدهم بين أصابعه عند العقد حبس الزوج عن أهله، وهذا لا أعرف له أصلا. ولكن كثيرا ما يقع حبس الزوج عن زوجته ويطلبون العلاج. وقد ذكر بعض أهل العلم أن من العلاج أن يطلقها، ثم يراجعها، فينفك السحر. لكن لا أدري هل هذا يصح أم لا؟ فإذا صح، فالطلاق هنا جائز؛ لأنه طلاق للاستبقاء، فيطلق كعلاج، ونحن لا نفتي بشيء من هذا، بل نقول: لا نعرف عنه شيئا.

стр. 3393

و (أو) في قوله: (أو يؤخذ) يحتمل أنها للشك من الراوي: هل قال قتادة (به طب) أو قال: (يؤخذ عن امرأته) ؟ أي: أو قلت: يؤخذ، ويحتمل أن تكون للتنويع، أي أنه سأله عن أمرين: عن المسحور، وعن الذي يؤخذ عن امرأته. قوله: (أيحل عنه أو ينشر) . لا شك أن (أو) هنا للشك؛ لأن الحل هو النشرة. قوله: (لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح) . كأن ابن المسيب ﵀ قسم السحر إلى قسمين: ضار، ونافع. فالضار محرم، قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] ، والنافع لا بأس به، وهذا ظاهر ما روي عنه، وبهذا أخذ أصحابنا الفقهاء، فقالوا: يجوز حل السحر بالسحر للضرورة، وقال بعض أهل العلم: إنه لا يجوز حل السحر بالسحر، وحملوا ما روي عن ابن المسيب بأن المراد به ما لا يعلم عن حاله: هل هو سحر، أم غير سحر؟ أما إذا علم أنه سحر، فلا يحل، والله أعلم. ولكن على كل حال حتى ولو كان ابن المسيب ومن فوق ابن المسيب ممن ليس قوله حجة يرى أنه جائز، فلا يلزم من ذلك أن يكون جائزا في حكم الله حتى يعرض على الكتاب والسنة، «وقد سئل الرسول ﷺ عن النشرة؟ فقال: (هي من عمل الشيطان» .

стр. 3394

وروي عن الحسن، أنه قال: (لا يحل السحر إلا ساحر) . (١) قال ابن القيم: (النشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: أحدهما: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز) . ــ قوله: (وروي عن الحسن: لا يحل السحر إلا ساحر) . هذا الأثر إن صح، فمراد الحسن الحل المعروف غالبا، وأنه لا يقع إلا من السحرة. قوله: (قال ابن القيم: النشرة حل السحر عن المسحور ... ) إلخ. هذا الكلام جيد ولا مزيد عليه.

стр. 3395

* فيه مسائل: الأولى: النهي عن النشرة. الثانية: الفرق بين المنهي عنه والمرخص فيه مما يزيل الإشكال. ــ فيه مسائل: * الأولى: النهي عن النشرة. تؤخذ من قوله ﷺ : (هي من عمل الشيطان) ، وهنا ليس فيه صيغة نهي، لكن فيه ما يدل على النهي؛ لأن طرق إثبات النهي ليست الصيغة فقط، بل ذم فاعله ونحوه، وتقبيح الشيء وما أشبه ذلك يدل على النهي. * الثانية: الفرق بين المنهي عنه والمرخص فيه. تؤخذ من كلام ابن القيم ﵀ وتفصيله. * إشكال وجوابه: ما الجمع بين قول الفقهاء ﵏ يجوز حل السحر بالسحر، وبين قولهم يجب قتل الساحر؟ الجمع أن مرادهم بقتل الساحر من يضر بسحره دون من ينفع، فلا يقتل، أو أن مرادهم بيان حكم حل السحر بالسحر للضرورة، وأما الإبقاء على الساحر، فله نظر آخر، والله أعلم. * * *

стр. 3396

باب ما جاء في التطير ــ تعريف التطير: في اللغة: مصدر تطير، وأصله مأخوذ من الطير؛ لأن العرب يتشاءمون أو يتفاءلون بالطيور على الطريقة المعروفة عندهم بزجر الطير، ثم ينظر: هل يذهب يمينا أو شمالا أو ما أشبه ذلك، فإن ذهب إلى الجهة التي فيها التيامن، أقدم، أو فيها التشاؤم، أحجم. أما في الاصطلاح، فهي التشاؤم بمرئي أو مسموع، وهذا من الأمور النادرة؛ لأن الغالب أن اللغة أوسع من الاصطلاح؛ لأن الاصطلاح يدخل على الألفاظ قيودا تخصصها، مثل الصلاة لغة: الدعاء، وفي الاصطلاح أخص من الدعاء، وكذلك الزكاة وغيرها. وإن شئت، فقل: التطير: هو التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو معلوم. بمرئي مثل: لو رأى طيرا فتشاءم لكونه موحشا. أو مسموع مثل: من هم بأمر فسمع أحدا يقول لآخر: يا خسران، أو يا خائب، فيتشاءم. أو معلوم، كالتشاؤم ببعض الأيام أو بعض الشهور أو بعض السنوات، فهذه لا ترى ولا تسمع. واعلم أن التطير ينافي التوحيد، ووجه منافاته له من وجهين: الأول: أن المتطير قطع توكله على الله واعتمد على غير الله. الثاني: أنه تعلق بأمر لا حقيقة له، بل هو وهم وتخييل، فأي رابطة بين هذا الأمر، وبين ما يحصل له، وهذا لا شك أنه يخل بالتوحيد؛ لأن التوحيد

стр. 3397

وقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] . ــ عبادة واستعانة، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:٥) ، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] . فالطيرة محرمة، وهي منافية للتوحيد كما سبق، والمتطير لا يخلو من حالين: الأول: أن يحجم ويستجيب لهذه الطيرة ويدع العمل، وهذا من أعظم التطير والتشاؤم. الثاني: أن يمضي لكن في قلق وهم وغم يخشى من تأثير هذا المتطير به، وهذا أهون. وكلا الأمرين نقص في التوحيد وضرر على العبيد، بل انطلق إلى ما تريد بانشراح صدر وتيسير واعتماد على الله ، ولا تسيء الظن بالله . * * * وقد ذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب آيتين: * الآية الأولى قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . هذه الآية نزلت في قوم موسى كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] ، قال الله تعالى: ( ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، ومعنى: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ : أنه إذا جاءهم البلاء والجدب والقحط قالوا: هذا من موسى وأصحابه، فأبطل الله هذه العقيدة بقوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ .

стр. 3398

و قوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٩] . ــ قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . (ألا) : أداة استفتاح تفيد التنبيه والتوكيد، و (إنما) : أداة حصر. وقوله: (طائر) مبتدأ، و ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ خبر، والمعنى: أن ما يصيبهم من الجدب والقحط ليس من موسى وقومه، ولكنه من الله، فهو الذي قدره ولا علاقة لموسى وقومه به، بل إن الأمر يقتضي أن موسى وقومه سبب للبركة والخير، ولكن هؤلاء -والعياذ بالله- يلبسون على العوام ويوهمون الناس خلاف الواقع. قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . فهم في جهل، فلا يعلمون أن هناك إلها مدبرا، وأن ما أصابهم من الله وليس من موسى وقومه. * الآية الثانية قوله تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ . أي: قال الذين أرسلوا إلى القرية في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ ... الآيات [يس: ١٣] . فقالوا ذلك ردا على قول أهل القرية: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] ، أي: تشاءمنا بكم، وإننا لا نرى أنكم تدلوننا على الخير، بل على الشر وما فيه هلاكنا، فأجابهم الرسل بقولهم: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ ، أي: مصاحب لكم، فما يحصل لكم، فإنه منكم ومن أعمالكم، فأنتم السبب في ذلك. ولا منافاة بين هذه الآية والتي ذكرها المؤلف قبلها؛ لأن الأولى تدل على أن المقدر لهذا الشيء هو الله، والثانية تبين سببه، وهو أنه منهم، فهم في الحقيقة طائرهم معهم (أي الشؤم) الحاصل عليهم معهم ملازم لهم؛ لأن

стр. 3399

عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة، ولا صفر» . أخرجاه، وزاد مسلم: «ولا نوء، ولا غول» . ــ أعمالهم تستلزمه، كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] . ويستفاد من الآيتين المذكورتين في الباب: أن التطير كان معروفا من قبل العرب وفي غير العرب؛ لأن الأولى في فرعون وقومه، والثانية في أصحاب القرية. وقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ . ينبغي أن تقف على قوله: (ذكرتم) ؛ لأنها جملة شرطية، وجواب الشرط محذوف تقديره: أئن ذكرتم تطيرتم، وعلى هذا، فلا تصلها بما بعدها. وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ . (بل) هنا للإضراب الإبطالي، أي: ما أصابكم ليس منهم، بل هو من إسرافكم. وقوله: (مسرفون) . أي: متجاوزون للحد الذي يجب أن تكونوا عليه. * * * قوله ﷺ : (لا عدوى) . لا نافية للجنس، ونفي الجنس أعم من نفي

стр. 3400

الواحد والاثنين والثلاثة؛ لأنه نفي للجنس كله، فنفى الرسول ﷺ العدوى كلها. والعدوى: انتقال المرض من المريض إلى الصحيح، وكما يكون في الأمراض الحسية يكون أيضا في الأمراض المعنوية الخلقية، ولهذا «أخبر النبي ﷺ أن جليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة» . فقوله: (لا عدوى) يشمل الحسية والمعنوية، وإن كانت في الحسية أظهر. قوله: (ولا طيرة) . اسم مصدر تطير؛ لأن المصدر منه تطير، مثل الخيرة اسم مصدر اختار، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، أي: الاختيار، أي يختاروا خلاف ما قضى الله ورسوله من الأمر. واسم المصدر يوافق المصدر في المعنى، ولذلك تقول كلمته كلاما بمعنى كلمته تكليما، وسلمت عليه سلاما بمعنى سلمت عليه تسليما. لكن لما كان يخالف المصدر في البناء سموه اسم مصدر، والطيرة تقدم أنها هي التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم. قوله: (ولا هامة) . الهامة، بتخفيف الميم فسرت بتفسيرين: الأول: أنها طير معروف يشبه البومة، أو هي البومة، تزعم العرب أنه إذا
следующие страницы →