← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

أو نحو ذلك، فلا شك في دخوله في الوعيد؛ لأن هذا لا يقدر عليه إلا الله وقوله: «ثلاثة لا يدخلون الجنة» . هل المراد الحصر وأن غيرهم يدخل الجنة؟ الجواب: لا؛ لأن هناك من لا يدخلون الجنة سوى هؤلاء، فهذا الحديث لا يدل على الحصر. وهل هؤلاء كفار لأن من لا يدخل الجنة كافر؟ اختلف أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من أحاديث الوعيد على أقوال: القول الأول: مذهب المعتزلة والخوارج الذين يأخذون بنصوص الوعيد، فيرون الخروج من الإيمان بهذه المعصية، لكن الخوارج يقولون: هو كافر، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، وتتفق الطائفتان على أنهم مخلدون في النار، فيجرون هذا الحديث ونحوه على ظاهره، ولا ينظرون إلى الأحاديث الأخرى الدالة على أن من في قلبه إيمان وإن قل، فإنه لا بد أن يدخل الجنة. القول الثاني: أن هذا الوعيد فيمن استحل هذا الفعل بدليل النصوص الكثيرة الدالة على أن من في قلبه إيمان وإن قل، فلا بد أن يدخل الجنة، وهذا القول ليس بصواب؛ لأن من استحله كافر ولو لم يفعله، فمن استحل قطيعة الرحم أو شرب الخمر مثلا، فهو كافر وإن لم يقطع الرحم ولم يشرب الخمر. القول الثالث: أن هذا من باب أحاديث الوعيد التي تمر كما جاءت ولا يتعرض لمعناها، بل يقال: هكذا قال الله وقال رسوله ونسكت، فمثلا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾

стр. 3432

[النساء: ٩٣] ، هذه الآية من نصوص الوعيد، فنؤمن بها، ولا نتعرض لمعناها ومعارضتها للنصوص الأخرى، ونقول: هكذا قال الله، والله أعلم بما أراد، وهذا مذهب كثير من السلف، كمالك وغيره، وهذا أبلغ في الزجر. القول الرابع: أن هذا نفي مطلق، والنفي المطلق يحمل على المقيد، فيقال: لا يدخلون الجنة دخولا مطلقا يعني لا يسبقه عذاب، ولكنهم يدخلون الجنة دخولا يسبقه عذاب بقدر ذنوبهم، ثم مرجعهم إلى الجنة، وذلك لأن نصوص الشرع يصدق بعضها بعضا، ويلائم بعضها بعضا، وهذا أقرب إلى القواعد وأبين حتى لا تبقى دلالة النصوص غير معلومة، فتقيد النصوص بعضها ببعض. وهناك احتمال: أن من كانت هذه حاله حري أن يختم له بسوء الخاتمة، فيموت كافرا، فيكون هذا الوعيد باعتبار ما يؤول حاله إليه، وحينئذ لا يبقى في المسألة إشكال؛ لأن من مات على الكفر، فلن يدخل الجنة، وهو مخلد في النار، وربما يؤيده قوله ﷺ : «لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» ، فيكون هذا قولا خامسا. * * *

стр. 3433

فيه مسائل: الأولى: الحكمة في خلق النجوم. الثانية: الرد على من زعم غير ذلك. الثالثة: ذكر الخلاف في تعلم المنازل. الرابعة: الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر ولو عرف أنه باطل. ــ فيه مسائل: الأولى: الحكمة في خلق النجوم. وهي ثلاث: - أنها زينة للسماء. - ورجوم للشياطين. - وعلامات يهتدى بها. وربما يكون هناك حكم أخرى لا نعلمها. الثانية: الرد على من زعم غير ذلك؛ لقول قتادة: (من تأول فيها غير ذلك، أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به) . ومراد قتادة في قوله: (غير ذلك) ما زعمه المنجمون من الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، وأما ما يمكن أن يكون فيها من أمور حسية سوى الثلاث السابقة، فلا ضلال لمن تأوله. الثالثة: ذكر الخلاف في تعلم المنازل. سبق ذلك. الرابعة: الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر ولو عرف أنه باطل. من صدق بشيء من التنجيم أو غيره من السحر بلسانه ولو اعتقد بطلانه بقلبه، فإن عليه هذا الوعيد، كيف يصدق وهو يعرف أنه باطل؛ لأنه يؤدي إلى إغراء الناس به وبتعلمه وبممارسته؟!

стр. 3434

باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء ــ الاستسقاء: طلب السقيا كالاستغفار: طلب المغفرة، والاستعانة: طلب المعونة، والاستعاذة: طلب العوذ، والاستهداء: طلب الهداية؛ لأن مادة استفعل في الغالب تدل على الطلب، وقد لا تدل على الطلب، بل تدل على المبالغة في الفعل، مثل: استكبر، أي بلغ في الكبر غايته، وليس المعنى طلب الكبر، والاستسقاء بالأنواء، أي: أن تطلب منها أن تسقيك. والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: شرك أكبر، وله صورتان: الأولى: أن يدعو الأنواء بالسقيا، كأن يقول: يا نوء كذا، اسقنا أو أغثنا، وما أشبه ذلك، فهذا شرك أكبر؛ لأنه دعا غير الله، ودعاء غير الله من الشرك الأكبر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على النهي عن دعاء غير الله، وأنه من الشرك الأكبر. الثانية: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذه الأنواء على أنها هي الفاعلة بنفسها دون الله ولو لم يدعها، فهذا شرك أكبر في الربوبية، والأول في العبادة؛ لأن الدعاء من العبادة، وهو متضمن للشرك في الربوبية؛ لأنه لم

стр. 3435

وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] . ــ يدعها إلا وهو يعتقد أنها تفعل وتقضي الحاجة. القسم الثاني: شرك أصغر، وهو أن يجعل هذه الأنواء سببا مع اعتقاده أن الله هو الخالق الفاعل؛ لأن كل من جعل سببا لم يجعله الله سببا لا بوحيه ولا بقدره فهو مشرك شركا أصغر. قوله تعالى: وتجعلون أي: تصيرون، وهي تنصب مفعولين: الأول: (رزق) ، والثاني: (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول ثان، والتقدير: وتجعلون رزقكم كونكم تكذبون أو تكذيبكم. والمعنى: تكذبون أنه من عند الله، حيث تضيفون حصوله إلى غيره. قوله: رزقكم. الرزق هو العطاء، والمراد به هنا: ما هو أعم من المطر، فيشمل معنيين: الأول: أن المراد به رزق العلم؛ لأن الله قال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٧٥ -٨٢] ، أي تخافونهم فتداهنونهم، وتجعلون شكر ما رزقكم الله به من العلم والوحي أنكم تكذبون به، وهذا هو ظاهر سياق الآية. الثاني: أن المراد بالرزق المطر، وقد روي في ذلك حديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 3436

لكنه ضعيف (١) إلا أنه صح عن ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: أن المراد بالرزق المطر، وأن التكذيب به نسبته إلى الأنواء، وعليه يكون ما ساق المؤلف الآية من أجله مناسبا للباب تماما. والقاعدة في التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين جميعا بدون منافاة تحمل عليهما جميعا، وإن حصل بينهما منافاة طلب المرجح. ومعنى الآية: أن الله يوبخ هؤلاء الذين يجعلون شكر الرزق التكذيب والاستكبار والبعد؛ لأن شكر الرزق يكون بالتصديق والقبول والعمل بطاعة المنعم، والفطرة كذلك لا تقبل أن تكفر بمن ينعم عليها، فالفطرة والعقل والشرع كل منها يوجب أن تشكر من ينعم عليك، سواء قلنا: المراد بالرزق المطر الذي به حياة الأرض، أو قلنا: إن المراد به القرآن الذي به حياة القلوب، فإن هذا من أعظم الرزق، فكيف يليق بالإنسان أن يقابل هذه النعمة بالتكذيب؟ ! واعلم أن التكذيب نوعان: أحدهما: التكذيب بلسان المقال، بأن يقول: هذا كذب، أو المطر من النوء، ونحو ذلك. والثاني: التكذيب بلسان الحال، بأن يعظم الأنواء والنجوم معتقدا أنها السبب، ولهذا وعظ عمر بن عبد العزيز الناس يوما، فقال: (يا أيها الناس، إن كنتم مصدقين فأنتم حمقى، وإن كنتم مكذبين فأنتم هلكى) ، وهذا صحيح؛

стр. 3437

وعن أبي مالك الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» . ــ فالذي يصدق ولا يعمل أحمق، والمكذب هالك، فكل إنسان عاص نقول له الآن: أنت بين أمرين: إما أنك مصدق بما رتب على هذه المعصية أو مكذب، فإن كنت مصدقا فأنت أحمق، كيف لا تخاف فتستقيم؟ ! وإن كنت غير مصدق فالبلاء أكبر، فأنت هالك كافر. قوله في حديث أبي مالك: " أربع في أمتي ". الفائدة من قوله: " أربع " ليس الحصر؛ لأن هناك أشياء تشاركها في المعنى، وإنما يقول النبي ﷺ ذلك من باب حصر العلوم وجمعها بالتقسيم والعدد؛ لأنه يقرب الفهم، ويثبت الحفظ. قوله: " من أمر الجاهلية ". أمر هنا بمعنى شأن، أي: من شأن الجاهلية وهو واحد الأمور، وليس واحد الأوامر؛ لأن واحد الأوامر طلب الفعل على وجه الاستعلاء. وقوله: " من أمر الجاهلية ". إضافتها إلى الجاهلية الغرض منها التقبيح والتنفير؛ لأن كل إنسان يقال له: فعلك فعل الجاهلية لا شك أنه يغضب؛ إذ إنه لا أحد يرضى أن يوصف بالجهل، ولا بأن فعله من أفعال الجاهلية، فالغرض من الإضافة هنا أمران: ١ - التنفير. ٢ - بيان أن هذه الأمور كلها جهل وحمق بالإنسان، إذ ليست أهلا

стр. 3438

بأن يراعيها الإنسان أو يعتني بها، فالذي يعتني بها جاهل. والمراد بالجاهلية هنا: ما قبل البعثة؛ لأنهم كانوا على جهل وضلال عظيم حتى إن العرب كانوا أجهل خلق الله، ولهذا يسمون بالأميين، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، نسبة إلى الأم، كأن أمه ولدته الآن. لكن لما بعث فيهم هذا النبي الكريم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] ، فهذه منة عظيمة أن بعث فيهم النبي ﵊ لهذه الأمور السامية: ١ - يتلو عليهم آيات الله. ٢ - ويزكيهم فيطهر أخلاقهم وعبادتهم وينميها. ٣ - ويعلمهم الكتاب. ٤ - والحكمة. هذه فوائد أربع عظيمة لو وزنت الدنيا بواحدة منها لوزنتها عند من يعرف قدرها، ثم بين الحال من قبل فقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ، وإن هذه ليست نافية، بل مؤكدة، فهي مخففة من الثقيلة، يعني: وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين. إذن المراد بالجاهلية ما قبل البعثة؛ لأن الناس كانوا فيها على جهل عظيم. فجهلهم شامل للجهل في حقوق الله وحقوق عباده، فمن جهلهم أنهم ينصبون النصب ويعبدونها من دون الله، ويقتل أحدهم ابنته لكي لا يعير بها، ويقتل أولاده من ذكور وإناث خشية الفقر. قوله: " لا يتركونهن ". المراد لا يتركون كل واحد منها باعتبار المجموع

стр. 3439

بالمجموع، بأن يكون كل واحد منها عند جماعة، والثاني عند آخرين، والثالث عند آخرين، والرابع عند آخرين، وقد تجتمع هذه الأقسام في قبيلة، وقد تخلو بعض القبائل منها جميعا، إنما الأمة كمجموع لا بد أن يوجد فيها شيء من ذلك؛ لأن هذا خبر من الصادق المصدوق ﷺ ، والمراد بهذا الخبر التنفير؛ لأنه ﷺ قد يخبر بأشياء تقع وليس غرضه أن يؤخذ بها، كما قال ﷺ : «لتركبن سنن من كان قبلكم اليهود والنصارى» أي: فاحذروا، وأخبر ﷺ : «أن الظعينة تخرج من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله» ، أي: بلا محرم، وهذا خبر عن أمر واقع وليس إقرارا له شرعا. قوله: " أمتي ". أي: أمة الإجابة. قوله: «الفخر بالأحساب» . الفخر: التعالي والتعاظم، والباء للسببية، أي: يفخر بسبب الحسب الذي هو عليه. والحسب: ما يحتسبه الإنسان من شرف وسؤدد، كأن يكون من بني هاشم فيفتخر بذلك، أو من آباء وأجداد مشهورين بالشجاعة فيفتخر بذلك، وهذا من أمر الجاهلية؛ لأن الفخر في الحقيقة يكون بتقوى الله الذي يمنع الإنسان من التعالي والتعاظم، والمتقي حقيقة هو الذي كلما ازدادت نعم الله عليه ازداد تواضعا للحق وللخلق. وإذا كان الفخر بالحسب من فعل الجاهلية، فلا يجوز لنا أن نفعله، ولهذا

стр. 3440

قال تعالى: لنساء نبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] ، واعلم أن كل ما ينسب للجاهلية فهو مذموم ومنهي عنه. قوله: «الطعن في الأنساب» (١) . الطعن: العيب؛ لأنه وخز معنوي كوخز الطاعون في الجسد، ولهذا سمي العيب طعنا. والأنساب: جمع نسب، وهو أصل الإنسان وقرابته، فيطعن في نسبه كأن يقول: أنت ابن الدباغ، أو أنت ابن مقطعة البظور- وهي شيء في فرج المرأة يقطع عند ختان النساء-. قوله: «والاستسقاء بالنجوم» . أي: نسبة المطر إلى النجوم، مع اعتقاد أن الفاعل هو الله ، أما إن اعتقد أن النجوم هي التي تخلق المطر والسحاب أو دعاها من دون الله لتنزل المطر فهذا شرك أكبر مخرج من الملة. قوله: «والنياحة على الميت» . هذا هو الرابع، والنياحة: هي رفع الصوت بالبكاء على الميت قصدا، وينبغي أن يضاف إليه على سبيل النوح، كنوح الحمام. والندب: تعداد محاسن الميت. والنياحة من أمر الجاهلية، ولا بد أن تكون في هذه الأمة، وإنما كانت من أمر الجاهلية: إما من الجهل الذي هو ضد العلم. أو من الجهالة التي هي السفه، وهي ضد الحكمة. وإنما كانت كذلك لأمور، هي: ١ - أنها لا تزيد النائح إلا شدة وحزنا وعذابا. ٢ - أنها تسخط من قضاء الله وقدره واعتراض عليه. ٣ - أنها تهيج أحزان غيره.

стр. 3441

وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» . رواه مسلم. ــ وقد ذكر عن ابن عقيل ﵀ -وهو من علمائنا الحنابلة- أنه خرج في جنازة ابنه عقيل وكان أكبر أولاده وطالب علم، فلما كانوا في المقبرة صرخ رجل وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] ، فقال له ابن عقيل ﵀: إن القرآن إنما نزل لتسكين الأحزان، وليس لتهييج الأحزان. ٤ - أنه مع هذه المفاسد لا يرد القضاء، ولا يرفع ما نزل. والنياحة تشمل ما إذا كانت من رجل أو امرأة، لكن الغالب وقوعها من النساء، ولهذا قال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها» ، أي: إن تابت قبل الموت تاب الله عليها، وظاهر الحديث أن هذا الذنب لا تكفره إلا التوبة، وأن الحسنات لا تمحوه؛ لأنه من كبائر الذنوب، والكبائر لا تمحى بالحسنات، فلا يمحوها إلا التوبة. قوله: " تقام يوم القيامة ". أي تقام من قبرها. قوله: " وعليها سربال من قطران ". السربال: الثوب السابغ كالدرع، والقطران معروف، ويسمى " الزفت "، وقيل: إنه النحاس المذاب. قوله: " ودرع من جرب ". الجرب: مرض معروف يكون في الجلد، يؤرق

стр. 3442

الإنسان، وربما يقتل الحيوان، والمعنى: إن كل جلدها يكون جربا بمنزلة الدرع، وإذا اجتمع قطران وجرب زاد البلاء؛ لأن الجرب أي شيء يمسه يتأثر به، فكيف ومعه قطران؟ ! والحكمة أنها لما لم تغط المصيبة بالصبر غطيت بهذا الغطاء سربال من قطران ودرع من جرب، فكانت العقوبة من جنس العمل. ويستفاد من الحديث: ١ - ثبوت رسالته ﷺ ؛ لأنه أخبر عن أمر من أمور الغيب فوقع كما أخبر. ٢ - التنفير من هذه الأشياء الأربعة: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت. ٣ - أن النياحة من كبائر الذنوب لوجود الوعيد عليها في الآخرة، وكل ذنب عليه الوعيد في الآخرة فهو من الكبائر. ٤ - أن كبائر الذنوب لا تكفر بالعمل الصالح؛ لقوله: " إذا لم تتب قبل موتها ". ٥ - أن من شروط التوبة أن تكون قبل الموت؛ لقوله: " إذا لم تتب قبل موتها "، ولقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] . ٦ - أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة، فمن أهل العلم من قال: إنه داخل تحت المشيئة: إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. ومن أهل العلم من قال: إنه ليس بداخل تحت المشيئة، وإنه لا بد أن يعاقب، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية لإطلاق قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] ،

стр. 3443

ولهما عن زيد بن خالد ﵁، قال: «صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟» ــ فقال: والشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، وبهذا نعرف عظم سيئة الشرك، قال ابن مسعود ﵁: " لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا " (١) ؛ لأن الحلف بغير الله من الشرك، والحلف بالله كاذبا من كبائر الذنوب، وسيئة الشرك أعظم من سيئة الذنب. ٧ - ثبوت الجزاء والبعث. ٨ - أن الجزاء من جنس العمل. قوله في حديث زيد بن خالد: " صلى لنا ". أي: إماما؛ لأن الإمام يصلي لنفسه ولغيره، ولهذا يتبعه المأموم، وقيل: إن اللام بمعنى الباء، وهذا قريب، وقيل: إن اللام للتعليل، أي صلى لأجلنا.

стр. 3444

قوله: " صلاة الصبح بالحديبية ". أي: صلاة الفجر، والحديبية فيها لغتان: التخفيف، وهو أكثر، والتشديد، وهي اسم بئر سمي بها المكان، وقيل: إن أصلها شجرة حدباء تسمى حديبية، والأكثر على أنها اسم بئر، وهذا المكان قريب من مكة بعضه في الحل وبعضه في الحرم، نزل به الرسول ﷺ في السنة السادسة من الهجرة لما قدم معتمرا، فصده المشركون عن البيت، وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون، ويسمى الآن الشميسي. قوله: " على إثر سماء كانت من الليل ". الإثر معناه العقب، والأثر: ما ينتج عن السير. قوله: " سماء ". المراد به المطر. قوله: " كانت من الليل ". " من " لابتداء الغاية، هذا هو الظاهر - والله أعلم - ويحتمل أن تكون بمعنى في الظرفية. قوله: " فلما انصرف ". أي: من صلاته، وليس من مكانه بدليل قوله: " أقبل على الناس ". قوله: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ". الاستفهام يراد به التنبيه والتشويق لما سيلقى عليهم، وإلا فالرسول ﷺ يعلم أنهم لا يعلمون ماذا قال الله؛ لأن الوحي لا ينزل عليهم. ومعنى قوله: " هل تدرون ". أي: هل تعلمون. والمراد بالربوبية هنا الربوبية الخاصة؛ لأن ربوبية الله للمؤمن خاصة كما أن عبودية المؤمن له خاصة، ولكن الخاصة لا تنافي العامة؛ لأن العامة تشمل هذا وهذا، والخاصة تختص بالمؤمن.

стр. 3445

«قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» . ــ قوله: " قالوا: الله ورسوله أعلم ". فيه إشكال نحوي؛ لأن " أعلم " خبر عن اثنين، وهي مفرد، فيقال إن اسم التفضيل إذا نوي به معنى " من " وكان مجردا من أل والإضافة لزم فيه الإفراد والتذكير. وفيه أيضا إشكال معنوي، وهو أنه جمع بين الله ورسوله بالواو، مع أن «الرسول ﷺ لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله ندا؟ !» (١) ، فيقال: إن هذا أمر شرعي، وقد نزل على الرسول ﷺ . وأما إنكاره على من قال: ما شاء الله وشئت فلأنه أمر كوني، والرسول ﷺ ليس له شأن في الأمور الكونية. والمراد بقولهم: " الله ورسوله أعلم " تفويض العلم إلى الله ورسوله، وأنهم لا يعلمون. قوله: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» . " مؤمن " صفة لموصوف

стр. 3446

محذوف، أي: عبد مؤمن، وعبد كافر. و" أصبح ": من أخوات كان، واسمها: " مؤمن "، وخبرها: " من عبادي ". ويجوز أن يكون " أصبح " فعلا ماضيا ناقصا، واسمها ضمير الشأن، أي: أصبح الشأن، فـ " من عبادي " خبر مقدم، و" مؤمن ": مبتدأ مؤخر، أي: أصبح شأن الناس منهم مؤمن ومنهم كافر. قوله: " فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته ". أي: قال بلسانه وقلبه، والباء للسببية، والفضل: العطاء والزيادة. والرحمة: صفة من صفات الله، يكون بها الإنعام والإحسان إلى الخلق. وقوله: " فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب ". لأنه نسب المطر إلى الله ولم ينسبه إلى الكوكب، ولم ير له تأثيرا في نزوله، بل نزل بفضل الله. قوله: «وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا» . الباء للسببية، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب، وصار كافرا بالله؛ لأنه أنكر نعمة الله ونسبها إلى سبب لم يجعله الله سببا، فتعلقت نفسه بهذا السبب، ونسي نعمة الله، وهذا الكفر لا يخرج من الملة؛ لأن المراد نسبة المطر إلى النوء على أنه سبب وليس إلى النوء على أنه فاعل. لأنه قال: «مطرنا بنوء كذا» ، ولم يقل: أنزل علينا المطر نوء كذا؛ لأنه لو قال ذلك لكان نسبة المطر إلى النوء نسبة إيجاد، وبه نعرف خطأ من قال: إن المراد بقوله: " مطرنا بنوء كذا " نسبة المطر إلى النوء نسبة إيجاد؛ لأنه لو كان هذا هو المراد لقال: أنزل علينا المطر نوء كذا ولم يقل مطرنا به. فعلم أن المراد أن من أقر بأن الذي خلق المطر وأنزله هو الله، لكن النوء هو السبب، فهو كافر، وعليه يكون من باب الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة.

стр. 3447

والمراد بالكوكب النجم، وكانوا ينسبون المطر إليه، ويقولون: إذا سقط النجم الفلاني جاء المطر، وإذا طلع النجم الفلاني جاء المطر، وليسوا ينسبونه إلى هذا نسبة وقت، وإنما نسبة سبب، فنسبة المطر إلى النوء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - نسبة إيجاد، وهذه شرك أكبر. ٢ - نسبة سبب، وهذه شرك أصغر. ٣ - نسبة وقت، وهذه جائزة بأن يريد بقوله: مطرنا بنوء كذا، أي: جاءنا المطر في هذا النوء أي وقته. ولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويجوز مطرنا في نوء كذا، وفرقوا بينهما أن الباء للسببية، و" في " للظرفية، ومن ثم قال أهل العلم: إنه إذا قال: مطرنا بنوء كذا وجعل الباء للظرفية فهذا جائز، وهذا وإن كان له وجه من حيث المعنى، لكن لا وجه له من حيث اللفظ؛ لأن لفظ الحديث: «من قال: مطرنا بنوء كذا» ، والباء للسببية أظهر منها للظرفية، وهي وإن جاءت للظرفية كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] ، لكن كونها للسببية أظهر، والعكس بالعكس، فـ " في " للظرفية أظهر منها للسببية وإن جاءت للسببية، كما في قوله ﷺ : «دخلت امرأة النار في هرة» . والحاصل أن الأقرب المنع ولو قصد الظرفية، لكن إذا كان المتكلم لا يعرف من الباء إلا الظرفية مطلقا، ولا يظن أنها تأتي سببية، فهذا جائز، ومع

стр. 3448

ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه: " قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآيات: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ " [الواقعة: ٧٥ -٨٢] . ــ ذلك فالأولى أن يقال لهم: قولوا: في نوء كذا. قوله: " ولهما ". الظاهر أنه سبق قلم، وإلا فالحديث في " مسلم " وليس في " الصحيحين ". ومعنى الحديث: أنه لما نزل المطر نسبه بعضهم إلى رحمة الله، وبعضهم قال: لقد صدق نوء كذا وكذا، فكأنه جعل النوء هو الذي أنزل المطر أو نزل بسببه. ومنه ما يذكر في بعض كتب التوقيت: " وقل أن يخلف نوؤه " أو: " هذا نوؤه صادق "، وهذا لا يجوز، وهو الذي أنكره الله على عباده، وهذا شرك أصغر، ولو قال: بإذن الله، فإنه لا يجوز لأن كل الأسباب من الله، والنوء لم يجعله الله سببا. قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ . اختلف في " لا " فقيل: نافية،

стр. 3449

والمنفي محذوف، والتقدير: لا صحة لما تزعمون من أن القرآن كذب أو سحر وشعر وكهانة، أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم. فأقسم لا علاقة لها بـ " لا " إطلاقا، وهذا له بعض الوجه، وقيل: إن المنفي القسم، فهي داخلة على أقسم، أي: لا أقسم ولن أقسم على أن القرآن قرآن كريم؛ لأن الأمر أبين من أن يحتاج إلى قسم، وهذا ضعيف جدا. وقيل: إن " لا " للتنبيه، والجملة بعدها مثبتة؛ لأن " لا " بمعنى انتبه، أقسم بمواقع النجوم. . . وهذا هو الصحيح. فإن قيل: ما الفائدة من إقسامه سبحانه مع أنه صادق بلا قسم؛ لأن القسم إن كان لقوم يؤمنون به ويصدقون كلامه فلا حاجة إليه، وإن كان لقوم لا يؤمنون به فلا فائدة منه، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] . أجيب: أن فائدة القسم من وجوه: الأول: أن هذا أسلوب عربي لتأكيد الأشياء بالقسم، وإن كانت معلومة عند الجميع، أو كانت منكرة عند المخاطب، والقرآن نزل بلسان عربي مبين. الثاني: أن المؤمن يزداد يقينا من ذلك، ولا مانع من زيادة المؤكدات التي تزيد في يقين العبد، قال تعالى عن إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . الثالث: أن الله يقسم بأمور عظيمة دالة على كمال قدرته وعظمته وعلمه، فكأنه يقيم في هذا المقسم به البراهين على صحة ما أقسم عليه بواسطة عظم ما أقسم به. الرابع: التنويه بحال المقسم به؛ لأنه لا يقسم إلا بشيء عظيم، وهذان

стр. 3450

الوجهان لا يعودان إلى تصديق الخبر، بل إلى ذكر الآيات التي أقسم بها تنويها له بها وتنبيها على عظمها. الخامس: الاهتمام بالمقسم عليه، وأنه جدير بالعناية والإثبات. وقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ . الله - سبحانه - يتحدث عن نفسه بضمير المفرد؛ لأنه يدل على الانفراد والتوحيد، فهو سبحانه واحد لا شريك له، ويتحدث عن نفسه بضمير الجمع؛ لأنه يدل على العظمة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ الآية [يس: ١٢] ، ولا يتحدث عن نفسه بالمثنى؛ لأن المثنى محصور باثنين. والباء حرف قسم، والمواقع جمع موقع. واختلف في النجوم، فقيل: إنها النجوم المعروفة، فيكون المراد بمواقعها مطالعها ومغاربها. وأقسم الله بها لما فيها من الدلالة على كمال القدرة في هذا الانتظام البديع وما فيها من مناسبة المقسم به والمقسم عليه، وهو القرآن المحفوظ بواسطة الشهب، فإن السماء عند نزول الوحي ملئت حرسا شديدا وشهبا. وقيل: إن المراد آجال نزول القرآن، ومنه قولهم: " نزل القرآن منجما "، وقول الفقهاء: يجب أن يكون دين المكاتب مؤجلا بنجمين فأكثر، فيكون الله أقسم بمواقع نزول القرآن، وقد سبقت لنا قاعدة مفيدة، وهي أنه إذا كان المعنيان لا يتنافيان تحمل الآية على كل منهما، وإلا طلب المرجح. قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ . " قسم ": خبر إن، وهذا القسم أكد الله عظمته بإن واللام تنويها بالمقسم عليه وتعظيمه.

стр. 3451

وقوله: لو تعلمون. مؤكد ثالث كأنه قال: ينبغي أن تعلموا هذا الأمر ولا تجهلوه، فهو أعظم من أن يكون مجهولا، فإنه يحتاج إلى علم وانتباه، فلو تعلمون حق العلم لعرفتم عظمته، فانتبهوا. قوله: لقرآن. مصدر مثل الغفران والشكران بمعنى اسم الفاعل، وبمعنى اسم المفعول، فعلى الأول يكون المراد أنه جامع للمعاني التي تضمنتها الكتب السابقة من المصالح والمنافع، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] ، وعلى الثاني يكون بمعنى المجموع؛ لأنه مجموع مكتوب. قوله: كريم. يطلق على كثير العطاء، وهذا كمال في العطاء متعد للغير، ويطلق على الشيء البهي الحسن، ومنه قول النبي ﷺ : " إياك وكرائم أموالهم "، أي: البهي منها والحسن، وهذا كمال في الذات، وهذان المعنيان موجودان في القرآن، فالقرآن لا أحسن منه بذاته، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] . والقرآن يعطي أهله من الخيرات الدينية والدنيوية والجسمية والقلبية، قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] ، فهو سلاح لمن تمسك به، ولكن يحتاج إلى أن نتمسك به بالقول والعمل والعقيدة، فلا بد أن يصدق العقيدة العمل، قال ﷺ : «ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح»

стр. 3452

«الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» ، ووصف الله القرآن في آية أخرى بأنه مجيد، والمجد صفة العظمة والعزة والقوة، والقرآن جامع بين الأمرين: فيه قوة وعظمة، وكذا خيرات كثيرة وإحسان لمن تمسك به. قوله: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ . كتاب فعال بمعنى مفعول، مثل: فراش بمعنى مفروش، وغراس بمعنى مغروس، وكتاب بمعنى مكتوب. والمكنون: المحفوظ، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] . واختلف المفسرون في هذا الكتاب على قولين: الأول: أنه اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل شيء. الثاني: وإليه ذهب ابن القيم أنه الصحف التي في أيدي الملائكة، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١١-١٥] ، فقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يرجح أن المراد الكتب التي في أيدي الملائكة؛ لأن قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أي: الملائكة، يوازن قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ، وعلى هذا يكون المراد بالكتاب الجنس لا الواحد. قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ . الضمير يعود إلى الكتاب المكنون؛ لأنه أقرب شيء، وهو بالرفع ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ باتفاق القراء، وإنما نبهنا على ذلك؛ لدفع قول من يقول: إنه خبر بمعنى النهي، والضمير يعود على القرآن، أي: نهى أن يمس القرآن إلا طاهر، والآية ليس فيها ما يدل على ذلك، بل هي ظاهرة في

стр. 3453

أن المراد به اللوح المحفوظ؛ لأنه أقرب مذكور، ولأنه خبر، والأصل في الخبر أن يبقى على ظاهره خبرا لا أمرا ولا نهيا حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، ولم يرد ما يدل على خلاف ذلك، بل الدليل على أنه لا يراد به إلا ذلك، وأنه يعود إلى الكتاب المكنون، ولهذا قال الله: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ باسم المفعول، ولم يقل: إلا المطهرون، ولو كان المراد المطهرون لقال ذلك، أو قال: إلا المتطهرون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ . والمطهرون: هم الذين طهرهم الله تعالى، وهم الملائكة، طهروا من الذنوب وأدناسها، قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] ، وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] ، وقال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] ، وفرق بين المطهر الذي يريد أن يفعل الكمال بنفسه، وبين المطهر الذي كمله غيره وهم الملائكة، وهذا مما يؤيد ما ذهب إليه ابن القيم أن المراد بالكتاب الكتب التي في أيدي الملائكة، وفي الآية إشارة على أن من طهر قلبه من المعاصي كان أفهم للقرآن، وأن من تنجس قلبه بالمعاصي كان أبعد فهما عن القرآن؛ لأنه إذا كانت الصحف التي في أيدي الملائكة لم يمكن الله من مسها إلا هؤلاء المطهرين، فكذلك معاني القرآن. فاستنبط شيخ الإسلام من هذه الآية: أن المعاصي سبب لعدم فهم القرآن، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] ، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] ، فهم لا يصلون إلى معانيها وأسرارها؛ لأنه ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.

стр. 3454

وقد ذكر بعض أهل العلم: أنه ينبغي لمن استفتي أن يقدم بين يدي الفتوى الاستغفار لمحو أثر الذنب من قلبه حتى يتبين له الحق، واستنبطه من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥، ١٠٦] . قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . خبر ثان لقوله: وإنه، وهو كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ، وكقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٢-٣] ، فهو خبر مكرر مع قوله: لقرآن. وتنزيل أي: منزل، فهي مصدر بمعنى اسم المفعول منزل من رب العالمين، أنزله الله على قلب النبي ﷺ ؛ لأنه محل الوعي والحفظ بواسطة جبريل، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ . وقوله: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالقهم، ويستفاد من الآية ما يلي: ١ - أن القرآن نازل لجميع الخلق، ففيه دليل على عموم رسالة النبي ﷺ . ٢ - أنه نازل من ربهم، وإذا كان كذلك فهو الحكم بينهم الحاكم عليهم. ٣ - أن نزول القرآن من كمال ربوبية الله، فإذا أضيف إلى هذه الآية قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ، علم أن القرآن رحمة للعباد أيضا، وربوبية الله مبنية على الرحمة، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢-٣] ، وكل ما أمر الله به عباده أو نهاهم عنه، فهو رحمة بهم. ٤ - أن القرآن كلام الله؛ لأنه إذا كان الله أنزله، فهو كلامه لا كلام غيره كما قاله السلف ﵏، وهو غير مخلوق؛ لأن جميع صفات الله

стр. 3455

حتى الصفات الفعلية ليست مخلوقة. والقرآن كلام الله منزل غير مخلوق. فإن قيل: هل كل منزل غير مخلوق؟ قلنا: لا، لكن كل منزل يكون وصفا مضافا إلى الله، فهو غير مخلوق كالكلام، وإلا فإن الله أنزل من السماء ماء وهو مخلوق، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] وهو مخلوق، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] والأنعام مخلوقة، فإذا كان المنزل من عند الله صفة لا تقوم بذاتها، وإنما تقوم بغيرها، لزم أن يكون غير مخلوق؛ لأنه من صفات الله. قوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ . الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والحديث: القرآن، والمدهن: الخائف من غيره الذي يحابيه بقوله وفعله. والمعنى: أتدهنون بهذا الحديث وتخافون وتستخفون؟ ! لا ينبغي لكم هذا، بل ينبغي لمن معه القرآن أن يصدع به وأن يبينه ويجتهد به، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] . قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ . أكثر المفسرين على أنه على حذف مضاف، أي: أتجعلون شكر رزقكم، أي: ما أعطاكم الله من شيء من المطر ومن إنزال القرآن، أي: تجعلون شكر هذه النعمة العظيمة أن تكذبوا بها، والنبي ﷺ وإن كان ذكرها في المطر، فإنها تشمل المطر وغيره. وقيل: إنه ليس في الآية حذف، والمعنى: تجعلون شكركم تكذيبا، وقال: إن الشكر رزق، وهذا هو الصحيح، بل هو من أكبر الأرزاق، قال الشاعر:

стр. 3456

إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر فالنعمة تحتاج إلى شكر، ثم إذا شكرتها فهي نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، وإن شكرت في الثانية، فهي نعمة تحتاج إلى شكر ثالث، وهكذا أبدا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] . قوله: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ . (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول تجعلون الثاني، أي: تصيرون شكركم تكذيبا، ولا شك أن هذا من السفه أن يقابل الإنسان نعمة ربه بالتكذيب، إن كانت وحيا كذب خبره ولم يمتثل أمره ولم يجتنب نهيه، وإن كانت عطاء تنمو به الأجسام نسبه إلى غير الله، قال: هذا من النوء أو هذا من عملي، كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] .

стр. 3457

فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الواقعة. الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية. الثالثة: ذكر الكفر في بعضها. الرابعة: أن من الكفر ما لا يخرج من الملة. الخامسة: قوله: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» بسبب نزول النعمة. ــ فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الواقعة. وهي قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، وقد مر تفسيرها. الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية. وهي الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة على الميت. الثالثة: ذكر الكفر في بعضها. وهي الاستسقاء بالأنواء، وكذلك الطعن في النسب، والنياحة على الميت، كما في حديث: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» . الرابعة: أن من الكفر ما لا يخرج من الملة. وهي أن الاستسقاء بالأنواء بعضه كفر مخرج عن الملة وبعضه كفر دون ذلك، وقد سبق بيان ذلك. الخامسة: قوله: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» بسبب نزول النعمة. أي: إن الناس ينقسمون عند نزول النعمة إلى مؤمن بالله وكافر به، وقد سبق

стр. 3458

السادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع. السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع. ــ بيان حكم إضافة نزول المطر إلى النوء، والواجب على الإنسان إذا جاءته النعمة أن لا يضيفها إلى أسبابها مجردة عن الله. بل يعتقد أن هذا سبب محض إن كان هذا سببا، مثال ذلك: رجل غرق في ماء، وكان عنده رجل قوي، فنزل وأنقذه، فإنه يجب على هذا الذي نجا أن يعرف نعمة الله عليه، ولولا أن الله أمر أمرا قدريا وأمرا شرعيا أن ينقذك هذا الرجل ما حصل إنقاذ، فأنت تعتقد أن هذا سبب محض. أما إن غرق ويسر الله له، فخرج، فقال: إن الولي الفلاني أنقذني، فهذا شرك أكبر؛ لأنه سبب غير صحيح، ثم إن إضافته إليه لا يظهر منها أنه يريد أنه سبب، بل يريد أنه منقذ بنفسه؛ لأن اعتقاد أنه سبب وهو في قبره غير وارد، ولذلك كان أصحاب الأولياء إذا نزلت بهم شدة يسألون الأولياء دون الله تعالى، فيقعون في الشرك الأكبر من حيث لا يعلمون أو من حيث يعلمون، ثم قد يفتنون، فيحصل لهم ما يريدون عند دعاء الأولياء لا به؛ لأننا نعلم أن هؤلاء الأولياء لا يستجيبون لهم، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] ، وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] . السادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع. وهو نسبة المطر إلى فضل الله ورحمته. السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع. وهو نسبة المطر إلى النوء،

стр. 3459

الثامنة: التفطن لقوله: «لقد صدق نوء كذا وكذا» . التاسعة: إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها لقوله: «أتدرون ماذا قال ربكم؟» . العاشرة: وعيد النائحة. ــ فيقال هذا بسبب النوء الفلاني وما أشبه بذلك. الثامنة: التفطن لقوله: «لقد صدق نوء كذا وكذا» . وهذا قريب من قوله: «مطرنا بنوء كذا» لأن الثناء بالصدق على النوء مقتضاه أن هذا المطر بوعده، ثم بتنفيذ وعده. التاسعة: إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها لقوله: «أتدرون ماذا قال ربكم؟» . وذلك أن يلقي العالم على المتعلم السؤال لأجل أن ينتبه له، وإلا فالرسول ﷺ يعلم أن الصحابة لا يعلمون ماذا قال الله، لكن أراد أن ينبههم لهذا الأمر، فقال: «أتدرون ماذا قال ربكم؟» وهذا يوجب استحضار قلوبهم. العاشرة: وعيد النائحة. وذلك بقوله: «إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» ، وهذا وعيد عظيم.

стр. 3460

باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [ البقرة: ١٦٥] . ــ قوله: باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ . جعل المؤلف رحمه الله تعالى الآية هي الترجمة، ويمكن أن يعنى بهذه الترجمة باب المحبة. وأصل الأعمال كلها هو المحبة، فالإنسان لا يعمل إلا لما يحب، إما لجلب منفعة، أو لدفع مضرة، فإذا عمل شيئا فلأنه يحبه، إما لذاته كالطعام، أو لغيره كالدواء. وعبادة الله مبنية على المحبة، بل هي حقيقة العبادة، إذ لو تعبدت بدون محبة صارت عبادتك قشرا لا روح فيها، فإذا كان الإنسان في قلبه محبة لله وللوصول إلى جنته، فسوف يسلك الطريق الموصل إلى ذلك. ولهذا لما أحب المشركون آلهتهم توصلت بهم هذه المحبة إلى أن عبدوها من دون الله أو مع الله. والمحبة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: محبة عبادة، وهي التي توجب التذلل والتعظيم، وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه ما يقتضي أن يمتثل أمره ويجتنب نهيه، وهذه خاصة بالله، فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة فهو مشرك شركا أكبر، ويعبر العلماء عنها بالمحبة الخاصة. القسم الثاني: محبة ليست بعبادة في ذاتها، وهذه أنواع:

стр. 3461

النوع الأول: المحبة لله وفي الله، وذلك بأن يكون الجالب لها محبة الله، أي: كون الشيء محبوبا لله تعالى: من أشخاص، كالأنبياء، والرسل، والصديقين، والشهداء، والصالحين. أو أعمال، كالصلاة، والزكاة، وأعمال الخير، أو غير ذلك. وهذا النوع تابع للقسم الأول الذي هو محبة الله. النوع الثاني: محبة إشفاق ورحمة، وذلك كمحبة الولد، والصغار، والضعفاء، والمرضى. النوع الثالث: محبة إجلال وتعظيم لا عبادة، كمحبة الإنسان لوالده، ولمعلمه، ولكبير من أهل الخير. النوع الرابع: محبة طبيعية، كمحبة الطعام، والشراب، والملبس، والمركب، والمسكن. وأشرف هذه الأنواع النوع الأول، والبقية من قسم المباح، إلا إذا اقترن بها ما يقتضي التعبد صارت عبادة، فالإنسان يحب والده محبة إجلال وتعظيم، وإذا اقترن بها أن يتعبد لله بهذا الحب من أجل أن يقوم ببر والده صارت عبادة، وكذلك يحب ولده محبة شفقة، وإذا اقترن بها ما يقتضي أن يقوم بأمر الله بإصلاح هذا الولد صارت عبادة. وكذلك المحبة الطبيعية، كالأكل والشرب والملبس والمسكن إذا قصد بها الاستعانة على عبادة صارت عبادة، ولهذا «ولهذا حبب للنبي ﷺ النساء والطيب» .

стр. 3462

من هذه الدنيا، فحبب إليه النساء؛ لأن ذلك مقتضى الطبيعية ولما يترتب عليه من المصالح العظيمة، وحبب إليه الطيب؛ لأنه ينشط النفس ويريحها ويشرح الصدر، ولأن الطيبات للطيبين، والله طيب لا يقبل إلا طيبا. فهذه الأشياء إذا اتخذها الإنسان بقصد العبادة صارت عبادة، قال النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» ، وقال العلماء: إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقالوا: الوسائل لها أحكام المقاصد، وهذا أمر متفق عليه. وقد ذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب آيتين: الأولى التي ترجم بها وهي قوله: ومن الناس. من تبعيضية، هي ومجرورها خبر مقدم، ومن يتخذ مبتدأ مؤخر. قوله: أندادا. جمع ند، وهو الشبيه والنظير. قوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أي: في كيفيته ونوعه، فالنوع أن يحب غير الله محبة عبادة. والكيفية: أن يحبه كمحبة الله أو أشد، حتى إن بعضهم يعظم محبوبه ويغار له أكثر مما يعظم الله ويغار له، فلو قيل: احلف بالله لحلف، وهو كاذب ولم يبال، ولو قيل: احلف بالند لم يحلف، وهو كاذب، وهذا شرك أكبر. وقوله: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ . للمفسرين فيها قولان:

стр. 3463

الأول: أنها على ظاهرها، وأنها مضافة إلى مفعولها، أي: يحبونهم كحبهم لله، والمعنى: يحبون هذه الأنداد كمحبة الله، فيجعلونها شركاء لله في المحبة، لكن الذين آمنوا أشد حبا لله من هؤلاء لله، وهذا هو الصواب. الثاني: أن المعنى كحب الله الصادر من المؤمنين. أي: كحب المؤمنين لله، فيحبون هذه الأنداد كما يحب المؤمنون الله ، وهذا وإن احتمله اللفظ لكن السياق يأباه؛ لأنه لو كان المعنى ذلك لكان مناقضا لقوله تعالى فيما بعد: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ . وكانت محبة المؤمنين لله أشد؛ لأنها محبة خالصة ليس فيها شرك، فمحبة المؤمنين أشد من حب هؤلاء لله. فإن قيل: قد ينقدح في ذهن الإنسان أن المؤمنين يحبون هذه الأنداد نظرا لقوله: ﴿أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فما الجواب؟ أجيب: أن اللغة العربية يجري فيها التفضيل بين شيئين وأحدهما خال منه تماما، ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] ، مع أن مستقر أهل النار ليس فيه خير، وقال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] ، والطرف الآخر ليس فيه شيء من هذه الموازنة، ولكنها من باب مخاطبة الخصم بحسب اعتقاده. مناسبة الآية لباب المحبة: منع الإنسان أن يحب أحدا كمحبة الله؛ لأن هذا من الشرك الأكبر المخرج عن الملة، وهذا يوجد في بعض العباد وبعض الخدم، فبعض العباد يعظمون ويحبون بعض القبور أو الأولياء كمحبة الله أو أشد، وكذلك بعض

стр. 3464

وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] . ــ الخدم تجدهم يحبون هؤلاء الرؤساء أكثر مما يحبون الله ويعظمونهم أكثر مما يعظمون الله، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٧، ٦٨] . الآية الثانية قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ . آباؤكم. اسم كان، وباقي الآية مرفوع معطوف عليه، وخبر كان ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، والخطاب في قوله: قل للرسول ﷺ والمخاطب في قوله: آباؤكم الأمة. والأمر في قوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ يراد به التهديد، أي: انتظروا عقاب الله، ولهذا قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ بإهلاك هؤلاء المؤثرين لمحبة هؤلاء الأصناف الثمانية على محبة الله ورسوله وجهاد في سبيله. فدلت الآية على أن محبة هؤلاء وإن كانت من غير محبة العبادة إذا فضلت على محبة الله صارت سببا للعقوبة. ومن هنا نعرف أن الإنسان إذا كان يهمل أوامر الله لأوامر والده، فهو يحب أباه أكثر من ربه. وما في القلوب وإن كان لا يعلمه إلا الله، لكن له شاهد في الجوارح،

стр. 3465

ولذا يروى عن الحسن ﵀ أنه قال: " ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه "، فالجوارح مرآة القلب. فإن قيل: المحبة في القلب ولا يستطيع الإنسان أن يملكها، ولهذا يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك» (١) ، وكيف للإنسان أن يحب شيئا وهو يبغضه؟ وهل هذا إلا من محاولات جعل الممتنع ممكنا؟ أجيب: أن هذا إيراد ليس بوارد، فالإنسان قد تنقلب محبته لشيء كراهة وبالعكس، إما لسبب ظاهر أو لإرادة صادقة، فمثلا: لك صديق تحبه فيسرق منك وينتهك حرمتك، فتكرهه لهذا السبب، أو لإرادة صادقة كرجل يحب شرب الدخان، فصار عنده إرادة صادقة وعزيمة ثابتة، فكره الدخان، فأقلع عنه. «وقال عمر ﵁ للنبي ﷺ : " إنك لأحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. قال النبي ﷺ : لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك. قال: الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ : الآن يا عمر» ، فقد ازدادت محبة عمر ﵁ للنبي ﷺ ، وأقره النبي ﷺ على أن الحب قد يتغير.

стр. 3466

عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» . أخرجاه. ــ وربما تسمع عن شخص كلاما وأنت تحبه فتكرهه، ثم يتبين لك أن هذا الكلام كذب، فتعود محبتك إياه. قوله في حديث أنس: " لا يؤمن ". هذا نفي للإيمان، ونفي الإيمان تارة يراد به نفي الكمال الواجب، وتارة يراد به نفي الوجود، أي: نفي الأصل. والمنفي في هذا الحديث هو كمال الإيمان الواجب، إلا إذا خلا القلب من محبة الرسول ﷺ إطلاقا، فلا شك أن هذا نفي لأصل الإيمان. قوله: " من ولده ". يشمل الذكر والأنثى، وبدأ بمحبة الولد؛ لأن تعلق القلب به أشد من تعلقه بأبيه غالبا. قوله: " ووالده ". يشمل أباه، وجده وإن علا، وأمه، وجدته وإن علت. قوله: " والناس أجمعين ". يشمل إخوته وأعمامه وأبناءهم وأصحابه ونفسه؛ لأنه من الناس، فلا يتم الإيمان حتى يكون الرسول أحب إليه من جميع المخلوقين. وإذا كان هذا في محبة رسول الله ﷺ ، فكيف بمحبة الله تعالى؟ ! ومحبة رسول الله ﷺ تكون لأمور:

стр. 3467

الأول: أنه رسول الله، وإذا كان الله أحب إليك من كل شيء، فرسوله أحب إليك من كل مخلوق. الثاني: لما قام به من عبادة الله وتبليغ رسالته. الثالث: لما آتاه الله من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. الرابع: أنه سبب هدايتك وتعليمك وتوجيهك. الخامس: لصبره على الأذى في تبليغ الرسالة. السادس: لبذل جهده بالمال والنفس لإعلاء كلمة الله. ويستفاد من هذا الحديث ما يلي: ١ - وجوب تقديم محبة الرسول ﷺ على محبة النفس. ٢ - فداء الرسول ﷺ بالنفس والمال؛ لأنه يجب أن تقدم محبته على نفسك ومالك. ٣ - أنه يجب على الإنسان أن ينصر سنة رسول الله ﷺ ويبذل لذلك نفسه وماله وكل طاقته؛ لأن ذلك من كمال محبة رسول الله ﷺ ، ولذلك قال بعض أهل العلم في قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] ، أي: مبغضك، قالوا: وكذلك من أبغض شريعته ﷺ فهو مقطوع لا خير فيه. ٤ - جواز المحبة التي للشفقة والإكرام والتعظيم، لقوله ﷺ : «أحب إليه من ولده ووالده» . . . "، فأثبت أصل المحبة، وهذا أمر طبيعي لا ينكره أحد. ٥ - وجوب تقديم قول الرسول ﷺ على قول كل الناس؛ لأن من لازم كونه أحب من كل أحد أن يكون قوله مقدما على كل أحد من الناس،

стр. 3468

حتى على نفسك، فمثلا: أنت تقول شيئا وتهواه وتفعله، فيأتي إليك رجل ويقول لك: هذا يخالف قول الرسول ﷺ ، فإذا كان الرسول أحب إليك من نفسك فأنت تنتصر للرسول أكثر مما تنتصر لنفسك، وترد على نفسك بقول الرسول ﷺ ، فتدع ما تهواه من أجل طاعة الرسول ﷺ ، وهذا عنوان تقديم محبته على محبة النفس، ولهذا قال بعضهم: تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع إذا يؤخذ من هذا الحديث وجوب تقديم قول الرسول ﷺ على قول كل الناس حتى على قول أبي بكر وعمر وعثمان، وعلى قول الأئمة الأربعة ومن بعدهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] . لكن إذا وجدنا حديثا يخالف الأحاديث الأخرى الصحيحة أو مخالفا لقول أهل العلم وجمهور الأمة، فالواجب التثبت والتأني في الأمر؛ لأن اتباع الشذوذ يؤدي إلى الشذوذ. ولهذا إذا رأيت حديثا يخالف ما عليه أكثر الأمة، أو يخالف الأحاديث الصحيحة التي كالجبال في رسوها، فلا تتعجل في قبوله، بل يجب عليك أن تراجع وتطالع في سنده حتى يتبين لك الأمر، فإذا تبين فإنه لا بأس أن يخصص الأقوى بأضعف منه إذا كان حجة، فالمهم التثبت في الأمر، وهذه القاعدة تنفعك في كثير من الأقوال التي ظهرت أخيرا، وتركها الأقدمون وصارت محل نقاش بين الناس، فإنه يجب اتباع هذه القاعدة، ويقال: أين

стр. 3469

ولهما عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب» ــ الناس من هذه الأحاديث؟ ولو كانت هذه الأحاديث من شريعة الله لكانت منقولة باقية معلومة، مثل ما ذكر أن الإنسان إذا لم يطف طواف الإفاضة قبل أن تغرب الشمس يوم العيد فإنه يعود محرما (١) ، فإن هذا الحديث وإن كان ظاهر سنده الصحة لكنه ضعيف وشاذ، ولهذا لم يذكر أنه عمل به إلا رجل أو رجلان من التابعين، وإلا فالأمة على خلافه، فمثل هذه الأحاديث يجب أن يتحرى الإنسان فيها ويتثبت، ولا نقول: إنها لا يمكن أن تكون صحيحة. مناسبة هذا الحديث للباب: مناسبة هذا الحديث ظاهرة، إذ محبة الرسول ﷺ من محبة الله، ولأنه إذا كان لا يكمل الإيمان حتى يكون الرسول ﷺ أحب إلى الإنسان من نفسه والناس أجمعين، فمحبة الله أولى وأعظم. قوله: " في حديث أنس الثاني: «ثلاث من كن فيه» . أي: ثلاث خصال، و" كن " بمعنى وجدن فيه. وإعراب " ثلاث ": مبتدأ، وجاز الابتداء بها لأنها مفيدة على حد قول ابن مالك:

стр. 3470

«المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار» . ــ ولا يجوز الابتداء بالنكرة ... ما لم تفد. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: " من كن فيه ". " من ": شرطية، و" كن ": أصلها كان، فتكون فعلا ماضيا ناسخا، والنون اسمها، و" فيه ": خبرها. قوله: " وجد بهن ". وجد: فعل ماض في محل جزم جواب الشرط، والجملة من فعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ. وقوله: «وجد بهن حلاوة الإيمان» . الباء للسببية، وحلاوة: مفعول وجد، وحلاوة الإيمان: ما يجده الإنسان في نفسه وقلبه من الطمأنينة والراحة والانشراح، وليست مدركة باللعاب والفم، والمقصود بالحلاوة هنا الحلاوة القلبية. الخصلة الأولى من الخصال الواردة في الحديث: قوله: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» . الرسول محمد ﷺ وكذا جميع الرسل تجب محبتهم. قوله: " أحب إليه مما سواهما ". أي أحب إليه من الدنيا كلها ونفسه وولده ووالده وزوجه وكل شيء سواهما، فإن قيل: لماذا جاء الحديث بالواو " الله ورسوله " وجاء الخبر لهما جميعا " أحب إليه مما سواهما "؟
следующие страницы →