← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

وأما عروض التجارة: فهو ما يشتريه التجار للتكسب بالبيع من أي نوع كان فكل شيء يتملكه الإنسان للتكسب فهو من عروض التجارة يقومه صاحبه إذا تم الحول بما يساوي، ثم يخرج ربع عشره، فإذا كان يبلغ ألفاً أخرج خمسة وعشرين، والمعتبر القيمة وقت تمام الحول سواء كانت بقدر الثمن الذي اشترى به، أو أقل، أو أكثر. رابعاً: وأما مصارف الزكاة أي الجهات التي تصرف إليها الزكاة، فقد تولى الله تعالى بيانها بنفسه فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . فهؤلاء ثمانية أصناف: أولاً: الفقراء وهم الذين لا يجدون من كفايتهم إلا شيئاً قليلاً دون النصف، فإذا كان الإنسان لا يجد ما ينفق على نفسه وعائلته نصف سنة فهو فقير، فيعطى ما يكفيه وعائلته سنة. الثاني: المساكين وهم الذين يجدون من كفايتهم النصف فأكثر، ولكن لا يجدون ما يكفيهم سنة كاملة، فيكمل لهم نفقة السنة، وإذا كان الرجل ليس عنده نقود، ولكن له مورد آخر من حرفة، أو راتب أو استغلال يقوم بكفايته، فإنه لا يعطى من الزكاة، لقول النبي ﷺ : «لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» .

стр. 7282

الثالث: العاملون عليها، وهم الذين يوكلهم الحاكم العام للدولة بجبايتها من أهلها، وتصريفها إلى مستحقها وحفظها ونحو ذلك من الولاية عليها، فيعطون من الزكاة بقدر عملهم وإن كانوا أغنياء. الرابع: المؤلفة قلوبهم وهم رؤساء العشائر الذين ليس في إيمانهم قوة، فيعطون من الزكاة ليقوى إيمانهم، فيكونوا دعاة للإسلام وقدوة صالحة، وإذا كان الإنسان ضعيف الإسلام، ولكنه ليس من الرؤساء المطاعين، بل هو من عامة الناس فهل يعطى من الزكاة ليقوى إيمانه؟ يرى بعض العلماء أنه يعطى؛ لأن مصلحة الدين أعظم من مصلحة البدن، وهاهو إذا كان فقيراً يعطى لغذاء بدنه فغذاء قلبه بالإيمان أشد وأعظم نفعاً، ويرى بعض العلماء أنه لا يعطى لأن المصلحة من قوة إيمانه مصلحة فردية خاصة به. الخامس: الرقاب، ويدخل فيها شراء الرقيق من الزكاة وإعتاقه، ومعاونة المكاتبين، وفك الأسرى من المسلمين. السادس: الغارمون وهم المدينون إذا لم يكن لهم ما يمكن أن يوفوا منه ديونهم، فهؤلاء يعطون ما يوفون به ديونهم قليلة كانت أو كثيرة، وإن كانوا أغنياء من جهة القوت، فإذا قدر أن هناك رجلاً له مورد يكفي لقوته وقوت عائلته إلا أن عليه ديناً لا يستطيع وفاءه فإنه يعطى من الزكاة ما يوفي به دينه. ولا يجوز أن يسقط الدين عن مدينه الفقير وينويه من الزكاة.

стр. 7283

واختلف العلماء فيما إذا كان المدين والداً، أو ولداً فهل يعطى من الزكاة لوفاء دينه، والصحيح الجواز. ويجوز لصاحب الزكاة أن يذهب إلى صاحب الحق ويعطيه حقه وإن لم يعلم المدين بذلك إذا كان صاحب الزكاة يعرف أن المدين لا يستطيع الوفاء. السابع: في سبيل الله: وهو الجهاد في سبيل الله، فيعطى المجاهدون من الزكاة ما يكفيهم لجهادهم، ويشترى من الزكاة آلات للجهاد في سبيل الله، ومن سبيل الله: العلم الشرعي، فيعطى طالب العلم الشرعي ما يتمكن به من طلب العلم من الكتب وغيرها، إلا أن يكون له مال ما يمكنه تحصيل ذلك. الثامن: ابن السبيل وهو المسافر الذي انقطع به السفر، فيعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده. فهؤلاء هم أهل الزكاة الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه، وأخبر بأن ذلك فريضة منه صادرة عن علم وحكمة، والله عليم حكيم. ولا يجوز صرفها في غيرهم: كبناء المساجد، وإصلاح الطرق؛ لأن ذكر مستحقيها على سبيل الحصر، والحصر يفيد نفي الحكم عن غير المحصورين، وإذا تأملنا هؤلاء الجهات عرفنا أن منهم من يحتاج إلى الزكاة بنفسه، ومنهم من يحتاج المسلمون إليه، وبهذا نعرف مدى الحكمة في إيجاب الزكاة، وأن الحكمة منه بناء مجتمع صالح متكامل متكافىء بقدر الإمكان، وأن الإسلام لم يهمل

стр. 7284

الأموال، ولا المصالح التي يمكن أن تبنى على المال، ولم يترك للنفوس الجشعة الشحيحة الحرية في شحها وهواها، بل هو أعظم موجه للخير ومصلح للأمم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. * * * تم بحمد الله تعالى المجلد الثامن عشر ويليه بمشيئة الله المجلد التاسع عشر

стр. 7285

المجلد التاسع عشر [كتاب] الصيام سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن تعريف الصيام ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الصيام في اللغة معناه: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِى" إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ . أي نذرت إمساكاً عن الكلام، فلن أكلم اليوم إنسياً. ومنه قول الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعرك اللجما أما في الشرع: فهو التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم صيام شهر رمضان ؟ فأجاب فضيلته بقوله: صيام شهر رمضان فرض بنص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال تعالى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . إلى قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى" أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ، وقال النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام» . وقال عليه الصلاة

стр. 7286

والسلام: «إذا رأيتموه فصوموا» ، وأجمع المسلمون على أن صيام رمضان فرض، وأنه أحد أركان الإسلام، فمن أنكر فرضيته كفر، إلا أن يكون ناشئاً في بلاد بعيدة، لا يعرف فيها أحكام الإسلام فيعرف بذلك، ثم إن أصر بعد إقامة الحجة عليه كفر، ومن تركه تهاوناً بفرضيته فهو على خطر، فإن بعض أهل العلم يرى أنه كافر مرتد، ولكن الراجح أنه ليس بكافر مرتد، بل هو فاسق من الفساق لكنه على خطر عظيم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن مكانة الصيام في الإسلام ؟ فأجاب فضيلته بقوله: مكانة الصيام في الإسلام أنه أحد أركانه العظيمة التي لا يقوم إلا بها، ولا يتم إلا بها، وأما فضله في الإسلام فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه» . * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يعتبر تارك

стр. 7287

الصيام تهاوناً وتكاسلاً مثل تارك الصلاة من حيث إنه كافر؟ فأجاب فضيلته بقوله: تارك الصيام تهاوناً وتكاسلاً ليس بكافر، وذلك لأن الأصل بقاء الإنسان على إسلامه حتى يقوم دليل على أنه خارج من الإسلام، ولم يقم دليل على أن تارك الصيام خارج من الإسلام إذا كان تركه إياه تكاسلاً وتهاوناً. وذلك بخلاف الصلاة فإن الصلاة قد جاءت النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة ﵃ على أن تاركها أي الصلاة تهاوناً وكسلاً كافر. قال عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة» ، ولكن يجب أن يُدعى هذا الرجل الذي ترك الصيام تكاسلاً وتهاوناً إلى الصوم، فإن أبى فإنه يُعزر حتى يصوم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن أركان الصيام ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الصيام له ركن واحد: وهو التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والمراد بالفجر هنا، الفجر الثاني دون الفجر الأول، ويتميز الفجر الثاني عن الفجر الأول بثلاث مميزات: الأولى: أن الفجر الثاني يكون معترضاً في الأفق، والفجر الأول يكون مستطيلاً أي ممتدًّا من المشرق إلى المغرب، أما الفجر الثاني فهو ممتد من الشمال إلى الجنوب. الميزة الثانية: أن الفجر الثاني لا ظلمة بعده، بل يستمر

стр. 7288

النور في الزيادة حتى طلوع الشمس، وأما الفجر الأول فيظلم بعد أن يكون له شعاع. الميزة الثالثة: أن الفجر الثاني متصل بياضه بالأفق، وأما الفجر الأول فبينه وبين الأفق ظلمة، والفجر الأول ليس له حكم في الشرع فلا تحل به صلاة الفجر، ولا يحرم به الطعام على الصائم بخلاف الفجر الثاني. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن الحكمة من إيجاب الصوم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا قرأنا قول الله : ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ عرفنا ما هي الحكمة من إيجاب الصوم، وهي التقوى والتعبد لله ، والتقوى هي ترك المحارم، وهي عند الإطلاق تشمل فعل المأمور به وترك المحظور، وقد قال النبي ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» . وعلى هذا يتأكد على الصائم القيام بالواجبات وكذلك اجتناب المحرمات من الأقوال والأفعال، فلا يغتاب الناس ولا يكذب، ولا ينم بينهم، ولا يبيع بيعاً محرماً. ويجتنب جميع المحرمات، وإذا فعل الإنسان ذلك في شهر كامل فإن نفسه سوف تستقيم بقية العام. ولكن المؤسف

стр. 7289

أن كثيراً من الصائمين لا يفرقون بين يوم صومهم ويوم فطرهم، فهم على العادة التي هم عليها من ترك الواجبات وفعل المحرمات، ولا تشعر أن عليه وقار الصوم، وهذه الأفعال لا تبطل الصوم، ولكن تنقص من أجره، وربما عند المعادلة ترجح على أجر الصوم فيضيع ثوابه. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن أقسام الصيام ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ينقسم الصيام إلى قسمين: قسم مفروض، وقسم غير مفروض، والمفروض قد يكون لسبب: كصيام الكفارات والنذور، وقد يكون لغير سبب: كصيام رمضان، فإنه واجب بأصل الشرع، أي بغير سبب من المكلف، وأما غير المفروض فقد يكون معيناً، وقد يكون مطلقاً، فمثال المعين: صوم يوم الاثنين والخميس، ومثال المطلق: صيام يوم من أيام السنة، إلا أنه قد ورد النهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصوم، فلا يصام يوم الجمعة إلا أن يصام يوم قبله أو يوم بعده، كما ثبت النهي عن صيام يومي العيدين: الفطر والنحر، وكذلك عن صيام أيام التشريق إلا لمن لم يجد الهدي من قارنٍ ومتمتع، فإنه يصوم أيام التشريق عن الأيام الثلاثة التي في الحج. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: سمعت أن الصيام مراتب فما صحة هذا القول؟ وهل لكل منها ثواب خاص بها ؟

стр. 7290

فأجاب فضيلته بقوله: إذا قصد بالمراتب الفرض والنفل فهذا صحيح، والفرض أفضل من النفل، أما مراتب الفضل والأجر عند الله باعتبار الصائمين، فهذا يختلف اختلافاً كبيراً بحسب ما يفعله الإنسان أثناء الصوم من التزام بالأخلاق والا"داب الإسلامية، وعدم التزام بها، وبحسب ما يقوم في قلبه من الإخلاص. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل حدث تدرج في صيام رمضان كما حصل في تحريم الخمر ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم حصل تدرج، فحين نزل الصوم كان من شاء صام، ومن شاء أطعم ثم بعد ذلك صار الصوم واجباً، لقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . التدرج الآخر أنهم كانوا إذا ناموا بعد الإفطار أو صلوا العشاء لا يحل لهم الأكل والشرب والجماع، إلا عند غروب اليوم التالي، ثم خفف عنهم، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فكانت المحظورات على الصائم إذا نام أو صلى العشاء ثم نسخ ذلك فكانت جائزة إلى أن يتبين الفجر.

стр. 7291

كلمة بمناسبة استقبال شهر رمضان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. من محمد الصالح العثيمين إلى من يبلغه من عباد الله المؤمنين سلك الله بنا وبهم طريق الهداية والصواب آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فإنه بمناسبة استقبال شهر رمضان أقدم لإخواني هذه الكلمة راجياً من الله تعالى أن يجعل عملنا جميعاً خالصاً لوجهه، وتابعاً لما جاء به النبي ﷺ ، فنقول مستعينين بالله: ١ لا شك أن من نعمة الله على عباده أن منَّ عليهم بهذا الشهر الكريم، الذي جعله موسماً للخيرات، ومغتنماً لاكتساب الأعمال الصالحات، وأنعم عليهم فيه بنعم سابقة، ونعم مستمرة دائمة، ففي هذا الشهر أنزل الله القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. وفي هذا الشهر حصلت غزوة بدر الكبرى التي أعز الله فيها الإسلام وأهله، وخذل فيها الشرك وأهله، وسمي يومها يوم الفرقان. وفي هذا الشهر حصل الفتح الأعظم الذي طهر الله فيه البيت الحرام من الأوثان، ودخل الناس بعده في دين الله أفواجاً. وفي هذا الشهر أعطيت أمة محمد ﷺ خمس خصال لم تعطهن أمة من الأمم قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من

стр. 7292

ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزيين الله كل يوم جنته، ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك، وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة، قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: «لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله» . ومن صام هذا الشهر إيماناً بالله واحتساباً لما عند الله غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه. ٢ هذه التراويح التي نصليها من قيام رمضان وفي قيام رمضان إيماناً واحتساباً ما سبق من الأجر، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» وهذه نعمة كبرى لا ينبغي للمؤمن أن يتركها، بل ينبغي له أن يثابر عليها، ويحافظ على التراويح مع الإمام من أولها إلى آخرها، وكثير من الناس يضيعون قيامهم مع الإمام بالتجول في المساجد، فيصلون في هذا المسجد تسليمة أو تسليمتين، وفي المسجد الثاني كذلك، فيفوتهم القيام مع الإمام حتى ينصرف، ويحرمون

стр. 7293

أنفسهم هذا الخير الكثير وهو قيام الليلة، والأولى للإنسان إذا كان يحب أن يتخير من المساجد أن يذهب إلى المسجد الذي يريد من أول الأمر، ويبقى فيه حتى ينصرف الإمام. ٣ كثير من إخواننا أئمة المساجد يسرعون في التراويح في الركوع والسجود إسراعاً عظيماً، يخل بالصلاة ويشق على الضعفاء من المأمومين، وربما أسرع بعضهم إسراعاً يخل بالطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة، ولا صلاة بلا طمأنينة، وإذا لم يخل بالطمأنينة فإنه يخل بمتابعة المأمومين، إذ لا يمكنهم المتابعة التامة مع هذه السرعة، وقد قال أهل العلم ﵏: «إنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن» ، فكيف وهي قد تمنعه فعل ما يجب؟! فنصيحتي لهؤلاء الأئمة أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم وفيمن خلفهم من المسلمين، وأن يؤدوا تراويحهم بطمأنينة، وأن يعلموا أنهم في صلاتهم بين يدي مولاهم يتقربون إليه بتلاوة كلامه، وتكبيره وتعظيمه والثناء عليه ودعائه بما يحبون من خيري الدنيا والآخرة، وهم على خير إذا زاد الوقت عليهم ربع ساعة أو نحوها، والأمر يسير ولله الحمد. ٤ أوجب الله الصيام أداء على كل مسلم مكلف قادر مقيم، فأما الصغير الذي لم يبلغ فإن الصيام لا يجب عليه، لقول النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة» ، وذكر «الصبي حتى يبلغ»

стр. 7294

ولكن يجب على وليه أن يأمره بالصيام إذا بلغ حدًّا يطيق الصيام فيه، لأن ذلك من تأديبه وتمرينه على فعل أركان الإسلام، ونرى بعض الناس ربما يترك أولاده فلا يأمرهم بصلاة ولا صوم وهذا غلط، فإنه مسؤول عن ذلك بين يدي الله ﵎، وهم يزعمون أنهم لا يُصَوِّمون أولادهم شفقة عليهم ورحمة بهم، والحقيقة أن الشفيق على أولاده والراحم لهم هو من يمرنهم على خصال الخير وفعل البر، لا من يترك تأديبهم وتربيتهم تربية نافعة. وأما المجنون ومن زال عقله بهرم أو نحوه فإنهم لا صيام عليهم ولا إطعام لعدم العقل عندهم. وأما العاجز عن الصيام فإن كان يرجو زوال عجزه كالمريض الذي يرجو الشفاء، فإنه ينتظر حتى يعافيه الله، ثم يقضي ما فاته، لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وأما العاجز الذي لا يرجو زوال عجزه: كالكبير والمريض الا"يس من البرء، فهذا ليس عليه صيام، وإنما الواجب عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، وهو بالخيار: إن شاء صنع طعاماً ودعا إليه فقراء بعدد أيام الشهر، وإن شاء أعطى كل فقير خمس صاع من البر. والمرأة الحائض والنفساء لا تصوم، وتقضي بعد الطهر بعدد الأيام التي أفطرت. وإذا حصل الحيض أو النفاس في أثناء يوم الصيام بطل الصوم، ووجب عليها قضاء ذلك اليوم الذي

стр. 7295

حدث فيه الحيض أو النفاس، كما أنه إذا انقطع الدم في أثناء نهار رمضان وجب عليها أن تمسك بقية يومها، ولا تحتسب به، بل تقضي بدله. والمسافر مخير إن شاء صام وإن شاء أفطر، إلا أن يشق عليه الصيام، فإنه يفطر، ويكره له الصيام، لأن في ذلك رغبة عن رخصة الرحيم الكريم وزهداً فيها، وإن كان الصيام لا يشق عليه ولا يفوت حاجته، فالصوم أفضل لما في الصحيحين من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة. ٥ المفطرات هي: ١ الأكل والشرب: من أي نوع كان المأكول أو المشروب، وبمعنى الأكل والشرب الحقن، أي الإبر التي يكون فيها تغذية للجسم أو تكسبه ما يكسبه الطعام من القوة، فهذه تفطر، ولا يجوز استعمالها للمريض، إلا حيث يجوز له الفطر، مثل أن يضطر إلى استعمالها نهاراً، فهذا يجوز له استعمالها ويفطر، ويقضي بدل الأيام التي استعملها فيها.

стр. 7296

وأما الإبر التي ليست كذلك مثل إبر البنسلين فهذه لا تفطر، لأنها ليست طعاماً ولا شراباً، لا لفظاً ولا معنى لكن على كل حال الأحوط للإنسان تركها في الصيام، لقول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . ٢ الجماع: وهو من كبائر الذنوب للصائم في نهار رمضان، وفيه الكفارة المغلظة: عتق رقبة، فإن لم يجد رقبة بأن كان ليس له مال، أو له مال ولكن لا يوجد رقيق بوجه شرعي، فإنه يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع وجب عليه إطعام ستين مسكيناً (وتقدم كيفية الإطعام) . ٣ الإنزال: أي إنزال المني بفعل الصائم، مثل أن يقبّل زوجته فيمني فإنه يفسد صومه، وأما إذا كان الإنزال بغير فعله مثل أن يحتلم فينزل: فإن صيامه لا يبطل؛ لأن ذلك بغير اختياره، ويحرم على الصائم أن يباشر مباشرة يخشى من فساد صومه بها، فلا يجوز أن يقبِّل زوجته أو يلمسها مثلاً، إذا كان يظن أن ينزل منيه بسبب ذلك، لأن فيه تعريضاً لصيامه للفساد. ٤ الحجامة: فيفطر الحاجم والمحجوم لحديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه

стр. 7297

الترمذي وأحمد وقال: هو أصح شيء في هذا الباب، وصححه ابن حبان والحاكم، وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس مثله. فأما خروج الدم بالجرح، أو قلع الضرس، أو الرعاف أو نحوه فإنه لا يفطر الصائم. ٥ القيء: إذا استقاء فقاء، فأما إن غلبه القيء بغير اختياره فإنه لا يفطر. ولا يفطر الصائم إن فعل شيئاً من هذه المفطرات جاهلاً أو ناسياً؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ . وقال: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . وقال ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» . وقال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» . وثبت في صحيح البخاري من حديث أسماء بنت

стр. 7298

أبي بكر ﵄ قالت: أفطرنا يوماً من رمضان في غيم على عهد رسول الله ﷺ ، ثم طلعت الشمس ولم ينقل أن النبي ﷺ أمرهم بالقضاء، ومثل ذلك إذا أكل يظن أن الفجر لم يطلع فتبين أنه طالع، فصومه صحيح، ولا قضاء عليه. ويجوز للصائم أن يتطيب بما شاء من الطيب من بخور أو غيره، ولا يفطر بذلك. ويجوز للصائم أيضاً أن يداوي عينه بما شاء من قطور أو ذرور، ولا يفطر بذلك. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 7299

كلمة بمناسبة دخول شهر رمضان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على العباد أجمعين. أما بعد. فإن الله بعث محمداً ﷺ بأكمل الأديان وأقومها بمصالح العباد، وأنفعها لهم في المعاش والمعاد، كما قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَاذَا الْقُرْءَانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأَْخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ . ومن ثم ختم الله به الأديان، وجعله صالحاً لكل زمان ومكان، ومصلحاً لشؤون الناس الدينية والدنيوية، المجتمعية والفردية. وكانت الأركان التي بني عليها الدين الإسلامي متنوعة التكليف، فمنها الأعمال البدنية المحضة، ومنها الأعمال المالية المحضة، ومنها الأعمال الجامعة بين البدنية والمالية، ومنها ما يكون المطلوب فيها فعلاً، ومنها ما يكون المطلوب فيها كفًّا عن محبوب. نوعت هذا التنويع ليشمل الدين جميع أنواع العمل والتكليف، فيتم فيه التعبد لله تعالى من كل وجه، وتهذيب النفوس وتعويدها على طاعة الله من كل ناحية. وكان من دعائم الإسلام وأركانه صيام شهر رمضان، كما

стр. 7300

في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» هذا لفظ البخاري، وفي لفظ لمسلم: «وصيام رمضان والحج» فقال رجل: الحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان، والحج، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ . وقد دل على فرضية صوم شهر رمضان، كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى" أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . ففي هذه الآيات الكريمات يخبر الله عباده المؤمنين بأنه فرض عليهم الصيام كما فرضه على الأمم السابقة، وفي إخباره تعالى بفرضه على من كان قبلنا من الأمم دليل على أهمية الصيام وعظم منزلته عند الله، ودليل على فضل هذه الأمة بما شرعه لها من استكمال الفضائل الحاصلة لمن سبقها، فلله الحمد والمنة.

стр. 7301

وفي قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ دليل على المقصود الأعظم بالصيام، وهو تقوى الله تعالى بالصوم، فإن ترك الإنسان ما تطلبه نفسه من ملاذ الطعام والشراب والنكاح رغبة في ثواب الله، وخوفاً من عقابه، لهو تقوى لله تعالى، خصوصاً أنه يترك ذلك في موضع لا يطلع عليه إلا الله ﵎، لا يخشى بذلك سوى ربه، فهذا هو التقوى الحقيقية. ثم إن ثمرة الصيام والحكمة منه أن يكون حافزاً للصائم على تقوى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ولذلك قال النبي ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» . وقول الزور كل قول محرم، والعمل بالزور كل فعل محرم، وقال النبي ﷺ : «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم» متفق عليه. وللصوم فوائد كثيرة دينية، وجسمية، واجتماعية، وأخلاقية ونفسية، ولست بصدد الكلام على ذلك، فإن فوائد الأمور تعرف بميزانها وشدة العناية، وكون الصيام مفروضاً على جميع الأمم أكبر دليل على ما له من فضائل وفوائد. وإنما خص الله الصوم بشهر رمضان في هذه الملة؛ لأنه الشهر الذي نزل فيه القرآن، الذي هو أعظم كتاب سماوي نزل

стр. 7302

لهداية البشر، وإصلاح دينهم ودنياهم، وسيرهم إلى ربهم، ومعاملتهم فيما بينهم، وهو الكتاب الذي لا يصلح الخلق إلا التمشي على خططه والتمسك به. وصيام رمضان يجب بواحد من أمرين: إما رؤية هلال رمضان، وإما إكمال شعبان ثلاثين يوماً؛ لقول النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» . فإذا ثبت دخول الشهر، أو خروجه وأعلن من الجهات المسؤولة وجب العمل بذلك، ولو كان إعلانه بطريق الإذاعة من ولاة أمرك، إذ الإذاعة يحصل بها اليقين، أو غلبة الظن القريب من اليقين في مثل هذه الأمور الهامة. والصوم مفروض على كل مسلم، بالغ، عاقل، قادر، مقيم، خال من الموانع. فالكافر لا يؤمر بالصوم، ولا يصح منه الصوم حتى يسلم، لأن الكفر مانع من قبول الأعمال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاّ" أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ . والصغير لا يلزمه الصوم حتى يبلغ، ولكن يؤمر به متى أطاقه ليتمرن عليه ويعتاده، فيسهل عليه بعد البلوغ، وقد كان الصحابة ﵃ وهم خير هذه الأمة يصوِّمون أولادهم

стр. 7303

وهم صغار. والمجنون لا يجب عليه الصوم، سواء كان جنونه دائماً، أو متقطعاً، فإذا صادفه رمضان وهو في حال الجنون فلا صيام عليه، ولو شفاه الله فيما بعد. وكذلك من وصل إلى حد الهرم وكان لا يميز فليس عليه الصيام، لأنه لا عقل له، فهو كالصبي الذي دون التمييز، وليس عليه كفارة أيضاً بدل الصيام. والعاجز عن الصوم لا يجب عليه الصوم، ولكن العجز على نوعين: أحدهما: أن يكون عجزاً طارئاً يرجى زواله: كالمريض الذي يرجو البرء، فهذا لا يجب عليه الصوم أداء في رمضان مادام يشق عليه، ولكن ينتظر حتى يعافيه الله فيصوم، لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فلو مات قبل أن يعافيه الله سقط عنه الصوم. الثاني: أن يكون عجزه عن الصوم دائماً لا يرجى زواله: كالكبير، وأصحاب الأمراض الممتدة التي لا يرجى زوالها، فهؤلاء لا صيام عليهم، ولكن يجب عليهم أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً: إما مدّ بُرّ أو نصف صاع من تمر، أي حوالي ثلثي كيلو من البر، أو كيلو وسدس من التمر. والمسافر لا يجب عليه الصوم أداء، بل يجوز له أن يصوم في السفر، ويجوز أن يفطر ويقضي الأيام التي أفطرها إذا انتهى سفره. واختلف العلماء: أيهما أفضل للمسافر الفطر أم الصيام إذا

стр. 7304

لم يكن عليه مشقة؟ والأرجح أن الأفضل الصيام، لأنه فعل النبي ﷺ فإنه كان يصوم في سفره، قال أبو الدرداء ﵁: خرجنا مع النبي ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة، متفق عليه. وفي حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه، الحديث رواه مسلم، ولأن الصيام في نفس الشهر أسهل من القضاء غالباً. أما إن كان على المسافر مشقة في الصوم فإن الصوم يكون مكروهاً في حقه، لقول النبي ﷺ حين رأى رجلاً قد ظلل عليه في السفر وازدحم الناس عليه، وقالوا: إنه صائم، فقال النبي ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر» . وإذا خرج المسافر من بلده صائماً فله أن يفطر بقية يومه، ويقضيه بعد رجوعه مع الأيام التي أفطرها فيما بعد.

стр. 7305

وإذا قدم المسافر إلى بلده وهو مفطر لم يلزمه الإمساك بقية ذلك اليوم، لأنه لا يستفيد بهذا الإمساك شيئاً، والفطر مباح له في أول النهار ظاهراً وباطناً، فكانا مباحاً له في آخره، ولذلك يروى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «من أكل أول النهار فليأكل آخره» ، ذكره في المغني ولم يتعقبه، وهذا مذهب مالك والشافعي رحمهما الله وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀ والرواية الثانية عن أحمد: يلزمه الإمساك، وإن كان لا يستفيد به شيئاً من حيث سقوط القضاء عنه. والمرأة إذا كانت حائضاً، أو نفساء لم يجب عليها أداء الصيام، بل ولا يجوز لها أن تصوم حتى تطهر. فإذا صامت ثم طرأ عليه الحيض أفطرت وقضت يوماً مكانه، كما تقضي بقية أيام الحيض، وإذا كانت حائضاً ثم طهرت قبل الفجر ولو بزمن قليل في رمضان، فإنه يجب عليها صيام ذلك اليوم، وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، وصومها صحيح. أما إذا كان طهرها بعد طلوع الفجر ولو بيسير فإن صومها ذلك اليوم لا يصح، ولكن هل يجب عليها الإمساك؟ فيه القولان السابقان في المسافر إذا قدم مفطراً. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٢٢/٨/١٣٩٠ هـ.

стр. 7306

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك موسم العبادات والطاعات حبذا لو تفضلتم ووجهتم كلمة للمسلمين بهذه المناسبة، والله يحفظكم ويرعاكم ويمدكم بعونه وتوفيقه؟ فأجاب فضيلته بقوله: الكلمة التي أوجهها للمسلمين هو إن هذا الشهر يشتمل على ثلاثة أصناف من العبادات الجليلة، وهي: الزكاة، والصيام، والقيام، أما الزكاة فإن غالب الناس أو كثير منهم يؤدون زكاتهم في هذا الشهر، والواجب على المرء أن يؤدي الزكاة بأمانة، وأن يشعر بأنها عبادة وفريضة من فرائض الإسلام، يتقرب بها إلى ربه ويؤدي ركناً من أركان الإسلام العظيمة، وليست مغرماً كما يصوره الشيطان الذي وصفه الله بقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ بل هي غنيمة؛ لأن الله يقول: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ويقول : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . ثم عليه أن يخرج الزكاة عن كل قليل وكثير تجب فيه الزكاة، وأن يحاسب نفسه محاسبة دقيقة، فلا يهمل شيئاً مما تجب فيه الزكاة، إلا وأخرج زكاته من أجل أن يبرىء ذمته، ويخلصها من الوعيد الشديد، الذي قال الله

стр. 7307

تعالى فيه: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَاذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ . قال النبي ﵊ في تفسير الآية الأولى: «من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع، له زبيبتان يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه ويقول: أنا مالك، أنا كنزك» . أما الآية الثانية ففسرها النبي ﵊ بقوله: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي فيها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى فيها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» ويجب أن يؤتيها مستحقها، فلا يدفعها كعادة اعتاد أن يدفعها، ولا يدفع بها مذمة عن نفسه، ولا يسقط بها واجباً في غير الزكاة حتى تكون زكاة مقبولة. أما الأمر الثاني مما يفعله المسلمون في هذا الشهر فهو صيام رمضان، الذي هو أحد أركان الإسلام. وفائدة الصيام ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا

стр. 7308

كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . ففائدة الصيام الحقيقية هي تقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فيقوم الإنسان بما أوجب الله عليه من طهارة وصلاة، ويجتنب ما حرم الله عليه من كذب، وغيبة، وغش، وتقصير في واجباته، قال النبي ﵊: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» . ومن المؤسف أن كثيراً من المسلمين يصومون هذا الشهر، ولا تجد فيهم فرقاً بين أيام الصيام وأيام الإفطار، تجد الواحد مستمرًّا في ما هو فيه من تفريط في واجب، أو ارتكاب لمحرم، وهذا أمر يؤسف له، والمؤمن العاقل هو الذي لا يجعل أيام صيامه وأيام فطره سواء، بل يكون في أيام صيامه أتقى لله تعالى وأقوم بطاعته. أما الأمر الثالث فهو القيام، قيام رمضان الذي حث عليه الرسول ﵊ في قوله: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له من ذنبه» وقيام رمضان يشمل صلاة التطوع في لياليه، وصلاة التراويح المعروفة من قيام رمضان بلا شك، ولهذا ينبغي للمرء أن يعتني بها ويحافظ عليها، وأن يحرص على أن يقوم مع الإمام حتى ينصرف. لقول النبي ﷺ : «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» . ويجب على الأئمة الذين يصلون بالناس صلاة التراويح، يجب عليهم أن يتقوا الله فيمن

стр. 7309

جعلهم الله هم أئمة لهم، فيصلوا التراويح بطمأنينة وتأن حتى يتمكن من خلفهم من فعل الواجبات والمستحبات بقدر الإمكان، أما ما يفعل كثير من الناس اليوم في صلاة التراويح تجد الواحد منهم يسرع فيها إسراعاً مخلاًّ بالطمأنينة، والطمأنينة ركن من أركان الصلاة، لا تصح إلا بها. فإن هذا محرم عليهم: أولاً: لأنهم يتركون الطمأنينة، وثانياً: لأنهم ولو قدر أنهم لا يتركون الطمأنينة، فإنهم يكونون سبباً لإتعاب من وراءهم وعدم قيامهم بالواجب، ولهذا الإنسان الذي يصلي بالناس ليس كالإنسان الذي يصلي لنفسه، فيجب عليه مراعاة الناس بحيث يؤدي الأمانة فيهم، ويقوم بالصلاة على الوجه المطلوب، وقد ذكر العلماء ﵏ أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأموم من فعل ما يسن، فكيف إذا أسرع سرعة تمنع المأموم من فعل ما يجب؟! المهم أن النصيحة التي أوجهها إلى نفسي أولاً وإلى إخواني المسلمين ثانياً: هي الإنابة إلى الله ، والتوبة إليه، والقيام بطاعته بقدر الإمكان في شهر رمضان وفي غيره.

стр. 7310

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: بماذا يثبت دخول شهر رمضان ؟ فأجاب فضيلته بقوله: يثبت دخول شهر رمضان إما برؤية هلاله، وإما بإكمال شعبان ثلاثين يوماً، لقول رسول الله ﷺ : «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» . * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما هي الطريقة الشرعية التي يثبت بها دخول الشهر ؟ وهل يجوز اعتماد حساب المراصد الفلكية في ثبوت الشهر وخروجه؟ وهل يجوز للمسلم أن يستعمل ما يسمى (بالدربيل) في رؤية الهلال؟ فأجاب فضيلته بقوله: الطريقة الشرعية لثبوت دخول الشهر أن يتراءى الناس الهلال، وينبغي أن يكون ذلك ممن يوثق به في دينه وفي قوة نظره، فإذا رأوه وجب العمل بمقتضى هذه الرؤية: صوماً إن كان الهلال هلال رمضان، وإفطاراً إن كان الهلال هلال شوال. ولا يجوز اعتماد حساب المراصد الفلكية إذا لم يكن رؤية، فإن كان هناك رؤية ولو عن طريق المراصد الفلكية فإنها معتبرة، لعموم قول النبي ﷺ : «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» . أما الحساب فإنه لا يجوز العمل به، ولا الاعتماد عليه. وأما استعمال ما يسمى «بالدربيل» وهو المنظار المقرب في رؤية الهلال فلا بأس به، ولكن ليس بواجب، لأن الظاهر من السنة أن الاعتماد على الرؤية المعتادة لا على غيرها. ولكن لو استعمل فرآه من يوثق به فإنه يعمل بهذه الرؤية، وقد كان الناس قديماً يستعملون ذلك لما كانوا يصعدون المنائر في ليلة الثلاثين من شعبان، أو ليلة الثلاثين من رمضان فيتراءونه بواسطة هذا المنظار، وعلى كل حال متى ثبتت رؤيته بأي وسيلة فإنه يجب العمل بمقتضى هذه الرؤية، لعموم قوله ﷺ : «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه

стр. 7311

فأفطروا» . * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم ترائي الهلال ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ترائي الهلال، هلال رمضان، أو هلال شوال أمر معهود في عهد الصحابة ﵃ لقول ابن عمر ﵄: «تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه» . ولا شك أن هدي الصحابة ﵃ أكمل الهدي وأتمه.

стр. 7312

٤١ سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل ورد عن الرسول ﷺ دعاء خاص يقوله من رأى الهلال؟ وهل يجوز لمن سمع خبر الهلال أن يدعو به ولو لم ير الهلال؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم يقول: الله أكبر، اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحبه وترضاه، ربي وربك الله، هلال خير ورشد، فقد جاء في ذلك حديثان عن رسول الله ﷺ فيهما مقال قليل. وظاهر الحديث أنه لا يدعى بهذا الدعاء إلا حين رؤية الهلال، أما من سمع به ولم يره فإنه لا يشرع له أن يقول ذلك. * * *

стр. 7313

رسالة فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فأسأل الله لكم العون ودوام التوفيق. وأفيد فضيلتكم بأنا من موظفي سفارة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله تعالى في.... ونحن هنا نعاني بخصوص صيام شهر رمضان المبارك وصيام يوم عرفة، وقد انقسم الأخوة هناك إلى ثلاثة أقسام: ١ قسم يقول: نصوم مع المملكة ونفطر مع المملكة. ٢ قسم يقول نصوم مع الدولة التي نحن فيها ونفطر معهم. ٣ قسم يقول: نصوم مع الدولة التي نحن فيها رمضان، أما يوم عرفة فمع المملكة. وعليه آمل من فضيلتكم الإجابة الشافية والمفصلة لصيام شهر رمضان المبارك، ويوم عرفة مع الإشارة إلى أن دولة ... وطوال الخمس سنوات الماضية لم يحدث وأن وافقت المملكة في الصيام لا في شهر رمضان ولا في يوم عرفة، حيث إنه يبدأ صيام شهر رمضان ويوم عرفة هنا في.... بعد إعلانه في المملكة بيوم أو يومين، وأحياناً ثلاثة أيام، حفظكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 7314

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته اختلف العلماء ﵏ فيما إذا رؤي الهلال في مكان من بلاد المسلمين دون غيره، هل يلزم جميع المسلمين العمل به، أم لا يلزم إلا من رأوه ومن وافقهم في المطالع، أو من رأوه، ومن كان معهم تحت ولاية واحدة، على أقوال متعددة، وفيه خلاف آخر. والراجح أنه يرجع إلى أهل المعرفة، فإن اتفقت مطالع الهلال في البلدين صارا كالبلد الواحد، فإذا رؤي في أحدهما ثبت حكمه في الآخر، أما إذا اختلفت المطالع فلكل بلد حكم نفسه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - وهو ظاهر الكتاب والسنة ومقتضى القياس: أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فمفهوم الآية: أن من لم يشهده لم يلزمه الصوم. وأما السنة فقد قال النبي ﷺ : «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» مفهوم الحديث إذا لم نره لم يلزم الصوم ولا الفطر. وأما القياس فلأن الإمساك والإفطار يعتبران في كل بلد وحده وما وافقه في المطالع والمغارب، وهذا محل إجماع، فترى أهل شرق آسيا يمسكون قبل أهل غربها ويفطرون قبلهم، لأن الفجر يطلع على أولئك قبل هؤلاء، وكذلك الشمس تغرب على

стр. 7315

أولئك قبل هؤلاء، وإذا كان قد ثبت هذا في الإمساك والإفطار اليومي فليكن كذلك في الصوم والإفطار الشهري ولا فرق. ولكن إذا كان البلدان تحت حكم واحد وأمر حاكم البلاد بالصوم، أو الفطر وجب امتثال أمره؛ لأن المسألة خلافية، وحكم الحاكم يرفع الخلاف. وبناء على هذا صوموا وأفطروا كما يصوم ويفطر أهل البلد الذي أنتم فيه سواء وافق بلدكم الأصلي أو خالفه، وكذلك يوم عرفة اتبعوا البلد الذي أنتم فيه. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٢٨/٨/١٤٢٠ هـ.

стр. 7316

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظكم الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقد اطلعنا على فتوى سماحتكم في كتاب «فتاوى إسلامية» حول رؤية الهلال في بلد لا تلزم جميع البلاد بأحكامه. فهل ينطبق هذا على رؤية هلال عيد الأضحى (شهر ذي الحجة) أفيدونا مأجورين. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته الهلال تختلف مطالعه بين أرض وأخرى في رمضان وغيره، والحكم واحد في الجميع، لكني أرى أن يتفق الناس على شيء واحد، وأن يتبعوا ما يقوله أمير الجالية الإسلامية في بلاد غير المسلمين؛ لأن الأمر في هذا واسع إن شاءالله، حيث إن بعض العلماء يقول: متى ثبتت رؤية الهلال في بلد الإسلام في أي قطر لزم الحكم جميع المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٥/٢/١٤٢١ هـ.

стр. 7317

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن الهلال وهل يمكن توحيد ه بحيث إذا رؤي في بلد وجب على جميع المسلمين الصوم في هلال رمضان والفطر في هلال شوال؟ فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين: هذه المسألة أعني مسألة الهلال مختلف فيها بين أهل العلم. فمنهم من يرى أنه إذا ثبتت رؤية الهلال في مكان على وجه شرعي، فإنه يلزم جميع المسلمين الصوم إن كان هلال رمضان، والفطر إن كان هلال شوال، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ فعلى هذا إذا رؤي في المملكة العربية السعودية مثلاً وجب على جميع المسلمين في كل الأقطار أن يعملوا بهذه الرؤية صوماً في رمضان وفطراً في شوال، واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ، وعموم قول الرسول ﷺ : «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» قالوا: والخطاب للمسلمين، فيشمل جميع المسلمين في جميع أقطار الأرض. ومن العلماء من يقول: إنه لا يجب الصوم في هلال رمضان ولا الفطر في هلال شوال إلا لمن رأى الهلال، أو كان موافقاً لمن رآه في مطالع الهلال، لأن مطالع الهلال تختلف باتفاق أهل المعرفة بذلك، فإذا اختلفت وجب أن يحكم لكل بلد برؤيته، والبلاد الأخرى إن وافقته في مطالع الهلال فهي تبع له، وإلا فلا،

стр. 7318

وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ واستدل لهذا القول بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وبقول النبي ﷺ : «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» أي بنفس الدليل الذي استدل به من يرى عموم وجوب الصوم على كل أحد إذا ثبتت رؤيته في مكان من بلاد المسلمين، لكن الاستدلال يختلف، فوجه الاستدلال عند شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الآية والحديث: أن الحكم علق بالشاهد والرائي، وهذا يقتضي أن من لم يشهد ولم يرَ لم يلزمه حكم الهلال، وعليه فإذا اختلفت المطالع فإن البلاد المخالفة لبلاد الرؤيا لا يكون قد شوهد فيها الهلال ولا رؤي، وحينئذ لا تثبت أحكام الهلال في حقهم، وهذا ولا شك وجه قوي في الاستدلال، وأقوى من الأول، ويؤيده النظر والقياس، فإنه إذا كان الشارع قد علق الإمساك للصائم بطلوع الفجر والفطر بغروب الشمس، فقال تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فالشارع علق الحكم بتبين طلوع الفجر إمساكاً، وبالليل إفطاراً، والنبي ﵊ قال: «كلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» ، وقال: «إذا أقبل الليل من هاهنا» وأشار إلى

стр. 7319

المشرق «وأدبر النهار من هاهنا» وأشار إلى المغرب «وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» . ومعلوم بإجماع المسلمين أن هذا الحكم ليس عامًّا لجميع البلدان، بل هو خاص في كل بلد يثبت فيه هذا الأمر، ولهذا تجد الناس في الشرق يمسكون قبل الناس في الغرب، ويفطرون قبلهم حسب تبين طلوع الفجر وغروب الشمس، فإذا كان التوقيت اليومي متعلقاً في كل بلد بحسبه، فكذلك التوقيت الشهري يتعلق في كل بلد بحسبه، وبهذا يتبين أن القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هو القول الراجح أثراً ونظراً. وهناك قول ثالث: أن الناس يتبعون إمامهم، فإذا قرر الإمام وهو ذو السلطة العليا في البلد دخول الهلال، وكان ذلك بمقتضى الأدلة الشرعية وجب العمل بمقتضى ذلك صوماً في رمضان وإفطاراً في شوال، وإذا لم يقرر ذلك فإنه لا صوم ولا فطر، واستدل لهذا القول بقول النبي ﷺ : «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس» وهذا هو الذي عليه العمل في وقتنا الحاضر. وعلى هذا فنقول للسائل: الأولى أن لا تظهر مخالفة

стр. 7320

الناس، فإذا كنت ترى أنه يجب العمل بالقول الأول وأنه إذا ثبتت رؤية الهلال في مكان من بلاد المسلمين على وجه شرعي وجب العمل بمقتضى ذلك، وكانت بلادك لم تعمل بهذا، وترى أحد الرأيين الآخرين فإنه لا ينبغي لك أن تظهر المخالفة لما في ذلك من الفتنة والفوضى والأخذ والرد، وبإمكانك أن تصوم سرًّا في هلال رمضان، وأن تفطر سرًّا في هلال شوال، أما المخالفة فهذه لا تنبغي وليست مما يأمر به الإسلام. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هناك من ينادي بربط المطالع كلها بمطالع مكة، حرصاً على وحده الأمة في دخول شهر رمضان المبارك وغيره، فما رأي فضيلتكم؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا من الناحية الفلكية مستحيل، لأن مطالع الهلال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تختلف باتفاق أهل المعرفة بهذا العلم، وإذا كانت تختلف فإن مقتضى الدليل الأثري والنظري أن يجعل لكل بلد حكمه. أما الدليل الأثري فقال الله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ، فإذا قدر أن أناساً في أقصى الأرض ما شهدوا الشهر أي الهلال وأهل مكة شهدوا الهلال فكيف يتوجه الخطاب في هذه الآية إلى من لم يشهدوا الشهر؟! وقال النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» ، متفق عليه، فإذا رآه أهل مكة مثلاً فكيف نلزم أهل باكستان ومن وراءهم من الشرقيين بأن يصوموا،
следующие страницы →