← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: بالنسبة لمن يقوم بعمل غسيل كلى أينقض وضوءه خروج الدم منه أثناء الغسيل؟ وكيف يصوم ويصلي أثناء الغسيل إذا وافق وقت الصلاة؟ فأجاب فضيلته بقوله: أما نقض الوضوء فإنه لا ينقض الوضوء وذلك لأن القول الراجح من أقوال العلماء أن الخارج من البدن لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من السبيلين، فما خرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء، سواء كان بولاً، أم غائطاً، أم ريحاً، كل ما خرج من السبيلين فإنه ناقض للوضوء. وأما ما خرج من غير السبيلين كالرعاف يخرج من الأنف، والدم يخرج من الجرح وما أشبه ذلك فإنه لا ينقض الوضوء لا قليله ولا كثيره، وعلى هذا فغسيل الكلى لا ينقض الوضوء. أما بالنسبة للصلاة فإنه يمكن أن يجمع الرجل المصاب بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وينسق مع الطبيب المباشر في الوقت بحيث يكون الغسيل لا يستوعب أكثر من نصف النهار لئلا تفوته صلاة الظهر والعصر في وقتيهما. فيقول له مثلاً: أخر الغسيل عن الزوال بمقدار ما أصلي به الظهر والعصر، أو قدمه حتى أتمكن من صلاة الظهر والعصر قبل خروج وقت العصر. المهم أنه يجوز له الجمع دون تأخير الصلاة عن وقتها، وعلى هذا فلابد من التنسيق مع الطبيب المباشر. وأما بالنسبة للصيام فأنا في تردد من ذلك، أحياناً أقول: إنه ليس كالحجامة، الحجامة يستخرج منها ولا يعود إلى البدن،

стр. 7387

وهذا مفسد للصوم كما جاء في الحديث، والغسيل يخرج الدم وينظف ويعاد إلى البدن. لكن أخشى أن يكون في هذا الغسيل مواد مغذية تغني عن الأكل والشرب، فإن كان الأمر كذلك فإنها تفطر، وحينئذ إذا كان الإنسان مبتلى بذلك أبد الدهر يكون ممن مرض مرضاً لا يرجى برؤه فيطعم عن كل يوم مسكيناً. وأما إذا كان في وقت دون آخر فيفطر في وقت الغسيل ويقضيه بعد ذلك. وأما إن كان هذا الخلط الذي يخلط مع الدم عند الغسيل لا يغذي البدن، ولكن يصفي الدم وينقيه فهذا لا يفطر الصائم. وحينئذ له أن يستعمله ولو كان صائماً ويرجع في هذا الأمر إلى الأطباء. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: امرأة أصيبت بجلطة قبل رمضان ولم يغم عليها إغماء كاملاً، فكانت تبدأ بالصلاة وأثناء الصلاة تخاطب من حولها، ولما قرب رمضان أغمي عليها إغماء كاملاً، ولكن الأطباء قالوا: إنها تسمع ثم توفيت في رمضان، فهل يكفر عنها؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذه المرأة التي أصيبت بجلطة قبل رمضان وبقيت مغمى عليها أو فاقدة الشعور، يطعم عنها لكل يوم مسكين، لأن الصحيح أن الإغماء لا يمنع وجوب الصوم، وإنما يمنع وجوب الصلاة، فلو أغمي على الإنسان بغير اختياره وبقي يومين أو ثلاثة فلا صلاة عليه، أما إذا كان باختياره كما لو أغمي عليه بواسطة البنج فإنه يلزمه القضاء.

стр. 7388

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: امرأة مصابة بجلطة ومنعها الأطباء من الصيام فما الحكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى" أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ، وإذا كان الإنسان مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً، وكيفية الإطعام: أن يوزع عليهم طعاماً من الرز، ويحسن أن يكون معه ما يؤدمه من اللحم أو غيره، أو يدعو مساكين إلى العشاء، أو إلى الغداء فيعشيهم، أو يغديهم، هذا هو حكم المريض مرضاً لا يُرجى برؤه، وهذه المرأة المصابة بما ذكره السائل من هذا النوع، فيجب عليها أن تطعم عن كل يوم مسكيناً. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: مريض بالسكر لم يستطع الصيام في رمضان ، وبعد انتهاء رمضان تحسن ورأى أن عليه أن يقضي رمضان، جرب يوماً ورأى نفسه متعباً، والمرض هذا قديم، فما حكمه؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا يطعم عن كل يوم مسكيناً، لأن تركه للصيام كان لمرض لا يُرجى زواله. والسكر أعاذنا الله وإياكم منه في الغالب لا يزول، فيطعم عن كل يوم مسكيناً. * * *

стр. 7389

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: لي أم مرضت قبل رمضان بتسعة أيام ، وأخذت من رمضان خمسة أيام ثم توفيت، هل عليها صوم أم لا؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً. فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان مرضها لا يرجى شفاؤه أطعم عنها كل يوم مسكيناً؛ لأن كل إنسان يأتيه رمضان وهو في مرض لا يرجى منه الشفاء، فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: أمي ألمّ بها مرض لمدة أربع سنوات وتوفيت ولم تصم شهر رمضان فما الحكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أطعم عن كل يوم مسكيناً. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: رجل كبير مريض لا يستطيع الصوم فهل يجزىء إخراج النقود عن الإطعام؟ وهل يجزىء عن ذلك أن ندفعها فيما يسمى بتفطير مجاهد؟ فأجاب فضيلته بقوله: يجب علينا أن نعلم قاعدة مهمة، وهي أن ما ذكره الله بلفظ الإطعام أو الطعام وجب أن يكون طعاماً، وقد قال تعالى في الصوم: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ

стр. 7390

فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذالِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُو"اْ أَيْمَانَكُمْ كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذالِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُو"اْ أَيْمَانَكُمْ كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وفي الفطرة فرض النبي ﷺ زكاة الفطر صاعاً من طعام، فما ذكر في النصوص بلفظ الطعام أو الإطعام فإنه لا يجزىء عنه الدراهم، وعلى هذا فالكبير الذي كان فرضه الإطعام بدلاً عن الصوم لا يجزىء أن يخرج بدلاً عنه دراهم، لو أخرج بقدر قيمة الطعام عشر مرات لم يجزئه؛ لأنه عدول عما جاء به النص، كذلك الفطرة لو أخرج قدر قيمتها عشر مرات لم يجزىء عن صاع من الحنطة؛ لأن القيمة غير منصوص عليها. وقد قال النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» . وعلى هذا فنقول للأخ الذي لا يستطيع الصوم لكبره: أطعم عن كل يوم مسكيناً، ولك في الإطعام صفتان: الصفة الأولى: أن توزع عليهم في بيوتهم تعطي كل واحد خمس الصاع المعروف من الرز وتجعل معه ما يؤدمه. الصفة الثانية: أن تصنع طعاماً وتدعو إليه عدد المساكين الذين يجب أن تطعمهم، يعني يمكن إذا مضى عشرة أيام تصنع عشاء وتدعو عشرة من الفقراء يأكلون، وكذلك في العشر الثانية، والعشر الثالثة، كما كان أنس بن مالك ﵁ حين كبر وصار لا يستطيع الصوم يطعم ثلاثين فقيراً في آخر يوم من رمضان.

стр. 7391

وأما صرفها لما يسمى بتفطير مجاهد، فالمجاهد ليس عندنا حتى نفطره، وإذا دفعنا ما يفطره اليوم فمتى يصل إليه؟ ربما يصل بعد يومين أو ثلاثة، أو ربما لا يصل إلا بعد العيد حسب المواصلات وحسب تسهيل الوصول، لكن شيئاً طلب منك اجعله في بلدك حتى تكون مطمئناً على وصوله في وقته، ومثل ذلك أيضاً زكاة الفطر لا تخرجها إلا في بلدك مهما كان الأمر، حتى إن العلماء قالوا: يحرم على الإنسان أن يخرج فطرته في غير بلده، فإن كان ليس في بلده فقراء أخرجها في أقرب البلاد إليه من البلاد التي فيها الفقراء. وزكاة الفطر والأضاحي مطلوبة من الشخص تتعلق ببدنه، ولهذا قال العلماء: لو كان الإنسان في بلد وماله في بلد أخرج فطرته في البلد الذي هو فيه، وأخرج زكاة المال في البلد الذي فيه المال، وكوننا نجعل حتى الفطرة والأضحية تذهب إلى المكان الفلاني والناس الفلانيين هذا خطأ؛ لأن هذه عبادات مقصودة منا، والأضحية إذا دفعناها إلى مكان ما بقيت بيوتنا ليس فيها أضحية، فلا نقيم فيها شعائر الإسلام والأضحية من الشعائر، ولهذا قال العلماء: لو تصدق بقيمة الأضحية ألف مرة ما أجزأت عن الأضحية لأن الله يقول: ﴿لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَاكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَالِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ وأنا أرى أن مساعدة المجاهدين ينبغي أن يحث الناس على التبرع حتى يجعلوا من أموالهم نصيباً للجهاد في سبيل الله، أما أن تجعل الزكوات الواجبة التي هي خارجة على كل حال ومفروضة تجعل في الجهاد ولا تبذل أموال خاصة للجهاد، معنى ذلك أننا دفعنا نصيب الجهاد مما أوجب الله علينا من الزكاة، فكأننا لم نشارك في

стр. 7392

الجهاد بالتطوع للجهاد، لأن الزكاة مطلوبة منا فرض، وفتح هذا الباب للناس أن يجعلوا زكاة أموالهم وزكاة أبدانهم تصرف في الجهاد يجب أن يتأمل الإنسان فيه حتى لا نفتح للناس وقاية أموالهم بزكوات أموالهم، نقول: اجعل في مالك للجهاد حتى تكون مجاهداً، أما أن تجعل زكاتك في الجهاد وتدع بقية أصناف الزكاة ففيه شيء. صحيح أن المجاهدين لهم حق في الزكاة لكن غير المجاهدين سبعة أصناف لهم حق في الزكاة أيضاً، فاجعل التبرع للجهاد من مالك، واجعل من زكاتك للجهاد، واجعل لبقية الأصناف نصيبهم. على كل حال الذي أريد أن أقوله في مسألة زكاة الفطر لا يجوز أن تخرج في غير بلد الإنسان، والأضحية لا يجوز أن تصرف إلا في بلد الإنسان، الأضحية شعيرة من شعائر الإسلام، جعلها الله تعالى للمقيمين في أوطانهم، كما جعل للحجاج هدايا في مكة والله حكيم، أما أن نصرفها دراهم للمكان الفلاني والمكان الفلاني، وتبقى بيوتنا معطلة من الأضاحي، أو من العقيقة بالنسبة للأولاد فلا، افتح للمسلمين التبرع للجهاد بأموالهم؛ لأن الجهاد بالمال عديل الجهاد بالنفس، دائماً يقرن في القرآن بين الجهاد بالمال والجهاد بالنفس، ويقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في الأغلب، أما أن نجعل زكواتنا والأشياء التي أوجب الله علينا في الجهاد، ونبقي دراهمنا محفوظة لا نشارك بالجهاد هذا فيه شيء من النظر، وأنا لست أقول: لا نتبرع، بل ينبغي أن نتبرع للمجاهدين في كل مكان؛ لأنهم إخوتنا، وعلينا نصرتهم، لكن كوننا نجعل واجباتنا التي

стр. 7393

أوجب الله علينا في أموالنا، أو أوجبها الله شعيرة من شعائر الإسلام تكون في بيوتنا نصرفها يميناً وشمالاً هذا فيه نظر، والله أعلم. سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: يقول: أمي تناولت دواءها بعد أذان الفجر في رمضان بوقت قصير وأنا قد نبهتها على أنها إذا شربت دواءها في هذا الوقت يكون عليها يوم؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا شرب المريض الدواء في رمضان بعد طلوع الفجر فإن صيامه هذا غير صحيح؛ لأنه تعمد الإفطار ويلزمه الإمساك بقية اليوم، إلا إذا شق عليه الإمساك من أجل المرض فله أن يفطر من أجل المرض، ويلزمه القضاء؛ لأنه تعمد الفطر. ولا يحل للمريض أن يتناول دواء وهو صائم في رمضان إلا عند الضرورة، مثل أن نخاف عليه من الموت فنعطيه حبوباً تخفف عنه، فإنه في هذا الحال يكون مفطراً ولا حرج عليه في الفطر مع المرض. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: امرأة في الخمسين من عمرها ومريضة بالسكر، والصيام يسبب لها مشقة كبيرة، ولكنها تصوم رمضان وكانت لا تعرف أن أيام

стр. 7394

الحيض في رمضان لها قضاء إلا من فترة، وتراكم عليها حوالي مائتي يوم، فما حكم هذه الأيام خصوصاً مع حالتها في حالة مرضها، هل عفا الله عما سلف أم تصوم أم تطعم؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذه المرأة إذا كانت على ما وصف السائل تتضرر من الصوم لكبرها ومرضها فإنه يطعم عنها عن كل يوم مسكين، فتحصي الأيام الماضية، وتطعم عنها عن كل يوم مسكيناً، وكذلك صيام رمضان الحاضر، إذا كان يشق عليها ولا يرجى زوال المانع، فإنها تطعم عن كل يوم مسكيناً كما ذكرنا ذلك سابقاً. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: المريض مرضاً مستمرًّا ماذا يفعل ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان المريض بمرض يرجى برؤه فإنه يقضي ما فاته أثناء مرضه، وأما إذا كان مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً، ربع صاع من البر، أو نصف صاع من غيره، أما إذا قال له الطبيب: إن صومك يضرك في أيام الصيف. فنقول له: يصوم ذلك في أيام الشتاء، وهذا تختلف حاله عن الذي يضره الصوم دائماً، والله أعلم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: من فاتها الصيام بسبب المرض ماذا تفعل ؟

стр. 7395

فأجاب فضيلته بقوله: إذا عافاها الله تعالى فإنها تقضي ما عليها من الأيام، فإن استمر بها المرض وأيس من شفائها، فإنها تنتقل إلى الإطعام، فتطعم عن كل يوم مسكيناً. والله الموافق. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: في شهر رمضان الفائت وبالتحديد في يوم ٢١ رمضان أفطر والدي وهو مريض، وتوفي في المستشفى في اليوم التاسع من شوال فما الحكم؟ جزاكم الله خيراً. فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان مرضاً لا يرجى برؤه فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً، وإن كان مرضاً يرجى برؤه ولكن بعد خروج رمضان تفاقم به المرض كما توضح رسالتك حتى توفي، فلا شيء عليه، لأن الواجب عليه القضاء، لكنه لم يتمكن منه. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: زوجتي فاتها من صيام رمضان العام الماضي ١٤١١ هـ اثنان وعشرون يوماً بسبب مرض وضعف في الجسم، حيث عرضت على الدكتور فأنذرها بعدم إكمال أيام رمضان، وقال: إنها لن تستطيع؛ لأن ذلك يضرها فتوقفت عن إكمال هذه الفترة، وإلى تاريخه لم تقدر على الصيام، أفيدونا هل بإمكانها صوم هذه الأيام متفرقات أو مجتمعات قبيل رمضان الا"تي،

стр. 7396

أو بإمكانها أن تطعم بدلاً عن الصيام؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان عجزها لا يُرجى زواله فإن من الواجب عليها أن تطعم عن كل يوم مسكيناً؛ لأنها بمنزلة الشيخ الكبير والمرأة الكبير اللذين لا يستطيعان الصيام، فإنهما يطعمان عن كل يوم مسكيناً، أما إذا كان بإمكانها أن تقضي ما عليها ولو يوماً بعد يوم، أو يوماً بعد يومين، فالواجب عليها القضاء، وهي تعرف نفسها: هل تقدر أو لا تقدر؟ وهل يأذن لها الأطباء في الصوم أو لا يأذنون لها؟ * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل على المريض الذي لا يرجى برؤه صيام أم فدية ؟ وإن كان فدية فهل يجوز إخراجها مقدماً؟ وهل تدفع لشخص واحد أم لعدة أشخاص؟ وإن حدث أن برىء من المرض فهل يجب عليه القضاء أم يسقط عنه القضاء؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا برىء من المرض لا يلزمه الصيام؛ لأنه أدى ما يجب عليه وبرئت ذمته، وقد سبقت الإجابة على باقي نقاط السؤال. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: شخص له والدة طاعنة في السن وهي تصر على الصوم، مع أن ذلك يضر بصحتها، فهل هناك كفارة من عدم صومها؟ وما هي؟

стр. 7397

فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، جوابنا على ذلك: إذا كان الصوم يضر بصحتها كما ذكر السائل فإنه لا يجوز لها أن تصوم؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن: ﴿وَلاَ تَقْتُلُو"اْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ فلا يجوز لها أن تصوم، والصوم يضر بصحتها، ومادامت طاعنة في السن فإن الغالب أنها لا تقدر على الصوم في المستقبل، وحينئذ تطعم عن كل يوم مسكين، فإما أن يعطى الطعام إلى المسكين ومقداره ربع صاع من البر، أو نصف صاع من غيره، والرز مثل البر؛ لأن انتفاع الناس به كانتفاعهم بالبر، بل أنفع، إذ أنه لا يحتاج إلى المشقة كما يحتاج إليها البر، وإما أن يصنع طعاماً ويدعو إليه مساكين بعدد أيام الشهر، وبذلك تبرأ الذمة، والله أعلم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: مريض بالكلى ولا يستطيع الصوم ، لأن الطبيب نصحه باستعمال السوائل دائماً، وقال له: إن الصوم يضاعف من الحصوات، ويؤدي إلى إتلاف الكلية فما حكم هذا؟ فأجاب فضيلته بقوله: جوابنا على ذلك أن نقول: إن هذا يعتبر من المرضى، ويعتبر مرضه فيما يبدو من الأمراض المستمرة، فعليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، كما تقدم، وكيفية الإطعام إما أن يصنع طعاماً فيدعوهم إليه حتى يأكلوا منه، وإما أن

стр. 7398

يفرق أرزاً لكل مسكين أو من البر، وإذا حصل مع ذلك أن يجعل شيئاً يؤدمه من لحم أو غيره أحسن وأفضل. أما إذا قال الطبيب: إن هذا المرض يضرك الصيام فيه في أيام الصيف، ولكنه لا يضر في أيام الشتاء. فإنه يؤجل الصوم إلى أيام الشتاء ولا يطعم، لأن هذا تختلف حالته عن الذي يضره الصوم، والله أعلم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: يوجد في المستشفى مريض له ستة أشهر ولم يصل ، حيث لا يستطيع، وكذلك الصيام، ما هو العمل لأداء الصلاة والصوم عنه؟ فأجاب فضيلته بقوله: أما الصلاة فلا أظن أن أحداً لا يستطيع أداءها، لأن الصلاة يجب أن يصليها الإنسان قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب (يومىء برأسه) فإن لم يستطع (أومأ بعينه) فإن لم يستطع الإيمان بالعين صلى بقلبه، يعني كبّر وقرأ الفاتحة بعد الاستفتاح، ثم كبر ونوى أنه ركع، وقال: سبحان ربي العظيم، ثم قال: سمع الله لمن حمده، وهكذا. فإن كان ليس له وعي فإن الصلاة في هذه الحال تسقط عنه، أما الصوم فإنه إذا استطاع الصيام صام، وإن لم يستطع فإنه ينظر إذا كان مرضه يرجى برؤه انتظر حتى يشفى فيصوم، وإذا لا يرجى برؤه فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكيناً.

стр. 7399

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: مريض لا يرجى برؤه ولا يستطيع الصيام فيكف يخرج الكفارة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الكفارة إما أن يغدي المساكين أو يعشيهم، كما فعل أنس بن مالك ﵁ وإما أن يطعمهم حبًّا كل صاع لخمسة مساكين عن خمسة أيام، فتكون الأصواع للشهر كله ستة أصواع إذا كان ثلاثين أو ستًّا إلا خُمس إذا كان الشهر تسعاً وعشرين، وينبغي مع ذلك أن يجعل مع الحب ما يؤدمه من لحم أو دهن أو نحوهما. والله أعلم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هناك رجل مريض بمرض القلب ، ولا يعمل عنده إلا جزء بسيط يحتاج إلى الدواء باستمرار، يعني تقريباً كل ثمان ساعات أو ست ساعات فهل يسقط عنه الصوم؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم. يسقط عنه الصوم، ويطعم عن كل يوم مسكيناً، إن شاء أعطى المساكين كل مسكين ربع صاع من الأرز، وإن جعل معه لحماً فهو أحسن، وإن شاء عشَّاهم في آخر ليلة من رمضان، أو غداهم في يوم آخر في الفطر، كل ذلك جائز. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا برىء شخص من مرض سبق أن قرر الأطباء استحالة شفائه منه،

стр. 7400

وكان ذلك بعد مضي أيام من رمضان فهل يطالب بقضاء الأيام السابقة؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا أفطر شخص رمضان أو من رمضان لمرض لا يرجى زواله: إما بحسب العادة، وإما بتقرير الأطباء الموثوق بهم، فإن الواجب عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، فإذا فعل ذلك وقدر الله له الشفاء فيما بعد، فإنه لا يلزمه أن يصوم عما أطعم عنه، لأن ذمته برئت بما أتى به من الإطعام بدلاً عن الصوم. وإذا كانت ذمته قد برئت فلا واجب يلحقه بعد براءة ذمته، ونظير هذا ما ذكره الفقهاء ﵏ في الرجل الذي يعجز عن أداء فريضة الحج عجزاً لا يرجى زواله، فيقيم من يحج عنه ثم يبرأ بعد ذلك، فإنه لا تلزمه الفريضة مرة ثانية. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: شخص والدته محبة للخير ، ولذا تشق على نفسها بكثرة الطاعات من صيام وقيام مما يسبب لها التعب والمرض، وقد نصحها الأطباء فلم تستجب؟ ولذا فإنه لا يوصلها إلى الحرم إذا طلبت كنوع من الاحتجاج على فعلها، ومع ذلك فهي تلجأ إلى السائق ليقوم بتوصيلها فما رأيكم في تصرفها وفي تصرفه معها؟

стр. 7401

فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال يتضمن خلاصته أن لديهم أمًّا حريصة على فعل الخير، لكنها تشق على نفسها في ذلك خلاف المشروع، فإنه ليس من المشروع، بل ولا من المطلوب من المرء أن يتعبد لله تعالى بعبادات تشق عليه، لقول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وقد قال النبي ﷺ إنه يقوم الليل ولا ينام، ويصوم النهار ولا يفطر، قال له النبي ﷺ : «إن لربك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه» رواه مسلم. فالإنسان نفسه عنده أمانة، يجب عليه أن يرعاها حق رعايتها، وقال النبي ﷺ : «اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا» . وإذا كان الإنسان في الشيء الواجب يقول الرسول ﷺ لعمران بن حصين ﵁: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» . رواه البخاري. ولما رفع الصحابة ﵃ أصواتهم بالذكر قال لهم رسول الله ﷺ : «

стр. 7402

اربعوا على أنفسكم» رواه البخاري. لا تكلفوها امشوا بطمأنينة كما يمشي الناس في الربيع، والناس في الربيع يمشون بطمأنينة لا يستعجلون في المشي حتى ترتع الإبل ولا تتكلف المشي. فنقول لهذه المرأة نسأل الله تعالى أن يزيدها من فضله رغبة في طاعته نقول لها: ينبغي لها أن تتمشى في طاعة الله على ما جاء في شريعة الله ، وألا تكلف نفسها، وأن تتقي الله في نفسها، وأن لا تشق على نفسها لا بالصيام ولا بالقيام ولا بغيره. وأما ركوبها مع السائق وحدها فهذا محرم، لأنه لا يجوز للمرأة أن تخلو برجل غير محرم لها في السيارة، لقول النبي ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة» وهذا النهي عام، أما السفر فلا تسافر المرأة بلا محرم، ولو كان معها غيرها. فهنا أمران: خلوة وهي حرام في الحضر والسفر، وسفر وهو حرام إلا بمحرم. والحاصل أن ما يفعله بعض الناس من ركوب المرأة وحدها مع السائق حرام ولا يحل، فلا يحل للمرأة أن تركب وحدها مع

стр. 7403

السائق، لأنها في خلوة مع الرجل. يقول بعض الناس: إن هذا ليس بخلوة، لأنها تمشي في السوق!! فيقال: بل هو خلوة، بل وأعظم، لأن السيارات الآن تغلق زجاجها، فلو تكلم معها الرجل بكل كلام لم يسمعه أحد، ولأنه في الواقع خال بها في غرفة، لأن السيارة بمنزلة الغرفة، ولأننا نسأل كثيراً عن مثل هذه المسائل ويحدث فيها حوادث كثيرة جداً وخطيرة، ولا أحب أن أذكرها في هذا المقام، لأنها دنيئة جداً، فالمهم أنه لا يستريب عاقل بأن ركوب المرأة مع السائق وحدها حرام لدخوله في الخلوة، ولأنه يفضي إلى مفاسد وفتن كبيرة، وهذه المرأة الآن مسكينة تذهب مع السائق وحدها إلى الحرم يخلو بها، فتقع فيما حرم الله لإدراك أمر ليس بواجب عليها. أما بالنسبة لامتناع الابن عن إيصالها إلى المسجد الحرام فإن هذا إذا كان قصده لعلها تمتنع فهذا طيب، لكن المشكلة أنها مصرة على الذهاب، فأرى أن لا يمتنع مادامت إذا لم يذهب بها طلبت من السائق أن يذهب معها وهو غير محرم، فالذي أرى ألا يمتنع إذا كانت مصممة على الذهاب. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: امرأة ظاهر منها زوجها وطلبت منه صيام شهرين متتابعين فأنكر هذا الظهار، فأطعمت ستين مسكيناً، ولكن بعد أن مسها فما الحكم؟ فأجاب فضيلته بقوله: دعوى الزوجة أن زوجها أنه ظاهر

стр. 7404

منها غير مقبولة، لأننا لو قبلنا دعواها لقبلناها بدون بينة، ولو قبلنا دعوى الزوجة بأن زوجها ظاهر منها، لكانت كل امرأة لا تريد زوجها أن يقربها تدعي أنه ظاهر منها، ليمتنع منها قبل الكفارة، ولكن إذا علمت هي علم اليقين أنه ظاهر، فإنها تمتنع منه بقدر الإمكان، حتى يفعل ما أمره الله به من الكفارة. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن رجل يقول: إني مصاب بمرض الصرع ولم أتمكن من صوم شهر رمضان المبارك، وذلك لاستمراري على العلاج ثلاثة أوقات يومياً، وقد جربت صيام يومين ولم أتمكن، علماً أنني متقاعد، وتقاعدي يصل إلى ثلاثة وثمانين ديناراً شهريًّا، وصاحب زوجة وليس لي أي وارد غير تقاعدي، فما حكم الشرع في حالتي إذا لم أتمكن من إطعام ثلاثين مسكيناً خلال شهر رمضان؟ وما هو المبلغ الذي أدفعه؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا المرض الذي ألمّ بك يرجى زواله في يوم من الأيام فإن الواجب عليك أن تنتظر حتى يزول هذا المرض ثم تصوم، لقول الله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ، أما إذا كان هذا المرض مستمرًّا لا يرجى زواله فإن الواجب عليك أن تطعم عن كل يوم مسكيناً، ويجوز أن تصنع طعاماً غداء أو عشاء وتدعو إليه مساكين بعدد أيام الشهر، وتبرأ ذمتك بذلك، ولا أظن أحداً يعجز

стр. 7405

عن هذا إن شاءالله تعالى، ولا حرج عليك إذا كنت لا تستطيع أن تطعم هؤلاء المساكين في شهر واحد أن تطعم بعضهم في شهر، وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهر، حسبما تقدر عليه. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما هو السفر المبيح للفطر ؟ فأجاب فضيلته بقوله: السفر المبيح للفطر وقصر الصلاة هو (٣٨) كيلو ونصف تقريباً، ومن العلماء من لم يحدد مسافة للسفر، بل كل ما هو في عرف الناس سفر فهو سفر، ورسول الله ﷺ كان إذا سافر ثلاثة فراسخ قصر الصلاة، والسفر المحرم ليس مبيحاً للقصر والفطر، لأن سفر المعصية لا تناسبه الرخصة، وبعض أهل العلم لا يفرق بين سفر المعصية وسفر الطاعة لعموم الأدلة، والعلم عند الله. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل للفطر في السفر أيام معدودة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ليس له أيام معدودة؛ لأن الرسول ﵊ لما فتح مكة دخلها في رمضان في العشرين منه ولم يصم بقية الشهر، كما صح ذلك في حديث ابن عباس

стр. 7406

رضي الله عنهما فيما أخرجه البخاري، وبقي بعد ذلك تسعة أيام أو عشرة، فبقي ﵊ في مكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة وأفطر في رمضان. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم السفر في رمضان من أجل الفطر ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الصيام في الأصل واجب على الإنسان، بل هو فرض وركن من أركان الإسلام كما هو معلوم، والشيء الواجب في الشرع لا يجوز للإنسان أن يفعل حيلة ليسقطه عن نفسه، فمن سافر من أجل أن يفطر كان السفر حراماً عليه، وكان الفطر كذلك حراماً عليه، فيجب عليه أن يتوب إلى الله ، وأن يرجع عن سفره ويصوم، فإن لم يرجع وجب عليه أن يصوم ولو كان مسافراً، وخلاصة الجواب: أنه لا يجوز للإنسان أن يتحيل على الإفطار في رمضان بالسفر؛ لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يسقطه كما أن التحيل على المحرم لا يجعله مباحاً. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن رجل نوى السفر فأفطر في بيته، لجهله، ثم انطلق هل عليه الكفارة قياساً على الجماع في التعمد كقول المالكية ؟

стр. 7407

فأجاب فضيلته بقوله: حرام عليه أن يفطر وهو في بيته، ولكن لو أفطر قبل مغادرته بيته فعليه القضاء فقط، وليس عليه الكفارة قياساً على الجماع، لأن الجماع يفارق غيره من المحظورات، ولهذا يفسد النسك في الحج والعمرة، ولا يفسده غيره من المحظورات، فالجماع له شأن أعظم، ولا يقاس الأدنى على الأعلى، ومن قال من العلماء: إن من أفطر بأكل أو شرب أو جماع فعليه الكفارة. فقوله ليس بصواب، لأن الكفارة ليست إلا في الجماع. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا كنت مسافراً ومكثت ثلاثة أيام هل يحق لي أن أفطر في السفر ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كنت مسافراً يحق لك أن تفطر في أثناء الطريق، وفي البلد التي مكثت فيها، مثل لو ذهبت إلى مكة للعمرة خمسة أيام أو ستة أيام، افطر في مكة، لأن النبي ﷺ فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، في ثمانية عشر أو عشرين من شهر رمضان، وبقي مفطراً بقية الشهر ولم يصم، بل كان يأكل ويشرب ويقصر الصلاة، فلك أن تفطر في مكة أثناء سفرك حتى ولو لم يكن في الصوم مشقة، لكن الأفضل أن تصوم إذا لم يشق. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم صيام المسافر إذا شق عليه ؟

стр. 7408

فأجاب فضيلته بقوله: إذا شق عليه الصوم مشقة محتملة فهو مكروه، لأن النبي ﷺ رأى رجلاً قد ظُلل عليه والناس حوله زحام، فقال: «ما هذا؟» قالوا: صائم. قال: «ليس من البر الصيام في السفر» وأما إذا شق عليه مشقة شديدة فإن الواجب عليه الفطر، لأن الرسول ﷺ لما شكى إليه الناس أنهم قد شق عليهم الصيام أفطر، ثم قيل له: إن بعض الناس قد صام فقال: «أولئك العصاة. أولئك العصاة» وأما من لا يشق عليه الصوم فالأفضل أن يصوم اقتداءً بالنبي ﷺ ، حيث كان كما قال أبو الدرداء ﵁: كنا مع رسول الله ﷺ في رمضان في يوم شديد الحر وما منا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم صوم المسافر مع أن الصوم لا يشق على الصائم في الوقت الحاضر لتوفر وسائل المواصلات الحديثة؟ فأجاب فضيلته بقوله: المسافر له أن يصوم وله أن يفطر، لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وكان الصحابة ﵃ يسافرون مع النبي ﷺ ، فمنهم الصائم ومنهم المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، وكان النبي ﷺ يصوم في السفر، قال أبو

стр. 7409

الدرداء ﵁: «سافرنا مع النبي ﷺ في حر شديد وما منا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة» ، والقاعدة في المسافر أنه يخيز بين الصيام والإفطار، ولكن إن كان الصوم لا يشق عليه فهو أفضل؛ لأن فيه ثلاث فوائد: الأولى: الاقتداء برسول الله ﷺ . الثانية: سهولة الصوم على الإنسان؛ لأن الإنسان إذا صام مع الناس كان أسهل عليه. الثالثة: سرعة إبراء ذمته، هذا إذا كان الصوم لا يشق عليه. فإن كان يشق عليه فإنه لا يصوم، وليس من البر الصيام في السفر في مثل هذه الحال، لأن الرسول ﵊ رأى رجلاً قد ظلل عليه وحوله زحام فقال: «ما هذا؟» قالوا: صائم، فقال: «ليس من البر الصيام في السفر» فينزل هذا العموم على من كان في مثل حال هذا الرجل يشق عليه الصوم، وعلى هذا نقول: السفر في الوقت الحاضر سهل كما قال السائل: لا يشق الصوم فيه غالباً فإذا كان لا يشق الصوم فيه فإن الأفضل أن يصوم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما رأيكم في هذا القول: «المسافر إذا أكمل صومه له أجران» ؟ فأجاب فضيلته بقوله: رأيي في هذا أنه لا دليل عليه، بل

стр. 7410

المسافر إذا كان يشق عليه الصوم فهو منهي عن ذلك، وقد رأى النبي ﷺ رجلاً قد ظلل عليه وحوله زحام فقال: «ما هذا؟» قالوا: صائم. قال: «ليس من البر الصيام في السفر» . * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل الصيام أفضل للمسافر أم الإفطار ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل فعل ما تيسر له: إن كان الأيسر له الصيام فالأفضل الصيام، وإن كان الأيسر له الإفطار فالأفضل الإفطار، وإذا تساوى الأمران فالأفضل الصيام؛ لأن هذا فعل النبي ﷺ وسنته، وهو أسرع في إبراء الذمة، وهذا أهون على الإنسان، فإن القضاء يكون ثقيلاً على النفس، وربما نرجحه أيضاً، لأنه يصادف الشهر الذي هو شهر الصيام، إذاً فله ثلاثة أحوال: ١ أن يكون الإفطار أسهل له، فليفطر. ٢ الصيام أسهل، فليصم. ٣ إذا تساوى الأمران، فالأفضل أن يصوم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم صيام من قدم للعمرة في رمضان ؟ فأجاب فضيلته بقوله: حكم صيامه أنه لا بأس به، وقد سبق لنا قبل قليل: أن المسافر إذا لم يشق عليه الصوم فالأفضل أن

стр. 7411

يصوم، وإن أفطر فلا حرج عليه، وإذا كان هذا المعتمر يقول: إن بقيت صائماً شق عليَّ أداء نسك العمرة فأنا بين أمرين: إما أن أؤخر أداء أعمال العمرة إلى ما بعد غروب الشمس وأبقى صائماً حين وصولي إلى مكة، وإما أن أفطر وأبادر بالعمرة. فنقول له: الأفضل أن تفطر وأن تؤدي أعمال العمرة حين وصولك إلى مكة، لأن هذا أعني أداء العمرة من حين الوصول إلى مكة هذا هو فعل رسول الله ﷺ ، ولأن مقصود المعتمر هو العمرة، وليس مقصوده الأهم أن يصوم في مكة. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: المسافر إذا وصل مكة صائماً فهل يفطر ليتقوى على أداء العمرة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح في اليوم العشرين من رمضان، وكان ﷺ مفطراً، وكان يصلي ركعتين في أهل مكة، ويقول لهم: «يا أهل مكة أتموا فإنا قوم سفر» ، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير رحمهما الله أن النبي ﷺ كان مفطراً في ذلك العام، أي أنه أفطر عشرة أيام في مكة في غزوة الفتح، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: «لم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر» كما أنه بلا شك كان يصلي ركعتين في هذه المدة؛ لأنه كان مسافراً، فلا ينقطع سفر المعتمر بوصوله إلى مكة، فلا يلزمه الإمساك إذا قدم

стр. 7412

مفطراً، بل قد نقول له: الأفضل إذا كان ذلك أقوى على أداء العمرة أن لا تصوم، مادمت إذا أديت العمرة تعبت، وقد يكون بعض الناس مستمرًّا على صيامه حتى في السفر، نظراً لأن الصيام في السفر في الوقت الحاضر ليس به مشقة، فيستمر في سفره صائماً، ثم يقدم مكة ويكون متعباً، فيقول في نفسه: هل أستمر على صيام، أو أؤجل أداء العمرة إلى ما بعد الفطر؟ أي إلى الليل، أو الأفضل أن أفطر لأجل أن أؤدي العمرة فور وصولي إلى مكة؟ نقول له في هذه الحال: الأفضل أن تفطر حتى لو كنت صائماً فأفطر لأجل أن تؤدي العمرة فور وصولك؛ لأن النبي ﷺ كان إذا دخل مكة وهو في النسك بادر إلى المسجد، حتى كان ينيخ راحلته ﷺ عند المسجد، ويدخله حتى يؤدي النسك الذي كان متلبساً به ﷺ ، فكونك تفطر لتؤدي العمرة بنشاط في النهار أفضل من كونك تبقى صائماً، ثم إذا أفطرت في الليل قضيت عمرتك، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان صائماً في سفره لغزوة الفتح، فجاء إليه أناس فقالوا: يا رسول الله إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ماذا تفعل؟ وكان هذا بعد العصر، فدعا النبي ﷺ بماء فشرب، والناس ينظرون، فأفطر ﷺ في أثناء السفر، بل أفطر في آخر اليوم، كل هذا من أجل أن لا يشق الإنسان على نفسه بالصيام، وتكلف بعض الناس في الصوم في السفر مع المشقة لا شك أنه خلاف السنة، وإنه ينطبق عليهم قول النبي ﷺ «ليس من البر الصيام في السفر» .

стр. 7413

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: يوجد شخص الآن يفطر فما قولكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: وجود شخص يفطر في مكة في مثل هذا اليوم ليس بغريب؛ لأن مكة فيها الا"فاقي، وفيها المواطن الذي من أهل مكة، والا"فاقي يجوز له إذا كان قد أتى إلى العمرة وسيرجع إلى بلده يجوز له أن يفطر، فهذا النبي ﷺ أعلم الناس بالله وأخشاهم له فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة في اليوم العشرين من رمضان فصادف بقاؤه في مكة العشر الأواخر من رمضان ولم يصم، ثبت ذلك عنه في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄، وهو قد بقي في مكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، عشرة منها في رمضان وتسعة في شوال، فهذا الرجل الذي يفطر الآن ليس بغريب، وهذه المسألة مسألة يجهلها الناس، يظن الناس أن من قدم إلى مكة لزمه الإمساك، وأنه لا يجوز أن يفطر. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا كنت مسافراً في رمضان وكنت مفطراً في سفري وعند وصولي إلى البلد الذي سأمكث فيه عدة أيام أمسكت بالصيام في بقية ذلك اليوم، وفي الأيام التالية فهل لي رخصة في الإفطار في نهار هذه الأيام وأنا في بلد ليس في بلدي

стр. 7414

الأصلي أم لا؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز للمسافر إذا صام في سفره أن يفطر في أثناء النهار، ولا حرج عليه، كما أفطر النبي ﷺ في حال السفر. * * * ٥٠١ سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: كيف يصوم من سفره مستمر مثل أصحاب الشاحنات؟ فأجاب فضيلته بقوله: إن الله تعالى قد بين حكم هذه المسألة في قوله: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فسائق الشاحنة مادام مسافراً فله أن يترخص بجميع رخص السفر من القصر والجمع، والفطر في رمضان، والمسح على الخفين ثلاثة أيام وغيرها مما هو معروف في أحكام السفر. وعلى هذا فنقول: يجوز له أن يفطر في هذه الحال ولو كان دائماً يسافر في هذه السيارة؛ لأنه مادام له مكان يأوي إليه وأهل يأوي إليهم، فهو إذا فارق هذا المكان وأولئك الأهل فهو مسافر، وعلى هذا فيجوز له أن يفعل ما يفعله المسافرون، فإن الله تعالى قد أطلق في الآية فقال: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ولم يقيده بشيء، فما أطلقه الله تعالى ورسوله ﷺ فإنه يجب العمل بمطلقه. فإذا قال: كيف أصنع وأنا دائماً في هذه المهنة أسافر دائماً صيفاً وشتاءً؟ فنقول له: إذا كنت في أهلك في رمضان يجب عليك أن تصوم، وإذا كنت في غير أهلك فأنت مسافر، ولا يجب عليك أن

стр. 7415

تصوم، ثم إنه من الممكن أن نقول بأن لك فائدة عظيمة، وهي أنك بدلاً من أن تصوم في هذا الحر الشديد تصوم في أيام الشتاء القصيرة المدة الباردة الجو، وذلك أسهل لك من الصيام في السفر في مثل هذه الأيام الطويلة الشديدة الحر، والله أعلم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل ينطبق حكم المسافر على سائقي السيارات والحافلات لعملهم المتواصل في نهار رمضان؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم ينطبق حكم السفر عليهم، فلهم القصر والجمع والفطر. فإذا قال قائل: متى يصومون وعملهم متواصل؟ قلنا: يصومون في أيام الشتاء لأنها أيام قصيرة وباردة. أما السائقون داخل المدن فليس لهم حكم المسافر ويجب عليهم الصوم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: كم مدة المسح للمسافر العاصي ؟ وهل يجوز له الفطر والقصر؟ فأجاب فضيلته بقوله: المشهور من المذهب أن المسافر العاصي بسفره وهو الذي أنشأ السفر من أجل المعصية، أو كان السفر حراماً عليه فعصى وسافر، أنه لا يترخص برخص السفر حتى يتوب، فلا يجوز له القصر، ولا الفطر، ولا يمسح على الخفين إلا يوماً وليلة فقط.

стр. 7416

والقول الثاني: أن المسافر العاصي بسفره آثم، عليه أن يتوب من ذلك، ولكنه يترخص برخص السفر فيقصر ويفطر ويمسح ثلاثة أيام؛ لأن هذه الأحكام معلقة بالسفر وقد حصل، أما المعصية فعليه أن يتوب منها، وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن العاصي بسفره يقصر، وربما يقاس على كلامه بقية رخص السفر. * * *

стр. 7417

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرمحفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتابكم الكريم وصل سرنا صحتكم الحمد لله على ذلك، وفهمت ما فيه من مشكلة الأخ ... وجوابها: أنه ليس في مسألته إشكال، فالرجل وأهله في أمريكا على سفر لم يقيما في أمريكا إلا لحاجة متى انتهت رجعوا من أمريكا وقد قال الله تعالى في الصيام: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله ﷺ تحديد السفر بمدة معينة، بل قد أقام ﷺ عام الفتح في مكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة وكونه يقصر الصلاة دليل على أن حكم السفر باق لم ينقطع بإقامة هذه المدة، ولم يقل لأمته: إذا أقمتم أكثر من ذلك فقد انقطع حكم سفركم، وليس عند من حدد انقطاع حكم السفر بمدة دليل، ولذلك تجدهم مختلفين في ذلك، فمنهم من حده بأربعة أيام، ومنهم من حده بإحدى وعشرين صلاة، ومنهم من حده بخمسة عشر يوماً، ومنهم من حده بتسعة عشر يوماً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى (ص ٧٣١ ج ٤٢) : فقد تضمنت هذه الأقوال (يعني أقوال المحددين لمدة انقطاع السفر) تقسيم الناس إلى مسافر، ومقيم مستوطن، ومقيم

стр. 7418

غير مستوطن، أوجبوا عليه إتمام الصلاة والصيام والجمعة، قال: وهذا تقسيم لا دليل عليه من جهة الشرع، قال: والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة ليس معلوماً بشرع ولا لغة ولا عرف، وقال (في ص ٤٨١ من المجلد المذكور) : وقد بين في غير موضع أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله إلا مقيم ومسافر، والمقيم هو المستوطن، ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة. اه وعلى هذا فليس على الأخ ... سوى قضاء الأيام التي أفطرها لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ففي هذه الآية الكريمة والآية التي ذكرناها قبل أن الواجب عليه عدة من أيام أخر. وزوجته مثله بل فيها عذر آخر وهو الحمل إذا كان الصيام يشق عليها فإنها تفطر ولو كانت في بلدها وتقضي كالمريض. وليس على الأخ ... ولا على أهله إثم بفطرهما المذكور لأنهما على سفر، صحيح أن الأفضل للمسافر أن يصوم إذا لم يجد أي مشقة في الصوم، لأن النبي ﷺ صام في رمضان ثم أفطر لما قيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنهم ينتظرون ما تفعل. ولأن صومه في الشهر أسهل من القضاء غالباً، ولأنه أسرع في إبراء ذمته، وأما وجوب الصوم عليه حال السفر فلا. نعم إن كان يخشى المسافر من نفسه إذا أفطر أن لا يقضي فهنا قد يقال بوجوب الصوم عليه، والله أعلم. بقي شيء في كتابكم أشرتم إليه وهو كثرة النساء هناك،

стр. 7419

وأن الإنسان لا يستطيع غض البصر. فالحقيقة أن غض البصر نوعان: نوع يستطيعه الإنسان ولا يعذر بتركه وهو عدم اتباع نظره النساء وتعمد رؤيتهن، وهذا شيء يستطيعه، وهو واجب عليه، أعني عدم اتباع نظره وتعمد رؤيتهن، لأنه في مقدوره، ولا فرق بين أن يكون في بلد يكثر فيه السفور أو يقل. والنوع الثاني: لا يستطيعه الإنسان وهو النظر المباغت يرى المرأة فلا يتبع نظره إليها ولا يتعمد، بل هو ماش في طريقه فهذا لا يضره، ولا يأثم به، لأنه في غير مقدوره، وهذا والله أعلم هو السر في قوله: ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذالِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ حيث جاء بمن الدالة على التبعيض، إذ بعض الغض لا يجب، وهو ما لا يدخل في مقدور الإنسان، أو ما تدعو الضرورة إليه: كنظر الطبيب ونحوه، أو الحاجة كنظر الخاطب. وأخيراً سلم لنا على الأخ ... وبشره بالخير، وهنئه على ما في قلبه من خوف الله ، فإن الخائفين من الله في الدنيا هم الا"منون يوم القيامة. نسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً الخوف من عذابه، ورجاء ثوابه، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، إنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٠٢/١/٨٩٣١هـ.

стр. 7420

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: متى وكيف تكون صلاة المسافر وصومه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: صلاة المسافر ركعتان من حين أن يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه، لقول عائشة ﵂: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر، وفي رواية: وزيد في صلاة الحضر، وقال أنس بن مالك ﵁: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. لكن إذا صلى مع إمام يتم صلى أربعاً، سواء أدرك الصلاة من أولها أم فاته شيء منها، لعموم قول النبي ﷺ : «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» . فعموم قوله: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» يشمل المسافرين الذين يصلون وراء الإمام الذي يصلي أربعاً وغيرهم. وسئل ابن عباس ﵄: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعاً إذا أئتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة. ولا تسقط صلاة الجماعة عن المسافر، لأن الله تعالى أمر بها في حال القتال فقال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُو"اْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن

стр. 7421

وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى" أَن تَضَعُو"اْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى" أَن تَضَعُو"اْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ الآية. وعلى هذا فإذا كان المسافر في بلد غير بلده وجب عليه أن يحضر الجماعة في المسجد إذا سمع النداء إلا أن يكون بعيداً، أو يخاف فوت رفقته، لعموم الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة على من سمع النداء أو الإقامة. وأما التطوع بالنوافل فإن المسافر يصلي جميع النوافل سوى راتبة الظهر والمغرب والعشاء فيصلي الوتر، وصلاة الليل، وصلاة الضحى، وراتبة الفجر وغير ذلك من النوافل غير الرواتب المستثناة. أما الجمع فإن كان سائراً فالأفضل له أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، إما جمع تقديم، وإما جمع تأخير حسب الأيسر له، وكلما كان أيسر فهو أفضل. وإن كان نازلاً فالأفضل أن لا يجمع وإن جمع فلا بأس لصحة الأمرين عن رسول الله ﷺ . وأما صوم المسافر في رمضان فالأفضل الصوم، وإن أفطر فلا بأس ويقضي عدد الأيام التي أفطرها، إلا أن يكون الفطر أسهل له، فالفطر أفضل؛ لأن الله يحب أن تؤتى رخصه، والحمد لله رب العالمين. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٥/١٢/١٤٠٩ هـ.

стр. 7422

تعقيب على ما نشر في جريدة المسلمون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، فقد نشر لي في المسلمون يوم السبت ٢٨ شعبان ١٤٠٥ هـ جواب حول ترخص المبتعث برخص السفر من القصر والفطر ومسح الخفين ثلاثة أيام، وكان الجواب مختصراً، وقد طلب مني بعض الإخوان أن أبسط القول في ذلك بعض البسط، فأقول وبالله التوفيق ومنه الهداية والصواب: المغتربون عن بلادهم لهم ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن ينووا الإقامة المطلقة بالبلاد التي اغتربوا إليها: كالعمال المقيمين للعمل، والتجار المقيمين للتجارة ونحوهم، ممن يقيمون إقامة مطلقة، فهؤلاء في حكم المستوطنين في وجوب الصوم عليهم في رمضان، وإتمام الصلاة، والاقتصار على يوم وليلة في مسح الخفين، لأن إقامتهم مطلقة غير مقيدة بزمن ولا غرض، فهم عازمون على الإقامة في البلاد التي اغتربوا إليها، لا يخرجون منها إلا أن يخرجوا. الحالة الثانية: أن ينووا الإقامة المقيدة بغرض معين، لا يدرون متى ينتهي، ومتى انتهى رجعوا إلى بلادهم: كالتجار الذين يقدمون لبيع السلع أو شرائها، ثم يرجعون، وكالقادمين

стр. 7423

لمراجعة دوائر حكومية أو غيرها لا يدرون متى ينتهي غرضهم حتى يرجعوا إلى بلادهم، فهؤلاء في حكم المسافرين فلهم الفطر، وقصر الصلاة الرباعية، ومسح الخفين ثلاثة أيام ولو بقوا سنوات، هذا قول جمهور العلماء، بل حكاه ابن المنذر إجماعاً، لكن لو ظن هؤلاء أن الغرض لا ينتهي إلا بعد المدة التي ينقطع بها حكم السفر، فهل لهم الفطر والقصر على قولين. الحالة الثالثة: أن ينووا الإقامة المقيدة بغرض معين يدرون متى ينتهي، ومتى انتهى رجعوا إلى بلادهم بمجرد انتهائه فقد اختلف أهل العلم ﵏ في حكم هؤلاء، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ أنهم إن نووا إقامة أكثر من أربعة أيام أتموا، وإن نووا دونها قصروا، قال في المغني (ص ٨٨٢ المجلد الثاني) : وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور، قال: وروي هذا القول عن عثمان ﵁ وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن أقام خمسة عشر يوماً مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، وإن نوى دون ذلك قصر. انتهى. وهناك أقوال أخرى ساقها النووي في شرح المهذب (صفحة ٠٢٢ المجلد الرابع) تبلغ عشرة أقوال، وهي أقوال اجتهادية متقابلة، ليس فيها نص يفصل بينها، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، إلى أن هؤلاء في حكم المسافرين لهم الفطر، وقصر الصلاة الرباعية، والمسح على الخفين ثلاثة أيام، انظر مجموع الفتاوى (جمع الشيخ ابن قاسم ص ٧٣١، ٨٣١، ٤٨١ مجلد ٤٢) والاختيارات (ص ٣٧) وانظر زاد المعاد لابن القيم (ص ٩٢ مجلد ٣) أثناء

стр. 7424

كلامه على فقه غزوة تبوك. وقال في الفروع لابن مفلح أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٤٦ مجلد ٢) بعد أن ذكر الخلاف فيما إذا نوى مدة فوق أربعة أيام قال: واختار شيخنا وغيره القصر والفطر وأنه مسافر ما لم يجمع على إقامة ويستوطن، كإقامته لقضاء حاجة بلا نية إقامة انتهى. واختار هذا القول الشيخ عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله انظر (ص ٢٧٣، ٥٧٣ مجلد ٤) من الدرر السنية واختاره أيضاً الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ (ص ٠٨١١ المجلد الثالث) من فتاوى المنار، وكذلك اختاره شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ (ص ٧٤) من المختارات الجلية، وهذا القول هو الصواب لمن تأمل نصوص الكتاب والسنة، فعلى هذا يفطرون ويقضون كأهل الحال الثانية، لكن الصوم أفضل إن لم يشق، ولا ينبغي أن يؤخروا القضاء إلى رمضان ثان، لأن ذلك يوجب تراكم الشهور عليهم فيثقل عليهم القضاء، أو يعجزوا عنه، والفرق بين هؤلاء وأهل الحال الأولى أن هؤلاء أقاموا لغرض معين ينتظرون انتهاءه ولم ينووا الإقامة المطلقة، بل لو طلب منهم أن يقيموا بعد انتهاء غرضهم لأبوا ذلك، ولو انتهى غرضهم قبل المدة التي نووها ما بقوا في تلك البلاد، أما أهل الحال الأولى فعلى العكس من هؤلاء، فهم عازمون على الإقامة المطلقة مستقرون في محل الإقامة، لا ينتظرون شيئاً معيناً ينهون إقامتهم بانتهائه، فلا يكادون يخرجون من مغتربهم هذا إلا بقهر النظام، فالفرق ظاهر للمتأمل، والعلم

стр. 7425

عند الله تعالى، فمن تبين له رجحان هذا القول فعمل به فقد أصاب، ومن لم يتبين له فأخذ بقول الجمهور فقد أصاب، لأن هذه المسألة من مسائل الاجتهاد التي من اجتهد فيها فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فيها فأخطأ فله أجر واحد، والخطأ مغفور قال الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ وقال النبي ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» أخرجه البخاري. نسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى الصواب عقيدة وقولاً وفعلاً، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٩٠٤١هـ.
следующие страницы →