اقتطع مال أخيه بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار لِيُبَلِّغْ شاهدُكم غائبَكم " مرتين أو ثلاثا» (١) ، وسميت غموسا لأنها تَغْمِس الحالف بها في الإثم ثم تغمسه في النار، ولا فرق بين أن يحلف كاذبا على ما ادعاه فيُحْكَم له به أو يحلف كاذبا على ما أنكره فيُحْكَم ببراءته منه.
* السبب التاسع: القضاء بين الناس بغير علم أو بجور وميل، لحديث بريدة بن الحصيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار» (٢) .
* السبب التاسع: الغش للرعية وعدم النصح لهم بحيث يتصرف تصرفا ليس في مصلحتهم ولا مصلحة العمل، لحديث معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما من عبد يسترعيه الله على رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (٣) ، وهذا يعم رعاية الرجل في أهله والسلطان في سلطانه وغيرهم لحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في
стр. 8017
بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته» (١) .
* السبب العاشر: تصوير ما فيه روح من إنسان أو حيوان، فعن ابن عباس ﵄: سمعت النبي ﷺ يقول: «كل مُصَوِّر في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذبه في جهنم» (٢) ، وفي رواية للبخاري: «من صور صورة فإن الله مُعَذِّبُه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا» . فأما تصوير الأشجار والنبات والثمرات ونحوها مما يخلقه الله من الأجسام النامية فلا بأس به على قول جمهور العلماء، ومنهم من منع ذلك لما رُوِيَ عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة» (٣) .
* السبب الحادي عشر: ما ثبت عن حارثة بن وهب أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جَوَّاظ مستكبر» (٤) ، فالعتل: الشديد الغليظ الذي لا يلين للحق ولا للخلق، والجواظ: الشحيح البخيل فهو جَمَّاع مَنَّاع، والمستكبر هو الذي يَرُدُّ الحق ولا يتواضع للخلق، فهو يرى نفسه أعلى من الناس، ويرى رأيه أصوب من الحق.
* السبب الثاني عشر: استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب للرجال والنساء، فعن أم سلمة
стр. 8018
رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «الذي يشرب في آنية الفضة إنما تُجَرْجِر في بطنه نارَ جهنم» (١) ، وفي رواية لمسلم: «إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» .
فاحذروا إخواني أسباب دخول النار، واعملوا الأسباب التي تبعدكم عنها لتفوزوا في دار القرار. واعلموا أن الدنيا متاع قليل سريعة الزوال والانهيار. واسألوا ربكم الثبات على الحق إلى الممات، وأن يحشركم مع الذين أنعم الله عليهم من المؤمنين والمؤمنات.
اللهم ثبتنا على الحق وتوَفَّنا عليه، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 8019
المجلس الثامن والعشرون: في زكاة الفطر
الحمد لله العليم الحكيم، العلي العظيم، خلق كل شيء فقدره تقديرا، وأحكم شرائعه ببالغ حكمته بيانا للخلق وتبصيرا، أحمده على صفاته الكاملة، وأشكره على آلائه السابغة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المآب والمصير، وسلم تسليما.
إخواني: إن شهركم الكريم قد عزم على الرحيل ولم يبق منه إلا الزمن القليل، فمن كان منكم محسنا فليحمد الله على ذلك وليسأله القبول، ومن كان منكم مهملا فليتب إلى الله وليعتذر من تقصيره، فالعذر قبل الموت مقبول.
إخواني: إن الله شرع لكم في ختام شهركم هذا أن تؤدوا زكاة الفطر قبل صلاة العيد، وسنتكلم في هذا المجلس عن حُكْمها وحكمتها وجنسها ومقدارها ووقت وجوبها ودفعها ومكانها.
فأما حكمها فإنها فريضة فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، وما فرضه رسول الله ﷺ أو أمر به فله حكم ما فرضه الله تعالى أو
стр. 8020
أمر به، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وهى فريضة على الكبير والصغير والذكر والأنثى والحر والعبد من المسلمين، قال عبد الله بن عمر ﵄: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين» (١) .
ولا تجب عن الحمل الذي في البطن إلا أن يتطوع بها فلا بأس، فقد كان أمير المؤمنين عثمان ﵁ يخرجها عن الحمل، ويجب إخراجها عن نفسه وكذلك عمن تلزمه مؤونته من زوجة أو قريب إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم، فإن استطاعوا فالأولى أن يخرجوها عن أنفسهم؛ لأنهم المخاطبون بها أصلا، ولا تجب إلا على من وجدها فاضلة زائدة عما يحتاجه من نفقة يوم العيد وليلته، فإن لم يجد إلا أقل من صاع أخرجه لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ، وقول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢) .
وأما حكمتها فظاهرة جدا، ففيها إحسان إلى الفقراء وكف لهم عن السؤال في أيام العيد؛ ليشاركوا الأغنياء في فرحهم وسرورهم به
стр. 8021
ويكون عيدا للجميع، وفيها الاتصاف بخلق الكرم وحب المواساة، وفيها تطهير الصائم مما يحصل في صيامه من نقص ولغو وإثم، وفيها إظهار شكر نعمة الله بإتمام صيام شهر رمضان وقيامه وفعل ما تَيَسَّر من الأعمال الصالحة فيه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهْرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة , ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (١) .
وأما جنس الواجب في الفطرة فهو طعام الآدميين من تمر أو بُرٍّ أو رز أو زبيب أو أقط أو غيرهما من طعام بني آدم , فعن ابن عمر ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير» (٢) ، وكان الشعير يومذاك من طعامهم كما قال أبو سعيد الخدري ﵁: «كنا نُخْرِج يوم الفطر في عهد النبي ﷺ صاعا من طعام وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر» (٣) .
فلا يجزئ إخراج طعام البهائم لأن النبي ﷺ فرضها طعمة للمساكين لا للبهائم.
ولا يجزئ إخراجها من الثياب والفرش والأواني والأمتعة وغيرها مما سوى طعام الآدميين؛ لأن النبي ﷺ فرضها من الطعام فلا تتعدى
стр. 8022
ما عيَّنه الرسول ﷺ .
ولا يجزئ إخراج قيمة الطعام؛ لأن ذلك خلاف ما أمر به رسول الله ﷺ ، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» ، وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) ، ومعنى رَدّ: مردود، ولأن إخراج القيمة مخالف لعمل الصحابة ﵃، حيث كانوا يخرجونها صاعا من طعام، وقد قال النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (٢) ، ولأن زكاة الفطر عبادة من جنس معين فلا يجزئ إخراجها من غير الجنس، كما لا يجزئ إخراجها في غير الوقت المعين، ولأن النبي ﷺ عينها من أجناس مختلفة وأقيامها مختلفة غالبا، فلو كانت القيمة معتبرة لكان الواجب صاعا من جنس وما يقابل قيمته من الأجناس الأخرى، ولأن إخراج القيمة يُخْرِج الفطرة عن كونها شعيرة ظاهرة إلى كونها صدقة خفية، فإن إخراجها صاعا من طعام يجعلها ظاهرة بين المسلمين معلومة للصغير والكبير يشاهدون كَيْلها وتوزيعها ويتعارفونها بينهم بخلاف ما لو كانت دراهم يُخْرِجها الإنسان خفية بينه وبين الآخذ.
وأما مقدار الفطرة فهو صاع بصاع النبي ﷺ الذي يبلغ وزنه بالمثاقيل أربعمائة وثمانين مثقالا من البر الجيد , وبالغرامات كيلوين اثنين وخُمُسَيْ عُشْر كيلو من البر الجيد , وذلك لأن زنة المثقال أربعة
стр. 8023
غرامات وربع، فيكون مبلغ أربعمائة وثمانين مثقالا ألفي غرام وأربعين غراما، فإذا أراد أن يعرف الصاع النبوي فليزن كيلوين وأربعين غراما من البر ويضعها في إناء بقدرها بحيث تملؤه ثم يكيل به.
وأما وقت وجوب الفطرة فهو غروب الشمس ليلة العيد، فمن كان من أهل الوجوب حينذاك وجبت عليه وإلا فلا، وعلى هذا فإذا مات قبل الغروب ولو بدقائق لم تجب الفطرة، وإن مات بعده ولو بدقائق وجب إخراج فطرته، ولو وُلِدَ شخص بعد الغروب ولو بدقائق لم تجب فطرته، لكن لا بأس بإخراجها كما سبق، وإن وُلِدَ قبل الغروب ولو بدقائق وجب إخراج الفطرة عنه.
وإنما كان وقت وجوبها غروب الشمس من ليلة العيد لأنه الوقت الذي يكون به الفطر من رمضان، وهي مضافة إلى ذلك فإنه يقال: زكاة الفطر من رمضان، فكان مناط الحكم ذلك الوقت.
وأما زمن دفعها فله وقتان: وقت فضيلة ووقت جواز.
فأما وقت الفضيلة: فهو صباح العيد قبل الصلاة لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كنا نُخْرِج في عهد النبي ﷺ يوم الفطر صاعا من طعام» (١) ، وعن ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (٢) .
ولذلك كان من الأفضل تأخير صلاة العيد يوم الفطر ليتسع الوقت لإخراج الفطرة.
وأما وقت الجواز فهو قبل العيد بيوم أو يومين ,
стр. 8024
فعن نافع قال: كان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير حتى إن كان يعطي عن بنِيَّ، وكان يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يُعْطَوْن قبل الفطر بيوم أو يومين (١) .
ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد , فإن أخَّرها عن صلاة العيد بلا عذر لم تُقْبَل منه لأنه خلاف ما أمر به رسول الله ﷺ , وقد سبق من حديث ابن عباس ﵄ «أن من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.
» أما إن أخرها لعذر فلا بأس , مثل أن يصادفه العيد في البَر ليس عنده ما يدفع منه أو ليس عنده من يدفع إليه، أو يأتي خبر ثبوت العيد مفاجئا بحيث لا يتمكن من إخراجها قبل الصلاة , أو يكون معتمدا على شخص في إخراجها فينسى أن يُخْرِجها فلا بأس أن يخرجها ولو بعد العيد لأنه معذور في ذلك.
والواجب أن تصل إلى مستحقها أو وكيله في وقتها قبل الصلاة , فلو نواها لشخص ولم يصادفه ولا وكيله وقت الإخراج فإنه يدفعها إلى مستحق آخر ولا يؤخرها عن وقتها.
وأما مكان دفعها فتدفع إلى فقراء المكان الذي هو فيه وقت الإخراج سواء كان محل إقامته أو غيره من بلاد المسلمين , لا سيما إن كان مكانا فاضلا كمكة والمدينة , أو كان فقراؤه أشد حاجة، فإن كان في بلد ليس فيها من يدفع إليه، أو كان لا يعرف المستحقين فيه وَكَّلَ من يدفعها عنه في مكان مستحِقٍّ.
стр. 8025
والمستحقون لزكاة الفطر هم الفقراء، ومن عليهم ديون لا يستطيعون وفاءها فيُعْطَوْن منها بقدر حاجتهم، ويجوز توزيع الفطرة على أكثر من فقير، ويجوز دفع علب من الفِطر إلى مسكين واحد؛ لأن النبي ﷺ قَدَّر الواجب ولم يقدر من يُدْفَع إليه، وعلى هذا لو جمع جماعة فطرهم في وعاء واحد بعد كيلها وصاروا يدفعون منه بلا كيل ثانٍ أجزأهم ذلك، ولكن ينبغي إخبار الفقير بأنهم لا يعلمون مقدار ما يدفعون إليه لئلا يغتر به فيدفعه عن نفسه وهو لا يدري عن كيله، ويجوز للفقير إذا أخذ الفطرة من شخص أن يدفعها عن نفسه أو أحد من عائلته إذا كالها أو أخبره دافعها أنها كاملة ووثق بقوله.
اللهم وفقنا للقيام بطاعتك على الوجه الذي يرضيك عنا، وزَكِّ نفوسنا وأقوالنا وأفعالنا وطهِّرنا من سوء العقيدة والقول والعمل، إنك جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 8026
المجلس التاسع والعشرون: في التوبة
الحمد لله الذي نصب من كل كائن على وحدانيته برهانا، وتصرف في خليقته كما شاء عزا وسلطانا، واختار المتقين فوهب لهم أمنا وإيمانا، وعم المذنبين بحلمه ورحمته عفوا وغفرانا، ولم يقطع أرزاق أهل معصيته جودا وامتنانا، روَّح أهل الإخلاص بنسيم قربه، وحذر يوم الحساب بجسيم كربه، وحفظ السالك نحو رضاه في سربه، وأكرم المؤمن إذ كتب الإيمان في قلبه، حكم في بَرِّيته فأمر ونهى، وأقام بمعونته ما ضعف ووهى، وأيقظ بموعظته من غفل وسها، ودعا المذنب إلى التوبة لغفران ذنبه، ربٌّ عظيم لا يشبه الأنام، وغني كريم لا يحتاج إلى الشراب والطعام، الخلق مفتقرون إليه على الدوام، ومضطرون إلى رحمته في الليالي والأيام.
أحمده حمد عابد لربه، معتذر إليه من تقصيره وذنبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص من قلبه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى من حزبه، صلى الله عليه وعلى أبي بكر خير صحبه، وعلى عمر الذي لا يسير الشيطان في سربه، وعلى عثمان الشهيد لا في صفِّ حَرْبِهِ، وعلى علي معينه في حربه، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه، وسلم تسليما.
إخواني: اختموا شهر رمضان بالتوبة إلى الله من معاصيه، والإنابة
стр. 8027
إليه بفعل ما يُرْضِيه، فإن الإنسان لا يخلو من الخطأ والتقصير، وكل بني آدم خَطَّاء، وخير الخطائين التوابون، وقد حث الله في كتابه وحث النبي ﷺ في خطابه على استغفار الله تعالى والتوبة إليه فقال سبحانه: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦] ، وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] ، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [
التحريم: ٨] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، والآيات في ذكر التوبة عديدة.
وأما الأحاديث فمنها عن الْأَغَرِّ بن يَسَار الْمُزنِيِّ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة» (١) ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (٢) ، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَلَّهُ أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فَأَيِسَ منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بِخِطامها
стр. 8028
ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» (١) ، وإنما يفرح سبحانه بتوبة عبده لمحبته للتوبة والعفو ورجوع عبده إليه بعد هربه منه , وعن أنس وابن عباس ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» (٢) .
فالتوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته؛ لأنه سبحانه هو المعبود حقا، وحقيقة العبودية هي التذلل والخضوع للمعبود محبة وتعظيما، فإذا حصل من العبد شرود عن طاعة ربه فتوبته أن يرجع إليه ويقف ببابه موقف الفقير الذليل الخائف المنكسر بين يديه.
والتوبة واجبة على الفور لا يجوز تأخيرها ولا التسويف بها؛ لأن الله أمر بها ورسوله، وأوامر الله ورسوله كلها على الفور والمبادرة لأن العبد لا يدري ماذا يحصل له بالتأخير، فلعله أن يَفْجَأَهُ الموت فلا يستطيع التوبة , ولأن الإصرار على المعصية يوجب قسوة القلب وبعده عن الله وضعف إيمانه، فإن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالعصيان، ولأن الإصرار على المعصية يوجب إلفها والتشبث بها، فإن النفس إذا اعتادت على شيء صَعُبَ عليها فراقه، وحينئذ يعسر عليه التخلص من معصيته، ويفتح عليه الشيطان باب معاصٍ أخرى أكبر وأعظم مما كان عليه؛ ولذلك قال أهل العلم وأرباب السلوك: إن المعاصي بريد الكفر ينتقل الإنسان فيها مرحلة مرحلة
стр. 8029
حتى يزيغ عن دينه كله، نسأل الله العافية والسلامة.
والتوبة التي أمر الله بها هي التوبة النصوح التي تشتمل على شرائط التوبة وهي خمسة:
* الأول: أن تكون خالصة لله بأن يكون الباعث لها حب الله وتعظيمه ورجاء ثوابه والخوف من عقابه، فلا يريد بها شيئا من الدنيا ولا تزلفا عند مخلوق، فإن أراد هذا لم تقبل توبته لأنه لم يتب إلى الله، وإنما تاب إلى الغرض الذي قصده.
* الثاني: أن يكون نادما حَزِنًا على ما سلف من ذنبه يتمنى أنه لم يحصل منه؛ لأجل أن يُحْدِث له ذلك الندمُ إنابة إلى الله وانكسارا بين يديه ومقتا لنفسه التي أمرته بالسوء، فتكون توبته عن عقيدة وبصيرة.
* الثالث: أن يُقْلِع عن المعصية فورا، فإن كانت المعصية بفعل محرم تركه في الحال , وإن كانت المعصية بترك واجب فعله في الحال إن كان مما يمكن قضاؤه كالزكاة والحج , فلا تصح التوبة مع الإصرار على المعصية , فلو قال: إنه تاب من الربا مثلا وهو مستمر على التعامل به لم تصح توبته , ولم تكن توبته هذه إلا نوعَ استهزاء بالله وآياته لا تزيده من الله إلا بعدا , ولو تاب من ترك الصلاة مع الجماعة وهو مستمر على تركها لم تصح توبته، وإذا كانت المعصية فيما يتعلق بحقوق الخلق لم تصح التوبة منها حتى يتخلص من تلك الحقوق , فإذا كانت معصيته بأخذ مالٍ
стр. 8030
للغير أو جحده لم تصح توبته حتى يؤدي المال إلى صاحبه إن كان حيا , أو إلى ورثته إن كان ميتا , فإن لم يكن له ورثة أَدَّاهُ إلى بيت المال , وإن كان لا يدري من صاحب المال تصدق به والله سبحانه يعلم به , وإن كانت معصيته بغيبة مسلم وجب أن يستحله من ذلك إن كان قد علم بغيبته إياه أو خاف أن يعلم بها , وإلا استغفر له وأثنى عليه بصفاته المحمودة في المجلس الذي اغتابه فيه , فإن الحسنات يذهبن السيئات.
وتصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره , لأن الأعمال تتبعض والإيمان يتفاضل , لكن لا يستحق الوصف المطلق للتوبة وما يستحقه التائبون على الإطلاق من الأوصاف الحميدة والمنازل العالية حتى يتوب إلى الله من جميع الذنوب.
الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل إلى المعصية؛ لأن هذه ثمرة التوبة ودليل صدق صاحبها، فإن قال: إنه تائب وهو عازم أو متردِّد في فعل المعصية يوما ما لم تصح توبته؛ لأن هذه توبة مؤقتة يَتَحَيَّنُ فيها صاحبها الفرص المناسبة، ولا تدل على كراهيته للمعصية وفراره منها إلى طاعة الله .
* الشرط الخامس: أن لا تكون بعد انتهاء وقت قبول التوبة , فإن كانت بعد انتهاء وقت القبول لم تقبل، وانتهاء وقت القبول نوعان: عام لكل أحد، وخاص لكل شخص بنفسه.
فأما العام فهو طلوع الشمس من مغربها , فإذا طلعت الشمس
стр. 8031
من مغربها لم تنفع التوبة , قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ، والمراد ببعض الآيات طلوع الشمس من مغربها، فسرها بذلك النبي ﷺ ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طُبِعَ على كل قلب بما فيه وكفي الناسَ العملُ» (١) ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» (٢) .
وأما الخاص فهو عند حضور الأجل , فمتى حضر أجل الإنسان وعاين الموت لم تنفعه التوبة ولم تقبل منه , قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] ، وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (٣) يعني بروحه.
ومتى صحت التوبة باجتماع شروطها وقُبِلَت محا الله بها ذلك الذنب الذي تاب منه وإن عَظُمَ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] .
وهذه الآية في التائبين المنيبين إلى ربهم المسلمين له , قال الله
стр. 8032
تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] .
فبادروا رحمكم الله أعمارَكم بالتوبة النصوح إلى ربكم قبل أن يفجأكم الموت فلا تستطيعون الخلاص.
اللهم وفقنا للتوبة النصوح التي تمحو لهها ما سلف من ذنوبنا، ويسِّرنا لليسرى , وجنِّبنا العسرى، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين في الآخرة والأولى , برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 8033
المجلس الثلاثون: في ختام الشهر
الحمد لله الواسع العظيم، الجواد البر الرحيم، خلق كل شيء فقدَّره، وأنزل الشرع فيسَّره وهو الحكيم العليم، بدأ الخلق وأنهاه، وسيَّر الفَلَك وأجراه، ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠] .
أحمده على ما أَوْلَى وهدى، وأشكره على ما وهب وأعطى، وأشهد أنه لا إله إلا هو الملك العلي الأعلى، الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، وهو بكل شيء عليم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على العالمين، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر أفضل الصِّدِّيقين , وعلى عمر المعروف بالقوة في الدين، وعلى عثمان المقتول ظلما بأيدي المجرمين، وعلى علي أقربهم نسبا على اليقين، وعلى جميع آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.
إخواني: إن شهر رمضان قرب رحيله وأزف تحويله، وإنه شاهد لكم أو عليكم بما أودعتموه من الأعمال، فمن أودعه عملا صالحا
стр. 8034
فليحمد الله على ذلك وليبْشِر بحسن الثواب، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ومن أودعه عملا سيئا فليتب إلى ربه توبة نصوحا، فإن الله يتوب على من تاب، ولقد شرع الله لكم في ختام شهركم عبادات تزيدكم من الله قربا، وتزيد في إيمانكم قوة، وفي سجل أعمالكم حسنات، فشرع الله لكم زكاة الفطر وتقدم الكلام عليها مفصلا، وشرع لكم التكبير عند إكمال العدة من غروب الشمس ليلة العيد إلى صلاة العيد، قال الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وصفته أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، ويُسَنُّ جهر الرجال به في المساجد والأسواق والبيوت إعلانا بتعظيم الله وإظهارا لعبادته وشكره، ويُسِرُّ به النساء لأنهن مأمورات بالتستر والإسرار بالصوت.
ما أجمل حال الناس وهم يكبِّرون الله تعظيما وإجلالا في كل مكان عند انتهاء شهر صومهم , يملؤون الآفاق تكبيرا وتحميدا وتهليلا , يرجون رحمة الله ويخافون عذابه.
وشرع الله سبحانه لعباده صلاة العيد يوم العيد، وهى من تمام ذكر الله ، أمر رسول الله ﷺ بها أمته رجالا ونساء، وأمره مطاع لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ، وقد أمر النبي ﷺ النساء أن يخرجن إلى صلاة العيد، مع أن البيوت خير لهن فيما عدا هذه الصلاة، وهذا دليل على تأكيدها، قالت أم عطية ﵂: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نُخْرِجهن في الفطر والأضحى، العَوَاتِق والْحُيَّض
стр. 8035
وذوات الخدور , فأما الْحُيَّض فيعتزلن الْمُصَلَّى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب , قال: " لِتُلْبِسْها أختها من جلبابها» (١) ، والجلباب: لباس تلتحف فيه المرأة بمنزلة العباءة.
ومن السنة أن يأكل قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر تمرات وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك , يقطعها على وتر لقول أنس بن مالك ﵁: «كان النبي ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا» (٢) .
ويخرج ماشيا لا راكبا إلا من عذر كعجز وبُعْدٍ لقول علي بن أبي طالب ﵁: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا (٣) ، ويسن للرجل أن يتجَمَّل ويلبس أحسن ثيابه لما رُوِيَ عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «أخذ عمر جبة من إستبرق - أي: حرير - تباع في السوق، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال: يا رسول ابْتَعْ هذه (يعني اشْتَرِها) تجمَّل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله ﷺ : " إنما هذه لباس من لا خلاق له» ، وإنما قال ذلك لكونها حريرا، ولا يجوز للرجل أن يلبس شيئا من الحرير أو شيئا من الذهب؛ لأنهما حرام على الذكور من أمة محمد ﷺ ، وأما المرأة فتخرج إلى العيد غير متجمِّلة ولا متطيِّبة ولا متبرجة ولا سافرة لأنها مأمورة بالتستر مَنْهِيَّة عن التبرج بالزينة وعن التطيب حال الخروج.
стр. 8036
ويؤدي الصلاة بخشوع وحضور قلب، ويكثر من ذكر الله ودعائه ويرجو رحمته ويخاف عذابه، ويتذكر باجتماع الناس في الصلاة على صعيد المسجد اجتماع الناس في المقام الأعظم يبن يدي الله في العيد يوم القيامة، ويرى إلى تفاضلهم في هذا المجتمع فيتذكر به التفاضل الأكبر في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١] ، وليكن فرحا بنعمة الله عليه بإدراك رمضان وعمل ما تيسر فيه من الصلاة والصيام والقراءة والصدقة وغير ذلك من الطاعات؛ فإن ذلك خير من الدنيا وما فيها ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] ، فإن صيام رمضان وقيامه إيمانا واحتسابا من أسباب مغفرة الذنوب والتخلص من الآثام، فالمؤمن يفرح بإكمال الصوم والقيام، لِتَخَلُّصِهِ به من الآثام، وضعيف الإيمان يفرح بإكماله لتخلصه من الصيام الذي كان ثقيلا عليه ضائقا به صدره، والفرق بين الفريقين عظيم.
إخواني: إنه وإن انقضى شهر رمضان فإن عمل المؤمن لا ينقضي قبل الموت، قال الله : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] ، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ، وقال النبي ﷺ : «إذا مات العبد انقطع عمله» ، فلم يجعل لانقطاع العمل غاية إلا الموت، فلئن انقضى صيام شهر رمضان فإن المؤمن لن ينقطع من عبادة الصيام بذلك، فالصيام لا يزال مشروعا ولله الحمد في العام كله،
стр. 8037
فعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر» (١) .
وصيام ثلاثة أيام من كل شهر قال فيها النبي ﷺ : «ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله» (٢) ، وقال أبو هريرة ﵁: «أوصاني خليلي ﷺ بثلاث، وذكر منها صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والْأَوْلَى أن تكون أيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر» ، لحديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» (٣) ، وعن النبي ﷺ أنه سئل عن صوم يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية» (٤) ، وسئل عن صيام عاشوراء فقال: «يُكَفِّر السنة الماضية» ، وسئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يومٌ وُلِدْتُ فيه ويومٌ بُعِثْتُ فيه أو أُنْزِلَ علي فيه» ، وعن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ سئل: أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ قال: " أفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم» (٥) ، وعن عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت النبي ﷺ استكمل شهرا قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان، وفي لفظ: كان
يصومه إلا قليلا» (٦) ، وعنها رضي
стр. 8038
الله عنها قالت: «كان النبي ﷺ يتحرَّى صيام الاثنين والخميس» (١) ، وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تُعْرَض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» (٢) .
ولئن انقضى قيام شهر رمضان فإن القيام لا يزال مشروعا ولله الحمد في كل ليلة من ليالي السنة ثابتا من فعل رسول الله ﷺ وقوله، فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: «إن كان النبي ﷺ ليقوم أو ليصلي حتى ترم قدماه، فيقال له فيقول: " أفلا أكون عبدا شكورا؟» (٣) ، وعن عبد الله بن سلام ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصِلُوا الأرحام وصَلُّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» (٤) ، وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (٥) ، وصلاة الليل تشمل التطوع كله والوتر فيصلي مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى واحدة فأوتَرتْ ما صلى، وإن شاء صلى على صفة ما سبق في المجلس الرابع.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث
стр. 8039
الليل الآخِر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» (١) والرواتب التابعة للفرائض اثنتا عشرة ركعة، أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الفجر، فعن أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة "، وفي لفظ: " من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُنِيَ له بهن بيتٌ في الجنة» (٢) .
والذكر أدبار الصلوات الخمس أمر الله به في كتابه وحث عليه رسول الله ﷺ , قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ، «وكان النبي ﷺ إذا سلم استغفر ثلاثا وقال: " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام "، وقال النبي ﷺ : " من سبَّح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثا وثلاثين فتلك تسعة وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غُفِرَت خطاياه وإن كانت مثل زَبَدِ البحر» (٣) .
فاجتَهِدوا إخواني في فعل الطاعات، واجتنِبُوا الخطايا والسيئات لتفوزوا بالحياة الطيبة في الدنيا، والأجر الكبير بعد الممات، قال الله
стр. 8040
عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
اللهم ثبِّتْنَا على الإيمان والعمل الصالح، وأحْيِنا حياة طيبة، وألحقنا بالصالحين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وإلى هنا انتهى ما أردنا كتابته في هذا، نسأل الله أن يجعل عملنا خالصا لوجهه ومقربا إليه ونافعا لعباده، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، ويهدينا لما اخْتُلِف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وكان الفراغ منه يوم الجمعة الموافق ٢٩ محرم من عام ست وتسعين وثلاثمائة وألف على يد مؤلفه الفقير إلى مولاه محمد بن صالح بن عثيمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 8041
ختام شهر رمضان المبارك
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ختام شهر رمضان المبارك (١)
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد
وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فإن هذه الليلة هي الليلة الموفية للثلاثين من شهر رمضان
المبارك عام واحد وعشرين وأربعمائة وألف، والله أعلم أنه يكون
هو آخر اللقاء في هذا الشهر المبارك في المسجد الحرام.
أيها الأخوة الكرام: لقد منَّ الله على عباده باستكمال هذا
الشهر المبارك، وبما تيسَّر من الأعمال الصالحة المقرِّبة إلى الله
وأسأل الله أن يجعلها وديعة لنا عنده، ومغفرة
للذنوب، وتكفيراً للسيئات، ورفعة للدرجات.
السنة الهجرية ليس فيها إلا ثلاثة أعياد فقط:
العيد الأول: عيد الفطر من رمضان.
العيد الثاني: عيد النحر.
العيد الثالث: عيد الأسبوع، وهو يوم الجمعة.
هذه الأعياد لها مناسبات عظيمة، فعيد الفطر مناسبته واضحة
وهو أنه ختام لاستكمال ركن من أركان الإسلام وهو الصيام، وحق
للمسلمين أن يفرحوا باستكمال هذا الركن؟ لأن الإنسان إذا
стр. 8042
استكمله ومنَّ الله عليه بالقبول فإنه يغفر له ما تقدم من ذنبه كما جاء
عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (١) ، وهذه مناسبة عظيمة،
وللصائم عند فطره من رمضان، بل وعند فطره من كل يوم فرحتان:
الفرحة الأولى: فرحة بإكمال يومه، أو شهره، وهذه الفرحة فرحة
بما منَّ الله به عليه من استكمال الشهر أو اليوم، وبما منَّ الله به عليه
من الثواب الجزيل على هذا اليوم.
وأما الأضحى فهو عيد عظيم يجتمع فيه المسلمون من كل
وجه على صعيد واحد على، عرفة، ويرتدون لباساً واحداً، لا يمتاز
به أحدهم عن الآخر، ويدعون الله- بما ييسر لهم من
الدعاء، فهو يوم عظيم يجتمع فيه المسلمون على عبادة واحدة
يدعون ربهم، فحق لهم أن يضعوا لهذه المناسبة عيداً يفرحون به.
وأما يوم الجمعة فهو عيد الأسبوع، وحق له أن يكون عيداً،
لأن فيه صلاة الجمعة التي ميَّزها الله- بميزات عظيمة لا
تكون لغيرها، فمنها:
ا- وجوب الغسل لها، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم: "غسل الجمعة واجب على كل مسلم " (٢) ، أي على كل
بالغ.
٢- ومنها أنها صلاة منفردة لا يشاركها غيرها، فلا يجوز
جمع صلاة العصر إليها؟ لأن الجمع إنما ورد بين الظهر والعصر، لا
стр. 8043
بين الجمعة والعصر، وعلى هذا لو كنت تصلي في مكة صلاة
الجمعة، وأنت تريد أن تسافر بعد الصلاة فلا تصلِّ العصر جمعاً إلى
الجمعة؟ لأن الجمعة صلاة منفردة لا يجمع إليها غيرها، بل سافر
فإذا جاء وقت صلاة العصر فصل العصر، هذا هو الواجب.
اللهم اختم لنا شهر رمضان بغفرانك، وجُدْ علينا بفضلك
وامتنانك، واجعل مآلنا إلى جنانك، وأعد علينا شهر رمضان
والأمة الإسلامية ترفل بالعز والكرامة والسلامة، إنك على كل شيء
قدير.
وإلى الأسئلة، أسأل الله أن يوفقني لصواب الجواب.
الأسئلة:
السؤال الأول: ما المشروع للمسلم فعله في يوم العيد (١) .
السؤال الثاني: من صام قبل المملكة بيوم وتم الشهر في
المملكة فهل يصوم (٢) ؟
السؤال الثالث: هل يجوز صرف الزكاة لحلقات تحفيظ
القرآن الكريم (٣) ؟
السؤال الرابع: من أحرمت وهي حائض ثم رأت الطهر وبعد
العمرة رأت كدرة فما الحكم (٤) ؟
стр. 8044
السؤال الخامس: ما حكم صلاة العيد للمرأة (١) ؟
السؤال السادس: هل يجب الطواف كلما دخل الإنسان
المسجد الحرام (٢) ؟
السؤال السابع: هل يشترط التتابع في صيام الست من
شوال (٣) ؟
السؤال الثامن: توفي والدي وفي ذمته نذر لا أستطيع الوفاء
به، فما الحكم؟
الجواب: لابد أن أعرف التفصيل في هذا، وكيف كان النذر؟
وكيف كان العجز عن قضائه؟
السؤال التاسع: متى يجوز للمعتكف الخروج من
المسجد (٤) ؟
السؤال العاشر: متى ينتهي وقت الاعتكاف؟
السؤال الحادي عشر: من عليه قضاء من رمضان هل يجوز أن
يصوم الست قبل الفراغ من القضاء (٦) ؟
السؤال الثاني عشر: ما أصح ما جاء في التكبير ليلة العيد
ويومه (٧) ؟
стр. 8045
السؤال الثالث عشر: لي أقارب لديهم معاصٍ كثيرة
ونصحتهم فلم يستجيبوا فهل أصِلَهم؟
الجواب: يجب عليك أن تصلهم، وأن تنصحهم وتكرر
لهم، وأن تبين لهم فضل طاعة الله ورسوله ﷺ ، وأن تحذرهم من
مخالفة الله ورسوله، ولا تيأس ربما لا يستجيبون في أول مرة
ويستجيبون في المرات الأخرى.
السؤال الرابع عشر: هل يجوز تقديم طواف الوداع على صلاة
العشاء ثم السفر بعد انقضاء الصلاة؟
الجواب: إذا كان حين طاف للوداع أقيمت الصلاة وصلى
ودفع فلا بأس.
وإلى هنا ينتهي هذا اللقاء المبارك، أسأل الله أن يعيدني
وإياكم معاد الخير، وأن يتوفانا على الإسلام، وأن يجعلنا من دعاة
الخير، وأنصار الحق، إنه على كل شيء قدير.
تم بحمد الله تعالى
المجلد العشرون
ويليه بمشيئة الله
المجلد الحادي والعشرون
стр. 8046
كتاب المناسك
стр. 8047
س ١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نأمل أن تحدثونا عن مكانة الحج في الإسلام، وشروط وجوبه ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الحج إلى بيت الله الحرام أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام
الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام " (١) وهو فرض بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإجماع المسلمين: قال الله تعالىِ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ
الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)) .
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إن الله فرض عليكم الحج فحجوا" (٣) ، وأجمع المسلمون على ذلك، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة، فمن جحد وجوبه وهو ممن عاش
بين المسلمين فإنه يكون كافراً، وأما من تركه تهاوناً فإنه على خطر عظيم؛ لأن من العلماء من قال: إنه يكفر. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد- ﵀، ولكن القول الراجح: أنه لا يكفر
стр. 8048
بترك الأعمال إلا الصلاة فقط، قال عبد الله بن شقيق- ﵀ وهو من التابعين-: (ما كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة) فمن تهاون
بالحج حتى مات فإنه لا يكفر على القول الراجح، ولكنه على خطر.
فعلى المسلم أن يتقي الله، وأن يبادر بأداء الحج إذا تمت شروط الوجوب في حقه، لأن جميع الواجبات تجب المبادرة بها إلا بدليل، فكيف تطيب نفس المسلم أن يترك الحج إلى بيت الله
الحرام مع قدرته عليه، وسهولة الوصول إليه؟! وكيف يؤخره وهو لا يدري لعله لا يستطيع الوصول إليه بعد عامه؟! فقد يكون عاجزاً بعد القدرة، وقد يكون فقيراً بعد الغنى، وقد يموت وقد
وجب عليه الحج، ثم يفرط الورثة في قضائه عنه.
أما شروط الوجوب فخمسة:
الشرط الأول: الإسلام، وضده الكفر، فالكافر لا يجب عليه الحج، بل لو حج الكافر لم يقبل منه.
الشرط الثاني: البلوغ، فمن لم يبلغ فلا حج عليه، ولو حج صح حجه تطوعاً وله أجره، فإذا بلغ أدى الفريضة، لأن حجه قبل البلوغ لا يسقط به الفرض.
الشرط الثالث: العقل، وضده الجنون، فالمجنون لا يجب عليه الحج، ولا يحج عنه.
الشرط الرابع: الحرية، فالرقيق المملوك لا يجب عليه الحج، ولو حج صح حجه تطوعاً، وإذا عتق وجب عليه أن يؤدي
стр. 8049
الفريضة، لأن حجه قبل أن يتحرر لا يجزىء عن الفرض.
وقال بعض العلماء: إذا حج الرقيق بإذن سيده أجزأه عن الفريضة، وهذا القول هو الراجح.
الشرط الخامس: الاستطاعة بالمال والبدن، ومن الاستطاعة أن يكون للمرأة محرم، فإن لم يكن لها محرم فلا حج عليها.
س ٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو النسك؟ وما حكم الحج والعمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: النسك يطلق ثلاثة إطلاقات؛ فتارةً يراد به العبادة عموماً. وتارةً يراد به التقرب إلى الله تعالى بالذبح، وتارةً يراد به أفعال الحج وأقواله.
فالأول كقولهم: فلان ناسك، أي عابد لله .
والثاني كقوله تعالي (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)) (١) ويمكن أن يراد بالنسك هنا: التعبد، فيكون من المعنى الأول. والثالث كقوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا (٢) هذا هو معنى النسك، وهذا الأخير هو الذي يخص شعائر الحج، والنسك المراد به الحج،
نوعان: نسك العمرة، ونسك الحج.
أما نسك العمرة: فهو ما اشتمل على هيئتها، من الأركان
стр. 8050
والواجبات، والمستحبات؛ بأن يحرم من الميقات، ويطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق أو يقصر.
أما الحج: فهو أن يحرم من الميقات، أو من مكة إن كان بمكة، ويخرج إلى منى ثم إلى عرفة، ثم إلى مزدلفة، ثم إلى منى مرة ثانية، ويطوف ويسعى، ويكمل أفعال الحج على ما سيذكر إن شاء الله تعالى تفصيلاً.
والحج فرض بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، وهو أحد أركان الإسلام، لقوله تعالىِ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)) (١) وقال النبي ﷺ : (إن الله فرض عليكم الحج فحجوا" (٢) وقال النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام " (٣) فمن أنكر فريضة الحج فهو كافر مرتد عن الإسلام، إلا أن يكون جاهلاً بذلك، وهو ممن يمكن جهله به، كحديث عهد بإسلام، وناشىء في بادية بعيدة، لا يعرف من أحكام الإسلام شيئاً، فهذا يعذر بجهله، ويُعَرّف، ويبين له الحكم، فإن أصرّ على إنكاره حكم بردته.
وأما من تركه- أي الحج- متهاوناً مع اعترافه بشرعيته، فهذا لا يكفر، ولكنه على خطر عظيم، وقد قال بعض أهل العلم بكفره.
стр. 8051
أما العمرة فقد اختلف العلماء في وجوبها، فمنهم من قال: إنها واجبة، ومنهم من قال: إنها سنةٌ، ومنهم من فرق بين المكي وغيره، فقال: واجبة على غير المكي، غير واجبةٍ على المكي،
والراجح عندي: أنها واجبة على المكي وغيره، لكن وجوبها أصغر من وجوب الحج. لأن وجوب الحج فرض مؤكد، لأن الحج أحد أركان الإسلام بخلاف العمرة.
س ٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل وجوب الحج على الفور أم على التراخي ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الصحيح أنه واجب على الفور، وأنه لا يجوز للإنسان الذي استطاع أن يحج بيت الله الحرام أن يؤخره، وهكذا جميع الواجبات الشرعية، إذا لم تُقيّد بزمن أو
سبب، فإنها واجبة على الفور.
س ٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما شروط وجوب الحج والعمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: شروط وجوب الحج والعمرة خمسة: مجموعة في قول الناظم:
الحجُّ والعمرةُ واجبان في العمر مرة بلا توان بشرط إسلام كذا حرية عقل بلوغ قدرة جلية
стр. 8052
فيشترط للوجوب:
أولاً: الإسلام، فغير المسلم لا يجب عليه الحج، بل ولا يصح لو حج، بل ولا يجوز دخوله مكة، لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (١) فلا يحل لمن كان كافراً بأي سبب كان سفره، لا يحل له دخول حرم مكة. ولكن يحاسب الكافر على ترك الحج وغيره، من فروع الإسلام على القول الراجح من أقوال أهل العلم، لقول الله تعالى:
(إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)) (٢)
الشرط الثاني: العقل، فالمجنون لا يجب عليه الحج، فلو كان الإنسان مجنوناً من قبل أن يبلغ حتى مات، فإنه لا يجب عليه الحج ولو كان غنيًّا.
الشرط الثالث: البلوغ، فمن دون البلوغ فإن الحج لا يجب عليه، ولكن لو حج، فحجه صحيح، إلا أنه لا يجزئه عن فريضة الإسلام، لقول النبي ﷺ للمرأة التي رفعت إليه صبيًّا وقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر" (٣) لكنه لا يجزئه عن فريضة الإسلام، لأنه لم يوجه إليه الأمر بها حتى يجزيه عنه. إذ لا يتوجه الأمر إليه إلا بعد بلوغه.
стр. 8053
وبهذه المناسبة أحب أن أقول: إنه في مثل المواسم التي يكثر فيها الزحام، ويشق فيها الإحرام على الصغار، ومراعاة إتمام مناسكهم، فالأولى ألا يحرموا لا بحج لا بعمرة، أعني هؤلاء الصغار، لأنه يكون فيه مشقة عليهم وعلى أولياء أمورهم، وربما شغلوهم عن إتمام نسكهم، أي ربما شغل الأولاد آباءهم، أو أمهاتهم عن إتمام نسكهم، فبقوا في حرج، وما دام الحج لم يجب عليهم، فإنهم في سعة من أمرهم.
الشرط الرابع: الحرية، فالرقيق المملوك لا يجب عليه الحج، لأنه مملوك مشغولٌ بسيده، فهو معذور بترك الحج، لا يستطيع السبيل إليه.
الشرط الخامس: القدرة على الحج بالمال والبدن، فإن كان الإنسان قادراً بماله دون بدنه، فإنه ينيب من يحج عنه، لحديث ابن عباس- ﵄ أن امرأة خثعمية سألت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج، شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: "نعم " (١) وذلك في حجة الوداع، ففي قولها: أدركته فريضة الله
على عباده في الحج، وإقرار النبي ﷺ ذلك، دليل على أن من كان قادراً بماله دون بدنه، فإنه يجب عليه أن يقيم من يحج عنه، أما إن كان قادراً ببدنه دون ماله، ولا يستطيع الوصول إلى مكة ببدنه، فإن الحج لا يجب عليه.
стр. 8054
ومن القدرة: أن تجد المرأة محرماً لها، فإن لم تجد محرماً، فإن الحج لا يجب عليها، لكن اختلف العلماء: هل يجب عليها في هذه الحال أن تقيم من يحج عنها أو يعتمر، أو لا يجب، على قولين لأهل العلم، بناء على أن وجود المحرم هل هو شرط لوجوب الأداء، أو أن المحرم شرطٌ للوجوب، وأن المرأة التي لا تجد محرماً ليس عليها حج، ولا يلزمها أن تقيم من يحج عنها.
فهذه شروط خمسة لوجوب الحج، وعليها فأقول: هي الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة. وهذه الشروط تشمل الحج والعمرة معاً.
س ٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما شروط الإجزاء في أداء الحج والعمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: شروط الإجزاء: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، عند بعض أهل العلم. والصواب أن الحرية ليست شرطاً للإجزاء، وأن الرقيق لو حج فإن حجه يجزئه إذا كان سيده قد أذن له، لأن سقوط الوجوب عن العبد ليس لمعنى فيه، ولكن لوجود مانع، وهو انشغاله بخدمة سيده، فإذا أذن له سيده بذلك، صار الحج واجباً عليه ومجزءاً عنه.
س ٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما آداب السفر للحج ؟
стр. 8055
فأجاب فضيلته بقوله-: آداب سفر الحج تنقسم إلى قسمين: آداب واجبة، وآداب مستحبة. فأما الآداب الواجبة: فهي أن يقوم الإنسان بواجبات الحج وأركانه، وأن يتجنب محظورات الإحرام الخاصة، والمحظورات العامة، الممنوعة في الإحرام وفي غير الإحرام. لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١) .
وأما الآداب المستحبة في سفر الحج: إن يقوم الإنسان بكل ما ينبغي له أن يقوم به؟ من الكرم بالنفس والمال والجاه، وخدمة إخوانه وتحمل أذاهم، والكفّ عن مساوئهم، والإحسان إليهم،
سواء كان ذلك بعد تلبسه بالإحرام، أو قبل تلبسه بالإحرام، لأن هذه الآداب عالية فاضلة، تطلب من كل مؤمن في كل زمان ومكان، وكذلك الآداب المستحبة في نفس فعل العبادة، كأن يأتي
الإنسان بالحج على الوجه الأكمل، فيحرص على تكميله بالآداب القولية والفعلية، التي ربما يتسنى لنا الكلام عليها إن شاء الله تعالى في أسئلة أخرى.
س ٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف يستعد المسلم للحج والعمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الذي ينبغي أن يستعد به المسلم في حجه وعمرته، أن يتزود بكل ما يمكن أن يحتاج إليه في سفره، من المال، والثياب، والعتاد وغير ذلك، لأنه ربما يحتاج إليه في