وقال، الشيخ محمد أمين الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان ص٣١٩جـ٢ على تفسير آية استواء الله تعالى على عرشه التي في سورة الأعراف: اعلم أنه غلط في هذا خلق لا يحصى كثرة من المتأخرين، فزعموا أن الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من معنى الاستواء واليد مثلا في الآيات القرآنية هو مشابهة صفات الحوادث وقالوا: يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعا، قال: ولا يخفى على أدنى عاقل أن حقيقة معنى هذا القول أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله تعالى والقول فيه بما لا يليق به جل وعلا.
والنبي ﷺ الذي قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ . لم يبين حرفا واحدا من ذلك مع إجماع من يعتد به من العلماء على أنه، ﷺ ، لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد، لا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين، حتى جاء هؤلاء الجهلة من المتأخرين فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق، والنبي ﷺ ، كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه، وكل هذا من تلقاء أنفسهم من غير اعتماد على كتاب أو سنة، سبحانك هذا بهتان عظيم، ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال ومن أعظم الافتراء على الله جل وعلا ورسوله، ﷺ .
والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل وصف وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث. قال: وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل
стр. 947
عاقل هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته؟ لا والله لا ينكر ذلك إلا مكابر.
والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله؛ لأنه كفر وتشبيه، إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله جل وعلا وعدم الإيمان بها مع أنه جل وعلا هو الذي وصف بها نفسه.
فكان هذا الجاهل مشبّها أولا، ومعطلًا ثانيا فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء ولو كان قلبه عارفا بالله كما ينبغي، معظما لله كما ينبغي طاهرا من أقذار التشبيه، لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه أن وصف الله تعالى بالغ من الكمال والجلال ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون قلبه مستعدا للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق على نحو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . .ا. هـ كلامه ﵀.
والأشعري أبو الحسن ﵀ كان في آخر عمره على مذهب أهل السنة والحديث، وهو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
ومذهب الإنسان ما قاله أخيرا إذا صرح بحصر قوله فيه، كما هي الحال في أبي الحسن كما يعلم من كلامه في الإبانة.
وعلى هذا فتمام تقليده اتباع ما كان عليه أخيرا وهو التزام مذهب أهل الحديث والسنة؛ لأنه المذهب الصحيح الواجب الاتباع الذي التزم به أبو الحسن نفسه.
стр. 948
والجواب عن السؤال الثالث من وجهين:
الأول: أن الحق لا يوزن بالرجال، وإنما يوزن الرجال بالحق، هذا هو الميزان الصحيح، وإن كان لمقام الرجال ومراتبهم أثر في قبول أقوالهم، كما نقبل خبر العدل ونتوقف في خبر الفاسق، لكن ليس هذا هو الميزان في كل حال، فإن الإنسان بشر يفوته من كمال العلم وقوة الفهم ما يفوته، فقد يكون الرجل دينا وذا خلق ولكن يكون ناقص العلم أو ضعيف الفهم فيفوته من الصواب بقدر ما حصل له من النقص والضعف، أو يكون قد نشأ على طريق معين أو مذهب معين لا يكاد يعرف غيره فيظن أن الصواب منحصر فيه ونحو ذلك.
الثاني: أننا إذا قابلنا الرجال الذين على طريق الأشاعرة بالرجال الذين هم على طريق السلف وجدنا في هذه الطريق من هم أجل وأعظم وأهدى وأقوم من الذين على طريق الأشاعرة، فالأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة ليسوا على طريق الأشاعرة.
وإذا ارتقيت إلى من فوقهم من التابعين لم تجدهم على طريق الأشاعرة.
وإذا علوت إلى عصر الصحابة والخلفاء الأربعة الراشدين لم تجد فيهم من حذا حذو الأشاعرة في أسماء الله تعالى وصفاته، وغيرهما مما خرج به الأشاعرة عن طريق السلف.
ونحن لا ننكر أن لبعض العلماء المنتسبين إلى الأشعري قدم صدق في الإسلام والذب عنه، والعناية بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله، ﷺ رواية ودراية، والحرص على نفع المسلمين وهدايتهم، ولكن هذا لا يستلزم عصمتهم من الخطأ فيما أخطئوا فيه، ولا قبول قولهم في كل ما قالوه، ولا يمنع من بيان خطئهم ورده لما في ذلك من بيان الحق وهداية الخلق.
стр. 949
ولا ننكر أيضا أن لبعضهم قصدا حسنا فيما ذهب إليه وخفي عليه الحق فيه، ولكن لا يكفي لقبول القول حسن قصد قائله، بل لا بد أن يكون موافقا لشريعة الله فإن كان مخالفا لها وجب رده على قائله كائنا من كان؛ لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» .
ثم إن كان قائله معروفا بالنصيحة والصدق في طلب الحق اعتذر عنه في هذه المخالفة، وإلا عومل بما يستحقه بسوء قصده ومخالفته.
فإن قال قائل: هل تكفرون أهل التأويل أو تفسقونهم؟
قلنا: الحكم بالتكفير والتفسيق ليس إلينا، بل هو إلى الله تعالى ورسوله، ﷺ ، فهو من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة، فيجب التثبت فيه غاية التثبت فلا يكفر ولا يفسق إلا من دل الكتاب والسنة على كفره أو فسقه.
والأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي. ولا يجوز التساهل في تكفيره أو تفسيقه؛ لأن في ذلك محذورين عظيمين:
أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به.
الثاني: الوقوع فيما نبز به أخاه إن كان سالما منه. ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي، ﷺ ، قال: «إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما» . وفي رواية: «إن كان كما قال وإلا رجعت عليه» . وفيه عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : «ومن دعا رجلا بالكفر أو قال:عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه» .
стр. 950
وعلى هذا فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين:
أحدهما: دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق.
الثاني: انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه وتنتفي الموانع.
ومن أهم الشروط أن يكون عالما بمخالفته التي أوجبت أن يكون كافرا أو فاسقا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ . . وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ . .
ولهذا قال أهل العلم: لا يكفر جاحد الفرائض إذا كان حديث عهد بإسلام حتى يبين له.
ومن الموانع أن يقع ما يوجب الكفر أو الفسق بغير إرادة منه، ولذلك صور:
منها: أن يكره على ذلك فيفعله لداعي الإكراه لا اطمئنانا به، فلا يكفر حينئذ، لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . .
ومنها أن يغلق عليه فكره، فلا يدري ما يقول لشدة فرح أو حزن أو
стр. 951
خوف أو نحو ذلك.
ودليله ما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ -قال: قال رسول الله، ﷺ : «لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح» .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله ص١٨٠جـ١٢ مجموع الفتاوى لابن قاسم:
وأما التكفير فالصواب أن من اجتهد من أمة محمد، ﷺ ، وقصد الحق فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر، ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقا. وقد يكون له حسنات ترجح على سيئاته. ا. هـ.
وقال في ص٢٢٩جـ٣ من المجموع المذكور في كلام له: "هذا مع أني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني، أني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية. وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية. وذكر أمثلة ثم قال:
стр. 952
وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، إلى أن قال:
والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول، ﷺ ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها، ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر، أوجب تأويلها وإن كان مخطئا.
وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: «إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين. ففعلوا به ذلك فقال الله: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك فغفر له» .
فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذرى، بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك.
والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول، ﷺ ، أولى بالمغفرة من مثل هذا. ا. هـ.
وبهذا علم الفرق بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، فليس كل قول أو فعل يكون فسقا أو كفرا يحكم على قائله أو فاعله بذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ص١٦٥جـ٣٥ من مجموع الفتاوى:وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع، يقال:هي كفر قولا يطلق، كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت
стр. 953
في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه مثل من قال: إن الخمر أو الربا حلال لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية، بعيدة أو سمع كلاما أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن الكريم ولا أنه من أحاديث رسول الله، ﷺ ، كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي، ﷺ ، قالها. إلى أن قال: فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة كما قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ . وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان". ا. هـ كلامه.
ولهذا علم أن المقالة أو الفعلة قد تكون كفرا أو فسقا ولا يلزم من ذلك أن يكون القائم بها كافرا أو فاسقا، إما لانتفاء شرط التكفير أو التفسيق أو وجود مانع شرعي يمنع منه. ومن تبين له الحق فأصر على مخالفته تبعا لاعتقاد كان يعتقده أو متبوع كان يعظمه، أو دنيا كان يؤثرها، فإنه يستحق ما تقتضيه تلك المخالفة من كفر أو فسوق.
فعلى المؤمن أن يبني معتقده وعمله على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فيجعلهما إماما له يستضيء بنورهما، ويسير على منهاجهما، فإن ذلك هو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى به في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . .
وليحذر ما يسلكه بعض الناس من كونه يبني معتقده أو عمله على مذهب معين، فإذا رأى نصوص الكتاب والسنة على خلافه حاول صرف هذه النصوص إلى ما يوافق ذلك المذهب على وجوه متعسفة، فيجعل الكتاب والسنة تابعين لا متبوعين وما سواهما إماما لا تابعا! وهذه طريق من طرق أصحاب الهوى. لا أتباع الهدى وقد ذم الله هذه الطريق في
стр. 954
قوله: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ . .
والناظر في مسالك الناس في هذا الباب يرى العجب العجاب. ويعرف شدة افتقاره إلى اللجوء إلى ربه في سؤال الهداية والثبات على الحق والاستعاذة من الضلال والانحراف.
ومن سأل الله تعالى بصدق وافتقار إليه عالما بغنى ربه عنه وافتقاره هو إلى ربه، هو حري أن يتستجيب الله تعالى له سؤله يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ . .
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن رأى الحق حقّا واتبعه، ورأى الباطل باطلا واجتنبه. وأن يجعلنا هداة مهتدين، وصلحاء مصلحين، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب. والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبي الرحمة وهادي الأمة إلى صراط العزيز الحميد بإذن ربهم وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تم في اليوم الخامس عشر من شهر شوال سنة ١٤٠٤هـ
بقلم مؤلفه الفقير إلى الله
محمد الصالح العثيمين
стр. 955
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نص الكلمة التي نشرناها في مجلة الدعوة السعودية
في عدد ٩١١ الصادر يوم الاثنين الموافق ٤\١\١٤٠٤هـ
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد:
فقد كنا تكلمنا في بعض مجالسنا على معنى معية الله تعالى لخلقه، ففهم بعض الناس من ذلك ما ليس بمقصود لنا ولا معتقد لنا؛ فكثر سؤال الناس وتساؤلهم ماذا يقال في معية الله لخلقه؟
وإننا:
أ - لئلا يعتقد مخطئ أو خاطئ في معية الله ما لا يليق به.
ب - ولئلا يتقول علينا متقول ما لم نقله، أو يتوهم واهم فيما نقوله ما لم نقصده.
ج - ولبيان معنى هذه الصفة العظيمة التي وصف الله بها نفسه في عدة آيات من القرآن الكريم ووصفه بها نبيه محمد، ﷺ .
نقرر ما يأتي:
أولا: معية الله تعالى لخلقه ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع السلف
стр. 956
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ . . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ . . وقال تعالى لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ . . وقال عن رسوله محمد ﷺ : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ . .
وقال النبي ﷺ : «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت» . حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية وضعفه بعض أهل العلم وسبق قريبا ما قاله الله تعالى عن نبيه من إثبات المعية له.
وقد أجمع السلف على إثبات معية الله تعالى لخلقه.
ثانيا: هذه المعية حق على حقيقتها، لكنها معية تليق بالله تعالى ولا تشبه معية أي مخلوق لمخلوق؛ لقوله تعالى عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . . وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ . . وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ . . وكسائر صفاته الثابتة له حقيقة على وجه يليق به ولا تشبه صفات المخلوقين.
قال ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الصفات الواردة كلها في القرآن الكريم والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محدودة". ا. هـ.
стр. 957
نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص٨٧ من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لابن قاسم.
وقال شيخ الإسلام في هذه الفتوى ص١٠٢ من المجلد المذكور: ولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يعني مما جاء في الكتاب والسنة يناقض بعضه بعضا ألبتة، مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ . . وقوله ﷺ : «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه» . ونحو ذلك فإن هذا غلط وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة كما جمع الله بينهما في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . . فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي ﷺ ، في حديث الأوعال: «والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» .
وذلك أن كلمة "مع" في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا، ويقال هذا المتاع معي لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة، ا. هـ كلامه.
ثالثا: هذه المعية تقتضي الإحاطة بالخلق علما وقدرة، وسمعا وبصرا وسلطانا وتدبيرا وغير ذلك من معاني ربوبيته إن كانت المعية عامة لم تخص
стр. 958
بشخص أو صف كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ . . وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ . .
فإن خصت بشخص أو وصف اقتضت مع ذلك النصر والتأييد والتوفيق والتسديد.
مثال المخصوصة بشخص قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ . . وقوله عن النبي ﷺ : ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ . .
ومثال المخصوصة بوصف قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ . . وأمثاله في القرآن الكريم كثيرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص١٠٣ من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لابن قاسم قال: ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد. فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ . إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ . دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. قال: ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: لا تحزن إن الله معنا، كان هذا أيضا حقا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ . .
стр. 959
وكذلك قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ . . هنا المعية على ظاهرها وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد.
إلى أن قال: ففرق بين معنى المعية ومقتضاها، وربما صار مقتضاها من معناها فيختلف باختلاف المواضع. ا. هـ.
وقال محمد بن الموصلي في كتاب (استعجال الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) لابن القيم في المثال التاسع ص٤٠٩ط الإمام: وغاية ما تدل عليه "مع" المصاحبة والموافقة والمقارنة في أمر من الأمور، وهذا الاقتران في كل موضع بحسبه ويلزمه لوازم بحسب متعلقه، فإذا قيل: الله مع خلقه بطريق العموم كان من لوازم ذلك علمه بهم وتدبيره لهم وقدرته عليهم وإذا كان ذلك خاصا، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ . كان من لوازم ذلك معيته لهم بالنصرة والتأييد والمعونة.
فمعية الله تعالى مع عبده نوعان: عامة وخاصة، وقد اشتمل القرآن الكريم على النوعين، وليس ذلك بطريق الاشتراك اللفظي، بل حقيقتها ما تقدم من الصحبة اللائقة. ا. هـ.
وذكر ابن رجب في شرح الحديث التاسع والعشرين من الأربعين النووية: أن المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، وأن العامة تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم.
وقال ابن كثير في تفسير آية المعية في سورة المجادلة: ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه المعية معية علمه قال: ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضا مع علمه بهم وبصره نافذ فيهم فهو سبحانه مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء. ا. هـ.
стр. 960
رابعا: هذه المعية لا تقتضي أن يكون الله تعالى مختلطا بالخلق أو حالا في أمكنتهم ولا تدل على ذلك بوجه من الوجوه؛ لأن هذا معنى باطل مستحيل على الله ولا يمكن أن يكون معنى كلام الله ورسوله شيئا مستحيلا باطلا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية ص ١١٥ ط ثالثة من شرح محمد خليل الهراس: وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغةِ، بل القمر آية من آيات الله تعالى من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان. ا. هـ.
ولم يذهب إلى هذا المعنى الباطل إلا الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان. تعالى الله عن قولهم علوّا كبيرا. وكبرت كلمة تخرج من أفواهم، إن يقولون إلا كذبا.
وقد أنكر قولهم هذا من أدركه من السلف والأئمة، لما يلزم عليه من اللوازم الباطلة المتضمنة لوصفه تعالى بالنقائص وإنكار علوه على خلقه.
وكيف يمكن أن يقول قائل: إن الله تعالى بذاته في كل مكان أو إنه مختلط بالخلق وهو سبحانه قد " ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ "؟
خامسا: هذه المعية لا تناقض ما ثبت لله تعالى من علوه على خلقه، واستوائه على عرشه، فإن الله تعالى قد ثبت له العلو المطلق: علو الذات وعلو الصفة، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ . . وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ . . وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . .
стр. 961
وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة، والإجماع والعقل، والفطرة على علو الله تعالى.
أما أدلة الكتاب والسنة فلا تكاد تحصر. مثل قوله تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ . . وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ . . وقوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ . . وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ . . وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ . . إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
ومثل قوله ﷺ : «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» . وقوله: «والعرش فوق الماء والله فوق العرش» . وقوله: «ولا يصعد إلى الله إلا الطيب» .
ومثل إشارته إلى السماء يوم عرفة. يقول: «اللهم اشهد» ، يعني على الصحابة حين أقروا أنه بلّغ.
ومثل «إقراره الجارية حين سألها أين الله؟ قالت في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» .
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.
وأما الإجماع فقد نقل إجماع السلف على علو الله تعالى غير واحد من أهل العلم.
وأما دلالة العقل على علو الله تعالى فلأن العلو صفة كمال والسفول
стр. 962
صفة نقص، والله تعالى موصوف بالكمال منزه عن النقص.
وأما دلالة الفطرة على علو الله تعالى فإنه ما من داع يدعو ربه إلا وجد من قلبه ضرورة بالاتجاه إلى العلو من غير دراسة كتاب ولا تعليم معلم.
وهذا العلو الثابت لله تعالى بهذه الأدلة القطعية لا يناقض حقيقة المعية وذلك من وجوه:
الأول: أن الله تعالى جمع بينهما لنفسه في كتابه المبين المنزه عن التناقض، ولو كانا متناقضين لم يجمع القرآن الكريم بينهما.
وكل شيء في كتاب الله تعالى تظن فيه التعارض فيما يبدو لك، فأعد النظر فيه مرة بعد أخرى حتى يتبين لك. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ . .
الثاني: أن اجتماع المعية والعلو ممكن في حق المخلوق. فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، ولا يعد ذلك تناقضا، ومن المعلوم أن السائرين في الأرض والقمر في السماء، فإذا كان هذا ممكنا في حق المخلوق، فما بالك بالخالق المحيط بكل شيء.
قال الشيخ محمد خليل الهراس ص١١٥ في شرحه العقيدة الواسطية عند قول المؤلف: بل القمر آية من آيات الله تعالى، من أصغر مخلوقاته، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان قال: وضرب لذلك مثلا بالقمر الذي هو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغيره أينما كان، قال: فإذا جاز هذا في القمر وهو من أصغر مخلوقات الله تعالى، أفلا يجوز بالنسبة إلى اللطيف الخبير الذي أحاط بعباده علما وقدرة، والذي هو شهيد مطلع عليهم يسمعهم ويراهم ويعلم سرهم ونجواهم، بل العالم كله سمواته وأرضه من العرش إلى الفرش بين يديه، كأنه بندقة في يد أحدنا، أفلا يجوز لمن هذا شأنه، أن يقال:إنه مع خلقه مع كونه عاليا عليهم بائنا منهم فوق عرشه؟ . ا. هـ.
стр. 963
الوجه الثالث: أن اجتماع العلو والمعية لو فرض أنه ممتنع في حق المخلوق لم يلزم أن يكون ممتنعا في حق الخالق، فإن الله لا يماثله شيء من خلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية ص١١٦ط ثالثة من شرح الهراس: وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليّ في دنوه قريب في علوه. ا. هـ.
وخلاصة القول في هذا الموضوع كما يلي:
١ - أن معية الله تعالى لخلقه ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
٢ - أنها حق على حقيقتها على ما يليق بالله تعالى من غير أن تشبه معية المخلوق للمخلوق.
٣ - أنها تقتضي إحاطة الله تعالى بالخلق علما وقدرة، وسمعا وبصرا وسلطانا وتدبيرا، وغير ذلك من معاني ربوبيته، إن كانت المعية عامة، وتقتضي مع ذلك نصرا وتأييدا وتوفيقا وتسديدا إن كانت خاصة.
٤ - أنها لا تقتضي أن يكون الله تعالى مختلطا بالخلق، أو حالا في أمكنتهم، ولا تدل على ذلك بوجه من الوجوه.
٥ - إذا تدبرنا ما سبق علمنا أنه لا منافاة بين كون الله تعالى مع خلقه حقيقة، وكونه في السماء على عرشه حقيقة. سبحانه وبحمده لا نحصى ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
حرره الفقير إلى الله تعالى:
محمد الصالح العثيمين في ٢٧\١١\١٤٠٣ هـ
стр. 964
تم بحمد الله تعالى المجلد الثالث
ويليه بمشيئة الله المجلد الرابع
стр. 965
فتح رب البرية بتلخيص الحموية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإن الله تعالى: بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق، رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على العباد أجمعين، فأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وبين للناس جميع ما يحتاجون إليه في أصول دينهم وفروعه، فلم يدع خيراً إلا بينه وحث عليه، ولم يترك شراً إلا حذر الأمة عنه، حتى ترك أمته على المحجة البيضاء، ليلهاكنهارها، فسار عليها أصحابه نيرة مضيئة، وتلقاها عنهم كذلك القرون المفضلة، حتى تجهم الجو بظلمات البدع المتنوعة التي كاد بها مبتدعوها الإسلام وأهله، وصاروا يتخبطون فيها خبط عشواء، ويبنون معتقداتهم على نسج العنكبوت وأوهن. والرب تعالى: يحمي دينه بأوليائه الذين وهبهم من الإيمان، والعلم، والحكمة ما به يصدون هؤلاء الأعداء، ويردون كيدهم في نحورهم فما قام أحد ببدعة إلا قيض الله وله الحمد من أهل السنة من يدحض بدعته، ويبطلها.
وكان في مقدمة القائمين على هؤلاء المبتدعة: شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، ثم الدمشقي المولود في حران يوم الاثنين الموافق ١٠ ربيع الأول سنة ٦٦١ هجرية والمتوفى محبوساً ظلماً في قلعة دمشق في ذي القعدة سنة ٧٢٨ هجرية.
وله المؤلفات الكثيرة في بيان السنة، وتوطيد أركانها، وهدم البدع ومما ألفه في هذا الباب رسالة " الفتوى الحموية" التي كتبها جواباً لسؤال ورد عليه في سنة ٦٩٨ هجرية من " حماة" بلد في الشام يسأل فيه عما يقوله الفقهاء وأئمة الدين في آيات الصفات وأحاديثها؟ فأجاب بجواب يقع في حوالي ٨٣ صفحة وحصل له بذلك محنة، وبلاء فجزاه الله تعالى: عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء.
ولما كان فهم هذا الجواب والإحاطة به مما يشق على كثير من قرائه أحببت أن ألخص المهم منه مع زيادات تدعو الحاجة إليها وسميته " فتح رب البرية بتلخيص الحموية ".
وقد طبعته لأول مرة في سنة ١٣٨٠ هجرية، وها أنا أعيد طبعه للمرة الثانية، وربما غيرت ما رأيت من المصلحة تغييره من زيادة أو حذف.
والله أسأل أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه ونافعاً لعباده إنه جواد كريم.
стр. 966
الباب الأول: فيما يجب على العبد في دينه
الواجب على العبد في دينه هو اتباع ما قاله الله، وقاله رسوله محمد ﷺ والخلفاء الراشدون المهديون من بعده من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وذلك أن الله بعث محمدا ﷺ بالبينات، والهدى، وأوجب على جميع الناس أن يؤمنوا به، ويتبعوه ظاهرا وباطنا فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ .
وقال النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» .
والخلفاء الراشدون هم الذين خلفوا النبي ﷺ في العلم النافع، والعمل الصالح، وأحق الناس بهذا الوصف هم الصحابة ﵃، فإن الله اختارهم لصحبة نبيه ﷺ وإقامة دينه، ولم يكن الله تعالى- ليختار وهو العليم الحكيم لصحبة نبيه إلا من هم أكمل الناس إيمانا وأرجحهم عقولا، وأقومهم عملا، وأمضاهم عزما، وأهداهم طريقا، فكانوا أحق الناس أن يتبعوا بعد نبيهم ﷺ ومن بعدهم أئمة الدين الذين عرفوا بالهدى والصلاح.
стр. 967
الباب الثاني: فيما تضمنته رسالة النبي ﷺ من بيان الحق
في أصول الدين وفروعه
رسالة النبي ﷺ تتضمن شيئين هما: العلم النافع، والعمل الصالح كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ .
فالهدى هو: العلم النافع. ودين الحق هو: العمل الصالح الذي اشتمل على الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله ﷺ .
والعلم النافع يتضمن كل علم يكون للأمة فيه خير وصلاح في معاشها، ومعادها، وأول ما يدخل في ذلك العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، فإن العلم بذلك أنفع العلوم. وهو زبدة الرسالة الإلهية، وخلاصة الدعوة النبوية، وبه قوام الدين قولا، وعملا، واعتقادا.
ومن أجل هذا كان من المستحيل أن يهمله النبي ﷺ ولا يبينه بيانا ظاهرا ينفي الشك ويدفع الشبهة، وبيان استحالته من وجوه:
الأول: أن رسالة النبي ﷺ كانت مشتملة على النور والهدى: فإن الله بعثه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وأعظم النور وأبلغه ما يحصل للقلب بمعرفة الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله،
стр. 968
فلا بد أن يكون النبي ﷺ قد بينه غاية البيان.
الثاني: أن النبي ﷺ علم أمته جميع ما تحتاج إليه من أمور الدين، والدنيا، حتى آداب الأكل، والشرب، والجلوس، والمنام وغير ذلك. قال أبو ذر ﵁: " لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا منه علما". ولا ريب أن العلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، داخل تحت هذه الجملة العامة، بل هو أول ما يدخل فيها لشدة الحاجة إليه.
الثالث: أن الإيمان بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، هو أساس الدين، وخلاصة دعوة المرسلين، وهو أوجب وأفضل ما اكتسبته القلوب وأدركته العقول، فكيف يهمله النبي ﷺ من غير تعليم ولا بيان مع أنه كان يعلم ما هو دونه في الأهمية والفضيلة؟!
الرابع: أن النبي ﷺ كان أعلم الناس بربه وهو أنصحهم للخلق، وأبلغهم في البيان والفصاحة، فلا يمكن مع هذا المقتضى التام للبيان أن يترك باب الإيمان بالله، وأسمائه، وصفاته، ملتبسا مشتبها.
الخامس: أن الصحابة ﵃ لا بد أن يكونوا قائلين بالحق في هذا الباب لأن ضد ذلك إما السكوت وإما القول بالباطل، وكلاهما ممتنع عليهم:
أما امتناع السكوت فوجهه أن السكوت إما أن يكون عن جهل منهم بما يحب الله تعالى من الأسماء والصفات وما يجوز عليه منها ويمتنع، وإما أن يكون عن علم منهم بذلك ولكن كتموه، وكل منهما ممتنع:
أما امتناع الجهل: فلأنه لا يمكن لأي قلب فيه حياة، ووعي وطلب للعلم، ونهمة في العبادة إلا أن يكون أكبر همه هو البحث في الإيمان بالله تعالى، ومعرفته بأسمائه وصفاته، وتحقيق ذلك علما واعتقادا، ولا ريب
стр. 969
أن القرون المفضلة وأفضلهم الصحابة هم أبلغ الناس في حياة القلوب، ومحبة الخير، وتحقيق العلوم النافعة، كما قال النبي ﷺ : «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» . وهذه الخيرية تعم فضلهم في كل ما يقرب إلى الله من قول، وعمل، واعتقاد.
ثم لو فرضنا أنهم كانوا جاهلين بالحق في هذا الباب لكان جهل من بعدهم من باب أولى، لأن معرفة ما يثبت لله تعالى من الأسماء والصفات، أو ينفى عنه إنما تتلقى من طريق الرسالة، وهم الواسطة بين الرسول ﷺ وبين الأمة، وعلى هذا الفرض يلزم أن لا يكون عند أحد علم في هذا الباب وهذا ظاهر الامتناع.
وأما امتناع كتمان الحق: فلأن كل عاقل منصف عرف حال الصحابة ﵃ وحرصهم على نشر العلم النافع، وتبليغه الأمة فإنه لن يمكنه أن ينسب إليهم كتمان الحق ولا سيما في أوجب الأمور وهو معرفة الله وأسمائه وصفاته.
ثم إنه قد جاء عنهم من قول الحق في هذا الباب شيء كثير يعرفه من طلبه وتتبعه.
وأما امتناع القول بالباطل عليهم فمن وجهين:
أحدهما: أن القول بالباطل لا يمكن أن يقوم عليه دليل صحيح، ومن المعلوم أن الصحابة ﵃ أبعد الناس عن القول فيما لم يقم عليه دليل صحيح، خصوصا في أمر الإيمان بالله تعالى، وأمور الغيب فهم أولى الناس بامتثال قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ . وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 970
ثانيهما: أن القول الباطل إما أن يكون مصدره الجهل بالحق، وإما أن يكون مصدره إرادة ضلال الخلق وكلاهما ممتنع في حق الصحابة ﵃.
أما امتناع الجهل فقد تقدم بيانه.
وأما امتناع إرادة ضلال الخلق: فلأن إرادة ضلال الخلق قصد سيئ لا يمكن أن يصدر من الصحابة الذين عرفوا بتمام النصح للأمة ومحبة الخير لها.
ثم لو جاز عليهم سوء القصد فيما قالوه في هذا الباب لجاز عليهم سوء القصد فيما يقولون في سائر أبواب العلم والدين، فتعدم الثقة بأقوالهم وأخبارهم في هذا الباب وغيره، وهذا من أبطل الأقوال، لأنه يستلزم القدح في الشريعة كلها.
وإذا تبين أن الصحابة ﵃ لا بد أن يكونوا قائلين بالحق في هذا الباب فإنهم إما أن يكونوا قائلين ذلك بعقولهم، أو من طريق الوحي. والأول ممتنع، لأن العقل لا يدرك تفاصيل ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، فتعين الثاني وهو أن يكونوا تلقوا هذه العلوم من طريق رسالة النبي ﷺ فيلزم على هذا أن يكون النبي ﷺ قد بين الحق في أسماء الله وصفاته وهذا هو المطلوب.
стр. 971
الباب الثالث: في طريقة أهل السنة في أسماء الله وصفاته
أهل السنة والجماعة: هم الذين اجتمعوا على الأخذ بسنة النبي ﷺ والعمل بها ظاهرا، وباطنا في القول، والعمل، والاعتقاد.
وطريقتهم في أسماء الله وصفاته كما يأتي:
أولا: في الإثبات: فهي إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسول الله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل.
ثانيا: في النفي: فطريقتهم نفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أوعلى لسان رسوله ﷺ مع اعتقادهم ثبوت كمال ضده لله تعالى.
ثالثا: فيما لم يرد نفيه ولا إثباته مما تنازع الناس فيه كالجسم، والحيز والجهة ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه فلا يثبتونه ولا ينفونه لعدم ورود ذلك، وأما معناه فيستفصلون عنه، فإن أريد به باطل ينزه الله عنه ردوه، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله قبلوه.
وهذه الطريقة هي الطريقة الواجبة، وهي القول الوسط بين أهل التعطيل، وأهل التمثيل.
وقد دل على وجوبها العقل، والسمع:
فأما العقل فوجه دلالته: أن تفصيل القول فيما يجب، ويجوز، ويمتنع على الله تعالى لا يدرك إلا بالسمع فوجب اتباع السمع في ذلك بإثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، والسكوت عما سكت عنه.
وأما السمع: فمن أدلته قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
стр. 972
وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ .
فالآية الأولى: دلت على وجوب الإثبات من غير تحريف، ولا تعطيل لأنهما من الإلحاد.
والآية الثانية: دلت على وجوب نفي التمثيل.
والآية الثالثة: دلت على وجوب نفي التكييف، وعلى وجوب التوقف فيما لم يرد إثباته أو نفيه.
وكل ما ثبت لله من الصفات فإنها صفات كمال، يحمد عليها، ويثنى بها عليه، وليس فيها نقص بوجه من الوجوه فجميع صفات الكمال ثابتة لله تعالى على أكمل وجه.
وكل ما نفاه الله عن نفسه فهو صفات نقص، تنافي كماله الواجب، فجميع صفات النقص ممتنعة على الله تعالى لوجوب كماله. وما نفاه الله عن نفسه فالمراد به انتفاء تلك الصفة المنفية وإثبات كمال ضدها، وذلك أن النفي لا يدل على الكمال حتى يكون متضمنا لصفة ثبوتية يحمد عليها، فإن مجرد النفي قد يكون سببه العجز فيكون نقصا كما في قول الشاعر:
قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
وقد يكون سببه عدم القابلية فلا يقتضي مدحا كما لو قلت: الجدار لا يظلم.
إذا تبين هذا فنقول: مما نفى الله عن نفسه الظلم، فالمراد به انتفاء الظلم عن الله مع ثبوت كمال ضده وهو العدل، ونفى عن نفسه اللغوب
стр. 973
وهو التعب والإعياء، فالمراد نفي اللغوب مع ثبوت كمال ضده وهو القوة، وهكذا بقية ما نفاه الله عن نفسه والله أعلم.
التحريف:
التحريف لغة: التغيير.
وفي الاصطلاح: تغيير النص لفظا، أو معنى. والتغيير اللفظي قد يتغير معه المعنى وقد لا يتغير فهذه ثلاثة أقسام:
١ - تحريف لفظي يتغير معه المعنى، كتحريف بعضهم قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ . إلى نصب الجلالة ليكون التكليم من موسى.
٢ - وتحريف لفظي لا يتغير معه المعنى، كفتح الدال من قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا في الغالب لا يقع إلا من جاهل إذ ليس فيه غرض مقصود لفعله غالبا.
٣ - تحريف معنوي وهو صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل، كتحريف معنى اليدين المضافتين إلى الله إلى القوة والنعمة ونحو ذلك.
التعطيل:
التعطيل لغة: التفريغ والإخلاء.
وفي الاصطلاح هنا: إنكار ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات، أو إنكار بعضه فهو نوعان:
١ - تعطيل كلي، كتعطيل الجهمية الذين ينكرون الصفات وغلاتهم ينكرون الأسماء أيضا.
٢ - تعطيل جزئي، كتعطيل الأشعرية الذين ينكرون بعض
стр. 974
الصفات دون بعض، وأول من عرف بالتعطيل من هذه الأمة هو الجعد بن درهم.
التكييف.
التكييف: حكاية كيفية الصفة، كقول القائل: كيفية يد الله أو نزوله إلى السماء الدنيا كذا وكذا.
التمثيل، والتشبيه:
التمثيل: إثبات مثيل للشيء.
والتشبيه: إثبات مشابه له.
فالتمثيل يقتضي المماثلة، وهي المساواة من كل وجه، والتشبيه يقتضي المشابهة وهي المساواة في أكثر الصفات، وقد يطلق أحدهما على الآخر.
والفرق بينهما وبين التكييف من وجهين:
أحدهما: أن التكييف أن يحكي كيفية الشيء سواء كانت مطلقة أم مقيدة بشبيه، وأما التمثيل والتشبيه فيدلان على كيفية مقيدة بالمماثل والمشابه.
ومن هذا الوجه يكون التكييف أعم، لأن كل ممثل مكيف ولا عكس.
ثانيهما: أن التكييف يختص بالصفات، أما التمثيل فيكون في القدر، والصفة، والذات، ومن هذا الوجه يكون أعم لتعلقه بالذات، والصفات والقدر.
ثم التشبيه الذي ضل به من ضل من الناس على نوعين:
أحدهما: تشبيه المخلوق بالخالق.
والثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق.
стр. 975
فأما تشبيه المخلوق بالخالق فمعناه: إثبات شيء للمخلوق مما يختص به الخالق من الأفعال، والحقوق، والصفات.
فالأول: كفعل من أشرك في الربوبية ممن زعم أن مع الله خالقا.
والثاني: كفعل المشركين بأصنامهم حيث زعموا أن لها حقا في الألوهية فعبدوها مع الله.
والثالث: كفعل الغلاة في مدح النبي ﷺ ، أو غيره مثل قول المتنبي يمدح عبد الله بن يحيى البحتري:
فكن كما شئت يا من لا شبيه له ... وكيف شئت فما خلق يدانيكا
وأما تشبيه الخالق بالمخلوق فمعناه: أن يثبت لله تعالى في ذاته، أو صفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق من ذلك، كقول القائل: إن يدي الله مثل أيدي المخلوقين، واستواءه على عرشه كاستوائهم ونحو ذلك.
وقد قيل: إن أول من عرف بهذا النوع هشام بن الحكم الرافضي والله أعلم.
الإلحاد:
الإلحاد في اللغة: الميل.
وفي الاصطلاح: الميل عما يجب اعتقاده، أو عمله وهو قسمان:
أحدهما: في أسماء الله.
الثاني: في آياته.
فأما الإلحاد في أسمائه: فهوالعدول عن الحق الواجب فيها وهو أربعة أنواع:
١ - أن ينكر شيئا منها، أو مما دلت عليه الصفات، كما فعل المعطلة.
стр. 976
٢ - أن يجعلها دالة على تشبيه الله بخلقه، كما فعل المشبهة.
٣ - أن يسمي الله بما لم يسم به نفسه، لأن أسماء الله توقيفية كتسمية النصارى له "أبا " وتسمية الفلاسفة إياه " علة فاعلة " ونحو ذلك.
٤ - أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام كاشتقاق " اللات "من الإله و" العزى" من العزيز.
وأما الإلحاد في آياته: فيكون في الآيات الشرعية. وهي ما جاءت به الرسل من الأحكام، والأخبار، ويكون في الآيات الكونية. وهي ما خلقه الله ويخلقه في السموات والأرض.
فأما الإلحاد في الآيات الشرعية: فهو تحريفها: أو تكذيب أخبارها، أو عصيان أحكامها.
وأما الإلحاد في الآيات الكونية: فهو نسبتها إلى غير الله، أو اعتقاد شريك، أو معين له فيها.
стр. 977
الباب الرابع: في بيان صحة مذهب السلف وبطلان القول بتفضيل مذهب الخلف
في العلم والحكمة على مذهب السلف
سبق القول في بيان طريقة السلف وذكر الدليل على وجوب الأخذ بها، أما هنا فإننا نريد أن نبرهن على أن مذهب السلف هو المذهب الصحيح وذلك من وجهين:
أحدهما: أن مذهب السلف دل عليه الكتاب، والسنة، فإن من تتبع طريقتهم بعلم، وعدل وجدها مطابقة لما في الكتاب والسنة جملة وتفصيلا ولا بد فإن الله تعالى أنزل الكتاب ليدبر الناس آياته، ويعملوا بها إن كانت أحكاما، ويصدقوا بها إن كانت أخبارا، ولا ريب أن أقرب الناس إلى فهمها وتصديقها والعمل بها هم السلف، لأنها جاءت بلغتهم وفي عصرهم، فلا جرم أن يكونوا أعلم الناس بها فقها، وأقومهم عملا.
الثاني: أن يقال: إن الحق في هذا الباب إما أن يكون فيما قاله السلف، أو فيما قاله الخلف. والثاني باطل، لأنه يلزم عليه أن يكون الله ورسوله، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، قد تكلموا بالباطل تصريحا، أو ظاهرا، ولم يتكلموا مرة واحدة بالحق الذي يجب اعتقاده لا تصريحا ولا ظاهرا فيكون وجود الكتاب والسنة ضررا محضا في أصل الدين، وترك الناس بلا كتاب ولا سنة خيرا لهم وأقوم، وهذا ظاهر البطلان.
هذا وقد قال بعض الأغبياء: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
стр. 978
ومنشأ هذا القول أمران:
أحدهما: اعتقاد قائله- بسبب ما عنده من الشبهات الفاسدة - أن الله تعالى ليس له في نفس الأمر صفة حقيقية دلت عليها هذه النصوص.
الثاني: اعتقاده أن طريقة السلف هي الإيمان بمجرد ألفاظ نصوص الصفات من غير إثبات معنى لها، فيبقى الأمر دائرا بين أن نؤمن بألفاظ جوفاء لا معنى لها وهذه طريقة السلف - على زعمه- وبين أن نثبت للنصوص معاني تخالف ظاهرها الدال على إثبات الصفات لله وهذه هي طريقة الخلف، ولا ريب أن إثبات معاني النصوص أبلغ في العلم والحكمة من إثبات ألفاظ جوفاء ليس لها معنى، ومن ثم فضل هذا الغبي طريقة الخلف في العلم والحكمة على طريقة السلف.
وقول هذا الغبي يتضمن حقا وباطلا: فأما الحق فقوله: " إن مذهب السلف أسلم" وأما الباطل فقوله: " إن مذهب الخلف أعلم وأحكم " وبيان بطلانه من وجوه:
الوجه الأول: أنه يناقض قوله: (إن طريقة السلف أسلم) فإن كون طريقة السلف أسلم من لوازم كونها أعلم وأحكم، إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة، العلم بأسباب السلامة، والحكمة في سلوك تلك الأسباب، وبهذا يتبين أن طريقة السلف أسلم، وأعلم، وأحكم، وهو لازم لهذا الغبي لزوما لا محيد عنه.
الوجه الثاني: أن اعتقاده أن الله ليس له صفة حقيقية دلت عليها هذه النصوص اعتقاد باطل، لأنه مبني على شبهات فاسدة ولأن الله تعالى قد ثبتت له صفات الكمال عقلا، وفطرة، وشرعا:
فأما دلالة العقل على ثبوت صفات الكمال لله فوجهه أن يقال: إن
стр. 979
كل موجود في الخارج فلا بد أن يكون له صفة إما صفة كمال، وإما صفة نقص، والثاني باطل بالنسبة إلى الرب الكامل المستحق للعبادة، وبذلك استدل الله تعالى على بطلان ألوهية الأصنام باتصافها بصفات النقص والعجز بكونها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر، ولا تخلق، ولا تنصر فإذا بطل الثاني تعين الأول وهو ثبوت صفات الكمال لله.
ثم إنه قد ثبت بالحس والمشاهدة أن للمخلوق صفات كمال، والله سبحانه هو الذي أعطاه إياها فمعطي الكمال أولى به.
وأما دلالة الفطرة على ثبوت صفات الكمال لله فلأن النفوس السليمة مجبولة ومفطورة على محبة الله، وتعظيمه، وعبادته، وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من عرفت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته.
وأما دلالة الشرع على ثبوت صفات الكمال لله: فأكثر من أن تحصر مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ﴾ .إلى قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ . ومثل قوله ﷺ : «أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا، بصيرا، قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» .
стр. 980
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.
الوجه الثالث: أن اعتقاده أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ النصوص بغير إثبات معناها، اعتقاد باطل كذب على السلف، فإن السلف أعلم الأمة بنصوص الصفات لفظا ومعنى، وأبلغهم في إثبات معانيها اللائقة بالله تعالى على حسب مراد الله ورسوله.
الوجه الرابع: أن السلف هم ورثة الأنبياء والمرسلين فقد تلقوا علومهم من ينبوع الرسالة الإلهية وحقائق الإيمان.
أما أولئك الخلف فقد تلقوا ما عندهم من المجوس، والمشركين وضلال اليهود، واليونان. فكيف يكون ورثة المجوس، والمشركين، واليهود، واليونان، وأفراخهم، أعلم، وأحكم في أسماء الله وصفاته من ورثة الأنبياء والمرسلين؟!
الوجه الخامس: أن هؤلاء الخلف الذين فضل هذا الغبي طريقتهم في العلم والحكمة على طريقة السلف كانوا حيارى مضطربين بسبب إعراضهم عما بعث الله به محمدا ﷺ من البينات والهدى، والتماسهم علم معرفة الله تعالى ممن لا يعرفه بإقراره على نفسه وشهادة الأمة عليه حتى قال الرازي وهو من رؤسائهم مبينا ما ينتهي إليه أمرهم:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) . ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾
стр. 981
واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي" اهـ كلامه.
فكيف تكون طريقة هؤلاء الحيارى الذين أقروا على أنفسهم بالضلال والحيرة أعلم، وأحكم من طريقة السلف الذين هم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، والذين أدركوا من حقائق الإيمان والعلوم ما لو جمع إليه ما حصل لغيرهم لاستحيا من يطلب المقارنة فكيف بالحكم بتفضيل غيرهم عليهم؟!
وبهذا يتبين أن طريقة السلف أسلم، وأعلم، وأحكم.
стр. 982
الباب الخامس: في حكاية بعض المتأخرين لمذهب السلف
قال بعض المتأخرين: " مذهب السلف في الصفات إمرار النصوص على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد". اهـ.
وهذا القول على إطلاقه فيه نظر فإن لفظ " ظاهر" مجمل يحتاج إلى تفصيل:
فإن أريد بالظاهر ما يظهر من النصوص من الصفات التي تليق بالله من غير تشبيه فهذا مراد قطعا، ومن قال: إنه غير مراد فهو ضال إن اعتقده في نفسه، وكاذب أو مخطئ إن نسبه إلى السلف.
وإن أريد بالظاهر ما قد يظهر لبعض الناس من أن ظاهرها تشبيه الله بخلقه، فهذا غير مراد قطعا، وليس هو ظاهر النصوص لأن مشابهة الله لخلقه أمر مستحيل، ولا يمكن أن يكون ظاهر الكتاب والسنة أمرا مستحيلا، ومن ظن أن هذا هو ظاهرها فإنه يبين له أن ظنه خطأ، وأن ظاهرها بل صريحها إثبات صفات تليق بالله وتختص به.
وبهذا التفصيل نكون قد أعطينا النصوص حقها لفظا ومعنى والله أعلم.
стр. 983
الباب السادس: في لبس الحق بالباطل من بعض المتأخرين
قال بعض المتأخرين: " إنه لا فرق بين مذهب السلف ومذهب المئولين في نصوص الصفات فإن الكل اتفقوا على أن الآيات والأحاديث لا تدل على صفات الله، لكن المتأولون رأوا المصلحة في تأويلها لمسيس الحاجة إليه وعينوا المراد، وأما السلف فأمسكوا عن التعيين لجواز أن يكون المراد غيره". اهـ.
هذا كذب صريح على السلف فما منهم أحد نفى دلالة النصوص على صفات الله التي تليق به، بل كلامهم يدل على تقرير جنس الصفات في الجملة، والإنكار على من نفاها، أو شبه الله بخلقه كقول نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: " من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها". اهـ وكلامهم هذا كثير.
ومما يدل على إثبات السلف للصفات، وأنهم ليسوا على وفاق مع أولئك المتأولين: أن أولئك المتأولة كانوا خصوما للسلف، وكانوا يرمونهم بالتشبيه، والتجسيم، لإثباتهم الصفات، ولو كان السلف يوافقونهم في عدم دلالة النصوص على صفات الله لم يجعلوهم خصوما لهم، ويرموهم بالتشبيه والتجسيم وهذا ظاهر. ولله الحمد.
стр. 984
الباب السابع: في أقوال السلف المأثورة في الصفات
اشتهر عن السلف كلمات عامة وأخرى خاصة في آيات الصفات وأحاديثها فمن الكلمات العامة قولهم: " أمروها كما جاءت بلا كيف".
روي هذا عن مكحول، والزهري، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي.
وفي هذه العبارة رد على المعطلة والمشبهة، ففي قولهم: " أمروها كما جاءت" رد على المعطلة. وفي قولهم: " بلا كيف" رد على المشبهة.
وفيها أيضا دليل على أن السلف كانوا يثبتون لنصوص الصفات المعاني الصحيحة التي تليق بالله تدل على ذلك من وجهين:
الأول: قولهم: "أمروها كما جاءت". فإن معناها إبقاء دلالتها على ما جاءت به من المعاني، ولا ريب أنها جاءت لإثبات المعاني اللائقة بالله تعالى ولو كانوا لا يعتقدون لها معنى لقالوا: " أمروا لفظها ولا تتعرضوا لمعناها ". ونحو ذلك.
الثاني: قولهم: " بلا كيف " فإنه ظاهر في إثبات حقيقة المعنى، لأنهم لو كانوا لا يعتقدون ثبوته ما احتاجوا إلى نفي كيفيته، فإن غير الثابت لا وجود له في نفسه، فنفي كيفيته من لغو القول.
فإن قيل: ما الجواب عما قاله الإمام أحمد في حديث النزول وشبهه: " نؤمن بها ونصدق، لا كيف، ولا معنى".
قلنا: الجواب على ذلك: أن المعنى الذي نفاه الإمام أحمد في كلامه هو المعنى الذي ابتكره المعطلة من الجهمية وغيرهم، وحرفوا به نصوص
стр. 985
الكتاب والسنة عن ظاهرها إلى معاني تخالفه.
ويدل على ما ذكرنا أنه نفى المعنى، ونفى الكيفية، ليتضمن كلامه الرد على كلتا الطائفتين المبتدعتين: طائفة المعطلة، وطائفة المشبهة.
ويدل عليه أيضا ما قاله المؤلف في قول محمد بن الحسن:" اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن، والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تفسير، ولا وصف، ولا تشبيه". اهـ.
قال المؤلف: أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة، والتابعون من الإثبات. اهـ.
فهذا دليل على أن تفسير آيات الصفات وأحاديثها على نوعين:
الأول: تفسير مقبول: وهو ما كان عليه الصحابة والتابعون من إثبات المعنى اللائق بالله الموافق لظاهر الكتاب والسنة.
الثاني: تفسير غير مقبول: وهو ما كان بخلاف ذلك.
وهذا المعنى منه مقبول ومنه مردود على ما تقدم.
فإن قيل: هل لصفات الله كيفية؟
فالجواب: نعم! لها كيفية لكنها مجهولة لنا، لأن الشيء إنما تعلم كيفيته بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو خبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق غير موجودة في صفات الله. وبهذا عرف أن قول السلف: " بلا كيف " معناه بلا تكييف لم يريدوا نفي الكيفية مطلقا لأن هذا تعطيل محض. والله أعلم.