Полный текст (5 061 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
مِنَ الْأَحْكَامِ، وَفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَمَا أَحَلَّ اللهُ وَحَرَّمَ، أَيْ كَمَا ذَكَرَ فِي الْآيَةِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَمُجْمَلُ مَعْنَى الْآيَةِ: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَا بَحِيرَةَ وَلَا سَائِبَةَ وَلَا وَصِيلَةَ وَلَا حَامٍ، وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ بِمُقْتَضَى الْأَصْلِ لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ عَلَيْكُمْ قَطُّ، وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ كَذَلِكَ أَيْضًا، فَلَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنَ اللُّحُومِ الَّتِي ذَكَّوْا حَيَوَانَهَا، أَوْ صَادُوهَا كَيْفَمَا كَانَتْ تَذْكِيَتُهُ وَصَيْدُهُ عِنْدَهُمْ، وَأَنْ تُطْعِمُوهُمْ مِمَّا تُذَكُّونَ وَتَصْطَادُونَ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ لَحْمُ الْأُضْحِيَّةِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا مَا كَانَ خَاصًّا بِقَوْمٍ لَا يَشْمَلُهُمْ وَصْفُهُمْ ; كَالْمَنْذُورِ عَلَى أُنَاسٍ مُعَيَّنِينَ بِالذَّوَاتِ أَوْ بِالْوَصْفِ. وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، حِلٌّ لَكُمْ كَذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْأَصْلِ، وَمَا قَرَّرَهُ فِي آيَةِ النِّسَاءِ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (٤: ٢٤) لَمْ يُحَرِّمْهُنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ إِذَا أَعْطَيْتُمُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ الَّتِي تَفْرِضُونَهَا لَهُنَّ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَإِلَّا وَجَبَ لَهُنَّ مَهْرُ الْمِثْلِ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونُوا قَاصِدِينَ بِالزَّوَاجِ إِحْصَانَ أَنْفُسِكُمْ
وَأَنْفُسِهِنَّ، لَا الْفُجُورَ الْمُرَادُ بِهِ سَفْحُ الْمَاءِ جَهْرًا وَلَا سِرًّا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا هُوَ الِاحْتِيَاطُ وَبَحْثُ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَالتَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ إِنْشَاءٌ لِحِلِّهَا الْعَامِّ الدَّائِمِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدَهُ بَلْ قَالَ: حِلٌّ لَكُمْ وَهُوَ خَبَرٌ مُقَرِّرٌ لِلْأَصْلِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: مَسْأَلَةُ مُؤَاكَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَسْأَلَةُ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُمَا مُحَرَّمًا مِنْ قَبْلُ وَأُحِلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَا بِتَحْرِيمٍ مِنَ اللهِ وَلَا بِتَحْرِيمِ النَّاسِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ; كَمَا حَرَّمُوا بَعْضَ الطَّيِّبَاتِ. فَهَذَا مَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ نُكْتَةِ اخْتِلَافِ التَّعْبِيرِ، وَسَكَتَ عَنْهُ الْبَاحِثُونَ فِي نُكَتِ الْبَلَاغَةِ الَّذِينَ اطَّلَعْنَا عَلَى كَلَامِهِمْ، وَحِكْمَةُ النَّصِّ عَلَى هَذَا الْحِلِّ قَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَى الْغُلَاةِ أَنْ يُحَرِّمُوهُ بِاجْتِهَادِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَهُ مَعَ النَّصِّ الصَّرِيحِ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّ طَعَامَنَا حِلٌّ لَهُمْ دُونَ نِسَائِنَا، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُزَوِّجَهُمْ مِنَّا ; لِأَنَّ كَمَالَ الْإِسْلَامِ وَسَمَاحَتَهُ لَا يَظْهَرَانِ مِنَ الْمَرْأَةِ؛ لِسُلْطَانِ الرَّجُلِ عَلَيْهَا، هَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ لِمَنْ يَفْهَمُ الْعِبَارَةَ مُجَرَّدًا مِنْ تَقَالِيدِ الْمَذَاهِبِ، فَمَنْ فَهِمَ مِثْلَ فَهْمِنَا، فَفَهْمُهُ حَاكِمٌ عَلَيْهِ، وَلَا نُجِيزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَنَا فِيهِ تَقْلِيدًا.
(فَصْلٌ فِي طَعَامِ الْوَثَنِيِّينَ وَنِكَاحِ نِسَائِهِمْ)
أَخَذَ الْجَمَاهِيرُ مِنْ مَفْهُومِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ طَعَامَ الْوَثَنِيِّينَ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَذَا نِكَاحُ نِسَائِهِمْ، سَوَاءٌ مِنْهُمْ مَنْ يَحْتَجُّ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي اللَّقَبِ ; كَالدِّقَاقِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَنْ لَا يَحْتَجُّ بِهِ وَهُمُ الْجُمْهُورُ. وَالْقُرْآنُ لَمْ يُحَرِّمْ طَعَامَ الْوَثَنِيِّينَ وَلَا طَعَامَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مُطْلَقًا كَمَا حَرَّمَ نِكَاحَ نِسَائِهِمْ، بَلْ حَرَّمَ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، كَمَا حَرَّمَ مَا كَانَ يَأْكُلُهُ بَعْضُهُمْ
стр. 2032
مِنَ الْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ الْمَسْفُوحِ، وَحَرَّمَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ، فَالصَّابِئُونَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَأَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْمَجُوسُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي ثَوْرٍ خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ يُعَامَلُونَ مُعَامَلَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ فَقَطْ، وَيَرْوُونَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ، غَيْرَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ وَلَا نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُحَدِّثُونَ، وَلَكِنَّهُ اشْتُهِرَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَيُقَالُ: إِنِ الْفَرِيقَيْنِ كَانَا أَهْلَ كِتَابٍ، فَفَقَدُوهُ بِطُولِ الْأَمَدِ.
وَهَذَا مَا كُنْتُ أَعْتَقِدُهُ قَبْلَ أَنْ أَرَى فِيهِ نَقْلًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِنَا وَعُلَمَاءِ الْمِلَلِ وَالتَّارِيخِ
مِنَّا، وَذَكَرْتُهُ فِي الْمَنَارِ غَيْرَ مَرَّةٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ (الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ) لِأَبِي مَنْصُورٍ عَبْدِ الْقَاهِرِ بْنِ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيِّ (الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٢٩) فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَى الْبَاطِنِيَّةِ: " إِنَّ الْمَجُوسَ يَدَّعُونَ نُبُوَّةَ زَرَادُشْتَ، وَنُزُولَ الْوَحْيِ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ - تَعَالَى - وَالصَّابِئِينَ يَدَّعُونَ نُبُوَّةَ (هَرْمَسَ) وَ (وَالِيسْ) (وَدُورِيتُوسَ) وَ (أَفْلَاطُونَ) وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَسَائِرُ أَصْحَابِ الشَّرَائِعِ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ مُقِرُّونَ بِنُزُولِ الْوَحْيِ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الَّذِينَ أَقَرُّوا بِنُبُوَّتِهِمْ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ الْوَحْيَ شَامِلٌ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ عَنْ عَاقِبَةِ الْمَوْتِ، وَعَنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ وَجَنَّةٍ وَنَارٍ يَكُونُ فِيهِمَا الْجَزَاءُ عَنِ الْأَعْمَالِ السَّالِفَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْبَاطِنِيَّةَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ.
وَقَدْ نَشَرْنَا فِي فَتَاوَى الْمُجَلَّدِ الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الْمَنَارِ سُؤَالًا مِنْ جَاوَهْ عَنْ تَزَوُّجِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمَةِ كَالْوَثَنِيَّةِ الصِّينِيَّةِ، وَأَجَبْنَا عَنْهُ بِمَا نَصُّهُ (ص ٢٦١) .
ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ الْمُسْلِمَةِ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى حِلِّ الزَّوَاجِ بِالْكِتَابِيَّةِ وَحُرْمَةِ الزَّوَاجِ بِالْمُشْرِكَةِ، وَيُرِيدُونَ مِنَ الْكِتَابِيَّةِ: الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، وَأَحَلَّ بَعْضُهُمُ الْمَجُوسِيَّةَ أَيْضًا، وَبِالْمُشْرِكَةِ: الْوَثَنِيَّةَ مُطْلَقًا، بَلْ عَدُّوا جَمِيعَ النَّاسِ وَثَنِيِّينَ مَا عَدَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّهُمْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ لَقَبُ الْمُشْرِكِينَ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ عِنْدَمَا يَذْكُرُ أَهْلَ الْأَدْيَانِ يَعُدُّ الْمُشْرِكِينَ أَوِ الَّذِينَ أَشْرَكُوا صِنْفًا، وَأَهْلَ الْكِتَابِ صِنْفًا آخَرَ يَعْطِفُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ، وَكَذَا الْمَجُوسُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.
وَالَّذِي كَانَ يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ مَفْهُومِ لَفْظِ الْمُشْرِكِينَ فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ ; إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَا شُبْهَةُ كِتَابٍ، بَلْ كَانُوا أُمِّيِّينَ.
وَالْأَصْلُ فِي الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ آيَتَانِ فِي الْقُرْآنِ ; إِحْدَاهُمَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ (٢: ٢٢١) الْآيَةَ، وَالثَّانِيَةُ فِي الْمَائِدَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ (٥: ٥) وَقَدْ زَعَمَ
стр. 2033
مَنْ حَرَّمَ التَّزَوُّجَ بِالْكِتَابِيَّاتِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِتِلْكَ، وَرَدُّوهُ
بِأَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخٌ، فَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَدْخُلُونَ فِي عِدَادِ الْمُشْرِكِينَ، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ آيَةُ الْمَائِدَةِ مُخَصِّصَةً لِآيَةِ الْبَقَرَةِ، مُسْتَثْنِيَةً أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ عُمُومِهَا، وَإِلَّا فَهِيَ نَصٌّ مُسْتَقِلٌّ فِي جَوَازِ التَّزَوُّجِ بِنِسَائِهِمْ.
وَقَدْ سَكَتَ الْقُرْآنُ عَنِ النَّصِّ الصَّرِيحِ فِي حُكْمِ التَّزَوُّجِ بِغَيْرِ الْمُشْرِكَاتِ وَالْكِتَابِيَّاتِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ الَّذِينَ لَهُمْ كِتَابٌ أَوْ شُبْهَةُ كِتَابٍ ; كَالْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ، وَمِثْلُهُمُ الْبُوذِيُّونَ وَالْبَرَاهِمَةُ وَأَتْبَاعُ (كُونْفُوشْيُوسَ) فِي الصِّينِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ عُلَمَاءَنَا الَّذِينَ حَرَصَ بَعْضُهُمْ عَلَى إِدْخَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي عِدَادِ الْمُشْرِكِينَ، لَا يَتَرَدَّدُونَ فِي إِدْخَالِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فِي عُمُومِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي التَّفْرِقَةِ وَالْمُغَايَرَةِ، فَكَمَا غَايَرَ الْقُرْآنُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (٩٨: ١) وَقَوْلِهِ: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا (٣: ١٨٦) وَذَكَرَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِقِسْمَيْهِمْ فِي مَعْرِضِ الْمُغَايَرَةِ فِي قَوْلِهِ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينِ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينِ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى (٥: ٨٢) الْآيَةَ، كَذَلِكَ ذَكَرَ الصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسَ وَعَدَّهُمْ صِنْفَيْنِ غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٢٢: ١٧) فَهَذَا الْعَطْفُ فِي مَقَامِ تَعْدَادِ أَهْلِ الْمِلَلِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسِ طَائِفَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ، لَيْسَتَا مِنَ الصِّنْفِ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ الْكِتَابُ بِالْمُشْرِكِينَ وَبِالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسِ عِنْدَهُمْ كُتُبٌ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا إِلَهِيَّةٌ، وَلَكِنْ بُعْدُ الْعَهْدِ وَطُولُ الزَّمَانِ جَعَلَ أَصْلَهَا مَجْهُولًا لَنَا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَنْ جَاءُوا بِهَا مِنَ الْمُرْسَلِينَ ; لِأَنَّ اللهَ - تَعَالَى - يَقُولُ: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٣٥: ٢٤) وَقَالَ: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (١٣: ٧) وَإِنَّمَا قَوِيَتْ فِيهِمُ الْوَثَنِيَّةُ لِبُعْدِ الْعَهْدِ بِأَنْبِيَائِهِمْ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينِ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا
يَكُونُوا كَالَّذِينِ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٥٧: ١٦) وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِسْقَ الْكَثِيرِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَنْ هِدَايَةِ كُتُبِهِمْ، وَدُخُولَ نَزَغَاتِ الْوَثَنِيَّةِ وَالشِّرْكِ عَلَيْهِمْ - لَمْ يَسْلُبْهُمُ امْتِيَازَهُمْ فِي كِتَابِ اللهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَعَدَّهُمْ صِنْفًا آخَرَ، كَمَا أَنَّ فِسْقَ الْكَثِيرِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ هِدَايَةِ الْقُرْآنِ، وَدُخُولَ نَزَغَاتِ الْوَثَنِيَّةِ فِي عَقَائِدِهِمْ، لَا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الصِّنْفِ الَّذِينَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمُسْلِمِينَ وَلَفْظُ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ كَانُوا هُمُ الَّذِينَ يَعْنِيهِمُ الْخُطَبَاءُ
стр. 2034
عَلَى الْمَنَابِرِ بِقَوْلِهِمْ: لَمْ يَبْقَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ، وَيُطَبِّقُ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَ الصَّحِيحَيْنِ: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: " فَمَنْ؟ " وَبِهَذَا يُرَدُّ قَوْلُ مَنْ حَاوَلُوا إِدْخَالَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَتَحْرِيمَ التَّزَوُّجِ بِنِسَائِهِمْ ; مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - بَعْدَ ذِكْرِ اتِّخَاذِهِمْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ: سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩: ٣١) فَإِنَّ إِطْلَاقَ اللَّقَبِ عَلَى صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ، لَا يَقْتَضِي مُشَارَكَةَ صِنْفٍ آخَرَ لَهُ فِيهِ إِنْ أُسْنِدَ إِلَيْهِ مِثْلُ فِعْلِهِ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ (٢: ٢٢١) لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْفِعْلُ الَّذِي أُسْنِدَ إِلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ لَيْسَ هُوَ أَخَصَّ صِفَاتِهِ، وَلَيْسَ عَامًّا شَامِلًا لِأَفْرَادِهِ ; كَاتِّخَاذِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا يَتَّبِعُونَهُمْ فِيمَا يُحِلُّونَ لَهُمْ وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ وَصْفَهُمُ الْأَخَصَّ اتِّبَاعُ الْكِتَابِ، وَإِنَّ كَثِيرِينَ مِنْهُمْ يُخَالِفُونَ رُؤَسَاءَهُمْ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، وَمِنْهُمُ الْمُوَحِّدُونَ كَأَصْحَابِ (آرْيُوسَ) عِنْدَ النَّصَارَى، وَقَدْ كَثُرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِيهِمُ الْمُوَحِّدُونَ الْقَائِلُونَ بِنُبُوَّةِ الْمَسِيحِ بِسَبَبِ الْحُرِّيَّةِ فِي أُورُبَّةَ وَأَمِرِيكَةَ، وَكَانُوا قَلُّوا بِاضْطِهَادِ الْكَنِيسَةِ لَهُمْ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقُرْآنَ ذَكَرَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ الْقَدِيمَةِ الصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَرَاهِمَةَ وَالْبُوذِيِّينَ وَأَتْبَاعَ كُونْفُوشْيُوسَ ; لِأَنَّ الصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسَ كَانُوا مَعْرُوفِينَ عِنْدَ الْعَرَبِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالْقُرْآنِ أَوَّلًا ; لِمُجَاوَرَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْعِرَاقِ وَالْبَحْرَيْنِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَرْحَلُونَ إِلَى الْهِنْدِ وَالْيَابَانِ وَالصِّينِ فَيَعْرِفُوا الْآخَرِينَ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ حَاصِلٌ بِذِكْرِ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْمِلَلِ الْمَعْرُوفَةِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِغْرَابِ بِذِكْرِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ الْمُخَاطَبُونَ فِي عَصْرِ التَّنَزُّلِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ الْأُخْرَى، وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُخَاطَبِينَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَ الْبَرَاهِمَةِ وَالْبُوذِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَيْضًا.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقُرْآنَ صَرَّحَ بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْخُلَفَاءُ ﵃ لَا يَقْبَلُونَهَا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَقَبِلُوهَا مِنَ الْمَجُوسِ فِي الْبَحْرَيْنِ وَهَجَرَ وَبِلَادِ فَارِسَ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَى أَخْذَ النَّبِيِّ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ، أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ شَهِدَ لِعُمَرَ بِذَلِكَ عِنْدَمَا اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِيهِ، وَرَوَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَفِي سَنَدِهِ انْقِطَاعٌ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَعُدُّونَ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ، فَإِنَّ إِطْلَاقَ كَلِمَةِ " أَهْلِ الْكِتَابِ " عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنَ النَّاسِ لِتَحَقُّقِ أَصْلِ كُتُبِهِمَا وَلِزِيَادَةِ خَصَائِصِهِمَا، لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ أَهْلُ كِتَابٍ غَيْرَهُمْ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ اللهَ بَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
стр. 2035
بِالْقِسْطِ. كَمَا أَنَّ إِطْلَاقَ لَقَبِ " الْعُلَمَاءِ " عَلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ النَّاسِ لَهَا مَزَايَا مَخْصُوصَةٌ، لَا يَقْتَضِي انْحِصَارَ الْعِلْمِ فِيهِمْ وَسَلْبَهُ عَنْ غَيْرِهِمْ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي آيَاتٍ أُخْرَى التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، قَالَ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْمُنْتَقَى: " وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: (سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ) عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ " مَا نَصُّهُ: لَكِنْ رَوَى الشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ، كَانَ الْمَجُوسُ أَهْلَ كِتَابٍ يَدْرُسُونَهُ وَعِلْمٍ يَقْرَءُونَهُ، فَشَرِبَ أَمِيرُهُمُ الْخَمْرَ فَوَقَعَ عَلَى أُخْتِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ دَعَا أَهْلَ الطَّمَعِ فَأَعْطَاهُمْ وَقَالَ: إِنَّ آدَمَ كَانَ يُنْكِحُ أَوْلَادَهُ بَنَاتِهِ، فَأَطَاعُوهُ، وَقَتَلَ مَنْ خَالَفَهُ، فَأُسْرِيَ عَلَى كِتَابِهِمْ وَعَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبُرُوجِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ أَبْزَى: لَمَّا هَزَمَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ فَارِسَ قَالَ عُمَرُ: اجْتَمِعُوا - أَيْ قَالَ لِلصَّحَابَةِ اجْتَمَعُوا لِلْمُشَاوَرَةِ، كَمَا هِيَ السُّنَّةُ وَالْفَرِيضَةُ اللَّازِمَةُ - فَقَالَ: إِنِ الْمَجُوسَ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ فَنَضَعُ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَلَا مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُهُمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ: بَلْ هُمْ أَهْلُ كِتَابٍ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ: فَوَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَوَضَعَ الْأُخْدُودَ لِمَنْ خَالَفَهُ. فَهَذِهِ حُجَّةُ مَنْ قَالَ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: لَوْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَرُفِعَ لِرَفْعِ حُكْمِهِ، لَمَا اسْتُثْنِيَ حِلُّ
ذَبَائِحِهِمْ وَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَقَعَ تَبَعًا لِلْأَمْرِ الْوَارِدِ ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ شُبْهَةٌ تَقْتَضِي حَقْنَ الدَّمِ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يُحْتَاطُ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ تَحْرِيمُ نِكَاحِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْأَكْثَرَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ. اهـ.
إِذَا عَلِمْتَ هَذَا تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْمُشْرِكِينَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِنَبِيِّنَا وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِنَا، وَلَا جَمِيعَ مَنْ عَدَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْهُمْ، فَهَذَا نَقْلٌ صَحِيحٌ فِي الْمَجُوسِ، وَمِنْهُ تَعْلَمُ أَنَّ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالًا لِجَعْلِ لَفْظِ الْمُشْرِكَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي الْقُرْآنِ خَاصًّا بِوَثَنِيِّي الْعَرَبِ، وَأَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِمْ مَنْ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَا شُبْهَةُ كِتَابٍ يُقَرِّبُهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ فِيهِ خَاصٌّ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَيُقَاسُ عَلَيْهِمْ مَنْ عِنْدَهُمْ كُتُبٌ لَا يُعْرَفُ أَصْلُهَا، وَلَكِنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْآدَابِ وَالشَّرَائِعِ ; كَالْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ عَلَى شَاكِلَتِهِمْ، وَقَدْ صَرَّحَ قَتَادَةُ مِنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ فِي الْآيَةِ: الْعَرَبُ. كَمَا سَيَأْتِي.
وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ (٢: ٢٢١) نَصًّا قَاطِعًا فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الصِّينِيَّاتِ الَّذِي أَكْثَرَ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الصِّينِ، وَانْتَقَلَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِيهِ إِلَى جَاوَهْ أَوْ كَادَ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ انْتِشَارِ الْإِسْلَامِ فِي الصِّينِ، وَلَا أَدْرِي مَبْلَغَ أَثَرِهِ فِي ذَلِكَ عِنْدَكُمْ (الْخِطَابُ لِلْمُسْتَفْتِي) وَبِنَفْيِ كَوْنِهِ نَصًّا قَاطِعًا فِي ذَلِكَ لَا يَكُونُ اسْتِحْلَالُهُ كُفْرًا وَخُرُوجًا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَإِلَّا لَسَاغَ لَنَا أَنْ نَحْكُمَ بِكُفْرِ مَنْ لَا يُحْصَى مِنْ مُسْلِمِي الصِّينِ.
стр. 2036
هَذَا، وَإِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّكَاحِ الْحُرْمَةُ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةَ، وَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنَ النَّصِّ فِي الْحِلِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا لَمْ نَقُلْ بِأَنَّ هَذَا يَدْخُلُ فِي الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ: " إِنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَرِدَ النَّصُّ بِحَظْرِهِ " فَإِنَّنَا نَرُدُّ الْأَمْرَ إِلَى الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، فَنَسْمَعُهُ يَقُولُ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ أَزْوَاجِ الْآبَاءِ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا
مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ (٤: ٢٣، ٢٤) الْآيَةَ.
فَنَقُولُ عَلَى أُصُولِهِمْ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (٤: ٢٤) لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدْ نَزَلَ بَعْدَمَا جَاءَ فِي الْبَقَرَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ، وَفِي سُورَةِ النُّورِ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَةِ وَالزَّانِيَةِ أَوْ قَبْلَهُ، فَإِنْ كَانَ نَزَلَ بَعْدَهُ صَحَّ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ نَزَلَ قَبْلَهُ يَكُونُ تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمُشْرِكَةِ وَالزَّانِيَةِ مُسْتَثْنًى مِنْ عُمُومِ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ، سَوَاءٌ سُمِّيَ نَسْخًا أَمْ لَا، كَمَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ ; مِنْ مَنْعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبِنْتِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، قِيَاسًا عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ أَوْ إِلْحَاقًا بِهِ، وَجَعْلِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ كَالَّذِي يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ فِي الْأُصُولِ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، عَلَى أَنَّ الْجُمْهُورَ أَحَلُّوا التَّزَوُّجَ بِالزَّانِيَةِ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَكُونُ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّاتِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِنَّ كَالْمَجُوسِيَّاتِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ كَمَا نَقَلَ الْحَافِظُ ابْنُ الْمُنْذِرِ دَاخِلًا فِي عُمُومِ نَصِّ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ وَأَكَّدَ حِلَّ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ كُلِّهِ.
وَخُلَاصَةُ مَا تَقَدَّمَ: أَنَّ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّاتِ جَائِزٌ لَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ، وَنِكَاحَ الْمُشْرِكَاتِ مُحَرَّمٌ. وَكَوْنُ لَفْظِ الْمُشْرِكَاتِ عَامًّا لِجَمِيعِ الْوَثَنِيَّاتِ، أَوْ خَاصًّا بِمُشْرِكَاتِ الْعَرَبِ مَحَلَّ اجْتِهَادٍ وَخِلَافٍ بَيْنَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ: " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُرَادًا بِحُكْمِهَا مُشْرِكَاتُ الْعَرَبِ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ " وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَلَكِنَّ هَذَا قَالَ: " مُشْرِكَاتُ أَهْلِ الْأَوْثَانِ " وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ ابْنَ جَرِيرٍ مِنْ عَدِّهِ قَائِلًا بِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِمُشْرِكَاتِ الْعَرَبِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ سَائِرِ رِوَايَاتِ الْخِلَافِ: " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ قَتَادَةُ مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
стр. 2037
مِنَ الْمُشْرِكَاتِ، وَأَنَّ الْآيَةَ عَامٌّ ظَاهِرُهَا خَاصٌّ بَاطِنُهَا لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَأَنَّ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرُ دَاخِلَاتٍ فِيهَا " إِلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ فِي بَيَانِ حِلِّ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ.
هَذَا مَا يَظْهَرُ بِالْبَحْثِ فِي الدَّلِيلِ، وَلَكِنَّنَا لَمْ نَطَّلِعْ عَلَى قَوْلٍ صَرِيحٍ لِأَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي حِلِّ التَّزَوُّجِ بِمَا عَدَا الْكِتَابِيَّاتِ وَالْمَجُوسِيَّاتِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِحِلِّ الْمَجُوسِيَّةِ الْإِمَامُ أَبُو ثَوْرٍ صَاحِبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي تَفَقَّهَ بِهِ حَتَّى صَارَ مُجْتَهِدًا، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ تَفَرُّدَهُ لَا يُعَدُّ وَجْهًا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَالشَّافِعِيَّةُ لَا يُبِيحُونَ نِكَاحَ الْمَجُوسِيَّةِ فَضْلًا عَنِ الْوَثَنِيَّةِ الصِّينِيَّةِ.
وَلَا يَأْتِي فِي هَذَا الْمَقَامِ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْأُصُولِ: إِنَّ النَّهْيَ لَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ فِي الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُمُ اسْتَثْنَوْا مِنْهُ النِّكَاحَ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَقْدٌ مَوْضُوعٌ لِلْحِلِّ، فَلَمَّا انْفَصَلَ عَنْهُ مَا وُضِعَ لَهُ بِالنَّهْيِ الْمُقْتَضِي لِلْحُرْمَةِ، كَانَ بَاطِلًا بِخِلَافِ الْبَيْعِ ; لِأَنَّ وَضْعَهُ لِلْمِلْكِ لَا لِلْحِلِّ بِدَلِيلِ مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي مَوْضِعِ الْحُرْمَةِ كَالْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ ; فَلِذَلِكَ كَانَ النَّهْيُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ غَيْرَ مُقْتَضٍ لِبُطْلَانِ الْعَقْدِ، فَلَا يُقَالُ عِنْدَهُمْ: إِنَّ نِكَاحَ الصِّينِيَّةِ يَقَعُ صَحِيحًا وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا.
وَأَمَّا الْبَحْثُ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ جِهَةِ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ، فَقَدْ بَيَّنَ - تَعَالَى - ذَلِكَ فِي آيَةِ النَّهْيِ عَنِ التَّنَاكُحِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ (٢: ٢٢١) وَقَدْ وَضَّحْنَا ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَبَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُشْرِكَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ، فَيُرَاجَعْ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ التَّفْسِيرِ (مِنْ ص ٢٨٠ - ٢٨٤ ط الْهَيْئَةِ) وَمِنْهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لِكَوْنِهِمْ أَقْرَبَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ شُرِعَتْ مُوَادَّتُهُمْ ; لِأَنَّهُمْ بِمُعَاشَرَتِنَا وَمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ مِنَّا بِالتَّخَلُّقِ وَالْعَمَلِ، يَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّ دِينَنَا هُوَ عَيْنُ دِينِهِمْ مَعَ مَزِيدِ بَيَانٍ وَإِصْلَاحٍ يَقْتَضِيهِ تَرَقِّي الْبَشَرِ، وَإِزَالَةِ بِدَعٍ وَأَوْهَامٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ بَابِ الدِّينِ، وَمَا هِيَ مِنَ الدِّينِ فِي شَيْءٍ. وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَلَا صِلَةَ بَيْنَ دِينِنَا وَدِينِهِمْ قَطُّ ; وَلِذَلِكَ دَخَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي الْإِسْلَامِ مُخْتَارِينَ بَعْدَمَا انْتَشَرَ بَيْنَهُمْ، وَعَرَفُوا حَقِيقَتَهُ، وَلَوْ قُبِلَتِ الْجِزْيَةُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ كَمَا قُبِلَتْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَافَّةً، وَلَمَا قَامَتْ لِهَذَا الدِّينِ قَائِمَةٌ، وَمِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي الْقُرْبِ مِنَ الْإِسْلَامِ أَوِ الدَّعْوَةِ إِلَى النَّارِ: أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَمْ يَكُونُوا يُعَذِّبُونَ مَنْ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِيَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ مُشْرِكُو الْعَرَبِ.
ثُمَّ إِنَّ لِلْإِسْلَامِ سِيَاسَةً خَاصَّةً فِي الْعَرَبِ وَبِلَادِهِمْ، وَهِيَ: أَنْ تَكُونَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ
حَرَمَ الْإِسْلَامِ الْمَحْمِيَّ، وَقَلْبَهُ الَّذِي تَتَدَفَّقُ مِنْهُ مَادَّةُ الْحَيَاةِ إِلَى جَمِيعِ الْأَطْرَافِ، وَمَوْئِلَهُ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيْهِ عِنْدَ تَأَلُّبِ الْأَعْدَاءِ عَلَيْهِ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْ مِنْ مُشْرِكِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ الْجِزْيَةَ حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهَا مُشْرِكٌ، بَلْ أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ بِأَلَّا يَبْقَى فِيهَا دِينَانِ، كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْفَتْوَى الرَّابِعَةِ الْمَنْشُورَةِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي (ص ٩٧) مِنَ الْمُجَلَّدِ (الثَّانِي عَشَرَ) وَتَدُلُّ
стр. 2038
عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي كَوْنِ الْإِسْلَامِ يَأْرِزُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِلَى الْحِجَازِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ قَتَادَةَ " الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ " فِي الْآيَةِ.
إِذَا كَانَ الِازْدِوَاجُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ يُنَافِي هَذِهِ السِّيَاسَةَ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ الْأَصِيلُ فِي انْتِشَارِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ تَزَوُّجُ الْمُسْلِمِينَ بِالصِّينِيَّاتِ مَدْعَاةً لِدُخُولِهِنَّ فِي الْإِسْلَامِ، كَمَا هُوَ حَاصِلٌ فِي بِلَادِ الصِّينِ، فَلَا يَكُونُ تَعْلِيلُ الْآيَةِ لِلْحُرْمَةِ صَادِقًا عَلَيْهِنَّ، وَكَيْفَ يُعْطَى الضِّدُّ حُكْمَ الضِّدِّ؟ !
وَقَدْ حَذَّرْنَا فِي التَّفْسِيرِ مِنَ التَّزَوُّجِ بِالْكِتَابِيَّةِ إِذَا خُشِيَ أَنْ تَجْذِبَ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إِلَى دِينِهَا ; لِعِلْمِهَا وَجَمَالِهَا، وَجَهْلِهِ وَضَعْفِ أَخْلَاقِهِ، كَمَا يَحْصُلُ كَثِيرًا فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي تَزَوُّجِ بَعْضِ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِبَعْضِ الْأُورُبِّيَّاتِ، أَوْ غَيْرِهِنَّ مِنَ الْكِتَابِيَّاتِ، فَيُفْتَنُونَ بِهِنَّ، وَسَدُّ الذَّرِيعَةِ وَاجِبٌ فِي الْإِسْلَامِ. اهـ.
مُلَخَّصُ هَذِهِ الْفَتْوَى: أَنَّ الْمُشْرِكَاتِ اللَّاتِي حَرَّمَ اللهُ نِكَاحَهُنَّ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ هُنَّ مُشْرِكَاتُ الْعَرَبِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ الَّذِي رَجَّحَهُ شَيْخُ الْمُفَسِّرِينَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَأَنَّ الْمَجُوسَ وَالصَّابِئِينَ وَوَثَنِيِّي الْهِنْدِ وَالصِّينِ، وَأَمْثَالِهِمْ كَالْيَابَانِيِّينَ - أَهْلُ كُتُبٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى التَّوْحِيدِ إِلَى الْآنِ، وَالظَّاهِرُ مِنَ التَّارِيخِ وَمِنْ بَيَانِ الْقُرْآنِ أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ بُعِثَ فِيهَا رُسُلٌ، وَأَنَّ كُتُبَهُمْ سَمَاوِيَّةٌ طَرَأَ عَلَيْهَا التَّحْرِيفُ كَمَا طَرَأَ عَلَى كُتُبِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّتِي هِيَ أَحْدَثُ عَهْدًا فِي التَّارِيخِ، وَأَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّكَاحِ الْإِبَاحَةُ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ النَّصُّ بِمُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى - بَعْدَ بَيَانِ مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (٤: ٢٤) يُفِيدُ حِلَّ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَهُ إِلَّا بِنَصٍّ نَاسِخٍ لِلْآيَةِ أَوْ مُخَصِّصٍ لِعُمُومِهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ
بِصَدَدِ تَفْسِيرِهَا هُنَا أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا بِمَفْهُومِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَخَصَّصُوا أَهْلَ الْكِتَابِ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَهَذَا مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ، مَنَعَ الْجُمْهُورُ الِاحْتِجَاجَ بِهِ فِي اللَّقَبِ، وَلَكِنْ جَرَى الْعَمَلُ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلشُّعُورِ الَّذِي غَلَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ نَشْأَتِهِمْ بِعِزَّةِ الْإِسْلَامِ وَغَلَبَتِهِ، وَظُهُورِ انْحِطَاطِ جَمِيعِ الْمُخَالِفِينَ لَهُ عَنْ أَهْلِهِ ; وَلِهَذَا مَالَ بَعْضُ الْمُؤَلِّفِينَ إِلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ الْمَنْصُوصِ عَلَى حِلِّهِ فِي آخِرِ سُوَرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا، فَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ النَّصَّ بِأَنَّ مَعْنَى أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ عَمِلُوا بِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، أَوْ دَانُوا بِهِ قَبْلَ التَّحْرِيفِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، لَا يَصِحُّ لُغَةً، فَإِنَّ مَعْنَى أُوتُوهُ مِنْ قَبِلْنَا: أُعْطُوهُ ; أَيْ أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَالْمُفَسِّرُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي كُلِّ مَكَانٍ وَرَدَ فِيهِ هَذَا اللَّفْظُ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا (٦: ١٥٦) وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى لَمَا كَانَ لِلْآيَةِ فَائِدَةٌ.
وَمِنْهُمْ مَنِ الْتَمَسَ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ لِيَجْعَلَهُ حُجَّةً عَلَى الْقُرْآنِ، فَوَجَدُوا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مَنَعَ التَّزَوُّجَ بِالْكِتَابِيَّةِ، مُتَأَوِّلًا لِآيَةِ الْبَقَرَةِ، وَأَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْلَمُ شِرْكًا أَعْظَمُ
стр. 2039
مِنْ قَوْلِهَا أَنَّ رَبَّهَا عِيسَى، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَتَلَا عَلَيَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَآيَةَ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ (٢: ٢٢١) انْتَهَى مِنَ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ. وَظَاهِرُ مَعْنَى الْعِبَارَةِ أَنَّ اللهَ أَحَلَّ الْمُحْصَنَاتِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَحَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مَعَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ تَأَوَّلَ آيَةَ الْبَقَرَةِ، فَهُوَ إِذَا صَحَّ اجْتِهَادٌ مِنْهُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ اجْتِهَادَ الصَّحَابِيِّ يُعْمَلُ بِهِ فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا نَصٌّ، بَلْ مَنَعَهُ الْجُمْهُورُ مُطْلَقًا، وَمَنْ قَالَ بِهِ اشْتَرَطَ عَدَمَ النَّصِّ، وَأَلَّا يَكُونَ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَيْ لِئَلَّا يَكُونَ تَرْجِيحًا بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ سَائِرُ الصَّحَابَةِ، وَمِنْهُمْ وَالِدُهُ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ رَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ، أَنَّهُ قَالَ: " الْمُسْلِمُ يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانِيَّةَ، وَلَا يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانِيُّ الْمُسْلِمَةَ ".
وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ (٦٠: ١٠) وَهُوَ جَهْلٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّ هَذَا نَزَلَ فِي النِّسَاءِ الْمُشْرِكَاتِ اللَّوَاتِي أَسْلَمَ أَزْوَاجُهُنَّ وَبَقِينَ عَلَى شِرْكِهِنَّ.
وَأَقُولُ: إِنَّ الْجَاهِلِينَ بِأَخْلَاقِ الْبَشَرِ يَظُنُّونَ أَنَّ الْغِلْظَةَ فِي مُعَامَلَةِ الْمُخَالِفِ فِي الدِّينِ هِيَ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا الدِّينُ، وَتَعْلُو كَلِمَتُهُ، وَتَنْتَشِرُ دَعْوَتُهُ، وَالصَّوَابُ: أَنَّ سُوءَ الْمُعَامَلَةِ هُوَ أَعْظَمُ الْمُنَفِّرَاتِ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (٣: ١٥٩) وَمَا انْتَشَرَ الْإِسْلَامُ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ بِتِلْكَ السُّرْعَةِ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْ لَهَا نَظِيرٌ فِي دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ إِلَّا بِحُسْنِ مُعَامَلَةِ أَهْلِهِ لِمَنْ يُعَاشِرُونَهُمْ، وَيَعِيشُونَ مَعَهُمْ، وَلَوْلَا تَرْكُ الْخَلَفِ لِسُنَّةِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ لَمَا بَقِيَ فِي الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَحَدٌ لَمْ يَدْخُلِ الْإِسْلَامَ بِاخْتِيَارِهِ، بَلْ لَعَمَّ الْإِسْلَامُ الْعَالَمَ كُلَّهُ.
نَقُولُ هَذَا تَمْهِيدًا لِبَيَانِ حِكْمَةِ مُؤَاكَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِلَا تَحَرُّجٍ مِنْ تَذْكِيَتِهِمْ، وَحِلِّ نِسَائِهِمْ، وَهِيَ أَنَّ مِنْ غَرَضِ الشَّارِعِ بِذَلِكَ تَأَلُّفِهِمْ لِيَعْرِفُوا حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ دِينِهِمْ، فَقَدْ أَكْمَلَهُ اللهُ - تَعَالَى - بِحَسْبِ سُنَّتِهِ فِي التَّرَقِّي الْبَشَرِيِّ وَالتَّدْرِيجِيِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى كَمَالِهِ، وَهَذَا مِنْ مُنَاسَبَاتِ جَعْلِ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ الْآيَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِإِكْمَالِ الدِّينِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ (رِسَالَةِ التَّوْحِيدِ) :
" الْتَفَتَ إِلَى أَهْلِ الْعِنَادِ، فَقَالَ لَهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢: ١١١) وَعَنَّفَ الْمُنَازِعِينَ إِلَى الشِّقَاقِ عَلَى مَا زَعْزَعُوا مِنْ أُصُولِ الْيَقِينِ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّ التَّفَرُّقَ بَغْيٌ وَخُرُوجٌ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَلَمْ يَقِفْ فِي ذَلِكَ عِنْدَ حَدِّ الْمَوْعِظَةِ بِالْكَلَامِ وَالنَّصِيحَةِ بِالْبَيَانِ، بَلْ شَرَعَ شَرِيعَةَ الْوِفَاقِ وَقَرَّرَهَا فِي الْعَمَلِ، فَأَبَاحَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَسَوَّغَ
стр. 2040
مُؤَاكَلَتَهُمْ، وَأَوْصَى أَنْ تَكُونَ مُجَادَلَتُهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُحَاسَنَةَ هِيَ رَسُولُ الْمَحَبَّةِ وَعَقْدُ الْأُلْفَةِ، وَالْمُصَاهَرَةُ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ التَّحَابِّ بَيْنَ أَهْلِ الزَّوْجَيْنِ، وَالِارْتِبَاطِ بَيْنَهُمَا بِرَوَابِطِ الِائْتِلَافِ، وَأَقَلُّ مَا فِيهَا مَحَبَّةُ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ، وَهِيَ عَلَى غَيْرِ دِينِهِ، قَالَ تَعَالَى: خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (٣٠: ٢١) انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ.
وَإِذَا كَانَتِ الْحِكْمَةُ فِيمَا شَرَعَهُ اللهُ - تَعَالَى - مِنْ مُؤَاكَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالتَّزَوُّجِ مِنْهُمْ، هِيَ إِزَالَةُ الْجَفْوَةِ الَّتِي تَحْجُبُهُمْ عَنْ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ ; بِإِظْهَارِ مَحَاسِنِهِ لَهُمْ بِالْمُعَامَلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ - فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ يُرِيدُ الزَّوَاجَ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ مُظْهِرًا لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ وَسَالِكًا سَبِيلَهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ قُدْوَةً صَالِحَةً لِامْرَأَتِهِ وَلِأَهْلِهَا فِي الصَّلَاحِ وَالتَّقْوَى وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَإِنْ لَمْ يَرَ نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ فَلَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ، وَإِنَّنَا نَرَى بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ
الْمِصْرِيِّينَ وَالتُّرْكِ يَتَزَوَّجُونَ مِنْ نِسَاءِ الْإِفْرِنْجِ، وَلَكِنَّهُمْ يَسْتَدْبِرُونَ بِذَلِكَ هَذِهِ الْحِكْمَةَ، فَيَرَى أَحَدُهُمْ نَفْسَهُ دُونَ امْرَأَتِهِ وَيَجْعَلُهَا قُدْوَةً لَهُ، وَلَا يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِأَنْ يَكُونَ قُدْوَةً لَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْمَحُ لَهَا بِتَنْصِيرِ أَوْلَادِهِ، وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا فِي الْجِنْسِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ، فَفِتْنَتُهُمْ بِالْكُفْرِ أَكْبَرُ مِنْ فِتْنَتِهِمْ بِالنِّسَاءِ، وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
(تَتِمَّةٌ وَاسْتِدْرَاكٌ فِي مَبَاحِثِ حِلِّ الطَّعَامِ وَحَرَامِهِ وَالتَّذْكِيَةِ وَالتَّسْمِيَةِ)
كَتَبْنَا مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مُسْتَعِينِينَ عَلَى فَهْمِهَا بِبَيَانِ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَا جَرَى عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ شَأْنُنَا فِي فَهْمِ كِتَابِ اللهِ ، نَسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ وَبِأَسَالِيبِ لُغَةِ الْعَرَبِ وَسُنَنِ اللهِ فِي خَلْقِهِ. ثُمَّ رَاجَعْنَا بَعْدَ ذَلِكَ مَا كَتَبْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ حِلِّ الطَّعَامِ وَحَرَامِهِ فِي الْمُجَلَّدِ السَّادِسِ مِنَ الْمَنَارِ، فَرَأَيْنَا مَا كَانَ مِنْهُ بِفَهْمِنَا وَاجْتِهَادِنَا مُوَافِقًا لِمَا هُنَا مَعَ زِيَادَةِ بَيَانٍ لِحِكْمَةِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، وَنُقُولٍ مِنْ كُتُبِ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورَةِ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نُلَخِّصَ مِنْهُ مَا يَأْتِي إِتْمَامًا لِلْفَائِدَةِ؛ حَتَّى لَا يَبْقَى لِلْمُضِلِّينَ الْجَاهِلِينَ سُلْطَانٌ عَلَى الْمُطَّلِعِ عَلَيْهِ يُضِلُّونَهُ بِهِ، كَمَا فَعَلَ أَشْيَاعُهُمْ مِنْ نَحْوِ عَشْرِ سِنِينَ ; إِذْ سُئِلَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ الْمُفْتِي عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (فِي التِّرِنْسِفَالِ) يَضْرِبُونَ رَأْسَ الثَّوْرِ بِالْبَلْطَةِ، ثُمَّ يَذْبَحُونَهُ وَلَا يُسَمُّونَ اللهَ، كَمَا يَذْبَحُونَ الشَّاةَ بِدُونِ تَسْمِيَةٍ، فَأَفْتَى بِحِلِّ ذَبِيحَتِهِمْ هَذِهِ، فَقَامَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ يُشَنِّعُ عَلَى هَذِهِ الْفَتْوَى فِي بَعْضِ الْجَرَائِدِ، وَيَعُدُّ هَذِهِ الذَّبِيحَةَ مِنَ الْمَوْقُوذَةِ وَيَدَّعِي الْإِجْمَاعَ عَلَى حُرْمَةِ الْأَكْلِ مِنْهَا، فَكَتَبْنَا فِي مُجَلَّدِ الْمَنَارِ السَّادِسِ بَيَانَ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَجَاءَتْنَا رَسَائِلُ مِنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ مِصْرَ وَالْغَرْبِ، فَنَشَرْنَاهَا تَأْيِيدًا لِمَا كَتَبْنَاهُ فِي تَأْيِيدِ الْفَتْوَى، ثُمَّ اجْتَمَعَ طَائِفَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْأَزْهَرِ وَأَلَّفُوا رِسَالَةً أَيَّدُوا بِهَا الْفَتْوَى بِنُصُوصِ مَذَاهِبِهِمْ، وَطَبَعَهَا الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَمِيدِ حَمْرُوشُ (مِنْ عُلَمَاءِ الْأَزْهَرِ وَقُضَاةِ الشَّرْعِ لِهَذَا الْعَهْدِ) وَهَاكَ مَا رَأَيْنَا زِيَادَتَهُ الْآنَ:
стр. 2041
(حِكْمَةُ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ) بَيَّنَّا (فِي ص ٨١٨ و٨١٩ م ٦ الْمَنَارِ) حِكْمَةَ تَحْرِيمِ مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ ثَلَاثِ وُجُوهٍ، أَوْ ذَكَرْنَا لَهُ ثَلَاثَ حِكَمٍ:
(١) تَعْظِيمُ شَأْنِ الْقَصْدِ فِي الْأُمُورِ
كُلِّهَا لِيَكُونَ الْإِنْسَانُ مُعْتَمِدًا عَلَى كَسْبِهِ وَسَعْيِهِ، فَإِنَّ التَّزْكِيَةَ عِبَارَةٌ عَنْ إِزْهَاقِ رُوحِ الْحَيَوَانِ لِأَجْلِ أَكْلِهِ، وَلَهَا صُوَرٌ وَكَيْفِيَّاتٌ كَثِيرَةٌ، كَمَا عُلِمَ مِنْ تَفْسِيرِنَا لِلْآيَةِ.
(٢) أَنَّ الْمَيِّتَ حَتْفَ أَنْفِهِ يَغْلِبُ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَاتَ لِمَرَضٍ أَوْ أَكْلِ نَبَاتٍ سَامٍّ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ لَحْمُهُ ضَارًّا، وَكَذَا إِذَا مَاتَ مِنْ شِدَّةِ الضَّعْفِ وَانْحِلَالِ الطَّبِيعَةِ.
(٣) اسْتِقْذَارُ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ لَهُ وَاسْتِخْبَاثُهُ وَعَدُّ أَكْلِهِ مَهَانَةً تُنَافِي عِزَّةَ النَّفْسِ وَكَرَامَتَهَا، ثُمَّ قُلْنَا هُنَالِكَ مَا نَصُّهُ:
" وَأَمَّا مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَيْتَةِ حَتْفَ أَنْفِهَا مِنَ الْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ إِلَخْ، فَيَظْهَرُ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِهِ كُلُّ مَا ذُكِرَ إِلَّا حِكْمَةَ تَوَقِّي الضَّرَرِ فِي الْجِسْمِ، فَيَظْهَرُ فِيهِ بَدَلُهَا تَنْفِيرُ النَّاسِ عَنْ تَعْرِيضِ الْبَهِيمَةِ لِلْمَوْتِ بِإِحْدَى هَذِهِ الْمِيتَاتِ الْقَبِيحَةِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَأَنْ يَعْرِفُوا أَنَّ الشَّرْعَ يَأْمُرُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَيَنْهَى عَنْ تَعْذِيبِهِ، أَوْ تَعْرِيضِهِ لِلتَّعْذِيبِ، وَيُعَاقِبُ مَنْ يَتَهَاوَنُ فِي ذَلِكَ بِتَحْرِيمِ أَكْلِ الْحَيَوَانِ عَلَيْهِ كَيْلَا يَتَهَاوَنَ فِي حِفْظِ حَيَاتِهِ، فَإِنَّ الرُّعَاةَ يَغْضَبُونَ أَحْيَانًا عَلَى بَعْضِ الْبَهَائِمِ، فَيَقْتُلُونَهُ بِالضَّرْبِ، وَيُحَرِّشُونَ بَيْنَ الْبَهَائِمِ فَيُغْرُونَ الْكَبْشَيْنِ بِالتَّنَاطُحِ حَتَّى يَهْلَكَا أَوْ يَكَادَا، وَمَنْ كَانَ يَرْعَى أَنْعَامَ غَيْرِهِ بِالْأُجْرَةِ يَقَعُ لَهُ مِثْلُ هَذَا أَكْثَرَ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَا هَلَكَ بِتِلْكَ الْمِيتَاتِ حَلَالًا لَمَا بَعُدَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الرُّعَاةُ وَأَمْثَالُهُمْ مِنَ التُّحُوتِ تَعْرِيضَ الْبَهَائِمِ لَهَا لِيَأْكُلُوهَا بِعُذْرٍ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الْحِكْمَةِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ ; مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الْحَذْفِ - وَهُوَ الرَّمْيُ بِالْحَصَا - وَالْبُنْدُقِ - الطِّينِ الْمَشْوِيِّ - لِذَلِكَ: إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرْنَا (فِي ص ٨٢٢ م ٦) حِكْمَةً أُخْرَى فِي ضِمْنِ مَقَالَةٍ وَعْظِيَّةٍ لِعَالِمٍ مَغْرِبِيٍّ أَيَّدَ بِهَا فَتْوَى الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ، قَالَ: وَهَلْ عَرَفَ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءُ حِكْمَةَ الذَّبْحِ الْمُعْتَادِ، وَشُيُوعِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِّيءِ، مَعَ قِيَامِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ فِي الصَّيْدِ وَالدَّابَّةِ الشَّارِدَةِ وَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَالْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ؟ فَلْيَعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ قَتْلٍ بِحَسْبِ الْأَصْلِ مُوَصِّلٌ لِلْمَقْصُودِ، وَلَكِنَّ اللهَ لِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِنَا وَبِالْحَيَوَانِ، جَعَلَ بَيْنَنَا قِسْمَةً عَادِلَةً وَمِنَّةً عَامَّةً، فَحَرَّمَ عَلَيْنَا مَا قَتَلَهُ الْحَيَوَانُ، وَمَا مَاتَ فِي الْخَلَاءِ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنَّا، لِيَبْقَى ذَلِكَ كُلُّهُ لِلْحَيَوَانِ يَأْكُلُهُ ; لِأَنَّهَا أُمَمٌ أَمْثَالُنَا، وَكَأَنَّهُ - تَعَالَى - لَمْ يَرْضَ أَنْ نَأْكُلَ مَا لَمْ نَقْصِدْهُ وَلَمْ نُفَكِّرْ فِيهِ، فَأَمَّا الْمُذَكَّى وَالصَّيْدُ وَالسَّمَكُ، وَالْجَرَادُ وَنَحْوُهَا، فَإِنَّهَا كُلَّهَا لَا تُؤْخَذُ إِلَّا بِالنَّصَبِ وَالتَّعَبِ. انْتَهَى.
أَقُولُ: إِنَّنِي لَمَّا رَأَيْتُ هَذِهِ الْحِكْمَةَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ خَطَرَتْ فِي بَالِي تَذَكَّرْتُ أَنْ أُرَاجِعَ كِتَابَ حُجَّةِ اللهِ الْبَالِغَةِ ; لَعَلِّي أَجِدُّ فِيهِ مِنَ الْحِكْمَةِ مَا أَقْتَبِسُهُ فِي هَذَا الْمَقَالِ، فَرَأَيْتُهُ أَطَالَ فِي بَيَانِ
стр. 2042
حِكْمَةِ مُحَرَّمَاتِ الطَّعَامِ مُرَاعِيًا فِيهَا الْمُعْتَمَدُ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ الْمَسْفُوحِ إِلَّا أَنَّهُمَا نَجِسَانِ، وَفِي الْخِنْزِيرِ إِلَّا أَنَّهُ مُسِخَ بِصُورَتِهِ قَوْمٌ، وَقَدْ أَعْجَبَنِي فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ: " فِي اخْتِيَارِ أَقْرَبِ طَرِيقٍ لِإِزْهَاقِ الرُّوحِ اتِّبَاعُ دَاعِيَةِ الرَّحْمَةِ، وَهِيَ خَلَّةٌ يَرْضَى بِهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا أَكْثَرُ الْمَصَالِحِ الْمَنْزِلِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ، قَالَ ﷺ : مَا يُقْطَعُ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ أَقُولُ: كَانُوا يُجِبُّونَ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ وَيَقْطَعُونَ أَلِيَّاتِ الْغَنَمِ، وَفِي ذَلِكَ تَعْذِيبٌ وَمُنَاقَضَةٌ لِمَا شَرَعَ اللهُ مِنَ الذَّبْحِ، فَنُهِيَ عَنْهُ. قَالَ ﷺ : مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ سَأَلَهُ اللهُ عَنْ قَتْلِهِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: أَنْ يَذْبَحَهُ فَيَأْكُلَهُ، وَلَا يَقْطَعَ رَأْسَهُ فَيَرْمِيَ بِهِ أَقُولُ: هَهُنَا شَيْئَانِ مُشْتَبِهَانِ لَا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا، أَحَدُهُمَا: الذَّبْحُ لِلْحَاجَةِ وَاتِّبَاعِ إِقَامَةِ مَصْلَحَةِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ، وَالثَّانِي: السَّعْيُ فِي الْأَرْضِ بِإِفْسَادِ نَوْعِ الْحَيَوَانِ، وَاتِّبَاعِ دَاعِيَةِ قَسْوَةِ الْقَلْبِ. انْتَهَى. وَهُوَ مُوَافِقٌ وَمُؤَيِّدٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
(حِكْمَةُ إِبَاحَةِ قَتْلِ الْحَيَوَانِ لِأَجْلِ أَكْلِهِ)
ذَهَبَ بَعْضُ الْبَرَاهِمَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ إِلَى أَنَّ تَذْكِيَةَ الْحَيَوَانِ وَصَيْدَهُ لِأَجْلِ أَكْلِهِ قَبِيحٌ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُعَذِّبَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَحْيَاءِ لِأَجْلِ شَهْوَتِهِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الِاعْتِرَاضِ عَلَى الشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي أَبَاحَتْ أَكْلَ الْحَيَوَانِ كَالْمُوسَوِيَّةِ وَالْعِيسَوِيَّةِ وَالْمُحَمَّدِيَّةُ، وَمِمَّا يَطْعَنُ بِهِ النَّاسُ فِي أَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيِّ الْفَيْلَسُوفِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ اسْتِقْبَاحًا لَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَعُدُّهُ تَوَحُّشًا، لَا أَنَّهُ كَانَ يَعَافُهُ بِطَبْعِهِ كَكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ يُشْعِرُ بِهَذَا مَا حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَرِضَ فَوَصَفَ لَهُ الطَّبِيبُ فَرُّوجًا، فَلَمَّا جِيءَ بِهِ مَطْبُوخًا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اسْتَضْعَفُوكَ فَوَصَفُوكَ، هَلَّا وَصَفُوا شِبْلَ الْأَسَدِ؟ .
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّ الشَّرَائِعَ الْإِلَهِيَّةَ لَوْ لَمْ تُبِحْ لِلنَّاسِ أَكْلَ الْحَيَوَانِ لَكَانَ
هَذَا الِاعْتِرَاضُ يَرِدُ عَلَى نِظَامِ الْخِلْقَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَنِهِ أَنْ يَأْكُلَ بَعْضُ الْحَيَوَانِ بَعْضًا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَالْإِنْسَانُ أَجْدَرُ بِأَنْ يَأْكُلَ بَعْضَ الْحَيَوَانِ ; لِأَنَّ اللهَ فَضَّلَهُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ وَسَخَّرَهَا لَهُ كَمَا سَخَّرَ لَهُ جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْأَجْسَامِ وَالْقُوَى ; لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَإِظْهَارِ آيَاتِهِ فِي خَلْقِهِ، وَمَا أَوْدَعَ فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ وَالْعَجَائِبِ وَاللَّطَائِفِ وَالْمَحَاسِنِ. وَامْتِنَاعُ النَّاسِ عَنْ أَكْلِ مَا يَأْكُلُونَ مِنَ الْحَيَوَانِ كَالْأَنْعَامِ لَا يَعْصِمُهَا مِنَ الْمَوْتِ بِالْمَرَضِ أَوِ التَّرَدِّي، أَوْ فَرْسِ السِّبَاعِ لَهَا، وَرُبَّمَا كَانَتْ كُلُّ مِيتَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمِيتَاتِ أَهْوَنَ وَأَخَفَّ أَلَمًا مِنَ التَّذْكِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي كَتَبَ اللهُ فِيهَا الْإِحْسَانَ وَمُنْتَهَى الْعِنَايَةِ بِالْحَيَوَانِ، وَنَحْنُ نَرَى الشَّاةَ إِذَا شَمَّتْ رَائِحَةَ الذِّئْبِ أَوْ سَمِعَتْ عُوَاءَهُ تَنْحَلُّ قُوَاهَا، وَكَذَلِكَ شَأْنُ الدَّجَاجِ
стр. 2043
مَعَ الثَّعْلَبِ، وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ غَيْرِ الْمُفْتَرِسَةِ مَعَ السِّبَاعِ الْمُفْتَرِسَةِ، وَإِنَّمَا أَلَمُ الذَّبْحِ لَحْظَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَقُولُ عُلَمَاءُ الْحَيَاةِ: إِنَّ إِحْسَاسَ الْأَنْعَامِ وَالدَّوَابِّ بِالْأَلَمِ أَضْعَفُ مِنْ إِحْسَاسِ الْإِنْسَانِ بِهِ، فَلَا يُقَاسُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، عَلَى أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَعْظُمُ أَلَمُهُمْ مِنَ الْجُرْحِ، فَرُبَّمَا يُقْطَعُ عُضْوُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ لِعِلَّةٍ بِهِ وَلَا يَتَأَوَّهُ، وَقَدْ يُغْمَى عَلَى غَيْرِهِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ الْأَكْثَرُونَ إِلَّا إِذَا خُدِّرُوا تَخْدِيرًا لَا يَجِدُونَ مَعَهُ أَلَمًا وَلَا شُعُورًا.
(مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُنَاكَحَتِهِمْ)
جَاءَ فِي ص (٩٧) مِنَ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ " الْعُقُودِ الدُّرِّيَّةِ فِي تَنْقِيحِ الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ " لِابْنِ عَابِدِينَ الشَّهِيرِ، صَاحِبِ الْحَاشِيَةِ الشَّهِيرَةِ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ مَا نَصُّهُ:
" سُئِلَ فِي ذَبِيحَةِ الْعَرَبِيِّ الْكِتَابِيِّ هَلْ تَحِلُّ مُطْلَقًا أَوْ لَا (الْجَوَابُ) تَحِلُّ ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ ; لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا كَوْنَ الذَّابِحِ صَاحِبَ مِلَّةِ التَّوْحِيدِ حَقِيقَةً كَالْمُسْلِمِ، أَوْ دَعْوَى كَالْكِتَابِيِّ ; وَلِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِكِتَابٍ مِنْ كُتِبِ اللهِ تَعَالَى، وَتَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ، فَصَارَ كَالْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِي الْكِتَابِيِّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا يَهُودِيًّا، حَرْبِيًّا أَوْ عَرَبِيًّا تَغْلِبِيًّا ; لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُرَادُ بِطَعَامِهِمْ: مُذَكَّاهُمْ، قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي صَحِيحِهِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: " طَعَامُهُمْ: ذَبَائِحُهُمْ " وَلِأَنَّ مُطْلَقَ الطَّعَامِ غَيْرِ الْمُذَكَّى يَحِلُّ مِنْ أَيِّ كَافِرٍ كَانَ بِالْإِجْمَاعِ، فَوَجَبَ
تَخْصِيصُهُ بِالْمُذَكَّى، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكِتَابِيِّ أَنَّهُ سَمَّى غَيْرَ اللهِ ; كَالْمَسِيحِ وَالْعُزَيْرِ، وَأَمَّا لَوْ سَمِعَ فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَهُوَ كَالْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْيَهُودِيِّ أَنْ يَكُونَ إِسْرَائِيلِيًّا، وَفِي النَّصْرَانِيِّ أَلَّا يَعْتَقِدَ أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ؟ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ، وَبِهِ أَفْتَى " الْجَدُّ " فِي الْإِسْرَائِيلِيِّ، وَشَرَطَ فِي " الْمُسْتَصْفَى " لِحِلِّ مُنَاكَحَتِهِمْ عَدَمَ اعْتِقَادِ النَّصْرَانِيِّ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فِي " الْمَبْسُوطِ " فَإِنَّهُ قَالَ: " وَيَجِبُ أَلَّا يَأْكُلُوا ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ، وَأَنَّ عُزَيْرًا إِلَهٌ، وَلَا يَتَزَوَّجُوا نِسَاءَهُمْ " لَكِنَّ فِي " مَبْسُوطِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ ": وَتَحِلُّ ذَبِيحَةُ النَّصْرَانِيِّ مُطْلَقًا سَوَاءٌ قَالَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ أَوْ لَا، وَمُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْآيَةِ: الْجَوَازُ، كَمَا ذَكَرَهُ التِّمِرْتَاشِيُّ فِي فَتَاوَاهُ، وَالْأَوْلَى أَلَّا يَأْكُلَ ذَبِيحَتَهُمْ وَلَا يَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ، إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَا حَقَّقَهُ الْكَمَالُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَاللهُ وَلِيُّ الْإِنْعَامِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْأَنَامِ.
" قَالَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي رَسَائِلِهِ: قَالَ الْإِمَامُ: وَمَنْ دَانَ دِينَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنَ الصَّابِئَةِ وَالسَّامِرَةِ، أُكِلَ ذَبِيحَتُهُ وَحَلَّ نِسَاؤُهُ، وَحَكَى عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ فِيهِمْ، أَوْ فِي أَحَدِهِمْ، فَكَتَبَ مِثْلَ مَا قُلْنَا، فَإِذَا كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ النَّصَارَى فِرَقٌ، فَلَا يَجُوزُ إِذَا جَمَعَتِ النَّصْرَانِيَّةُ بَيْنَهُمْ أَنْ نَزْعُمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وَنِسَاؤُهُ، وَبَعْضَهُمْ
стр. 2044
يَحْرُمُ، إِلَّا بِخَبَرٍ مُلْزِمٍ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خَبَرًا، فَمَنْ جَمَعَتْهُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ فَحُكْمُهُ وَاحِدٌ " انْتَهَى بِحُرُوفِهِ. انْتَهَى مَا فِي الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ بِحُرُوفِهِ، وَبِهَذِهِ الْفَتْوَى أَيَّدَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْأَزْهَرِ الْفَتْوَى التِّرِنْسِفَالِيَّةِ لِلْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ.
(حُكْمُ مَا خَنَقَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ)
ذَكَرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ بَيْرَمٌ الْخَامِسُ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ فِي كِتَابِهِ (صَفْوَةُ الِاعْتِبَارِ) مَبْحَثًا طَوِيلًا فِي ذَبَائِحِ أَهْلِ أُورُبَّةَ، وَنَقَلَ عَنْ عُلَمَاءِ مَذْهَبِهِ أَنَّ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ حَلَالٌ مُطْلَقًا، وَجَاءَ بِتَفْصِيلٍ فِي أَنْوَاعِ الْمَأْكُولِ فِي أُورُبَّةَ ثُمَّ قَالَ مَا نَصُّهُ:
" وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْخَنْقِ، فَإِنْ كَانَ لِمُجَرَّدِ شَكٍّ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ لِتَحَقُّقٍ فَلَمْ أَرَ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ مُصَرَّحًا بِهِ عِنْدَنَا، وَقِيَاسُهَا عَلَى تَحْقِيقِ تَسْمِيَةِ غَيْرِ اللهِ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ يَرَى الْحِلَّ فِي مَسْأَلَةِ التَّسْمِيَةِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جَمْعٍ عَظِيمٍ
مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعَيْنَ وَالْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ ; فَالْقِيَاسُ عَلَيْهَا يُفِيدُ الْحِلِّيَّةَ، حَيْثُ خُصِّصُوا بِآيَةِ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَآيَةِ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ (٦: ١٢١) وَآيَةِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَكَذَلِكَ تَكُونُ مُخَصِّصَةً لِآيَةِ الْمُنْخَنِقَةِ، وَيَكُونُ حُكْمُ الْآيَتَيْنِ خَاصًّا بِفِعْلِ الْمُسْلِمِينَ وَالْإِبَاحَةِ عَامَّةً فِي طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَذَلِكَ الثَّانِي، وَقَدْ كُنْتُ رَأَيْتُ رِسَالَةً لِأَحَدِ أَفَاضِلِ الْمَالِكِيَّةِ نَصَّ فِيهَا عَلَى الْحِلِّ، وَجَلَبَ النُّصُوصَ مِنْ مَذْهَبِهِ بِمَا يَنْثَلِجُ بِهِ الصَّدْرُ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ عَمَلُ الْخَنْقِ عِنْدَهُمْ مِنْ قَبِيلِ الذَّكَاةِ، كَمَا أَخْبَرَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ: التَّوَصُّلُ إِلَى قَتْلِ الْحَيَوَانِ بِأَسْهَلِ قِتْلَةٍ ; لِلتَّوَصُّلِ إِلَى أَكْلِهِ، بِدُونِ فَرْقٍ بَيْنَ طَاهِرٍ وَنَجِسٍ، مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِ الْإِنْجِيلِ، عَلَى زَعْمِهِمْ - فَلَا مِرْيَةَ فِي الْحِلِّيَّةِ عَلَى هَاتِهِ الْمَذَاهِبِ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَسُوغُ تَقْلِيدُ الْحَنَفِيِّ لِغَيْرِ مَذْهَبِهِ؟ قُلْتُ: أَمَّا إِنْ كَانَ الْمُقَلِّدُ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَقَلَّدَ الْحَنَفِيَّ عَنْ تَرْجِيحِ بُرْهَانٍ فَهَذَا رُبَّمَا يُقَالُ: إِنَّهُ لَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ، أَيْ إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ لَهُ تَرْجِيحُ دَلِيلِ الْحِلِّ ثَانِيًا، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّقْلِيدِ الْبَحْتِ، كَمَا هُوَ فِي أَهْلِ زَمَانِنَا، فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَئِمَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءٌ، وَالْعَامِّيُّ لَا مَذْهَبَ لَهُ، وَإِنَّمَا مَذْهَبُهُ مَذْهَبُ مُفْتِيهِ، وَقَوْلُهُ: أَنَا حَنَفِيٌّ أَوْ مَالِكِيٌّ ; كَقَوْلِ الْجَاهِلِ أَنَا نَحْوِيٌّ، لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْهُ سِوَى مُجَرَّدِ الِاسْمِ، فَبِأَيِّ الْعُلَمَاءِ اقْتَدَى فَهُوَ نَاجٍ، عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ وَرَاءَ ذَلِكَ، فَقَدْ نَصُّوا عَلَى الْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ بِالْفِعْلِ فِي تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ لِغَيْرِهِ، وَالْكَلَامُ مَبْسُوطٌ فِي ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَقَدْ حَرَّرَ الْبَحْثَ أَبُو السُّعُودِ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ حَدِيثًا النَّوَوِيَّةِ، وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ رِسَالَةً عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمَكِّيُّ، فَلْيُرَاجِعْهَا مَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى التَّفْصِيلِ.
"
стр. 2045
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتَ أَنَّ الْخِنْزِيرَ مُحَرَّمٌ، وَهُوَ مِنْ طَعَامِهِمْ، فَلِمَاذَا لَا يُجْعَلُ مُخَصَّصًا بِالْحِلِّيَّةِ بِهَذِهِ الْفَتْوَى، أَيْ آيَةِ طَعَامِهِمْ، وَإِذَا جَعَلْتَ آيَةَ تَحْرِيمِهِ مُحْكَمَةً غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ، فَكَذَلِكَ تَكُونُ الْمُنْخَنِقَةُ، وَلِمَاذَا تَقِيسُهَا عَلَى مَسْأَلَةِ التَّسْمِيَةِ، وَلَا تَقِيسُهَا عَلَى مَسْأَلَةِ الْخِنْزِيرِ، وَأَيُّ مُرَجِّحٍ لِذَلِكَ؟ فَالْجَوَابُ: إِنَّ الْمَأْكُولَاتِ مِنْهَا مَا حُرِّمَ لِعَيْنِهِ، وَمِنْهَا مَا حُرِّمَ لِغَيْرِهِ
; فَالْخِنْزِيرُ وَمَا شَاكَلَهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ مُحَرَّمَةٌ لِعَيْنِهَا ; وَلِهَذَا تَبْقَى عَلَى تَحْرِيمِهَا فِي جَمِيعِ أَطْوَارِهَا وَحَالَاتِهَا، وَأَمَّا مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ، أَوْ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ أَتَى فِيهِ لِعَارِضٍ، وَهُوَ ذَلِكَ الْفِعْلُ، ثُمَّ أَتَى نَصٌّ آخَرُ عَامٌّ فِي طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَنَّهُ حَلَالٌ، فَأُخْرِجَ مِنْهُ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ ضَرُورَةً وَبِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا، وَبَقِيَ الْمُحَرَّمُ لِغَيْرِهِ ; وَهُوَ مَسْأَلَتَانِ، إِحْدَاهُمَا مَسْأَلَةُ التَّسْمِيَةِ، وَالثَّانِيَةُ مَسْأَلَةُ الْمُنْخَنِقَةِ، فَبَقِيَتَا فِي مَحَلِّ الشَّكِّ ; لِتَجَاذُبِ كُلٍّ مِنْ نَصَّيِ التَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ لَهُمَا، فَوَجَدْنَا إِحْدَاهُمَا - وَهِيَ مَسْأَلَةُ التَّسْمِيَةِ - وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَذَهَبَ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنْهُمْ إِلَى الْإِبَاحَةِ، وَبَقِيَتْ مَسْأَلَةُ الْمُنْخَنِقَةِ الَّتِي يَتَّخِذُهَا أَهْلُ الْكِتَابِ طَعَامًا لَهُمْ مَسْكُوتًا عَنْهَا، فَكَانَ قِيَاسُهَا عَلَى مَسْأَلَةِ التَّسْمِيَةِ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ ; لِاتِّحَادِ الْعِلَّةِ، وَأَمَّا قِيَاسُهَا عَلَى مَسْأَلَةِ الْخِنْزِيرِ فَهُوَ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ فَلَا يَصِحُّ، إِذْ شَرْطُ الْقِيَاسِ: الْمُسَاوَاةُ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَجَالِ لِأَنَّهُ مُهِمٌّ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَكَلَامُ النَّاسِ فِيهِ كَثِيرٌ، وَاللهُ يُؤَيِّدُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. انْتَهَى ".
(مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فِي طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ)
جَاءَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ مِنَ (الْمُدَوَّنَةِ) مَا نَصُّهُ " قُلْتُ: أَفَتَحِلُّ لَنَا ذَبَائِحُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَصِبْيَانِهِمْ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ إِذَا حَلَّ ذَبَائِحُ رِجَالِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَبَائِحِ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ إِذَا أَطَاقُوا الذَّبْحَ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا ذَبَحُوا لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ أَيُؤْكَلُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ، وَتَأَوَّلَ مَالِكٌ فِيهِ: أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ (٦: ١٤٥) وَكَانَ يَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَرِّمَهُ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا ذَبَحَتِ الْيَهُودُ مِنَ الْغَنَمِ فَأَصَابُوهُ فَاسِدًا عِنْدَهُمْ لَا يَسْتَحِلُّونَهُ لِأَجْلِ الرِّئَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا الَّتِي يُحَرِّمُونَهَا فِي دِينِهِمْ، أَيَحِلُّ أَكْلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: كَانَ مَالِكٌ مَرَّةً يُجِيزُهُ فِيمَا بَلَغَنِي. انْتَهَى " وَ (الْمُدَوَّنَةُ) عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، أَصْلُ الْمَذْهَبِ فَهِيَ كَالْأُمِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَجَاءَ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِلْإِمَامِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ الْفَرَسِ الْخَزْرَجَيِّ الْأَنْدَلُسِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٩٩ هـ مَا نَصُّهُ:
وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ اتُّفِقَ عَلَى أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ دَاخِلَةٌ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا حَلَالٌ لَنَا، وَأَمَّا سَائِرُ أَطْعِمَتِهِمْ مِمَّا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ النَّجَاسَاتِ فِيهِ ; كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَذَهَبَ
الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ
стр. 2046
ذَلِكَ مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ، وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي أُحِلَّ لَنَا: ذَبَائِحُهُمْ، فَأَمَّا مَا خِيفَ مِنْهُمُ اسْتِعْمَالُ النَّجَاسَةِ فِيهِ، فَيَجِبُ اجْتِنَابُهُ، وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ الطَّعَامَ يَتَنَاوَلُ ذَبَائِحَهُمْ بِاتِّفَاقٍ، فَهَلْ يُحْمَلُ لَفْظُهُ عَلَى عُمُومِهِ أَمْ لَا؟ فَالْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ حَمْلَ لَفْظِ الطَّعَامِ عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ مَا ذَبَحُوهُ، مِمَّا أَحَلَّ اللهُ لَهُمْ أَوْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، أَوْ حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَإِلَى نَحْوِ هَذَا ذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ مَا أَحَلَّ اللهُ خَاصَّةً، وَأَمَّا مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَلَا يَجُوزُ لَنَا، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِلَفْظِ الطَّعَامِ ذَبَائِحُهُمْ جَمِيعًا، إِلَّا مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ خَاصَّةً، لَا مَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَإِلَى نَحْوِ هَذَا ذَهَبَ أَشْهَبُ، وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللهَ يُجَوِّزُ لَنَا أَكْلَ مَا لَا يُجَوِّزُ لَهُمْ أَكْلَهُ، اخْتَلَفُوا: هَلْ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ أَوِ الْكَرَاهَةِ؟ وَهَذَا الْخِلَافُ كُلُّهُ مَوْجُودٌ فِي الْمَذَاهِبِ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِيمَا ذَبَحُوهُ لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ أَوْ سَمَّوْا عَلَيْهِ اسْمَ الْمَسِيحِ، هَلْ هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْإِبَاحَةِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ أَشْهَبُ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مُتَضَمِّنَةٌ تَحْلِيلَهُ، وَأَنَّ أَكْلَهُ جَائِزٌ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ ﵀، وَتَأَوَّلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ.
" الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ " اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، مَنْ هُمْ؟ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمَجُوسِ وَالصَّابِئَةِ وَالسَّامِرَةِ، هَلْ هُمْ مِمَّنْ أُوتِيَ كِتَابًا أَمْ لَا؟ وَعَلَى هَذَا يُخْتَلَفُ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَتِهِمْ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَفِي كِتَابِ (أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيِّ) فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ - أَيْضًا - مَا نَصُّهُ: " هَذَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ وَطَعَامَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ: مِنَ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَبَاحَهَا اللهُ، وَهُوَ الْحَلَالُ الْمُطْلَقُ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ اللهُ تَعَالَى لِيَرْفَعَ بِهِ الشُّكُوكَ وَيُزِيلَ الِاعْتِرَاضَاتِ عَنِ الْخَوَاطِرِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي تُوجِبُ الِاعْتِرَاضَاتِ، وَتُحْرِجُ إِلَى تَطْوِيلِ الْقَوْلِ، وَلَقَدْ سُئِلْتُ عَنِ النَّصْرَانِيِّ يَفْتِلُ عُنُقَ الدَّجَاجَةِ ثُمَّ يَطْبُخُهَا، هَلْ تُؤْكَلُ مَعَهُ أَوْ تُؤْخَذُ مِنْهُ طَعَامًا؟ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ، فَقُلْتُ: تُؤْكَلُ لِأَنَّهَا طَعَامُهُ وَطَعَامُ أَحْبَارِهِ وَرُهْبَانِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ ذَكَاةً عِنْدَنَا، وَلَكِنَّ اللهَ أَبَاحَ لَنَا طَعَامَهُمْ مُطْلَقًا، وَكُلُّ مَا يَرَوْنَهُ فِي دِينِهِمْ فَإِنَّهُ حَلَالٌ لَنَا، إِلَّا مَا كَذَّبَهُمُ اللهُ فِيهِ، وَلَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّهُمْ يُعْطُونَنَا نِسَاءَهُمْ أَزْوَاجًا، فَيَحِلُّ لَنَا وَطْؤُهُنَّ، فَكَيْفَ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَالْأَكْلُ
دُونَ الْوَطْءِ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ. انْتَهَى. وَفِيمَا قَالَهُ الْقَاضِي نَوْعٌ مِنَ التَّقْيِيدِ وَالتَّشْدِيدِ، إِذِ اعْتَبَرَ فِي طَعَامِهِمْ مَا يَأْكُلُهُ أَحْبَارُهُمْ وَرُهْبَانُهُمْ، وَهَذَا مَا اعْتَمَدَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ مُفْتِي مِصْرَ، فِي فَتْوَاهُ التِّرِنْسِفَالِيَّةِ.
وَقَدْ أَفْتَى الْمَهْدِيُّ الْوَزَّانِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ فَاسَ بِمِثْلِ مَا أَفْتَى بِهِ مُفْتِي مِصْرَ، وَلَمَّا عَلِمَ بِمُشَاغَبَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فِي فَتْوَى مُفْتِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، كَتَبَ رِسَالَةً فِي تَأْيِيدِ الْفَتْوَى بِنُصُوصِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، نَشَرْنَاهَا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ مُجَلَّدِ الْمَنَارِ السَّادِسِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ:
"
стр. 2047
الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِيمَا ذَبَحَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لِلصَّنَمِ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ مَعَ الْمُنْخَنِقَةِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا، وَقَيَّدُوهُ بِمَا لَمْ يَأْكُلُوهُ، وَإِلَّا كَانَ حَلَالًا لَنَا.
قَالَ الشَّيْخُ بَنَانِيُّ عَلَى قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ: " وَذَبْحٌ لِصَنَمٍ " مَا نَصُّهُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّنَمِ كُلُّ مَا عَبَدُوهُ مِنْ دُونِ اللهِ، ، بِحَيْثُ يَشْمَلُ الصَّنَمَ وَالصَّلِيبَ وَغَيْرَهُمَا، وَأَنَّ هَذَا شَرْطٌ فِي أَكْلِ ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ، كَمَا فِي التَّتَائِيِّ والزُّرْقَانِيِّ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ ﵀ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَنَصُّهُ: كَرِهَ مَالِكٌ ﵀ مَا ذَبَحَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ لِأَنَّهُ رَآهُ مُضَاهِيًا لِقَوْلِهِ : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ إِذْ لَمْ يَرَ الْآيَةَ مُتَنَاوِلَةً لَهُ، وَإِنَّمَا رَآهَا مُضَاهِيَةً لَهُ ; لِأَنَّ الْآيَةَ عِنْدَهُ إِنَّمَا مَعْنَاهَا فِيمَا ذَبَحُوا لِآلِهَتِهِمْ مِمَّا لَا يَأْكُلُونَ، قَالَ: وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ. انْتَهَى.
" وَقَالَ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَشْهَبَ: وَسَأَلْتُهُ عَمَّا ذُبِحَ لِلْكَنَائِسِ، قَالَ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: " كَرِهَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَكْلَ مَا ذَبَحُوا لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَوَجَّهَ قَوْلَ أَشْهَبَ أَنَّ مَا ذَبَحُوا لِكَنَائِسِهِمْ، لَمَّا كَانُوا يَأْكُلُونَهُ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ حَلَالًا لَنَا ; لِأَنَّ اللهَ ﵎ يَقُولُ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ قَوْلَ اللهِ : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فِيمَا ذَبَحُوهُ لِآلِهَتِهِمْ، مِمَّا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُونَهُ، فَهَذَا حَرَامٌ عَلَيْنَا بِدَلِيلِ الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا ". انْتَهَى.
" فَتَبَيَّنَ أَنَّ ذَبْحَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا قَصَدُوا بِهِ التَّقَرُّبَ لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُؤْكَلُ لِأَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَهُ، فَهُوَ لَيْسَ طَعَامَهُمْ، وَلَمْ يَقْصِدُوا بِالذَّكَاةِ إِبَاحَتَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَأَمَّا مَا يَأْتِي مِنَ الْكَرَاهَةِ فِي ذَبْحِ الصَّلِيبِ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَا ذَبَحُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ لَكِنْ سَمَّوْا عَلَيْهِ
اسْمَ آلِهَتِهِمْ فَهَذَا يُؤْكَلُ بِكُرْهٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ طَعَامِهِمْ " هَذَا الْغَرَضُ مِنْ كَلَامِ بُنَانِيٍّ، وَسَلَّمَهُ الرُّهُونِيُّ بِسُكُوتِهِ عَنْهُ، فَهَذَا شَاهِدٌ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ قَطْعًا ; لِأَنَّهُ عَلَّقَ جَوَازَ الْأَكْلِ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَالْمَنْعِ مِنْهُ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ، وَأَيْضًا لَيْسَ كُلُّ مَا يَحْرُمُ فِي ذَكَاتِنَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ فِي ذَكَاتِهِمْ، كَمَتْرُوكِ التَّذْكِيَةِ عَمْدًا ; فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ بِذَبِيحَتِنَا وَتُؤْكَلُ بِذَبِيحَتِهِمْ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ. فإذًا الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِهَا مِنْ طَعَامِهِمْ لَا غَيْرَ، وَاللهُ أَعْلَمُ ". انْتَهَى الْمُرَادُ مِمَّا كَتَبَهُ الْمُفْتِي الْوَزَّانِيُّ.
وَقَدْ أَطَالَ عُلَمَاءُ الْأَزْهَرِ فِي إِرْشَادِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ إِلَى أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ فِي الْفَتْوَى (التِّرِنْسِفَالِيَّةِ) وَالْقَوْلَ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ فِي طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفَصَّلُوهُ فِي بِضْعِ فُصُولٍ. الْفَصْلُ السَّابِعُ مِنْهَا فِي بَيَانِ أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ (أَيْ مِنْ حِلِّ مَا خَنَقَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ بِقَصْدِ التَّذْكِيَةِ لِأَكْلِهِ) هُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ قَاطِبَةً، وَالْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي رَدِّ الرُّهُونِيِّ بِرَأْيِهِ عَلَيْهِ، وَالتَّاسِعُ فِي تَفْنِيدِ كَلَامِ الرُّهُونِيِّ وَبَيَانِ بُطْلَانِهِ، قَالُوا فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ السَّابِعِ مَا نَصُّهُ:
стр. 2048
اعْلَمْ أَنَّهُ أَقَرَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْوَزَّانِيُّ وَصَاحِبُ الْمِعْيَارِ وَأَحْمَدُ بَابَا وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ مُحَقِّقِي الْمَالِكِيَّةِ كَالزَّيَّاتِيِّ، وَقَالَ: وَكَفَى بِهِ حُجَّةً، وَإِنْ رَدَّهُ الرُّهُونِيُّ بِالْأَقْيِسَةِ، وَمَا تَوَهَّمَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنَ التَّنَاقُضِ بَيْنَ كَلَامَيِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ: " مَا أَكَلُوهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الذَّكَاةِ كَالْخَنْقِ وَحَطْمِ الرَّأْسِ: مَيْتَةٌ حَرَامٌ، وَقَوْلِهِ: أَفْتَيْتُ بِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ يَفْتِلُ عُنُقَ الدَّجَاجَةِ ثُمَّ يَطْبُخُهَا: تُؤْكَلُ لِأَنَّهَا طَعَامُهُ وَطَعَامُ أَحْبَارِهِ وَرُهْبَانِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَكَاةً عِنْدَنَا ; لِأَنَّ اللهَ أَبَاحَ طَعَامَهُمْ مُطْلَقًا، وَكُلُّ مَا يَرَوْنَهُ فِي دِينِهِمْ فَهُوَ حَلَالٌ لَنَا، إِلَّا مَا كَذَّبَهُمُ اللهُ فِيهِ، دَفَعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ مَا يَرَوْنَهُ مُذَكًّى عِنْدَهُمْ حِلٌّ لَنَا أَكْلُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَكَاتُهُ، عِنْدَنَا ذَكَاةً، وَمَا لَا يَرَوْنَهُ مُذَكًّى لَا يَحِلُّ، وَيُرْجَعُ إِلَى قَصْدِ تَذْكِيَتِهِ لِتَحْلِيلِهِ وَعَدَمِهِ، كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنَ التَّتَائِيِّ عَلَى الْمُخْتَصَرِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " أَوْ مَجُوسِيًّا تَنَصَّرَ وَذَبَحَ لِنَفْسِهِ. . . إِلَخْ " وَلَمْ يُفْهَمْ مِنْ عِبَارَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُحَقِّقِينَ، أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَذْهَبٌ لَهُ وَحْدَهُ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ وَافَقَهُ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَبْنَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ جَمِيعًا، الْعَمَلُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ طَعَامِهِمْ فَهُوَ حِلٌّ لَنَا، سَوَاءٌ كَانَ يَحِلُّ لَنَا بِاعْتِبَارِ شَرِيعَتِنَا أَوْ لَا، فَالْمُعْتَبَرُ فِي حِلِّ طَعَامِهِمْ مَا هُوَ حَلَالٌ
لَهُمْ فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِشَرِيعَتِنَا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ النُّصُوصُ وَالتَّعَالِيلُ الْآتِيَةُ، وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِيمَا ذَبَحُوهُ لِلصَّلِيبِ أَوْ لِعِيسَى أَوْ لِكَنَائِسِهِمْ.
قَالَ الزَّيَّاتِيُّ فِي شَرْحِ الْقَصِيدَةِ: " الرَّابِعُ: مَا ذُبِحَ لِلصَّلِيبِ، أَوْ لِعِيسَى، أَوْ لِكَنَائِسِهِمْ يُكْرَهُ أَكْلُهُ. بَهْرَامُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: " وَمَا ذَبَحُوهُ وَسَمَّوْا عَلَيْهِ بِاسْمِ الْمَسِيحِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا ذَبَحُوهُ لِكَنَائِسِهِمْ، وَكَذَلِكَ مَا ذَبَحُوهُ لِلصَّلِيبِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ لُبَابَةَ: هُوَ حَرَامٌ ; لِأَنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ، وَذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ لِلْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ ". انْتَهَى.
" وَفِي الْقَلَشَانِيِّ أَنَّ أَشْهَبَ يَرَى - أَيْضًا - الْكَرَاهَةَ فِيمَا ذُبِحَ لِلْمَسِيحِ كَابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ: يُبَاحُ أَكْلُهُ، وَقَدْ أَبَاحَ اللهُ ذَبَائِحَهُمْ لَنَا وَقَدْ عَلِمَ مَا يَفْعَلُونَهُ، وَذَكَرَ الْقَلَشَانِيُّ - أَيْضًا - فِيمَا ذَبَحُوهُ لِكَنَائِسِهِمْ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: التَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ، وَأَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ الْكَرَاهَةُ.
وَنَقَلَ الْمَوَّاقُ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ مَا ذُبِحَ لِجِبْرِيلَ، ﵇. انْتَهَى. وَفِي مِنَحِ الْجَلِيلِ عَنِ الرَّمَاصِيِّ: أَجَازَ مَالِكٌ ﵁ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَكْلَ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسِيحِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَالْإِبَاحَةَ لِابْنِ حَارِثٍ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ رِوَايَةِ أَشْهَبَ. وَعَنْهُ أَبَاحَ اللهُ لَنَا ذَبَائِحَهُمْ، وَعَلِمَ مَا يَفْعَلُونَهُ ". انْتَهَى. وَسَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يُكْرَهُ: وَذُبِحَ لِصَلِيبٍ أَوْ عِيسَى، وَلَيْسَ تَحْرِيمُ الْمَذْبُوحِ لِلصَّنَمِ لِكَوْنِهِ ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُهُ، بَلْ لِكَوْنِهِ لَمْ تُقْصَدْ ذَكَاتُهُ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلِيبِ، قَالَ التُّونِسِيُّ: وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ (٦: ١٢١) .
стр. 2049
ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ مَا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ ; مِنْ حَيْثُ لَهُمْ دِينٌ وَشَرْعٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: نُسِخَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ حِلُّ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: فَالْمُرَادُ مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، وَ (أُهِلَّ) مَعْنَاهُ: صِيحَ، وَجَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ بِالصِّيَاحِ بِاسْمِ الْمَقْصُودِ بِالذَّبِيحَةِ، وَغَلَبَ فِي اسْتِعْمَالِهِ حَتَّى عُبِّرَ بِهِ عَنِ النِّيَّةِ الَّتِي هِيَ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ، ثُمَّ قَالَ: " وَالْحَاصِلُ أَنَّ ذِكْرَ اسْمِ غَيْرِ اللهِ لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَفِيهِ عَنِ الْبُنَانِيِّ، وَصَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، مِنْ كِتَابِ الذَّبَائِحِ، مَا نَصُّهُ: " كَرِهَ مَالِكٌ مَا ذَبَحَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ ; لِأَنَّهُ رَآهُ مُضَاهِيًا لِقَوْلِ اللهِ: أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ ; إِذْ لَمْ يَرَ الْآيَةَ مُتَنَاوِلَةً لَهُ، وَإِنَّمَا رَآهَا مُضَاهِيَةً لِقَوْلِ اللهِ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ إِنَّمَا مَعْنَاهَا فِيمَا ذَبَحُوهُ لِآلِهَتِهِمْ،
مِمَّا لَا يَأْكُلُونَهُ. قَالَ: وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ كِتَابِ الضَّحَايَا. وَقَالَ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَشْهَبَ: وَسَأَلْتُهُ عَمَّا ذُبِحَ لِلْكَنَائِسِ، قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ ". ابْنُ رُشْدٍ: " كَرِهَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَكْلَ مَا ذَبَحُوهُ لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَوَجَّهَ قَوْلَ أَشْهَبَ أَنَّ مَا ذَبَحُوهُ لِكَنَائِسِهِمْ، لَمَّا كَانُوا يَأْكُلُونَهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا ; لِأَنَّ اللهَ قَالَ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فِيمَا ذَبَحُوهُ لِآلِهَتِهِمْ، مِمَّا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُونَهُ ; فَهَذَا حَرَامٌ عَلَيْنَا بِدَلِيلِ الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا ". انْتَهَى. فَتَبَيَّنَ أَنَّ ذَبْحَ أَهْلِ الْكِتَابِ، إِنْ قَصَدُوا بِهِ التَّقَرُّبَ لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُؤْكَلُ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَهُ، فَهُوَ لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَمْ يَقْصِدُوا بِذَكَاتِهِ إِبَاحَتَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَأَمَّا مَا يَأْتِي مِنَ الْمَكْرُوهِ فِي: وَذُبِحَ لِصَلِيبٍ. . . إِلَخْ. فَأَرَادَ بِهِ مَا ذَبَحُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ وَسَمَّوْا عَلَيْهِ بِاسْمِ آلِهَتِهِمْ، فَهَذَا يُؤْكَلُ بِكُرْهٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ طَعَامِهِمْ. انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ التَّتَائِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي أُمَامَةَ، جَوَازَ أَكْلِ مَا ذُبِحَ لِلصَّنَمِ. انْتَهَى. وَأَنْتَ لَا يَذْهَبُ عَلَيْكَ أَنْ مَا ذُبِحَ لِلصَّنَمِ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، وَإِنَّمَا جَوَّزَهُ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ الْأَجِلَّاءُ لِكَوْنِهِ مِنْ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، تَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ الْعَلَامَةُ التَّتَائِيُّ، عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَذُبِحَ لِصَلِيبٍ أَوْ لِعِيسَى: أَيْ يُكْرَهُ أَكْلُ مَذْبُوحٍ لِأَجْلِهِ، مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ: " هُوَ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، وَمَا تَرَكَ مَالِكٌ الْعَزِيمَةَ بِتَحْرِيمِهِ، فِيمَا ظَنَنَّا، إِلَّا لِلْآيَةِ الْأُخْرَى وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ فَأَحَلَّ اللهُ - تَعَالَى - لَنَا طَعَامَهُمْ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَفْعَلُونَهُ، وَتَرْكُ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَيْضًا: كَرِهَ مَالِكٌ مَا ذَبَحُوهُ لِلْكَنَائِسِ أَوْ لِعِيسَى أَوْ لِلصَّلِيبِ أَوْ مَا مَضَى مِنْ أَحْبَارِهِمْ، أَوْ لِجِبْرِيلَ أَوْ لِأَعْيَادِهِمْ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ " انْتَهَى. وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ قَصْدُهُمْ بِهِ تَعْظِيمَ شِرْكِهِمْ مَعَ قَصْدِ الذَّكَاةِ. انْتَهَى. مِنْهُ بِلَفْظِهِ.
وَفِي بَهْرَامَ: وَذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ إِلَى جَوَازِ أَكْلِ مَا ذُبِحَ لِلصَّلِيبِ أَوْ غَيْرِهِ، مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ مِنْ طَعَامِهِمْ. انْتَهَى.
стр. 2050
وَقَالَ فِي مِنَحِ الْجَلِيلِ، عِنْدَ ذِكْرِ كَرَاهَةِ شَحْمِ الْيَهُودِيِّ: عِنْدَ الْبُنَانِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي شَحْمِ الْيَهُودِ: الْإِجَازَةُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالْمَنْعُ، وَأَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْأِجَازَةِ وَالْمَنْعِ ; لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ مِنْ قَبِيلِ الْإِجَازَةِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا اخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ هَلِ الْمُرَادُ بِذَلِكَ ذَبَائِحُهُمْ، أَوْ مَا يَأْكُلُونَ؟ فَمَنْ ذَهَبَ
إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَبَائِحُهُمْ أَجَازَ أَكْلَ شُحُومَهُمْ لِأَنَّهَا مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، وَمُحَالٌ أَنْ تَقَعَ الذَّكَاةُ عَلَى بَعْضِ الشَّاةِ دُونَ بَعْضٍ، وَمَنْ قَالَ: الْمُرَادُ مَا يَأْكُلُونَ، لَمْ يُجِزْ أَكْلَ شُحُومِهِمْ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ، فَلَيْسَتْ مِمَّا يَأْكُلُونَ.
وَفِي مِنَحِ الْجَلِيلِ - أَيْضًا - بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى التَّسْمِيَةِ، مَا نَصُّهُ: وَقَالَ فِي الْبَيَانِ وَالتَّبْيِينِ: " لَيْسَتِ التَّسْمِيَةُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الذَّكَاةِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ: لَا تَأْكُلُوا الْمَيْتَةَ الَّتِي لَمْ يُقْصَدْ إِلَى ذَكَاتِهَا ; لِأَنَّهَا فِسْقٌ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ (٦: ١١٨) : كُلُوا مِمَّا قَصَدْتُمْ إِلَى ذَكَاتِهِ، فَكَنَّى عَنِ التَّذْكِيَةِ بِالتَّسْمِيَةِ كَمَا كَنَّى عَنْ رَمْيِ الْجِمَارِ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ - تَعَالَى - حَيْثُ قَالَ: وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ (٢: ٢٠٣) انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنْهُ.
وَقَالَ فِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ: وَدَخَلَ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: " يُنَاكَحُ " أَيْ يَحِلُّ لَنَا وَطْءُ نِسَائِهِ فِي الْجُمْلَةِ، الْمُسْلِمِ وَالْكِتَابِيِّ، مُعَاهِدًا أَوْ حَرْبِيًّا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ الْآنَ وَمَنْ تَقَدَّمَ، خِلَافًا لِلطَّرْطُوشِيِّ فِي اخْتِصَاصِهِ بِمَنْ تَقَدَّمَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ بَدَّلُوا، فَلَا نَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ الذَّكَاةُ مِمَّا بَدَّلُوا، وَرُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْهُمْ، فَهُمْ مُصَدَّقُونَ فِيهِ. انْتَهَى. وَمِثْلُهُ فِي التَّتَائِيِّ بِلَا فَرْقٍ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَأَمَّا مَنْ يُذْكِي فَمَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا. . . إِلَخْ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ قَدْ أَطْلَقَ الْكَلَامَ عَلَى صِحَّةِ ذَكَاةِ الْكِتَابِيِّ، وَلَا بُدَّ مِنَ التَّفْصِيلِ فِي ذَلِكَ لِيَصِيرَ كَلَامُهُ مُوَافِقًا لِلْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَتَلْخِيصُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ إِنَّ كَانَ غَيْرَ كِتَابِيٍّ لَمْ تَصِحَّ ذَكَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ كِتَابِيًّا كَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ بَالِغًا أَوْ مُمَيِّزًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا، فَإِنْ كَانَ مَا ذَكَّاهُ مِمَّا يَسْتَحِلُّ أَكْلَهُ فَذَكَاتُهُ لَهُ صَحِيحَةٌ وَيَجُوزُ لَنَا الْأَكْلُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ قَدْ كَرِهَ الشِّرَاءَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - قَدْ أَبَاحَ لَنَا أَكْلَ طَعَامِهِمْ، وَمِنْ جُمْلَةِ طَعَامِهِمْ مَا يُذَكُّونَهُ، وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَّاهُ مِمَّا لَا يَسْتَحِلُّهُ، بَلْ مِمَّا يَقُولُ: إِنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ: فَإِنْ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِ بِنَصِّ شَرِيعَتِنَا كَذِي الظُّفْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادَوْا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفْرٍ (٦: ١٤٦) فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمْ بِشَرْعِنَا، بَلْ لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ قَوْلِهِمْ ; كَالَّتِي يُسَمُّونَهَا بِالطَّرِيقَةِ -
بِالطَّاءِ الْمُهْمِلَةِ - فَفِي جَوَازِ
стр. 2051
أَكْلِنَا مِنْهُ وَكَرَاهَتِهِ قَوْلَانِ، وَهُمَا لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: " وَثَبَتَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ، وَاقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ بَشِيرٍ بِاحْتِمَالِ صِدْقِ قَوْلِهِمْ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْكِتَابِيُّ لَا يَسْتَبِيحُ أَكْلَ الْمَيْتَةِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ أَكْلَهَا فَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: فَإِنْ غَابَ الْكِتَابِيُّ عَلَى ذَبِيحَتِهِ، فَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ الْمَيْتَةَ كَبَعْضِ النَّصَارَى، أَوْ شَكَكْنَا فِي ذَلِكَ لَمْ نَأْكُلْ مَا غَابُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ يُذَكُّونَ أَكَلْنَاهُ ". انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا يَذْبَحُهُ الْكِتَابِيُّ لِعِيدِهِ أَوْ لِلصَّلِيبِ أَوْ لِعِيسَى أَوْ لِلْكَنِيسَةِ أَوْ لِجِبْرِيلَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ - فَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَهَذَا مِنْ طَعَامِهِمْ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَاسْتَخَفَّهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَقَالُوا: قَدْ أَحَلَّ لَنَا ذَلِكَ وَهُوَ عَالِمٌ بِمَا يَفْعَلُونَهُ. انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا ذَبَحُوهُ لِلْأَصْنَامِ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: بِاتِّفَاقٍ ; لِأَنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ، فِيمَا ذَبَحَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لِعِيدِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَصُلْبَانِهِمْ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ: " الصَّحِيحُ أَنَّهُ حَلَالٌ، وَالْمُرَادُ بِمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ: مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَالْأَصْنَامُ، وَهِيَ ذَبَائِحُ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ أَصْبَغُ فِي ثُمَانِيَّةِ أَبِي زَيْدٍ: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ هِيَ الْأَصْنَامُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: وَأَهْلُ الْكِتَابِ لَيْسُوا أَصْحَابَ أَصْنَامٍ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: إِنَّا لَا نَأْكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ لِأَنْصَابِكُمْ ; يَعْنِي الْأَصْنَامَ، وَأَمَّا مَا ذَبَحَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا يُرَاعَى ذَلِكَ فِيهِمْ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ - سُبْحَانَهُ - لَهُمْ حُرْمَةً، فَأَجَازَ مُنَاكَحَتَهُمْ وَذَبَائِحَهُمْ ; لِتَعَلُّقِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ، وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا كَافِرِينَ، وَلَوْ كَانَ يَحْرُمُ مَا ذُبِحَ بِاسْمِ الْمَسِيحِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْكَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، إِلَّا أَنْ يُسْأَلَ هَلْ سَمَّى عَلَيْهِ الْمَسِيحَ أَوْ ذَبَحَ لِلْكَنِيسَةِ؟ بَلْ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الْمَسِيحَ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ صَادِقٍ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ حَلَّتْ ذَبَائِحُهُمْ كَيْفَ كَانَتْ. انْتَهَى.
فَانْظُرْ كَيْفَ تَضَافَرَتْ كُلُّ هَذِهِ النُّصُوصِ كَبَاقِي نُصُوصِ جَمِيعِ الْمَالِكِيَّةِ، عَلَى إِنَاطَةِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ بِكَوْنِهِ حَلَالًا عِنْدَهُمْ - أَيْ يَأْكُلُونَهُ - وَعَدَمِهِ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ مَا قَصَدَ إِلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالْحَفَّارُ، وَقَالَ: أَهْلُ الْمَذْهَبِ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ وَيُفْتُونَ بِحِلِّ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ،
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى تَعْلَمُ أَنَّ الذَّبْحَ لِلصَّلِيبِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الشَّرِيعَةِ الْمَسِيحِيَّةِ الْحَقَّةَ ; لِأَنَّهُ حَادِثٌ بَعْدَهَا، إِذْ مَنْشَؤُهُ حَادِثَةُ الصَّلْبِ الْمَشْهُورَةِ، فَكُلُّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، مَا هُوَ حَلَالٌ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي شَرِيعَتِهِمُ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا، وَمِنْهُ يُعْلَمُ - أَيْضًا - مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْمَيْتَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَأَنَّهَا الَّتِي لَمْ يُقْصَدْ ذَكَاتُهَا، كَمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَجِبُ تَقْيِيدُ الْمُنْخَنِقَةِ وَمَا مَعَهَا بِمَا لَمْ تُقْصَدْ ذَكَاتُهُ، وَيَكُونُ هَذَا فِي الْمُنْخَنِقَةِ وَمَا مَعَهَا، بِدَلِيلِ: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ كَمَا سَبَقَ، وَمِنْهُ يَتَّضِحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَيْتَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنْ كَانَ الْكِتَابِيُّ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ فَلَا تَأْكُلْ مَا غَابَ. . . إِلَخْ.
стр. 2052
أَنَّهَا مَا لَمْ تُقْصَدْ ذَكَاتُهَا ; لِأَنَّ الْقَصْدَ إِلَى الذَّكَاةِ لَا بُدَّ مِنْهُ، مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ، حَتَّى لَوْ قَطَعَ رَقَبَةَ الْحَيَوَانِ بِقَصْدِ تَجْرِيبِ السَّيْفِ أَوِ اللُّعَبِ، لَا يَحِلُّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمَيْتَةَ الْمَذْكُورَةَ بِالنِّسْبَةِ لِلْكِتَابِيِّ هِيَ الْمَيْتَةُ عِنْدَهُ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يَقْصِدْ ذَكَاتَهَا، لَا الْمَيْتَةُ عِنْدَنَا، وَيَتَبَيَّنُ مِنْهُ - أَيْضًا - أَنَّ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ لِلْفُقَهَاءِ فِي الذَّبَائِحِ وَالذَّكَاةِ إِنَّمَا هِيَ بَيَانُ مَا يَلْزَمُ فِي الْإِسْلَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ لَا لِغَيْرِهِ. انْتَهَى.
(مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ مِنَ الْأُمِّ، مَا نَصُّهُ: (١) أَحَلَّ اللهُ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَانَ طَعَامُهُمْ عِنْدَ بَعْضِ مَنْ حَفِظْتُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: ذَبَائِحَهُمْ، وَكَانَتِ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى إِحْلَالِ ذَبَائِحِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ ذَبَائِحُهُمْ يُسَمُّونَهَا لِلَّهِ - تَعَالَى - فَهِيَ حَلَالٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ ذَبْحٌ آخَرُ يُسَمُّونَ عَلَيْهِ غَيْرَ اسْمِ اللهِ - تَعَالَى - مِثْلَ اسْمِ الْمَسِيحِ، أَوْ يَذْبَحُونَهُ بِاسْمٍ دُونَ اللهِ - تَعَالَى - لَمْ يَحِلَّ هَذَا مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، وَلَا أُثْبِتُ أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ هَكَذَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ زَعَمْتَ أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ صِنْفَانِ، وَقَدْ أُبِيحَتْ مُطْلَقَةً؟ قِيلَ: قَدْ يُبَاحُ الشَّيْءُ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يُرَادُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ، فَإِذَا زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ الْمُسْلِمَ إِنْ نَسِيَ اسْمَ اللهِ - تَعَالَى - أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ، وَإِنْ تَرَكَهُ اسْتِخْفَافًا لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ، وَهُوَ لَا يَدَعُهُ لِلشِّرْكِ، كَانَ مَنْ يَدَعُهُ عَلَى الشِّرْكِ أَوْلَى أَنْ تُتْرَكَ ذَبِيحَتُهُ، وَقَدْ أَحَلَّ اللهُ لُحُومَ الْبُدُنِ (الْإِبِلِ) مُطْلَقَةً، فَقَالَ: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا (٢٢: ٣٦) أَيْ إِذَا سَقَطَتْ جَنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا، وَوَجَدْنَا بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْبَدَنَةِ الَّتِي هِيَ نَذْرٌ، وَلَا جَزَاءُ صَيْدٍ، وَلَا فِدْيَةٌ. فَلَمَّا احْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ذَهَبْنَا إِلَيْهِ وَتَرَكْنَا الْجُمْلَةَ، لَا أَنَّهَا
خِلَافٌ لِلْقُرْآنِ، وَلَكِنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ، وَمَعْقُولٌ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي مَالِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، لِأَنَّا إِذَا جَعَلْنَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا فَلَمْ نَجْعَلْ عَلَيْهِ الْكُلَّ، إِنَّمَا جَعَلْنَا عَلَيْهِ الْبَعْضَ الَّذِي أَعْطَى، فَهَكَذَا ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى شَبِيهِ مَا قُلْنَا. انْتَهَى بِحُرُوفِهِ (ص ١٩٦ ج ٢ مِنَ الْأُمِّ) .
أَقُولُ: إِنَّهُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - حَرَّمَ مَا ذَكَرُوا اسْمَ غَيْرِ اللهِ عَلَيْهِ، بِأَقْيِسَةٍ عَلَى مَسَائِلَ خِلَافِيَّةٍ جَعَلَهَا نَظِيرًا لِلْمَسْأَلَةِ، وَقَيَّدَ بِهَا إِطْلَاقَ الْقُرْآنِ، وَمُخَالِفُوهُ فِي ذَلِكَ - كَمَالِكٍ وَغَيْرِهِ - لَا يُجِيزُونَ تَخْصِيصَ الْآيَةِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ الَّتِي غَايَةُ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ تَخْصِيصَ الْقُرْآنِ جَائِزٌ بِالدَّلِيلِ، وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي يَتْرُكُ التَّسْمِيَةَ تَهَاوُنًا وَاسْتِخْفَافًا، لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَإِذَا سَلَّمْنَاهُ جَدَلًا، نَمْنَعُ قِيَاسَ الْكِتَابِيِّ عَلَيْهِ فِيمَا ذُكِرَ، وَلَا مَحَلَّ هُنَا لِبَيَانِ الْمَنْعِ بِالتَّفْصِيلِ فِي هَذَا الْقِيَاسِ وَفِيمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، وَالظَّاهِرُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ نُصُوصِ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ أَنَّ مَا ذَبَحُوهُ
стр. 2053
لِغَيْرِ اللهِ، إِنْ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَهُ: فَهُوَ غَيْرُ حِلٍّ لِلْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانُوا يَأْكُلُونَهُ فَهُوَ مِنْ طَعَامِهِمُ الَّذِي أَطْلَقَ اللهُ - تَعَالَى - حِلَّهُ وَهُوَ يُعْلَمُ مَا يَقُولُونَ وَمَا يَفْعَلُونَ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُظْهِرُ لَنَا نُكْتَةَ التَّعْبِيرِ بِالطَّعَامِ دُونَ الْمَذْبُوحِ أَوِ الْمُذَكَّى ; لِأَنَّ مِنَ الْمُذَكَّى مَا هُوَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ لَا يُذَكُّونَهُ لِأَجْلِ أَكْلِهِ.
(٢) ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ ذَبَائِحَ نَصَارَى الْعَرَبِ لَا تُؤْكَلُ، وَاحْتَجَّ بِأَثَرٍ رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: " مَا نَصَارَى الْعَرَبِ بِأَهْلِ كِتَابٍ، وَمَا تَحِلُّ لَنَا ذَبَائِحُهُمْ، وَمَا أَنَا بِتَارِكِهِمْ حَتَّى يُسْلِمُوا، أَوْ أَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ". وَبِقُولِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - الْمَشْهُورِ فِي بَنِي تَغْلِبَ. فَأَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - وَقَدْ تَقَدَّمَ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ لَا لَهُ ; لِأَنَّهُ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْعَرَبِ مُصَرِّحٌ فِيهِمْ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا نَصَارَى، وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ ﵁ فَرَوَاهُ فِي الْأُمِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِكَذِبِهِ، وَمِمَّنْ طَعَنَ فِيهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَمِمَّا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ جَمَعَ أُصُولَ الْبِدَعِ: فَكَانَ قَدَرِيًّا جَهْمِيًّا مُعْتَزَلِيًّا رَافِضِيًّا، وَقَدْ سُئِلَ الرَّبِيعُ حِينَ نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَانَ قَدَرِيًّا: مَا حَمَلَ الشَّافِعِيَّ عَلَى أَنْ رَوَى عَنْهُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ كَانَ يُبَرِّئُهُ مِنَ الْكَذِبِ وَيَرَى أَنَّهُ ثِقَةٌ فِي الْحَدِيثِ ; أَيْ وَالْعِبْرَةُ فِي الْحَدِيثِ بِالصِّدْقِ لَا بِالْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ بَعْدَ أَنْ وَصَفَهُ بِالْبِدْعَةِ وَبِالْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ: وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ كَانَ يُجَالِسُ إِبْرَاهِيمَ فِي حَدَاثَتِهِ وَيَحْفَظُ عَنْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ مِصْرَ فِي
آخِرِ عُمُرِهِ وَأَخَذَ يُصَنِّفُ الْكُتُبَ احْتَاجَ إِلَى الْأَخْبَارِ، وَلَمْ تَكُنْ كُتُبُهُ مَعَهُ، فَأَكْثَرُ مَا أَوْدَعَ الْكُتُبَ مِنْ حِفْظِهِ، وَرُبَّمَا كَنَّى عَنِ اسْمِهِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَحْتَجُّ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى مِثْلَ الشَّافِعِيِّ، قُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ: وَفِي الدُّنْيَا أَحَدٌ يَحْتَجُّ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى؟ . انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْأَثَرِ، عَدَمُ الْعَمَلِ بِهِ عَلَى أَنَّهُ رَأَيُ صَحَابِيٍّ خَالَفَهُ فِيهِ الْجُمْهُورُ، فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَإِنْ صَحَّ.
(٣) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَابِ الذَّبِيحَةِ وَفِيهِ مَنْ يَجُوزُ ذَبْحُهُ (مِنَ الْأُمِّ ص ٢٠٥ و٢٠٦ ج٢) : وَذَبْحُ كُلِّ مَنْ أَطَاقَ الذَّبْحَ مِنِ امْرَأَةٍ حَائِضٍ، وَصَبِيٍّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ذَبْحِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، وَكُلٌّ حَلَالُ الذَّبِيحَةُ، غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَبْحَ نُسُكِهِ ; أَيْ كَالْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ، فَإِنَّهُ يَرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ فَاطِمَةَ أَوْ غَيْرِهَا: احْضَرِي ذَبْحَ نَسِيكَتِكِ ; فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْهَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ ذَبَحَ النَّسِيكَةَ غَيْرُ مَالِكِهَا أَجْزَأَتْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ بَعْضَ هَدْيِهِ وَنَحَرَ بَعْضَهُ غَيْرُهُ، وَأَهْدَى هَدْيًا فَإِنَّمَا نَحَرَهُ مَنْ أَهْدَاهُ مَعَهُ، غَيْرَ أَنِّي
стр. 2054
أَكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَ شَيْئًا مِنَ النِّسَائِكَ مُشْرِكٌ ; لِأَنْ يَكُونَ مَا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللهِ عَلَى أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ ذَبَحَهَا مُشْرِكٌ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ أَجْزَأَتْ، مَعَ كَرَاهَتِي لِمَا وَصَفْتُ.
" وَنِسَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا أَطَقْنَ الذَّبْحَ كَرِجَالِهِمْ، وَمَا ذَبَحَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لِأَنْفُسِهِمْ مِمَّا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ أَوْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَكَانُوا يُحْرَمُونَ مِنْهُ، شَحْمًا أَوْ حَوَايَا - أَيْ مَا يَحْوِي الطَّعَامَ كَالْأَمْعَاءِ - أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، إِنْ كَانُوا يُحَرِّمُونَهُ فَلَا بَأْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَكْلِهِ ; لِأَنَّ اللهَ إِذْ أَحَلَّ طَعَامَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ ذَبَائِحَهُمْ ; فَكُلُّ مَا ذَبَحُوا لَنَا فَفِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يُحَرِّمُونَ، فَلَوْ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْنَا إِذَا ذَبَحُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ أَصْلِ دِينِهِمْ بِتَحْرِيمِهِمْ لَحُرِّمَ عَلَيْنَا إِذَا ذَبَحُوهُ لَنَا، وَلَوْ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْنَا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَإِنَّمَا أُحِلَّ لَنَا طَعَامُهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَسْتَحِلُّونَ، كَانُوا قَدْ يَسْتَحِلُّونَ مُحَرَّمًا عَلَيْنَا يُعِدُّونَهُ لَهُمْ طَعَامًا، فَكَانَ يَلْزَمُنَا لَوْ ذَهَبْنَا هَذَا الْمَذْهَبَ أَنَّ نَأْكُلَهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ طَعَامِهِمُ الْحَلَّالِ لَهُمْ عِنْدَهُمْ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ، مَعْنَاهَا مَا وَصَفْنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ ".
هَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ، فَمَذْهَبُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِطَعَامِهِمْ فِي الْآيَةِ، ذَبَائِحُهُمْ خَاصَّةً لَا عُمُومَ
الطَّعَامِ، فَمَا ذَبَحُوهُ مِمَّا هُوَ حَلَالٌ لَنَا كَذَبَائِحِنَا، لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ وَمَا حَلَّ لَهُمْ، وَمَا حُرِّمَ عَلَيْنَا لَا يَحِلُّ إِذَا كَانَ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَهُوَ مُخَالِفٌ، فِي هَذَا لِلْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى الَّتِي أَخَذَتْ بِعُمُومِ لَفْظِ الْآيَةِ وَعَدَّتْهَا كَالِاسْتِثْنَاءِ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْنَا، إِلَّا الْمَيْتَةَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ; فَإِنَّهُمَا مُحَرَّمَانِ لِذَاتِهِمَا لَا لِمَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالتَّذْكِيَةِ أَوْ بِمَا يُذْكَرُ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَقَدْ شَرَحَ كَوْنَ مَا أُحِلَّ لَنَا مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، لَا يَحْرُمُ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (ص ٢٠٩ و٢١٠ مِنْهُ) وَبَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ يَتْبَعَهُ فِي أُصُولِ شَرْعِهِ وَفُرُوعِهِ وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، فَمَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ صَارَ حِلًّا لَهُمْ بِشَرْعِهِ وَحِلًّا لَنَا بِالْأَوْلَى.
(مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي نِكَاحِ أَهْلِ الْكِتَابِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ، ﵀: " وَأَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَحِلُّ نِكَاحُ حَرَائِرِهِمْ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، دُونَ الْمَجُوسِ، وَالصَّابِئُونَ وَالسَّامِرَةُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُمْ، يُخَالِفُونَهُمْ فِي أَصْلٍ مَا يُحِلُّونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيُحَرِّمُونَ، فَيَحْرُمُونَ كَالْمَجُوسِ، وَإِنْ كَانُوا يُجَامِعُونَهُمْ - أَيْ يُوَافِقُونَهُمْ - عَلَيْهِ وَيَتَأَوَّلُونَ فَيَخْتَلِفُونَ، فَلَا يَحْرُمُونَ، فَإِذَا نَكَحَهَا فَهِيَ كَالْمُسْلِمَةِ فِيمَا لَهَا وَعَلَيْهَا، إِلَّا أَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ. انْتَهَى مِنْ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ (ص ٢٨٢ ج ٣ عَلَى هَامِشِ الْأُمِّ) وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْمَجُوسَ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا فِي نِكَاحِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ.
стр. 2055
(مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ فِي طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ) قَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ عَبْدُ اللهِ بْنُ قُدَامَةَ فِي (الْمُقْنِعِ ص ٥٣١ ج٢) مَا نَصُّهُ: " وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ ; أَحَدُهَا: أَهْلِيَّةُ الذَّابِحِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا ; فَتُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَعَنْهُ لَا تُبَاحُ ذَبِيحَةُ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، وَلَا مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ غَيْرُ كِتَابِيٍّ ".
وَذَكَرَ فِي حَاشِيَتِهِ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الْمَذْهَبِ إِبَاحَةُ ذَبِيحَةِ بَنِي تَغْلِبَ، قَالَ: " وَأَمَّا مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ غَيْرُ كِتَابِيٍّ فَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهَا تُبَاحُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ الْقَيِّمِ، وَالثَّانِيَةُ لَا تُبَاحُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ;
لِأَنَّهُ وُجِدَ مَا يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ وَالتَّحْرِيمَ، فَغُلِّبَ التَّحْرِيمُ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ - أَيِ الصَّيْدَ - مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ ". انْتَهَى.
أَقُولُ: " وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ، هُوَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْأَبِ، وَكَانَ اللَّائِقُ بِقَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أَشْرَفَ الْأَبَوَيْنِ فِي الدِّينِ أَنْ يَجْعَلُوا ذَبْحَ الصَّغِيرِ كَذَبْحِ أَشْرَفِ وَالِدَيْهِ، وَأَمَّا الْبَالِغُ فَلَا وَجْهَ لِلْبَحْثِ عَنْ أَبَوَيْهِ ; فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كِتَابِيًّا كَانَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ الْآيَةِ.
ثُمَّ قَالَ (فِي ص ٥٣٧) مِنْهُ: " وَإِذَا ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ; كَذِي الظُّفْرِ - أَيْ عِنْدَ الْيَهُودِ - لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا، وَإِنْ ذَبَحَ حَيَوَانًا غَيْرَهُ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْنَا الشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ شَحْمُ الثَّرْبِ، أَيِ الْكِرْشِ وَالْكُلْيَتَيْنِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، ﵀، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَحَكَاهُ عَنِ الْخَرَقِيِّ فِي كَلَامٍ مُفْرَدٍ، وَاخْتَارَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ وَالْقَاضِي تَحْرِيمَهُ، وَإِنْ ذَبَحَ لِعِيدِهِ أَوْ لِيَتَقَرَّبَ بِهِ إِلَى شَيْءٍ مَا يُعَظِّمُونَهُ، لَمْ يَحْرُمْ. نَصَّ عَلَيْهِ " انْتَهَى، أَيْ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَإِنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّحْرِيمُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ فِيهِ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ، رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى.
وَقَالَ (فِي ص ٥٣٥ مِنْهُ) : الرَّابِعُ، أَيْ مِنْ شُرُوطِ التَّذْكِيَةِ: أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ، لَا يَقُومُ مَقَامَهَا غَيْرُهَا، إِلَّا الْأَخْرَسَ فَإِنَّهُ يُومِئُ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لَمْ تُبَحْ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا أُبِيحَتْ، وَعَنْهُ تُبَاحُ فِي الْحَالَيْنِ، وَعَنْهُ لَا تُبَاحُ فِيهِمَا.
قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: " قَوْلُهُ فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا. . . إِلَخْ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِيهِمَا، وَذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ إِجْمَاعًا فِي سُقُوطِهَا سَهْوًا، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ، وَمِمَّنْ أَبَاحَ مَا نُسِيَتِ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ تُبَاحُ فِي الْحَالَيْنِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ مَرْفُوعًا الْمُسْلِمُ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللهِ سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سُئِلَ، فَقِيلَ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ مِنَّا يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ اللهَ؟ فَقَالَ:
:
стр. 2056
اسْمُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ. رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ.
وَلَنَا مَا رَوَى الْأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ، مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. لَكِنَّ الْأَحْوَصَ ضَعِيفٌ. وَعَنْ أَحْمَدَ لَا تُبَاحُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَأْكُلُوا
مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ (٦: ١٢١) وَجَوَابُهُ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا تَرَكَ اسْمَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ (٦: ١٢١) وَالْأَكْلُ مِمَّا نُسِيَتِ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِفِسْقٍ لِقَوْلِهِ ﵇: عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ انْتَهَى.
أَقُولُ: مِنْ عَجَائِبِ انْتِصَارِ الْإِنْسَانِ لِمَا يَخْتَارُهُ جَعْلُ الْفِسْقِ هُنَا بِمَعْنَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا، وَالظَّاهِرُ فِيهِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَنَّهُ مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ، أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَفِي الْبَابِ مِنْ كِتَابِ بُلُوغِ الْمَرَامِ لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ، مَا نَصُّهُ: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ اللهَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لْيَأْكُلْ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِيهِ رَاوٍ فِي حِفْظِهِ ضَعْفٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، وَهُوَ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ بِلَفْظِ: ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ ذَكَرَ اللهَ عَلَيْهَا أَمْ لَمْ يَذْكُرْ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ. انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، قَالَتْ: إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَ بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَقَالَ ﷺ : سَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ. انْتَهَى.
وَقَدْ جَعَلَ عُلَمَاءُ الْأَزْهَرِ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنْ كِتَابِ (إِرْشَادُ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ) الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَيَانِ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ فِي الذَّبِيحَةِ الَّتِي أَفْتَى بِهَا مُفْتِي مِصْرَ، قَالُوا: " ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حِلِّ الْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ، أَنْ تُذَكَّى وَفِيهَا حَيَاةٌ وَإِنْ قَلَّتْ كَالْمَرِيضَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسَّيِّدَيْنِ: الْبَاقِرِ وَالصَّادِقِ، وَإِبْرَاهِيمَ وَطَاوُسٍ وَالضَّحَّاكِ وَابْنِ زَيْدٍ، وَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَهُمْ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ ; فَيَحِلُّ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ عَلَى رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ تُشْتَرَطُ مِنْ مُسْلِمٍ لَا مِنْ كِتَابِيٍّ، وَعَنْهُ عَكْسُهَا، ثُمَّ أَيَّدُوا هَذِهِ الْخُلَاصَةَ بِنَقْلٍ مِنْ كِتَابِ (دَقَائِقِ أُولِي النُّهَى عَلَى مَتْنِ الْمُنْتَهَى) وَمِنْ غَيْرِهِ.
(صَفْوَةُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُخْتَارُ مِنْهُ فِي طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ) مَنْ تَأَمَّلَ مَا نَقَلْنَاهُ مِنْ كُتُبِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَمَا تَخَلَّلَهُ وَسَبَقَهُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ يَظْهَرُ لَهُ أَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْنَا مِنْ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ
مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا، فِي دِينِنَا لِذَاتِهِ، وَهُوَ الْمَيْتَةُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ، وَكَذَا الدَّمُ الْمَسْفُوحُ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّقْلِ
стр. 2057
وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ يَأْكُلُهُ أَوْ يَشْرَبُهُ، وَكَذَلِكَ الْمَيْتَةُ كُلُّهُمْ يُحَرِّمُونَهَا، وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ مُحَرَّمٌ بِنَصِّ التَّوْرَاةِ إِلَى الْيَوْمِ، وَقَدِ اسْتَبَاحَهُ النَّصَارَى بِإِبَاحَةِ مُقَدَّسِهِمْ بُولِسْ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ كَمَا عَلِمْتَ، فَكُلُّ مَا أَكَلْنَاهُ مِمَّا عَدَا ذَلِكَ مِنْ طَعَامِهِمْ نَكُونُ مُوَافِقِينَ فِيهِ لِقَوْلِ بَعْضِ فُقَهَائِنَا الَّذِينَ شَدَّدَ بَعْضُهُمْ وَخَفَّفَ بَعْضٌ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَأَشَدُّ الْفُقَهَاءِ تَشْدِيدًا فِي ذَلِكَ وَفِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، الشَّافِعِيَّةُ. وَمَنْ تَأَمَّلَ أَدِلَّةَ الْجَمِيعِ رَأَى أَنَّ أَظْهَرَهَا قَوْلُ الَّذِينَ أَخَذُوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَلَمْ يُخَصِّصُوهُ بِذَبَائِحِهِمْ، فَضْلًا عَنْ تَخْصِيصِهِ بِحُبُوبِهِمْ ; كَالشِّيعَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حِلِّ طَعَامِهِمْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ أَحْبَارُهُمْ وَرُهْبَانُهُمْ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مُفْتِي مِصْرَ فِي الْفَتْوَى التِّرِنْسِفَالِيَّةِ، فَهُوَ تَشْدِيدٌ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ فِي غَيْرِ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، إِلَّا الثِّقَةَ بِأَنْ يَكُونَ مَا يَأْكُلُونَهُ غَيْرَ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِمْ فِي كُتُبِهِمْ، وَقَدْ نَسَخَتْ شَرِيعَتُنَا كُتُبَهُمْ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرَهُ، فَلَا عِبْرَةَ بِمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ اللهُ - تَعَالَى - فِي صِفَاتِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ (٧: ١٥٧) وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ طَعَامُهُمْ مُوَافِقًا لِشَرِيعَتِنَا سَوَاءٌ كَانُوا مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِهَا قَبْلَ الْإِيمَانِ كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، أَوْ غَيْرَ مُخَاطَبِينَ بِهَا إِلَّا بَعْدَ الْإِيمَانِ، كَمَا يَقُولُ الْجُمْهُورُ ; إِذْ لَوْ كَانَ هَذَا شَرْطًا لَمَا كَانَ لِإِبَاحَةِ طَعَامِهِمْ فَائِدَةٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ، مَا نَصُّهُ: " وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، مِنْ ذَلِكَ فِي أَصْلِ شَرْعِهِمْ وَمَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قَالَ: مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ هُوَ أَمْرٌ حَقٌّ فَلَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ، وَمَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَمْرٌ بَاطِلٌ، فَتَعْمَلُ فِيهِ التَّذْكِيَةُ. قَالَ الْقَاضِي: وَالْحَقُّ أَنَّ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ أَوْ حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ هُوَ فِي وَقْتِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ أَمْرٌ بَاطِلٌ ; إِذْ كَانَتْ نَاسِخَةً لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ، فَيَجِبُ أَلَّا يُرَاعَى اعْتِقَادُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُشْتَرَطَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُمْ فِي تَحْلِيلِ الذَّبَائِحِ اعْتِقَادَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا اعْتِقَادَ شَرِيعَتِهِمْ ; لِأَنَّهُ لَوِ اشْتُرِطَ ذَلِكَ لَمَا جَازَ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ; لِكَوْنِ اعْتِقَادِ شَرِيعَتِهِمْ فِي ذَلِكَ مَنْسُوخًا، وَاعْتِقَادُ شَرِيعَتِنَا لَا يَصِحُّ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا هَذَا حُكْمٌ خَصَّهُمُ اللهُ - تَعَالَى - بِهِ، فَذَبَائِحُهُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ، جَائِزَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِلَّا ارْتَفَعَ حُكْمُ آيَةِ التَّحْلِيلِ
جُمْلَةً، فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ بَيِّنٌ، وَاللهٌ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْقَاضِي، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. وَمُرَادُهُ بِذَبَائِحِهِمْ مُذَكَّاهُمْ كَيْفَمَا كَانَتْ تَذْكِيَتُهُ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنَى التَّذْكِيَةِ وَأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ بِقَصْدِ أَكْلِهِ، وَأَقْوَالُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَمُحَقِّقِي الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَلِلَّهِ دَرُّ مَالِكٍ وَالْمَالِكِيَّةِ، إِنَّ كَلَامَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ مُخَالِفِيهِمْ دَلِيلًا، وَأَلْيَقُ بِيُسْرِ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ. وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُحِبُّونَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِيعَةُ عُسْرًا لَا يُسْرًا وَحَرَجًا لَا سِعَةً، وَإِنْ هُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوهَا إِلَّا فِيمَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ، فَمَنْ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ فَذَاكَ ذَنْبٌ عِقَابُهُ فِيهِ، وَمَنْ شَدَّدَ عَلَى الْأُمَّةِ حَثَوْنَا التُّرَابَ فِي فِيهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 2058
(وَاقِعَةٌ فِي التَّشْدِيدِ فِي ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ) قَدْ عَلِمَ الْقُرَّاءُ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ هَبُّوا مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ لِمُعَارَضَةِ فَتْوَى الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي حِلِّ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَدْ أَطْلَعَنَا بَعْضُ تَلَامِيذِنَا الْقُوقَاسِيِّينَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ عَلَى كِتَابٍ لِبَعْضِ أَدْعِيَاءِ الْعِلْمِ فِي الْقُوقَاسِ، يُشَنِّعُ فِيهِ عَلَى الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ وَعَلَى الْمَنَارِ، وَيُنْكِرُ عَلَيْهِمَا بَعْضَ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يَعْقِلُهَا مِثْلُهُ، وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ حِلِّ طَعَامِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَحِلِّ نِسَائِهِمْ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي وَاقِعَةٍ وَقَعَتْ مِنْ زُهَاءِ قَرْنٍ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ تَلَافَاهَا عُلَمَاءُ الْأَزْهَرِ، وَقَدْ نَشَرْنَاهَا (فِي ص ٧٨٦ مِنْ مُجَلَّدِ الْمَنَارِ السَّادِسِ نَقْلًا عَنِ الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ تَارِيخِ الْجَبَرْتِيِّ فِي حَوَادِثِ سَنَةِ ١٢٣٦) قَالَ: " وَفِيهِ مِنَ الْحَوَادِثِ أَنَّ الشَّيْخَ إِبْرَاهِيمَ الشَّهِيرَ بِبَاشَا الْمَالِكِيَّ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَرَّرَ فِي دَرْسِ الْفِقْهِ أَنَّ ذَبِيحَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ، لَا يَجُوزُ أَكْلُهَا، وَمَا وَرَدَ مِنْ إِطْلَاقِ الْآيَةِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ أَنْ يُغَيِّرُوا وَيُبَدِّلُوا فِي كُتُبِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ فُقَهَاءُ الثَّغْرِ ذَلِكَ أَنْكَرُوهُ وَاسْتَغْرَبُوهُ، ثُمَّ تَكَلَّمُوا مَعَ الشَّيْخِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ وَعَارَضُوهُ، فَقَالَ: أَنَا لَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ بِفَهْمِي وَعِلْمِي، وَإِنَّمَا تَلَقَّيْتُ ذَلِكَ عَنِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ الْمَلِيلِيِّ الْمَغْرِبِيِّ، وَهُوَ رَجُلٌ عَالِمٌ مُتَوَرِّعٌ وَمَوْثُوقٌ بِعِلْمِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى شَيْخِهِ الْمَذْكُورِ بِمِصْرَ يُعْلِمُهُ بِالْوَاقِعِ، فَأَلَّفَ
رِسَالَةً فِي خُصُوصِ ذَلِكَ وَأَطْنَبَ فِيهَا، فَذَكَرَ أَقْوَالَ الْمَشَايِخِ وَالْخِلَافَاتِ فِي الْمَذَاهِبِ، وَاعْتَمَدَ قَوْلَ الْإِمَامِ الطَّرْطُوشِيِّ فِي الْمَنْعِ وَعَدَمِ الْحِلِّ، وَحَشَا الرِّسَالَةَ بِالْحَطِّ عَلَى عُلَمَاءِ الْوَقْتِ وَحُكَّامِهِ، وَهِيَ نَحْوُ الثَّلَاثَ عَشْرَةَ كُرَّاسَةً - كَذَا - وَأَرْسَلَهَا إِلَى الشَّيْخِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَهَا عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ، فَكَثُرَ اللَّغَطُ وَالْإِنْكَارُ، خُصُوصًا وَأَهْلُ الْوَقْتِ أَكْثَرُهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْمِلَّةِ، وَانْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى الْبَاشَا، فَكَتَبَ مَرْسُومًا إِلَى كَتُخْدَا بِيكْ بِمِصْرَ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِأَنْ يَجْمَعَ مَشَايِخَ الْوَقْتِ لِتَحْقِيقِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَيْضًا بِالرِّسَالَةِ الْمُصَنَّفَةِ، فَأَحْضَرَ كَتُخْدَا بِيكِ الْمَشَايِخَ وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرَ، فَلَطَّفَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْعَرُوسِيُّ الْعِبَارَةَ، وَقَالَ: " الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمَلِيلِيُّ رَجُلٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ تَلَقَّى عَنْ مَشَايِخِنَا وَمَشَايِخِهِمْ، لَا يُنْكَرُ عِلْمُهُ وَفَضْلُهُ، وَهُوَ مُنْعَزِلٌ عَنْ خِلْطَةِ النَّاسِ، إِلَّا إِنَّهُ حَادُّ الْمِزَاجِ، وَبِعَقْلِهِ بَعْضُ خَلَلٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ نَجْتَمِعَ بِهِ وَنَتَذَاكَرَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِكُمْ، وَنُنْهِيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَمْرَ إِلَيْكُمْ ".
فَاجْتَمَعُوا فِي ثَانِي يَوْمٍ وَأَرْسَلُوا إِلَى الشَّيْخِ عَلِيٍّ يَدْعُونَهُ لِلْمُنَاظَرَةِ، فَأَبَى عَنِ الْحُضُورِ وَأَرْسَلَ الْجَوَابَ مَعَ شَخْصَيْنِ مِنْ مُجَاوِرِي الْمَغَارِبَةِ، يَقُولَانِ: إِنَّهُ لَا يَحْضُرُ مَعَ الْغَوْغَاءِ، بَلْ يَكُونُ فِي مَجْلِسٍ خَاصٍّ يَتَنَاظَرُ فِيهِ مَعَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَمِيرِ بِحَضْرَةِ الشَّيْخِ حَسَنٍ الْقُوَيْسِنِيِّ وَالشَّيْخِ حَسَنٍ الْعَطَّارِ فَقَطْ ; لِأَنَّ ابْنَ الْأَمِيرِ يُنَاقِشُهُ وَيَشُنُّ عَلَيْهِ الْغَارَةَ، فَلَمَّا قَالَا ذَلِكَ الْقَوْلَ تَغَيَّرَ ابْنُ الْأَمِيرِ وَأَرْعَدَ وَأَبْرَقَ، وَتَشَاتَمَ بَعْضُ مَنْ بِالْمَجْلِسِ مَعَ الرُّسُلِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرُوا بِحَبْسِهِمَا فِي بَيْتِ الْأَغَا، وَأَمَرُوا الْأَغَا بِالذَّهَابِ إِلَى بَيْتِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ وَإِحْضَارِهِ بِالْمَجْلِسِ وَلَوْ قَهْرًا عَنْهُ، فَرَكِبَ
стр. 2059
الْأَغَا وَذَهَبَ إِلَى بَيْتِ الْمَذْكُورِ فَوَجَدَهُ قَدْ تَغَيَّبَ، فَأَخْرَجَ زَوْجَتَهُ وَمَنْ مَعَهَا مِنَ الْبَيْتِ وَسَمَّرَ الْبَيْتَ، فَذَهَبَتْ إِلَى بَيْتِ بَعْضِ الْجِيرَانِ.
ثُمَّ كَتَبُوا عَرَضًا مُحَضَّرًا وَذَكَرُوا فِيهِ بِأَنَّ الشَّيْخَ عَلِيًّا عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ، وَأَبَى عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْعُلَمَاءِ وَالْمُنَاظَرَةَ مَعَهُمْ فِي تَحْقِيقِ الْمَسْأَلَةِ وَهَرَبَ وَاخْتَفَى ; لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْحَقِّ مَا اخْتَفَى وَلَا هَرَبَ، وَالرَّأْيُ لِحَضْرَةِ الْبَاشَا فِيهِ إِذَا ظَهَرَ، وَكَذَلِكَ فِي الشَّيْخِ إِبْرَاهِيمَ بَاشَا السَّكَنْدَرِيِّ - كَذَا - وَتَمَّمُوا الْعَرْضَ وَأَمْضَوْهُ بِالْخُتُومِ الْكَثِيرَةِ وَأَرْسَلُوهُ إِلَى الْبَاشَا، وَبَعْدَ أَيَّامٍ أَطْلَقُوا الشَّخْصَيْنِ مِنْ حَبْسِ الْأَغَا وَرَفَعُوا الْخَتْمَ عَنْ بَيْتِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ، وَرَجَعَ أَهْلُهُ إِلَيْهِ، وَحَضَرَ الْبَاشَا إِلَى مِصْرَ فِي أَوَائِلِ
الشَّهْرِ وَرَسَمَ بِنَفْيِ الشَّيْخِ إِبْرَاهِيمَ بَاشَا إِلَى بَنِي غَازِي، وَلَمْ يَظْهَرِ الشَّيْخُ مِنِ اخْتِفَائِهِ " انْتَهَى.
(اسْتِدْرَاكٌ فِي حِكْمَةِ الذَّبْحِ وَتَحْرِيمِ الدَّمِ) قَالَ لَنَا أَحَدُ الْأَطِبَّاءِ بَعْدَ قِرَاءَةِ مَا كَتَبْنَاهُ فِي حِكْمَةِ تَحْرِيمِ الدَّمِ فِي الْمَنَارِ: إِنَّ تَجْرِبَةَ حَقْنِ الْإِنْسَانِ بِدَمِ الْحَيَوَانِ لَمْ تَنْجَحْ، فَهُوَ ضَارٌّ، وَإِنَّ ذَبْحَ الْحَيَوَانِ الْكَبِيرِ أَوْ نَحْرَهُ أَنْفَعُ ; لِأَنَّهُ يَنْهَرُ الدَّمَ الضَّارَّ، وَإِنَّ الْمَوَادَّ الْمَيِّتَةَ فِي الدَّمِ لَيْسَتْ عَفِنَةً، بَلْ سَامَّةً. انْتَهَى. قُلْتُ: مُرَادِي بِعَفِنَةٍ: الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، لَا الطِّبِّيِّ أَيْ فَاسِدَةٌ ضَارَّةٌ.
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٦ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
стр. 2060
قَالَ الرَّازِّيُّ فِي وَجْهِ اتِّصَالِ آيَةِ الْوُضُوءِ بِمَا قَبْلَهَا: " اعْلَمْ أَنَّهُ - تَعَالَى - افْتَتَحَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَصَلَ بَيْنَ الرَّبِّ وَبَيْنَ الْعَبْدِ عَهْدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَعَهْدُ الْعُبُودِيَّةِ، فَقَوْلُهُ: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ طَلَبٌ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَفُوا بِعَهْدِ الْعُبُودِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِلَهَنَا، الْعَهْدُ نَوْعَانِ: عَهْدُ الرُّبُوبِيَّةِ مِنْكَ، وَعَهْدُ الْعُبُودِيَّةِ مِنَّا، فَأَنْتَ أَوْلَى بِأَنْ تُقَدِّمَ الْوَفَاءَ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْكَرَمِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنَافِعَ الدُّنْيَا مَحْصُورَةٌ فِي نَوْعَيْنِ: لَذَّاتِ الْمَطْعَمِ، وَلَذَّاتِ الْمَنْكَحِ، فَاسْتَقْصَى، سُبْحَانَهُ، فِي بَيَانِ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَنَاكِحِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْمَطْعُومِ فَوْقَ الْحَاجَةِ إِلَى الْمَنْكُوحِ، لَا جَرَمَ قَدَّمَ بَيَانَ الْمَطْعُومِ عَلَى الْمَنْكُوحِ، وَعِنْدَ تَمَامِ الْبَيَانِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ وَفَّيْتُ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ
فِيمَا يُطْلَبُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَاللَّذَّاتِ، فَاشْتَغِلْ أَنْتَ فِي الدُّنْيَا بِالْوَفَاءِ بِعَهْدِ الْعُبُودِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ أَعْظَمُ الطَّاعَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، الصَّلَاةُ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ لَا يُمْكِنُ إِقَامَتُهَا إِلَّا بِالطَّهَارَةِ، لَا جَرَمَ بَدَأَ اللهُ - تَعَالَى - بِذِكْرِ شَرَائِطِ الْوُضُوءِ " (لَعَلَّ الْأَصْلَ فَرَائِضُ الْوُضُوءِ) .
أَقُولُ: لَوْ جَعَلَ هَذَا الْوَجْهَ فِي الِاتِّصَالِ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا مَعًا - وَقَدْ جَمَعْنَاهُمَا - لَكَانَ أَظْهَرَ، فَإِنَّهُ فِي الثَّانِيَةِ يُذَكِّرُنَا بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ. وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ وَجْهَ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ آيَةِ الْوُضُوءِ وَمَا قَبْلَهَا هُوَ أَنَّ الْحَدَثَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا سَبَبُ الطَّهَارَتَيْنِ هُمَا أَثَرُ الطَّعَامِ وَالنِّكَاحِ، فَلَوْلَا الطَّعَامُ لَمَا كَانَ الْغَائِطُ الْمُوجِبُ لِلْوُضُوءِ، وَلَوْلَا النِّكَاحُ لَمَا كَانَتْ مُلَامَسَةُ النِّسَاءِ الْمُوجِبَةُ لِلْغُسْلِ، وَأَمَّا الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ آيَةِ الْمِيثَاقِ وَمَا قَبْلَهَا فَهِيَ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لَنَا طَائِفَةً مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، ذَكَّرَنَا بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ عَلَيْنَا، وَمَا الْتَزَمْنَاهُ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ بِقَبُولِ دِينِهِ الْحَقِّ ; لِنَقُومَ بِهَا مُخْلِصِينَ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ هُنَا إِرَادَتُهُ، أَيْ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (١٦: ٩٨) أَيْ إِذَا أَرَدْتَ قِرَاءَتَهُ، عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مُرِيدَ الصَّلَاةِ يَقُومُ إِلَيْهَا مِنْ قُعُودٍ أَوْ نَوْمٍ، وَقَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الْقِيَامِ إِلَى الشَّيْءِ عَلَى الِانْصِرَافِ إِلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَمَنْ فَسَّرَ الْقِيَامَ بِإِرَادَتِهِ حَاوَلَ أَنْ يُدْخِلَ فِي عُمُومِ مَنْطُوقِهِ صَلَاةَ مَنْ يُصَلِّي قَاعِدًا أَوْ نَائِمًا لِعُذْرٍ.
وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ عُمُومُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ تَجِبُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَعَلَيْهِ دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ، وَلَكِنْ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا إِذَا كَانَ مُحْدِثًا، فَهُمْ يُقَيِّدُونَ الْقِيَامَ الَّذِي خُوطِبَ أَهْلُهُ بِالطَّهَارَةِ بِالتَّلَبُّسِ بِالْحَدَثِ، فَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. . . إِلَخْ. وَالْعُمْدَةُ فِي مِثْلِ هَذَا التَّقْيِيدِ السُّنَّةُ الْعَمَلِيَّةُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ. رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ
стр. 2061
اللهِ، إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ، فَقَالَ: " عَمْدًا فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ ".
وَرُوِيَ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ مُتَّفِقَةٍ فِي الْمَعْنَى، وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ
عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتُمْ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ نُحْدِثْ ".
وَرَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسَهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ " وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَيْضًا، وَالتِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: " لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُوقَظُونَ لِلصَّلَاةِ حَتَّى إِنِّي لَأَسْمَعُ لِأَحَدِهِمْ غَطِيطًا، ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ ".
وَرَوَى أَحْمَدُ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لَوْلَا أَنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ، وَمَعَ كُلِّ وُضُوءٍ بِسِوَاكٍ وَفِي الْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ تَعْلِيقًا، وَرَوَى نَحْوَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ غَالِبًا، وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ أَمَامَ النَّاسِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا فَنُسِخَ يَوْمئِذٍ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ لِنُقِلَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَالْمَنْقُولُ خِلَافُهُ، فَعُلِمَ أَنَّ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَزِيمَةٌ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ أَحْدَثَ، وَآخِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْحَدَثَيْنِ وَوُجُوبَ التَّيَمُّمِ عَلَى مَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ بَعْدَهُمَا، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ وَجَدَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِهِ عَقِبَهُمَا، وَلَوْ كَانَتِ الطَّهَارَةُ وَاجِبَةً لِكُلِّ صَلَاةٍ لَمَا كَانَ لِهَذَا مَعْنًى، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ أَنَّ أَهْلَ الْفَتْوَى أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى الْمُحْدِثِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ الْغَسْلُ، بِالْفَتْحِ: إِسَالَةُ الْمَاءِ عَلَى الشَّيْءِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ إِزَالَةُ مَا عَلَى الشَّيْءِ مِنْ وَسَخٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُرَادُ تَنْظِيفُهُ مِنْهُ، وَالْوُجُوهُ: جَمْعُ وَجْهٍ، وَحَدُّهُ مِنْ أَعْلَى تَسْطِيحِ الْجَبْهَةِ إِلَى أَسْفَلِ اللَّحْيَيْنِ طُولًا، وَمِنْ شَحْمَةِ الْأُذُنِ إِلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ عَرْضًا، وَالْأَيْدِي: جَمْعُ يَدٍ، وَهِيَ الْجَارِحَةُ الَّتِي تَبْطِشُ وَتَعْمَلُ بِهَا،
وَحَدُّهَا فِي الْوُضُوءِ مِنْ رُؤُوسِ الْأَصَابِعِ إِلَى الْمَرَافِقِ، وَهُوَ (بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْفَاءِ، وَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَبِالْعَكْسِ) وَأَعْلَى الذِّرَاعِ وَأَسْفَلِ الْعَضُدِ.
فَالْفَرْضُ الْأَوَّلُ مِنْ أَعْمَالِ الْوُضُوءِ: غَسْلُ الْوَجْهِ، وَهَلْ يُعَدُّ بَاطِنُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ مِنْهُ ;
стр. 2062
فَيَجِبُ غَسْلُهُمَا بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ، أَمْ لَيْسَا مِنْهُ، فَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا، وَالْتِزَامَهُ إِيَّاهَا، عَلَى النَّدْبِ؟ ذَهَبَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَبَعْضُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْبَيْتِ، إِلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهَا مِنَ الْوَجْهِ، وَبِالْأَحَادِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا فِي الْأَمْرِ بِذَلِكَ وَالْتِزَامِهِ، وَهُوَ سَبَبُ الْتِزَامِ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ، مِنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى الْآنِ، وَالْمَضْمَضَةُ: إِدَارَةُ الْمَاءِ وَتَحْرِيكُهُ فِي الْفَمِ، وَالِاسْتِنْشَاقُ: إِدْخَالُ الْمَاءِ فِي الْأَنْفِ، وَالِاسْتِنْثَارُ: إِخْرَاجُهُ مِنْهُ بِالنَّفَسِ، وَلَيْسَ لِلْقَائِلِينَ بِعَدَمِ وُجُوبِ مَا ذُكِرَ دَلِيلٌ بِهِ فِي مُعَارَضَةِ أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ.
قَالَ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ: قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: " وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَحْتَجَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ مَعَ صِحَّةِ الْأَمْرِ بِهِ، إِلَّا بِكَوْنِهِ لَا يَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ تَارِكَهُ لَا يُعِيدُ، وَهَذَا دَلِيلٌ فِقْهِيٌّ ; فَإِنَّهُ لَا يُحْفَظُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنَ، إِلَّا عَنْ عَطَاءٍ، وَهَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى " انْتَهَى.
أَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ يَصِحُّ جَعْلُ تَرْكِهِمْ حُجَّةً فِي هَذَا الْبَابِ، هُمُ الصَّحَابَةُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ تَرْكُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ حَتَّى يُبْحَثَ فِي إِعَادَتِهِمَا، وَحَدِيثُ (الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ سُنَّةٌ) . . . إِلَخِ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، ضَعِيفٌ، عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي كَلَامِهِمْ: هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمُتَّبَعَةُ، وَهُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ جَعْلُهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ أَظْهَرَ.
وَالْفَرْضُ الثَّانِي مِنْ أَعْمَالِ الْوُضُوءِ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ، وَهَلِ الْمَرْفِقَانِ مِمَّا يَجِبُ غَسْلُهُ، أَمْ هُوَ مَنْدُوبٌ؟ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَدَمَ الْوُجُوبِ، وَنَقَلَهُ عَنْ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ، وَقَالَ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِهِمَا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا زُفَرٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيُّ، فَمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ جَعَلَ " إِلَى " فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى " مَعَ " وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ جَعَلَهَا لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ. انْتَهَى. وَقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ كُلَّ غَايَةٍ حُدَّتْ بِـ (إِلَى) فَقَدْ تَحْتَمِلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ دُخُولَ الْغَايَةِ فِي الْحَدِّ، وَخُرُوجَهَا مِنْهُ، قَالَ وَإِذَا احْتَمَلَ الْكَلَامُ
ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ الْقَضَاءُ بِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِيهِ إِلَّا لِمَنْ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ فِيمَا بَيَّنَ وَحَكَمَ، وَلَا حُكْمَ بِأَنَّ الْمَرَافِقَ دَاخِلَةٌ فِيمَا يَجِبُ غَسْلُهُ عِنْدَنَا مِمَّنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ بِحُكْمِهِ. انْتَهَى ".
وَلَكِنَّ بَعْضَ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ، وَمِنْهُمْ سِيبَوَيْهَ، حَقَّقُوا أَنَّ مَا بَعْدَ (إِلَى) إِنْ كَانَ مِنْ نَوْعِ مَا قَبْلَهَا دَخَلَ فِي الْحَدِّ، وَإِلَّا فَلَا يَدْخُلُ، فَعَلَى هَذَا تَدْخُلُ الْمَرَافِقُ فِيمَا يَجِبُ غَسْلُهُ ; لِأَنَّهَا مِنَ الْيَدِ، وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِيمَا يَجِبُ صَوْمُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ (٢: ١٨٧) لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مِنْ نَوْعِ النَّهَارِ الَّذِي يَجِبُ صَوْمُهُ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَيَانٌ لِمَا فِي الْآيَةِ مِنَ الْإِجْمَالِ، وَنَازَعَ آخَرُونَ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ، وَلَكِنْ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ الْمَرْفِقَيْنِ، فَقَدْ وَرَدَ صَرِيحًا، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ تَرَكَ غَسْلَهُمَا، وَالِالْتِزَامُ الْمُطَّرِدُ آيَةُ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَبُّ إِطَالَةُ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ
стр. 2063
أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، ﷺ : أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ ; فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ " وَالْمُرَادُ بِإِطَالَةِ الْغُرَّةِ مَا ذُكِرَ، وَقِيلَ غَسْلُ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ، وَجُزْءٍ مِنَ الْعَضُدَيْنِ، وَجُزْءٍ مِنَ السَّاقَيْنِ مَعَ الرِّجْلَيْنِ، شُبِّهَ ذَلِكَ بِغُرَّةِ الْفَرَسِ وَتَحْجِيلِهِ، وَهُوَ الْبَيَاضُ فِي جَبْهَتِهِ وَقَوَائِمِهِ، أَوِ التَّشْبِيهُ لِلنُّورِ الَّذِي يَكُونُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: " إِنَّ هَذَا اجْتِهَادٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَزِدْ ﷺ عَلَى غَسْلِ الْمَرْفِقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ ".
الْفَرْضُ الثَّالِثُ: الْمَسْحُ بِالرَّأْسِ فِي قَوْلِهِ: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ الرَّأْسُ مَعْرُوفٌ، وَيُمْسَحُ مَا عَدَا الْوَجْهَ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْوَجْهَ شُرِعَ غَسْلُهُ لِسُهُولَتِهِ، وَكَيْفِيَّةُ الْمَسْحِ الْمُبَيَّنَةِ فِي السُّنَّةِ، أَنْ يَمْسَحَهُ كُلَّهُ بِيَدَيْهِ إِذَا كَانَ مَكْشُوفًا، وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ وَنَحْوُهَا يَمْسَحُ مَا ظَهَرَ مِنْهُ، وَيُتِمُّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ، رَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، وَرَوَى مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ
وَالْخُفَّيْنِ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضُّمَرِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، مَا عَدَا أَبَا دَاوُدَ، عَنْ بِلَالٍ قَالَ: مَسَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ، وَالْخِمَارُ: الثَّوْبُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الرَّأْسِ، وَهُوَ النَّصِيفُ، وَكُلُّ مَا سَتَرَ شَيْئًا فَهُوَ خِمَارُهُ، وَفَسَّرَهُ النَّوَوِيُّ هُنَا بِالْعِمَامَةِ ; أَيْ لِلرِّجَالِ ; لِأَنَّهَا تَسْتُرُ الرَّأْسَ، وَخُمُرُ النِّسَاءِ مَعْرُوفَةٌ، وَرُوِيَ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ أَوِ الْخِمَارِ أَوِ الْعِصَابَةِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ يَرْفَعُونَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَثَوْبَانِ وَأَبُو أُمَامَةَ وَأَبُو مُوسَى وَأَبُو خُزَيْمَةَ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الْمَسْحَ كَانَ يَكُونُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ سَاتِرٍ وَحْدَهُ، وَالْأَخْذُ بِهِ مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ; مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَسٌ وَأَبُو أُمَامَةَ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَقَالَ بِجَوَازِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ; مِنْهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ صَحَّ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَبِهِ أَقُولُ، وَقَدْ صَحَّ كَمَا عَلِمْتَ، وَلَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ لَا يَقُولُونَ بِهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ لِلْمَسْحِ عَلَيْهَا لُبْسُهَا عَلَى طُهْرٍ، وَلَا التَّوْقِيتَ ; إِذْ لَمْ يُرْوَ فِيهِ شَيْءٌ يُحْتَجُّ بِهِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا ثَوْرٍ قَاسَ الْمَسْحَ عَلَيْهَا عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، فَاشْتَرَطَ الطَّهَارَةَ وَوَقَّتَ، وَالْجُمْهُورُ الَّذِينَ لَمْ يُجِيزُوا الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَحْدَهَا، قَالَ مَنْ بَلَغَتْهُ الْأَخْبَارُ مِنْهُمْ: إِنَّ الْمُرَادَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا مَعَ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ ; كَالرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ النَّاصِيَةِ.
стр. 2064
وَمِنْ مَانِعِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا سُفْيَانُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ بِهَا قَالَ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ الْإِطْلَاقُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي كَثِيرٍ مِنْ تِلْكَ الْأَخْبَارِ ذِكْرُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ مَعَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، وَقَدْ كَانَ نَزْعُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَرِجًا وَعَسِرًا، فَفِي مَسْحِهِ نَفْيُ الْحَرَجِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ مَعَ عَدَمِ مُنَافَاتِهِ لِحِكْمَةِ الْوُضُوءِ وَعِلَّتِهِ الْمَنْصُوصَةِ أَيْضًا، وَهِيَ الطَّهَارَةُ وَالنَّظَافَةُ، فَإِنَّ الْعُضْوَ الْمَسْتُورَ يَبْقَى نَظِيفًا، وَلَا حَرَجَ الْآنَ فِي رَفْعِ الْعَمَائِمِ فِي الْحِجَازِ وَمِصْرَ وَالشَّامِ وَبِلَادِ التُّرْكِ عَلَى الرَّأْسِ لِأَجْلِ مَسْحِهِ مِنْ تَحْتِهَا فِي الْجُمْلَةِ ; لِأَنَّهَا تُوضَعُ عَلَى قَلَانِسَ تَرْفَعُ مَعَهَا بِسُهُولَةٍ، وَلَكِنْ يَعْسُرُ مَسْحُهُ كُلُّهُ بِالْيَدَيْنِ كِلْتَيْهِمَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْهِنْدِ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ الَّذِينَ يَحْتَنِكُونَ بِالْعِمَامَةِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ السَّلَفُ، فَيَعْسُرُ عَلَيْهِمْ رَفْعُ عَمَائِمِهِمْ عِنْدَ الْوُضُوءِ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ
يُظْهِرُوا نَاصِيَتَهُمْ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا، فَيَمْسَحُوا بِهَا، وَيُتَمِّمُوا الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ ; لِيَكُونَ وُضُوءُهُمْ صَحِيحًا عَلَى جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَمَنْ مَسَحَ شَيْئًا أَوْ بِشَيْءٍ عَلَيْهِ سَاتِرٌ، قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ مَسَحَ ذَلِكَ الشَّيْءَ، أَوْ بِهِ، كَمَا إِذَا قُلْتَ: وَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِي، أَوْ عَلَى صَدْرِي، لَا يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِ ذَلِكَ حَقِيقَةً، أَلَّا يَكُونَ عَلَيْهِ سَاتِرٌ، وَإِنَّمَا نَقُولُ هُنَا: إِنَّ الْأَصْلَ الْمَسْحُ بِالرَّأْسِ بِدُونِ سَاتِرٍ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ فَرْضِيَّتِهِ تَنْظِيفُهُ مِنْ نَحْوِ الْغُبَارِ، وَهُوَ الْمُتَيَسِّرُ، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ سَاتِرٌ لَا يُصِيبُهُ الْغُبَارُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي أَقَلِّ مَا يَحْصُلُ بِهِ فَرْضُ مَسْحِ الرَّأْسِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: " إِذَا مَسَحَ الرَّجُلُ بِأَيِّ رَأْسِهِ شَاءَ، إِنْ كَانَ لَا شَعْرَ عَلَيْهِ، وَبِأَيِّ شِعْرٍ شَاءَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ بَعْضِ أُصْبُعٍ، أَوْ بَطْنِ كَفِّهِ، أَوْ أَمَرَ مَنْ يَمْسَحُ لَهُ - أَجْزَأَهُ ذَلِكَ " انْتَهَى. وَبَيَّنَ فِيهِ أَنْ أَظْهَرَ مَعْنَيَيِ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ مَسَحَ مِنْ رَأْسِهِ شَيْئًا فَقَدْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأَنَّ مُقَابِلَ الْأَظْهَرِ مَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ، وَلَكِنْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ ; فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَذَكَرَ مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ فِي الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ، وَحَدِيثًا مُرْسَلًا فِي مَعْنَاهُ عَنْ عَطَاءٍ، وَسَيَأْتِي، وَقَالَ: " الْجُزْءُ الْمَمْسُوحُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرَّأْسِ نَفْسِهِ، أَوْ مِنَ الشَّعْرِ الَّذِي عَلَيْهِ ".
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ: " يَجْزِي مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَيَمْسَحُ الْمُقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَالنَّاصِرِ وَالْبَاقِرِ وَالصَّادِقِ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعِتْرَةِ وَمَالِكٌ، وَالْمُزَنِيُّ وَالْجِبَائِيُّ إِلَى وُجُوبِ مَسْحِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَهُ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " يَجِبُ مَسْحُ رُبُعِ الرَّأْسِ " وَلَا يُعْرَفُ هَذَا التَّحْدِيدُ عَنْ غَيْرِهِ، قِيلَ: إِنَّ مَنْشَأَ الْخِلَافِ (الْبَاءُ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بِرُءُوسِكُمْ هَلْ هِيَ لِلتَّبْعِيضِ ; فَيُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ، أَمْ زَائِدَةٌ ; فَيَجِبُ مَسْحُهُ كُلُّهُ، أَمْ هِيَ لِلْإِلْصَاقِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ مَعْنَاهَا؟ وَوَجَّهَ الْحَنَفِيَّةُ قَوْلَ إِمَامِهِمْ عَلَى هَذَا بِأَنَّ الْمَسْحَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْيَدِ، وَهِيَ تَسْتَوْعِبُ مِقْدَارَ الرُّبُعِ فِي الْغَالِبِ ; فَوَجَبَ تَعَيُّنُهُ، وَهَذَا أَشَدُّ الْأَقْوَالِ تَكَلُّفًا، وَلَمْ يَقُلْ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْمَسْحُ بِمَجْمُوعِ الْيَدِ، فَلَوْ مَسَحَ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، رُبُعَ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ عِنْدَ
стр. 2065
أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَيْسَتِ الْيَدُ رُبُعَ الرَّأْسِ بِالتَّحْدِيدِ، وَقَدْ عَبَّرُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ بِقَوْلِهِمْ: غَالِبًا.
وَلَوْ كَانَ مُرَادُ أَبِي حَنِيفَةَ قَدْرَ الْيَدِ لَعَبَّرَ بِهِ،
وَالْحَدِيثُ لَيْسَ نَصًّا فِي مَسْحِ جَمِيعِ النَّاصِيَةِ، فَالْخِلَافُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ يَجْرِي فِي مَسْحِ النَّاصِيَةِ ; فَالِاسْتِدْلَالُ بِمَسْحِهَا مُصَادَرَةٌ. وَنَازَعَ بَعْضُهُمْ فِي كَوْنِ الْبَاءِ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: اسْتِقْلَالًا، وَإِنَّمَا تُفِيدُهَا مَعَ مَعْنَى الْإِلْصَاقِ، وَلَا يَظْهَرُ مَعْنَى كَوْنِهَا زَائِدَةً، وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ مَعْنَى الْبَاءِ الْإِلْصَاقُ، لَا التَّبْعِيضُ أَوِ الْآلَةُ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَا يَفْهَمُهُ الْعَرَبِيُّ مِنْ: مَسَحَ بِكَذَا، وَمَسَحَ كَذَا ; فَهُوَ يَفْهَمُ مِنْ كَلِمَةِ: مَسَحَ الْعَرَقَ عَنْ وَجْهِهِ: أَنَّهُ أَزَالَهُ بِإِمْرَارِ يَدِهِ أَوْ أُصْبُعِهِ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِالطِّيبِ أَوِ الدُّهْنِ: أَنَّهُ أَمَرَّهُ عَلَيْهِ، وَمِنْ مَسْحِ الشَّيْءِ بِالْمَاءِ: أَنَّهُ أَمَرَّ عَلَيْهِ مَاءً قَلِيلًا لِيُزِيلَ مَا عَلَقَ بِهِ مِنْ غُبَارٍ أَوْ أَذًى، وَمِنْ مَسْحِ يَدِهِ بِالْمِنْدِيلِ: أَنَّهُ أَمَرَّ عَلَيْهَا الْمَنْدِيلَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ لِيُزِيلَ مَا عَلَقَ بِهَا مَنْ بَلَلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْ مَسَحَ رَأْسَ الْيَتِيمِ أَوْ عَلَى رَأْسِهِ، وَمَسَحَ بِعُنُقِ الْفَرَسِ أَوْ سَاقِهِ أَوْ بِالرُّكْنِ أَوِ الْحَجَرِ: أَنَّهُ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ، لَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِمَجْمُوعِ الْكَفِّ الْمَاسِحِ، وَلَا بِكُلِّ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ أَوِ الْعُنُقِ أَوِ السَّاقِ أَوِ الرُّكْنِ أَوِ الْحَجَرِ الْمَمْسُوحِ، فَهَذَا مَا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ لَهُ حَظٌّ مِنْ هَذِهِ اللُّغَةِ مِمَّا ذُكِرَ، وَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٨: ٣٣) عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ الْمُخْتَارِ، أَنَّ الْمَسْحَ بِالْيَدِ لَا بِالسَّيْفِ، وَمِنْ مِثْلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ ... وَمَسَحَ بِالْأَرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ
وَالْأَقْرَبُ: أَنَّ سَبَبَ الْخِلَافِ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي الْمَسْحِ، مَعَ مَفْهُومِ عِبَارَةِ الْآيَةِ، قِيلَ: إِنَّ الْعِبَارَةَ مُجْمَلَةُ بَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ، وَصَرَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، وَجَعَلَ الْمُطْلَقَ مِنَ الْمُجْمَلِ، وَالتَّحْقِيقُ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّ الْمُطْلَقَ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى الْكُلِّ وَالْبَعْضِ، فَأَيُّهُمَا وَقَعَ حَصَلَ بِهِ الِامْتِثَالُ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ مُجْمَلٌ لَكَانَ الصَّحِيحُ فِي بَيَانِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَسْحَ يَكُونُ عَلَى الرَّأْسِ كُلِّهِ مَكْشُوفًا، وَعَلَى بَعْضِهِ مَعَ التَّكْمِيلِ عَلَى الْعِمَامَةِ كَمَا وَرَدَ فِي الصِّحَاحِ، وَلَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ بِمَسْحِ الْبَعْضِ، إِلَّا حَدِيثُ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قَطَرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ، وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِأَنَّ أَبَا مَعْقِلٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ مَجْهُولٌ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَقَالَ ابْنُ
الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ: " إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ﷺ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ رَأْسِهِ، أَلْبَتَّةَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ إِذَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ كَمَّلَ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ - وَذَكَرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا - فَهَذَا مَقْصُودُ أَنَسٍ بِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْقُضْ عِمَامَتَهُ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ مَسْحَ الشَّعْرِ كُلِّهِ، وَلَمْ يَنْفِ التَّكْمِيلَ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَغَيْرُهُ، فَسُكُوتُ أَنَسٍ عَلَيْهِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ " انْتَهَى.
стр. 2066
وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي حَدِيثِ عَطَاءٍ الْمُرْسَلِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْبَعْضِ، وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى الرُّبُعِ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَحَسَرَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأَسِهِ، أَوْ قَالَ نَاصِيَتَهُ، وَهَذَا بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنِ الْخِلَافِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ، وَقَدْ مَنَعَهُ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشَّافِعِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الْمَكِّيِّ الْفَقِيهِ، وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَهُ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ مَرَّةً، وَضَعَّفَهُ أُخْرَى، كَمَا ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَالْجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ مَسْحِ الرُّبُعِ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ يَكْفِي فِي الِامْتِثَالِ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَسْحًا فِي اللُّغَةِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِحَرَكَةِ الْعُضْوِ الْمَاسِحِ مُلْصَقًا بِالْمَمْسُوحِ، فَوَضْعُ الْيَدِ أَوِ الْأُصْبُعِ عَلَى الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ لَا يُسَمَّى مَسْحًا، وَلَا يَكْفِي مَسْحُ الشَّعْرِ الْخَارِجِ عَنْ مُحَاذَاةِ الرَّأْسِ كَالضَّفِيرَةِ، وَأَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ لَيْسَ مِنَ الْمُجْمَلِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَمْسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ إِذَا كَانَ مَكْشُوفًا، وَبَعْضَهُ إِذَا كَانَ مَسْتُورًا، وَيُكْمِلُ عَلَى السَّاتِرِ، وَأَنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى السَّاتِرِ وَحْدَهُ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَمْسَحَ مَعَهُ جُزْءًا مِنَ الرَّأْسِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الْفَرْضُ الرَّابِعُ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَقَطْ، أَوْ مَعَ مَسْحِهِمَا، أَوْ مَسْحُهُمَا بَارِزَتَيْنِ أَوْ مَسْتُورَتَيْنِ بِالْخُفِّ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ تَعَالَى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ: (وَأَرْجُلَكُمْ) بِالْفَتْحِ ; أَيْ وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مِفْصَلِ السَّاقِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ: ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ، بِالْجَرِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى الرَّأْسِ ; أَيْ وَامْسَحُوا بِأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَمِنْ هُنَا اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَمَسْحِهِمَا ; فَالْجَمَاهِيرُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْغَسْلُ وَحْدَهُ، وَالشِّيعَةُ الْإِمَامِيَّةُ أَنَّهُ الْمَسْحُ، وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالنَّاصِرُ
لِلْحَقِّ، مِنَ الزَّيْدِيَّةِ: يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، أَنَّ الْمُكَلَّفَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا، وَسَتَعْلَمُ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ جَرِيرٍ الْجَمْعُ.
أَمَّا الْقَائِلُونَ بِالْجَمْعِ فَأَرَادُوا الْعَمَلَ بِالْقِرَاءَتَيْنِ مَعًا لِلِاحْتِيَاطِ، وَلِأَنَّهُ الْمُقَدَّمُ فِي التَّعَارُضِ إِذَا أَمْكَنَ، وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالتَّخْيِيرِ فَأَجَازُوا الْأَخْذَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ، وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالْمَسْحِ فَقَدْ أَخَذُوا بِقِرَاءَةِ الْجَرِّ وَأَرْجَعُوا قِرَاءَةَ النَّصْبِ إِلَيْهَا، وَذَكَرَ الرَّازِيُّ عَنِ الْقَفَّالِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعِكْرِمَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ، عِنْدَ ذِكْرِ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ: وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ هَذَا، إِلَّا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَقَدْ أَخَذُوا بِقِرَاءَةِ النَّصْبِ وَأَرْجَعُوا قِرَاءَةَ الْجَرِّ إِلَيْهَا، وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ.
،
стр. 2067
وَيُزَادُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الْمُنْطَبِقُ عَلَى حِكْمَةِ الطَّهَارَةِ، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْمَسْحَ مَنْسُوخٌ.
وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ فِي هَذَا الْبَابِ عَمَلُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَمَا يُؤَيِّدُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْقَوْلِيَّةِ، وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، قَالَ: " تَخَلَّفَ عَنَّا، رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفْرَةٍ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَنَا الْعَصْرُ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، قَالَ: فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا " وَقَدْ يَتَجَاذَبُ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الطَّرَفَانِ، فَلِلْقَائِلِينَ بِالْمَسْحِ أَنْ يَقُولُوا إِنِ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَمْسَحُونَ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ كَانَ هُوَ الْمَعْرُوفَ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ عَدَمَ مَسْحِ أَعْقَابِهِمْ، وَذَهَبَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ كَانَ بِسَبَبِ الْمَسْحِ، لَا بِسَبَبِ الِاقْتِصَارِ عَلَى غَسْلِ بَعْضِ الرِّجْلِ، ذَكَرَهُ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْحَافِظُ، أَيِ ابْنُ حَجَرٍ: " وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا " وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ: " فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ بِيضٌ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ " فَتَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ بِإِجْزَاءِ الْمَسْحِ وَيَحْمِلُ الْإِنْكَارَ عَلَى تَرْكِ التَّعْمِيمِ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا أَرْجَحُ، فَتُحْمَلُ عَلَيْهَا هَذِهِ الرِّوَايَةُ بِالتَّأْوِيلِ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ: أَيْ مَاءُ الْغَسْلِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَهُ، فَقَالَ ذَلِكَ " انْتَهَى. وَهَذِهِ وَاقِعَةٌ أُخْرَى.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ الْمَسْحَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ; مِنْهُمْ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، قَالَ: " اغْسِلُوا الْأَقْدَامَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ " وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: " قَرَأَ عَلَيَّ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمَا، فَقَرَآ: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فَسَمِعَ عَلِيٌّ، ﵇، ذَلِكَ، وَكَانَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: وَأَرْجُلِكُمْ هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ مِنَ الْكَلَامِ. وَتَفْسِيرُ هَذَا مَا رَوَاهُ عَنِ السُّدِّيِّ مِنْ قَوْلِهِ. أَمَّا وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فَيَقُولُ: اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ; فَهَذَا مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.
وَمِنْهُمْ عُمَرُ وَابْنُهُ، ﵄. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَرَ أَحَدًا يَمْسَحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ الْغَسْلُ دُونَ الْمَسْحِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَمْسَحُ لَمَا مَنَعَ الْمَسْحَ أَلْبَتَّةَ، وَلَا يَتَّفِقُونَ عَلَى الْغَسْلِ إِلَّا لِأَنَّهُ السُّنَّةُ الْمُتَّبَعَةُ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنَّ ابْنَ جَرِيرٍ رَوَى الْقَوْلَ بِالْمَسْحِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ، وَمِنَ الرِّوَايَةِ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ الْوُضُوءَ غَسْلَتَانِ وَمَسْحَتَانِ " وَعَنْ أَنَسٍ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالْمَسْحِ، وَالسُّنَّةُ الْغَسْلُ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ الصَّحَابَةِ بِالسُّنَّةِ لِأَنَّهُ كَانَ يَخْدِمُ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ سَوْقِ الرِّوَايَاتِ فِي الْقَوْلَيْنِ، مَا نَصُّهُ: " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ اللهَ أَمَرَ بِعُمُومِ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ بِالْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ، كَمَا أَمَرَ
стр. 2068
بِعُمُومِ مَسْحِ الْوَجْهِ بِالتُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمَا الْمُتَوَضِّئُ كَانَ مُسْتَحِقًّا اسْمَ مَاسِحٍ غَاسِلٍ ; لِأَنَّ غَسْلَهُمَا إِمْرَارُ الْمَاءِ عَلَيْهِمَا أَوْ إِصَابَتُهُمَا بِالْمَاءِ، وَمَسْحُهُمَا إِمْرَارُ الْيَدِ وَمَا قَامَ مَقَامَ الْيَدِ عَلَيْهِمَا، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمَا فَاعِلٌ فَهُوَ غَاسِلٌ مَاسِحٌ، وَكَذَلِكَ مِنِ احْتِمَالِ الْمَسْحِ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْتُ مِنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا مَسْحٌ بِبَعْضٍ، وَالْآخَرُ مَسْحٌ بِالْجَمِيعِ، وَاخْتَلَفَتْ قِرَاءَةُ الْقُرَّاءِ فِي قَوْلِهِ وَأَرْجُلَكُمْ فَنَصَبَهَا بَعْضُهُمْ تَوْجِيهًا مِنْهُ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْفَرْضَ فِيهِمَا الْغَسْلُ، وَإِنْكَارًا مِنْهُ الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا مَعَ تَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعُمُومِ مَسْحِهِمَا بِالْمَاءِ، وَخَفَضَهَا بَعْضُهُمْ تَوْجِيهًا مِنْهُ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْفَرْضَ فِيهِمَا الْمَسْحُ، وَلَمَّا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ: إِنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ عُمُومُ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ بِالْمَاءِ كَرِهَ مَنْ كَرِهَ، لِلْمُتَوَضِّئِ الِاجْتِزَاءَ بِإِدْخَالِ رِجْلَيْهِ فِي الْمَاءِ دُونَ مَسْحِهِمَا بِيَدِهِ، أَوْ بِمَا قَامَ مَقَامَ الْيَدِ؛ تَوْجِيهًا مِنْهُ قَوْلَهُ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَى مَسْحِ جَمِيعِهِمَا عَامًّا بِالْيَدِ، أَوْ بِمَا قَامَ مَقَامَ الْيَدِ
دُونَ بَعْضِهِمَا مَعَ غَسْلِهِمَا بِالْمَاءِ، وَهَهُنَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ لِمَنْ يَتَوَضَّأُ فِي السَّفِينَةِ أَنْ يَغْمِسَ رِجْلَيْهِ فِي الْمَاءِ غَمْسًا، وَفِي رِوَايَةٍ: يَخْفِضُ قَدَمَيْهِ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْحِ الْمَعْنَيَانِ اللَّذَانِ وَصَفْنَا مِنْ عُمُومِ الرِّجْلَيْنِ بِهِ بِالْمَاءِ، وَخُصُوصِ بَعْضِهِمَا بِهِ، وَكَانَ صَحِيحًا بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا بَعْدُ، أَنَّ مُرَادَ اللهِ مِنْ مَسْحِهِمَا الْعُمُومُ، وَكَانَ لِعُمُومِهِمَا بِذَلِكَ مَعْنَى الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ ; فَبَيِّنٌ صَوَابُ قِرَاءَةِ الْقِرَاءَتَيْنِ جَمِيعًا، أَعْنِي النَّصْبَ فِي الْأَرْجُلِ وَالْخَفْضَ ; لِأَنَّ فِي عُمُومِ الرِّجْلَيْنِ بِمَسْحِهِمَا بِالْمَاءِ: غَسْلُهُمَا، وَفِي إِمْرَارِ الْيَدِ وَمَا قَامَ مَقَامَ الْيَدِ عَلَيْهِمَا: مَسْحُهُمَا. فَوَجَّهَ صَوَابَ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ نَصْبًا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى عُمُومِهِمَا بِإِمْرَارِ الْمَاءِ عَلَيْهِمَا، وَوَجَّهَ صَوَابَ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ خَفْضًا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِمْرَارِ الْيَدِ عَلَيْهِمَا أَوْ مَا قَامَ مَقَامَ الْيَدِ مَسْحًا بِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، وَكَانَتِ الْقِرَاءَتَانِ كِلْتَاهُمَا حَسَنًا صَوَابًا، فَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَهَا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ خَفْضًا ; لِمَا وَصَفْتُ مِنْ جَمْعِ الْمَسْحِ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْتُ، وَلِأَنَّهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ فَالْعَطْفُ بِهِ عَلَى الرُّءُوسِ مَعَ قُرْبِهِ مِنْهُ أَوْلَى مِنَ الْعَطْفِ بِهِ عَلَى الْأَيْدِي، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِقَوْلِهِ: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْحِ فِي الرِّجْلَيْنِ، الْعُمُومُ دُونَ أَنْ يَكُونَ خُصُوصًا، نَظِيرَ قَوْلِكَ فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ؟ قِيلَ: الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ تَظَاهُرُ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ " وَلَوْ كَانَ مَسْحُ بَعْضِ الْقَدَمِ مُجْزِيًا عَنْ عُمُومِهَا بِذَلِكَ لَمَا كَانَ لَهَا الْوَيْلُ بِتَرْكِ مَا تُرِكَ مَسْحُهُ مِنْهَا بِالْمَاءِ بَعْدَ أَنْ يَمْسَحَ بَعْضًا ; لِأَنَّ مَنْ أَدَّى فَرْضَ اللهِ عَلَيْهِ فِي مَا لَزِمَهُ غَسْلُهُ مِنْهَا، لَمْ يَسْتَحِقَّ الْوَيْلَ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ، فَوُجُوبُ الْوَيْلِ لِعَقِبِ تَارِكِ غَسْلِ عَقِبِهِ فِي وُضُوئِهِ أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ فَرْضِ الْعُمُومِ بِمَسْحِ جَمِيعِ الْقَدَمِ بِالْمَاءِ وَصِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، وَفَسَادِ مَا خَالَفَهُ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَرَأْيُهُ وَاضِحٌ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْقِرَاءَتَيْنِ مَعًا، بِأَنْ يَغْسِلَ الْمُتَوَضِّئُ رِجْلَيْهِ وَيَمْسَحَهُمَا بِيَدَيْهِ أَوْ غَيْرِ يَدَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الْغَسْلِ ; لِأَجْلِ اسْتِيعَابِ غَسْلِهِمَا عِنَايَةً بِنَظَافَتِهِمَا
;
стр. 2069
لِأَنَّ الْوَسَخَ أَكْثَرُ عُرُوضًا لَهُمَا مِنْ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَمْسَحْهُ لَا يُؤَثِّرُ الْمَاءُ الَّذِي يُصَبُّ عَلَيْهِمَا التَّأْثِيرَ الْمَطْلُوبَ لِتَنْظِيفِهِمَا ; إِذْ يَغْلِبُ عَلَيْهِمَا الْجَفَافُ وَالْوَسَخُ، وَبِمَسْحِهِمَا فِي الْغَسْلِ يَسْتَغْنِي بِقَلِيلِ الْمَاءِ عَنْ كَثِيرِهِ فِي تَنْظِيفِهِمَا، وَالِاقْتِصَادُ فِي
الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنَ السُّنَّةِ، وَكَانُوا فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ قَلِيلِي الْمَاءِ فِي الْحِجَازِ، وَقَدْ تَنَبَّهَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَقَالَ فِي بَيَانِ حِكْمَةِ قِرَاءَةِ الْجَرِّ: " الْأَرْجُلُ مِنْ بَيْنِ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ الْمَغْسُولَةِ، تُغْسَلُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا، فَكَانَتْ مَظِنَّةً لِلْإِسْرَافِ الْمَذْمُومِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَعُطِفَتْ عَلَى الرَّابِعِ الْمَمْسُوحِ، لَا لِتُمْسَحَ، وَلَكِنْ لِيُنَبَّهَ عَلَى وُجُوبِ الِاقْتِصَادِ فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: إِلَى الْكَعْبَيْنِ، فَجِيءَ بِالْغَايَةِ إِمَاطَةً لِظَنِّ ظَانٍّ يَحْسَبُهَا مَمْسُوحَةً ; لِأَنَّ الْمَسْحَ لَمْ تُضْرَبْ لَهُ غَايَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ. انْتَهَى. وَالصَّوَابُ: لِتُمْسَحَ حِينَ تُغْسَلُ.
وَقَدْ أَطْنَبَ السَّيِّدُ الْآلُوسِيُّ فِي رُوحِ الْمَعَانِي فِي تَوْجِيهِ كُلٍّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ لِلْقِرَاءَتَيْنِ، وَتَحْوِيلِ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، وَرَجَّحَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الشِّيعَةِ فَقَالَ: " بَقِيَ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَا أَقْنَعُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى غَسْلِ الْأَرْجُلِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، مَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهَا مِنْ خَارِجٍ مَا يُقَوِّي تَطْبِيقَ أَهْلِ السُّنَّةِ ; فَإِنَّ كَلَامَهُمْ وَكَلَامَ الْإِمَامِيَّةِ فِي ذَلِكَ، عَسَى أَنْ يَكُونَ فَرَسَيْ رِهَانٍ، قِيلَ لَهُ: " إِنَّ سُنَّةَ خَيْرِ الْوَرَى ﷺ وَآثَارَ الْأَئِمَّةِ، ﵃، شَاهِدَةٌ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَهِيَ مِنْ طَرِيقِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْقَوْمِ فَقَدْ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ الْقَدَمَيْنِ، فَقَالَ: تُغْسَلَانِ غَسْلًا ".
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: إِذَا نَسِيتَ مَسْحَ رَأْسِكَ حَتَّى غَسَلْتَ رِجْلَيْكَ فَامْسَحْ رَأْسَكَ ثُمَّ اغْسِلْ رِجْلَيْكَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَيْضًا الْكَلْبِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ، بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَضْعِيفُهَا، وَلَا الْحَمْلُ عَلَى التَّقِيَّةِ ; لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ شِيعِيٌّ خَاصٌّ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللهُ تَعَالَى وَجْهَهُ، أَنَّهُ قَالَ: جَلَسْتُ أَتَوَضَّأُ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمَّا غَسَلْتُ قَدَمَيَّ قَالَ: يَا عَلِيُّ خَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ. وَنَقَلَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ تَعَالَى وَجْهَهُ، فِي نَهْجِ الْبَلَاغَةِ، حِكَايَةَ وُضُوئِهِ ﷺ وَذَكَرَ فِيهِ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْآيَةِ كَمَا قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ مِنْهُمُ النَّسْخَ لِيَتَكَلَّفَ لِإِثْبَاتِهِ كَمَا ظَنَّهُ مَنْ لَا وُقُوفَ لَهُ، وَمَا يَزْعُمُهُ الْإِمَامِيَّةُ مِنْ نِسْبَةِ الْمَسْحِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَذِبٌ مُفْتَرًى عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ مَا رُوِيَ عَنْهُ بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ جَوَّزَ الْمَسْحَ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ بِطَرِيقِ التَّعَجُّبِ: لَا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى إِلَّا الْمَسْحَ، وَلَكِنَّهُمْ أَبَوْا إِلَّا الْغَسْلَ. وَمُرَادُهُ أَنَّ ظَاهِرَ الْكِتَابِ يُوجِبُ الْمَسْحَ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَرِّ الَّتِي كَانَتْ قِرَاءَتَهُ، وَلَكِنَّ
стр. 2070
الرَّسُولَ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَفْعَلُوا إِلَّا الْغَسْلَ، فَفِي كَلَامِهِ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْجَرِّ مُؤَوَّلَةٌ مَتْرُوكَةُ الظَّاهِرِ بِعَمَلِ الرَّسُولِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَنِسْبَةُ جَوَازِ الْمَسْحِ إِلَى أَبِي الْعَالِيَةِ وَعِكْرِمَةَ وَالشَّعْبِيِّ زُورٌ وَبُهْتَانٌ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ نِسْبَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ، أَوِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمَا إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وَمِثْلُهُ نِسْبَةُ التَّخْيِيرِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ صَاحِبِ التَّارِيخِ الْكَبِيرِ وَالتَّفْسِيرِ الشَّهِيرِ، وَقَدْ نَشَرَ رُوَاةُ الشِّيعَةِ هَذِهِ الْأَكَاذِيبَ الْمُخْتَلَقَةَ، وَرَوَاهَا بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِمَّنْ لَمْ يُمَيِّزِ الصَّحِيحَ وَالسَّقِيمَ مِنَ الْأَخْبَارِ بِلَا تَحَقُّقٍ وَلَا سَنَدٍ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ، وَلَعَلَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرٍ الْقَائِلَ بِالتَّخْيِيرِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ رُسْتُمَ الشِّيعِيُّ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ لِلْمُسْتَرْشِدِ فِي الْإِمَامَةِ، لَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ غَالِبٍ الطَّبَرِيُّ الشَّافِعِيُّ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْمَذْكُورُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا هُوَ الْغَسْلُ فَقَطْ، لَا الْمَسْحُ وَلَا الْجَمْعُ وَلَا التَّخْيِيرُ الَّذِي نَسَبَهُ الشِّيعَةُ إِلَيْهِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي دَعْوَى الْمَسْحِ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللهُ تَعَالَى وَجْهَهُ، أَنَّهُ مَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، وَشَرِبَ فَضْلَ طَهُورِهِ قَائِمًا وَقَالَ: " إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشُّرْبَ قَائِمًا لَا يَجُوزُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ. وَهَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي وُضُوءِ الْمُحْدِثِ، لَا فِي مُجَرَّدِ التَّنْظِيفِ بِمَسْحِ الْأَطْرَافِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْخَبَرِ مِنْ مَسْحِ الْمَغْسُولِ اتِّفَاقًا.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ، بِرِوَايَاتٍ ضَعِيفَةٍ، أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ الْحُفَّاظُ: شَاذٌّ مُنْكَرٌ، لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ مَعَ احْتِمَالِ حَمْلِ الْقَدَمَيْنِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَوْ مَجَازًا، وَاحْتِمَالِ اشْتِبَاهِ الْقَدَمَيْنِ الْمُتَخَفِّفَيْنِ بِدُونِ الْمُتَخَفِّفَيْنِ مِنْ بَعِيدٍ. وَمِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى أَحْوَالِ الرُّوَاةِ، مَا رَوَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَهْوَازِيُّ، عَنْ فُضَالَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ غَالِبِ بْنِ هُذَيْلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ
الْمَسْحِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَحَمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: " سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، كَيْفَ هُوَ؟ فَوَضَعَ بِكَفَّيْهِ عَلَى الْأَصَابِعِ ثُمَّ مَسَحَهُمَا إِلَى الْكَعْبَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ هَكَذَا إِلَى الْكَعْبَيْنِ، أَيُجْزِئُ؟ قَالَ: لَا إِلَّا بِكَفِّهِ كُلِّهَا. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا رَوَتْهُ الْإِمَامِيَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَمَنْ وَقَفَ عَلَى أَحْوَالِ رُوَاتِهِمْ لَمْ يُعَوِّلْ عَلَى خَبَرٍ مِنْ أَخْبَارِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا نُبْذَةً مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا (النَّفَحَاتُ الْقُدُسِيَّةُ فِي رَدِّ الْإِمَامِيَّةِ) عَلَى أَنَّ لَنَا أَنْ نَقُولَ: لَوْ فُرِضَ أَنَّ حُكْمَ اللهِ - تَعَالَى - الْمَسْحُ عَلَى مَا يَزْعُمُهُ الْإِمَامِيَّةُ مِنَ الْآيَةِ فَالْغَسْلُ يَكْفِي عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ هُوَ الْغَسْلَ لَا يَكْفِي الْمَسْحُ عَنْهُ، فَبِالْغَسْلِ يَلْزَمُ الْخُرُوجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ دُونَ الْمَسْحِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَسْلَ مُحَصِّلٌ لِمَقْصُودِ الْمَسْحِ مِنْ وُصُولِ الْبَلَلِ وَزِيَادَةٍ، وَهَذَا مُرَادُ مَنْ عَبَّرَ
следующие страницы →