← Тафсир

Тафсир · id 12304

تفسير المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (5 061 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

مَعَهُمْ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِمَنْ يَفْعَلُونَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَأَنَّهُمُ اعْتَدُّوا بِمَا أَظْهَرَهُ الْعُرَنِيُّونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَرَوَوْا عِدَّةَ رِوَايَاتٍ فِي تَطْبِيقِ الْآيَةِ عَلَى الْخَوَارِجِ، بَلْ قَالُوا إِنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ. وَالظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ - بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنِ الرِّوَايَاتِ الْمُتَعَارِضَةِ - أَنَّهَا عَامَّةٌ لِكُلِّ مَنْ يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إِذَا قَدَرْنَا عَلَيْهِمْ وَهُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِهَا بِالْفِعْلِ أَوْ الِاسْتِعْدَادِ. وَقَدْ قَالَ الَّذِينَ جَعَلُوهَا خَاصَّةً بِالْمُسْلِمِينَ: إِنَّ أَحْكَامَ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ مَعْرُوفَةٌ بِالنُّصُوصِ وَالْعَمَلِ، وَلَيْسَ فِيهَا هَذِهِ الدَّرَجَاتُ فِي الْعِقَابِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا الْعِقَابَ خَاصٌّ بِمَنْ فَعَلَ مِثْلَ أَفْعَالِ الْعُرَنِيِّينَ، فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يُتَّبَعَ فِي حَرْبِ كُلِّ مَنْ حَارَبَنَا مِنَ الْكُفَّارِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اسْتِثْنَاءَ مَنْ تَابُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَوْبَتِهِمْ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ هَذَا الْإِفْسَادِ هِيَ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، لَا التَّوْبَةُ مِنَ الْكُفْرِ. وَمَجْمُوعُ الرِّوَايَاتِ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ تُفِيدُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْإِسْلَامَ خَدِيعَةً لِلسَّلْبِ وَالنَّهْبِ، وَأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ، ثُمَّ قَتَلُوهُمْ وَمَثَّلُوا بِهِمْ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُمُ اعْتَدَوْا عَلَى الْأَعْرَاضِ أَيْضًا، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَاقَبَهُمْ بِمِثْلِ عُقُوبَتِهِمْ ; عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (٤٢: ٤٠) وَقَوْلِهِ: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ) (٢: ١٩٤) إِنْ صَحَّ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ عِقَابِهِمْ، وَلَمْ يَعْفُ عَنْهُمْ كَعَادَتِهِ ; لِئَلَّا يَتَجَرَّأَ عَلَى مِثْلِ فَعْلَتِهِمْ أَمْثَالُهُمْ مِنْ أَعْرَابِ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَأَرَادَ بِذَلِكَ الْقِصَاصَ وَسَدَّ الذَّرِيعَةِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْآيَةَ بِهَذَا التَّشْدِيدِ فِي الْعِقَابِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْإِفْسَادِ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ؛ وَهِيَ سَدُّ ذَرِيعَةِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ، وَلَكِنَّهُ حَرَّمَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ الْمُثْلَةَ؛ وَهِيَ تَشْوِيهُ الْأَعْضَاءِ، وَلَا مَفْسَدَةَ أَشَدُّ وَأَقْبَحُ مِنْ سَلْبِ الْأَمْنِ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ النَّاطِقَةِ وَالصَّامِتَةِ. فَرُبَّ عُصْبَةٍ مِنَ الْمُفْسِدِينَ تَسْلُبُ الْأَمَانَ وَالِاطْمِئْنَانَ مِنْ أَهْلِ وِلَايَةٍ كَبِيرَةٍ، وَرُبَّ عُصْبَةٍ مُفْسِدَةٍ تُعَاقَبُ بِهَذِهِ الْعُقُوبَاتِ الْمَنْصُوصَةِ فِي الْآيَةِ فَتَطْهُرُ الْأَرْضُ مِنْ أَمْثَالِهَا زَمَنًا طَوِيلًا. وَالتَّشْدِيدُ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ السِّيَاسَةِ، لَا تَزَالُ جَمِيعُ الدُّوَلِ تُحَافِظُ عَلَيْهِ حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ يُحَكِّمُ الْوَهْمَ فِيهِ، وَمِنَ الْأَمْرِ الْإِدِّ مَا اجْتَرَحَتْهُ إِنْكِلْتِرَةُ فِي مِصْرَ بِهَذَا الْقَصْدِ؛ إِذْ مَرَّ بِقَرْيَةِ (دِنْشُوَايْ) مُنْذُ سِنِينَ قَلِيلَةٍ أَفْرَادٌ مِنْ جُنْدِ الْإِنْكِلِيزِ، كَانُوا يَصِيدُونَ الْحَمَامَ عِنْدَ بَيْدَرِهَا، فَتَخَاصَمُوا مَعَ أَصْحَابِ الْحَمَامِ وَتَضَارَبُوا، فَعَظُمَ عَلَى الْإِنْكِلِيزِ

стр. 2172

تَجَرُّؤُ الْفَلَّاحِ الْمِصْرِيِّ عَلَى ضَرْبِ الْجُنْدِيِّ الْإِنْكِلِيزِيِّ، فَعَقَدُوا الْمَحْكَمَةَ الْعُرْفِيَّةَ لِمُحَاكَمَةِ أُولَئِكَ الْفَلَّاحِينَ بِرِيَاسَةِ بُطْرُسَ بَاشَا غَالِي، فَحَكَمَتْ عَلَى بَعْضِ أُولَئِكَ الْفَلَّاحِينَ بِأَنْ يُصْلَبُوا وَيُعَذَّبُوا بِالضَّرْبِ بِالسِّيَاطِ (الْكَرَابِيجِ) ذَاتِ الْعُقَدِ، حَتَّى تَتَنَاثَرَ لُحُومُهُمْ، وَأَنْ يَبْقَوْا مَصْلُوبِينَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى أَعْيُنِ أَهْلِيهِمْ وَأَعْيُنِ النَّاسِ، وَنُفِّذَ الْحُكْمُ، وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الْقَسْوَةَ وَاسْتَفْظَعَهَا النَّاسُ، حَتَّى بَعْضُ أَحْرَارِ الْإِنْكِلِيزِ فِي بِلَادِهِمْ، وَشَنَّعُوا عَلَيْهَا فِي الْجَرَائِدِ وَفِي مَجْلِسِ النُّوَّابِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْحَادِثَةِ لَا تُعَدُّ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَى ذِي السُّلْطَانِ، وَلَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنْ قَصَدَ الْإِنْكِلِيزُ بِالْقَسْوَةِ فِيهَا أَلَّا يَتَجَرَّأَ أَحَدٌ عَلَى مُقَاوَمَةِ جُنْدِيٍّ إِنْكِلِيزِيٍّ، وَإِنِ اعْتَدَى، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ عَدْلِ الْإِسْلَامِ الَّذِي سَاوَى خَلِيفَتُهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ ابْنِ فَاتِحِ مِصْرَ وَقَائِدِ جَيْشِهَا وَحَاكِمِهَا الْعَامِّ (عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) وَبَيْنَ غُلَامٍ قِبْطِيٍّ ; إِذْ تَسَابَقَا، فَسَبَقَ الْقِبْطِيُّ ابْنَ الْحَاكِمِ، فَصَفَعَهُ هَذَا وَقَالَ: أَتَسْبِقُنِي وَأَنَا ابْنُ الْأَكْرَمَيْنِ؟ فَلَمَّا رُفِعَ الْأَمْرُ إِلَى عُمَرَ ﵁ لَمْ يَرْضَ إِلَّا أَنْ يَصْفَعَ الْقِبْطِيُّ ابْنَ الْفَاتِحِ الْحَاكِمِ كَمَا صَفَعَهُ، وَقَالَ لِعَمْرٍو كَلِمَتَهُ الذَّهَبِيَّةَ الْمَشْهُورَةَ: يَا عَمْرُو مُنْذُ كَمْ تَعَبَّدْتُمُ النَّاسَ وَقَدْ وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ أَحْرَارًا؟ وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا تَرَكُوا حُكْمَ الْإِسْلَامِ صَارُوا يَطْلُبُونَ مِنَ الْإِنْكِلِيزِ وَمِمَّنْ دُونَ الْإِنْكِلِيزِ أَنْ يُعَلِّمُوهُمُ الْعَدْلَ وَقَوَانِينَهُ! ! . أَمَّا تَفْسِيرُ الْآيَةِ فَهُوَ مَا تَرَى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) أَيْ إِنَّ جَزَاءَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مَا ذُكِرَ مَحْصُورٌ فِيمَا يُذْكَرُ بَعْدَهُ مِنَ الْعُقُوبَاتِ عَلَى سَبِيلِ التَّرْتِيبِ وَالتَّوْزِيعِ عَلَى جِنَايَاتِهِمْ وَمَفَاسِدِهِمْ، لِكُلٍّ مِنْهَا مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الْعُقُوبَةِ. وَالْمُحَارَبَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْحَرْبِ، وَهِيَ ضِدُّ السِّلْمِ، وَالسِّلْمُ السَّلَامُ ; أَيِ السَّلَامَةُ مِنَ الْأَذَى وَالضَّرَرِ وَالْآفَاتِ، وَالْأَمْنُ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَالْأَصْلُ فِي مَعْنَى كَلِمَةِ الْحَرْبِ التَّعَدِّي وَسَلْبُ الْمَالِ. لِسَانُ الْعَرَبِ: الْحَرَبُ بِالتَّحْرِيكِ، أَنْ يُسْلَبَ الرَّجُلُ مَالَهُ، حَرَبَهُ يَحْرُبُهُ (بِوَزْنِ طَلَبَ، وَكَذَا بِوَزْنِ تَعِبَ) إِذَا أَخَذَ مَالَهُ، فَهُوَ مَحْرُوبٌ وَحَرِيبٌ، مِنْ قَوْمٍ حَرْبَى وَحُرَبَاءَ، ثُمَّ قَالَ: حَرِيبَةُ الرَّجُلِ مَالُهُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ، وَالْحَرَبُ بِالتَّحْرِيكِ أَخْذُ الْحَرِيبَةِ ; فَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ وَيَتْرُكَهُ بِلَا شَيْءٍ يَعِيشُ بِهِ، انْتَهَى. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْحَرْبَ وَالْمُحَارَبَةَ لَيْسَ مُرَادِفًا لِلْقَتْلِ وَالْمُقَاتَلَةِ، وَإِنَّمَا الْأَصْلُ فِيهَا الِاعْتِدَاءُ وَالسَّلْبُ وَإِزَالَةُ الْأَمْنِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِقَتْلٍ وَقِتَالٍ، وَبِدُونِهِمَا. وَقَدْ ذُكِرَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ فِي الْقُرْآنِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ آيَةٍ. وَأَمَّا الْمُحَارَبَةُ فَلَمْ تُذْكَرْ إِلَّا فِي هَذِهِ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي بَيَانِ عِلَّةِ بِنَاءِ الْمُنَافِقِينَ لِمَسْجِدِ الضِّرَارِ: (وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) (٩: ١٠٧) . قَالَ رُوَاةُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ: أَيْ تَرَقُّبًا وَانْتِظَارًا لِلَّذِي حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ، مِنْ قَبْلِ بِنَاءِ هَذَا الْمَسْجِدِ، وَهُوَ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ ;

стр. 2173

فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ لِلْإِسْلَامِ، وَوَعَدَ الْمُنَافِقِينَ بِأَنْ يَذْهَبَ وَيَأْتِيَهُمْ بِجُنُودٍ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ لِلْإِيقَاعِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَمُحَارَبَةُ هَذَا الرَّاهِبِ مِنْ قَبْلُ كَانَتْ بِإِثَارَةِ الْفِتَنِ، لَا بِالْقِتَالِ وَالنِّزَالِ، وَأَمَّا لَفْظُ " الْحَرْبِ " فَقَدْ ذُكِرَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ أَرْبَعِ سُوَرٍ ; مِنْهَا إِعْلَامُ الْمُصِرِّينَ عَلَى الرِّبَا بِأَنَّهُمْ فِي حَرْبٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بِأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَالْبَاقِي بِالْمَعْنَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ ضِدُّ السِّلْمِ. وَكَانَ أَهْلُ الْبَوَادِي - وَلَا يَزَالُونَ - يَغْزُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِأَجْلِ السَّلْبِ وَالنَّهْبِ، وَقَدْ جَعَلَ الْفُقَهَاءُ كِتَابَ الْمُحَارَبَةِ - وَيَقُولُونَ الْحَرَابَةُ أَيْضًا - غَيْرَ كِتَابِ الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ. وَجَعَلُوا الْأَصْلَ فِيهَا هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، وَعَرَّفُوهَا بِأَنَّهَا إِشْهَارُ السِّلَاحِ وَقَطْعُ السَّبِيلِ، وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ كَالشَّافِعِيِّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الشَّوْكَةِ. (كَالَّذِينِ يُؤَلِّفُونَ الْعِصَابَاتِ الْمُسَلَّحَةَ لِلسَّلْبِ وَالنَّهْبِ وَقَتْلِ مَنْ يُعَارِضُهُمْ، أَوْ لِمُقَاوَمَةِ السُّلْطَةِ ; ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَالْفَسَادِ) وَاشْتَرَطُوا فِيهَا شُرُوطًا سَنُشِيرُ إِلَى الْمُهِمِّ مِنْهَا. أَمَّا كَوْنُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْعُدْوَانِ مُحَارَبَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فَلِأَنَّهُ اعْتِدَاءٌ عَلَى شَرِيعَةِ السِّلْمِ وَالْأَمَانِ وَالْحَقِّ وَالْعَدْلِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ. فَمُحَارَبَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ هِيَ عَدَمُ الْإِذْعَانِ لِدِينِهِ وَشَرْعِهِ فِي حِفْظِ الْحُقُوقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمُصِرِّينَ عَلَى أَكْلِ الرِّبَا: (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) (٢: ٢٧٩) وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مُحَارَبَةَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: فَمَنْ لَمْ يُذْعِنُوا لِلشَّرْعِ فِيمَا يُخَاطِبُهُمْ بِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يُعَدُّونَ مُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﵇ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الَّذِي يُقِيمُ الْعَدْلَ وَيَحْفَظُ النِّظَامَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ ﵁ بِمَانِعِي الزَّكَاةِ، حَتَّى يَفِيئُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى أَمْرِ اللهِ، وَمَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَقْبَلُ مِنْهُ وَيَكُفُّ عَنْهُ، وَلَكِنْ إِذَا امْتَنَعُوا عَلَى إِمَامِ الْعَدْلِ الْمُقِيمِ لِلشَّرْعِ، وَعَثَوْا إِفْسَادًا فِي الْأَرْضِ، كَانَ جَزَاؤُهُمْ مَا بَيَّنَهُ اللهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) مُتَمِّمٌ لِمَا قَبْلَهُ ; أَيْ يَسْعَوْنَ فِيهَا سَعْيَ فُسَّادٍ أَوْ مُفْسِدِينَ فِي سَعْيِهِمْ لِمَا صَلَحَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ فِي نِظَامِ الِاجْتِمَاعِ وَأَسْبَابِ الْمَعَاشِ. وَالْفَسَادُ ضِدُّ الصَّلَاحِ، فَكُلُّ مَا يَخْرُجُ عَنْ وَضْعِهِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ صَالِحًا نَافِعًا، يُقَالُ إِنَّهُ قَدْ فَسَدَ، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا كَانَ سَبَبًا لِفَسَادِ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ يُقَالُ إِنَّهُ أَفْسَدَهُ، فَإِزَالَةُ الْأَمْنِ عَلَى الْأَنْفُسِ أَوِ الْأَمْوَالِ أَوِ الْأَعْرَاضِ، وَمُعَارَضَةُ تَنْفِيذِ الشَّرِيعَةِ الْعَادِلَةِ وَإِقَامَتِهَا، كُلُّ ذَلِكَ إِفْسَادٌ فِي الْأَرْضِ. رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْفَسَادَ هُنَا الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَإِهْلَاكُ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَعْمَالِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ قَوْلَ مُجَاهِدٍ بِأَنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ وَالْمَفَاسِدَ لَهَا عُقُوبَاتٌ فِي الشَّرْعِ غَيْرُ مَا فِي الْآيَةِ، فَلِلزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ حُدُودٌ، وَإِهْلَاكُ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، وَيَضْمَنُهُ

стр. 2174

الْفَاعِلُ وَيُعَزِّرُهُ الْحَاكِمُ بِمَا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَفَاتَ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَرِضِينَ أَنَّ الْعِقَابَ الْمَنْصُوصَ فِي الْآيَةِ خَاصٌّ بِالْمُحَارِبِينَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ الَّذِينَ يُكَاثِرُونَ أُولِي الْأَمْرِ، وَلَا يُذْعِنُونَ لِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَتِلْكَ الْحُدُودُ إِنَّمَا هِيَ لِلسَّارِقِينَ وَالزُّنَاةِ أَفْرَادًا، الْخَاضِعِينَ لِحُكْمِ الشَّرْعِ فِعْلًا، وَقَدْ ذُكِرَ حُكْمُهُمْ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ الْمُفْرَدِ كَقَوْلِهِ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (٥: ٣٨) وَ (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ (٢٤: ٢) وَهُمْ يَسْتَخْفُونَ بِأَفْعَالِهِمْ وَلَا يَجْهَرُونَ بِالْفَسَادِ حَتَّى يَنْتَشِرَ بِسُوءِ الْقُدْوَةِ بِهِمْ، وَلَا يُؤَلِّفُونَ لَهُ الْعَصَائِبَ لِيَمْنَعُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الشَّرْعِ بِالْقُوَّةِ، فَلِهَذَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَمُفْسِدُونَ، وَالْحُكْمُ هُنَا مَنُوطٌ بِالْوَصْفَيْنِ مَعًا، وَإِذَا أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الْمُحَارِبِينَ فَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِهِ الْمَحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ ; لِأَنَّ الْوَصْفَيْنِ مُتَلَازِمَانِ. وَلَا تَتَحَقَّقُ مُحَارَبَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ بِمُحَارَبَةِ الشَّرْعِ، وَمُقَاوَمَةِ تَنْفِيذِهِ وَإِفْسَادِ النِّظَامِ عَلَى أَهْلِهِ إِلَّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلِلْكُفَّارِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَحْكَامٌ أُخْرَى كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ، وَأَحْكَامُهُمْ تُذْكَرُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، لَا فِي كِتَابِ الْمُحَارَبَةِ أَوِ الْحَرَابَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ فَطِنَ لِهَذَا الْمَعْنَى بَعْضُهُمْ، وَلَمْ يَتَّضِحْ لَهُ تَمَامَ الِاتِّضَاحِ، فَاشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمُحَارِبُونَ الْمُفْسِدُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ إِفْسَادُهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَلَا فَصْلَ حِينَئِذٍ فِيهِمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ أَوْ ذِمِّيِّينَ أَوْ مُعَاهِدِينَ أَوْ حَرْبِيِّينَ. كُلُّ مَنْ قَدَرْنَا عَلَيْهِ مِنْهُمْ نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ الْمُحَارِبِينَ فَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمُحَارِبُ عِنْدَنَا مَنْ حَمَلَ السِّلَاحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مِصْرٍ أَوْ خَلَاءٍ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ ثَائِرَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ، وَلَا دَخَلَ وَلَا عَدَاوَةَ، قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ وَالطَّرِيقِ وَالدِّيَارِ، مُخْتَفِيًا لَهُمْ بِسِلَاحِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ، لَيْسَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِيهِ عَفْوٌ وَلَا قَوْدٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي مَسْأَلَةِ إِثْبَاتِ الْمُحَارَبَةِ فِي الْمِصْرِ عَنْ مَالِكٍ فَأَثْبَتَهَا مَرَّةً وَنَفَاهَا أُخْرَى. نَقُولُ: وَالصَّوَابُ الْإِثْبَاتُ ; لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ مَذْهَبِهِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ انْتِفَاءَ الْعَدَاوَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَسْبَابِ ; لِيَتَحَقَّقَ كَوْنُ ذَلِكَ مُحَارَبَةً لِلشَّرْعِ وَمُقَاوَمَةً لِلسُّلْطَةِ الَّتِي تُنَفِّذُهُ، وَفِي حَاشِيَةِ الْمُقْنِعِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ تَلْخِيصٌ لِمَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، هَذَا نَصُّهُ: " يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَارِبِينَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: (١) أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ فَلَيْسُوا مُحَارِبِينَ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ مَنْ يَقْصِدُهُمْ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، فَإِنْ عَرَضُوا بِالْعِصِيِّ وَالْحِجَارَةِ فَهُمْ مُحَارِبُونَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسُوا مُحَارِبِينَ.

стр. 2175

(٢) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ لَمْ يَكُونُوا مُحَارِبِينَ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ يُسَمَّى حَدَّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّحْرَاءِ، وَلِأَنَّ فِي الْمِصْرِ يَلْحَقُ الْغَوْثُ غَالِبًا، فَتَذْهَبُ شَوْكَةُ الْمُعْتَدِينَ، وَيَكُونُونَ مُخْتَلِسِينَ، وَالْمُخْتَلِسُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حُكْمُهُمْ فِي الْمِصْرِ وَالصَّحْرَاءِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ لِتَنَاوُلِ الْآيَةِ بِعُمُومِهَا كُلَّ مُحَارِبٍ ; وَلِأَنَّهُ فِي الْمِصْرِ أَعْظَمُ ضَرَرًا فَكَانَ أَوْلَى. (٣) أَنْ يَأْتُوا مُجَاهَرَةً وَيَأْخُذُوا الْمَالَ قَهْرًا، فَأَمَّا إِنْ أَخَذُوهُ مُخْتَفِينَ فَهُمْ سُرَّاقٌ، وَإِنِ اخْتَطَفُوهُ وَهَرَبُوا فَهُمْ مُنْتَهِبُونَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ إِنْ خَرَجَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ عَلَى آخِرِ قَافِلَةٍ فَاسْتَلَبُوا مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى مَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ، وَإِنْ خَرَجُوا عَلَى عَدَدٍ يَسِيرٍ فَقَهَرُوهُمْ، فَهُمْ قُطَّاعُ طَرِيقٍ " انْتَهَى. قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ الْمُسْتَقِلِّينَ بِالْفَهْمِ: إِنَّ أَكْثَرَ الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ، لَا يُوجَدُ لَهَا أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ دَلَالَةً صَرِيحَةً عَلَى أَنَّ هَذَا الْعِقَابَ خَاصٌّ بِمَنْ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بِالسَّلْبِ وَالنَّهْبِ، أَوِ الْقَتْلِ، أَوْ إِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ - أَوْ مِنْهُ - الِاعْتِدَاءُ عَلَى الْأَعْرَاضِ إِذَا كَانُوا مُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بِقُوَّةٍ يَمْتَنِعُونَ بِهَا مِنَ الْإِذْعَانِ وَالْخُضُوعِ لِشَرْعِهِ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلَّا حَيْثُ يُقَامُ شَرْعُهُ الْعَادِلُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. فَمَنِ اشْتَرَطَ حَمْلَهُمُ السِّلَاحَ أَخَذَ شَرْطَهُ مِنْ كَوْنِ الْقُوَّةِ الَّتِي يَتِمُّ بِهَا ذَانِكَ الْأَمْرَانِ إِنَّمَا هِيَ قُوَّةُ السِّلَاحِ، وَهُوَ لَوْ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ يُوجَدُ أَوْ سَيُوجَدُ مَوَادُّ تَفْعَلُ فِي الْإِفْسَادِ وَالْإِعْدَامِ وَتَخْرِيبِ الدُّورِ، وَكَذَا فِي الْحِمَايَةِ وَالْمُقَاوَمَةِ أَشَدَّ مِمَّا يَفْعَلُ السِّلَاحُ - كَالدِّينَامِيتِ الْمَعْرُوفِ الْآنَ - أَلَا تَرَاهُ فِي حُكْمِ السِّلَاحِ؟ يَقُولُ: بَلَى، وَمَنِ اشْتَرَطَ خَارِجَ الْمِصْرِ رَاعَى الْأَغْلَبَ، أَوْ أَخَذَ مِنْ حَالِ زَمَنِهِ أَنَّ الْمِصْرَ لَا يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ. وَمَا اشْتَرَطَ أَحَدٌ شَرْطًا غَيْرَ صَحِيحٍ أَوْ غَيْرَ مُطَّرِدٍ إِلَّا وَلَهُ وَجْهٌ انْتَزَعَهُ مِنْهُ. أَمَّا ذَلِكَ الْجَزَاءُ الَّذِي يُعَاقَبُ بِهِ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْمُفْسِدِينَ بِالْقُوَّةِ فَهُوَ (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) . التَّقْتِيلُ: هُوَ التَّكْثِيرُ، أَوِ التَّكْرَارُ، أَوِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْقَتْلِ، فَأَمَّا مَعْنَى التَّكْرَارِ أَوِ التَّكْثِيرِ فَلَا يَظْهَرُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: كُلَّمَا ظَفِرْتُمْ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ مِنْهُمْ فَاقْتُلُوهُ، وَأَمَّا الْمُبَالَغَةُ فَتَظْهَرُ بِكَوْنِ الْقَتْلِ حَتْمًا لَا هَوَادَةَ فِيهِ، وَلَا عَفْوَ مِنْ وَلِيِّ الدَّمِ، وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ إِذَا قَدَرْنَا عَلَى الْقَاتِلِ مِنْهُمْ نَقْتُلُهُ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ وَلِيُّ الدَّمِ أَوْ رَضِيَ بِالدِّيَةِ. وَالتَّصْلِيبُ: التَّكْرَارُ أَوِ الْمُبَالَغَةُ فِي الصَّلْبِ، فَيُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي التَّقْتِيلِ، وَيُمْكِنُ تَكْرَارُ صَلْبِ الْوَاحِدِ عَلَى قَوْلِ

стр. 2176

مَنْ قَالَ: إِنِ الصَّلْبَ يَكُونُ بَعْدَ الْقَتْلِ لِأَجْلِ الْعِبْرَةِ، فَيُصْلَبُ الْمُجْرِمُ فِي النَّهَارِ، وَتُحْفَظُ جُثَّتُهُ لَيْلًا، ثُمَّ يُصْلَبُ فِي النَّهَارِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصْلَبُ بَعْدَ الْقَتْلِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُصْلَبُونَ أَحْيَاءَ لِيَمُوتُوا بِالصَّلْبِ كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنِ الصَّلْبُ عُقُوبَةً ثَانِيَةً، وَأَصْلُ مَعْنَى الصَّلَبِ بِالتَّحْرِيكِ وَالصَّلِيبِ فِي اللُّغَةِ: الْوَدَكُ (الدُّهْنُ) أَوْ وَدَكُ الْعِظَامِ الَّتِي يُعَدُّ صُلْبُ الظَّهْرِ جِذْعَ شَجَرَتِهَا، وَالصَّدِيدُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْمَيِّتِ. قَالَ فِي اللِّسَانِ: وَالصَّلْبُ مَصْدَرُ صَلَبَهُ يَصْلِبُهُ - بِكَسْرِ اللَّامِ - صَلْبًا، وَأَصْلُهُ مِنَ الصَّلِيبِ، وَهُوَ الْوَدَكُ أَوِ الصَّدِيدُ، وَالصَّلْبُ هَذِهِ الْقِتْلَةُ الْمَعْرُوفَةُ مُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ صَلَبَهُ يَصْلُبُهُ صَلْبًا، وَصَلَّبَهُ شُدِّدَ لِلتَّكْثِيرِ. . . وَالصَّلِيبُ: الْمَصْلُوبُ. انْتَهَى. وَيَعْنِي بِالْقِتْلَةِ الْمَعْرُوفَةِ أَنْ يُرْبَطَ الشَّخْصُ عَلَى خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ مَمْدُودَ الْيَدَيْنِ حَتَّى يَمُوتَ، وَكَانُوا يَطْعَنُونَ الْمَصْلُوبَ لِيُعَجِّلُوا مَوْتَهُ، وَالشَّكْلُ الَّذِي يُشْبِهُ الْمَصْلُوبَ يُسَمَّى صَلِيبًا. وَأَمَّا تَقْطِيعُ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ مِنْ خِلَافٍ، فَمَعْنَاهُ إِذَا قُطِعَتِ الْيَدُ الْيُمْنَى تُقْطَعُ الرِّجْلُ الْيُسْرَى، وَفِي هَذَا نَوْعٌ مَا مِنَ التَّكْرَارِ، فَصِيغَةُ التَّفْعِيلِ فِيهِ أَظْهَرُ مِمَّا قَبْلَهُ. وَمَا قُطِعَ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ يُحْسَمُ فِي الْحَالِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَالْحَسْمُ: كَيُّ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ بِالنَّارِ أَوْ بِالزَّيْتِ وَهُوَ يَغْلِي ; لِكَيْلَا يَسْتَنْزِفَ الدَّمُ وَيَمُوتَ صَاحِبُهُ، وَفِي مَعْنَى الْحَسْمِ كُلُّ عِلَاجٍ يَحْصُلُ بِهِ الْمُرَادُ، وَرُبَّمَا كَانَ الْأَفْضَلُ مَا كَانَ أَسْرَعَ تَأْثِيرًا وَأَقَلَّ إِيلَامًا وَأَسْلَمَ عَاقِبَةً، عَمَلًا بِحَدِيثِ " إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ. وَأَمَّا النَّفْيُ مِنَ الْأَرْضِ فَيَحْتَمِلُ لَفْظُ الْآيَةِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً مَعْطُوفَةً عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَأَنْ يَكُونَ " أَوْ " بِمَعْنَى " إِلَّا أَنْ " أَيْ جَزَاؤُهُمْ مَا ذُكِرَ قَبْلُ، إِلَّا أَنْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ بِالْمُطَارَدَةِ، وَيُخْرَجُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ الَّتِي لَا حُكْمَ وَلَا سُلْطَانَ لِلْإِسْلَامِ فِيهَا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وَعَنِ السُّدِّيِّ وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُمْ يُطْلَبُونَ حَتَّى يُؤْخَذُوا أَوْ يَضْطَرُّهُمُ الطَّلَبُ إِلَى دَارِ الْكُفْرِ وَالْحَرْبِ إِذَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُضْطَرُّ إِلَى الدُّخُولِ فِي دَارِ الْكُفْرِ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْمُخْتَارِ أَنْ يُنْفَى الْمُحَارِبُونَ مِنْ بَلَدِهِمْ أَوْ قُطْرِهِمُ الَّذِي أَفْسَدُوا فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ ; أَيْ إِذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ، فَإِذَا كَانُوا كُفَّارًا جَازَ نَفْيُهُمْ إِلَى بَعْضِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَإِلَى بِلَادِ الْكُفْرِ ; لِأَنَّ لَفْظَ الْأَرْضِ فِي الْآيَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ فِيهِ لِبِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يَكُونَ لِمَا وَقَعَ فِيهِ الْفَسَادُ مِنْهَا. وَحِكْمَةُ نَفْيِهِمْ إِلَى غَيْرِ تِلْكَ الْأَرْضِ وَرَاءَ كَوْنِ النَّفْيِ عِقَابًا ظَاهِرَةٌ ; وَهِيَ أَنَّ بَقَاءَهُمْ فِي الْأَرْضِ الَّتِي أَفْسَدُوا فِيهَا يُذَكِّرُهُمْ، وَيُذَكِّرُ أَهْلَهَا دَائِمًا بِمَا كَانَ مِنْهُمْ، وَهِيَ

стр. 2177

ذِكْرَى سَيِّئَةٌ قَدْ تَعْقُبُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا التَّفْسِيرَ لِلنَّفْيِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقِيلَ: يُنْفَى إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَيُسْجَنُ فِيهِ إِلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ: إِنِ النَّفْيَ هُوَ السَّجْنُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَغْرَبُ الْأَقْوَالِ، فَالْحَبْسُ عُقُوبَةٌ غَيْرُ عُقُوبَةِ النَّفْيِ وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الْأَرْضِ، تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَالْمَقَامُ مَقَامُ بَيَانِ حُدُودِ اللهِ، لَا التَّعْزِيرُ الْمُفَوَّضُ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الْعُقُوبَتَيْنِ فِي بَيَانِ اللهِ لِنَبِيِّهِ مَا كَانَ يَكِيدُ لَهُ الْمُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) (٨: ٣٠) رَوَى أَصْحَابُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ أَنَّ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ سَأَلَهُ: هَلْ تَدْرِي مَا ائْتَمَرُوا بِكَ؟ قَالَ ﷺ : " يُرِيدُونَ أَنْ يَسْجُنُونِي أَوْ يَقْتُلُونِي أَوْ يُخْرِجُونِي ". هَذِهِ أَرْبَعُ عُقُوبَاتٍ لِلْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ فِي كَيْفِيَّةِ تَنْفِيذِهَا ; فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ لِلتَّخْيِيرِ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنَ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُمْ، بِمَا شَاءَ مِنْهَا، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا لِتَفْصِيلِ أَنْوَاعِ الْعِقَابِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، جَعَلَ اللهُ لِهَذَا الْإِفْسَادِ دَرَجَاتٍ مِنَ الْعِقَابِ ; لِأَنَّ إِفْسَادَهُمْ مُتَفَاوِتٌ ; مِنْهُ الْقَتْلُ، وَمِنْهُ السَّلْبُ، وَمِنْهُ هَتْكُ الْأَعْرَاضِ، وَمِنْهُ إِهْلَاكُ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ ; أَيْ قَطْعُ الشَّجَرِ، وَقَطْعُ الزَّرْعِ، وَقَتْلُ الْمَوَاشِي وَالدَّوَابِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ جَرِيمَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ، فَلَيْسَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا فِي مُعَاقَبَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِمَا شَاءَ مِنْهَا، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُعَاقِبَ كُلًّا بِقَدْرِ جُرْمِهِ وَدَرَجَةِ إِفْسَادِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ بِقَدْرِ الْجَرَائِمِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَجَاءُوا فِيهِ بِفُرُوعٍ كَثِيرَةٍ تَرْجِعُ إِلَى الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فِي التَّقْدِيرِ وَمُرَاعَاةِ مَا وَرَدَ مِنَ الْحُدُودِ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ، كَقَتْلِ الْقَاتِلِ وَقَطْعِ آخِذِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ كَالسَّارِقِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالسَّلْبِ، وَالنَّفْيِ لِمَنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَا أَخَذَ مَالًا، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَعْضِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ، وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا تَنْفِيهِ ; فَهُوَ اجْتِهَادٌ حَسَنٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ بِهَا، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ كَافٍ ; لِأَنَّ لِلْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ بِالْقُوَّةِ أَعْمَالًا أُخْرَى أَشَرْنَا إِلَى أُمَّهَاتِهَا آنِفًا، فَإِذَا قَامَتْ عِصَابَةٌ مُسَلَّحَةٌ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ بِخَطْفِ الْعَذَارَى أَوِ الْمُحْصَنَاتِ لِأَجْلِ الْفُجُورِ بِهِنَّ، أَوْ بِخَطْفِ الْأَوْلَادِ لِأَجْلِ بَيْعِهِمْ أَوْ فِدْيَتِهِمْ، فَلَا شَكَّ أَنَّهَا تُعَدُّ مِنَ الْمُخَرِّبِينَ الْمُفْسِدِينَ، فَمَا حُكْمُ اللهِ فِيهِمْ؟ إِنَّ الْآيَةَ حَدَّدَتْ لِعِقَابِ الْمُفْسِدِينَ بِقُوَّةِ السِّلَاحِ وَالْعَصَبِيَّةِ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَتَرَكَتْ لِأُولِي الْأَمْرِ الِاجْتِهَادَ فِي تَقْدِيرِهَا بِقَدْرِ جَرَائِمِهِمْ، فَلَا هِيَ خَيَّرَتِ الْإِمَامَ بِأَنْ يَحْكُمَ بِمَا شَاءَ مِنْهَا عَلَى مَنْ شَاءَ بِحَسَبِ هَوَاهُ، وَلَا هِيَ جَعَلَتْ لِكُلِّ مَفْسَدَةٍ عُقُوبَةً مُعَيَّنَةً مِنْهَا، وَالْحِكْمَةُ فِي عَدَمِ تَعْيِينِ الْآيَةِ وَتَفْصِيلِهَا لِلْفُرُوعِ وَالْجُزْئِيَّاتِ هِيَ أَنَّ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ كَثِيرَةٌ

стр. 2178

وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَضَرَرُهَا يَخْتَلِفُ كَذَلِكَ، وَالْفُرُوعُ تَكْثُرُ فِيهَا، حَتَّى إِنَّ تَفْصِيلَهَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا فِي صُحُفٍ كَثِيرَةٍ، وَمِنْ خَصَائِصِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ كِتَابُ هِدَايَةٍ رُوحِيَّةٍ، لَيْسَ لِأَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْهُ إِلَّا الْحَظُّ الْقَلِيلُ ; إِذْ وَكَلَ أَكْثَرَهَا إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَيَّنَ بِإِيجَازِهِ الْمُعْجِزِ الضَّرُورِيَّ مِنْهَا بِعِبَارَةٍ يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا مَا يَمْلَأُ عِدَّةَ صُحُفٍ، كَهَذِهِ الْآيَةِ وَآيَاتِ الْمَوَارِيثِ، وَالْقَاعِدَةُ فِي الْإِسْلَامِ: أَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ بِخُصُوصِهِ يَسْتَنْبِطُ أُولُو الْأَمْرِ حُكْمَهُ مِنَ النُّصُوصِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ فِي دَفْعِ الْمَفَاسِدِ وَحِفْظِ الْمَصَالِحِ. وَالْعُلَمَاءُ الْمُسْتَقِلُّونَ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ، فَلِهَذَا بَيَّنُوا مَا وَصَلَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ ; لِيُسَهِّلُوا عَلَى الْحُكَّامِ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ فَهْمَ النُّصُوصِ، وَيُمَهِّدُوا لَهُمْ طُرُقَ الِاجْتِهَادِ، وَلِهَذَا اخْتَلَفَتِ الْأَقْوَالُ، وَلَوْ كَانَ مُسْلِمُو هَذَا الْعَصْرِ كَمُسْلِمِي السَّلَفِ لَفَعَلَ أَئِمَّتُهُمْ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي خِلَافَتِهِ مِنْ جَمْعِ أُولِي الْأَمْرِ (أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَكُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ) لِلتَّشَاوُرِ فِي كُلِّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا سُنَّةً مُتَّبَعَةً، وَلَاسْتَشَارُوهُمْ فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ بِقَدْرِ تَأْثِيرِ الْمَفَاسِدِ وَضَرَرِهَا، وَأَنْفَذُوا مَا يَتَقَرَّرُ بَعْدَ الشُّورَى فِي كُلِّ مَا حَدَثَ مِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ. رَاجِعْ تَفْسِيرَ (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٤: ٥٩) (ص١٤٦ - ١٨٠ ج٥ ط الْهَيْئَةِ) . وَعُلِمَ بِهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ قَالَهُ عُلَمَاءُ السَّلَفِ لَهُ وَجْهٌ، وَإِنْ رَدَّ بَعْضُهُمْ قَوْلَ بَعْضٍ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فَوَجْهُهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَطْفُ بِأَوْ، لَا يَعْنِي بِالتَّخْيِيرِ أَنَّ لَهُ الْحُكْمَ بِالْهَوَى وَالشَّهْوَةِ، بَلْ بِالِاجْتِهَادِ وَمُرَاعَاةِ مَا تُدْرَأُ بِهِ الْمَفْسَدَةُ وَتَقُومُ الْمَصْلَحَةُ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْمُشَاوَرَةَ فِي الْأَمْرِ، كَيْفَ وَهِيَ الْقَاعِدَةُ الْأَسَاسِيَّةُ لِلْحُكْمِ؟ وَمَنْ وَضَعَ كُلَّ عُقُوبَةٍ بِإِزَاءِ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُفْسِدِينَ فَإِنَّمَا بَيَّنَ رَأْيَهُ وَاجْتِهَادَهُ فِي الْحُكْمِ الَّذِي يَدْرَأُ الْمَفْسَدَةَ، وَتَقُومُ بِهِ الْمَصْلَحَةُ، كَمَا يُبَيِّنُونَ فَهْمَهُمْ وَاجْتِهَادَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَلَا يُوجِبُونَ، بَلْ لَا يُجِيزُونَ لِأَحَدٍ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَتَّخِذَ فَهْمَهُمْ أَوْ رَأْيَهُمْ دِينًا يُتَّبَعُ، وَإِنَّمَا هُوَ إِعَانَةٌ لِلْبَاحِثِ وَالنَّاظِرِ عَلَى الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْمُسْتَقِلَّ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِذَا نَظَرَ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يَعْرِفْ لِغَيْرِهِ رَأَيًا فِيهَا يَكُونُ مَجَالُ نَظَرِهِ أَضْيَقَ مِنْ مَجَالِ مَنْ عَرَفَ أَقْوَالَ النَّاسِ وَآرَاءَهُمْ، وَكَمْ مِنْ عَالِمٍ مُجْتَهِدٍ قَالَ فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ بَعْدَ وُقُوفِهِ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ; إِمَّا إِلَى رَأْيِهِمْ، وَإِمَّا إِلَى رَأْيٍ جَدِيدٍ. وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَانَ لِلشَّافِعِيِّ مَذْهَبٌ قَدِيمٌ وَمَذْهَبٌ جَدِيدٌ، فَلَا يَغُرَّنَّكَ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْمُسْتَقِلِّينَ إِنَّ أَكْثَرَ مَا قَالُوهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ. إِذَا عَلِمْتَ هَذَا، فَهَاكَ أَشْهَرُ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ، قَالَ صَاحِبُ (الْمُقْنِعِ) مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ فِي بَابِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: وَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ ; فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ، وَأَخَذَ

стр. 2179

الْمَالَ قُتِلَ حَتْمًا، وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ (مِنْ فُقَهَائِهِمْ) : " يُصْلَبُ قَدْرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلْبِ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُقْطَعُ مَعَ ذَلِكَ. وَإِنْ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ، فَهَلْ يُقْتَلُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ " إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ مِثْلُ الَّذِي عَزَوْنَاهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ تَفْصِيلٍ وَذِكْرِ رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَالَ مُحَشِّيهِ مَا نَصُّهُ: " قَوْلُهُ وَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ. . . إِلَخْ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَحَمَّادٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَالْقَطْعِ وَالنَّفْيِ ; لِأَنَّ (أَوْ) تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو الزِّنَادِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا قَطَعَ الطَّرِيقَ فَرَآهُ الْإِمَامُ جَلْدًا ذَا رَأْيٍ قَتَلَهُ، وَإِنْ كَانَ جَلْدًا لَا رَأْيَ لَهُ قَطَعَهُ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِعْلُهُ " انْتَهَى. أَيْ إِنَّ مَالِكًا يَعْتَبِرُ حَالَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فِي الْعِقَابِ، لَا عَمَلُهُ وَحْدَهُ، وَالْجَلْدُ: الْقَوِيُّ صَاحِبُ الثَّبَاتِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْقُوَّةُ مَعَ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ كَانَ الْفَسَادُ أَقْوَى، وَالْعَاقِبَةُ شَرًّا. وَذَكَرَ الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ أَقْوَالًا كَثِيرَةً لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ; مِنْهَا أَقْوَالُ أَئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ، فَلْيُرَاجِعْهَا مَنْ شَاءَ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الْعِقَابِ خِزْيٌ لِأُولَئِكَ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ ; أَيْ ذُلٌّ وَفَضِيحَةٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ; لِيَكُونُوا عِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَقَالَ: (لَهُمْ خِزْيٌ) وَلَمْ يَقُلْ " خِزْيٌ لَهُمْ " ; لِيُفِيدَ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِمْ، دُونَ الْأَفْرَادِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا مُحَارِبِينَ، وَمُغْتَرِّينَ بِالْقُوَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّ عَذَابَهُمْ فِي الْآخِرَةِ يَكُونُ عَظِيمًا بِقَدْرِ تَأْثِيرِ إِفْسَادِهِمْ فِي تَدْنِيسِ أَرْوَاحِهِمْ وَتَدْسِيَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَيَا لَهُ مِنْ تَأْثِيرٍ! . (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) اسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنَ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، الَّذِينَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأَشَدِّ الْجَزَاءِ فِي الدُّنْيَا وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعَذَابِ الْعَظِيمِ فِي الْآخِرَةِ، مَنْ يَتُوبُونَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، وَتَمَكُّنِ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ عِقَابِهِمْ ; فَإِنَّ تَوْبَتَهُمْ، وَهُمْ فِي قُوَّتِهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ، جَدِيرَةٌ بِأَنْ تَكُونَ تَوْبَةً نَصُوحًا، مَنْشَؤُهَا الْعِلْمُ بِقُبْحِ عَمَلِهِمْ، وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهِ، لَا الْخَوْفُ مِنْ عِقَابِ الدُّنْيَا، وَهَبْ أَنَّهُ الْخَوْفُ مِنْ عِقَابِ الدُّنْيَا، أَلَيْسُوا قَدْ تَرَكُوا الْإِفْسَادَ وَمُحَارَبَةَ شَرْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَصَارُوا كَسَائِرِ النَّاسِ؟ بَلَى! وَإِذًا لَا يُجْمَعُ لَهُمْ بَيْنَ أَشَدِّ عِقَابِ الشَّرْعِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ الْعَظِيمِ فِي الْآخِرَةِ ; وَلِذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ بِهَذِهِ التَّوْبَةِ أَهْلًا لِمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَقَالَ: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أَيْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ مَا سَلَفَ، وَيَرْحَمُهُمْ بِرَفْعِ الْعِقَابِ عَنْهُمْ، وَهَلِ الَّذِي يَرْتَفِعُ عَنْهُمْ عِقَابُ الْآخِرَةِ فَقَطْ كَمَا قَالُوا فِي تَوْبَةِ السَّارِقِ؟ (وَسَيَأْتِي حَدُّهُ وَحُكْمُهُ بَعْدَ ثَلَاثِ آيَاتٍ) أَمْ يَرْتَفِعُ عَنْهُمْ

стр. 2180

حَقُّ اللهِ كُلُّهُ مِنْ عِقَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَا يَبْقَى عَلَيْهِمْ إِلَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ؟ وَإِذًا يَكُونُ لِمَنْ سَلَبَ التَّائِبُ أَمْوَالَهُمْ أَيَّامَ إِفْسَادِهِ أَنْ يُطَالِبُوهُ بِهَا، وَلِمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدًا أَنْ يُطَالِبُوهُ بِدَمِهِ، وَلَهُمُ الْخِيَارُ كَغَيْرِهِمْ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالْعَفْوِ، أَمْ تَسْقُطُ عَنْهُمْ حُقُوقُ اللهِ كُلُّهَا، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ كُلُّهَا أَيْضًا؟ احْتِمَالَاتٌ آخِرُهَا أَضْعَفُهَا، وَأَوْسَطُهَا أَقْوَاهَا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ إِسْقَاطُ الْحَدِّ عَمَّنْ تَابَ، وَلَكِنْ لَمْ يَرِدْ أَنَّ أَحَدًا تَقَاضَى التَّائِبَ حَقًّا، وَلَمْ يَسْمَعْ لَهُ الْإِمَامُ. وَإِذَا جَازَ إِسْقَاطُ الْحَدِّ مُطْلَقًا عَنِ التَّائِبِ فَلَا يَجُوزُ إِسْقَاطُ الْمَالِ عَنْهُ مُطْلَقًا؛ بَلْ يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ تَوْبَتَهُ لَا تَصِحُّ إِلَّا إِذَا أَعَادَ الْأَمْوَالَ الْمَسْلُوبَةَ إِلَى أَرْبَابِهَا، فَإِذَا رَأَى أُولُو الْأَمْرِ إِسْقَاطَ حَقٍّ مَالِيٍّ عَنِ الْمُفْسِدِينَ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَجَبَ أَنْ يَضْمَنُوهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ فِي هَؤُلَاءِ التَّائِبِينَ، فَقِيلَ إِنَّهُمُ الْمُحَارِبُونَ الْمُفْسِدُونَ مِنَ الْكُفَّارِ إِذَا تَابُوا عَنِ الْكُفْرِ وَالْحَرْبِ وَالْفَسَادِ وَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَهُمُ الَّذِينَ يَسْقُطُ عَنْهُمْ كُلُّ حَقٍّ كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مُطْلَقًا، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا فِي الْمُحَارِبِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ كَانَ مُحَارِبًا فِي عَهْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، فَطَلَبَ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ مِنِ ابْنِ جَعْفَرٍ، عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ، أَنْ يَسْتَأْمِنَ لَهُ عَلِيًّا، فَأَبَيَا عَلَيْهِ، فَأَتَى سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ فَقَبِلَهُ. (قَالَ الرَّاوِي) : فَلَمَّا صَلَّى عَلِيٌّ الْغَدَاةَ أَتَاهُ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَقَرَأَ عَلِيٌّ الْآيَتَيْنِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: وَإِنْ كَانَ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ، قَالَ: فَهَذَا حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ جَاءَ تَائِبًا، فَهُوَ آمِنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَجَاءَ بِهِ فَبَايَعَهُ، وَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الرِّوَايَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ حُقُوقِ النَّاسِ. وَقَدِ اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ فِي التَّائِبِ أَنْ يَسْتَأْمِنَ الْإِمَامَ فَيُؤَمِّنَهُ، كَمَا فَعَلَ حَارِثَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْبَلَ كُلَّ تَائِبٍ، وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ وَاقِعَةَ مُحَارِبٍ جَاءَ أَبَا مُوسَى تَائِبًا، وَكَانَ عَامِلَ عُثْمَانَ عَلَى الْكُوفَةِ، فَقَبِلَ مِنْهُ، وَوَاقِعَةَ عَلِيٍّ الْأَسَدِيِّ الَّذِي حَارَبَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَأَصَابَ الدَّمَ، ثُمَّ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) (٣٩: ٥٣) الْآيَةَ، فَاسْتَعَادَهَا، فَأَعَادَهَا الْقَارِئُ، فَغَمَدَ سَيْفَهُ، وَجَاءَ الْمَدِينَةَ تَائِبًا بَعْدَ أَنْ عَجَزَتِ الْحُكُومَةُ وَالنَّاسُ عَنْهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَجَاءَ بِهِ إِلَى وَالِي الْمَدِينَةِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَقَالَ لَهُ: لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ، وَلَا قَتْلَ، فَتُرِكَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.

стр. 2181

(خُلَاصَةُ الْآيَتَيْنِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِ وَطَاعَةُ الْأَئِمَّةِ) قَدْ عُلِمَ مِنَ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ خَاصَّتَانِ بِعِقَابِ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ; أَيِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَعْمَالًا مُخِلَّةً بِالْأَمْنِ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، مُعْتَصِمِينَ فِي ذَلِكَ بِقُوَّتِهِمْ، غَيْرَ مُذْعِنِينَ لِلشَّرِيعَةِ بِاخْتِيَارِهِمْ. فَيَجِبُ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْحُكَّامِ أَنْ يُطَارِدُوهُمْ وَيَتْبَعُوهُمْ، فَإِذَا قَدَرُوا عَلَيْهِمْ عَاقَبُوهُمْ بِتِلْكَ الْعُقُوبَاتِ، بَعْدَ تَقْدِيرِ كُلِّ مَفْسَدَةٍ بِقَدْرِهَا، وَمُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَسَدِّ ذَرِيعَةِ الْفَسَادِ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا يُعَاقَبُ بِمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا حُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ النَّاسِ. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْخَوَارِجِ، وَأَوْرَدُوا فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُنْبِئَةِ بِصِفَاتِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ فِي عَهْدِ خِلَافَتِهِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ الْقَوْلُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَقَدْ قَاتَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْخَوَارِجَ بِرَأْيِ مَنْ مَعَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعَامِلْهُمْ بِعُقُوبَاتِ آيَةِ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ ; إِذْ لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُمُ الْإِفْسَادَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَخْرِيبَ الْعُمْرَانِ وَإِزَالَةَ الْأَمْنِ، وَإِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ بَعْدَ الْبَيْعَةِ مُتَأَوِّلِينَ، زَاعِمِينَ أَنَّهُ زَلَّ عَنْ صِرَاطِ الْحَقِّ، وَتَجَاوَزَ تَحْكِيمَ الشَّرْعِ إِلَى الرَّأْيِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَحُكْمِ مَنْ يَخْرُجُ ; لِاخْتِلَافِ ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالصَّبْرِ وَتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَمُقَاوَمَةِ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ، وَلَمْ أَرَ قَوْلًا لِأَحَدٍ جَمَعَ بِهِ بَيْنَ كُلِّ مَا وَرَدَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَوَضَعَ كُلًّا مِنْهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سَبَبُ وُرُودِهِ، مُرَاعِيًا اخْتِلَافَ الْحَالَاتِ فِي ذَلِكَ، مُبَيِّنًا مَفْهُومَاتِ الْأَلْفَاظِ بِحَسَبِ مَا كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ بِهِ فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ دُونَ مَا بَعْدَهُ. مِثَالُ هَذَا لَفْظُ " الْجَمَاعَةِ " إِنَّمَا كَانَ يُرَادُ بِهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي تُقِيمُ أَمْرَ الْإِسْلَامِ بِإِقَامَةِ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، وَلَكِنْ صَارَتْ كُلُّ دَوْلَةٍ أَوْ إِمَارَةٍ مِنْ دُوَلِ الْمُسْلِمِينَ تَحْمِلُ كَلِمَةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى نَفْسِهَا، وَإِنْ هَدَمَتِ السُّنَّةَ وَأَقَامَتِ الْبِدْعَةَ وَعَطَّلَتِ الْحُدُودَ وَأَبَاحَتِ الْفُجُورَ، وَمِثَالُ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ تَعَدُّدُ الدُّوَلِ؛ فَأَيُّهَا تَجِبُ طَاعَتُهُ وَالْوَفَاءُ بِبَيْعَتِهِ؟ وَإِذَا قَاتَلَ أَحَدُهَا الْآخَرَ؛ فَأَيُّهَا يُعَدُّ الْبَاغِيَ الَّذِي يَجِبُ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُ حَتَّى يَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ؟ كُلُّ قَوْمٍ يُطَبِّقُونَ النُّصُوصَ عَلَى أَهْوَائِهِمْ مَهْمَا كَانَتْ ظَاهِرَةً. وَمِنَ الْمَسَائِلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا قَوْلًا وَاعْتِقَادًا أَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، " وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ "، وَأَنَّ الْخُرُوجَ عَلَى الْحَاكِمِ الْمُسْلِمِ إِذَا ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَاجِبٌ، وَأَنَّ إِبَاحَةَ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ; كَالزِّنَا وَالسُّكْرِ وَاسْتِبَاحَةِ إِبْطَالِ الْحُدُودِ، وَشَرْعِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، كُفْرٌ

стр. 2182

وَرِدَّةٌ، وَأَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي الدُّنْيَا حُكُومَةٌ عَادِلَةٌ تُقِيمُ الشَّرْعَ وَحُكُومَةٌ جَائِرَةٌ تُعَطِّلُهُ، وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ نَصْرُ الْأُولَى مَا اسْتَطَاعَ، وَأَنَّهُ إِذَا بَغَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أُخْرَى، وَجَرَّدَتْ عَلَيْهَا السَّيْفَ، وَتَعَذَّرَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قِتَالُ الْبَاغِيَةِ الْمُعْتَدِيَةِ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ، وَمَا وَرَدَ فِي الصَّبْرِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ - إِلَّا إِذَا كَفَرُوا - مَعَارَضٌ بِنُصُوصٍ أُخْرَى، وَالْمُرَادُ بِهِ اتِّقَاءُ الْفِتْنَةِ وَتَفْرِيقُ الْكَلِمَةِ الْمُجْتَمِعَةِ، وَأَقْوَاهَا حَدِيثُ: " وَأَلَّا تُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا ". قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعْصِيَةُ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مُنَازَعَةَ الْإِمَامِ الْحَقِّ فِي إِمَامَتِهِ لِنَزْعِهَا مِنْهُ لَا يَجِبُ إِلَّا إِذَا كَفَرَ كُفْرًا ظَاهِرًا، وَكَذَا عُمَّالُهُ وَوُلَاتُهُ، وَأَمَّا الظُّلْمُ وَالْمَعَاصِي فَيَجِبُ إِرْجَاعُهُ عَنْهَا مَعَ بَقَاءِ إِمَامَتِهِ وَطَاعَتِهِ فِي الْمَعْرُوفِ دُونَ الْمُنْكَرِ، وَإِلَّا خُلِعَ وَنُصِّبَ غَيْرُهُ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ خُرُوجُ الْإِمَامِ الْحُسَيْنِ سِبْطِ الرَّسُولِ ﵌ عَلَى إِمَامِ الْجَوْرِ وَالْبَغْيِ الَّذِي وَلِيَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقُوَّةِ وَالْمَكْرِ، يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ خَذَلَهُ اللهُ وَخَذَلَ مَنِ انْتَصَرَ لَهُ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَالنَّوَاصِبِ الَّذِينَ لَا يَزَالُونَ يَسْتَحِبُّونَ عِبَادَةَ الْمُلُوكِ الظَّالِمِينَ عَلَى مُجَاهَدَتِهِمْ لِإِقَامَةِ الْعَدْلِ وَالدِّينِ. وَقَدْ صَارَ رَأْيُ الْأُمَمِ الْغَالِبُ فِي هَذَا الْعَصْرِ وُجُوبَ الْخُرُوجِ عَلَى الْمُلُوكِ الْمُسْتَبِدِّينَ الْمُفْسِدِينَ، وَقَدْ خَرَجَتِ الْأُمَّةُ الْعُثْمَانِيَّةُ عَلَى سُلْطَانِهَا عَبْدِ الْحَمِيدِ خَانْ، فَسَلَبَتِ السُّلْطَةَ مِنْهُ وَخَلَعَتْهُ بِفَتْوَى مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَتَحْرِيرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِمُصَنَّفٍ خَاصٍّ، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى وَرَجَّحَ الْحَقَّ عَلَى الْهَوَى. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) . ذَكَرَ الرَّازِيُّ أَنَّ وَجْهَ الِاتِّصَالِ وَالتَّنَاسُبِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا قَبْلَهَا، يَرْجِعُ إِلَى سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ ; لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ جَاءَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ، وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ السِّيَاقِ أَنَّ الْيَهُودَ قَدْ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الرَّسُولِ وَبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ بِالسُّوءِ وَقَصْدِ الِاغْتِيَالَ، لِمَا

стр. 2183

كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْعُتُوِّ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَشِدَّةِ الْإِيذَاءِ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا هُمْ وَالنَّصَارَى مَغْرُورِينَ بِدِينِهِمْ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، فَأَرْشَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَتَّقُوهُ وَيَبْتَغُوا إِلَيْهِ وَحْدَهُ الْوَسِيلَةَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَلَا يَكُونُوا كَأَهْلِ الْكِتَابِ فِي افْتِتَانِهِمْ وَغُرُورِهِمْ، هَذَا مَعْنَى مَا قَالَهُ، وَالْوَجْهُ فِي التَّنَاسُبِ عِنْدِي أَنْ يُبْنَى عَلَى أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ الَّذِي امْتَازَ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مَثَانِيَ لِلْهِدَايَةِ وَالْمَوْعِظَةِ وَالْعِبْرَةِ، لَا تَبْلَى جِدَّتُهُ، وَلَا تُمَلُّ قِرَاءَتُهُ، وَالرَّكْنُ الْأَوَّلُ لِهَذَا الْأُسْلُوبِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي كُلِّ مَوْضُوعٍ مُخْتَصَرًا مُفِيدًا، تَتَخَلَّلُهُ أَسْمَاءُ اللهِ وَصِفَاتُهُ، وَالتَّذْكِيرُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَوُجُوبِ تَقْوَاهُ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، وَبِالدَّارِ الْآخِرَةِ وَالْجَزَاءِ فِيهَا عَلَى الْأَعْمَالِ، فَبِنَاءً عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ قَفَّى اللهُ تَعَالَى عَلَى قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ وَمَا نَاسَبَهَا مِنْ بَيَانِ حُدُودِ الَّذِينَ يَبْغُونَ عَلَى النَّاسِ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْأَمْرِ بِالتَّقْوَى، وَمِنْهَا اتِّقَاءُ الْحَسَدِ وَالْبَغْيِ وَالْفَسَادِ، الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْخِزْيِ وَالْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبِابْتِغَاءِ الْوَسِيلَةِ إِلَيْهِ تَعَالَى وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، رَجَاءَ الْفَلَاحِ وَالْفَوْزِ بِالسَّعَادَةِ، وَبِوَعِيدِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَتَّقُونَ اللهَ وَلَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيْهِ بِمَا يُرْضِيهِ، فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) اتِّقَاءُ اللهِ هُوَ اتِّقَاءُ سَخَطِهِ وَعِقَابِهِ. وَسَخَطُهُ وَعِقَابُهُ أَثَرٌ لَازِمٌ لِمُخَالَفَةِ سُنَنِهِ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ، وَمُخَالَفَةِ دِينِهِ وَشَرْعِهِ الَّذِي يَعْرُجُ بِالْأَرْوَاحِ إِلَى سَمَاءِ الْكَمَالِ. وَالْوَسِيلَةُ إِلَيْهِ هِيَ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهِ ; أَيْ مَا يَجْرِي أَنْ يَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى مَرْضَاتِهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمَثُوبَةِ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ إِلَّا بِتَعْرِيفِهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِهَذَا التَّعْرِيفِ بِوَحْيِهِ إِلَى رَسُولِهِ ﷺ . قَالَ الرَّاغِبُ: الْوَسِيلَةُ التَّوَصُّلُ إِلَى الشَّيْءِ بِرَغْبَةٍ، وَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الْوَصِيلَةِ ; لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الرَّغْبَةِ. . . وَحَقِيقَةُ الْوَسِيلَةِ إِلَى اللهِ مُرَاعَاةُ سَبِيلِهِ بِالْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ، وَتَحَرِّي مَكَارِمِ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ كَالْقُرْبَةِ. انْتَهَى. وَرُوِيَ تَفْسِيرُ الْوَسِيلَةِ بِالْقُرْبَةِ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، وَرَوَى هُوَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ: تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَالْعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَفْسِيرُهَا بِالْمَحَبَّةِ، قَالَ: أَيْ تَحَبَّبُوا إِلَى اللهِ، وَقَرَأَ: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) (١٧: ٥٧) وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهَا الْمَسْأَلَةُ وَالْقُرْبَةُ، وَرَوَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْوَسِيلَةِ فَقَالَ: الْحَاجَةُ، قَالَ: وَهَلْ تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا سَمِعْتَ عَنْتَرَةَ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ ... إِنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وَتَخَضَّبِي وَلَمْ يَرْوِ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا، وَاسْتَدَلَّ بِالْبَيْتِ عَلَى تَفْسِيرِ الْوَسِيلَةِ بِالْقُرْبَةِ، وَإِرَادَةُ الْقُرْبَةِ مِنَ الْبَيْتِ أَظْهَرُ مِنْ إِرَادَةِ الْحَاجَةِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ، كَمَا لَا يُنَافِيهِ تَفْسِيرُهَا بِالْمَحَبَّةِ، فَإِنَّ

стр. 2184

طَلَبَ الْحَاجَةِ مِنَ اللهِ وَمَحَبَّةَ اللهِ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ، وَتَفْسِيرُ الْوَسِيلَةِ بِمَا فَسَّرْنَاهَا بِهِ أَعَمُّ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلُّغَةِ. قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الْوَسِيلَةُ فِي الْأَصْلِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ، وَيُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ فَسَّرَ الْوَسِيلَةَ بِالْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الْمَلِكِ وَبِالْقُرْبَةِ، وَقَالَ: وَوَسَلَ فُلَانٌ إِلَى اللهِ وَسِيلَةً، إِذَا عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيْهِ، وَالْوَاسِلُ الرَّاغِبُ، قَالَ لَبِيدٌ: أَرَى النَّاسَ لَا يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أَمْرِهِمْ ... بَلَى كُلُّ ذِي رَأْيٍ إِلَى اللهِ وَاسِلُ ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ مَعَانِيهَا الْوَصْلَةَ وَالْقُرْبَى. وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَصْلُ الْمَعْنَى، وَيُرَجَّحُ بِهِ بَعْضُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَلَى بَعْضٍ. وَلِلْوَسِيلَةِ مَعْنًى فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ مَعْنَاهَا هُنَا. رَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ، أَيِ الْأَذَانَ: اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ "، وَرَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ "، وَتَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْوَسِيلَةِ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ نَقَلَةِ اللُّغَةِ أَنَّ مِنْ مَعَانِيهَا الْمَنْزِلَةَ عِنْدَ الْمَلِكِ، فَيَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْوَسِيلَةَ الْخَاصَّةَ هِيَ أَعْلَى مَنَازِلِ الْجَنَّةِ، فَمَنْ دَعَا اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ كَافَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالشَّفَاعَةِ، وَهِيَ دُعَاءٌ أَيْضًا، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَالْوَسِيلَةُ فِي الْحَدِيثِ اسْمٌ لِمَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ مُعَيَّنَةٍ، وَفِي الْقُرْآنِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَرْضَاةِ اللهِ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ. (وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) أَيْ جَاهِدُوا أَنْفُسَكُمْ بِكَفِّهَا عَنِ الْأَهْوَاءِ، وَحَمْلِهَا عَلَى الْتِزَامِ الْحَقِّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَجَاهِدُوا أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ يُقَاوِمُونَ دَعْوَتَهُ وَهِدَايَتَهُ لِلنَّاسِ ; فَالْجِهَادُ مِنَ الْجَهْدِ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ، وَسَبِيلُ اللهِ هِيَ طَرِيقُ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالْفَضِيلَةِ ; فَكُلُّ جَهْدٍ يَحْمِلُهُ الْإِنْسَانُ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالْفَضِيلَةِ، أَوْ فِي تَقْرِيرِهَا وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَيْهَا، فَهُوَ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ. (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أَيِ اتَّقُوا مَا يَجِبُ تَرْكُهُ، وَابْتَغَوْا مَا يَجِبُ فِعْلُهُ مِنْ أَسْبَابِ مَرْضَاةِ اللهِ وَقُرْبِهِ، وَاحْتَمِلُوا الْجَهْدَ وَالْمَشَقَّةِ فِي سَبِيلِهِ رَجَاءَ الْفَوْزِ وَالْفَلَاحِ وَالسَّعَادَةِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ.

стр. 2185

(فَصَلٌ فِي التَّوَسُّلِ وَالْوَسِيلَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ) بَيَّنَّا مَعْنَى الْوَسِيلَةِ فِي الْآيَةِ، وَمَا قَالَهُ رُوَاةُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ فِيهَا، وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْ صَحَابِيٍّ وَلَا تَابِعِيٍّ وَلَا أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ أَوْ عَامَّتِهِمْ أَنَّ الْوَسِيلَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى تُبْتَغَى بِغَيْرِ مَا شَرَعَهُ اللهُ لِلنَّاسِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ، إِلَّا كَلِمَةً رُوِيَتْ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، لَمْ تَصِحَّ عَنْهُ، بَلْ صَحَّ عَنْهُ مَا يُنَافِيهَا، وَقَدْ حَدَثَ فِي الْقُرُونِ الْوُسْطَى التَّوَسُّلُ بِأَشْخَاصِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الْمُتَّقِينَ ; أَيْ تَسْمِيَتُهُمْ وَسَائِلَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَالْإِقْسَامُ عَلَى اللهِ بِهِمْ، وَطَلَبُ قَضَاءِ الْحَاجَاتِ وَدَفْعِ الضُّرِّ وَجَلْبِ النَّفْعِ مِنْهُمْ عِنْدَ قُبُورِهِمْ أَوْ فِي حَالِ الْبُعْدِ عَنْهَا، وَشَاعَ هَذَا وَكَثُرَ حَتَّى صَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسُ يَدْعُونَ أَصْحَابَ الْقُبُورِ فِي حَاجَاتِهِمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَوْ يَدْعُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَ " الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ " - كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرُهُمْ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: (فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا) (٧٢: ١٨) وَيَقُولُ: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) (٧: ١٩٤) وَيَقُولُ: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (٣٥: ١٣، ١٤) لَكِنَّ بَعْضَ الْمُصَنِّفِينَ زَعَمَ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ وَيَسْتَجِيبُونَ لِلدَّاعِي، وَالْعَوَامُّ يَأْخُذُونَ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ الْمُخَالِفِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى؛ لِعُمُومِ الْجَهْلِ. وَمِنَ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ مَنْ يَتَأَوَّلُ لَهُمْ بِأَنَّ هَذَا مِنَ التَّوَسُّلِ بِهِمْ، وَقَدْ حَقَّقَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَةَ الْمَوْضُوعَ بِجَمِيعِ فُرُوعِهِ، فَكَانَ مَا كَتَبَهُ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفًا حَافِلًا أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ (قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي التَّوَسُّلِ وَالْوَسِيلَةِ) وَقَدْ طَبَعْنَاهُ مَرَّتَيْنِ، وَمِمَّا جَاءَ فِيهِ قَوْلُهُ بَعْدَ بَيَانِ مَعْنَى الْوَسِيلَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ: " وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالتَّوَجُّهُ بِهِ فِي كَلَامِ الصَّحَابَةِ، فَيُرِيدُونَ بِهِ التَّوَسُّلَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَالتَّوَسُّلُ بِهِ فِي عُرْفِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، يُرَادُ بِهِ الْإِقْسَامُ بِهِ وَالسُّؤَالُ بِهِ، كَمَا يُقْسِمُونَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَمَنْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الصَّلَاحَ. " وَحِينَئِذٍ فَلَفْظُ التَّوَسُّلِ بِهِ يُرَادُ بِهِ مَعْنَيَانِ صَحِيحَانِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُرَادُ بِهِ مَعْنًى ثَالِثٌ لَمْ تَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ، فَأَمَّا الْمَعْنَيَانِ الْأَوَّلَانِ الصَّحِيحَانِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ فَأَحَدُهُمَا هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ، وَالثَّانِي دُعَاؤُهُ وَشَفَاعَتُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، فَهَذَانِ جَائِزَانِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: " اللهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذَا أَجْدَبْنَا تَوَسَّلْنَا إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا "؛ أَيْ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) أَيِ الْقُرْبَةَ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ طَاعَتُهُ، قَالَ تَعَالَى:

стр. 2186

(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) (٤: ٨٠) . فَهَذَا التَّوَسُّلُ الْأَوَّلُ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ، وَهَذَا لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ، فَإِنَّهُ تَوَسُّلٌ بِدُعَائِهِ لَا بِذَاتِهِ، وَلِهَذَا عَدَلُوا عَنِ التَّوَسُّلِ بِهِ إِلَى التَّوَسُّلِ بِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ، وَلَوْ كَانَ التَّوَسُّلُ هُوَ بِذَاتِهِ لَكَانَ هَذَا أَوْلَى مِنَ التَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ، فَلَمَّا عَدَلُوا عَنِ التَّوَسُّلِ بِهِ إِلَى التَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ عُلِمَ أَنَّ مَا يَفْعَلُ فِي حَيَاتِهِ قَدْ تَعَذَّرَ بِمَوْتِهِ، بِخِلَافِ التَّوَسُّلِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ بِهِ وَالطَّاعَةُ لَهُ ; فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ دَائِمًا. " فَلَفَظُ التَّوَسُّلِ يُرَادُ بِهِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ (أَحَدُهَا) : التَّوَسُّلُ بِطَاعَتِهِ، فَهَذَا فَرْضٌ لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ (وَالثَّانِي) : التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَهَذَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ وَيَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ (وَالثَّالِثُ) : التَّوَسُّلُ بِهِ بِمَعْنَى الْإِقْسَامِ عَلَى اللهِ بِذَاتِهِ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَمْ تَكُنِ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ، لَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَمَاتِهِ، لَا عِنْدَ قَبْرِهِ، وَلَا غَيْرِ قَبْرِهِ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَدْعِيَةِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا يُنْقَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ ; مَرْفُوعَةٍ وَمَوْقُوفَةٍ، أَوْ عَمَّنْ لَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً، كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. " وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَنَهَوْا عَنْهُ ; حَيْثُ قَالُوا: لَا يُسْأَلُ بِمَخْلُوقٍ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ أَنْبِيَائِكَ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقُدُورِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ فِي الْفِقْهِ الْمُسَمَّى بِشَرْحِ الْكَرْخِيِّ فِي بَابِ الْكَرَاهَةِ: وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ قَالَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ إِلَّا بِهِ، وَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ، أَوْ بِحَقِّ خَلْقِكَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِهِ، هُوَ اللهُ، فَلَا أَكْرَهُ هَذَا، وَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ بِحَقِّ فُلَانٍ أَوْ بِحَقِّ أَنْبِيَائِكَ وَرُسُلِكَ، وَبِحَقِّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، قَالَ الْقُدُورِيُّ: الْمَسْأَلَةُ بِحَقِّهِ لَا تَجُوزُ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْخَلْقِ عَلَى الْخَالِقِ ; فَلَا تَجُوزُ وِفَاقًا. " وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَنَّ اللهَ لَا يُسْأَلُ بِمَخْلُوقٍ، لَهُ مَعْنَيَانِ (أَحَدُهُمَا) : هُوَ مُوَافِقٌ لِسَائِرِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ أَنْ يُقْسِمَ أَحَدٌ بِالْمَخْلُوقِ، فَإِنَّهُ إِذَا مُنِعَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى مَخْلُوقٍ بِمَخْلُوقٍ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْخَالِقِ بِمَخْلُوقٍ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَهَذَا بِخِلَافِ إِقْسَامِهِ، سُبْحَانَهُ، بِمَخْلُوقَاتِهِ ; كَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا، وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَإِنَّ إِقْسَامَهُ بِمَخْلُوقَاتِهِ يَتَضَمَّنُ مِنْ ذِكْرِ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ مَا يَحْسُنُ مَعَهُ إِقْسَامُهُ، بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ فَإِنَّ إِقْسَامَهُ بِالْمَخْلُوقَاتِ شِرْكٌ بِخَالِقِهَا، كَمَا فِي السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ". وَقَدْ

стр. 2187

صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِي لَفْظٍ " فَقَدْ كَفَرَ "، وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ "، وَقَالَ: " لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَإِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ "، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ". وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِالْمَخْلُوقَاتِ الْمُحْتَرَمَةِ، أَوْ بِمَا يَعْتَقِدُ هُوَ حُرْمَتَهُ ; كَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْكَعْبَةِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْمَلَائِكَةِ وَالصَّالِحِينَ، وَالْمُلُوكِ وَسُيُوفِ الْمُجَاهِدِينَ، وَقُرْبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَإِيمَانِ السَّدْقِ وَسَرَاوِيلِ الْفُتُوَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْحَلِفِ بِذَلِكَ. " وَالْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ حَرَامٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَقَدْ حُكِيَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: هِيَ مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، حَتَّى قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: لَأَنْ أَحَلِفَ بِاللهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِ اللهِ صَادِقًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللهِ شِرْكٌ، وَالشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنَ الْكَذِبِ، وَإِنَّمَا نَعْرِفُ النِّزَاعَ فِي الْحَلِفِ بِالْأَنْبِيَاءِ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْحَلِفِ بِالنَّبِيِّ ﷺ رِوَايَتَانِ: (إِحْدَاهُمَا) لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ: مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ. (وَالثَّانِيَةُ) يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَالْقَاضِي وَأَتْبَاعِهِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَافَقَ هَؤُلَاءِ، وَقَصَرَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ النِّزَاعَ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، وَعَدَّى ابْنُ عَقِيلٍ هَذَا الْحُكْمَ إِلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ. وَإِيجَابُ الْكَفَّارَةِ بِالْحَلِفِ بِمَخْلُوقٍ وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي الْغَايَةِ، مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ وَالنُّصُوصِ، فَالْإِقْسَامُ بِهِ عَلَى اللهِ وَالسُّؤَالُ بِهِ بِمَعْنَى الْإِقْسَامِ، هُوَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ. " وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ اللهُ تَعَالَى بِمَخْلُوقٍ، لَا بِحَقِّ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ. (أَحَدُهُمَا) : الْإِقْسَامُ عَلَى اللهِ بِهِ، وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ، كَمَا يُنْهَى أَنْ يُقْسَمَ عَلَى اللهِ بِالْكَعْبَةِ وَالْمَشَاعِرِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. (وَالثَّانِي) السُّؤَالُ بِهِ، فَهَذَا يُجَوِّزُهُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَنُقِلَ فِي ذَلِكَ آثَارٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي دُعَاءِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، لَكِنْ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، كُلُّهُ ضَعِيفٌ، بَلْ مَوْضُوعٌ، وَلَيْسَ عَنْهُ حَدِيثٌ ثَابِتٌ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةً إِلَّا حَدِيثَ الْأَعْمَى الَّذِي عَلَّمَهُ أَنْ يَقُولَ: " أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ ". " وَحَدِيثُ الْأَعْمَى لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا تَوَسَّلَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 2188

وَشَفَاعَتِهِ، وَهُوَ طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ الدُّعَاءَ، وَقَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولَ: " اللهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ " وَلِهَذَا رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ لَمَّا دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ مِنْ آيَاتِ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَوْ تَوَسَّلَ غَيْرُهُ مِنَ الْعُمْيَانِ الَّذِينَ لَمْ يَدْعُ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالسُّؤَالِ بِهِ لَمْ يَكُنْ حَالُهُمْ كَحَالِهِ. " وَدُعَاءُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَوْلُهُ: " اللهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّلَ الْمَشْرُوعَ عِنْدَهُمْ هُوَ التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، لَا السُّؤَالُ بِذَاتِهِ ; إِذْ لَوْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا لَمْ يَعْدِلْ عُمَرُ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عَنِ السُّؤَالِ بِالرَّسُولِ إِلَى السُّؤَالِ بِالْعَبَّاسِ، وَسَاغَ النِّزَاعُ فِي السُّؤَالِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ دُونَ الْإِقْسَامِ بِهِمْ ; لِأَنَّ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْإِقْسَامِ فَرْقًا ; فَإِنَّ السَّائِلَ مُتَضَرِّعٌ ذَلِيلٌ يَسْأَلُ بِسَبَبٍ يُنَاسِبُ الْإِجَابَةَ، وَالْمُقْسِمُ أَعْلَى مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ طَالِبٌ مُؤَكِّدٌ طَلَبَهُ بِالْقَسَمِ، وَالْمُقْسِمُ لَا يُقْسِمُ إِلَّا عَلَى مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَبِرُّ قَسَمَهُ، فَإِبْرَارُ الْقَسَمِ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْعِبَادِ، وَأَمَّا إِجَابَةُ السَّائِلِينَ فَعَامٌّ، فَإِنَّ اللهَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو اللهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ ; إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ مِثْلَهَا، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مِثْلَهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَنْ نُكْثِرُ، قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ " (ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ) . " وَهَذَا التَّوَسُّلُ بِالْأَنْبِيَاءِ بِمَعْنَى السُّؤَالِ بِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. لَيْسَ فِي الْمَعْرُوفِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا مِنْ مَسَائِلِ السَّبِّ، فَمَنْ نَقَلَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ التَّوَسُّلَ بِهِ، بِمَعْنَى الْإِقْسَامِ بِهِ أَوِ السُّؤَالِ بِهِ، فَلَيْسَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَ مَالِكٌ إِنَّ هَذَا سَبٌّ لِلرَّسُولِ أَوْ تَنْقُصٌ بِهِ، بَلِ الْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِلدَّاعِي أَنْ يَقُولَ: يَا سَيِّدِي سَيِّدِي! وَقَالَ: قُلْ كَمَا قَالَتِ الْأَنْبِيَاءُ: " يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، يَا كَرِيمُ "، وَكَرِهَ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ: يَا حَنَّانُ، يَا مَنَّانُ! فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَأْثُورٍ عَنْهُ. فَإِذَا كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ مِثْلَ هَذَا الدُّعَاءِ ; إِذْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا عِنْدَهُ أَنْ يُسْأَلَ اللهُ بِمَخْلُوقٍ، نَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا أَجْدَبُوا عَامَ الرَّمَادَةِ لَمْ يَسْأَلُوا اللهَ بِمَخْلُوقٍ، لَا نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ، بَلْ قَالَ عُمَرُ: " اللهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا "، وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَجْدَبُوا إِنَّمَا يَتَوَسَّلُونَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتِسْقَائِهِ،

стр. 2189

لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ فِي حَيَاتِهِ ﷺ سَأَلَ اللهَ تَعَالَى بِمَخْلُوقٍ، لَا بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ، لَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَلَا غَيْرِهِ. وَحَدِيثُ الْأَعْمَى سَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَلَوْ كَانَ السُّؤَالُ بِهِ مَعْرُوفًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ لَقَالُوا لِعُمَرَ: إِنِ السُّؤَالَ وَالتَّوَسُّلَ بِهِ أَوْلَى مِنَ السُّؤَالِ وَالتَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ، فَلِمَ نَعْدِلُ عَنِ الْأَمْرِ الْمَشْرُوعِ الَّذِي كُنَّا نَفْعَلُهُ فِي حَيَاتِهِ، وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِأَفْضَلِ الْخَلْقِ، إِلَى أَنْ نَتَوَسَّلَ بِبَعْضِ أَقَارِبِهِ؟ وَفِي ذَلِكَ تَرْكُ السُّنَّةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَعُدُولٌ عَنِ الْأَفْضَلِ، وَسُؤَالُ اللهِ تَعَالَى بِأَضْعَفِ السَّبَبَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَعْلَاهُمَا، وَنَحْنُ مُضْطَرُّونَ غَايَةَ الِاضْطِرَارِ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْجَدْبِ، وَالَّذِي فَعَلَهُ عُمَرُ فَعَلَ مِثْلَهُ مُعَاوِيَةُ بِحَضْرَةِ مَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَتَوَسَّلُوا بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيِّ، كَمَا تَوَسَّلَ عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ. " وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ يُتَوَسَّلُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِدُعَاءِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، قَالُوا: وَإِنْ كَانَ مِنْ أَقَارِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهُوَ أَفْضَلُ، اقْتِدَاءً بِعُمَرَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يُسْأَلُ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ بِمَخْلُوقٍ ; لَا بِنَبِيٍّ وَلَا بِغَيْرِ نَبِيٍّ. " وَكَذَلِكَ مَنْ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ سُؤَالَ الرَّسُولِ أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، أَوْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ مَالِكٍ ; كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا - فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّ بَعْضَ الْجُهَّالِ يَنْقُلُ هَذَا، وَيَسْتَنِدُ إِلَى حِكَايَةٍ مَكْذُوبَةٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَمْ يَكُنِ التَّوَسُّلُ الَّذِي فِيهَا هُوَ هَذَا، بَلْ هُوَ التَّوَسُّلُ بِشَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُحَرِّفُ نَقْلَهَا، وَأَصْلُهَا ضَعِيفٌ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى " انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحِيطَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِلْمًا تَفْصِيلِيًّا فَلْيَقْرَأْ كِتَابَ (قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي التَّوَسُّلِ وَالْوَسِيلَةِ) كُلَّهُ. وَأَمَّا الْقَوْلُ الْجُمْلِيُّ الْجَامِعُ فَهُوَ أَنَّ الْوَسِيلَةَ مَا تَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَتَرْجُو أَنْ تَصِلَ بِهِ إِلَى مَرْضَاتِهِ، وَهُوَ مَا شَرَعَهُ لَكَ لِتَزْكِيَةِ نَفْسِكَ؛ إِذْ جَعَلَ مَدَارَ الْفَلَاحِ عَلَى تَزْكِيَتِهَا. وَالتَّوَسُّلُ هُوَ ابْتِغَاءُ الْوَسِيلَةِ، الْمَأْمُورُ بِهِ هُنَا ; أَيِ الْعَمَلُ بِالْمَشْرُوعِ لِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وَقَدْ دَلَّ كِتَابُ اللهِ فِي جُمْلَتِهِ وَتَفْصِيلِهِ عَلَى أَنَّ مَدَارَ النَّجَاةِ وَالْفَلَاحِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) (٥٣: ٣٩ - ٤١) (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) (٢٠: ١٥) (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٢٧: ٩٠) . نَعَمْ، دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ دُعَاءَ الْمُؤْمِنِ لِغَيْرِهِ قَدْ يَنْفَعُهُ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا اللهَ وَسَأَلَهُ أَلَّا يَجْعَلَ بَأْسَ أُمَّتِهِ بَيْنَهَا فَلَمْ يُعْطِهِ ذَلِكَ، وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ كَانَ حَرِيصًا عَلَى إِيمَانِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ

стр. 2190

(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (٢٨: ٥٦) وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ دَعْوَةً وَاحِدَةً مُسْتَجَابَةً قَطْعًا، فَمَا عَدَاهَا بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ ; وَلِذَلِكَ خَبَّأَ ﷺ دَعَوْتَهُ لِيَشْفَعَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَعْلَمُ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا، وَالْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْضَهَا، أَنَّ دُعَاءَ غَيْرِكَ لَكَ لَا يَطَّرِدُ نَفْعُهُ مَهْمَا كَانَ الدَّاعِي صَالِحًا، فَهَلْ يَكُونُ شَخْصٌ غَيْرُكَ وَسِيلَةً وَقُرْبَةً لَكَ إِلَى اللهِ، وَإِنْ لَمْ يَدْعُ لَكَ؟ هَذَا شَيْءٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا عَقْلٌ إِنْ جَازَ أَنْ يُحَكَّمَ الْعَقْلُ فِي قُرُبَاتِ الشَّرْعِ. فَالْعُمْدَةُ فِي تَقَرُّبِ الْإِنْسَانِ إِلَى اللهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ وَحُسْنِ جَزَائِهِ هُوَ إِيمَانُهُ وَعَمَلُهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْمَلْ لِنَفْسِكَ مَا شَرَعَهُ اللهُ لَكَ وَجَعَلَهُ سَبَبَ فَلَاحِكَ، وَلَمْ يَدْعُ لَكَ غَيْرُكَ بِذَلِكَ؛ فَكَيْفَ تَكُونُ قَدِ ابْتَغَيْتَ إِلَى اللهِ الْوَسِيلَةَ؟ وَهَلْ تَسْمِيَتُكَ بَعْضَ عِبَادِ اللهِ الْمُكْرَمِينَ وَسِيلَةٌ؟ أَوْ طَلَبُكَ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يَشْفَعَ لَكَ - أَيْ يَدْعُو لَكَ - يُعَدُّ امْتِثَالًا مِنْكَ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) ؟ كَلَّا! إِنَّ الطَّلَبَ مِنَ الْمَيِّتِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. وَإِذَا فُرِضَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ وَمَسْمُوعٌ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ هَلْ كَانَ مَقْبُولًا أَمْ غَيْرَ مَقْبُولٍ! فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ الْغَيْبِيِّ، " وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ " وَحْدَهُ، وَمِنْهُ أَمْرُ الشَّفَاعَةِ، فَهِيَ لَا تُنَالُ بِالسُّؤَالِ هُنَا، وَإِنَّمَا تُفَوَّضُ إِلَيْهِ تَعَالَى (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) (٣٩: ٤٤) (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٢: ٢٥٥) (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) (٢١: ٢٨) . فَسُنَّةُ الْفِطْرَةِ فِي الدُّنْيَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَشْبَعُ إِذَا أَكَلَ عِنْدَهُ وَالِدُهُ أَوْ أُسْتَاذُهُ أَوْ أَحَدُ الصَّالِحِينَ، وَلَا يُشْفَى مِنْ مَرَضِهِ إِذَا تَرَكَ الدَّوَاءَ وَشَرِبَهُ غَيْرُهُ عَنْهُ، وَلَا تُؤَثِّرُ فِي نَفْسِهِ أَوْ تَظْهَرُ فِي أَعْمَالِهِ أَخْلَاقُ غَيْرِهِ، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ أَوِ الْوَلِيُّ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَيْهِ جَوَادًا سَخِيًّا شُجَاعًا أَمِينًا، لَا يَبْذُلُ هُوَ الْمَالَ بِذَلِكَ السَّخَاءِ، وَلَا النَّفْسَ بِتِلْكَ الشَّجَاعَةِ، وَلَا يُؤَدِّي الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا بِتِلْكَ الْأَمَانَةِ ; لِأَنَّ أَعْمَالَهُ تَصْدُرُ عَنْ أَخْلَاقِهِ، لَا عَنْ أَخْلَاقِ الرَّسُولِ أَوِ الْوَلِيِّ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ سُنَّةِ الْفِطْرَةِ فِي الدُّنْيَا أَلَّا تَعِيشَ بِأَخْلَاقِ غَيْرِكَ، وَلَا بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ، وَهِيَ دَارُ الْكَسْبِ وَالتَّعَاوُنِ، فَكَيْفَ يَنْفَعُكَ إِيمَانُ غَيْرِكَ وَصَلَاحُهُ (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (٨٢: ١٩) ؟ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) هَذَا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ يُؤَكِّدُ مَضْمُونَ مَا قَبْلَهُ مِنْ كَوْنِ مَدَارِ الْفَوْزِ وَالْفَلَاحِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى تَقْوَى اللهِ وَالتَّوَسُّلِ إِلَيْهِ بِالْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ الصَّحِيحِ، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَهُوَ شَأْنُ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ. فَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ مَدَارَ النَّجَاةِ وَالْفَلَاحِ عَلَى مَا فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ، لَا عَلَى مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهَا، كَمَا يَتَوَهَّمُ الْكُفَّارُ فِي أَمْرِ الْفِدْيَةِ، فَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، وَبَذَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً لِيَكُونَ فِدَاءً لَهُمْ يَفْتَدُونَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي يُصِيبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَتَقَبَّلُهُ اللهُ تَعَالَى مِنْهُمْ، وَلَا يُنْقِذُهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ ; لِأَنَّ سُنَّتَهُ الْحَكِيمَةَ قَدْ مَضَتْ بِأَنَّ سَبَبَ الْفَلَاحِ وَالنَّجَاةِ

стр. 2191

إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ، لَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَكُونُ خَارِجَهَا (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (٩١: ٩، ١٠) وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ الْأَلَمِ قَدِ اسْتَحَقُّوهُ بِكُفْرِهِمْ، وَمَا اسْتَتْبَعَهُ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِهِمْ ; اتِّكَالًا مِنْهُمْ عَلَى الْفِدْيَةِ وَالشُّفَعَاءِ، وَهَذَا فَرْقٌ جَوْهَرِيٌّ وَاضِحٌ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ ; فَالْإِسْلَامُ دِينُ الْفِطْرَةِ، وَسُنَّةُ اللهِ تَعَالَى فِيهَا أَنَّ سَعَادَةَ الْإِنْسَانِ الْبَدَنِيَّةَ وَالنَّفْسِيَّةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مِنْ نَفْسِهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ ; فَالنَّصَارَى يَعْتَقِدُونَ أَنَّ خَلَاصَهُمْ وَنَجَاتَهُمْ وَسَعَادَتَهُمْ بِكَوْنِ الْمَسِيحِ فِدْيَةً لَهُمْ يَفْتَدِيهِمْ بِنَفْسِهِ مَهْمَا كَانَتْ حَالُهُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ يَضُمُّونَ إِلَى الْمَسِيحِ الرُّسُلَ وَالْقِدِّيسِينَ، وَيَرَوْنَ أَنَّ اللهَ يَحِلُّ مَا يَحِلُّونَهُ، وَيَعْقِدُ مَا يَعْقِدُونَهُ، وَأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ لَهُمْ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْعُمْدَةَ فِي النَّجَاةِ وَالْفَلَاحِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ بِالْإِيمَانِ وَالْفَضَائِلِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ; فَبِذَلِكَ تَصْلُحُ نُفُوسُهُمْ، وَتَكُونُ أَهْلًا لِرِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ دَسَّى نَفْسَهُ بِالشِّرْكِ وَالْفِسْقِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ لَا يَكُونُ أَهْلًا لِمَرْضَاةِ اللهِ وَدَارِ كَرَامَتِهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِدَاءٌ، وَلَا تَنْفَعُهُ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ. (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) يُرِيدُ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ دَارِ الْعَذَابِ وَالشَّقَاءِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهَا، وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا أَلْبَتَّةَ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَأْكِيدُ النَّفْيِ بِالْبَاءِ، ثُمَّ أَكَّدَ مَضْمُونَ ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ الْعَذَابِ الْمُقِيمِ لَهُمْ، وَالْمُقِيمُ هُوَ الثَّابِتُ الَّذِي لَا يُظْعِنُ، وَالْآيَةُ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ ; إِذْ مِنْ شَأْنِ مَنْ سَمْعِ الْآيَةَ الَّتِي قَبْلَهَا أَنْ تَسْتَشْرِفَ نَفْسُهُ لِلسُّؤَالِ عَنْ حَالِ أُولَئِكَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُمْ فِدَاءٌ مَهْمَا جَلَّ وَعَظُمَ، فَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِالْجَوَابِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الْمُحَارِبُونَ: الْمُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ جَهْرَةً، وَيَنْتَزِعُونَهَا مِنْهُمْ

стр. 2192

عَنْوَةً، وَاللُّصُوصُ يَأْكُلُونَهَا كَذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ يَأْخُذُونَهَا خِفْيَةً، فَلَمَّا بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى عِقَابَ أُولَئِكَ، وَأَمْرَ بِالتَّقْوَى وَابْتِغَاءِ الْوَسِيلَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَهِيَ الْأَعْمَالُ الَّتِي يَكْمُلُ بِهَا الْإِيمَانُ، وَتَتَهَذَّبُ بِهَا النُّفُوسُ حَتَّى تَنْفِرَ مِنَ الْحَرَامِ - بَيَّنَ عِقَابَ هَؤُلَاءِ أَيْضًا، جَمْعًا بَيْنَ الْوَازِعِ النَّفْسِيِّ ; وَهُوَ الْإِيمَانُ وَالصَّلَاحُ، وَالْوَازِعِ الْخَارِجِيِّ ; وَهُوَ الْخَوْفُ مِنَ الْعِقَابِ وَالنَّكَالِ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) أَيْ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ مِمَّا يُتْلَى عَلَيْكُمْ حُكْمُهُمَا، وَيُبَيَّنُ لَكُمْ حَدُّهُمَا، كَمَا بُيِّنَ لَكُمْ حَدُّ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ مِثْلِهِمَا، فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا. أَوِ التَّقْدِيرُ: وَكُلٌّ مِنَ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا، كَمَا تَقْطَعُونَ أَيْدِيَ الْمُحَارِبِينَ إِذَا سَلَبَا الْمَالَ مِثْلَهُمَا، وَالْمُرَادُ قَطْعُ يَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا ; أَيْ إِذَا سَرَقَ الذَّكَرُ تُقْطَعُ يَدُهُ، وَإِذَا سَرَقَتِ الْأُنْثَى تُقْطَعُ يَدُهَا، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْيَدَ، وَلَمْ يَقُلْ يَدَيْهِمَا ; لِأَنَّ فُصَحَاءَ الْعَرَبِ يَسْتَثْقِلُونَ إِضَافَةَ الْمُثَنَّى إِلَى ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ ; أَيِ الْجَمْعَ بَيْنَ تَثْنِيَتَيْنِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) (٦٦: ٤) . وَالْوَصْفُ هُنَا مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنَى الشَّرْطِ، فَقَرَنَ خَبَرَهُ بِالْفَاءِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدَّ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِّ الزِّنَا ; لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الذَّنْبَيْنِ يَقَعُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَأَرَادَ اللهُ زَجْرَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَتَغْلِيبِ وَصْفِ الذُّكُورَةِ وَضَمَائِرِهَا فِي الْكَلَامِ إِلَّا مَا خَصَّ الشَّرْعُ بِهِ الرِّجَالَ ; كَالْإِمَامَةِ وَالْقِتَالِ، وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ إِطْلَاقِ الْيَدِ أَنَّهَا الْكَفُّ إِلَى الرُّسْغِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ: (وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (٥: ٦) وَإِنَّمَا تَقَعُ السَّرِقَةُ بِالْكَفِّ مُبَاشَرَةً، وَالسَّاعِدُ وَالْعَضُدُ يَحْمِلَانِ الْكَفَّ كَمَا يَحْمِلُهُمَا مَعَهَا الْبَدَنُ، فَلَا يُقَالُ إِنَّ الْيَدَ لَا تَعْمَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ إِيقَاعُ الْعَذَابِ عَلَى الْعُضْوِ الْمُبَاشِرِ لِلْجَرِيمَةِ، قَالُوا: إِنَّ الْيُمْنَى هِيَ الَّتِي تُقْطَعُ ; لِأَنَّ التَّنَاوُلَ يَكُونُ بِهَا إِلَّا مَا شَذَّ. (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ) هَذَا تَعْلِيلٌ لِلْحَدِّ ; أَيِ اقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً لَهُمَا بِعَمَلِهِمَا وَكَسْبِهِمَا السَّيِّئِ، وَنَكَالًا وَعِبْرَةً لِغَيْرِهِمَا ; فَالنَّكَالُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّكْلِ، وَهُوَ بِالْكَسْرِ قَيْدُ الدَّابَّةِ، وَنَكَلَ عَنِ الشَّيْءِ: عَجَزَ أَوِ امْتَنَعَ لِمَانِعٍ صَرَفَهُ عَنْهُ، فَالنَّكَالُ هُنَا: مَا يُنَكِّلُ النَّاسَ وَيَمْنَعُهُمْ أَنْ يَسْرِقُوا. وَلَعَمْرِ الْحَقِّ إِنَّ قَطْعَ الْيَدِ الَّذِي يَفْضَحُ صَاحِبَهُ طُولَ حَيَاتِهِ، وَيَسِمُهُ بِمَيْسَمِ الذُّلِّ وَالْعَارِ هُوَ أَجْدَرُ الْعُقُوبَاتِ بِمَنْعِ السَّرِقَةِ وَتَأْمِينِ النَّاسِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَكَذَا عَلَى أَرْوَاحِهِمْ ; لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ كَثِيرًا مَا تَتْبَعُ الْأَمْوَالَ إِذَا قَاوَمَ أَهْلُهَا السُّرَّاقَ عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِمْ (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فَهُوَ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، حَكِيمٌ فِي صُنْعِهِ وَفِي شَرْعِهِ، فَهُوَ يَضَعُ الْحُدُودَ وَالْعُقُوبَاتِ بِحَسَبَ الْحِكْمَةِ الَّتِي تُوَافِقُ الْمَصْلَحَةَ.

стр. 2193

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ مِنَ السَّرِقَةِ، فَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، أَنَّهُ يَثْبُتُ الْقَطْعُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ; عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَحَدِيثِ " لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَلَيْهِ الْخَوَارِجُ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَمِنْهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، إِلَى أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي سَرِقَةِ رُبُعِ دِينَارٍ (أَيْ رُبُعِ مِثْقَالٍ مِنَ الذَّهَبِ) أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَالشَّافِعِيُّ جَعَلَ رُبُعَ الدِّينَارِ هُوَ الْأَصْلَ فِي تَقْوِيمِ الْأَشْيَاءِ الْمَسْرُوقَةِ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي جَوَاهِرِ الْأَرْضِ كُلِّهَا، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ كُلًّا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَصْلٌ مُعْتَبَرٌ فِي نَفْسِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى - قِيلَ إِنَّهَا الْمَشْهُورُ عَنْهُ - أَنَّ التَّقْوِيمَ بِدَرَاهِمِ الْفِضَّةِ أَصْلٌ مُعْتَبَرٌ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنِ الْعُرُوضَ تُقَوَّمُ بِمَا كَانَ غَالِبًا فِي نُقُودِ أَهْلِ الْبَلَدِ، فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ وَفِي هَذَا الْخِلَافِ فِي التَّقْدِيرِ، حَدِيثُ عَائِشَةَ " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْطَعُ يَدَ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ مَرْفُوعًا " لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، فَصَاعِدًا " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلنَّسَائِيِّ مَرْفُوعًا " لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِيمَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، قِيلَ لِعَائِشَةَ: مَا ثَمَنُ الْمِجَنِّ؟ قَالَتْ: رُبُعُ دِينَارٍ "، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ الثَّلَاثِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ " وَفِي رِوَايَةٍ " قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ " وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنِ الْأَعْمَشَ رَاوِيَهُ فَسَّرَ الْبَيْضَةَ بِبَيْضَةِ الْحَدِيدِ الَّتِي تُلْبَسُ لِلْحَرْبِ، وَهِيَ كَالْمِجَنِّ (التُّرْسِ) وَقَدْ يَكُونُ ثَمَنُهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ النِّصَابَ الْمُوجِبَ لِلْقَطْعِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَكْثَرُ، وَلَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْهَا، وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَةٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي تَقْدِيرِ ثَمَنِ الْمِجَنِّ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ، وَرَجَّحُوهَا عَلَى حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ بِإِدْخَالِهَا فِي عُمُومِ دَرْءِ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَقَدْ عَنْعَنَ، وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ مُعَنْعَنًا، فَكَيْفَ يُعَارِضُ حَدِيثَ الصَّحِيحَيْنِ، بَلِ الْجَمَاعَةِ كُلِّهِمْ؟ وَهُنَالِكَ مَذَاهِبُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ فِي قَدْرِ النِّصَابِ، لَا نَذْكُرُهَا لِضَعْفِ أَدِلَّتِهَا، بَلْ بَعْضُهَا لَا يُعْرَفُ لَهُ دَلِيلٌ. وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي أَنَّ الثَّمَرَ وَالْكَثَرَ (وَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ: جُمَّارُ النَّخْلِ) لَا قَطْعَ فِيهَا، وَأَمَّا الثَّمَرُ بَعْدَ إِحْرَازِهِ فَكَغَيْرِهِ مِنَ الْمَالِ، وَقِيلَ: لَا قَطْعَ فِيهِ، وَاشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ فِي الْقَطْعِ أَنْ يُسْرَقَ الشَّيْءُ مِنْ حِرْزٍ مِثْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرَزًا مَحْفُوظًا فَلَا قَطْعَ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَشُرُوحِهَا. وَتَثْبُتُ السَّرِقَةُ بِالْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ، وَيَسْقُطُ الْحَدُّ بِالْعَفْوِ عَنِ السَّارِقِ قَبْلَ رَفْعِ أَمْرِهِ إِلَى الْإِمَامِ (الْحَاكِمِ) وَكَذَا بَعْدَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ، وَوَرَدَ

стр. 2194

النَّهْيُ عَنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ فِي الْغَزْوِ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مَحِلِّهِ. وَأَمَّا التَّوْبَةُ فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ حُكْمَهَا فِي قَوْلِهِ: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنِ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أَيْ فَمَنْ تَابَ مِنَ السُّرَّاقِ وَرَجَعَ عَنِ السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَعَاصِي رُجُوعَ نَدَمٍ وَعَزْمٍ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ بِامْتِهَانِهَا وَسَفَهِهَا، وَلِلنَّاسِ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَأَصْلَحَ نَفْسَهُ وَزَكَّاهَا بِالصَّدَقَةِ الْمُضَادَّةِ لِلسَّرِقَةِ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ - فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ بِالرِّضَاءِ وَالْإِثَابَةِ، وَيَغْفِرُ لَهُ وَيَرْحَمُهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى اسْمِهِ الْغَفُورِ وَاسْمِهِ الرَّحِيمِ. وَهَلْ يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنِ التَّائِبِ؟ قَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَسْقُطُ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: بَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ، وَإِذَا قِيسَتِ السَّرِقَةُ عَلَى الْحَرَابَةِ وَالْإِفْسَادِ فَالْقَوْلُ بِسُقُوطِ الْحَدِّ ظَاهِرٌ إِنْ تَابَ قَبْلَ رَفْعِ أَمْرِهِ إِلَى الْحَاكِمِ، وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، بَلْ لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ إِلَّا بِإِعَادَةِ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ إِنْ بَقِيَ، وَإِلَّا دَفَعَ قِيمَتَهُ إِنْ قَدَرَ، وَلَا يَظْهَرُ لَنَا وَجْهٌ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ عَدَمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِّ وَغَرَامَةِ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ ; فَإِنَّ الْحَدَّ حَقُّ اللهِ تَعَالَى لِمَصْلَحَةِ عِبَادِهِ عَامَّةً، وَالْمَالَ حَقُّ مَنْ سُرِقَ مِنْهُ خَاصَّةً. (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) جَعَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ذَيْلًا لِهَذَا السِّيَاقِ بَيَّنَ فِيهِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرَ الْقُلُوبَ بَعْدَ تِلْكَ الْعِبَرِ وَالْأَحْكَامِ، فَقَالَ مَا حَاصِلُ الْمُرَادِ مِنْهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَيُّهَا السَّامِعُ لِهَذَا الْخِطَابِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فِيهِمَا بِالْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ، وَالرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ، فَكَانَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ اسْمِهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ أَنْ وَضَعَ هَذَا الْعِقَابَ لِكُلِّ مَنْ يَسْرِقُ مَا يُعَدُّ بِهِ سَارِقًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، كَمَا وَضَعَ ذَلِكَ الْعِقَابَ لِلْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ، وَمِنْ مُقْتَضَى اسْمِهِ الْغَفُورِ الرَّحِيمِ أَنْ يَغْفِرَ لِمَنْ تَابَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَيَرْحَمَهُ إِذَا صَدَقَ فِي التَّوْبَةِ وَأَصْلَحَ عَمَلَهُ ; فَهُوَ بِمُقْتَضَى أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ تَعْذِيبَهُ مِنَ الْجُنَاةِ؛ تَرْبِيَةً لَهُ وَتَأْمِينًا لِعِبَادِهِ مِنْ شَرِّهِ، وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ مِنَ التَّائِبِينَ وَالْمُصْلِحِينَ بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ؛ تَرْغِيبًا لِعِبَادِهِ فِي تَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهُمْ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ التَّعْذِيبِ وَالرَّحْمَةِ قَدِيرٌ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي تَدْبِيرِ مُلْكِهِ. يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ الْقُرْآنَ أَوْ يَقْرَؤُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ ، وَالِاسْتِفْهَامُ فِيهِ لِلتَّقْرِيرِ ; أَيْ إِنَّكَ تَعْلَمُ هَذَا فَتَذَكَّرْهُ، وَذَكِّرْ بِهِ. وَجَعَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْمَدِينَةِ وَجِوَارِهَا، وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِمُ الَّذِينَ قَالُوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ; لِأَنَّ السِّيَاقَ الَّذِي انْتَهَى بِبَيَانِ حَدِّ السَّرِقَةِ كَانَ فِي مُحَاجَّتِهِمْ، وَمِنْهَا إِبْطَالُ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، بِأَنَّهُمْ بَشَرٌ مِنْ جُمْلَةِ خَلْقِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الْعِبَادِ، وَمَالِكُهُمِ الْمُتَصَرِّفُ فِي أَمْرِهِمْ بِالْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ

стр. 2195

فَكَأَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ يَرَى أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ وَضْعِ اللهِ الْحُدُودَ وَالْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا، وَبَيَانِ مَا أَعَدَّهُ مِنَ الْخِزْيِ وَالْعَذَابِ لِلْعُصَاةِ فِي الْآخِرَةِ، يَنْتَظِمُ فِي سِلْكِ الدَّلَائِلِ عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَى قَوْلِهِمْ إِنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَإِثْبَاتِ كَوْنِهِمْ بَشَرًا مِنْ جُمْلَةِ خَلْقِهِ، يُعَذِّبُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِالشَّرْعِ وَبِالْفِعْلِ كَمَا يُعَذِّبُ غَيْرَهُمْ، كَمَا يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ. وَتَشْهَدُ بِذَلِكَ شَرِيعَتُهُمْ ذَاتُ الْعُقُوبَاتِ الْقَاسِيَةِ، وَمَا وَقَعَ عَلَيْهِمْ، أَفْرَادًا وَجَمَاعَاتٍ، مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا بِالْحَرْبِ وَالسَّبْيِ وَالْأَمْرَاضِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَا ذِكْرُ الْعَذَابِ عَلَى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ، خِلَافًا لِمَا تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ حَتَّى فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ مِنْ تَقْدِيمِ الرَّحْمَةِ أَوِ الْمَغْفِرَةِ عَلَى الْعَذَابِ، وَمِنْهُ الْآيَةُ الَّتِي رَدَّ اللهُ فِيهَا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ زَعْمَهُمْ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ; إِذْ قَالَ: (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) (٥: ١٨) وَحِكْمَةُ هَذَا التَّقْدِيمِ هُنَا تَرْتِيبُ الْآيَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنْ بَيَانِ عِقَابِ السَّارِقِ أَوَّلًا، وَذِكْرِ تَوْبَتِهِ ثَانِيًا. فَهِيَ لَا تُنَافِي كَوْنَ الرَّحْمَةِ الْمُطْلَقَةِ سَابِقَةً وَمُقَدَّمَةً عَلَى الْعَذَابِ الْمُطْلَقِ. وَاسْتَدَلَّ الرَّازِيُّ وَأَمْثَالُهُ بِالْآيَةِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشَاعِرَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنْ يُعَذِّبَ التَّائِبِينَ الْمُصْلِحِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ، وَلَوْ بِتَخْلِيدِهِمْ فِي النَّارِ، وَيَرْحَمَ الْمُفْسِدِينَ الظَّالِمِينَ، وَلَوْ بِتَخْلِيدِهِمْ فِي الْجَنَّةِ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ تَعَالَى نَاطَ التَّعْذِيبَ وَالرَّحْمَةَ بِالْمَشِيئَةِ، وَرَتَّبَهُ عَلَى كَوْنِهِ مَالِكَ الْمُلْكِ، وَالْمَالِكُ يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ كَمَا يَشَاءُ، وَمَا حَسَّنَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلَ وَاسْتِنْبَاطَ مِثْلِ هَذَا الدَّلِيلِ لَهُ إِلَّا تَوَجُّهُ ذَكَائِهِمْ وَفَهْمِهِمْ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ نَقَلُوا عَنْهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ ; أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِعِبَادِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ بِنَصِّهِ أَحَدٌ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَقَلِيلُ الْأَدَبِ ; لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنْ هُنَالِكَ سُلْطَانًا فَوْقَ سُلْطَانِ اللهِ، سُبْحَانَهُ، يُوجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْأَشَاعِرَةَ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُنْكِرُوا وَلَا أَنْ يَتَأَوَّلُوا مَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُوجِبُ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَشَاءُ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَافِيًا لِكَوْنِهِ صَاحِبَ الْمُلْكِ وَالتَّدْبِيرِ، وَلَا لِتَقْيِيدِ مَشِيئَتِهِ بِسُلْطَةِ سِوَاهُ، وَلَا هُمْ يُنْكِرُونَ أَنَّ مَشِيئَتَهُ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُعَطِّلَةً لِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، فَإِذًا لَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ مُقْتَضَى الْمُلْكِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْمَالِكُ حَسَنًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ الْمَالِكُ ; إِذِ الْأَمْرُ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَالْعُرْفِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَالَّذِي يَمْلِكُ عِدَّةَ عَبِيدٍ، فَيَظْلِمُ الْمُحْسِنَ مِنْهُمْ بِالضَّرْبِ وَالْإِهَانَةِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مِنْهُ، وَيُحْسِنُ إِلَى الْفَاسِقِ الْمُسِيءِ الْمُفْسِدِ فِي دَارِهِ وَمُلْكِهِ، يُعَدُّ ظَالِمًا مَذْمُومًا شَرْعًا وَعَقْلًا، وَلُغَةً وَعُرْفًا، وَأَمَّا كَوْنُ كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ اللهُ تَعَالَى فَهُوَ حَقٌّ وَحَسَنٌ، فَلَيْسَ سَبَبُهُ أَنَّهُ الْمَالِكُ، وَكَوْنُ الْمَالِكِ يَحْسُنُ مِنْهُ كُلُّ تَصَرُّفٍ فِي مُلْكِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ الْمَالِكُ، بَلْ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الظُّلْمِ وَالنَّقْصِ، مُتَّصِفٌ بِالْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ، وَالرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ، فَتَقْدِيسُهُ وَتَنْزِيهُهُ وَكَمَالُهُ يَتَجَلَّى فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا لَا فِي اسْمِ الْمَلِكِ وَالْمَالِكِ وَالْمُرِيدِ فَحَسْبُ.

стр. 2196

وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ - بَدْوُهَا وَحَضَرُهَا - تَفْهَمُ مِنْ وَضْعِ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى فِي الْآيَاتِ بِحَسَبِ الْمُنَاسَبَةِ مَا لَا يَفْهَمُهُ أَمْثَالُ الرَّازِيِّ عَلَى إِمَامَتِهِ فِي الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ الْعَرَبِيَّةِ، وَاطِّلَاعِهِ عَلَى مَا نَقَلَ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ السَّرِقَةِ، قَالَ: " قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كُنْتُ أَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ وَمَعِي أَعْرَابِيٌّ، فَقَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ ; فَقُلْتُ: " وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " سَهْوًا، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: كَلَامُ مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: كَلَامُ اللهِ، قَالَ: أَعِدْ، فَأَعَدْتُ: " وَاللهٌ غَفُورٌ رَحِيمٌ "، ثُمَّ تَنَبَّهْتُ، فَقُلْتُ: (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فَقَالَ: الْآنَ أَصَبْتَ، فَقُلْتُ: كَيْفَ عَرَفْتَ؟ قَالَ: يَا هَذَا (عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فَأَمَرَ بِالْقَطْعِ، فَلَوْ غَفَرَ وَرَحِمَ لَمَا أَمَرَ بِالْقَطْعِ. انْتَهَى. فَقَدْ فَهِمَ الْأَعْرَابِيُّ الْأُمِّيُّ أَنَّ مُقْتَضَى الْعِزَّةِ وَالْحِكْمَةِ غَيْرُ مُقْتَضَى الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَضَعُ كُلَّ اسْمٍ مَوْضِعَهُ مِنْ كِتَابِهِ ; لِيَدُلَّ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ فِي خَلْقِهِ، وَلَمْ يَتَأَمَّلِ الرَّازِيُّ فِي كَلَامِ الْأَعْرَابِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، بَلْ مِنْ وَجْهِ بَلَاغَةِ الْمُنَاسَبَاتِ فَقَطْ. وَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَغْفُلُ وَلَا يَذْهَلُ، وَلَا يَضِلُّ وَلَا يَنْسَى. (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) .

стр. 2197

أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " إِنَّ الْيَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَيُخْزَيَانِ. قَالَ: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ (فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (٣: ٩٣) فَجَاءُوا بِالتَّوْرَاةِ، وَجَاءُوا بِقَارِئٍ لَهُمْ - وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ زِيَادَةُ: " أَعْوَرَ " يُقَالُ لَهُ ابْنُ صُورِيَا - فَقَرَأَ حَتَّى إِذَا أَتَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا هِيَ تَلُوحُ (أَيْ آيَةُ الرَّجْمِ) فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ فِيهَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَتَكَاتَمُهُ بَيْنَنَا، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَجْنَأُ عَلَيْهَا (أَيْ يَنْحَنِي) يَقِيهَا الْحِجَارَةَ بِنَفَسِهِ " وَلَفْظُ مُسْلِمٍ " نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا " (وَهُوَ بِمَعْنَى التَّسْخِيمِ هُنَا وَالتَّحْمِيمِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ; فَالْأَوَّلُ مِنَ السُّخَامِ وَهُوَ سَوَادُ الْقِدْرِ، وَالثَّانِي مِنَ الْحُمَّةِ وَهِيَ الْفَحْمَةُ) وَنَحْمِلُهُمَا وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا ; أَيْ نُرْكِبُهُمَا وَنَجْعَلُ وُجُوهَهُمَا إِلَى مُؤَخَّرِ الدَّابَّةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْخِزْيِ ; أَيِ الْفَضِيحَةِ. وَفِيهَا أَنَّ الَّذِي أَمَرَ الْقَارِئَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالنَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالَ: اللهُمَّ لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِنَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اللهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ "، وَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) إِلَى قَوْلِهِ: (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ) يَقُولُ: ائْتُوا مُحَمَّدًا فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (٥: ٤٤) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٥: ٤٥) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (٥: ٤٧) . قَالَ: هِيَ فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا. هَذَا أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَاتِ، وَهَاكَ تَفْسِيرُهَا: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) الْخِطَابُ بِوَصْفِ الرَّسُولِ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَرِدْ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَسَيَأْتِي، وَمِثْلُهُ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) (٦٦: ١) وَوَرَدَ فِي بِضْعِ سُوَرٍ. وَفِي هَذَا التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ

стр. 2198

تَعْلِيمٌ وَتَأْدِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ مُخَاطَبَتِهِ بِاسْمِهِ وَالْأَمْرَ بِأَنْ يُخَاطِبُوهُ بِوَصْفِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَدْعُوهُ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَجَهِلَ هَذَا الْأَدَبَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ ; لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ سَذَاجَةِ الْبَادِيَةِ وَخُشُونَتِهَا، فَكَانُوا يُنَادُونَهُ بِاسْمِهِ " يَا مُحَمَّدُ " حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) (٢٤: ٦٣) فَلَمْ يَعُدْ إِلَى دُعَائِهِ بِاسْمِهِ أَحَدٌ، وَلَكِنَّ الْمُفَسِّرِينَ يَغْفَلُونَ عَنْ هَذَا، فَيُكَرِّرُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ كَلِمَةَ " يَا مُحَمَّدُ " عِنْدَ تَفْسِيرِهِمْ لِخِطَابِ اللهِ لِرَسُولِهِ بِمِثْلِ: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) (١٠٨: ١) وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْخِطَابِ، وَأَخَذَهُ عَنْهُمْ قُرَّاءُ التَّفْسِيرِ، فَيَكَادُونَ يَقُولُونَهُ فِي تَفْسِيرِ كُلِّ خِطَابٍ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ النِّدَاءُ فِي الْكِتَابِ. وَالْحُزْنُ ضِدَّ السُّرُورِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ آلَامِ النَّفْسِ يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ عِنْدَ فَوْتِ مَا يُحِبُّهُ، وَيُسْتَعْمَلُ الْفِعْلُ الثُّلَاثِيُّ مِنْهُ مُتَعَدِّيًا بِـ " عَلَى " كَحَزِنَ فُلَانٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَمُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ ; كَحَزَنَهُ الْأَمْرُ، وَهَذِهِ لُغَةُ قُرَيْشٍ. وَتَمِيمٌ تُعَدِّيهِ بِالْهَمْزَةِ فَتَقُولُ: أَحْزَنَهُ مَوْتُ وَلَدِهِ، وَالْحُزْنُ مَذْمُومٌ طَبْعًا وَشَرْعًا مَهْمَا كَانَ سَبَبُهُ ; وَلِهَذَا نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَفِي آيَاتٍ أُخْرَى، وَجَعَلَ التَّجَرُّدَ مِنْهُ وَمِنْ مُقَابِلِهِ، وَهُوَ فَرَحُ الْبَطَرِ وَالْخِفَّةِ بِالْأَشْيَاءِ الْمَحْبُوبَةِ، غَايَةً لِكَمَالِ الْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ: (لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (٥٧: ٢٣) . وَأَمَّا الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ بِالْحَقِّ وَالْفَضْلِ، دُونَ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا، فَهُوَ مَحْمُودٌ (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (١٠: ٥٨) كَمَا أَنَّ حُزْنَ الرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ عَنْ مَوْتِ الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْفِطْرِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، لَا مَا تَكَلَّفَهُ الْمَرْءُ مِنْ لَوَازِمِهِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْحُزْنَ أَلَمٌ طَبِيعِيٌّ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ عِنْدَ فَوْتِ مَا يُحِبُّهُ، وَلَيْسَ أَمْرًا اخْتِيَارِيًّا؛ فَكَيْفَ نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؟ قُلْنَا: إِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحُزْنِ يُرَادُ بِهِ النَّهْيُ عَنْ لَوَازِمِهِ الَّتِي يَفْعَلُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مُخْتَارِينَ، فَتَكُونُ مُحَرِّكَةً لِذَلِكَ الْأَلَمِ وَمُجَدِّدَةً لَهُ وَمُبْعِدَةً أَمَدَ السَّلْوَى، وَالْأَمْرُ بِضِدِّهَا مِنْ تَكَلُّفِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَشْغَلُ النَّفْسَ وَتَصْرِفُهَا عَنِ التَّذَكُّرِ وَالتَّفَكُّرِ فِيمَا حَزِنَتْ لِأَجْلِهِ احْتِسَابًا وَرِضَاءً مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ تَكُونُ بَدَنِيَّةً نَفْسِيَّةً، وَتَكُونُ نَفْسِيَّةً فَقَطْ أَوْ بَدَنِيَّةً فَقَطْ، وَفَسَّرُوهُ هُنَا بِقَوْلِهِمْ: أَيْ لَا تَهْتَمَّ، وَلَا تُبَالِ بِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ; أَيْ فِي إِظْهَارِهِ بِالتَّحَيُّزِ إِلَى أَعْدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِهِ عِنْدَمَا تَسْنَحُ لَهُمُ الْفُرْصَةُ، وَيَجِدُونَ قُوَّةً يَعْتَصِمُونَ بِهَا مِنَ التَّبِعَةِ، فَإِنَّ اللهَ يَكْفِيكَ شَرَّهُمْ، وَيَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى مَنْ يَتَشَيَّعُونَ لَهُمْ. وَلِلنَّاسِ فِي الْمَصَائِبِ عَادَاتٌ رَدِيئَةٌ، وَأَعْمَالٌ سَخِيفَةٌ ضَارَّةٌ، تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْبَشَرِ وَالسُّخْطِ عَلَى الْقَدَرِ، وَمُعْظَمُ الْعُقَلَاءِ وَالْحُكَمَاءِ يَذُمُّونَهُ وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ كَمَا نَهَى عَنْهُ الدِّينُ، وَقَدْ قُلْتُ فِي مَرْثِيَّةٍ نَظَمْتُهَا فِي أَيَّامِ طَلَبِ الْعِلْمِ، نَاهِيًا ذَامًّا مَا اعْتِيدَ مِنْ شَعَائِرَ الْحُزْنِ:

стр. 2199

أَطَبِيعَةٌ ذَا الْحُزْنِ لَيْسَ يَشِذُّ عَنْ ... نَامُوسِهِ فَرْدٌ مِنَ الْأَفْرَادِ أَمْ ذَاكَ مِمَّا أَوْدَعَتْهُ شَرَائِعُ الْـ ... أَدْيَانِ مِنْ هَدْيٍ لَنَا وَرَشَادِ أَمْ ذَلِكَ الْعَقْلُ السَّلِيمُ قَضَى عَلَى ... كُلِّ الشُّعُوبِ بِهَذِهِ الْأَصْفَادِ كَلَّا فَلَيْسَ الْأَمْرُ ضَرْبَةَ لَازِبٍ ... لَكِنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الْمُعْتَادِ فَاخْلَعْ جَلَابِيبَ الْعَوَائِدِ إِنْ تَكُنْ ... لَيْسَتْ بِحُكْمِ الْعَقْلِ ذَاتَ سَدَادِ يُقَالُ: سَارِعْ إِلَى الشَّيْءِ (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (٣: ١٣٣) وَسَارِعْ فِي الشَّيْءِ (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) (٣٣: ٦١) فَالْمُسَارِعُ إِلَى الشَّيْءِ هُوَ الَّذِي يُسْرِعُ إِلَيْهِ مِنْ خَارِجِهِ لِأَجْلِ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ، وَالْمُسَارِعُ فِي الشَّيْءِ هُوَ الَّذِي يُسْرِعُ فِي أَعْمَالِهِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِيهِ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الْآيَةُ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ مَا عَمِلُوا مِنْ أَعْمَالِ الْكُفَّارِ انْتِقَالًا بِسُرْعَةٍ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ، بَلْ كَانُوا دَاخِلِينَ فِي ظَرْفِ الْكُفْرِ، مُحِيطًا بِهِمْ سُرَادِقُهُ، وَإِنَّمَا انْتَقَلُوا سِرَاعًا مِنْ حَيِّزِ الْإِخْفَاءِ لَهُ وَالْكِتْمَانِ إِلَى حَيِّزِ الْمُصَارَحَةِ وَالْإِعْلَانِ، كَالَّذِي يَنْتَقِلُ فِي الْبَيْتِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ. وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ حَقِيقَةَ حَالِهِمْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ وَالْمُفَسِّرُونَ فِي الْوَقْفِ هُنَا، هَلْ يَتِمُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلُوبُهُمْ) أَمْ قَوْلِهِ: (هَادُوا) ؟ أَمَّا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ عَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ: لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ ادَّعَوُا الْإِيمَانَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، وَمَا بَعْدَهُ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ تَقْدِيرُهَا: وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا (أَيِ الْيَهُودِ) قَوْمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ. . . إِلَخْ. وَأَمَّا التَّقْدِيرُ عَلَى الثَّانِي فَهُوَ: لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ حُذِفَ مِنْهَا الْمُبْتَدَأُ ; أَيْ هُمْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ. . . إِلَخْ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنَافِقِينَ هُنَا مُنَافِقُو الْيَهُودِ ; فَيَكُونُ الْكَلَامُ هُنَا فِي أُولَئِكَ الْيَهُودِ عَامَّةً، الَّذِينَ أَظْهَرُو الْإِسْلَامَ نِفَاقًا وَالَّذِينَ ظَلُّوا عَلَى دِينِهِمْ، وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَوَّلِ الْمُنَافِقُونَ مِنْ غَيْرِ الْيَهُودِ عَلَى قَاعِدَةِ: الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) هَلْ هُوَ وَصْفٌ لِلْفَرِيقَيْنِ أَمْ لِأَحَدِهِمَا؟ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (سَمَّاعُونَ) . . . إِلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: (لِلْكَذِبِ) فِيهَا وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنَّهَا لِلتَّقْوِيَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ الْكَذِبَ كَثِيرًا سَمَاعَ قَبُولٍ، أَوْ يَقْبَلُونَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْكَذِبِ: مَا يَقُولُهُ رُؤَسَاؤُهُمْ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَفِي أَحْكَامِ الدِّينِ الَّتِي يَتَلَاعَبُونَ فِيهَا بِأَهْوَائِهِمْ. (وَثَانِيهَا) : أَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَثِيرُو الِاسْتِمَاعِ لِكَلَامِ الرَّسُولِ ﷺ وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ

стр. 2200

لِأَجْلِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ بِالتَّحْرِيفِ وَاسْتِنْبَاطِ الشُّبُهَاتِ، فَهُمْ عُيُونٌ وَجَوَاسِيسُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ يُبَلِّغُونَ رُؤَسَاءَهُمْ وَسَائِرَ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ كُلَّ مَا يَقِفُونَ عَلَيْهِ، لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ مَا يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَذِبِ مَقْبُولًا ; لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وَقَائِعَ وَمَسَائِلَ وَاقِعَةٍ يَزِيدُونَ فِي رِوَايَاتِهَا وَيُنْقِصُونَ، وَيُحَرِّفُونَ مِنْهَا مَا يُحَرِّفُونَ، وَمَنْ يَكْذِبُ عَلَيْكَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مِنْ أَمْرِكَ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْعَلَ كَذِبَهُ مَرْجُوَّ الْقَبُولِ كَمَنْ يَعْرِفُ، بَلْ يَظْهَرُ اخْتِلَاقُهُ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَلِهَذَا تَرَى الَّذِينَ يَفْتَرُونَ الْكَذِبَ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَقْرَءُونَ بَعْضَ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ ; لِيَبْنُوا أَكَاذِيبَهُمْ عَلَى مَسَائِلَ مَعْرُوفَةٍ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ فِيهَا عَنْ مَوَاضِعِهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي وَصْفِ هَؤُلَاءِ، كَالَّذِي افْتَرَوْهُ فِي قِصَّةِ زَيْدٍ وَزَيْنَبَ، وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الْوَقَائِعِ وَالْأَخْبَارِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) أَيْ لِأَجْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، وَذَوِي الْكَيْدِ فِيهِمْ، أَوْ مِنْ أَعْدَائِكَ مُطْلَقًا، لَمْ يَأْتُوكَ لِيَسْمَعُوا مِنْكَ بِآذَانِهِمْ ; إِمَّا كِبْرًا وَتَمَرُّدًا، وَإِمَّا خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ مُعْلِنُونَ لِلْعَدَاوَةِ. أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فِي قَوْلِهِ: (وَمِنَ الَّذِينَ هَادَوْا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) قَالَ: يَهُودُ الْمَدِينَةِ. (سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) قَالَ: يَهُودُ فَدَكَ. (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ) قَالَ: يَهُودُ فَدَكَ يَقُولُونَ لِيَهُودِ الْمَدِينَةِ: (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا) الْجَلْدَ (فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) الرَّجْمُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) فَمَعْنَاهُ يُحَرِّفُونَ كَلِمَ التَّوْرَاةِ مِنْ بَعْدِ وَضْعِهِ فِي مَوَاضِعِهِ ; إِمَّا تَحْرِيفًا لَفْظِيًّا بِإِبْدَالِ كَلِمَةٍ بِكَلِمَةٍ، أَوْ بِإِخْفَائِهِ وَكِتْمَانِهِ، أَوِ الزِّيَادَةِ فِيهِ وَالنَّقْصِ مِنْهُ، وَإِمَّا تَحْرِيفًا مَعْنَوِيًّا بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ. (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) أَيْ يَقُولُونَ لِمَنْ أَرْسَلُوهُمْ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ لِيَسْأَلُوهُ عَنْ حُكْمِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا مِنْهُمْ، وَأَرَادُوا أَنْ يُحَابُوهُمَا بِعَدَمِ رَجْمِهِمَا: إِنْ أُعْطِيتُمْ مِنْ قِبَلِ مُحَمَّدٍ رُخْصَةً بِالْجَلْدِ عِوَضًا عَنِ الرَّجْمِ فَخُذُوهُ وَارْضَوْا بِهِ، وَإِنْ لَمْ تُعْطَوْهُ بِأَنْ حَكَمَ بِأَنَّهُمَا يُرْجَمَانِ فَاحْذَرُوا قَبُولَ ذَلِكَ وَالرِّضَاءَ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ جَاءُوهُ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَدِّ الزُّنَاةِ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، وَجَاءُوا بِالتَّوْرَاةِ فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ، فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَاعْتَرَفُوا بِصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَظَهَرَ كَذِبُهُمْ وَعَبَثُهُمْ بِكِتَابِ شَرِيعَتِهِمْ. وَالْإِيتَاءُ وَالْإِعْطَاءُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعَانِي كَغَيْرِهَا. قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ حَالِ هَؤُلَاءِ الْعَابِثِينَ بِدِينِهِمْ وَفِي أَمْثَالِهِمْ: (وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا) أَيْ وَمَنْ تَعَلَّقَتْ إِرَادَةُ اللهِ تَعَالَى بِأَنْ يُخْتَبَرَ فِي دِينِهِ فَيُظْهِرَ الِاخْتِبَارُ كُفْرَهُ وَضَلَالَهُ، كَمَا يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنَّارِ، فَيَظْهَرُ مِقْدَارُ مَا فِيهِ مِنَ الْغِشِّ وَالزَّغَلِ، فَلَنْ تَمْلِكَ

стр. 2201

أَيُّهَا الرَّسُولُ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا مِنَ الْهِدَايَةِ وَالرُّشْدِ، كَمَا أَنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحَوِّلَ النُّحَاسَ إِلَى الذَّهَبِ ; لِأَنَّ سُنَّةَ اللهِ تَعَالَى لَا تَتَبَدَّلُ فِي مَعَادِنِ النَّاسِ، وَلَا فِي مَعَادِنِ الْأَرْضِ، فَهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُجَاحِدُونَ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ أَظْهَرَتْ لَكَ فِتْنَةُ اللهِ وَاخْتِبَارُهُ إِيَّاهُمْ دَرَجَةَ فَسَادِهِمْ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُمْ يَقْبَلُونَ الْكَذِبَ دُونَ الْحَقِّ، وَأَنَّ إِظْهَارَ بَعْضِهِمْ لِلْإِيمَانِ وَرُؤْيَتَهُمْ لِحُسْنِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَصَلَاحِهِمْ لَمْ تُؤَثِّرْ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَرَأَيْتَ كَيْفَ طَوَّعَتْ لِلْآخَرِينَ أَنْفُسُهُمُ التَّحْرِيفَ وَالْكِتْمَانَ لِأَحْكَامِ كِتَابِهِمْ ; اتِّبَاعًا لِأَهْوَائِهِمْ، وَمَرْضَاةً لِأَغْنِيَائِهِمْ. فَلَا تَحْزُنْكَ بَعْدَ هَذَا مُسَارَعَتُهُمْ فِي الْكُفْرِ، وَلَا تَطْمَعْ فِي جَذْبِهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ ; فَإِنَّكَ لَا تَمْلِكُ لِأَحَدٍ هِدَايَةً وَلَا نَفْعًا، وَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَالْبَيَانُ. رَاجِعْ تَفْسِيرَ (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) (٣: ١٢٨) وَلَا تَخَفْ عَاقِبَةَ نِفَاقِهِمْ؛ فَإِنَّمَا الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَلَهُمُ الْخِزْيُ وَالْهَوَانُ ; وَلِذَلِكَ قَالَ: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنَّ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) أَيْ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَتْ مِنْهُمُ الْفِتْنَةُ هَذَا الْحَدَّ هُمُ الَّذِينَ لَمْ تَتَعَلَّقْ إِرَادَةُ اللهِ تَعَالَى بِتَطْهِيرِ قُلُوبِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ ; لِأَنَّ إِرَادَتَهُ تَعَالَى إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِمَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ الْبَالِغَةُ وَسُنَنُهُ الْعَادِلَةُ، وَمِنْ سُنَنِهِ فِي قُلُوبِ الْبَشَرِ وَأَنْفُسِهِمْ أَنَّهَا إِذَا جَرَتْ عَلَى الْبَاطِلِ وَالشَّرِّ، وَنَشَأَتْ عَلَى الْكَيْدِ وَالْمَكْرِ، وَاعْتَادَتِ اتِّخَاذَ دِينِهَا شَبَكَةً لِشَهَوَاتِهَا وَأَهْوَائِهَا، وَمَرَدَتْ عَلَى الْكَذِبِ وَالنِّفَاقِ، وَأَلِفَتْ عَصَبِيَّةَ الْخِلَافِ وَالشِّقَاقِ، وَصَارَ ذَلِكَ مِنْ مَلَكَاتِهَا الثَّابِتَةِ وَأَخْلَاقِهَا الْمَوْرُوثَةِ الثَّابِتَةِ، تُحِيطُ بِهَا خَطِيئَتُهَا، وَتُطْبِقُ عَلَيْهَا ظُلْمَتُهَا، حَتَّى لَا يَبْقَى لِنُورِ الْحَقِّ مَنْفَذٌ يَنْفُذُ مِنْهُ إِلَيْهَا ; فَتَفْقِدُ قَابِلِيَّةَ الِاسْتِدْلَالِ وَالِاسْتِبْصَارِ فِي تَوْفِيقِ الْأَقْدَارِ لِلْأَقْدَارِ، وَهَؤُلَاءِ الزُّعَمَاءُ وَأَعْوَانُهُمْ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ صُبُّوا فِي قَوَالِبَ تِلْكَ الصِّفَاتِ الرَّدِيئَةِ صَبًّا، فَلَا تَقْبَلُ طَبَائِعُهُمْ سِوَاهَا قَطْعًا، فَهَذَا هُوَ سَبَبُ عَدَمِ تَعَلُّقِ إِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى بِأَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ مِمَّا طَبَعَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ إِرَادَتَهُ تَطْهِيرَ قُلُوبِهِمْ وَهُمْ مُتَّصِفُونَ بِمَا ذَكَرْنَا، إِبْطَالٌ لِلْقَدَرِ، وَتَبْدِيلٌ لِمَا اقْتَضَتْهُ الْحِكْمَةُ مِنَ السُّنَنِ، وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، لَا أَمْرًا أُنُفًا، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِهِ تَبْدِيلًا. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى عَاقِبَةَ هَؤُلَاءِ الْمَخْذُولِينَ وَجَزَاءَهُمْ، فَقَالَ: (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فَأَمَّا الْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ فَأَمْرُهُ مَعْلُومٌ، وَكُنْهُهُ مَجْهُولٌ، وَأَمَّا خِزْيُ الدُّنْيَا فَهُوَ مَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الذُّلِّ وَالْفَضِيحَةِ وَهَوَانِ الْخَيْبَةِ عِنْدَ مَا يَنْكَشِفُ نِفَاقُهُمْ وَيَظْهَرُ لِلنَّاسِ كَذِبُهُمْ، وَيَعْلُو الْحَقُّ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَقَدْ صَدَقَ وَعِيدُ اللهِ تَعَالَى بِهَذَا الْخِزْيِ عَلَى يَهُودِ الْحِجَازِ كُلِّهِمْ، كَمَا يَصْدُقُ فِي كُلِّ زَمَانٍ عَلَى مَنْ يُفْسِدُونَ كَفَسَادِهِمْ، فَيَفْشُو فِيهِمُ الْكَذِبُ وَالنِّفَاقُ، وَيَغْلِبُ عَلَيْهِمْ فَسَادُ الْأَخْلَاقِ، وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ الِانْتِسَابُ إِلَى نَبِيٍّ لَمْ يَتَّبِعُوهُ، وَلَا تَنْفَعُهُمْ دَعْوَى الْإِيمَانِ بِكِتَابٍ لَمْ يُقِيمُوهُ ; فَإِنَّ الْوَعِيدَ فِي الْآيَةِ لَمْ يُوَجَّهْ إِلَى أُولَئِكَ الْيَهُودِ لِذَوَاتِهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ ; فَذَوَاتُهُمْ كَسَائِرِ الذَّوَاتِ، وَلَا لِنَسَبِهِمْ

стр. 2202

وَأَرُومَتِهِمْ ; فَنَسَبُهُمْ أَشْرَفُ الْأَنْسَابِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ وَعِيدٌ عَلَى فَسَادِ الْقُلُوبِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ فَسَادُ الْأَعْمَالِ، فَمَا بَالُ الْفَاسِدِينَ الْمُفْسِدِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْجُغْرَافِيِّينَ أَوِ السِّيَاسِيِّينَ لَا يَعْتَبِرُونَ بِمَا كَانَ مِنْ خِزْيِ الْيَهُودِ بِخُرُوجِهِمْ عَنْ سُنَّةِ أَنْبِيَائِهِمْ، وَبِمَا حَلَّ مِنْ وَعِيدِ اللهِ بِهِمْ، عَلَى مَا كَانَ مِنْ حِرْصِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى هُدَاهُمْ، وَهُمْ يَرَوْنَ فِي كُلِّ زَمَنٍ مِصْدَاقَهُ بِأَعْيُنِهِمْ، أَفَلَا يُقِيمُونَ الْقُرْآنَ بِالِاعْتِبَارِ بِنُذُرِهِ، وَالْحَذَرِ مِمَّا حَذَّرَ مِنْهُ؟ ثُمَّ قَالَ فِي وَصْفِهِمْ: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) أَعَادَ وَصْفَهُمْ بِكَثْرَةِ سَمَاعِ الْكَذِبِ لِتَأْكِيدِ مَا قَبْلَهُ وَالتَّمْهِيدِ لِمَا بَعْدَهُ - كَمَا قَالُوا - وَالْإِعَادَةُ لِلتَّأْكِيدِ وَتَقْرِيرِ الْمَعْنَى وَإِفَادَةِ اهْتِمَامِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ، مِمَّا يَنْبَعِثُ عَنِ الْغَرِيزَةِ، وَيُعْرَفُ التَّأْثِيرُ وَالتَّأَثُّرُ بِهِ مِنَ الطَّبِيعَةِ، وَلَعَلَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ لُغَاتِ الْبَشَرِ، وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ " اللَّامَ " فِي الْآيَةِ الْأُولَى لِلتَّعْلِيلِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّقْوِيَةِ يَنْتَفِي التَّكْرَارُ ; إِذِ الْمَعْنَى هُنَاكَ: يَسْمَعُونَ كَلَامَ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ لِأَجْلِ أَنْ يَجِدُوا مَجَالًا لِلْكَذِبِ، يُنَفِّرُونَ النَّاسَ بِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَالْمَعْنَى هُنَا أَنَّهُمْ يَسْمَعُ بَعْضُهُمُ الْكَذِبَ مِنْ بَعْضٍ سَمَاعَ قَبُولٍ، فَهُمْ يَكْذِبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا يَكْذِبُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَيَقْبَلُ بَعْضُهُمُ الْكَذِبَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَمْرُهُمْ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَذِبِ الَّذِي هُوَ شَرُّ الرَّذَائِلِ وَأَضَرُّ الْمَفَاسِدِ، وَهَكَذَا شَأْنُ الْأُمَمِ الذَّلِيلَةِ الْمَهِينَةِ، تَلُوذُ بِالْكَذِبِ فِي كُلِّ أَمْرٍ، وَتَرَى أَنَّهَا تَدْرَأُ بِهِ عَنْ نَفْسِهَا مَا تَتَوَقَّعُ مِنْ ضُرٍّ. وَكَذَلِكَ يَفْشُو فِيهَا أَكْلُ السُّحْتِ لِأَنَّهَا تَعِيشُ بِالْمُحَابَاةِ، وَتَأْلَفُ الدَّنَاءَةَ، وَتُؤْثِرُ الْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ. فَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ السُّحْتَ بِالرِّشْوَةِ فِي الدِّينِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ بِالرِّشْوَةِ فِي الْحُكْمِ، وَعَلِيٌّ بِالرِّشْوَةِ مُطْلَقًا، قِيلَ لَهُ: الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ؟ قَالَ: ذَلِكَ الْكُفْرُ، وَقَالَ عُمَرُ: بَابَانِ مِنَ السُّحْتِ يَأْكُلُهُمَا النَّاسُ ; الرِّشَا فِي الْحُكْمِ، وَمَهْرُ الزَّانِيَةِ ; فَأَفَادَ أَنَّ السُّحْتَ أَعَمُّ مِنَ الرِّشْوَةِ، وَمَنْ فَسَّرَهُ بِالرِّشْوَةِ الْمُطْلَقَةِ أَوِ الْمُقَيَّدَةِ فَقَدْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ بِاعْتِبَارِ نُزُولِهَا فِي أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَرُؤَسَائِهِمْ، لَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ الْعَامُّ. وَقِيلَ: السُّحْتُ: الْحَرَامُ مُطْلَقًا، أَوِ الرِّبَا، أَوِ الْحَرَامُ الَّذِي فِيهِ عَارٌ وَدَنَاءَةٌ كَالرِّشْوَةِ. وَاخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ الَّذِي اخْتِيرَ هَذَا اللَّفْظُ لِأَجْلِهِ، فَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مِنْ سَحَتَهُ، وَأَسْحَتَهُ بِمَعْنَى اسْتَأْصَلَهُ بِالْهَلَاكِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ) (٢٠: ٦١) . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِالسُّحْتِ مَا يُسْحِتُ الدِّينَ وَالشَّرَفَ لِقُبْحِهِ وَضَرَرِهِ، أَوْ لِسُوءِ عَاقِبَتِهِ وَأَثَرِهِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُ السُّحْتِ: شِدَّةُ الْجُوعِ، يُقَالُ: رَجُلٌ مَسْحُوتُ الْمَعِدَةِ: إِذَا كَانَ أَكُولًا لَا يَكَادُ يُرَى إِلَّا جَائِعًا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْحَرَامَ، أَوِ الْكَسْبَ الدَّنِيءَ الَّذِي يَحْمِلُ عَلَيْهِ الشَّرَهُ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَنَافِعٌ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ: " السُّحَتِ "، بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْبَاقُونَ بِضَمِّهِمَا مَعًا. لِسَانُ الْعَرَبِ: السُّحْتُ وَالسُّحُتُ: كُلُّ حَرَامٍ قَبِيحُ الذِّكْرِ، وَقِيلَ :

стр. 2203

مَا خَبُثَ مِنَ الْمَكَاسِبِ وَحَرُمَ، فَلَزِمَ عَنْهُ الْعَارُ وَقَبِيحُ الذِّكْرِ، كَثَمَنِ الْكَلْبِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ. وَسَحَتَ الشَّيْءَ يَسْحَتُهُ، كَفَتَحَ يَفْتَحُ، قَشَرَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَسَحَتُّ الشَّحْمَ عَنِ اللَّحْمِ: قَشَرْتُهُ عَنْهُ مِثْلُ سَحَفْتُهُ. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: سَحَتَ رَأْسَهُ سَحْتًا وَأَسْحَتَهُ: اسْتَأْصَلَهُ حَلْقًا. وَأَسْحَتَ مَالَهُ: اسْتَأْصَلَهُ وَأَفْسَدَهُ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالسَّحْتُ - بِالْفَتْحِ - شِدَّةُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَرَجُلُ سُحْتٌ - بِالضَّمِّ - وَسَحِيتٌ وَمَسْحُوتٌ: رَغِيبٌ وَاسِعُ الْجَوْفِ، لَا يَشْبَعُ. انْتَهَى الْمُرَادُ مِنَ اللِّسَانِ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ أَصْلَ مَعْنَى السُّحْتِ: إِزَالَةُ الْقِشْرِ عَنِ الْعُودِ بِالتَّدْرِيجِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَحَلْقِ الشَّعْرِ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ لَا يَقُولُ: أَسْحَتُّ الشَّيْءَ، إِلَّا إِذَا اسْتَأْصَلَهُ بِالْقِشْرِ، وَيُمْكِنُ إِرْجَاعُ مَعْنَى عَدَمِ الشِّبَعِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى ; كَأَنَّ الْمَعِدَةَ لِسُرْعَةِ هَضْمِهَا تَسْتَأْصِلُ الطَّعَامَ. وَسُمِّيَ الْكَسْبُ الْخَسِيسُ وَالْحَرَامُ سُحْتًا ; لِأَنَّهُ يَسْتَأْصِلُ الْمُرُوءَةَ أَوِ الدِّينَ، وَالرِّشْوَةُ تَسْتَأْصِلُ الثَّرْوَةَ، وَتُفْسِدُ أَمْرَ الْمُعَامَلَةِ، وَتَسْتَبْدِلُ الطَّمَعَ بِالْعِفَّةِ، وَكَانَ أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَرُؤَسَاؤُهُمْ فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ كَذَّابِينَ أَكَّالِينَ لِلسُّحْتِ مِنَ الرِّشْوَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْخَسَائِسِ، كَدَأْبِ سَائِرِ الْأُمَمِ فِي عَهْدِ فَسَادِهَا وَانْحِطَاطِهَا، وَقَدْ صَارَتْ حَالُهُمُ الْآنَ أَحْسَنَ مَنْ حَالِ كَثِيرٍ مِنَ الَّذِينَ يَعِيبُونَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ سَلَفِهِمْ. وَمِنْ عَجَائِبَ غَفْلَةِ الْبَشَرِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنْ يَعِيبَكَ أَحَدُهُمْ بِنَقِيصَةٍ يَنْسِبُهَا إِلَى أَحَدِ أَجْدَادِكَ الْغَابِرِينَ، عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِأَنَّكَ عَارٍ عَنْهَا، أَوْ مُتَّصِفٌ بِالْمَحْمَدَةِ الَّتِي هِيَ ضِدُّهَا، وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِنَقِيصَةِ جَدِّكَ الَّتِي يَعِيبُكَ بِهَا! ! فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَعُدُّهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَحْبَارِهِمْ وَرُؤَسَاءِ الدِّينِ فِيهِمْ، وَكَثِيرًا مِنْ حُكَّامِهِمُ الشَّرْعِيِّينَ وَالسِّيَاسِيِّينَ يَكْذِبُونَ كَثِيرًا، وَيَقْبَلُونَ الْكَذِبَ، وَيَأْكُلُونَ السُّحْتَ، حَتَّى إِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ ; لِيَشْهَدُوا لَهُمْ زُورًا بِأَنَّهُمْ صَارُوا مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ، وَيُعْطُونَهُمْ مَا يُسَمُّونَهُ " شَهَادَةَ الْعَالِمِيَّةِ " كَمَا يَمْنَحُهُمْ حُكَّامُهُمُ الرُّتَبَ الْعِلْمِيَّةَ، وَقَدْ تَجَرَّأَ بَعْضُ طَلَبَةِ الْأَزْهَرِ مَرَّةً عَلَى شَيْخِنَا الْإِمَامِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ جُنَيْهًا ; لِيُسَاعِدَهُ فِي امْتِحَانِ شَهَادَةِ الْعَالِمِيَّةِ ; لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعِدٍّ لِلِامْتِحَانِ وَلَا أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْأُسْتَاذُ نَفْسَهُ مِنْ الِانْفِعَالِ أَنْ ضَرَبَهُ ضَرْبًا مُوجِعًا، وَقَالَ: أَتَطْلُبُ مِنِّي فِي هَذِهِ السِّنِّ أَنْ أَغُشَّ الْمُسْلِمِينَ بِكَ لِتُفْسِدَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ بِجَهْلِكَ، بِهَذِهِ الْجُنَيْهَاتِ الْحَقِيرَةِ فِي نَظَرِي الْعَظِيمَةِ فِي نَظَرِكَ، وَأَنَا الَّذِي لَمْ أَتَدَنَّسْ فِي عُمْرِي، حَتَّى وَلَا بِقَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ أَنْقَذْتُهُمْ مِنَ الْمَوْتِ؟ ! وَلَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يَتَسَاهَلُ فِي هَذَا لَكُنْتُ مِنْ أَوْسَعِ النَّاسِ ثَرْوَةً. أَوْ مَا هَذَا مُؤَدَّاهُ. (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) أَيْ فَإِنْ جَاءُوكَ مُتَحَاكِمِينَ إِلَيْكَ فَأَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ وَتَرْكِهِمْ إِلَى رُؤَسَائِهِمْ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا التَّخْيِيرِ أَهْوَ خَاصٌّ بِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا الْآيَةُ - وَهِيَ حَدُّ الزِّنَا: هَلْ هُوَ الْجَلْدُ أَوِ الرَّجْمُ، أَوْ دِيَةُ

стр. 2204

الْقَتِيلِ؛ إِذْ كَانَ بَنُو النَّضِيرِ يَأْخُذُونَ دِيَةً كَامِلَةً عَلَى قَتْلَاهُمْ لِقُوَّتِهِمْ وَشَرَفِهِمْ، وَبَنُو قُرَيْظَةَ يَأْخُذُونَ نِصْفَ دِيَةٍ لِضَعْفِهِمْ، وَقَدْ تَحَاكَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَوَاءً - أَمْ هُوَ خَاصٌّ بِالْمُعَاهَدِينَ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَغَيْرِهِمْ ; إِذْ كَانَ أُولَئِكَ الْيَهُودُ مُعَاهَدِينَ، أَمِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْقَضَايَا مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، عَمَلًا بِقَاعِدَةِ: الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ؟ الْمُرَجَّحُ الْمُخْتَارُ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي الْآيَةِ أَنَّ التَّخْيِيرَ خَاصٌّ بِالْمُعَاهَدِينَ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَجِبُ عَلَى حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْكُمُوا بَيْنَ الْأَجَانِبِ الَّذِينَ هُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَإِنْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِمْ، بَلْ هُمْ مُخَيَّرُونَ، يُرَجِّحُونَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَا يَرَوْنَ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ، وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ نَسْخٌ، كَمَا قَالَ بَعْضُ مِنْ زَعْمَ أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَقَدْ نُسِخَ مِنْ عُمُومِهَا التَّخْيِيرُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الذِّمِّيِّينَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ التَّخْيِيرَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذَا السِّيَاقِ: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ) (٥: ٤٩) وَنَقُولُ: لَا يُعْقَلُ أَنْ تَنْزِلَ آيَاتٌ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَيَكُونُ بَعْضُهَا نَاسِخًا لِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا تِلْكَ الْآيَةُ أَمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْقِسْطِ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ. (وَإِنْ تُعْرِضَ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا) أَيْ وَإِنِ اخْتَرْتَ الْإِعْرَاضَ عَنْهُمْ فَأَعْرَضْتَ، وَلَمْ تَحْكُمْ بَيْنَهُمْ، فَلَنْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ، وَإِنْ سَاءَتْهُمُ الْخَيْبَةُ وَفَاتَهُمْ مَا يَرْجُونَ مِنْ خِفَّةِ الْحُكْمِ وَسُهُولَتِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا تَعْلِيلٌ لِلتَّخْيِيرِ. (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أَيْ وَإِنِ اخْتَرْتَ الْحُكْمَ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ; أَيِ الْعَدْلِ، لَا بِمَا يَبْغُونَ. وَقَدْ شَرَحْنَا مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ، وَبَيَّنَّا مَا عَظَّمَ اللهُ مِنْ أَمْرِهِ فِي الْقِيَامِ بِهِ وَالشَّهَادَةِ بِهِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ ١٣٥ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ (ص٣٧٠ - ٣٧٣ ج ٥ ط الْهَيْئَةِ) وَالْآيَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ (ص٢٢٦ - ٢٢٧ ج ٥ ط الْهَيْئَةِ) وَالْمُقْسِطُونَ هُمُ الْمُقِيمُونَ لِلْقِسْطِ بِالْحُكْمِ بِهِ أَوِ الشَّهَادَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَفَصَّلْنَا الْقَوْلَ فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ فِي تَفْسِيرِ (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (٤: ٥٨) فَيُرَاجَعُ فِي الْمَنَارِ (ص١٣٩ - ١٤٥ ج ٥ ط الْهَيْئَةِ) . (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) هَذَا تَعْجِيبٌ مِنَ اللهِ لِنَبِيِّهِ بِبَيَانِ حَالٍ مَنْ أَغْرَبِ أَحْوَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ شَرِيعَةٍ يَرْغَبُونَ عَنْهَا، وَيَتَحَاكَمُونَ إِلَى نَبِيٍّ جَاءَ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى، وَهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ; أَيْ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ فِي قَضِيَّةٍ كَقَضِيَّةِ الزَّانِيَيْنِ، أَوْ قَضِيَّةِ الدِّيَةِ، وَالْحَالُ أَنَّ عِنْدَهُمُ التَّوْرَاةَ، الَّتِي هِيَ شَرِيعَتُهُمْ، فِيهَا حُكْمُ اللهِ فِيمَا يُحَكِّمُونَكَ فِيهِ، ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ عَنْ حُكْمِكَ بَعْدَ أَنْ رَضُوا بِهِ، وَآثَرُوهُ عَلَى شَرِيعَتِهِمْ ; لِمُوَافَقَتِهِ لَهَا؟ أَيْ إِذَا فَكَّرْتَ فِي هَذَا رَأَيْتَهُ مِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِمْ، وَسَبَبُهُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِالْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا صَحِيحًا بِالتَّوْرَاةِ، وَلَا بِكَ، وَإِنَّمَا هُمْ مِمَّنْ جَاءَ فِيهِمْ (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ) (٤٥: ٢٣)

стр. 2205

فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الصَّادِقَ بِشَرْعٍ لَا يَرْغَبُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا إِذَا آمَنَ بِأَنَّ مَا رَغِبَ إِلَيْهِ شَرْعٌ مِنَ اللهِ أَيْضًا أَيَّدَ بِهِ الْأَوَّلَ، أَوْ نَسَخَهُ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ عِبَادِهِ. وَهَؤُلَاءِ تَرَكُوا حُكْمَ التَّوْرَاةِ الَّتِي يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ بِهَا وَاتِّبَاعَهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْ هَوَاهُمْ، وَجَاءُوكَ يَطْلُبُونَ حُكْمَكَ رَجَاءَ أَنْ يُوَافِقَ هَوَاهُمْ، ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ وَيُعْرِضُونَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يُوَافِقْ هَوَاهُمْ. فَمَا هُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوْرَاةِ، وَلَا بِكَ، وَلَا بِمَنْ أَنْزَلَ عَلَى مُوسَى التَّوْرَاةَ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ، وَقَدْ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، وَقَدْ يَظُنُّونَ أَيْضًا أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، غَافِلِينَ عَنْ كَوْنِ الْإِيمَانِ يَقِينًا فِي الْقَلْبِ، يَتْبَعُهُ الْإِذْعَانُ بِالْفِعْلِ، وَيُتَرْجِمُ عَنْهُ اللِّسَانُ بِالْقَوْلِ، وَلَكِنَّ اللِّسَانَ قَدْ يَكْذِبُ عَنْ عِلْمٍ وَعَنْ جَهْلٍ، فَمَنْ أَيْقَنَ أَذْعَنَ، وَمَنْ أَذْعَنَ عَمِلَ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ الْإِذْعَانِيُّ هُوَ صَاحِبُ السُّلْطَانِ الْأَعْلَى عَلَى الْإِرَادَةِ، وَالْإِرَادَةُ هِيَ الْمُصَرِّفَةُ لِلْجَوَارِحِ فِي الْأَعْمَالِ. أَمَّا حُكْمُ الرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا الْيَوْمَ فَهُوَ خَاصٌّ بِبَعْضِ الزُّنَاةِ، قَالَ فِي الْفَصْلِ ٢٢ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ، بَعْدَ بَيَانِ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ عَذْرَاءَ فَوَجَدَهَا ثَيِّبًا تُرْجَمُ عِنْدَ بَابِ بَيْتِ أَبِيهَا: (٢٢ إِذَا وُجِدَ رَجُلٌ مُضْطَجِعًا مَعَ امْرَأَةٍ زَوْجَةِ بَعْلٍ، يُقْتَلُ الِاثْنَانِ، الرَّجُلُ الْمُضْطَجِعُ مَعَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ، فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ إِسْرَائِيلَ ٢٣ إِذَا كَانَتْ فَتَاةٌ عَذْرَاءُ مَخْطُوبَةً لِرَجُلٍ، فَوَجَدَهَا رَجُلٌ فِي الْمَدِينَةِ فَاضْطَجَعَ مَعَهَا، فَأَخْرِجُوهُمَا كِلَيْهِمَا إِلَى بَابِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ، وَارْجُمُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَا، الْفَتَاةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمْ تَصْرُخْ فِي الْمَدِينَةِ، وَالرَّجُلُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَذَلَّ امْرَأَةَ صَاحِبِهِ، فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ) ثُمَّ ذَكَرَ أَحْكَامًا أُخْرَى فِي الزِّنَا، مِنْهَا قَتْلُ أَحَدِ الزَّانِيَيْنِ، وَمِنْهَا دَفْعُ غَرَامَةٍ، وَالتَّزْوِيجُ بِالْمَزْنِيِّ بِهَا. وَمِمَّا يَجِبُ التَّنْبِيهُ لَهُ هُنَا أَنَّ دُعَاةَ النَّصْرَانِيَّةِ يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا عَلَى كَوْنِ التَّوْرَاةِ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْيَهُودِ، هِيَ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى، لَمْ يَعْرِضْ لَهَا تَغْيِيرٌ وَلَا تَحْرِيفٌ ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَأُولَئِكَ الْيَهُودِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ مِنَ الْقُرْآنِ مَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ، وَيَرُدُّونَ مَا يُخَالِفُهَا جَدَلًا، وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ، فَالْكِتَابُ بَيَّنَ لَنَا أَنَّ عِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ ; أَيِ الشَّرِيعَةُ، وَأَنَّ فِيهَا حُكْمَ اللهِ فِي الْقَضِيَّةِ الَّتِي تَحَاكَمُوا فِيهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ صَدَقَ اللهُ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، وَبَيَّنَ لَنَا أَيْضًا أَنَّهُمْ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَمِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ، وَأَنَّهُمْ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ؛ إِذْ نَسُوا نَصِيبًا آخَرَ وَأَضَاعُوهُ، وَقَدْ صَدَقَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَمَّا خَرَجَتْ أُمَّةُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ مِنَ الْأُمِّيَّةِ، وَعَرَفُوا تَارِيخَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ ; كَالْبَابِلِيِّينَ، ظَهَرَ لَهُمْ أَنَّ إِخْبَارَ الْقُرْآنِ بِذَلِكَ كَانَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ ; إِذْ ظَهَرَ لَهُمْ أَنَّ الْيَهُودَ قَدْ فَقَدُوا التَّوْرَاةَ الَّتِي كَتَبَهَا مُوسَى، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوهَا، وَإِنَّمَا كَتَبَ لَهُمْ بَعْضُ عُلَمَائِهِمْ مَا حَفِظُوهُ مِنْهَا، مَمْزُوجًا بِمَا لَيْسَ مِنْهَا، وَالتَّوْرَاةُ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ تُثْبِتُ ذَلِكَ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمِنْهُ تَفْسِيرُ أَوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَتَفْسِيرُ الْآيَاتِ ١٣ - ١٥ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ.

стр. 2206

(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ سِيَاقِ الَّتِي قَبْلَهَا وَالَّتِي بَعْدَهَا، وَالْغَرَضُ مِنْهَا بَيَانُ كَوْنِ التَّوْرَاةِ كَانَتْ هِدَايَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَعْرَضُوا عَنِ الْعَمَلِ بِهَا ; لِمَا عَرَضَ لَهُمْ مِنَ الْفَسَادِ، وَبَيَانُ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ وَأَهْلِهِ، ثُمَّ الِانْتِقَالُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا سَيَأْتِي مِنْ ذِكْرِ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ وَمَزِيَّتِهِ وَحِكْمَةِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالِاهْتِدَاءِ بِالدِّينِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْفَعُ أَهْلَ الِانْتِمَاءِ إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يُقِيمُوهُ ; إِذْ لَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْ هِدَايَتِهِ وَنُورِهِ إِلَّا بِإِقَامَتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَأَنَّ إِيثَارَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَهْوَاءَهُمْ عَلَى هِدَايَةِ دِينِهِمْ هُوَ الَّذِي أَعْمَاهُمْ عَنْ نُورِ الْقُرْآنِ، وَالِاهْتِدَاءِ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) أَيْ إِنَّا نَحْنُ أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى مُشْتَمِلَةً عَلَى هُدًى فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَحْكَامِ، خَرَجَ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ وَثَنِيَّةِ الْمِصْرِيِّينَ وَضَلَالِهِمْ، وَعَلَى نُورٍ أَبْصَرُوا

стр. 2207

بِهِ طَرِيقَ الِاسْتِقْلَالِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينِ هَادُوا) أَنْزَلْنَاهَا قَانُونًا لِلْأَحْكَامِ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ - مُوسَى وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ - طَائِفَةً مِنَ الزَّمَانِ، انْتَهَتْ بِبَعْثَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇. وَهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وُجُوهَهُمْ لِلَّهِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ; فَالْإِسْلَامُ دِينُ الْجَمِيعِ، وَكُلُّ مَا اسْتَحْدَثَهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْ أَسْبَابِ التَّفَرُّقِ فِي الدِّينِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ مُبِينٌ؛ وَإِنَّمَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينِ هَادُوا - أَيِ الْيَهُودِ خَاصَّةً - لِأَنَّهَا شَرِيعَةٌ خَاصَّةٌ بِهِمْ لَا عَامَّةٌ ; وَلِذَلِكَ قَالَ آخِرُهُمْ عِيسَى: لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرَافِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ. وَلَمْ يَكُنْ لِدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَعِيسَى مِنْ دُونِهَا شَرِيعَةٌ (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ) أَيْ وَيَحْكُمُ بِهَا الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ فِي الْأَزْمِنَةِ أَوِ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَنْبِيَاءُ أَوْ مَعَهُمْ بِإِذْنِهِمْ، وَالرَّبَّانِيُّونَ هُمُ الْمَنْسُوبُونَ إِلَى الرَّبِّ، إِمَّا بِمَعْنَى الْخَالِقِ الْمُدَبِّرِ لِأَمْرِ الْمُلْكِ ; لِأَنَّهُمْ يُعْنَوْنَ بِالْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ وَالتَّهْذِيبِ الرُّوحَانِيِّ، وَإِمَّا بِمَعْنَى مَصْدَرِ رَبَّهَ يَرُبُّهُ؛ أَيْ رَبَّاهُ ; لِأَنَّهُمْ يُرَبُّونَ أَنْفُسَهُمْ ثُمَّ غَيْرَهُمْ بِالْعِلْمِ وَالْعِرْفَانِ وَأَحَاسِنِ الْآدَابِ وَالْأَخْلَاقِ، وَهُمْ كِبَارُ كَهَنَتِهِمْ مِنَ اللَّاوِيِّينَ الصَّالِحِينَ. وَيُرْوَى عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ، وَالْأَحْبَارُ جَمْعُ حَبْرٍ، بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا، وَهُوَ الْعَالِمُ. وَمَادَّةُ حَبَرَ فِي اللُّغَةِ تَدُلُّ عَلَى الْجَمَالِ وَالزِّينَةِ الَّتِي تَسُرُّ النَّاسَ، وَشِعْرٌ مُحَبَّرٌ: مُزَيَّنٌ بِنُكَتِ الْبَلَاغَةِ، وَالْفَصَاحَةِ، وَثَوْبٌ مُحَبَّرٌ: مُزَيَّنٌ بِالنُّقُوشِ أَوِ الْوَشْيِ الْجَمِيلِ. وَمِنْهُ بُرْدٌ حِبَرَةٌ (بِالْكَسْرِ) وَحَبِيرٌ، وَهُوَ ثَوْبٌ ذُو خُطُوطٍ بِيضٍ وَسُودٍ أَوْ حُمْرٍ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْحَبْرِ عَلَى الْعَالِمِ مَأْخُوذًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْحِبْرُ - بِالْكَسْرِ - الْأَثَرُ الْمُسْتَحْسَنُ. ثُمَّ قَالَ: وَالْحَبْرُ الْعَالِمُ، وَجَمْعُهُ أَحْبَارٌ ; لِمَا يَبْقَى مِنْ أَثَرِ عُلُومِهِمْ، اهـ. وَأُطْلِقَ لَقَبُ حَبْرُ الْأُمَّةِ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، كَمَا أُطْلِقَ لَفْظُ الرَّبَّانِيِّ عَلَى عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى عَلَيْهِ الرِّضْوَانُ، وَالَّذِي يَسْبِقُ إِلَى فَهْمِي عِنْدَ ذِكْرِ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارِ أَنَّ الرَّبَّانِيِّينَ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَالْأَوْلِيَاءِ الْعَارِفِينَ عِنْدَنَا، وَالْأَحْبَارَ عِنْدَهُمْ كَعُلَمَاءِ الظَّاهِرِ عِنْدَنَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الرَّبَّانِيُّونَ جَمْعُ رَبَّانِيٍّ، وَهُمُ الْعُلَمَاءُ الْحُكَمَاءُ الْبُصَرَاءُ بِسِيَاسَةِ النَّاسِ وَتَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِمْ. وَأَمَّا الْأَحْبَارُ فَإِنَّهُمْ جَمْعُ حَبْرٍ، وَهُوَ الْعَالِمُ الْمُحْكِمُ لِلشَّيْءِ. وَمَا قُلْنَاهُ أَظْهَرُ، وَهُوَ إِلَى اللُّغَةِ أَقْرَبُ. وَالتَّوْرَاةُ مُؤَنَّثَةُ اللَّفْظِ، وَمَعْنَاهَا الشَّرِيعَةُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَحْكُمُونَ بِهَا بِسَبَبِ مَا أُودِعُوهُ مِنَ الْكِتَابِ، وَائْتُمِنُوا عَلَيْهِ، وَطُلِبَ مِنْهُمْ حِفْظُهُ ; أَيْ طَلَبَ مِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءُ - مُوسَى وَمَنْ بَعْدَهُ - أَنْ يَحْفَظُوهُ وَلَا يُضَيِّعُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَنَاهِيكَ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ مُوسَى بِأَمْرِ اللهِ عَلَى شُيُوخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ التَّوْرَاةَ أَنْ يَحْفَظُوهَا وَلَا يَتَحَوَّلُوا عَنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْمِيثَاقِ مِنْ أَوَاخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ وَأَوَائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَأَنَّهُمْ نَقَضُوا مِيثَاقَ اللهِ، وَلَمْ يُوفُوا بِهِ،

стр. 2208

وَقَدْ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: إِنَّهُمُ اسْتُحْفِظُوا، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُمْ حَفِظُوا، وَلَكِنَّهُ قَالَ: (وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) أَيْ كَانَ سَلَفُهُمُ الصَّالِحُونَ رُقَبَاءَ عَلَى الْكِتَابِ، وَعَلَى مَنْ يُرِيدُ الْعَبَثَ بِهِ، كَمَا فَعَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْمِ، أَوْ شُهَدَاءَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ شَرْعُ اللهِ تَعَالَى لَا كَمَا فَعَلَ خَلْفُهُمْ مِنْ كِتْمَانِ بَعْضِ أَحْكَامِهِ ; اتِّبَاعًا لِلْهَوَى، أَوْ خَوْفًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ إِنْ أَقَامُوا عَلَيْهِمْ حُدُودَهُ، وَطَمَعًا فِي بِرِّهِمْ إِذَا حَابَوْهُمْ فِيهَا، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كِتْمَانُهُمْ صِفَةَ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ وَالْبِشَارَةَ بِهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ: وَكَانُوا عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ الْمُوَافِقِ لِحُكْمِ التَّوْرَاةِ فِي حَدِّ الزِّنَا شُهَدَاءَ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ - إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ - أَنَّ هَذَا مِمَّا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ صِفَاتِ أَحْبَارِ الْيَهُودِ الصَّالِحِينَ ; تَعْرِيضًا بِجُمْهُورِ الْخَلَفِ الصَّالِحِينَ، وَلِذَلِكَ شَهِدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ - وَهُوَ مِنْ بَقِيَّةِ خِيَارِهِمْ - وَكَذَا غَيْرُهُ بِأَنَّ حُكْمَ التَّوْرَاةِ رَجْمُ الزَّانِي ; تَصْدِيقًا وَتَأْيِيدًا لِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى تَعْقِيبًا عَلَى مَا قَصَّهُ مِنْ سِيرَةِ سَلَفِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الصَّالِحِ، بَعْدَ بَيَانِ سُوءِ سِيرَةِ الْخَلَفِ الَّذِينَ خَلَفُوا بَعْدَهُمْ، مُخَاطِبًا رُؤَسَاءَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ، لَا يَخَافُونَ اللهَ فِي الْكِتْمَانِ وَالتَّبْدِيلِ. (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) أَيْ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذُكِرَ، وَهُوَ مَا لَا تُنْكِرُونَهُ كَمَا تُنْكِرُونَ غَيْرَهُ مِمَّا قَصَّهُ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ سِيرَةِ سَلَفِكُمْ، فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ فَتَكْتُمُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْكِتَابِ خَوْفًا مِنْ بَعْضِهِمْ، وَرَجَاءً فِي بَعْضٍ، وَاخْشَوْنِي وَحْدِي، وَأَوْفُوا بِعَهْدِي، فَإِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِي (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) أَيْ لَا تَتْرُكُوا بَيَانَهَا، وَالْعَمَلَ وَالْإِفْتَاءَ وَالْحُكْمَ بِهَا فِي مُقَابَلَةِ مَنْفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ إِلَّا قَلِيلَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَنَافِعِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الِاهْتِدَاءِ بِآيَاتِ اللهِ تَعَالَى. وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنَ النَّهْيِ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) أَيْ وَكُلُّ مَنْ رَغِبَ عَنِ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ أَحْكَامِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ، فَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا لِمُخَالَفَتِهَا لِهَوَاهُ أَوْ لِمَنْفَعَتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ الصَّحِيحَ يَسْتَلْزِمُ الْإِذْعَانَ، وَالْإِذْعَانُ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ وَيُنَافِي الِاسْتِقْبَاحَ وَالتَّرْكَ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَمُؤَيِّدَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذَا السِّيَاقِ: (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ثُمَّ جَاءَ بِمِثَالٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَقَالَ: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ) أَيْ وَفَرَضْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ النَّفْسَ تُؤْخَذُ أَوْ تُقْتَلُ بِالنَّفْسِ إِذَا قَتَلَتْ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدَّرَ الْجُمْهُورُ مَقْتُولَةٌ أَوْ مُقْتَصَّةٌ بِهَا، وَالْعَيْنَ تُفْقَأُ بِالْعَيْنِ، وَالْأَنْفَ يُجْدَعُ بِالْأَنْفِ، وَالْأُذُنَ تُصْلَمُ بِالْأُذُنِ، وَالسِّنَّ تُقْلَعُ بِالسِّنِّ ; أَيْ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ وَالْجَوَارِحَ الْمُتَمَاثِلَةَ هِيَ كَالنَّفْسِ فِي كَوْنِ جَزَاءِ الْمُعْتَدِي عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ ;

стр. 2209

لِأَنَّهُ هُوَ الْعَدْلُ. وَقَدْ قَرَأَ الْكِسَائِيُّ: الْعَيْنُ وَالْأَنْفُ وَالْأُذُنُ وَالسِّنُّ بِالرَّفْعِ ; أَيْ، وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ. . . إِلَخْ. وَلَهُمْ فِي إِعْرَابِهَا عِدَّةُ وُجُوهٍ. وَقَرَأَهَا الْجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى النَّفْسِ. (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) قَرَأَ الْكِسَائِيُّ: الْجُرُوحُ بِالرَّفْعِ أَيْضًا، وَالْجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ ; أَيْ ذَوَاتَ قِصَاصٍ، تُعْتَبَرُ فِي جَزَائِهَا الْمُسَاوَاةُ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) أَيْ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِمَا ثَبَتَ لَهُ مِنَ حَقِّ الْقِصَاصِ بِأَنْ عَفَا عَنِ الْجَانِي فَهَذَا التَّصَدُّقُ كَفَّارَةٌ لَهُ يُكَفِّرُ اللهُ بِهَا ذُنُوبَهُ وَيَعْفُو عَنْهُ كَمَا عَفَا عَنْ أَخِيهِ. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وَكُلُّ مَنْ كَانَ بِصَدَدِ الْحُكْمِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْجِنَايَاتِ فَأَعْرَضَ عَمَّا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْقِصَاصِ الْمَبْنِيِّ عَلَى قَاعِدَةِ الْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَكَمَ بِهَوَاهُ أَوْ بِحُكْمٍ غَيْرِ حُكْمِ اللهِ فَضَّلَهُ عَلَيْهِ - فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِينَ حَتْمًا؛ إِذِ الْخُرُوجُ عَنِ الْقِصَاصِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَفْضِيلِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَهَضْمِ حَقِّ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ وَظُلْمِهِ. أَمَّا مِصْدَاقُ هَذَا الْقِصَاصِ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي فِي الْأَيْدِي، فَهُوَ فِي الْفَصْلِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ، فَفِيهِ بَعْدَ عِدَّةِ ذُنُوبٍ تُوجِبُ الْقَتْلَ مَا نَصُّهُ: (٢٣ وَإِنْ حَصَلَتْ أَذِيَّةٌ تُعْطِي نَفْسًا بِنَفْسٍ ٢٤ وَعَيْنًا بِعَيْنٍ، وَسِنًّا بِسِنٍّ، وَيَدًا بِيَدٍ، وَرِجْلًا بِرِجْلٍ ٢٥، وَكَيًّا بِكَيٍّ، وَجُرْحًا بِجُرْحٍ، وَرَضًّا بِرَضٍّ) يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي الْفَصْلِ (٢٤) مِنْ سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ (١٧ وَإِذَا أَمَاتَ أَحَدٌ إِنْسَانًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ ١٨، وَمَنْ أَمَاتَ بَهِيمَةً يُعَوِّضُ عَنْهَا نَفْسًا بِنَفْسٍ ١٩ وَإِذَا أَحْدَثَ إِنْسَانٌ فِي قَرِيبِهِ عَيْبًا فَكَمَا فَعَلَ كَذَلِكَ يُفْعَلُ بِهِ ٢٠ كَسْرٌ بِكَسْرٍ، وَعَيْنٌ بِعَيْنٍ، وَسِنٌّ بِسِنٍّ، كَمَا أَحْدَثَ عَيْبًا فِي الْإِنْسَانِ كَذَلِكَ يُحْدَثُ فِيهِ) فَصَرَّحَ بِعُمُومِ الْقِصَاصِ بِالْمِثْلِ فَدَخَلَ فِيهِ الْأُذُنُ وَالْأَنْفُ، وَأَمَّا الْعَفْوُ فَلَا أَذْكُرُ لَهُ نَقْلًا عَنِ التَّوْرَاةِ، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي وَعْظِ الْمَسِيحِ عَلَى الْجَبَلِ مِنْ إِنْجِيلِ مَتَّى، أَنَّهُ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ، وَالسِّنِّ بِالسِّنِّ، وَوَصَّى بِأَلَّا يُقَاوَمَ الشَّرُّ بِالشَّرِّ، وَهُوَ أَمْرٌ بِالْعَفْوِ، وَلَكِنَّ الَّذِينَ يَدَّعُونَ اتِّبَاعَهُ فِي هَذَا الْعَصْرِ هُمْ أَشَدُّ أَهْلِ الْأَرْضِ انْتِقَامًا وَمُقَاوَمَةً لِلشَّرِّ بِأَضْعَافِهِ، إِلَّا قَلِيلًا مِنَ الْأَفْرَادِ الَّذِينَ أَخْفَاهُمُ الزَّمَانُ فِي زَوَايَا بَعْضِ الْبِلَادِ. (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) أَيْ وَبَعَثْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ بَعْدَ أُولَئِكَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يَحْكُمُونَ بِالتَّوْرَاةِ، مُتَّبِعًا أَثَرَهُمْ، جَارِيًا عَلَى سُنَنِهِمْ، مُصَدِّقًا لِلتَّوْرَاةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُ بِقَوْلِهِ وَعَمَلِهِ أَوْ بِحَالِهِ، وَلَفْظُ قَفَّى مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَفَا، وَهُوَ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ، يُقَالُ: قَفَاهُ، وَقَفَا إِثْرَهُ يَقِفُوهُ، وَاقْتَفَاهُ: إِذَا اتَّبَعَهُ وَسَارَ وَرَاءَهُ حِسًّا أَوْ مَعْنًى، وَقَفَّاهُ بِهِ تَقْفِيَةً جَعَلَهُ يَقْفُوهُ، أَوْ يَقْفُو أَثَرَهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ٢: ٨٧) قَالَ فِي الْأَسَاسِ: وَقَفَّيْتُهُ وَقَفَيْتُهُ بِهِ وَقَفَّيْتُ بِهِ عَلَى أَثَرِهِ: إِذَا أَتْبَعْتُهُ إِيَّاهُ، وَهُوَ قُفْيَةُ آبَائِهِ، وَقِفِيُّ أَشْيَاخِهِ، تِلْوَهُمْ. انْتَهَى. أَيْ يَتْلُوهُمْ، وَيَسِيرُ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ. وَعِيسَى ﵇ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَشَرِيعَتُهُ هِيَ التَّوْرَاةُ، وَلَكِنَّ النَّصَارَى نَسَخُوهَا وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهَا اتِّبَاعًا لَبُولَسَ. عَلَى أَنَّهُمْ

стр. 2210

يَنْقُلُونَ عَنْهُ فِي أَنَاجِيلِهِمْ، أَنَّهُ مَا جَاءَ لِيَنْقُضَ النَّامُوسَ (أَيْ شَرِيعَةَ التَّوْرَاةِ) وَإِنَّمَا جَاءَ لِيُتَمِّمَ ; أَيْ لِيَزِيدَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَزِيدَ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ وَالْمَوَاعِظِ الرُّوحِيَّةِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) أَيْ أَعْطَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ مُشْتَمِلًا عَلَى هُدًى مِنَ الضَّلَالِ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ ; كَالتَّوْحِيدِ النَّافِي لِلْوَثَنِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَصْدَرُ الْخُرَافَاتِ وَالْأَبَاطِيلِ، وَنُورٌ يُبْصِرُ بِهِ طَالِبُ الْحَقِّ طَرِيقَهُ الْمُوَصِّلَ إِلَيْهِ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْأَمْثَالِ وَالْفَضَائِلِ وَالْآدَابِ، وَمُصَدِّقًا لِلتَّوْرَاةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُ ; أَيْ مُشْتَمِلًا عَلَى النَّصِّ بِتَصْدِيقِ التَّوْرَاةِ، وَهَذَا غَيْرُ تَصْدِيقِ الْمَسِيحِ لَهَا بِقَوْلِهِ وَعَمَلِهِ أَوْ حَالِهِ، وَصَفَهُ بِمِثْلِ مَا وَصَفَ بِهِ التَّوْرَاةَ، وَبِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَهَا، ثُمَّ زَادَ فِي وَصْفِهِ عَطْفًا عَلَى تِلْكَ الْأَحْوَالِ فَجَعَلَهُ نَفْسَهُ هُدًى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، وَلَعَلَّهُ مَا انْفَرَدَ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الرُّوحِيَّةِ وَالْمَوَاعِظِ الْأَدَبِيَّةِ، وَزَلْزَلَةِ ذَلِكَ الْجُمُودِ الْإِسْرَائِيلِيِّ الْمَادِّيِّ، وَزَعْزَعَةِ ذَلِكَ الْغُرُورِ الَّذِي كَانَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِيسِيُّونَ مِنَ الْيَهُودِ مَفْتُونِينَ بِهِ. وَخُصَّ هَذَا النَّوْعُ بِالْمُتَّقِينَ ; لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ ; إِذْ لَا يَفُوتُهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْكِتَابِ لِحِرْصِهِمْ عَلَيْهِ وَعِنَايَتِهِمْ بِهِ، وَالْحِكْمَةُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْهُدَى وَالْمَوْعِظَةِ فِقْهُ أَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ وَمَعْرِفَةُ حِكْمَتِهَا وَالْمَقْصِدِ مِنْهَا، وَالْعِلْمُ بِأَنَّ وَرَاءَ تِلْكَ التَّوْرَاةِ وَهَذَا الْإِنْجِيلِ هِدَايَةً أَتَمَّ وَأَكْمَلَ، وَدِينًا أَعَمَّ وَأَشْمَلَ، وَهُوَ الَّذِي يَجِيءُ بِهِ النَّبِيُّ الْأَخِيرُ (الْبَارَقْلِيطُ) الْأَعْظَمُ، وَلَوْلَا زِلْزَالُ الْإِنْجِيلِ فِي جُمْلَتِهِ لِتِلْكَ التَّقَالِيدِ، وَزَعْزَعَتُهُ لِذَلِكَ الْغُرُورِ، وَأُنْسُ النَّاسِ بِمَا حُفِظَ مِنْ تَعَالِيمِهِ عِدَّةَ قُرُونٍ، لَمَا انْتَشَرَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي سُورِيَّةَ وَمِصْرَ وَبَيْنَ النَّهْرَيْنِ بِتِلْكَ السُّرْعَةِ. (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ " وَلْيَحْكُمْ " بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَهُوَ حِكَايَةٌ حُذِفَ مِنْهَا لَفْظُ الْقَوْلِ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، أَيْ وَقُلْنَا: لِيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَهُ اللهُ فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ ; أَيْ أَمَرْنَاهُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي أَهْلِ التَّوْرَاةِ: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا) كَذَا وَكَذَا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ " وَلِيَحْكُمَ " بِكَسْرِ اللَّامِ ; أَيْ وَلِأَجْلِ أَنْ يَحْكُمَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وَهُدًى وَمَوْعِظَةً) مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ، وَعَطْفُ " وَلِيَحْكُمَ " عَلَيْهِ مَعَ إِظْهَارِ اللَّامِ لِاخْتِلَافِ الْفَاعِلِ. وَكَيْفَمَا قَرَأْتَ وَفَسَّرْتَ لَا تَجِدُ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَأْمُرُ النَّصَارَى فِي الْقُرْآنِ بِالْحُكْمِ بِالْإِنْجِيلِ، كَمَا يَزْعُمُ دُعَاةُ النَّصْرَانِيَّةِ بِمَا يُغَالِطُونَ بِهِ عَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى لَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلتَّعْجِيزِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ; فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْعَمَلَ بِالْإِنْجِيلِ، وَلَنْ يَسْتَطِيعُوهُ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْبَحْثِ تَتِمَّةٌ. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) أَيْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَارِجُونَ مِنْ حَظِيرَةِ الدِّينِ، الَّذِينَ لَا يُعَدُّونَ مِنْهُ فِي شَيْءٍ، أَوِ الْخَارِجُونَ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ، الْمُتَجَاوِزُونَ لِأَحْكَامِهِ وَآدَابِهِ.
следующие страницы →