← Тафсир

Тафсир · id 12304

تفسير المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (5 061 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

فَهَؤُلَاءِ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ أَحَدٌ. وَأَبُو بَكْرٍ هُوَ الَّذِي قَاتَلَ جَمَاهِيرَ الْمُرْتَدِّينَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. فَهُمُ الَّذِينَ تَصْدُقُ عَلَيْهِمْ صِفَاتُ الْآيَةِ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ. وَصَفَ اللهُ هَؤُلَاءِ الْكَمَلَةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِسِتِّ صِفَاتٍ: (الصِّفَةُ الْأُولَى) : أَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّهُمْ ; فَالْحُبُّ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي أُسْنِدَتْ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ نَبِيهِ ﷺ ; فَهُوَ تَعَالَى يُحِبُّ وَيُبْغِضُ كَمَا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ، وَلَا يُشْبِهُ حُبُّهُ حُبَّ الْبَشَرِ ; لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْبَشَرَ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (٤٢: ١١) وَكَذَلِكَ عِلْمُهُ لَا يُشْبِهُ عِلْمَ الْبَشَرِ، وَلَا قُدْرَتُهُ تُشْبِهُ قُدْرَتَهُمْ، وَلَا نَتَأَوَّلُ حُبَّهُ بِالْإِثَابَةِ وَحُسْنِ الْجَزَاءِ، كَمَا تَأَوَّلَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ فِرَارًا مِنَ التَّشْبِيهِ إِلَى التَّنْزِيهِ ; إِذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَتَنْزِيهِ الذَّاتِ، وَإِلَّا لَاحْتَجْنَا إِلَى تَأْوِيلِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَهُمْ لَا يَتَأَوَّلُونَهَا، وَلَا يُخْرِجُونَ مَعَانِيَهَا عَنْ ظَوَاهِرِ أَلْفَاظِهَا ; فَمَحَبَّتُهُ تَعَالَى لِمُسْتَحِقِّيهَا مِنْ عِبَادِهِ شَأْنٌ مِنْ شُئُونِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ، لَا نَبْحَثُ عَنْ كُنْهِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا، وَحُسْنُ الْجَزَاءِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَالْإِثَابَةِ قَدْ يَكُونُ مِنْ آثَارِهَا، قَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبَعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (٣: ٣١) فَجَعَلَ اتِّبَاعَ الرَّسُولِ ﷺ سَبَبًا لِمَحَبَّةِ اللهِ تَعَالَى لِلْمُتَّبِعِينَ وَلِلْمَغْفِرَةِ. فَكُلٌّ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ جَزَاءٌ مُسْتَقِلٌّ ; إِذِ الْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ. (الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ) : أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللهَ تَعَالَى، وَحُبُّ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ لِلَّهِ تَعَالَى ثَبَتَ فِي آيَاتٍ غَيْرِ هَذِهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) (٢: ١٦٥) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) (٩: ٢٤) . وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَرْفُوعِ فِي الصَّحِيحَيْنِ " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ " وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا " جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا رَأَيْتُ الْمُسْلِمِينَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحَهَمْ بِذَلِكَ ". وَقَدْ تَأَوَّلَ هَذَا الْحُبَّ بَعْضُ النَّاسِ أَيْضًا ; قَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الطَّاعَةِ ; إِذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُحِبَّ الْإِنْسَانُ إِلَّا مَا يُجَانِسُهُ، وَيَرُدُّ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ ٦ ٣٦٤)

стр. 2242

فَإِنَّهُ جَعَلَ الْجِهَادَ غَيْرَ الْحُبِّ، وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ الْمَذْكُورُ آنِفًا، فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْحُبِّ وَالْعَمَلِ، وَجَعَلَ عُدَّتَهُ لِلسَّاعَةِ الْحُبَّ دُونَ كَثْرَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ. نَعَمْ، إِنَّ الْحُبَّ يَسْتَلْزِمُ الطَّاعَةَ وَيَقْتَضِيهَا بِسُنَّةِ الْفِطْرَةِ، كَمَا قِيلَ: تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ حُبَّهُ هَذَا لَعَمْرُكَ فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ وَقَدْ أَطَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْمَحَبَّةِ مِنَ " الْإِحْيَاءِ " فِي بَيَانِ مَحَبَّةِ اللهِ لِعِبَادِهِ وَمَحَبَّةِ عِبَادِهِ لَهُ، وَالرَّدِّ عَلَى الْمُنْكِرِينَ الْمَحْرُومِينَ، فَجَاءَ بِمَا يَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ، وَتَسْكُنُ لَهُ النَّفْسُ، وَيَنْثَلِجُ بِهِ الصَّدْرُ. وَلِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ هُوَ أَدَقُّ تَحْرِيرًا، وَأَشَدُّ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ انْطِبَاقًا، وَلِسِيرَةِ سَلَفِ الْأُمَّةِ مُوَافَقَةً. وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا الْجُزْءَ مِنَ التَّفْسِيرِ قَدْ طَالَ جِدًّا لَحَرَّرْتُ هَذَا الْمَوْضُوعَ هُنَا، وَأَتَيْتُ بِخُلَاصَةِ أَقْوَالِ النُّفَاةِ الْمُعْتَرِضِينَ، وَصَفْوَةِ أَقْوَالِ الْمُثْبِتِينَ، وَلَكِنَّنَا نُرْجِئُ هَذَا إِلَى تَفْسِيرِ آيَةٍ أُخْرَى كَآيَةِ التَّوْبَةِ (٩: ٢٤) وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى حُبِّ اللهِ مِنْ قَبْلُ فِي تَفْسِيرٍ (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ) (٢: ١٦٥) فَحَسْبُكَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ الْآنَ (رَاجِعْ ص٥٥ وَمَا بَعْدَهَا ج٢ ط الْهَيْئَةِ) . (الصِّفَتَانِ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ) : الذِّلَّةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْعِزَّةُ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَالْمَرْوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِمَا أَنَّهُمَا بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (٤٨: ٢٩) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: " أَذِلَّةٍ " جَمْعُ ذَلِيلٍ، وَأَمَّا " ذَلُولٌ " فَجَمْعُهُ ذُلُلٌ كَكُتُبٍ) وَوَجْهُ قَوْلِهِ: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) دُونَ " أَذِلَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ " بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُضَمِّنَ الذُّلَّ مَعْنَى الْحُنُوِّ وَالْعَطْفِ ; كَأَنَّهُ قَالَ: عَاطِفِينَ عَلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ التَّذَلُّلِ وَالتَّوَاضُعِ، وَالثَّانِي أَنَّهُمْ مَعَ شَرَفِهِمْ وَعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ، وَفَضْلِهِمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ خَافِضُونَ لَهُمْ أَجْنِحَتَهُمْ. (الصِّفَةُ الْخَامِسَةُ) : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَهُوَ مِنْ أَخَصِّ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَأَصْلُ الْجِهَادِ احْتِمَالُ الْجَهْدِ وَالْمَشَقَّةِ، وَسَبِيلُ اللهِ طَرِيقُ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى مَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَعْظَمُ الْجِهَادِ بَذْلُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فِي قِتَالِ أَعْدَاءِ الْحَقِّ، وَهُوَ أَكْبَرُ آيَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) (٩: ٤٧) وَضِعَافُ الْإِيمَانِ قَدْ يُجَاهِدُونَ، وَلَكِنْ فِي سَبِيلِ مَنْفَعَتِهِمْ، دُونَ سَبِيلِ اللهِ، فَإِنْ رَأَوْا ظَفْرًا وَغَنِيمَةً ثَبَتُوا، وَإِنْ رَأَوْا شِدَّةً وَخَسَارَةً انْهَزَمُوا، وَهَلِ الْمُرَادُ بِهَذَا الْجِهَادِ هُنَا قِتَالُ الْمُرْتَدِّينَ، أَمْ هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي، وَلَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مُقَاتِلِي الْمُرْتَدِّينَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، أَوَّلًا وَبِالْأَوْلَى. (الصِّفَةُ السَّادِسَةُ) : كَوْنُهُمْ لَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَجُمْلَةُ هَذَا الْوَصْفِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا أَوْ مُبَيِّنَةٌ لِحَالِ الْمُجَاهِدِينَ، وَفِيهَا تَعْرِيضٌ بِالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَخَافُونَ لَوْمَ أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ

стр. 2243

الْيَهُودِ لَهُمْ إِذَا هُمْ قَاتَلُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْأَبْلَغُ أَنْ تَكُونَ لِلْوَصْفِ الْمُطْلَقِ ; أَيْ إِنَّهُمْ لِتَمَكُّنِهِمْ فِي الدِّينِ، وَرُسُوخِهِمْ فِي الْإِيمَانِ لَا يَخَافُونَ لَوْمَةً مَا مِنْ أَفْرَادِ اللَّوْمِ أَوْ أَنْوَاعِهِ مِنْ لَائِمٍ مَا كَائِنًا مَنْ كَانَ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ الْعَمَلَ رَغْبَةً فِي جَزَاءٍ أَوْ ثَنَاءٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَا خَوْفًا مِنْ مَكْرُوهٍ يُصِيبُهُمْ مِنْهُمْ ; فَيَخَافُونَ لَوْمَ هَذَا أَوْ ذَاكَ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُونَ الْعَمَلَ لِإِحْقَاقِ الْحَقِّ، وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ، وَتَقْرِيرِ الْمَعْرُوفِ، وَإِزَالَةِ الْمُنْكِرِ ; ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى بِتَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ وَتَرْقِيَتِهَا. (ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَ مِنَ الصِّفَاتِ السِّتِّ فَضْلُ اللهِ يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيَفْضُلُونَ غَيْرَهُمْ بِهِ، وَبِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مِرَارًا أَنَّ مَشِيئَتَهُ، سُبْحَانَهُ، لِمِثْلِ هَذَا الْفَضْلِ، تَجْرِي بِحَسَبِ سُنَّتِهِ الَّتِي أَقَامَ بِهَا أَمْرَ النِّظَامِ فِي خَلْقِهِ، فَمِنْهُمُ الْكَسْبُ وَالْعَمَلُ النَّفْسِيُّ وَالْبَدَنِيُّ، وَمِنْهُ سُبْحَانَهُ آلَاتُ الْكَسْبِ وَالْقُوَى الْبَدَنِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ، وَالتَّوْفِيقُ وَالْهِدَايَةُ الْخَاصَّةُ، وَاللُّطْفُ وَالْمَعُونَةُ (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَغْفَلَ عَنْ فَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ، وَمَا يَقْتَضِيهِ مِنْ شُكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَنْ تَجِبُ مُوَالَاتُهُمْ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ تَوَلِّي مَنْ تَجِبُ مُعَادَاتُهُمْ، فَقَالَ: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أَيْ لَيْسَ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ نَاصِرٌ يَنْصُرُكُمْ إِلَّا اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ، وَأَنْفُسُكُمْ بَعْضُكُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، فَهُوَ نَفْيٌ لِنَصْرِ مَنْ يُسَارِعُ مِنْ مَرْضَى الْقُلُوبِ فِي تَوَلِّي الْكُفَّارِ مِنْ دُونِ اللهِ، وَإِثْبَاتٌ لِنَصْرِ اللهِ وَوِلَايَتِهِ، وَلِنَصْرِ مَنْ يُقِيمُ دِينَهُ مِنَ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَلَمَّا كَانَ لَقَبُ " الَّذِينَ آمَنُوا " يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ أَسْلَمَ فِي الظَّاهِرِ وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْأَوْلِيَاءِ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) أَيْ دُونَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا آمِنًا بِأَفْوَاهِهِمْ، وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، وَالَّذِينَ يَأْتُونَ بِصُورَةِ الصَّلَاةِ دُونَ رُوحِهَا وَمَعْنَاهَا، فَإِذَا قَامُوا إِلَيْهَا قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ، وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا. فَالْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِحَقِّ الْوِلَايَةِ هُمُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ إِقَامَةً كَامِلَةً بِالْآدَابِ الظَّاهِرَةِ، وَالْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ، وَالَّذِينَ يُعْطُونَ الزَّكَاةَ مُسْتَحِقِّيهَا، وَهُمْ خَاضِعُونَ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى طَيِّبَةً نُفُوسُهُمْ بِأَمْرِهِ، لَا خَوْفًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، أَوْ يُعْطُونَهَا، وَهُمْ فِي ضَعْفٍ وَوَهْنٍ لَا يَأْمَنُونَ الْفَقْرَ وَالْحَاجَةَ، فَاسْتَعْمَلَ الرُّكُوعَ فِي الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ لَا الْحِسِّيِّ، وَهُوَ التَّطَامُنُ وَالْخُشُوعُ لِلَّهِ، أَوِ الضَّعْفُ وَانْحِطَاطُ الْقُوَى. قَالَ فِي حَقِيقَةِ الرُّكُوعِ مِنَ الْأَسَاسِ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَلَمْ يَعْبُدِ الْأَوْثَانَ رَاكِعًا، وَيَقُولُونَ: " رَكَعَ إِلَى اللهِ "؛ أَيِ اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ خَالِصًا، قَالَ النَّابِغَةُ: سَيَبْلُغُ عُذْرًا أَوْ نَجَاحًا مِنِ امْرِئٍ إِلَى رَبِّهِ رَبِّ الْبَرِيَّةِ رَاكِعُ

стр. 2244

فَهَذَا هُوَ الشَّاهِدُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ فِي مَجَازِ الرُّكُوعِ: وَرَكَعَ الرَّجُلُ: انْحَطَّتْ حَالُهُ وَافْتَقَرَ، قَالَ: لَا تُهِينُ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ تَرَكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِرُكُوعِ الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ الِانْحِنَاءُ فِيهَا، وَرَوَوْا مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ؛ إِذْ مَرَّ بِهِ سَائِرٌ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ، لَكِنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الْمُفْرِدِ " بِالَّذِينِ آمَنُوا " وَعَنْ إِعْطَاءِ الْخَاتَمِ " بِـ " يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ " مِمَّا لَا يَقَعُ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ يَقَعُ فِي الْمُعْجِزِ مِنْ كَلَامِ اللهِ عَلَى عَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ لِلسِّيَاقِ؟ أَمَّا إِفْرَادُ " وَلِيُّكُمْ " مَعَ إِسْنَادِ الْجَمْعِ إِلَيْهِ فَهُوَ لِبَيَانِ أَنَّ الْوَلِيَّ النَّاصِرَ بِالذَّاتِ هُوَ اللهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ: (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) (٢: ٢٥٧) وَأَنَّ وِلَايَةَ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ تَبَعٌ لِوِلَايَتِهِ، وَلَوْ قَالَ: " إِنَّ أَوْلِيَاءَكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا " لَمَا أَفَادَ هَذَا الْمَعْنَى ; لِأَنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَسْتَوِي الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ، وَالرَّبُّ وَالْمَالِكُ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ؟ (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) أَيْ إِذَا كَانَ اللهُ هُوَ وَلِيُّكُمْ وَنَاصِرُكُمْ، وَكَانَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَوْلِيَاءَ لَكُمْ بِالتَّبَعِ لِوَلَايَتِهِ فَهُمْ بِذَلِكَ حِزْبُ اللهِ تَعَالَى وَاللهُ نَاصِرٌ لَهُمْ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ تَعَالَى بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَيَتَوَلَّ الرَّسُولَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِنَصْرِهِمْ وَشَدِّ أَزْرِهِمْ، وَبِالِاسْتِنْصَارِ بِهِمْ دُونَ أَعْدَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الْغَالِبُونَ، فَلَا يُغْلَبُ مَنْ يَتَوَلَّاهُمْ ; لِأَنَّهُمْ حِزْبُ اللهِ تَعَالَى، فَفِيهِ وَضْعُ الْمُظْهَرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وَنُكْتَتُهُ بَيَانُ عِلَّةِ كَوْنِهِمْ هُمُ الْغَالِبِينَ. وَقَدِ اسْتَدَلَّتِ الشِّيعَةُ بِالْآيَةِ عَلَى ثُبُوتِ إِمَامَةِ عَلِيٍّ بِالنَّصِّ، بِنَاءً عَلَى مَا رُوِيَ مِنْ نُزُولِ الْآيَةِ فِيهِ، وَجَعَلُوا الْوَلِيَّ فِيهَا بِمَعْنَى الْمُتَصَرِّفَ فِي أُمُورِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَ كَوْنِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآيَةِ يُرَادُ بِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ. وَعَلِمْنَا مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ الْوِلَايَةَ هَاهُنَا وِلَايَةُ النَّصْرِ، لَا وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ وَالْحُكْمِ ; إِذْ لَا مُنَاسَبَةَ لَهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمُ الرَّازِيُّ، وَغَيْرُهُ بِوُجُوهٍ، وَهَذِهِ الْمُجَادَلَاتُ ضَارَّةٌ غَيْرُ نَافِعَةٍ، فَهِيَ الَّتِي فَرَّقَتِ الْأُمَّةَ وَأَضْعَفَتْهَا، فَلَا نَخُوضُ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ نَصٌّ عَلَى الْإِمَامَةِ لَمَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِيهَا ; أَوْ لَاحْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ.

стр. 2245

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنِ اتِّخَاذِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ; مُعَلِّلًا لَهُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، لَا يُوَالِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَا يُوَالِيهِمْ مِمَّنْ يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ إِلَّا مَرْضَى الْقُلُوبِ، وَالْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ الدَّوَائِرَ بِالْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أَعَادَ النَّهْيَ عَنِ اتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَ، وَاصِفًا إِيَّاهُمْ بِوَصْفٍ آخَرَ مِمَّا كَانُوا يُؤْذُونَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُقَاوِمُونَ دِينَهُمْ، وَعَطَفَ عَلَيْهِمُ الْكُفَّارَ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ، فَقَالَ:

стр. 2246

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ) قَرَأَ أَبُو عُمَرَ، وَالْكِسَائِيُّ: " الْكُفَّارِ " بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى " الَّذِينَ أُوتُوا الْكُتَّابَ "، وَالْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى " الَّذِينَ اتَّخَذُوا "، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قِرَاءَةَ الْجَرِّ تُفِيدُ أَنَّ الْكُفَّارَ؛ أَيِ الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَ الْمُسْلِمِينَ هُزُوًا وَلَعِبًا، لَا تُبَاحُ وِلَايَتَهُمْ، وَقِرَاءَةُ النَّصْبِ تُفِيدُ أَنَّ جَمِيعَ الْمُشْرِكِينَ يُتَّخَذُونَ أَوْلِيَاءَ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَإِنَّمَا يُنْهَى عَنْ مُوَالَاتِهِمْ ; لِوَصْفٍ فِيهِمْ يُنَافِي الْمُوَالَاةَ، كَاتِّخَاذِهِمْ دِينَ الْإِسْلَامِ هُزُوًا وَلَعِبًا ; أَيْ شَيْئًا يُمْزَحُ بِهِ وَيُسْخَرُ مِنْهُ، فَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ. وَلَكِنَّ قِرَاءَةَ النَّصْبِ فِيهَا زِيَادَةُ مَعْنًى، وَحِكْمَةُ قِرَاءَةِ الْجَرِّ أَنَّهُ كَانَ يُوجَدُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَهْزَأُ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَيَعْبَثُ بِهِ، فَقِرَاءَةُ الْجَرِّ نَصٌّ فِي النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ هَؤُلَاءِ لِوَصْفِهِمْ هَذَا، وَقِرَاءَةُ النَّصْبِ ; لِإِفَادَةِ النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ ; لِأَنَّ مُوَالَاةَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ، بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَهُمُ اللهُ عَلَيْهِمْ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وَدُخُولِ النَّاسِ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا، تَكُونُ قُوَّةً لَهُمْ، وَإِقْرَارًا عَلَى شِرْكِهِمُ الَّذِي جَاءَ الْإِسْلَامُ لِمَحْوِهِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ، فَسِيَاسَةُ الْإِسْلَامِ فِيهِمْ غَيْرُ سِيَاسَتِهِ مَعَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ; وَلِذَلِكَ أَجَازَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَهِيَ مِنْ آخَرَ مَا نَزَلْ مِنَ الْقُرْآنِ، أَكْلَ طَعَامِهِمْ، وَنِكَاحَ نِسَائِهِمْ، وَشَرَعَ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ قَبُولَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، وَإِقْرَارَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَنَهَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ عَنْ مُجَادَلَتِهِمْ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَفِي الْآيَةِ تَمْيِيزُهُمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي إِطْلَاقِ اللَّقَبِ ; إِذْ خَصَّهُمْ فِي الْمُقَابَلَةِ بِلَقَبِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَقَّبَ الْمُشْرِكِينَ بِالْكُفَّارِ، كَمَا يُعَبِّرُ عَنْهُمْ فِي آيَاتٍ أُخْرَى بِالْمُشْرِكِينَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ; لِأَنَّهُمْ لِوَثَنِيَّتِهِمْ عَرِيقُونَ فِي الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَأُصَلَاءُ فِيهِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَكَانَ قَدْ عَرَضَ الشِّرْكَ وَالْكُفْرَ لِلْكَثِيرِينَ مِنْهُمْ عَرُوضًا، وَلَيْسَ مِنْ أَصْلِ دِينِهِمْ، ثُمَّ لَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ ازْدَادَ الْمُعَانِدُونَ مِنْهُمْ كُفْرًا بِجُحُودِ نُبُوَّتِهِ، وَإِيذَائِهِ. (وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أَيْ وَاتَّقُوا اللهَ فِي أَمْرِ الْمُوَالَاةِ، فَلَا تَضَعُوهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، فَيَنْقَلِبُ الْغَرَضُ إِلَى ضِدِّهِ، فَتَكُونُ وَهْنًا لَكُمْ، لَا نَصْرًا، وَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ صَادِقِينَ فِي إِيمَانِكُمْ، تَحْفَظُونَ كَرَامَتَهُ، وَتَتَجَنَّبُونَ مَهَانَتَهُ. (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا) أَيْ وَإِذَا أَذَّنَ مُؤَذِّنُكُمْ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الصَّلَاةِ، جَعَلَهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهِيتُمْ عَنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَهْزَءُونَ وَيَلْعَبُونَ بِهَا، وَيَسْخَرُونَ مِنْ أَهْلِهَا (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) حَقِيقَةَ الدِّينِ وَمَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى مِنَ الثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ. وَلَوْ كَانُوا يَعْقِلُونَ ذَلِكَ لَخَشَعَتْ قُلُوبُهُمْ كُلَّمَا سُمِعُوا مُؤَذِّنَكُمْ يُكَبِّرُ اللهَ تَعَالَى وَيُوَحِّدُهُ بِصَوْتِهِ النَّدِيِّ، وَيَدْعُو إِلَى الصَّلَاةِ لَهُ وَالْفَلَّاحِ بِمُنَاجَاتِهِ وَذِكْرِهِ. وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى شَرْعِ الْأَذَانِ، فَهُوَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعًا، خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ حَدِيثُ الْأَذَانِ.

стр. 2247

رَوَيْنَا وَسَمِعْنَا مِنْ بَعْضِ النَّصَارَى الْمُعْتَدِلِينَ فِي بِلَادِنَا كَلِمَاتِ الثَّنَاءِ وَالِاسْتِحْسَانِ لِشَعِيرَةِ الْأَذَانِ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَتَفْضِيلَهَا عَلَى الْأَجْرَاسِ وَالنَّوَاقِيسِ الْمُسْتَعْمَلَةِ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ بُيُوتَاتِ نَصَارَى طَرَابُلُسَ مُصْطَافِينَ فِي بَلَدِنَا (الْقَلَمُونِ) فَكَانَ النِّسَاءُ يَجْتَمِعْنَ مَعَ الرِّجَالِ فِي النَّوَافِذِ عِنْدَ أَذَانِ الْمُؤَذِّنِ، وَلَا سِيَّمَا أَذَانُ الصُّبْحِ ; لِيَسْمَعُوا أَذَانَهُ، وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ نَدِيَّ الصَّوْتِ، حَسَنَهُ. وَاتَّفَقَ أَنْ غَابَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمًا، فَأَذَّنَ رَجُلٌ قَبِيحُ الصَّوْتِ، فَلَقِيَ وَالِدَيْ رَبَّ بَيْتٍ مِنْ تِلْكَ الْبُيُوتَاتِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ مُؤَذِّنَكُمُ الْيَوْمَ يَسْتَحِقُّ الْمُكَافَأَةَ عَلَيَّ؟ قَالَ الْوَالِدُ: بِمَاذَا؟ قَالَ بِأَنَّهُ أَرْجَعَ أَهْلَ بَيْتِنَا إِلَى دِينِهِمْ، بَعْدَ أَنْ صَارُوا مُسْلِمِينَ بِأَذَانِ الْمُؤَذِّنِ الْأَوَّلِ. وَأَنَا أَتَذَكَّرُ أَنَّ بَعْضَ صِبْيَانِهِمْ حَفِظَ الْأَذَانَ، وَصَارَ يُقَلِّدُهُ تَقْلِيدَ اسْتِحْسَانٍ، فَتَغْضَبُ وَالِدَتُهُ مِنْهُ، وَتَنْهَاهُ عَنِ الْأَذَانِ، وَأَمَّا وَالِدُهُ فَكَانَ يَضْحَكُ، وَيُسَرُّ لِأَذَانِ وَلَدِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى حُرِّيَّةٍ وَسِعَةِ صَدْرٍ، وَلَا يَدِينِ بِالنَّصْرَانِيَّةِ. فَالْأَذَانُ ذِكْرٌ مُؤَثِّرٌ، لَا تَخْفَى مَحَاسِنُهُ عَلَى مَنْ يَعْقِلُ الدِّينَ، وَيُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْعُقَلَاءِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصَارَى فِي الْمَدِينَةِ إِذَا سَمِعَ الْمُنَادِي يُنَادِي " أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللهِ " قَالَ: أُحْرِقَ الْكَاذِبُ (دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِالْحَرِيقِ) فَدَخَلَتْ خَادِمَتُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي بِنَارٍ وَهُوَ نَائِمٌ، وَأَهْلُهُ نِيَامٌ، فَسَقَطَتْ شَرَارَةٌ فَأَحْرَقَتِ الْبَيْتَ، فَاحْتَرَقَ هُوَ وَأَهْلُهُ، وَوُجُودُ النَّصَارَى فِي الْمَدِينَةِ كَانَ نَادِرًا، وَأَكْثَرُ هَذَا الِاسْتِهْزَاءِ كَانَ يَكُونُ مِنَ الْيَهُودِ، كَمَا يَعْلَمُ مِنْ رَدِّ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ التَّالِيَةِ: (قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) الِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّبْكِيتِ ; أَيْ قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ مُخَاطِبًا وَمُحْتَجًّا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ دُونَ الْمُشْرِكِينَ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا شَيْئًا ; أَيْ هَلْ عِنْدَنَا شَيْءٌ تُنْكِرُونَهُ وَتَعِيبُونَهُ عَلَيْنَا، وَتَكْرَهُونَنَا لِأَجْلِهِ لِمُضَادَّتِكُمْ إِيَّانَا فِيهِ، إِلَّا إِيمَانُنَا الصَّادِقُ بِاللهِ، وَتَوْحِيدُهُ وَتَنْزِيهُهُ، وَإِثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ، وَإِيمَانُنَا بِمَا أَنْزَلَهُ، وَبِمَا أَنْزَلَهُ مِنْ قَبْلُ عَلَى رُسُلِهِ؟ أَيْ مَا عِنْدَنَا سِوَى ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يُعَابُ وَلَا يُنْقَمُ، بَلْ يُمْدَحُ صَاحِبُهُ وَيُكْرَمُ، وَإِلَّا أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ; أَيْ خَارِجُونَ مِنْ حَظِيرَةِ هَذَا الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ الْكَامِلِ، وَلَيْسَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا الْعَصَبِيَّةُ الْجِنْسِيَّةُ، وَالتَّقَالِيدُ الْبَاطِلَةُ؟ فَلِذَلِكَ تَعِيبُونَ الْحُسْنَ مِنْ غَيْرِكُمْ، وَتَرْضَوْنَ الْقَبِيحَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ. يُقَالُ: نَقَمَ مِنْهُ كَذَا يَنْقِمُ (كَضَرَبَ يَضْرِبُ) إِذَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَعَابَهُ بِهِ، وَكَرِهَهُ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ مِنْ مَادَّةِ النِّقْمَةِ، وَهِيَ كَرَاهَةُ السُّخْطِ وَالْعِقَابِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا، وَيُقَالُ: نَقِمَ يَنْقَمُ (بِوَزْنِ عِلِمَ يَعْلَمُ) وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي الْقُرْآنِ الْأَوَّلُ. رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ، فِيهِمْ أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ، وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَعَارِيٌّ، وَزَيْدٌ، وَخَالِدٌ، وَإِزَارُ بْنُ أَبِي إِزَارٍ، وَوَاسِعٌ، فَسَأَلُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَقَالَ: " آمَنَّا بِاللهِ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ٦ ٣٧٠ "

стр. 2248

فَلَمَّا ذُكِرَ عِيسَى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَقَالُوا لَا نُؤْمِنُ بِمَنْ آمَنَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) . . . إِلَخْ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْآيَةَ تَتَنَاوَلُ هَؤُلَاءِ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ، وَتَعُمُّ كُلَّ نَاقِمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) مَا نَبَّهَنَا عَلَى مِثْلِهِ مِنْ دِقَّةِ الْقُرْآنِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ ; إِذْ يَحْكُمُ عَلَى الْكَثِيرِ أَوِ الْأَكْثَرِ، وَمَا عَمَّ إِلَّا وَاسْتَثْنَى، وَقَدْ كَانَ وَلَا يَزَالُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ أُنَاسٌ لَا يَزَالُونَ مُعْتَصِمِينَ بِأُصُولِ الدِّينِ وَجَوْهَرِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَحُبِّ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالْخَيْرِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يُسَارِعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ إِذَا عَرَفُوهُ بِقَدْرِ نَصِيبِ كُلٍّ مِنْ جَوْهَرِ الدِّينِ وَنُورِ الْبَصِيرَةِ. وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا كَانَ مِنْ طُرُوءِ التَّحْرِيفِ عَلَى دِينِهِمْ، وَنِسْيَانِ حَظٍّ وَنَصِيبٍ مِمَّا نَزَلَ إِلَيْهِمْ. (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ) الْمَثُوبَةُ كَالْمَقُولَةِ مِنْ ثَابَ الشَّيْءُ يَثُوبُ، وَثَابَ إِلَيْهِ، إِذَا رَجَعَ ; فَهِيَ الْجَزَاءُ وَالثَّوَابُ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْجَزَاءِ الْحَسَنِ أَكْثَرُ، وَقِيلَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجَزَاءِ السَّيِّئِ تَهَكُّمٌ، وَالْمَعْنَى هَلْ أُنَبِّئُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِنَا وَأَذَانِنَا بِمَا هُوَ شَرٌّ مِنْ عَمَلِكُمْ هَذَا ثَوَابًا وَجَزَاءً عِنْدَ اللهِ تَعَالَى؟ وَهَذَا السُّؤَالُ يَسْتَلْزِمُ سُؤَالًا مِنْهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَجَوَابُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) أَيْ إِنَّ الَّذِي هُوَ شَرٌّ مِنْ ذَلِكَ ثَوَابًا وَجَزَاءً عِنْدَ اللهِ، هُوَ عَمَلُ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ، أَوْ جَزَاءُ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ. . . إِلَخْ. فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) (٢: ١٨٩) وَقَوْلِهِ: (وَلَكِنَّ الْبَرَّ مِنْ آمَنَ بِاللهِ) (٢: ١٧٧) وَفِي هَذَا التَّعْبِيرِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ؟ هُمُ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ. . . إِلَخْ. كَمَا تَقُولُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْأُخْرَى: وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ مَنِ اتَّقَى. انْتَقَلَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ تَبْكِيتِ الْيَهُودِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى هُزُئِهِمْ وَلَعِبِهِمْ بِمَا تَقَدَّمَ، إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ تَبْكِيتًا وَتَشْنِيعًا عَلَيْهِمْ، بِمَا فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِسُوءِ حَالِهِمْ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ، وَمَا كَانَ مِنْ جَزَائِهِمْ عَلَى فِسْقِهِمْ، وَتَمَرُّدِهِمْ بِأَشَدِّ مَا جَازَى اللهُ تَعَالَى بِهِ الْفَاسِقِينَ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ اللَّعْنُ وَالْغَضَبُ، وَالْمَسْخُ الصُّورِيُّ أَوِ الْمَعْنَوِيُّ، وَعِبَادَةُ الطَّاغُوتِ، وَقَدْ عَظُمَ شَأْنُ هَذَا الْمَعْنَى بِتَقْدِيمِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَيْهِ، الْمُشَوِّقِ إِلَى الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الْمُنْبِأِ عَنْهُ. أَمَّا لَعْنُ اللهِ فَهُوَ مُبَيَّنٌ مَعَ سَبَبِهِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ مِنْ سُورَتَيِ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وَكَذَا هَذِهِ السُّورَةُ (الْمَائِدَةُ) فَسَيَأْتِي فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ، خَبَرُ لَعْنِهِمْ، وَمِنْهَا أَنَّهُمْ لُعِنُوا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵉. وَبَعْضُ ذَلِكَ اللَّعْنِ مُطْلَقٌ، وَبَعْضُهُ مُقَيَّدٌ بِأَعْمَالٍ لَهُمْ ; كَنَقْضِ الْمِيثَاقِ. وَالْفِرْيَةِ عَلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، وَتَرْكِ التَّنَاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ.

стр. 2249

وَمِنْهُ لَعْنُ أَصْحَابِ السَّبْتِ ; أَيِ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِيهِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مُجْمَلًا، وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ مُفَصَّلًا. وَالْغَضَبُ الْإِلَهِيُّ يَلْزَمُ اللَّعْنَةَ وَتَلْزَمُهُ، بَلِ اللَّعْنَةُ عِبَارَةٌ عَنْ مُنْتَهَى الْمُؤَاخَذَةِ لِمَنْ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ كُلٍّ مِنْهُمَا. وَأَمَّا جَعْلُهُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ فَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ. قَالَ تَعَالَى فِي الْأَوَّلِ: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (٢: ٦٥) وَقَالَ بَعْدَ بَيَانِ اعْتِدَائِهِمْ فِي السَّبْتِ مِنَ الثَّانِيَةِ: (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (٧: ١٦٦) وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ مُسِخُوا فَكَانُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ حَقِيقَةً، وَانْقَرَضُوا ; لِأَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَكُونُ لَهُ نَسْلٌ كَمَا وَرَدَ. وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ " أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي قَوْلِهِ: (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) قَالَ: مُسِخَتْ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَةً، وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ لَهُمْ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا " ; فَالْمُرَادُ عَلَى هَذَا أَنَّهُمْ صَارُوا كَالْقِرْدَةِ فِي نَزَوَاتِهَا، وَالْخَنَازِيرِ فِي اتِّبَاعِ شَهَوَاتِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْبَقَرَةِ تَرْجِيحُ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ. قَالَ: " مُسِخَتْ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَةً، وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لَهُمْ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا " وَلَا عِبْرَةَ بِرَدِّ ابْنِ جَرِيرٍ قَوْلَ مُجَاهِدٍ هَذَا، وَتَرْجِيحِهِ الْقَوْلَ الْآخَرَ فَذَلِكَ اجْتِهَادُهُ، وَكَثِيرًا مَا يَرِدُ بِهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورِ. وَلَيْسَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ بِالْبَعِيدِ مِنِ اسْتِعْمَالِ اللُّغَةِ ; فَمِنْ فَصِيحِ اللُّغَةِ أَنْ تَقُولَ: رَبَّى فَلَانٌ الْمَلِكُ قَوْمَهُ أَوْ جَيْشَهُ عَلَى الشَّجَاعَةِ وَالْغَزْوِ، فَجَعَلَ مِنْهُمُ الْأُسُودَ الضَّوَارِي، وَكَانَ لَهُ مِنْهُمُ الذِّئَابُ الْمُفْتَرِسَةُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) فَفِيهِ قِرَاءَتَانِ سَبْعِيَّتَانِ مُتَوَاتِرَتَانِ، وَعِدَّةُ قِرَاءَاتٍ شَاذَّةٍ، قَرَأَ الْجُمْهُورُ " عَبَدَ " بِالتَّحْرِيكِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَ " الطَّاغُوتَ " بِالنَّصْبِ مَفْعُولُهُ، وَالْجُمْلَةُ عَلَى هَذَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: (لَعَنَهُ اللهُ) أَيْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ؟ هُمْ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ. . . إِلَخْ، وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ (وَعَبُدَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالدَّالِ وَضَمِّ الْبَاءِ، وَهُوَ لُغَةٌ فِي (عَبْدٍ) بِوَزْنِ (بَحْرٍ) وَاحِدِ الْعَبِيدِ، وَقَرَأَ (الطَّاغُوتِ) بِالْجَرِّ بِالْإِضَافَةِ، وَهُوَ عَلَى هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى (الْقِرَدَةِ) أَيْ وَجَعَلَ مِنْهُمْ عَبِيدَ الطَّاغُوتِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ عَبْدًا يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ لَا الْوَاحِدُ، كَمَا تَقُولُ: كَاتِبُ السُّلْطَانِ يُشْتَرَطُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الطَّاغُوتَ اسْمٌ فِيهِ مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ مِنَ الطُّغْيَانِ الَّذِي هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ وَالْمَعْرُوفِ إِلَى الْبَاطِلِ وَالْمُنْكَرِ ; فَهُوَ يَشْمَلُ كُلَّ مَصَادِرِ طُغْيَانِهِمْ، وَخَصَّهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ. (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) أَيْ أُولَئِكَ الْمَوْصُوفُونَ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْمُخَازِي

стр. 2250

وَالشَّنَائِعِ شَرٌّ مَكَانًا ; إِذْ لَا مَكَانَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ، أَوِ الْمُرَادُ بِإِثْبَاتِ الشَّرِّ لِمَكَانِهِمْ إِثْبَاتُهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ، الَّذِي هُوَ كَإِثْبَاتِ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ، وَأَضَلُّ عَنْ قَصْدِ طَرِيقِ الْحَقِّ وَوَسَطِهِ الَّذِي لَا إِفْرَاطَ فِيهِ وَلَا تَفْرِيطَ، وَمَنْ كَانَ هَذَا شَأْنُهُ لَا يَحْمِلُهُ عَلَى الِاسْتِهْزَاءِ بِدِينِ الْمُسْلِمِينَ وَصَلَاتِهِمْ وَأَذَانِهِمْ وَاتِّخَاذِهَا هُزُؤًا وَلَعِبًا إِلَّا الْجَهْلُ وَعَمَى الْقَلْبِ. (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمِنًا) الْكَلَامُ فِي مُنَافِقِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْمَدِينَةِ وَجِوَارِهَا ; أَيْ ذَلِكَ شَأْنُهُمْ فِي حَالِ الْبُعْدِ عَنْكُمْ، وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا لِلرَّسُولِ وَلَكُمْ: إِنَّنَا آمَنَّا بِالرَّسُولِ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) أَيْ وَالْحَالُ الْوَاقِعَةُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَيْكُمْ مُتَلَبِّسِينَ بِالْكُفْرِ، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ قَدْ خَرَجُوا مُتَلَبِّسِينَ بِهِ ; فَحَالُهُمْ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ هِيَ حَالُهُمْ عِنْدَ دُخُولِهِمْ، لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بِالرَّسُولِ، وَمَا نَزَلْ مِنَ الْحَقِّ، وَلَكِنَّهُمْ يُخَادِعُونَكُمْ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ) (٢: ٧٦) الْآيَةَ (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ) عِنْدَ دُخُولِهِمْ مِنْ قَصْدِ تَسَقُّطِ الْأَخْبَارِ وَالتَّوَسُّلِ إِلَيْهِ بِالنِّفَاقِ وَالْخِدَاعِ، وَعِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الْكَيْدِ وَالْمَكْرِ وَالْكَذِبِ الَّذِي يَلْقَوْنَهُ إِلَى الْبُعَدَاءِ مِنْ قَوْمِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي تَفْسِيرِ (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ) وَنُكْتَةُ قَوْلِهِ: (وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) هِيَ تَأْكِيدُ كَوْنِ حَالِهِمْ فِي وَقْتِ الْخُرُوجِ كَحَالِهِمْ فِي وَقْتِ الدُّخُولِ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ هَذَا لِلتَّأْكِيدِ لِمَجِيئِهِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ; لِأَنَّ مَنْ كَانَ يُجَالِسُ الرَّسُولَ ﷺ وَأَصْحَابَهُ ﵃ يَسْمَعُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَيَرَى مِنَ الْفَضَائِلِ مَا يَكْبُرُ فِي صَدْرِهِ، وَيُؤَثِّرُ فِي قَلْبِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ سَيِّئَ الظَّنِّ رَجَعَ عَنْ سُوءِ ظَنِّهِ، وَأَمَّا سَيِّئُ الْقَصْدِ فَلَا عِلَاجَ لَهُ، وَقَدْ كَانَ يَجِيئُهُ الرَّجُلُ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَإِذَا رَآهُ وَسَمِعَ كَلَامَهُ آمَنَ بِهِ وَأَحَبَّهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ الَّذِي أَيَّدَتْهُ التَّجْرِبَةُ، وَإِنَّمَا شَذَّ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ ; لِأَنَّ سُوءَ نِيَّتِهِمْ وَفَسَادَ طَوِيَّتِهِمْ قَدْ صَرَفَا قُلُوبَهُمْ عَنِ التَّذَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، وَوَجَّهَا كُلَّ قُوَاهُمْ إِلَى الْكَيْدِ وَالْخِدَاعِ وَالتَّجَسُّسِ وَمَا يُرَادُ بِهِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ مَا يَعْقِلُونَ بِهِ تِلْكَ الْآيَاتِ، وَيَفْهَمُونَ مَغْزَى الْحِكَمِ وَالْآدَابِ. (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (٣٣: ٤) . (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) أَيْ وَتَرَى أَيُّهَا الرَّسُولُ أَوْ أَيُّهَا السَّامِعُ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ، الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَ الْحَقِّ هُزُؤًا وَلَعِبًا، يُسَارِعُونَ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنْ قَوْلِ الْإِثْمِ وَعَمَلِهِ، وَهُوَ كُلُّ مَا يَضُرُّ قَائِلَهُ وَفَاعِلَهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَفِي الْعُدْوَانِ وَهُوَ الظُّلْمُ وَتَجَاوَزُ الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ الَّذِي يَضُرُّ النَّاسَ، وَفِي أَكْلِ السُّحْتِ وَهُوَ الدَّنِيءُ مِنَ الْمُحَرَّمِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَلَمْ يَقُلْ: يُسَارِعُونَ إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُسَارِعَ إِلَى الشَّيْءِ يَكُونُ خَارِجًا عَنْهُ، فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ بِسُرْعَةٍ، وَهَؤُلَاءِ غَارِقُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَإِنَّمَا

стр. 2251

يُسَارِعُونَ فِي جُزْئِيَّاتِ وَقَائِعِهِمَا، كُلَّمَا قَدَرُوا عَلَى إِثْمٍ أَوْ عُدْوَانٍ ابْتَدَرُوهُ، وَلَمْ يَنُوا فِيهِ (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) تَقْبِيحٌ لِلْعَمَلِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَهُ فِي اسْتِغْرَاقِهِمْ فِي الْمَعَاصِي الْمُفْسِدَةِ لِأَخْلَاقِهِمْ، وَلِلْأُمَّةِ الَّتِي يَعِيشُونَ فِيهَا إِنْ لَمْ تَنْهَهُمْ وَتَزْجُرْهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَمْ يَكُنْ يَقُومُ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، لَا الْعُلَمَاءُ وَلَا الْعِبَادُ ; إِذْ كَانَ الْفَسَادُ قَدْ عَمَّ الْجَمِيعَ ; وَلِذَلِكَ قَالَ: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) أَيْ هَلَّا يَنْهَى هَؤُلَاءِ الْمُسَارِعِينَ فِيمَا ذَكَرَ أَئِمَّتُهُمْ فِي التَّرْبِيَةِ وَالسِّيَاسَةِ وَعُلَمَاءُ الشَّرْعِ وَالْفَتْوَى فِيهِمْ عَنْ قَوْلِ الْإِثْمِ كَالْكَذِبِ، وَأَكْلِ السُّحْتِ كَالرِّشْوَةِ! لَبِئْسَ مَا كَانَ يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ مِنَ الرِّضَا بِهَذِهِ الْأَوْزَارِ، وَتَرْكِ فَرِيضَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ أَشَدُّ تَوْبِيخًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ; أَيْ فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى الْعُلَمَاءِ إِذَا قَصَّرُوا فِي الْهِدَايَةِ وَالْإِرْشَادِ، وَتَرَكُوا النَّهْيَ عَنِ الْبَغْيِ وَالْفَسَادِ، وَإِذَا كَانَ حَبْرُ الْأُمَّةِ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ هَذَا، فَمَا قَوْلُ عُلَمَاءِ السُّوءِ الَّذِينَ أَضَاعُوا الدِّينَ وَأَفْسَدُوا الْأُمَّةَ بِتَرْكِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ؟ وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّنَا نَقْرَأُ تَوْبِيخَ الْقُرْآنِ لِعُلَمَاءِ الْيَهُودِ عَلَى ذَلِكَ، وَنَعْلَمُ أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ مَوْعِظَةً وَعِبْرَةً، ثُمَّ لَا نَعْتَبِرُ بِإِهْمَالِ عُلَمَائِنَا لِأَمْرِ دِينِنَا، وَعِنَايَةِ عُلَمَائِهِمْ فِي هَذَا الْعَصْرِ بِأَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا الْمَعْنَى إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَمِنْ مَبَاحِثِ الْبَلَاغَةِ فِي التَّعْبِيرِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ " يَعْمَلُونَ "، وَ " يَصْنَعُونَ " قَالَ الرَّاغِبُ: الصُّنْعُ: إِجَادَةُ الْفِعْلِ ; فَكُلُّ صُنْعٍ فِعْلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ فِعْلٍ صُنْعًا، وَلَا يُنْسَبُ إِلَى الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ كَمَا يُنْسَبُ الْفِعْلُ، انْتَهَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: الصُّنْعُ أَخَصُّ مِنَ الْعَمَلِ ; فَهُوَ مَا صَارَ مَلَكَةً مِنْهُ، وَالْعَمَلُ أَخَصُّ مِنَ الْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ بِقَصْدٍ، وَقَالَ فِي الْكَشَّافِ: كَأَنَّهُمْ جَعَلُوا " آثِمٌ " مِنْ مُرْتَكِبِي الْمَنَاكِيرِ ; لِأَنَّ كُلَّ عَامِلٍ لَا يُسَمَّى صَانِعًا، وَلَا كُلَّ عَمَلٍ يُسَمَّى صِنَاعَةً حَتَّى يَتَمَكَّنَ فِيهِ وَيَتَدَرَّبَ وَيَنْسُبَ إِلَيْهِ، وَكَانَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ مَوَاقِعَ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الشَّهْوَةِ الَّتِي تَدْعُوهُ إِلَيْهَا وَتَحْمِلُهُ عَلَى ارْتِكَابِهَا، وَأَمَّا الَّذِي يَنْهَاهُ فَلَا شَهْوَةَ مَعَهُ فِي فِعْلِ غَيْرِهِ، فَإِذَا فَرَّطَ فِي الْإِنْكَارِ كَانَ أَشَدَّ إِثْمًا مِنَ الْمُوَاقِعِ، انْتَهَى. وَالَّذِي أَفْهَمَهُ أَنَّ مَعَاصِيَ الْعَوَامِّ مِنْ قَبِيلِ مَا يَحْصُلُ بِالطَّبْعِ ; لِأَنَّهُ انْدِفَاعٌ مَعَ الشَّهْوَةِ بِلَا بَصِيرَةٍ، وَمَعْصِيَةُ الْعُلَمَاءِ بِتَرْكِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ قَبِيلِ الصِّنَاعَةِ الْمُتَكَلَّفَةِ ; لِفَائِدَةٍ لِلصَّانِعِ فِيهَا يَلْتَمِسُهَا مِمَّنْ يَصْنَعُ لَهُ، وَمَا تَرَكَ الْعُلَمَاءُ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا أَخَذَ اللهَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمِيثَاقِ، إِلَّا تَكَلُّفًا لِإِرْضَاءِ النَّاسِ، وَتَحَامِيًا لِتَنْفِيرِهِمْ مِنْهُمْ، فَهُوَ إِيثَارٌ لِرِضَاهُمْ عَلَى رِضْوَانِ اللهِ وَثَوَابِهِ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الصُّنْعِ، لَا مِنَ الصِّنَاعَةِ، وَهُوَ الْعَمَلُ الَّذِي يُقَدِّمُهُ الْمَرْءُ لِغَيْرِهِ يُرْضِيهِ بِهِ.

стр. 2252

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) . لَمَّا أَسْرَفَتْ يَهُودُ الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا فِي عَدَاوَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَا فَضَّلَهُمْ عَلَى مُشْرِكِي قَوْمِهِ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَمَا فِي أَيْدِيهِمْ، بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لَهُ مَخَازِيهِمُ الَّتِي يَشْهَدُ بِهَا تَارِيخُهُمْ وَكُتُبُ دِينِهِمْ، وَمَا كَانَ مِنْ تَأْثِيرِهَا فِي أَخْلَاقِ الْمُعَاصِرِينَ لَهُ وَأَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَلِكَ هُنَا قَوْلًا فَظِيعًا، قَالَهُ بَعْضُهُمْ، يَدُلُّ عَلَى الْجُرْأَةِ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِيهِمُ الَّذِي هُوَ أَثَرُ تَرْكِ التَّنَاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) هَذَا الْقَوْلُ الْفَظِيعُ مِنْ شَوَاهِدَ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ، الَّذِي أَثْبَتَهُ فِيمَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَدْ عُزِيَ إِلَيْهِمْ - وَهُوَ قَوْلٌ وَاحِدٌ أَوْ آحَادٌ مِنْهُمْ - لِأَنَّهُ أَثَرُ مَا فَشَا فِيهِمْ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى اللهِ وَتَرْكِ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، كَمَا قُلْنَا آنِفًا، وَالْمُقِرُّ لِلْمُنْكَرِ شَرِيكُ الْفَاعِلِ لَهُ، وَهَذَا هُوَ وَجْهُ وَصْلِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا. رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ

стр. 2253

مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ النَّبَّاشُ بْنُ قَيْسٍ: إِنْ رَبَّكَ بَخِيلٌ لَا يُنْفِقُ، فَأَنْزَلَ اللهُ: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ) الْآيَةَ، وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي فِنْحَاصَ رَأْسِ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِثْلَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَقَدْ يُجْهِدُنَا اللهُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى جَعَلَ يَدَهُ إِلَى نَحْرِهِ، أَوْ حَتَّى إِنَّ يَدَهُ إِلَى نَحْرِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ ضَيَّقَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ كَأَنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِهَذَا عَنْ إِنْفَاقٍ كَانَ يُطْلَبُ مِنْهُمْ، أَوْ فِي حَالِ جَدْبٍ أَصَابَهُمْ. قِيلَ: كَانُوا أَغْنَى النَّاسِ، فَضَاقَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ بَعْدَ مُقَاوَمَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَرُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِمْ وَمُرَادِهِمْ، قَالُوا: إِنَّ اللهَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، فَلَا يَبْسُطُهَا حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْنَا مُلْكَنَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى عِبَارَتِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ يَدَ اللهِ مُوَثَّقَةٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ بَخِيلٌ أَمْسَكَ مَا عِنْدَهُ. تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَجَعَلَ الْعِبَارَةَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ لَا مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ. وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْجَدَلِ الْآيَةَ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ ; لِأَنَّ يَهُودَ عَصْرِهِ يُنْكِرُونَ صُدُورَ هَذَا الْقَوْلِ عَنْهُمْ ; وَلِأَنَّهُ يُخَالِفُ عَقَائِدَهُمْ، وَمُقْتَضَى دِينِهِمْ، وَمِمَّا قَالُوهُ فِي حَلِّ الْإِشْكَالِ: إِنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُهُ لَهُ) (٢: ٢٤٥) قَالُوا: مَنِ احْتَاجَ إِلَى الْقَرْضِ كَانَ فَقِيرًا عَاجِزًا مَغْلُولَ الْيَدَيْنِ. بَلْ قَالُوا مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا فِي تَعْلِيلِ قَوْلِهِمْ، وَالْخَرْصِ فِي بَيَانِ مُرَادِهِمْ مِنْهُ. وَمَا هَذَا إِلَّا غَفْلَةٌ عَنْ جُرْأَةِ أَمْثَالِهِمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ الْبَعِيدِ عَنِ الْأَدَبِ بُعْدَ صَاحِبِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا الْعَصَبِيَّةُ الْجِنْسِيَّةُ وَالتَّقَالِيدُ الْقِشْرِيَّةُ، فَلَا إِشْكَالَ فِي صُدُورِهِ عَنْ بَعْضِ الْمُجَازِفِينَ مِنَ الْيَهُودِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ فَاسِقِينَ فَاسِدِينَ، وَطَالَمَا سَمِعْنَا مِمَّنْ يُعَدُّونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَصْرِنَا مِثْلَهُ فِي الشَّكْوَى مِنَ اللهِ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ عِنْدَ الضِّيقِ وَفِي إِبَّانِ الْمَصَائِبِ. وَعِبَارَةُ الْآيَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَقُولُهُ جَمِيعُ الْيَهُودِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، حَتَّى يَجْعَلَ إِنْكَارَ بَعْضِهِمْ لَهُ فِي بَعْضِ الْعُصُورِ وَجْهًا لِلْإِشْكَالِ فِي الْآيَةِ، وَإِنَّمَا عَزَاهُ إِلَى جِنْسِهِمْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، عَلَى أَنَّ النَّاسَ فِي كُلِّ زَمَانٍ يَعْزُونَ إِلَى الْأُمَّةِ مَا يَسْمَعُونَهُ مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِهَا إِذَا كَانَ مِثْلُهُ لَا يُنْكَرُ فِيهِمْ. وَالْقُرْآنُ يُسْنِدُ إِلَى الْمُتَأَخِّرِينَ مَا قَالَهُ وَفَعَلَهُ سَلَفُهُمْ مُنْذُ قُرُونٍ، بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ تَكَافُلِ الْأُمَّةِ وَكَوْنِهَا كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَمِثْلُ هَذَا الْأُسْلُوبِ مَأْلُوفٌ فِي كَلَامِ النَّاسِ أَيْضًا. وَالْيَدُ تُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى عِدَّةِ مَعَانٍ. يَقُولُ أَهْلُ الْبَيَانِ: إِنَّ بَعْضَهَا حَقِيقَةٌ، وَبَعْضَهَا مِنَ الْمَجَازِ أَوِ الْكِنَايَةِ، فَتُطْلَقُ عَلَى الْجَارِحَةِ وَعَلَى النِّعْمَةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْمُلْكِ وَالتَّصَرُّفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. رَأَى أَهْلُ التَّأْوِيلِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ يَجِبُ تَأْوِيلُهَا ; لِأَنَّ الْيَدَ بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ مِمَّا يَسْتَحِيلُ نِسْبَتُهُ إِلَى اللهِ

стр. 2254

تَعَالَى. وَيَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْوِيضِ: بَلْ نُثْبِتُ لَهُ الْيَدَ، وَنُنَزِّهُهُ عَنْ لَوَازِمَ هَذَا الْإِطْلَاقِ مِنْ مُشَابَهَةِ النَّاسِ. وَتَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِمَامِ مُفَسِّرِي السَّلَفِ وَالْخَلْفِ لِلْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ الْخَلْفِ وَالسَّلَفِ فِي التَّأْوِيلِ وَالتَّفْوِيضِ ; لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ غِلِّ الْيَدِ فِي الْبُخْلِ وَبَسْطَهَا فِي الْجُودِ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ مَأْلُوفٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ) (١٧: ٢٩) وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ يَفْهَمُ اللُّغَةَ: إِنَّ هَذَا مِنْ إِخْرَاجِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ، الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالتَّأْوِيلِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (غُلَّتَ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) فَهُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ، يُنَاسِبُ جُرْمَهُمْ هَذَا، وَجَزَاءٌ لَهُمْ بِالطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَعِنَايَتِهِ الْخَاصَّةِ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ جَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ ; لِأَنَّهُ مِمَّا تَسْتَشْرِفُ لَهُ النُّفُوسُ، وَتَتَسَاءَلُ عَنْهُ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَعْنَى " غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ": أَمْسَكَتْ أَيْدِيهِمْ وَانْقَبَضَتْ عَنِ الْعَطَاءِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ، وَهُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِالْبُخْلِ، وَمَا زَالُوا أَبْخَلَ الْأُمَمِ، فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَبْذُلُ شَيْئًا إِلَّا إِذَا كَانَ يَرَى أَنَّ لَهُ مِنْ وَرَائِهِ رِبْحًا، وَقَدْ حَسُنَتْ أَحْوَالُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَارْتَقَتْ مَعَارِفُهُمْ وَحَضَارَتُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ، وَتَرَبَّوْا فِي أُمَمٍ مِنَ الْإِفْرِنْجِ، صَارَ مِنْ تَقَالِيدِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ بَذْلُ الْمَالِ لِمَعَاهِدِ الْعِلْمِ وَالْمَلَاجِئِ وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ وَالْجَمْعِيَّاتِ الْخَيْرِيَّةِ، وَهُمْ عَلَى كَوْنِهِمْ أَغْنَى هَذِهِ الْأُمَمِ وَمُضْطَرُّونَ لِمُجَارَاتِهَا لَا يَبْذُلُونَ إِلَّا دُونَ مَا يَبْذُلُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْإِعَانَاتِ الْخَيْرِيَّةِ، بَلْ هُمْ عَلَى شِدَّةِ تَكَافُلِهِمْ وَاسْتِمْسَاكِهِمْ بِالْعَصَبِيَّةِ الْمِلِّيَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، قَلَّمَا يُسَاعِدُ أَغْنِيَاؤُهُمْ فُقَرَاءَهُمْ بِالصَّدَقَةِ الْخَالِصَةِ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى وَحُبًّا فِي الْخَيْرِ، بَلْ يَتَّجِرُونَ وَيُرَابُونَ بِالْإِعَانَاتِ ; فَيُعْطُونَ الْفُقَرَاءَ مَالًا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا بِهِ فِي تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، بِشَرْطِ أَنْ يَرُدُّوهُ فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، مَعَ رِبًا قَلِيلٍ فِي الْغَالِبِ. وَقِيلَ: إِنِ الْمُرَادَ بِغِلِّ الْأَيْدِي رَبْطُهَا إِلَى الْأَعْنَاقِ بِالْأَغْلَالِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي النَّارِ أَوْ فِيهِمَا. نُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْغِلِّ: يُغَلُّونَ فِي الدُّنْيَا أُسَارَى، وَفِي الْآخِرَةِ مُعَذَّبِينَ بِأَغْلَالِ جَهَنَّمَ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ اللَّعْنَةِ: عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا بِالْجِزْيَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ. حَكَاهُ عَنْهُ نِظَامُ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَأَوْرَدَ وَاقِعَةً بِهَذَا الْمَعْنَى حَدَثَتْ فِي زَمَنِهِ، قَالَ: وَمِمَّا وَقَعَ فِي عَصْرِنَا مِنْ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ مَا حُكِيَ أَنَّ مُتَغَلِّبًا مِنَ الْيَهُودِ مُسَمَّى بِسَعْدِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ مِنْ أَشْقَى النَّاسِ، كَانَ سَمِعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَاتَّفَقَ أَنْ وَصَلَ إِلَى بَغْدَادَ، فَنَزَلَ بِالْمَدْرَسَةِ الْمُسْتَنْصِرِيَّةِ، وَدَعَا بِمُصْحَفٍ كَانَ مَكْتُوبًا بِأَحْسَنِ خَطٍّ وَأَشْهَرِهِ مِنْ خُطُوطِ الْكُتَّابِ الْمَاضِينَ، وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ هَذَا الْعَصْرِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى كِتَابَةِ مِثْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ هَذِهِ الْآيَةُ؟ يَعْنِي قَوْلُهُ: " غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا " فَأَرَوْهُ إِيَّاهُ، فَمَحَاهَا. فَلَمْ يَمْضِ إِلَّا أُسْبُوعٌ إِلَّا وَقَدْ سَخِطَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ، وَبَعَثَ فِي طَلَبِهِ، وَأَمْرَ بَغْلِّ يَدَيْهِ فَغَلُّوهُ، وَحَمَلُوهُ إِلَيْهِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، اهـ.

стр. 2255

وَالْمُرَادُ أَنَّ السُّلْطَانَ غَضِبَ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ شَقَاوَتِهِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا، لَا بِسَبَبِ اعْتِدَائِهِ وَتَشْوِيهِهِ لِلْمُصْحَفِ ; لِأَنَّ السُّلْطَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، وَلِأَجْلِ هَذَا عَدَّ الْمُصَنِّفُ الْإِيقَاعَ بِهِ مِنْ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ. وَإِنَّمَا عَجِبْنَا نَحْنُ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ مِنْ تَسَاهُلِ الْمُسْلِمِينَ فِي عَهْدِ الْحُكُومَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ كَيْفَ وَصَلَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ ; رَجُلٌ مِنْ أَشْقِيَاءِ الْيَهُودِ أَهْلِ النُّفُوذِ، يَجِيءُ بَغْدَادَ، فَيَنْزِلُ فِي مَدْرَسَةٍ مِنْ أَشْهَرَ الْمَدَارِسِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَيَكُونُ لَهُ مِنْ حُرِّيَّةِ التَّصَرُّفِ فِيهَا وَالْعَبَثِ بِكُتُبِهَا مَا يُمَكِّنُهُ مَنْ تَشْوِيهِ مُصْحَفٍ أَثَرِيٍّ، كَانَ أَحْسَنَ الْمَصَاحِفِ الَّتِي حَفِظَهَا التَّارِيخُ فِي بَغْدَادَ؟ ! فَلْيَعْتَبِرْ بِهَذَا التَّسَامُحِ الْمُعْتَبِرُونَ. ثُمَّ رَدَّ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) أَيْ بَلْ هُوَ صَاحِبُ الْجُودِ الْكَامِلِ، وَالْعَطَاءِ الشَّامِلِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِبَسْطِ الْيَدَيْنِ ; لِأَنَّ الْجَوَّادَ السَّخِيَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَالِغَ فِي الْعَطَاءِ جَهْدَ اسْتِطَاعَتِهِ يُعْطِي بِكِلْتَا يَدَيْهِ، وَصَفُوهُ بِغَايَةِ الْبُخْلِ وَالْإِمْسَاكِ، فَأَبْطَلَ قَوْلَهُمْ، وَأَثْبَتَ لِنَفْسِهِ غَايَةَ الْجُودِ وَسِعَةَ الْعَطَاءِ. وَلَا غَرْوَ، فَكُلُّ مَا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الْعَالَمُ كُلُّهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالنَّعِيمِ هُوَ سِجِلٌّ مِنْ ذَلِكَ الْجُودِ وَالْكَرَمِ. وَالنُّكْتَةُ فِي قَوْلِهِ: " كَيْفَ يَشَاءُ " بَيَانُ أَنَّ تَقْتِيرَ الرَّزَّاقِ عَلَى بَعْضِ الْعِبَادِ، الْجَارِي عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ وَسُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي الِاجْتِمَاعِ لَا يُنَافِي سِعَةَ الْجُودِ وَسَرَيَانِهِ فِي كُلِّ الْوُجُودِ، فَإِنَّ لَهُ سُبْحَانَهُ الْإِرَادَةَ وَالْمَشِيئَةَ فِي تَفْضِيلِ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ، بِحَسَبَ السُّنَنِ الَّتِي أَقَامَ بِهَا نِظَامَ الْخَلْقِ. وَالْعَجَبُ مِنَ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ: كَيْفَ صَوَّرَ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ الْيَدِ هُنَا أَحْسَنَ تَصْوِيرٍ، ثُمَّ خَفِيَتْ عَنْهُ نُكْتَةُ تَثْنِيَتِهِ ; فَجَعَلَهَا حُجَّةَ الْمُفَوِّضَةِ عَلَى أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَنَحْنُ مَعَهُ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، نَنْعَى عَلَى الْمُؤَوِّلِينَ النُّفَاةَ، وَلَا يَمْنَعُنَا ذَلِكَ أَنْ نَفْهَمَ نُكْتَةَ تَثْنِيَةَ الْيَدِ مِنِ اسْتِعْمَالِ لَفْظِهَا الْمُفْرَدِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ تَفْسِيرِ غَلِّ الْيَدِ بِالْإِمْسَاكِ وَحَبْسِ الْعَطَاءِ عَنِ الِاتِّسَاعِ مَا نَصُّهُ: وَإِنَّمَا وَصَفَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - الْيَدَ بِذَلِكَ، وَالْمَعْنَى الْعَطَاءُ ; لِأَنَّ عَطَاءَ النَّاسِ وَبَذْلَ مَعْرُوفِهِمُ الْغَالِبُ بِأَيْدِيهِمْ، فَجَرَى اسْتِعْمَالُ النَّاسِ فِي وَصْفِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا إِذَا وَصَفُوهُ بِجُودٍ وَكَرَمٍ، أَوْ بِبُخْلٍ وَشُحٍّ وَضِيقٍ، بِإِضَافَةِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى يَدَيْهِ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى فِي مَدْحِ رَجُلٍ: يَدَاكَ يَدَا جُودٍ فَكَفٌّ مُقَيَّدَةٌ ... وَكَفٌّ إِذَا مَا ضُنَّ بِالزَّادِ تُنْفِقُ فَأَضَافَ مَا كَانَ صِفَةَ صَاحِبِ الْيَدِ مِنْ إِنْفَاقٍ وَإِفَادَةٍ إِلَى الْيَدِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي أَشْعَارِهَا وَأَمْثَالِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، فَخَاطَبَهُمُ اللهُ بِمَا يَتَعَارَفُونَهُ أَوْ يَتَحَاوَرُونَهُ بَيْنَهُمْ فِي كَلَامِهِمْ، انْتَهَى. ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْجَدَلِ أَنَّ يَدَ اللهِ نِعْمَتُهُ أَوْ قُدْرَتُهُ أَوْ مُلْكُهُ، وَقَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ يَدَ اللهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِجَارِحَةٍ كَجَوَارِحِ

стр. 2256

بَنِي آدَمَ، رَدَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَرَجَّحَ الثَّانِي بِتَثْنِيَةِ الْيَدِ وَعَدَمِ إِفْرَادِهَا، وَإِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ التَّثْنِيَةَ بِمَعْنَى الْجَمْعِ. نَعَمْ، إِنَّ التَّثْنِيَةَ بِمَعْنَى الْجَمْعِ (وَالْيَدَ وَالْيَدَيْنِ) لَمْ يَقْصِدْ بِلَفْظِهِمَا النِّعْمَةَ وَلَا الْقُوَّةَ وَلَا الْمِلْكَ؛ وَإِنَّمَا الِاسْتِعْمَالُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنَ الْكِنَايَةِ، وَنُكْتَةُ التَّثْنِيَةِ إِفَادَةُ سِعَةِ الْعَطَاءِ وَمُنْتَهَى الْجُودِ وَالْكَرَمِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْمَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَأْوِيلٌ وَلَا نَفْيٌ لِمَا أَثْبَتَهُ الْبَارِئُ لِنَفْسِهِ مِنْ صِفَةِ الْيَدِ وَالْيَدَيْنِ وَالْأَيْدِي فِي آيَاتٍ أُخْرَى، وَمَا سَبَبُ ذُهُولِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْ نُكْتَةِ التَّثْنِيَةِ إِلَّا تَوَجُّهُهُ إِلَى الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْجَدَلِ فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي كَانُوا قَدِ انْتَحَلُوهُ فِي تَأْوِيلِ الصِّفَاتِ، وَمَتَى وَجَّهَ الْإِنْسَانُ هَمَّهُ إِلَى شَيْءٍ يَكُونُ لَهُ مِنْهُ حِجَابٌ مَا عَنْ غَيْرِهِ، وَتَقْرِيرُ الْحَقِيقَةِ لِذَاتِهَا غَيْرُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ يُعَدُّونَ مِنْ خُصُومِهَا (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (٣٣: ٤) وَلِهَذَا غَلَطَ كَثِيرٌ مِنْ أَنْصَارِ مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي مَسَائِلَ خَالَفُوا فِيهَا الْمَذْهَبَ مِنْ حَيْثُ يُرِيدُونَ تَأْيِيدَهُ، وَهَذِهِ آفَةٌ مِنْ آفَاتِ عَصَبِيَّةِ الْمَذَاهِبِ، لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا. (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) الْخُطَّابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ; أَيْ إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْكَ مِنْ خَفِيِّ أُمُورِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الْمُعَاصِرِينَ لَكَ وَمِنْ أَحْوَالِ سَلَفِهِمْ وَشُئُونِ كُتُبِهِمْ وَحَقَائِقِ تَارِيخِهِمْ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْحُجَجِ وَالْآيَاتِ عَلَى نُبُوَّتِكَ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْذِبَهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِكَ ; لِأَنَّكَ لَوْلَا النُّبُوَّةُ وَالْوَحْيُ لَمَا عَلِمْتَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ; لَا مِنْ مَاضِيهِ ; لِأَنَّكَ أُمِّيٌّ لَمْ تَقْرَأِ الْكُتُبَ، وَمَا كُلُّ مَنْ قَرَأَهَا يَعْلَمُ كُلَّ مَا جِئْتَ بِهِ عَنْهُمْ، وَلَا مِنْ حَاضِرِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ خَفَايَا مَكْرِهِمْ وَأَسْرَارِ كَيْدِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ لِتَجَاوُزِهِمُ الْحُدُودَ فِي الْكُفْرِ وَالْحَسَدِ لِلْعَرَبِ، وَالْعَصَبِيَّةِ الْجِنْسِيَّةِ لِأَنْفُسِهِمْ، لَا يَجْذِبُهُمْ ذَلِكَ إِلَى الْإِيمَانِ، وَلَا يُقَرِّبُهُمْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَوَاللهِ لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ طُغْيَانًا فِي بُغْضِكَ وَعَدَاوَتِكَ، وَكُفْرًا بِمَا جِئْتَ بِهِ، قَالَ قَتَادَةُ: حَمَلَهُمْ حَسَدُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالْعَرَبِ عَلَى أَنْ كَفَرُوا بِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى أَنْ تَرَكُوا الْقُرْآنَ، وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ وَدِينِهِ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ. فَعُلِمَ مِمَّا شَرَحْنَاهُ أَنَّ زِيَادَةَ طُغْيَانِ الْكَثِيرِينَ مِنْهُمْ وَكُفْرِهِمْ جَاءَ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ وَضِدَّ مَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ ; فَلِهَذَا أَكَّدَهُ بِالْقَسَمِ الَّذِي تُفِيدُهُ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: (وَلِيَزِيدَنَّ) . (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: (بَيْنَهُمْ) يَرْجِعُ إِلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَعَزَاهُ غَيْرُهُ إِلَى الْحَسَنِ أَيْضًا، وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ، فَلَا نَعْرِفُ فِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ غَيْرَهُ، وَفِي تَفَاسِيرِ الْمُتَأَخِّرِينَ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ وَحْدَهُمْ. وَيُرَادُ بِالْمُلْقَى حِينَئِذٍ عَدَاوَةُ الْمَذَاهِبِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ ; لِأَنَّ هَذَا لَا يَنْقَطِعُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَلَكِنْ لَا يَظْهَرُ مَعَهُ فَائِدَةٌ لِتَخْصِيصِ

стр. 2257

الْيَهُودِيَّةِ، وَهُمُ الْآنَ مِنْ أَشَدِّ الْأُمَمِ تَعَاطُفًا وَتَعَاضُدًا وَائْتِلَافًا، وَأَمَّا الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّصَارَى فَلَمْ تَنْقَطِعْ، وَهِيَ عَلَى أَشُدِّهَا الْآنَ فِي بِلَادِ رُوسِيَّةَ، وَعَلَى أَقَلِّهَا فِي إِنْكِلْتِرَةَ وَفَرَنْسَةَ وَأَلْمَانِيَّةَ ; لِمَا فِي هَذِهِ الْمَمَالِكِ مِنَ الْقَوَانِينِ الْحُرَّةِ، وَالْحُكُومَاتِ الْمُنْتَظِمَةِ، وَلِمَا لِلْمَالِ وَأَهْلِهِ فِيهَا مِنَ النُّفُوذِ وَالتَّأْثِيرِ فِي السِّيَاسَةِ، وَسَائِرِ شُئُونِ الِاجْتِمَاعِ، وَالْيَهُودُ أَغْنَى أَهْلِهَا، وَالْمُدِيرُونَ لِأَرْحِيَةِ أَعْظَمِ الْأَعْمَالِ الْمَالِيَّةِ فِيهَا، وَهُمْ، عَلَى مَكَانَتِهِمْ هَذِهِ، مَبْغُوضُونَ مِنْ جَمَاهِيرِ النَّصَارَى، وَكَمْ أُلِّفَتْ كُتُبٌ فِي فَرَنْسَةَ وَغَيْرِهَا فِي التَّحْرِيضِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي أَلْمَانِيٌّ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُسْتَشْرِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يَعُدُّونَ الْيَهُودِيَّ فِي بِلَادِهِ مِنْهُمْ، بَلْ يَقُولُونَ: هَذَا يَهُودِيٌّ، وَهَذَا أَلْمَانِيٌّ. وَأَمَّا الْعَدَاوَةُ بَيْنَ النَّصَارَى فَهِيَ أَشَدُّ، وَإِنَّ دُوَلَهُمُ الْكُبْرَى تَسْتَعِدُّ دَائِمًا لِحَرْبٍ يَسْحَقُ بِهَا بَعْضُهَا بَعْضًا. (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ) الْحَرْبُ ضِدَّ السِّلْمِ، وَلَيْسَ مُرَادِفًا لِلْقِتَالِ، بَلْ أَعَمَّ، كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْمُحَارِبَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، فَهُوَ يَصْدُقُ بِالْإِخْلَالِ بِالْأَمْنِ، وَالنَّهْبِ وَالسَّلْبِ، وَلَوْ بِغَيْرِ قَتْلٍ، وَيَصْدُقُ بِتَهْيِيجِ الْفِتَنِ، وَالْإِغْرَاءِ بِالْقِتَالِ. خَصَّ مُجَاهِدٌ الْحَرْبَ هُنَا بِحَرْبِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَالْحَسَنُ: بِاجْتِمَاعِ السِّفْلَةِ مِنَ الْأَقْوَامِ عَلَى قَتْلِ الْعَرَبِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِ الْجُمْلَةِ: كُلَّمَا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَرَّقَهُ اللهُ وَأَطْفَأَ حَدَّهُمْ وَنَارَهُمْ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَفَسَّرَهُ الرَّبِيعُ بِمَا كَانَ مِنْ مَفَاسِدِهِمُ الْمَاضِيَةِ الَّتِي أَغْرَتْ بِهَا الْبَابِلِيِّينَ وَالرُّومَ قَبْلَ النَّصْرَانِيَّةِ وَبَعْدَهَا، ثُمَّ الْمُسْلِمِينَ، كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ إِيقَادَهُمْ لِنَارِ الْحَرْبِ هُوَ تَلَبُّسُهُمْ بِالْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يُرِيدُوهَا بِهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَخْذُلُهُمْ فِي كُلِّ مَا يَكِيدُونَ بِهِ لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، فَإِمَّا أَنْ يَخِيبُوا، وَلَا يَتِمَّ لَهُمْ مَا يَسْعَوْنَ إِلَيْهِ مِنَ الْإِغْرَاءِ وَالتَّحْرِيضِ، وَإِمَّا أَنْ يَنْصُرَ اللهُ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَلِكَ كَانَ، وَصَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ. وَجَعَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ ذَلِكَ عَامًّا، عَمَلًا بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، دُونَ السِّيَاقِ وَالْقَرِينَةِ وَالْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ، فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: كُلَّمَا أَرَادُوا مُحَارَبَةَ أَحَدٍ غُلِبُوا وَقُهِرُوا، وَلَمْ يَقُمْ لَهُمْ نَصْرٌ مِنَ اللهِ عَلَى أَحَدٍ قَطُّ - ثُمَّ قَالَ - وَقِيلَ كُلَّمَا حَارَبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ نُصِرَ عَلَيْهِمْ، انْتَهَى. وَمَا اخْتَرْنَاهُ أَظْهَرُ. وَمِنَ الْمَفْصَّلِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يُغْرُونَ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ سَعَى لِتَحْرِيضِ الرُّومِ عَلَى غَزْوِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَيُئْوِي أَعْدَاءَهُمْ وَيُسَاعِدُهُمْ ; كَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ. وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ مُقَاوَمَةِ الْيَهُودِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ كَانَ سَبَبُهُ الْحَسَدَ وَالْعَصَبِيَّةَ، وَتَوَقَّعَ الْأَحْبَارُ وَالرُّؤَسَاءُ إِزَالَةَ الْإِسْلَامِ لِمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الِامْتِيَازِ بَيْنَ الْعَرَبِ فِي الْحِجَازِ، مِنْ مَكَانَةِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ ; إِذْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَحْتَرِمُونَهُمْ لِكَوْنِهِمْ أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، وَإِنْ

стр. 2258

لَمْ يَدِينُوا بِدِينِهِمْ، فَكَانَتْ عَدَاوَتُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَدَاوَةً سِيَاسِيَّةً جِنْسِيَّةً، لَيْسَتْ مِنْ طَبِيعَةِ الدِّينِ وَلَا مِنْ رُوحِهِ ; وَلِذَلِكَ كَانَ ضَلَعُ الْيَهُودِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي الشَّامِ وَالْأَنْدَلُسِ لِمَا رَأَوْا عِنْدَ مُسْلِمِي الْعَرَبِ مِنَ الْعَدْلِ الْمُزِيلِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الرُّومُ وَالْقُوطُ مِنَ الْجَوْرِ عَلَيْهِمْ وَالظُّلْمِ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ عَدَاوَةُ النَّصَارَى لِلْمُسْلِمِينَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لِلْإِسْلَامِ سِيَاسِيَّةً ; وَلِذَلِكَ كَانَتْ عَلَى أَشُدِّهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّومِ (الرُّومَانِ) الْمُسْتَعْمِرِينَ لِلْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْحِجَازِ ; كَالشَّامِ وَمِصْرَ، وَكَانَ نَصَارَى الْبِلَادِ أَقْرَبَ إِلَى الْمَيْلِ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا وَثِقُوا بِعَدْلِهِمْ لِمَا كَانُوا يُقَاسُونَ مِنْ ظُلْمِ الرُّومِ عَلَى كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ، وَهَذَا شَأْنُ النَّاسِ فِي الْعَدَاوَةِ وَالْمَوَدَّةِ أَبَدًا؛ يَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ مَصَالِحَهُمْ وَمَنَافِعَهُمْ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مَا ذُكِرَ وَصْفًا ذَاتِيًّا لَهُمْ أَوْ لِدِينِهِمْ، وَلْيَنْتَظِرَ الْقَارِئُ شَهَادَةَ اللهِ تَعَالَى لِلنَّصَارَى بِكَوْنِهِمْ أَقْرَبَ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ آيَاتٍ قَلِيلَةٍ، فَتَحَتَّمَ أَنَّ الْعَدَاوَةَ مِنَ السِّيَاسَةِ لَا مِنَ الدِّينِ. (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) أَيْ إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِيمَا يَأْتُونَهُ، أَوْ عَلَى مَا يَأْتُونَهُ مِنْ عَدَاوَةِ النَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِيقَادِ نِيرَانِ الْحَرْبِ وَالْفِتَنِ وَالْقِتَالِ، مُصْلِحِينَ لِلْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ، أَوْ لِشُئُونِ الِاجْتِمَاعِ وَالْعُمْرَانِ، بَلْ كَانُوا يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ سَعْيَ فَسَادٍ، أَوْ لِأَجْلِ الْفَسَادِ، بِمُحَاوَلَةِ مَنْعِ اجْتِمَاعِ كَلِمَةِ الْعَرَبِ، وَخُرُوجِهِمْ مِنَ الْأُمِّيَّةِ إِلَى الْعِلْمِ، وَمِنَ الْوَثَنِيَّةِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبِالْكَيْدِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَتَشْكِيكِهِمْ فِي الدِّينِ ; حَسَدًا لَهُمْ، وَحُبًّا فِي دَوَامِ امْتِيَازِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا يَصْلُحُ عَمَلُهُمْ، وَلَا يَنْجَحُ سَعْيُهُمْ ; لِأَنَّهُمْ مُضَادُّونَ لِحِكْمَتِهِ فِي صَلَاحِ النَّاسِ وَعُمْرَانِ الْبِلَادِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ اللهَ أَبْطَلَ كُلَّ مَا كَادَهُ أُولَئِكَ الْأَقْوَامُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِلْعَرَبِ وَالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ الْعَرَبَ لَمَّا اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهَا، وَصَلُحَتْ حَالُهَا بِالْإِسْلَامِ أَصْلَحُوا بَيْنَ النَّاسِ، وَعَمَّرُوا الْأَرْضَ فِي كُلِّ بِلَادٍ كَانَ لَهُمْ فِيهَا سُلْطَانٌ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَكَانُوا مُفْسِدِينَ بِالظُّلْمِ، وَمُخَرِّبِينَ لِلْبِلَادِ. فَالْإِسْلَامُ يَأْمُرُ بِالصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَهُوَ مَا يُحِبُّهُ اللهُ تَعَالَى، فَلَمَّا قَامَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ حَقَّ الْقِيَامِ، أَيَّدَهُمْ وَنَصَرَهُمْ عَلَى جَمِيعِ مَنْ نَاوَأَهُمْ مِنَ الْأَقْوَامِ، وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ مَا أُنْزِلَتْ إِلَّا لِهِدَايَةِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ؛ وَإِنَّمَا كَانَ أَهْلُهَا مُفْسِدِينَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ ; لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا هِدَايَتَهُمَا، كَمَا هُوَ شَأْنُ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْعَصْرِ، تَرَكُوا هِدَايَةَ الْقُرْآنِ، وَأَعْرَضُوا عَمَّا أَرْشَدَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ، فَزَالَ مُلْكُهُمْ، وَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ، وَقِسْ جَزَاءَ الْآخِرَةِ عَلَى جَزَاءِ الدُّنْيَا، فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُرَتَّبٌ بِحَسَبَ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى صَلَاحِ النُّفُوسِ، وَالْإِصْلَاحِ فِي الْأَعْمَالِ، وَبِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ، قَالَ: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) أَيْ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِخَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَاتَّقَوُا بِاتِّبَاعِهِ تِلْكَ الْمَفَاسِدَ الَّتِي جَرَوْا عَلَيْهَا،

стр. 2259

لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ ; لِأَنَّ هَذَا الْإِيمَانَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَالتَّقْوَى الَّتِي تَتْبَعُهُ تُزَكِّي النَّفْسَ وَتُطَهِّرُهَا مِنْ تَأْثِيرِ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ فَيُمْحَى أَثَرُهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهَا، فَيَسْتَحِقُّونَ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، الَّتِي لَا بُؤْسَ فِيهَا. (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) إِقَامَةَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ: الْعَمَلُ بِهِمَا عَلَى أَقْوَمِ الْوُجُوهِ وَأَحْسَنِهَا؛ سَوَاءٌ فِيهِ عَمَلُ النَّفْسِ - وَهُوَ الْإِيمَانُ وَالْإِذْعَانُ - وَعَمَلُ الْقُوَى وَالْجَوَارِحِ ; أَيْ لَوْ أَقَامُوا مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الْمُنَزَّلَيْنِ مِنْ قَبْلُ بِنُورِ التَّوْحِيدِ وَالْفَضَائِلِ، الْمُبَشِّرَيْنِ بِالنَّبِيِّ الَّذِي يَأْتِي مِنْ أَبْنَاءِ أَخِيهِمْ إِسْمَاعِيلَ ; كَمَا قَالَ مُوسَى: وَالْبَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي يُعَلِّمُهُمْ كُلَّ شَيْءٍ ; كَمَا قَالَ عِيسَى ﵈ . وَأَقَامُوا، بَعْدَ ذَلِكَ، مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ عَلَى لِسَانِ هَذَا النَّبِيِّ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ كُتُبُهُمْ، وَهُوَ الْفُرْقَانُ الَّذِي أَكْمَلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ، لَوْ أَقَامُوا جَمِيعَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ رُسُلِ اللهِ وَكُتُبِهِ، لَوَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالتَّبَعِ لِذَلِكَ مَا يُهِمُّهُمْ مِنْ مَوَارِدِ الرِّزْقِ ; فَأَكَلُوا مِنَ الثَّمَرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ الَّتِي تَنْتِجُ مِنْ أَمْطَارِ السَّمَاءِ وَنَبَاتِ الْأَرْضِ، وَتَمَتَّعُوا بِمَا وَعَدَ اللهُ بِهِ هَذَا النَّبِيَّ وَأُمَّتَهُ مِنْ سِعَةِ الْمُلْكِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ سَائِرَ مَا أَوْحَاهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَآدَابِهِ وَالْبِشَارَةِ بِالنَّبِيِّ الْأَخِيرِ ﷺ ; كَزَبُورِ دَاوُدَ، وَحِكَمِ سُلَيْمَانَ، وَكُتُبِ دَانْيَالَ وَأَشْعَيَا وَغَيْرِهِمَا ﵈، وَفِي مُجَلَّدَاتِ الْمَنَارِ بَيَانٌ لِكَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْبِشَارَاتِ، وَإِقَامَةُ هَذِهِ الْكُتُبِ مِنْ أَسْبَابِ الصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ، فَلَوْ أَقَامَهَا قَبْلَ الْبِعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ أَهْلُ الْكِتَابِ لَمَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ مَا عَزَاهُ الْمُؤَرِّخُونَ إِلَيْهِمْ مِنَ الطُّغْيَانِ وَالْفَسَادِ، وَلَمَا عَانَدُوا النَّبِيَّ - الْمُبَشِّرَةُ بِهِ - ذَلِكَ الْعِنَادَ ; ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُقِيمُوهَا، وَلَا تَدَبَّرُوهَا؛ وَإِنَّمَا كَانَ الدِّينُ عِنْدَهُمْ أَمَانِيَّ يَتَمَنَّوْنَهَا، وَبِدَعًا وَتَقَالِيدَ يَتَوَارَثُونَهَا ; فَهُمْ بَيْنَ غُلُوٍّ وَتَقْصِيرٍ، وَإِفْرَاطٍ وَتَفْرِيطٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّ دَهْمَاءَهُمْ وَسَوَادَهُمُ الْأَعْظَمَ كَانَ كَذَلِكَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَوَارِيخِهِمْ وَتَوَارِيخِ غَيْرِهِمْ، وَمِنْ دِقَّةِ الْقُرْآنِ وَعَدْلِهِ تَمْحِيصُ الْحَقِيقَةِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) أَيْ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مُعْتَدِلَةٌ فِي أَمْرِ الدِّينِ. لَا تَغْلُو بِالْإِفْرَاطِ، وَلَا تُهْمِلُ بِالتَّقْصِيرِ. قِيلَ: هُمُ الْعُدُولُ فِي دِينِهِمْ. وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْهُمْ، وَالْمُعْتَدِلُونَ لَا تَخْلُو مِنْهُمْ أُمَّةٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَكْثُرُونَ فِي طَوْرِ صَلَاحِ الْأُمَّةِ وَارْتِقَائِهَا، وَيَقِلُّونَ فِي طَوْرِ فَسَادِهَا وَانْحِطَاطِهَا - وَهَلْ تَهْلَكُ الْأُمَمُ إِلَّا بِكَثْرَةِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ مِنَ الْأَشْرَارِ، وَقِلَّةِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ مَنَّ الْأَخْيَارِ - وَهَؤُلَاءِ الْمُعْتَدِلُونَ فِي الْأُمَمِ هُمُ الَّذِينَ يَسْبِقُونَ إِلَى كُلِّ صَلَاحٍ وَإِصْلَاحٍ يَقُومُ بِهِ الْمُجَدِّدُونَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي عُصُورِهِمْ، وَمِنَ الْحُكَمَاءِ فِي عُصُورِهِمْ، وَلَمَّا جَاءَ الْإِصْلَاحُ الْإِسْلَامِيُّ عَلَى لِسَانِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ ﷺ قَبِلَهُ الْمُقْتَصِدُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ غَيْرِهِمْ، فَكَانُوا مَعَ إِخْوَانِهِمُ الْعَرَبِ مِنَ الْمُجَدِّدِينَ

стр. 2260

لِلتَّوْحِيدِ وَالْفَضَائِلِ وَالْآدَابِ، وَالْمُحْيِينَ لِلْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالْعُمْرَانِ؛ فَهَلْ يَعْتَبِرُ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ الْآنِ وَيَعُودُونَ إِلَى إِقَامَةِ الْقُرْآنِ، وَأَخْذِ الْحِكْمَةِ مِنْ حَيْثُ يَجِدُونَهَا، وَعُدَدِ الْإِصْلَاحِ وَالسِّيَادَةِ مِنْ حَيْثُ يَرَوْنَهَا، أَمْ يَفْتَئُونَ يَسْلُكُونَ سُنَنَ مَنْ قَبْلَهُمْ مَنْ طَوْرِ الْفَسَادِ وَالْإِفْسَادِ، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَمِنْهُ الْغُرُورُ بِدِينِهِمْ مَعَ عَدَمِ إِقَامَةِ كِتَابِهِ، وَالتَّبَجُّحِ بِفَضَائِلِ نَبِيِّهِمْ عَلَى تَرْكِهِمْ لِسُنَنِهِ وَآدَابِهِ؟ ! رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يُوشِكُ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ " قُلْتُ: كَيْفَ، وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ، وَعَلَّمْنَاهُ أَبْنَاءَنَا؟ فَقَالَ: " ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ نُفَيْرٍ، إِنْ كُنْتُ لَأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوَلَيْسَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ بِأَيْدِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ حِينَ تَرَكُوا أَمْرَ اللهِ؟ " ثُمَّ قَرَأَ: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا فَقَالَ: " وَذَلِكَ عِنْدَ ذَهَابِ الْعِلْمِ "، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا، وَيُقْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ أُمِّ لَبِيدٍ! إِنْ كُنْتُ لَأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ، أَوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ مِمَّا فِيهِمَا بِشَيْءٍ " انْتَهَى مِنَ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ. وَالشَّاهِدُ فِيهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْعَمَلِ بِمَا فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالِاهْتِدَاءِ بِهِدَايَتِهَا، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ أَبْعَدَ مَا كَانُوا عَنْ هِدَايَةِ دِينِهِمْ، مَعَ شِدَّةِ عَصَبِيَّتِهِمُ الْجِنْسِيَّةِ لَهُ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، عَلَى أَنَّ عَصَبِيَّتَهُمُ الْجِنْسِيَّةَ لَهُ قَدْ ضَعُفَتْ أَيْضًا، وَاسْتَبْدَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِهَا جِنْسِيَّةَ اللُّغَةِ أَوِ الْوَطَنِ. وَلَا يَمْنَعُنَا مِنَ الِاعْتِبَارِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا عُلِّلَ بِهِ مِنَ الضَّعْفِ وَانْقِطَاعِ السَّنَدِ، وَالْقَلْبِ وَالِاخْتِلَافِ ; لِأَنَّنَا لَا نُرِيدُ أَنْ نُثْبِتَ بِهِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا شَرْعِيًّا، لَا دَلِيلَ عَلَيْهِمَا سِوَاهُ، وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى سَلَامَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنَ التَّحْرِيفِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ; لِأَنَّهُمَا عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ، يَشْتَمِلَانِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْهِدَايَةِ إِلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلَكِنَّ أَهْلَهُمَا لَا يُقِيمُونَ ذَلِكَ، فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا قَائِمَةٌ، عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَثْبُتُ بِهِ الْعِبْرَةُ، وَلَكِنْ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَقَدْ أَشَارَ الْحَافِظُ فِي تَرْجَمَةِ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ مِنَ الْإِصَابَةِ إِلَى مُخْرِجِيهِ، وَعَلَّلَهُ عِنْدَهُمْ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ قُصُورُ مَا اكْتَفَى بِهِ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ. (تَنْبِيهٌ) : إِنَّ الشَّهَادَةَ لِبَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْقَصْدِ وَالِاعْتِدَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَهُ نَظَائِرُ فِي آيَاتٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (٧: ١٥٩) وَقَوْلِهِ:

стр. 2261

(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) (٣: ٧٥) الْآيَةَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ وَحْيٌ مِنَ اللهِ لَمَا وُجِدَتْ فِيهِ مِثْلُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَهْمَا كَانَ عَادِلًا فَاضِلًا، لَا يَرَى الْفَضِيلَةَ الْمُسْتَتِرَةَ فِي خُصُومِهِ الَّذِينَ يُنَاوِءُونَهُ وَيُحَارِبُونَهُ ; فَيَشْهَدُ لَهُمْ بِهَا، بَلْ أَكْثَرُ النَّاسِ يَعْمَى عَنْ مَحَاسِنَ عَدُوِّهِ الظَّاهِرَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَإِنْ رَأَى شَيْئًا مِنْهَا يَظُنُّ أَنَّهُ نِفَاقٌ وَخِدَاعٌ، قَالَ شَاعِرُنَا الْحَكِيمُ: وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلَيْلَةٍ ... كَمَا أَنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمُسَاوَيَا وَمِنْ شَوَاهِدَ الْعِبْرَةِ عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ كَلِمَةٌ قَالَتْهَا امْرَأَةٌ كَبِيرَةُ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالسِّنِّ، مِنْ فُضْلَيَاتِ النِّسَاءِ فِي سِوِيسْرَةَ، لِشَيْخِنَا الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ، قَالَتْ لَهُ: " إِنَّنِي لَمْ أَكُنْ قَبْلَ مَعْرِفَتِكَ أَظُنُّ أَنَّ الْقَدَاسَةَ تُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمَسِيحِيِّينَ "، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الْوَاسِعَةُ الْعِلْمِ بِأَخْلَاقِ الْبَشَرِ، الَّتِي لَهَا عِدَّةُ مُؤَلَّفَاتٍ فِي عُلُومِ التَّرْبِيَةِ، تَظُنُّ مِثْلَ هَذَا الظَّنِّ فِي هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي عَرَفَ الْبَشَرُ فِيهِ مِنْ أَحْوَالِ الْبُعْدَاءِ عَنْهُمْ وَتَارِيخِهِمْ مَا لَمْ يَعْرِفْ مِثْلَهُ سَلَفُهُمْ فِي عَصْرٍ مَا، فَهَلْ يُظَنُّ أَنَّ رَجُلًا أُمِّيًّا فِي الْحِجَازِ يَهْتَدِي بِغَيْرِ وَحْيٍ مِنَ اللهِ إِلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ فِي أُولَئِكَ الْقَوْمِ مُنْذُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَرْنًا؟ (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)

стр. 2262

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) تَقَدَّمَ أَنَّ نِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِلَقَبِ الرَّسُولِ لَمْ يَرِدْ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَهَذَا ثَانِيهُمَا، وَكِلَاهُمَا جَاءَ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ فِي دَعْوَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمُحَاجَّتِهِمْ فِي الدِّينِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ مُفَسِّرُو السَّلَفِ فِي وَقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ الْحُسْنِ، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَابْنِ جَرِيرٍ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجَاهِدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ وَبَدْءِ الْعَهْدِ بِالتَّبْلِيغِ الْعَامِّ، وَكَأَنَّهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وُضِعَتْ فِي آخِرِ سُورَةٍ مَدَنِيَّةٍ لِلتَّذْكِيرِ بِأَوَّلِ الْعَهْدِ بِالدَّعْوَةِ فِي آخِرِ الْعَهْدِ بِهَا، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَرَوَتِ الشِّيعَةُ عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ النَّصُّ عَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ بَعْدَهُ، وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخَافُ أَنْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَشَجَّعَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اللهَ أَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِوِلَايَةِ عَلِيٍّ فَتَخَوَّفَ أَنْ يَقُولُوا: حَابَى ابْنَ عَمِّهِ، وَأَنْ يَطْعَنُوا فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ عَلَيْهِ فِي غَدِيرِ خُمٍّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ وَقَالَ: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فِعْلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ "، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ وَأَقْوَالٌ فِي التَّفْسِيرِ مُخْتَلِفَةٌ، وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُوَالَاةِ عَلِيٍّ شَاعَ وَطَارَ فِي الْبِلَادِ، فَبَلَغَ الْحَارِثَ بْنَ النُّعْمَانِ الْفِهْرِيَّ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ، وَكَانَ بِالْأَبْطَحِ، فَنَزَلَ وَعَقَلَ نَاقَتَهُ وَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي مَلَأٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا مُحَمَّدُ، أَمَرْتَنَا عَنِ اللهِ أَنْ نَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَقَبِلْنَا مِنْكَ، ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَقَالَ: ثُمَّ لَمْ تَرْضَ بِهَذَا حَتَّى مَدَدْتَ بِضَبْعَيِ ابْنِ عَمِّكَ وَفَضَّلْتُهُ عَلَيْنَا وَقُلْتَ: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فِعْلِيٌّ مَوْلَاهُ " فَهَذَا مِنْكَ أَمْ مِنَ اللهِ؟ فَقَالَ ﷺ : " وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، هُوَ أَمْرُ اللهِ "، فَوَلَّى الْحَارِثُ يُرِيدُ رَاحِلَتَهُ وَهُوَ يَقُولُ: (اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطَرَ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (٨: ٣٢) فَمَا وَصَلَ إِلَيْهَا حَتَّى رَمَاهُ اللهُ بِحَجَرٍ فَسَقَطَ عَلَى هَامَتِهِ وَخَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرينَ) (٧٠: ١، ٢) . . . إِلَخْ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مَوْضُوعَةٌ، وَسُورَةُ الْمَعَارِجِ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وَمَا حَكَاهُ اللهُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ كَفَّارِ قُرَيْشٍ (اللهُمَّ إِنَّ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ) كَانَ تَذْكِيرًا بِقَوْلٍ قَالُوهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَهَذَا التَّذْكِيرُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ، وَقَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ بِبِضْعِ سِنِينَ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ النُّعْمَانِ هَذَا كَانَ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ، وَلَمْ يُعْرَفْ فِي الصَّحَابَةِ، وَالْأَبْطَحُ بِمَكَّةَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ غَدِيرِ خُمٍّ إِلَى مَكَّةَ، بَلْ نَزَلَ فِيهِ مُنْصَرَفِهِ مِنْ حِجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى الْمَدِينَةِ. أَمَّا حَدِيثُ " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِّيٌّ مَوْلَاهُ " فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ،

стр. 2263

وَبُرَيْدَةَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالضِّيَاءِ فِي الْمُخْتَارَةِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنِ الْبَرَاءِ، وَحَسَّنَهُ بَعْضُهُمْ، وَصَحَّحَهُ الذَّهَبِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَوَثَّقَ أَيْضًا سَنَدُ مَنْ زَادَ فِيهِ: " اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ ". . . إِلَخْ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فَذَكَرَ أُصُولَ الدِّينِ وَوَصَّى بِأَهْلِ بَيْتِهِ، فَقَالَ: " إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تُخْلِفُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، اللهُ مَوْلَايَ، وَأَنَا وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ "، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ وَقَالَ الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ غَيْرُ مَنْ ذُكِرَ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ، وَمِنْهَا أَنَّ عُمَرَ لَقِيَهُ فَقَالَ لَهُ: هَنِيئًا لَكَ، أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ. وَذَكَرُوا أَنَّ سَبَبَهُ تَبْرِئَةُ عَلِيٍّ مِمَّا كَانَ قَالَهُ فِيهِ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْيَمَنِ، وَاسْتِمَالَتُهُمْ إِلَيْهِ؛ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ كَانَ قَدْ وَجَّهَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَاتَلَ مَنْ قَاتَلَ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ مَنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَجَّلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيُدْرِكَ مَعَهُ الْحَجَّ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى جُنْدِهِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَسَا ذَلِكَ الرَّجُلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُلَّةً مِنَ الْبَزِّ الَّذِي كَانَ مَعَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا دَنَا جَيْشُهُ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فَوَجَدَ عَلَيْهِمُ الْحُلَلَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَانْتَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَأَظْهَرَ الْجَيْشُ شَكْوَاهُ مِنْ ذَلِكَ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ فِي غَزْوَةِ الْيَمَنِ، وَأَنَّهُ رَأَى مِنْهُ جَفْوَةً فَشَكَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ يَشْكُو عَلِيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ؛ إِذْ لَمْ يَفْعَلُ إِلَّا مَا يُرْضِي الْحَقَّ، خَطَبَ النَّاسَ فِي غَدِيرِ خُمٍّ، وَأَظْهَرَ رِضَاهُ عَنْ عَلِيٍّ وَوِلَايَتَهُ لَهُ، وَمَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُوَالَاتِهِ. وَغَدِيرُ خُمٍّ: مَكَانٌ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ، قَرِيبٌ مِنْ رَابِغٍ، عَلَى بُعْدِ مِيلَيْنِ مِنَ الْجُحْفَةِ. قَالُوا: وَقَدْ نَزَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَخَطَبَ النَّاسَ فِيهِ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَدِ اتَّخَذَتْهُ الشِّيعَةُ عِيدًا عَلَى عَهْدِ بَنِي بُوَيْهِ فِي حُدُودِ الْأَرْبَعِمِائَةٍ. وَيَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ: إِنَّ الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى وِلَايَةِ السُّلْطَةِ، الَّتِي هِيَ الْإِمَامَةُ أَوِ الْخِلَافَةُ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْقُرْآنِ بِهَذَا الْمَعْنَى، بَلِ الْمُرَادُ بِالْوِلَايَةِ فِيهِ وِلَايَةُ النُّصْرَةِ وَالْمَوَدَّةِ الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا فِي كُلٍّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (٥: ٥١) وَمَعْنَاهُ مَنْ كُنْتُ نَاصِرًا وَمُوَالِيًا لَهُ فَعَلِيٌّ نَاصِرُهُ وَمُوَالِيهِ، أَوْ مَنْ وَالَانِي وَنَصَرَنِي فَلْيُوَالِ عَلِيًّا وَيَنْصُرْهُ. وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْفُو أَثَرَ النَّبِيِّ ﷺ ; فَيَنْصُرُ مَنْ يَنْصُرُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَى مَنْ يَنْصُرُ النَّبِيَّ أَنْ يَنْصُرَهُ، وَهَذِهِ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَقَدْ نَصَرَ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَوَالَاهُمْ. فَالْحَدِيثُ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى مَنْ وَالَاهُمْ مِثْلُهُ، بَلْ حُجَّةٌ لَهُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُهُمْ وَيَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَى مَنْ وَالَى مُعَاوِيَةَ وَنَصَرَهُ عَلَيْهِ. فَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِمَامَةِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى نَصْرِهِ إِمَامًا وَمَأْمُومًا. وَلَوْ دَلَّ عَلَى الْإِمَامَةِ عِنْدَ الْخِطَابِ لَكَانَ إِمَامًا مَعَ وُجُودِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالشِّيعَةُ لَا تَقُولُ بِذَلِكَ، وَلِلْفَرِيقَيْنِ أَقْوَالٌ فِي ذَلِكَ، لَا نُحِبُّ اسْتِقْصَاءَهَا وَالتَّرْجِيحَ بَيْنَهَا ; لِأَنَّهَا مِنَ الْجَدَلِ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَوْقَعَ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ

стр. 2264

وَالْبَغْضَاءَ، وَمَا دَامَتْ عَصَبِيَّةُ الْمَذَاهِبِ غَالِبَةً عَلَى الْجَمَاهِيرِ فَلَا رَجَاءَ فِي تَحَرِّيهِمُ الْحَقَّ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَلَا فِي تَجَنُّبِهِمْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالْعَدَاءِ، وَلَوْ زَالَتْ تِلْكَ الْعَصَبِيَّةُ، وَنَبَذَهَا الْجُمْهُورُ لَمَا ضَرَّ الْمُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ ثُبُوتُ هَذَا الْقَوْلِ أَوْ ذَاكَ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَنْظُرُونَ فِيهِ حِينَئِذٍ إِلَّا بِمِرْآةِ الْإِنْصَافِ وَالِاعْتِبَارِ، فَيَحْمَدُونَ الْمُحِقِّينَ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُخْطِئِينَ (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينِ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (٥٩: ١٠) . ثُمَّ إِنَّنَا نَجْزِمُ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْإِمَامَةِ لَوْ كَانَ فِيهَا نَصٌ مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ الْحَدِيثِ لَتَوَاتَرَ وَاسْتَفَاضَ، وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا مَا وَقَعَ مِنَ الْخِلَافِ، وَلَتَصَدَّى عَلِيٌّ لِلْقِيَامِ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَطَبَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ بِالنَّصِّ، وَبَيَّنَ لَهُمْ مَا يَحْسُنُ بَيَانُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَانَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ الْإِمَامُ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، وَلَا احْتَجَّ بِالْآيَةِ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ آلِ بَيْتِهِ وَأَنْصَارِهِ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَهُ عَلَى غَيْرِهِ، لَا يَوْمَ السَّقِيفَةِ، وَلَا يَوْمَ الشُّورَى بَعْدَ عُمَرَ، وَلَا قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَهُ فِي زَمَنِهِ، وَهُوَ هُوَ الَّذِي كَانَ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَلَمْ يَعْرِفِ التَّقِيَّةَ فِي قَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ؛ وَإِنَّمَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ، وَوُضِعَتْ لَهَا الرِّوَايَاتُ، وَاسْتُنْبِطَتِ الدَّلَائِلُ بَعْدَ تَكَوُّنِ الْفِرَقِ، وَعَصَبِيَّةِ الْمَذَاهِبِ. وَالْوَصِيَّةُ بِالْخِلَافَةِ لَا مُنَاسَبَةَ لَهَا فِي سِيَاقِ مُحَاجَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَهِيَ مِمَّا لَا تَرْضَاهُ بَلَاغَةُ الْقُرْآنِ، بَلْ لَوْ أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ النَّصَّ عَلَى خَلِيفَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَتَبْلِيغِ ذَلِكَ لِلنَّاسِ، لَقَالَهُ فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ الَّتِي اسْتَشْهَدَ النَّاسَ فِيهَا عَلَى تَبْلِيغِهِ فَشَهِدُوا، وَأَشْهَدَ اللهَ عَلَى ذَلِكَ. دَعْ سِيَاقَ الْآيَةِ وَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَإِنَّهَا هِيَ نَفْسَهَا لَا تَقْبَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّبْلِيغِ فِيهَا تَبْلِيغَ النَّاسِ إِمَارَةَ عَلِيٍّ، فَإِنَّ جُمْلَةَ " وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ " الشَّرْطِيَّةَ الَّتِي بَعْدَ جُمْلَةِ " بَلِّغْ " الْأَمْرِيَّةِ، وَجُمْلَةَ الْأَمْرِ بِالْعِصْمَةِ، وَجُمْلَةَ التَّذْيِيلِ التَّعْلِيلِيِّ بِنَفْيِ هِدَايَةِ الْكَافِرِينَ، لَا يُنَاسِبُ شَيْءٌ مِنْهَا تَبْلِيغَ النَّاسِ مَسْأَلَةَ الْإِمَارَةِ، فَتَأَمَّلِ الْآيَةَ فِي ذَاتِهَا بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ، لَا بِعَيْنِ التَّقْلِيدِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَنَهْتَدِي بِهِ، نُوَالِي عَلِيًّا الْمُرْتَضَى، وَنُوَالِي مَنْ وَالَاهُمْ، وَنُعَادِي مَنْ عَادَاهُمْ، وَنَعُدُّ ذَلِكَ كَمُوَالَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَى آلِهِ، وَنُؤْمِنُ بِأَنَّ عِتْرَتَهُ ﷺ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى مُفَارَقَةِ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْكِتَابَ وَالْعِتْرَةَ خَلِيفَتَا الرَّسُولِ، فَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ قِصَّةِ الْغَدِيرِ، فَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَمْرٍ قَبِلْنَاهُ وَاتَّبَعْنَاهُ، وَإِذَا تَنَازَعُوا فِي أَمْرٍ رَدَدْنَاهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ. وَأَمَّا الْمُتَبَادِرُ مِنَ الْآيَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْأَمْرُ بِالتَّبْلِيغِ الْعَامِّ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، كَمَا رَوَاهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ، وَلَوْلَاهُ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ تَبْلِيغَ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ

стр. 2265

كَأَنَّهُ قَالَ: بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ فِي شَأْنِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَاذْكُرْ لَهُمْ مَا يَكُونُ فَصْلَ الْخِطَابِ. فَإِنْ سَأَلْتَ عَنْ ذَلِكَ، فَهَاكَ الْجَوَابُ: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) إِلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي، وَإِذَا صَحَّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالضِّيَاءُ لَا يُبْقِي لِلِاحْتِمَالِ مَجَالٌ، قَالَ: " سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّ آيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ أُنْزِلَتْ أَشَدُّ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: كُنْتُ بِمِنًى أَيَّامَ مَوْسِمٍ، وَاجْتَمَعَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ وَأَفْنَاءُ النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ، فَنَزَلَ عَلِيَّ جِبْرِيلُ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) الْآيَةَ - قَالَ - فَقُمْتُ عِنْدَ الْعَقَبَةِ ; فَقُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ يَنْصُرُنِي عَلَى أَنْ أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي وَلَكُمُ الْجَنَّةُ؟ أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَا رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ تُفْلِحُوا وَتَنْجَحُوا، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ، قَالَ ﷺ : " فَمَا بَقِيَ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ وَلَا أَمَةٌ وَلَا صَبِيٌّ إِلَّا يَرْمُونَ عَلَيَّ بِالتُّرَابِ وَالْحِجَارَةِ، وَيَقُولُونَ: كَذَّابٌ صَابِئٌ. فَعَرَضَ عَلَيَّ عَارِضٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللهِ فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ، كَمَا دَعَا نُوحٌ عَلَى قَوْمِهِ بِالْهَلَاكِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَانْصُرْنِي عَلَيْهِمْ أَنْ يُجِيبُونِي إِلَى طَاعَتِكَ، فَجَاءَ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، وَطَرَدَهُمْ عَنْهُ "، وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ تَأْكِيدٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ الْعَامِّ لِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ كُلُّهُ - وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ - أَوِ الْخَاصِّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ - عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الِاحْتِمَالِ - بِأَنْ كَتَمْتَهُ، وَلَوْ مُؤَقَّتًا ; خَوْفًا مِنَ الْأَذَى بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ، أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا (فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) أَيْ فَحَسْبُكَ جُرْمًا أَنَّكَ مَا بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ، وَلَا قُمْتَ بِمَا بُعِثْتَ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ تَبْلِيغُ النَّاسِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) (٤٢: ٤٨) وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: وَإِنْ لَمْ تُبَلِّغْ جَمِيعَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ بِأَنْ كَتَمْتَ بَعْضَهُ، فَكَأَنَّكَ لَمْ تُبَلِّغْ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ ; لِأَنَّ كِتْمَانَ الْبَعْضِ كَكِتْمَانِ الْجَمِيعِ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (٥: ٣٢) وَيُقَوِّيهِ قِرَاءَةُ نَافِعٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَابْنُ أَبِي بَكْرٍ: " رِسَالَاتِهِ " بِالْجَمْعِ. فَمَعْنَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: إِفَادَةُ اسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْوَحْيِ، الَّذِي كُلِّفَ الرَّسُولُ تَبْلِيغَهُ، لَكِنْ فِي الْحُكْمِ لَا فِي الْوَاقِعِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ كُنْتَ كَأَنَّكَ مَا بَلَّغْتَ شَيْئًا مَا مِنْ مَسَائِلِ الرِّسَالَةِ ; لِأَنَّهَا لَا تَتَجَزَّأُ. وَقَدْ ضَعَّفَ هَذَا الْوَجْهَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ تَرْكَ تَبْلِيغِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ تَرْكٌ لِتَبْلِيغِ كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِالْفِعْلِ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْوَاقِعِ، أَوْ فِي الْحُكْمِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ تَارِكُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ كَتَارِكِ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى عَلَى التَّشْبِيهِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلَا يُعَارِضُ مَا

стр. 2266

لَا يَتَجَزَّأُ فِي الْحُكْمِ كَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ بِمَا يَتَجَزَّأُ كَالْعِبَادَاتِ وَالْمَعَاصِي. وَتَرْكُ التَّبْلِيغِ لَوْ جَازَ وُقُوعُهُ كُفْرٌ. وَلِهَذَا الْمَعْنَى نَظِيرٌ يُؤَيِّدُهُ، وَهُوَ حُكْمُ اللهِ بِأَنَّ مَنْ كَذَّبَ بَعْضَ الرُّسُلِ كَانَ كَمَنْ كَذَّبَهُمْ كُلَّهُمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) (٤: ١٥٠، ١٥١) بَلْ وَرَدَ مَا يُؤَيِّدُ الْوَجْهَ الْآخَرَ أَيْضًا، وَهُوَ تَشْبِيهُ قَاتَلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بِقَاتِلِ النَّاسِ جَمِيعًا، وَتَقَدَّمَتِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا مَعْنَى قِرَاءَةِ الْآخَرِينَ " رِسَالَتَهُ " بِالْإِفْرَادِ فَهُوَ نَفْيُ الْقِيَامِ بِمَنْصِبِ الرِّسَالَةِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ تَبْلِيغِ الرِّسَالَاتِ بِالْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ بَعْدَ قِصَّةِ زَيْدٍ وَزَيْنَبٍ: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ) (٣٣: ٣٩) هَكَذَا قَرَأَ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ " رِسَالَاتِ " بِالْجَمْعِ، وَإِنَّمَا قُرِئَ بِالْإِفْرَادِ فِي الشَّوَاذِّ، وَجَاءَ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَغَيْرِهَا، وَالِاسْتِشْهَادُ بِآيَةِ الْأَحْزَابِ أَنْسَبُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ; لِأَنَّ مَا نَزَلَ فِي قِصَّةِ زَيْدٍ وَزَيْنَبَ هُوَ أَشَدُّ مَا نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُتَعَلِّقًا بِشَخْصِهِ الْكَرِيمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) (٣٣: ٣٧) حَتَّى رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا: " لَوْ كَتَمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ ". فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ عَصَمَ الرُّسُلَ ﵈ مِنْ كِتْمَانِ شَيْءٍ مِمَّا أَمَرَهُمْ بِتَبْلِيغِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَبَطَلَتْ حِكْمَةُ الرِّسَالَةِ بِعَدَمِ ثِقَةِ النَّاسِ بِالتَّبْلِيغِ، فَمَا حِكْمَةُ التَّصْرِيحِ مَعَ هَذَا بِالْأَمْرِ بِالتَّبْلِيغِ وَتَأْكِيدِهِ بِجَعْلِ كِتْمَانِ بَعْضِهِ كَكِتْمَانِهِ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: حِكْمَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ إِعْلَامُ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِأَنَّ التَّبْلِيغَ حَتْمٌ لَا تَخْيِيرَ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ كِتْمَانُهُ، وَلَوْ مُؤَقَّتًا بِتَأْخِيرِ شَيْءٍ مِنْهُ عَنْ وَقْتِهِ، عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِهَادِ ; إِذْ كَانَ يَجُوزُ - لَوْلَا هَذَا النَّصُّ - أَنْ يَكُونَ مِنِ اجْتِهَادِ الرَّسُولِ تَأْخِيرُ بَعْضِ الْوَحْيِ إِلَى أَنْ يَقْوَى اسْتِعْدَادُ النَّاسِ لِقَبُولِهِ، وَلَا يَحْمِلَهُمْ سَمَاعُهُ عَلَى رَدِّهِ وَإِيذَاءِ الرَّسُولِ لِأَجْلِهِ، وَحِكْمَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّاسِ أَنْ يَعْرِفُوا هَذِهِ الْحَقِيقَةَ بِالنَّصِّ، فَلَا يُعْذَرُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِيهَا بِاخْتِلَافِ الرَّأْيِ وَالْفَهْمِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَيُؤَيِّدُهُ تَأْخِيرُ الرَّسُولِ ﷺ الْإِذْنَ لِمَوْلَاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بِتَطْلِيقِ زَيْنَبَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مَا قَضَى بِتَزْوِيجِهَا لَهُ - وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ طِبَاعَهُمَا لَا تَتَّفِقُ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى طَلَاقِهَا - إِلَّا لِيَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَيُبْطِلُ بِذَلِكَ جَرِيمَةَ التَّبَنِّي، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْبَاطِلِ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْشَى أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةَ ابْنِهِ ; لِأَنَّهُ تَبَنَّى زَيْدًا قَبْلَ الْبَعْثَةِ. وَلَمَّا لَمْ يُؤَقِّتِ اللهُ تَعَالَى وَقْتًا لِتَطْلِيقِ

стр. 2267

زَيْدِ لِزَيْنَبَ، وَلِتَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا وَافَقَ اجْتِهَادُ النَّبِيِّ ﷺ طَبْعَهُ الْبَشَرِيَّ وَالْعَمَلَ بِظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ كَرَاهَةِ الطَّلَاقِ، فَكَانَ بِنَاءً عَلَى هَذَا يَقُولُ لِزَيْدٍ كُلَّمَا شَكَا إِلَيْهِ عِشْرَةَ زَيْنَبَ: " أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ "، وَيُخْفِي فِي نَفْسِهِ مَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَلَاقِ زِيدٍ لَهَا، وَتَزَوُّجِهِ هُوَ بِهَا، وَلَكِنْ كَانَ يُحِبُّ تَأْخِيرَ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ فِي تَبْلِيغِ الْوَحْيِ هَوَادَةٌ لِجَازَ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الْوَحْيِ مِثْلُ هَذَا التَّأْخِيرِ بِالِاجْتِهَادِ ; وَلِأَجْلِ هَذَا الشَّبَهِ وَالتَّنَاسُبِ بَيْنَ تَنْفِيذِ مَا أَرَادَ اللهُ مِنْ إِبْطَالِ التَّبَنِّي وَلَوَازِمِهِ بِزَوَاجِ الرَّسُولِ ﷺ بِزَيْنَبَ، بَعْدَ تَطْلِيقِ زِيدٍ لَهَا، وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ، وَكَوْنِهِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ خَشْيَةً مِنْ قَوْلِ النَّاسِ أَوْ فِعْلِهِمْ ; لِأَجْلِ هَذَا بَيَّنَ اللهُ عَقِبَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ سُنَّتَهُ فِي عَدَمِ الْحَرَجِ عَلَى الرُّسُلِ، وَفِي تَبْلِيغِهِمْ رِسَالَاتِ اللهِ، وَكَوْنِهِمْ يَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا سِوَاهُ (رَاجِعْ آيَةَ ٣٨ و٣٩ مِنْهَا) . وَأَمَّا الثَّانِي - وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّاسِ - فَيُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْآرَاءِ فِي جَوَازِ كِتْمَانِ بَعْضِ الْوَحْيِ غَيْرِ الْقُرْآنِ أَوِ الْعِلْمِ النَّبَوِيِّ غَيْرِ الْوَحْيِ عَنْ كُلِّ النَّاسِ أَوْ عَنْ جُمْهُورِهِمْ، وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا ثَبَتَ فِي مَعْنَاهَا تَأْوِيلًا يَتَّفِقُ مَعَ آرَائِهِمْ، فَكَيْفَ لَوْ لَمْ تَرِدْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ؟ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ مِنْ سُؤَالِ بَعْضِ النَّاسِ عَلِيًّا الْمُرْتَضَى: هَلْ خَصَّهُمُ الرَّسُولُ بِشَيْءٍ مِنَ الْوَحْيِ أَوْ عِلْمِ الدِّينِ؟ يَعْنِي أَهْلَ الْبَيْتِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِنْهَا قَوْلُ أَبِي جُحَيْفَةَ لَعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: لَا، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. (قَالَ السَّائِلُ: قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَلَّا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَمِنَ الْبَدِيهِيِّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ الْفَهْمَ فِي الْقُرْآنِ لَيْسَ مِنَ الْوَحْيِ، وَكَذَا مَا فِي الصَّحِيفَةِ، وَهُوَ الْعَقْلُ ; أَيْ دِيَةُ الْقَتْلِ، وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ. . . إِلَخْ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ سَبَبَ سُؤَالِ عَلِيٍّ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ غُلَاةِ الشِّيعَةِ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ، أَوْ يَبُثُّونَ فِي النَّاسِ أَنَّ عِنْدَ عَلِيٍّ وَآلِ بَيْتِهِ مِنَ الْوَحْيِ، مَا خَصَّهُمْ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ دُونَ النَّاسِ. وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِهِمْ جَوَازُ الْكِتْمَانِ عَلَى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَا يُوحِيهِ اللهُ لِلرُّسُلِ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌّ بِهِمْ، لَا يَأْذَنُهُمْ بِتَبْلِيغِهِ لِأَحَدٍ، وَمِنْهُ مَا يَأْمُرُهُمْ بِتَبْلِيغِهِ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَمِنْهُ مَا يَخُصُّ بِهِ مَنْ يَرَاهُمْ أَهْلًا لَهُ مِنَ الْأَفْرَادِ. وَمِنْ هُنَا أَخَذَ مَنْ يَقُولُونَ إِنَّ عِلْمَ الْأَنْبِيَاءِ قِسْمَانِ: ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ ; فَالظَّاهِرُ عَامٌ، وَالْبَاطِنُ خَاصٌّ. وَلِبَعْضِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ سَبَحٌ طَوِيلٌ فِي بَحْرِ هَذِهِ الْأَوْهَامِ.

стр. 2268

فَأَمَّا الْبَاطِنِيَّةُ فَأَئِمَّتُهُمْ فِي مَذَاهِبِهِمْ زَنَادِقَةٌ تَعَمَّدُوا هَدْمَ الْإِسْلَامِ بِالشُّبَهَاتِ، وَالتَّأْوِيلَاتِ الْمُشَكِّكَاتِ. وَأَمَّا الْمُتَصَوِّفَةُ فَقَدْ رَاجَ عَلَى بَعْضِهِمْ بَعْضَ تِلْكَ الشُّبَهَاتِ وَالتَّأْوِيلَاتِ ; لِضَعْفِهِمْ فِي عِلْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَاسْتَمْسَكُوا بِالْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ، وَأَخَذُوا بِظَوَاهِرِ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الصَّحِيحَةِ كَقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْوِيِّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ ; فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ مِنِّي هَذَا الْبُلْعُومُ " يُشِيرُ إِلَى عُنُقِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا ذُبِحَ يَنْقَطِعُ بُلْعُومُهُ ; وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ، فَجَهَلَةُ الْمُتَصَوِّفَةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِ الْحَقِيقَةِ هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا فِي الْوِعَاءِ الْآخَرِ مِنْ وِعَاءَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبَعْضُهُمْ يَظُنُّ أَنَّ لِشُيُوخِهِمْ سَنَدًا فِي تَلَقِّي عِلْمِ الْبَاطِنِ، يَنْتَهِي إِلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوْ أَئِمَّةِ آلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَعْنِي بِمَا كَتَمَ مِنَ الْحَدِيثِ أَحَادِيثَ الْفِتَنِ، وَمَا يَكُونُ مِنَ الْفَسَادِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا عَلَى أَيْدِي أُغَيْلِمَةٍ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، وَهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ دَعَا اللهَ تَعَالَى أَنْ يُنْقِذَهُ مِنْ سَنَةِ سِتِّينَ وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ، وَقَدْ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَفِي سَنَةِ سِتِّينَ وَلِيَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَعَلِمَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَسْتَعِيذُ بِاللهِ مِنْ إِمَارَتِهِ، وَقَدْ أَعَاذَهُ اللهُ تَعَالَى فَلَمْ يَرَ أَيَّامَهَا السُّودَ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي أُغَيْلِمَةِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَمْرَ دِينِهِمْ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: " لَوْ شِئْتُ أَنْ أُسَمِّيَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ لَفَعَلْتُ "، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ ; كَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، أَخْبَارَ الْفِتَنِ وَأُمَرَاءِ الْجَوْرِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ يَكْتُمُهَا عِنْدَ وُقُوعِهَا، خَوْفًا مِنِ انْتِقَامِ أُولَئِكَ الْأُمَرَاءِ الْمُسْتَبِدِّينَ الْمُفْسِدِينَ، وَأَمَّا كِتْمَانُ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ وَبِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَكَيْفَ يَكْتُمُهُ؟ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْحَدِيثَ، وَلَوْلَا آيَتَانِ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) (٢: ١٥٩) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (الرَّحِيمُ) وَقَوْلَهُ: (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ٣: ١٨٧) . . . إِلَخْ. وَرَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثَ: " مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ "، وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَهُ طُرُقٌ حَسَنَةٌ وَصَحِيحَةٌ، وَالْوَعِيدُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ عَلَى الْكِتْمَانِ مُطْلَقًا. وَالْحُقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ أَنَّ الرَّسُولَ بَلَّغَ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَبَيَّنَهُ، وَلَمْ يَخُصَّ أَحَدًا بِشَيْءٍ مِنْ عَلْمِ الدِّينِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْتَازُ أَحَدٌ فِي عَلَمِ الدِّينِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِفَهْمِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ كَسْبِيٌّ يُتَوَسَّلُ إِلَيْهِ بَعْدَ السُّنَّةِ وَآثَارِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ

стр. 2269

وَعُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَمُفْرَدَاتِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَسَالِيبِهَا، وَكَذَا بِعُلُومِ الْكَوْنِ وَشُئُونِ الْبَشَرِ وَسُنَنِ اللهِ فِي الْخَلْقِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْعُلُومَ الْمُكْتَسَبَةَ مِنْ نَقْلِيَّةٍ وَعَقْلِيَّةٍ هِيَ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى فَهْمِ الْقُرْآنِ، وَنَوْعٌ وَهْبِيٌّ ; وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى بِالْفَهْمِ الَّذِي يُؤْتِيهِ اللهُ عَبْدًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَهُوَ مَا بِهِ يَفْضُلُ أَهْلُ الْعِلْمِ الْكَسْبِيِّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَمَنْ لَا حَظَّ لَهُ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ وَالسُّنَنِ وَالْآثَارِ لَا حَظَّ لَهُ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ الْوَهْبِيِّ ; لِأَنَّ الْكَسْبِيَّ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يُثْمِرُ الْعِلْمَ الْوَهْبِيَّ. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَسْطَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ اسْتِخْرَاجِ الْعَالِمِ بِفَهْمِهِ مِنَ الْقُرْآنِ مَا لَمْ يَكُنْ مَنْقُولًا عَنِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَدِ اشْتَرَطَ الْعُلَمَاءُ لِكُلِّ فَهْمٍ جَدِيدٍ فِي الْقُرْآنِ شَرْطَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوَافِقَ مَدْلُولَاتِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَثَانِيهُمَا: أَلَّا يُخَالِفَ أُصُولَ الدِّينِ الْقَطْعِيَّةَ، فَسَقَطَتْ بِذَلِكَ ضَلَالَاتُ الْبَاطِنِيَّةِ وَأَهْلِ الْوَحْدَةِ مَنْ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ وَأَشْبَاهِهِمْ مِنَ الَّذِينَ يَعْبَثُونَ بِكِتَابِ اللهِ بِأَهْوَائِهِمْ ; كَالدَّجَّالِ عُبَيْدِ اللهِ الَّذِي صَنَّفَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ تَصَانِيفَ بِاللُّغَةِ التُّرْكِيَّةِ، حَرَّفَ فِيهَا الْقُرْآنَ أَبْعَدَ تَحْرِيفٍ، بِحَيْثُ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَا عَلَى أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَلَا فُرُوعِهِ ; مِنْهَا كِتَابُ (قَوْمٌ جَدِيدٌ) وَكِتَابُ (صوك جواب) أَيِ الْجَوَابُ الْأَخِيرُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ تَنْفِيرُ التُّرْكِ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَتَحْوِيلُهُمْ عَنْهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ بَيَانٌ لَهُ وَاسْتِنْبَاطٌ مِنْهُ. وَذَكَرْنَا بَعْضَ الشَّوَاهِدِ عَلَى هَذَا فِي التَّفْسِيرِ وَفِي الْمَنَارِ، ثُمَّ رَأَيْنَا النَّقْلَ فِي ذَلِكَ عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، فَقَدْ قَالَ: جَمِيعُ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ الْقُرْآنِ. ذَكَرَهُ السَّيِّدُ الْآلُوسِيُّ فِي رُوحِ الْبَيَانِ. وَمَنْ أَجْدَرُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْفَهْمِ الْوَهْبِيِّ مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَدِ اخْتَصَّهُ اللهُ بِإِنْزَالِهِ إِلَيْهِ، وَبِبَيَانِهِ لِلنَّاسِ؟ وَتَقَدَّمَ إِيضَاحُ هَذَا الْبَحْثِ فِي تَفْسِيرِ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَكَابِرَ الصُّوفِيَّةِ مَا لَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ الْقُرْآنِ يَنْبُوعَ عُلُومِ الدِّينِ، بَلْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِكَوْنِهِ يَنْبُوعَ جَمِيعِ الْعُلُومِ وَالْحَقَائِقِ الْكَوْنِيَّةِ كُلِّهَا، وَسَنَعُودُ إِلَى هَذَا الْبَحْثِ فَنُوَفِّيهِ حَقَّهُ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (٦: ٣٨) وَمَا فِي مَعْنَاهُ. (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) رَوَى أَهْلُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْحَاكِمُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ بِضْعَةِ رِجَالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحْرَسُ فِي مَكَّةَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ تَرَكَ الْحَرَسَ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ أَوَّلَ النَّاسِ اهْتِمَامًا بِحِرَاسَتِهِ، وَحَرَسَهُ الْعَبَّاسُ أَيْضًا، وَمِمَّا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحْرَسُ، وَكَانَ يُرْسِلُ مَعَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ كُلَّ يَوْمٍ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ، فَقَالَ: يَا عَمِّ، إِنَّ اللهَ قَدْ عَصَمَنِي، لَا حَاجَةَ لِي إِلَى مَنْ

стр. 2270

تَبْعَثُ "، " وَمَعْنَى " يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ": يَمْنَعُكَ مِنْ فَتْكِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِنْ عِصَامِ الْقِرْبَةِ؛ وَهُوَ مَا تُوكَأُ بِهِ ; أَيْ مَا يُرْبَطُ بِهِ فَمُهَا مِنْ سَيْرِ جِلْدٍ أَوْ خَيْطٍ. وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ: الْكُفَّارُ الَّذِينَ يَتَضَمَّنُ تَبْلِيغُ الْوَحْيِ بَيَانَ كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَفَسَادِ عَقَائِدِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَالنَّعْيِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى سَلَفِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَغِيظُهُمْ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِيذَاءِ ; لِذَلِكَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَصَدَّوْنَ لِإِيذَائِهِ ﷺ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَائْتَمَرُوا بِهِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَرَّرُوا قَتْلَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى عَصَمَهُ مِنْهُمْ. وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْيَهُودُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ; وَلِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ فَقَدْ وُضِعَتْ فِي سِيَاقِ تَبْلِيغِ أَهْلِ الْكِتَابِ ; لِتَدُلَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عُرْضَةً لِإِيذَائِهِمْ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي عَصَمَهُ مِنْ كَيْدِهِمْ، وَلِتُذَكِّرَ بِمَا كَانَ مِنْ إِيذَاءِ مُشْرِكِي قَوْمِهِ مِنْ قَبْلِهِمْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) فَهُوَ تَذْيِيلٌ تَعْلِيلِيٌّ لِلْعِصْمَةِ ; أَيْ إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَهْدِي أُولَئِكَ النَّاسَ، الَّذِينَ هُمْ بِصَدَدِ إِيذَائِكَ عَلَى التَّبْلِيغِ، وَهُمُ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ، إِلَى مَا يَهُمُّونَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ يَكُونُونَ خَائِبِينَ، وَتَتِمُّ كَلِمَاتُ اللهِ تَعَالَى حَتَّى يَكْمُلَ بِهَا الدِّينُ. (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) أَيْ (قُلْ) لِأَهْلِ الْكِتَابِ، مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فِيمَا تُبَلِّغُهُمْ عَنِ اللهِ تَعَالَى (لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ) يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، وَلَا يَنْفَعُكُمُ الِانْتِسَابُ إِلَى مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيِّينَ (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) فِيمَا دُعِيَا إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَفِيمَا بَشَّرَا بِهِ مِنْ بَعْثَةِ النَّبِيِّ الَّذِي يَجِيءُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الْمَسِيحُ بِرُوحِ الْحَقِّ، وَبِالْبَارَقْلِيطِ (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) عَلَى لِسَانِهِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَكْمَلَ بِهِ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، عَلَى حَسَبِ سُنَّتِهِ فِي النُّشُوءِ وَالِارْتِقَاءِ بِالتَّدْرِيجِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ: مَا أُنْزِلَ عَلَى سَائِرِ أَنْبِيَائِهِمْ، كَمَا قِيلَ مِثْلُهُ فِي آيَةِ: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ وَلَمْ يَبْعُدِ الْعَهْدُ بِهِ فَنُعِيدُهُ، إِلَّا أَنَّ ذَاكَ حِكَايَةٌ مَاضِيَةٌ، وَهَذَا بَيَانٌ لِلْحَالِ الْحَاضِرَةِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فِي الزَّمَنَيْنِ قَائِمَةٌ ; فَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُقِيمِينَ لِتِلْكَ الْكُتُبِ قَبْلَ هَذَا الْخِطَابِ، وَلَا فِي وَقْتِهِ، وَلَا كَانَ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ أَنْ يُقِيمُوهَا فِي عَهْدِهِ، كَمَا أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُقِيمُوهَا الْآنَ، فَهَذَا تَعْجِيزٌ لَهُمْ وَتَفْنِيدٌ لِدَعْوَاهُمُ الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ اتِّبَاعِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، بِاتِّبَاعِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمُ السَّابِقِينَ، وَلَا يَتَضَمَّنُ الشَّهَادَةَ بِسَلَامَةِ تِلْكَ الْكُتُبِ مِنَ التَّحْرِيفِ. وَمِثْلُهُ أَنْ تَقُولَ الْآنَ لِدُعَاةِ النَّصْرَانِيَّةِ مِنَ الْأَمْرِيكَانِ وَالْأَلْمَانِ وَالْإِنْكِلِيزِ: يَا أَيُّهَا الدَّاعُونَ لَنَا إِلَى اتِّبَاعِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، نَحْنُ لَا نَعْتَدُّ بِكُمْ، وَلَا نَرَى أَنَّكُمْ عَلَى إِيمَانٍ وَثِقَةٍ بِدِينِكُمْ، وَصِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ فِي

стр. 2271

دَعْوَتِكُمْ، حَتَّى تُقِيمُوا أَنْتُمْ وَأَهْلُ مِلَّتِكُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ اللَّذَيْنِ فِي أَيْدِيكُمْ، فَتُحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَتُبَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ، وَتُعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ، وَتَخْضَعُوا لِكُلِّ سُلْطَةٍ ; لِأَنَّهَا مِنَ اللهِ، وَإِذَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فَلَا تَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، بَلْ أَدِيرُوا لَهُ الْخَدَّ الْأَيْسَرَ إِذَا ضَرَبَكُمْ عَلَى الْخَدِّ الْأَيْمَنِ، وَاتْرُكُوا التَّنَافُسَ فِي إِعْدَادِ آلَاتِ الْفَتْكِ الْجُهَنَّمِيَّةِ ; لِيَكُونَ لِلنَّاسِ السَّلَامُ فِي الْأَرْضِ، وَاخْرُجُوا مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ وَالثَّرْوَةِ الْوَاسِعَةِ ; لِأَنَّ الْغَنِيَّ لَا يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، وَلَا تَهْتَمُّوا بِرِزْقِ الْغَدِ. . . إِلَخْ. وَنَحْنُ نَرَاكُمْ عَلَى نَقِيضِ كُلِّ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ ; فَأَنْتُمْ لَا تَخْضَعُونَ لِكُلِّ حَاكِمٍ، بَلْ مَيَّزْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَاسْتَعْلَيْتُمْ عَلَى الشَّرَائِعِ وَالْحُكَّامِ مِنْ غَيْرِكُمْ، وَإِذَا اعْتُدِيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ تُجَرِّدُونَ سُيُوفَ دَوْلَتِكُمْ، وَتُصَوِّبُونَ مَدَافِعَهَا عَلَى بِلَادِ الْمُعْتَدِي وَدَوْلَتِهِ، لَا عَلَيْهِ وَحْدَهُ ; حَتَّى تَنْتَقِمُوا لِأَنْفُسِكُمْ بِأَضْعَافِ مَا اعْتَدَى بِهِ عَلَيْكُمْ، وَلَا هَمَّ لِأُمَمِكُمْ وَدُوَلِكُمْ إِلَّا امْتِلَاكُ ثَرْوَةِ الْعَالَمِ وَزَيَّنَتِهِ وَنَعِيمِهِ، وَتَسْخِيرِ غَيْرِكُمْ مِنَ الْأُمَمِ لِخِدْمَتِكُمْ بِالْقُوَّةِ الْقَاهِرَةِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِسَحْقِ مَنْ يُنَافِسُكُمْ فِي مَجْدِ هَذَا الْعَالَمِ الْفَانِي ; لِعَدَمِ اهْتِمَامِكُمْ بِمَجْدِ الْمَلَكُوتِ الْبَاقِي. فَنَحْنُ لَا نُصَدِّقُ بِأَنَّكُمْ تَدِينُونَ اللهَ بِهَذِهِ الْكُتُبِ الَّتِي تَدْعُونَنَا إِلَيْهَا، حَتَّى تُقِيمُوهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَهَلْ يَعُدُّ دُعَاةُ النَّصْرَانِيَّةِ مِثْلَ هَذَا الْخِطَابِ لَهُمُ اعْتِرَافًا مِنَّا بِسَلَامَةِ كُتُبِهِمْ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؟ أَمْ يَفْهَمُونَ أَنَّهُ حُجَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّسْلِيمِ الْجَدَلِيِّ لِأَجْلِ الْإِلْزَامِ؟ نَعَمْ، يَفْهَمُونَ هَذَا، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ شَهَادَةٌ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِالسَّلَامَةِ مِنَ التَّحْرِيفِ! (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالْقَسَمِ، الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّامُ فِي أَوَّلِهَا، تُثْبِتُ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَزِيدُهُمُ الْقُرْآنُ، الَّذِي أَكْمَلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ الْمُنَزَّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، إِلَّا طُغْيَانًا فِي فَسَادِهِمْ وَكُفْرًا عَلَى كُفْرِهِمْ ; ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا عَلَى إِيمَانٍ صَحِيحٍ بِاللهِ وَلَا بِالرُّسُلِ، وَلَا عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ مِمَّا تَهْدِي إِلَيْهِ تِلْكَ الْكُتُبُ، وَإِنَّمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى تَقَالِيدَ وَثَنِيَّةٍ، وَعَصَبِيَّةٍ جِنْسِيَّةٍ، وَعَادَاتٍ وَأَعْمَالٍ رَدِيَّةٍ، فَهُمْ لِهَذَا لَمْ يَنْظُرُوا فِي الْقُرْآنِ نَظَرَ إِنْصَافٍ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ حَقِيقَةِ دِينِهِمُ الْحَقِّ مَا يُقَرِّبُهُمْ مِنْ فَهْمِ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ ; لِيَعْلَمُوا أَنَّ دِينَ اللهِ وَاحِدٌ ; فَمَا سَبَقَ بَدْءٌ وَهَذَا إِتْمَامٌ، بَلْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْعُدْوَانِ، وَهَذَا سَبَبُ زِيَادَةِ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ. وَالطُّغْيَانُ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ الْمُعْتَادِ. وَأَمَّا غَيْرُ الْكَثِيرِ، وَهُمُ الَّذِينَ حَافَظُوا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَلَمْ تَحْجُبْهُمْ عَنْ نُورِ الْحَقِّ تِلْكَ التَّقَالِيدُ، فَهُمُ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْقُرْآنَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ ; فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَنَّ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ هُوَ النَّبِيُّ الْأَخِيرُ، الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي كُتُبِهِمْ، فَيُسَارِعُونَ إِلَى الْإِيمَانِ، عَلَى حَسَبِ حَظِّهِمْ مِنَ الْعِلْمِ، وَسَلَامَةِ الْوِجْدَانِ.

стр. 2272

وَالْفَرْقُ بَيْنَ نِسْبَةِ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ إِلَى الرَّسُولِ هُنَا، وَنِسْبَةِ إِنْزَالِهِ إِلَيْهِمْ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ (عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمُ الْقُرْآنُ) هُوَ أَنَّ خِطَابَهُمْ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ إِلَيْهِمْ، يُرَادُ بِهِ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهِ، وَمَدْعُوُّونَ إِلَيْهِ، وَمِثْلُهُ: (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) (٢: ١٣٦) وَأَمَّا إِسْنَادُ إِنْزَالِهِ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ فَلَيْسَ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ فَقَطْ، بَلْ يُشْعِرُ مَعَ ذَلِكَ بِأَنَّ إِنْزَالَهُ إِلَيْهِ سَبَبٌ لِطُغْيَانِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكْفُرُوا بِهِ لِأَجْلِ إِنْكَارِهِمْ لِعَقَائِدِهِ وَآدَابِهِ وَشَرَائِعِهِ أَوِ اسْتِقْبَاحِهِمْ، بَلْ لِعَدَاوَةِ الرَّسُولِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَعَدَاوَةِ قَوْمِهِ الْعَرَبِ. وَقِيلَ إِنَّهُ يُفِيدُ بَرَاءَتَهُمْ مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُمْ فِيهِ. (فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) أَيْ فَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ تَمَكَّنَ الْكُفْرُ مِنْهُمْ، وَصَارَ وَصْفًا لَازِمًا لَهُمْ، وَهَذِهِ نُكْتَةُ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وَحَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنْ مُؤْمِنِي قَوْمِكَ وَمِنْهُمْ ; كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِهِمْ. قَالَ الرَّاغِبُ: الْأَسَى: الْحُزْنُ، وَأَصْلُهُ إِتْبَاعُ الْفَائِتِ بِالْغَمِّ. وَالْعِبْرَةُ لِلْمُسْلِمِ فِي الْآيَةِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُونَ عَلَى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ حَتَّى يُقِيمُوا الْقُرْآنَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ فِيهِ، وَيَهْتَدُوا بِهِدَايَتِهِ ; فَحُجَّةُ اللهِ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَنَا تِلْكَ التَّقَالِيدَ الَّتِي صَدَّتْهُمْ عَمَّا عِنْدَهُمْ مِنْ وَحْيِ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَا كَانَ قَدْ طَرَأَ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيفِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَأَلَّا يَقْبَلَ مِنَّا مِثْلَ ذَلِكَ مَعَ حِفْظِهِ لِكِتَابِنَا أَوْلَى. وَالنَّاسُ عَنْ هَذَا غَافِلُونَ، وَبِالِانْتِسَابِ إِلَى الْمَذَاهِبِ رَاضُونَ، وَبِهَدْيِ أَئِمَّتِهَا لَا يَقْتَدُونَ، وَإِلَى حِكْمَةِ الدِّينِ وَمَقَاصِدِهِ لَا يَنْظُرُونَ (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (٥٨: ١٨) وَلَمَّا كَانَ الِانْتِسَابُ إِلَى الدِّينِ لَا يُفِيدُ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا بِإِقَامَةِ كِتَابِ الدِّينِ، بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ تِلْكَ الْحُجَّةِ، أُصُولَ الدِّينِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ إِقَامَةِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ كُلِّهَا، الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْجَزَاءُ وَالثَّوَابُ، فَقَالَ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) مُنَاسَبَةُ وَضْعِ هَذِهِ الْآيَةِ هُنَا لِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا بَيَانُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَمْ يُقِيمُوا دِينَ اللهِ، وَمَا كَلَّفَهُمُ اللهُ إِيَّاهُ، لَا وَسَائِلَهُ وَلَا مَقَاصِدَهُ، فَلَا هُمْ حَفِظُوا نُصُوصَ الْكُتُبِ كُلَّهَا، وَلَا هُمْ تَرَكُوا مَا عِنْدَهُمْ مِنْهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَلَا هُمْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُمِ الصَّالِحُ، وَلَا هُمْ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، كَمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، اللهُمَّ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ كَانَ مَخْبُوءًا فِي طَيَّاتِ الزَّمَانِ، أَوْ شِعَافِ الْجِبَالِ وَزَوَايَا الْبُلْدَانِ، كَانُوا يُعَذَّبُونَ عَلَى تَوْحِيدِ اللهِ، وَيُرْمَوْنَ بِالزَّنْدَقَةِ أَوِ الْهَرْطَقَةِ لِرَفْضِهِمْ

стр. 2273

تَقَالِيدَ الْكَنَائِسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَلْيُرَاجَعْ تَفْسِيرُهَا فِي الْمُفَصَّلِ فِي جُزْءِ التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَحْثٌ لَفْظِيٌّ لَيْسَ فِي تِلْكَ، وَهُوَ رَفْعُ كَلِمَةِ " الصَّابِئِينَ " وَتَقْدِيمُهَا عَلَى كَلِمَةِ النَّصَارَى ; فَأَمَّا الرَّفْعُ فَفِي إِعْرَابِهِ وُجُوهٌ ; أَشْهَرُهَا: أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: " وَالصَّابِئُونَ كَذَلِكَ " أَوْ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلِّ اسْمِ إِنَّ، وَقَدْ أَجَازَ كُوفُيُّو النَّحْوِيِّينَ هَذَا، وَعَدُّوهُ مِنَ الْفَصِيحِ إِذَا كَانَ اسْمُ إِنَّ مَبْنِيًّا، كَمَا هُوَ هُنَا، وَكَقَوْلِكَ: إِنَّكَ وَزَيْدٌ صَدِيقَانِ. وَالْبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَهُ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّا وَأَنْتُمْ بُغَاةٌ مَا بَقِينَا فِي شِقَاقِ وَالْإِعْرَابُ صِنَاعَةٌ يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى ضَبْطِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَفَهْمِهِ، وَالْعُمْدَةُ فِي إِثْبَاتِ اللُّغَاتِ كُلِّهَا السَّمَاعُ مِنْ أَهْلِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ بِالسَّمَاعِ أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ فَصِيحٌ، وَلَكِنْ مَا نُكْتَتُهُ؟ النُّكْتَةُ الَّتِي كَانَ بِهَا رَفْعُ الصَّابِئِينَ فَصِيحًا هَاهُنَا عَلَى مُخَالَفَتِهِ نَسَقَ عَطْفِ الْمَنْصُوبِ عَلَى الْمَنْصُوبِ هِيَ تَنْبِيهُ الذِّهْنِ إِلَى أَنَّ الصَّابِئِينَ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي تَعْلِيقِ نَفْيِ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِشَرْطِ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّحِيحِ، اللَّذَيْنِ تَتَزَكَّى بِهِمَا النُّفُوسُ، وَتَسْتَعِدُّ لِإِرْثِ الْفِرْدَوْسِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا غَيْرَ مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَكَانَ الصَّابِئُونَ غَيْرَ مَظِنَّةٍ لِإِشْرَاكِهِمْ فِي الْحُكْمِ مَعَ أَهْلِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، حَسُنَ فِي شَرْعِ الْبَلَاغَةِ أَنْ يُنَبَّهَ إِلَى ذَلِكَ بِتَغْيِيرِ نَسَقِ الْإِعْرَابِ. فَمِثْلُ هَذَا التَّغْيِيرِ لَا يُعَدُّ فَصِيحًا إِلَّا فِي هَذَا التَّعْبِيرِ، وَهُوَ مَا كَانَ لِمَا تَغَيَّرَ إِعْرَابُهُ وَأُخْرِجَ عَمَّا يُمَاثِلُهُ صِفَةٌ خَاصَّةٌ تُرِيدُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهَا. فَإِذَا قُلْتَ: " إِنَّ زَيْدًا وَعَمْرًا - وَكَذَا بَكْرٌ - أَوْ بَكْرٌ كَذَلِكَ - قَادِرُونَ عَلَى مُنَاظَرَةِ خَالِدٍ " لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْلُ بَلِيغًا إِلَّا إِذَا كَانَ بَكْرٌ فِي مَظِنَّةِ الْعَجْزِ عَنْ مُنَاظَرَةِ خَالِدٍ، وَأَرَدْتَ أَنْ تُنَبِّهَ عَلَى خَطَأِ هَذَا الظَّنِّ، وَعَلَى كَوْنِ بَكْرٍ يَقْدِرُ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو. وَهَاهُنَا قَاعِدَةٌ عَامَّةٌ فِي الْبَلَاغَةِ، تَدْخُلُ فِي بَلَاغَةِ النُّطْقِ وَالْكِتَابَةِ؛ وَهِيَ أَنَّ مَا يُرَادُ تَنْبِيهُ السَّمْعِ أَوِ اللَّحْظِ إِلَيْهِ مِنَ الْمُفْرَدَاتِ أَوِ الْجُمَلِ يُمَيَّزُ عَلَى غَيْرِهِ، إِمَّا بِتَغْيِيرِ نَسَقِ الْإِعْرَابِ فِي مِثْلِ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ مُطْلَقًا، وَإِمَّا بِرَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْخَطَابَةِ، وَإِمَّا بِكِبَرِ الْحُرُوفِ، أَوْ تَغْيِيرِ لَوْنِ الْحِبْرِ، أَوْ وَضْعِ الْخُطُوطِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَكْتُبُونَ الْقُرْآنَ فِي التَّفْسِيرِ وَالْمُتُونَ الْمَشْرُوحَةَ بِحِبْرٍ أَحْمَرَ، وَفِي الطَّبْعِ يَضَعُونَ الْخُطُوطَ فَوْقَ الْكَلَامِ الَّذِي يُمَيِّزُونَهُ ; كَآيَاتِ

стр. 2274

الْقُرْآنِ فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ، ثُمَّ صَارَ الْكَثِيرُونَ مِنْهُمْ يُقَلِّدُونَ الْإِفْرِنْجَ فِي وَضْعِ هَذِهِ الْخُطُوطِ تَحْتَ الْكَلَامِ الَّذِي يُرِيدُونَ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ بِتَمْيِيزِهِ. وَقَدْ تَجَرَّأَ بَعْضُ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ عَلَى دَعْوَى وُجُودِ الْغَلَطِ النَّحْوِيِّ فِي الْقُرْآنِ! وَعَدَّ رَفْعَ الصَّابِئِينَ هُنَا مِنْ هَذَا الْغَلَطِ! وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ السَّخْفِ وَالْجَهْلِ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ هَذِهِ الْجُرْأَةُ مِنَ الظَّاهِرِ الْمُتَبَادَرِ مِنْ قَوَاعِدِ النَّحْوِ مَعَ جَهْلٍ أَوْ تَجَاهُلِ أَنَّ النَّحْوَ اسْتُنْبِطَ مِنَ اللُّغَةِ، وَلَمْ تُسْتَنْبَطِ اللُّغَةُ مِنْهُ، وَأَنَّ قَوَاعِدَهُ إِذَا قَصُرَتْ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِبَعْضِ مَا ثَبَتَ عَنِ الْعَرَبِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِقُصُورٍ فِيهَا، وَأَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ نَقْلُهُ عَنِ الْعَرَبِ فَهُوَ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ، وَلَا يُنْسَبُ إِلَى الْعَرَبِ الْغَلَطُ فِي الْأَلْفَاظِ، وَلَكِنْ قَدْ يَغْلَطُونَ فِي الْمَعَانِي، وَلَمْ تُوجَدْ لُغَةٌ مِنْ لُغَاتِ الْبَشَرِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا تَتَرَقَّى اللُّغَاتُ وَتَتَّسِعُ بِالتَّدْرِيجِ، وَلَمْ يَكُنِ التَّجْدِيدُ فِي مُفْرَدَاتِهَا وَمُرَكَّبَاتِهَا، وَالتَّصَرُّفُ فِي أَسَالِيبِهَا وَمُشْتَقَّاتِهَا بِالتَّشَاوُرِ وَالتَّوَاطُؤِ بَيْنَ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ وَلَا بَيْنَ الْجَمَاعَاتِ مِنْهَا - إِلَّا مَا يَحْصُلُ فِي بَعْضِ الْمَجَامِعِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْأَدَبِيَّةِ عِنْدَ بَعْضِ الْإِفْرِنْجِ فِي هَذَا الْعَصْرِ - وَإِنَّمَا كَانَ التَّصَرُّفُ وَالتَّجْدِيدُ مِنْ عَمَلِ الْأَفْرَادِ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَشْتَهِرُونَ بِالْفَصَاحَةِ ; كَالْخُطَبَاءِ وَالشُّعَرَاءِ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمُعْتَرِضُ ضَعِيفَ الْعَقْلِ أَوْ قَوِيَّ التَّعَصُّبِ عَلَى الْإِسْلَامِ لَنَهَاهُ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ رِوَايَةُ هَذَا اللَّفْظِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ ؛ فَكَيْفَ وَقَدْ تَلَقَّتْهُ الْعَرَبُ بِالْقَبُولِ وَالِاسْتِحْسَانِ، فَكَانَ إِجْمَاعًا عَلَيْهِ أَقْوَى مِنْ إِقْرَارِ الْأَنْدِيَةِ الْأَدَبِيَّةِ (الْأَكَادِمِيَّاتِ) الْآنَ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَنْهَاهُ مِثْلُ ذَلِكَ نَقْلُهُ عَنْ أَيِّ بَدَوِيٍّ مِنْ صَعَالِيكِ الْعَرَبِ، وَلَوْ بِرِوَايَةِ الْآحَادِ. وَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ يُعِدُّ ذَلِكَ الْمُتَعَصِّبُ الْأَعْمَى مُبْتَكَرَاتِ مِثْلِ شِكْسِبِيرَ فِي الْإِنْكِلِيزِيَّةِ وَفِيكْتُورْ هِيغُو بِالْفَرَنْسِيَّةِ مِنَ اللَّحْنِ وَالْغَلَطِ فِيهَا؟ وَأَمَّا تَقْدِيمُ الصَّابِئِينَ هُنَا عَلَى النَّصَارَى فَمَنْ قَالَ إِنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا هُنَا الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ ادَّعَوُا الْإِيمَانَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ يَرَى أَنَّ نُكْتَتَهُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ بِالتَّرَقِّي مِنَ الْجَدِيرِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ - إِذَا صَحَّ إِيمَانُهُ وَدُعِّمَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ - إِلَى الْأَجْدَرِ بِذَلِكَ، وَيَجْعَلُ النَّصَارَى أَقْرَبَهَا إِلَى الْقَبُولِ، وَيَلِيهِمْ عِنْدَهُ الصَّابِئُونَ فَالْيَهُودُ فَالْمُنَافِقُونَ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ لَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ، بَلْ مُطْلَقَ الْجَمْعِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَكَلُّفِ النُّكْتَةِ لِلتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.

стр. 2275

(لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) بَدَأَ اللهُ تَعَالَى السِّيَاقَ الطَّوِيلَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ بِأَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبَعَثَ النُّقَبَاءَ فِيهِمْ، ثُمَّ أَعَادَ التَّذْكِيرَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهِ هُنَا، فَذَكَرَهُ وَذَكَرَ مَعَهُ إِرْسَالَ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ، وَمَا كَانَ مِنْ مُعَامَلَتِهِمْ لَهُمْ فَقَالَ: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمِيثَاقَ هُوَ الْعَهْدُ الْمُوَثَّقُ الْمُؤَكَّدُ، وَأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ فَرَاجِعِ الْآيَةَ الْـ ١٣ (ص٢٣٢ ج ٦ ط الْهَيْئَةِ) . وَقَدْ نَقَضُوا الْمِيثَاقَ كَمَا تَبَيَّنَ فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ وَأَوَاخِرِ مَا قَبْلَهَا، وَأَمَّا مُعَامَلَتُهُمْ لِلرُّسُلِ

стр. 2276

فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى إِجْمَالَهُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَهِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِشَيْءٍ لَا تَهْوَاهُ أَنْفُسُهُمْ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَرِنًا بِأَشْيَاءَ يُوَافِقُ فِيهَا الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ، عَامَلُوهُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: التَّكْذِيبِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْإِعْرَاضِ وَالْعِصْيَانِ، أَوِ الْقَتْلِ وَسَفْكِ الدَّمِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ جُمْلَةَ (كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، لَا صِفَةٌ لِرُسُلٍ كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ. وَجَعْلُ الرُّسُلِ فَرِيقَيْنِ فِي الْمُعَامَلَةِ، بَعْدَ ذِكْرِ لَفْظِ الرَّسُولِ مُفْرَدًا فِي اللَّفْظِ، جَائِزٌ ; لِأَنَّ وُقُوعَهُ مُفْرَدًا إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ (كُلَّمَا) الْمُفِيدَةِ لِلتَّكْرَارِ وَالتَّعَدُّدِ، وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ " كُلَّمَا " مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: اسْتَكْبَرُوا وَأَعْرَضُوا، وَجَعَلَ التَّفْصِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا، مُفَصِّلًا لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الِاسْتِكْبَارِ وَعَدَمِ قَبُولِ هِدَايَةِ الرُّسُلِ. وَهُوَ حَسَنٌ لِمُوَافَقَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) (٢: ٨٧) وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا. وَالتَّعْبِيرُ عَنِ الْقَتْلِ بِالْمُضَارِعِ مَعَ كَوْنِهِ كَالتَّكْذِيبِ وَقَعَ فِي الْمَاضِي نُكْتَتُهُ تَصْوِيرُ جُرْمِ الْقَتْلِ الشَّنِيعِ وَاسْتِحْضَارُ هَيْئَتِهِ الْمُنْكَرَةِ كَأَنَّهُ وَاقِعٌ فِي الْحَالِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي النَّعْيِ عَلَيْهِمْ وَالتَّوْبِيخِ لَهُمْ. فَقَدْ أَفَادَتِ الْآيَةُ أَنَّهُمْ بَلَغُوا مِنَ الْفَسَادِ وَاتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ أَخْشَنَ مَرْكَبٍ وَأَشَدَّهُ تَقَحُّمًا بِهِمْ فِي الضَّلَالِ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يُؤْثِّرُ فِي قُلُوبِهِمْ وَعْظُ الرُّسُلِ وَهَدْيُهُمْ، بَلْ صَارَ يُغْرِيهِمْ بِزِيَادَةِ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَقَتْلِ أُولَئِكَ الْهُدَاةِ الْأَخْيَارِ. (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أَيْ وَظَنُّوا ظَنًّا تَمَكَّنَ مِنْ نُفُوسِهِمْ، فَكَانَ كَالْعِلْمِ فِي قُوَّتِهِ أَنَّهُ لَا تُوجَدُ وَلَا تَقَعُ لَهُمْ فِتْنَةٌ بِمَا فَعَلُوا مِنَ الْفَسَادِ. وَالْفِتْنَةُ: الِاخْتِبَارُ بِالشَّدَائِدِ ; كَتَسَلُّطِ الْأُمَمِ الْقَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ وَالتَّخْرِيبِ وَالِاضْطِهَادِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا الْقَحْطُ وَالْجَوَائِحُ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ هُنَا، وَإِنَّمَا الْمُتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا أُجْمِلَ هُنَا هُوَ مَا جَاءَ مُفَصَّلًا فِي أَوَائِلِ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ، الَّتِي تُسَمَّى سُورَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) (١٧: ٤) إِلَى قَوْلِهِ: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) الْآيَةَ. فَالْفَسَادُ مَرَّتَيْنِ هُنَاكَ هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ) أَيْ فَعَمُوا عَنِ آيَاتِ اللهِ فِي كُتُبِهِ، الدَّالَّةِ عَلَى عِقَابِ اللهِ لِلْأُمَمِ الْمُفْسِدَةِ الظَّالِمَةِ، وَعَنْ سُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ الْمُصَدِّقَةِ لَهَا، وَصَمُّوا عَنْ سَمَاعِ الْمَوَاعِظِ الَّتِي جَاءَهُمْ بِهَا الرُّسُلُ وَأَنْذَرُوهُمْ بِهَا عِقَابَ اللهِ لِمَنْ نَقَضَ مِيثَاقَهُ، وَخَرَجَ عَنْ هِدَايَةِ دِينِهِ، فَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَظَلَمَ نَفْسَهُ وَالنَّاسَ، فَلَمَّا عَمُوا وَصَمُّوا، وَانْهَمَكُوا فِي الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ، سَلَّطَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْبَابِلِيِّينَ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ، وَأَحْرَقُوا الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى

стр. 2277

وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَسَبَوُا الْأُمَّةَ وَسَلَبُوهَا الْمُلْكَ وَالِاسْتِقْلَالَ، ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى وَتَابَ عَلَيْهِمْ، وَأَعَادَ إِلَيْهِمْ مُلْكَهُمْ وَعِزَّهُمْ، ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا مَرَّةً أُخْرَى، وَعَادُوا إِلَى ظُلْمِهِمْ وَإِفْسَادِهِمْ فِي الْأَرْضِ، وَقَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَسَلَّطَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْفُرْسَ، ثُمَّ الرُّومَ (الرُّومَانِيِّينَ) فَأَزَالُوا مُلْكَهُمْ وَاسْتِقْلَالَهُمْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَثِيرٌ مِنْهُمْ) فَهُوَ بَدَلٌ مِنْ فَاعِلِ " عَمُوا وَصَمُّوا " أَوْ هُوَ الْفَاعِلُ وَالْوَاوُ عَلَامَةُ الْجَمْعِ عَلَى لُغَةِ بَعْضِ الْعَرَبِ مِنَ الْأَزْدِ الَّتِي يُعَبِّرُ النُّحَاةُ بِكَلِمَةِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا قَالَ " أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ "، وَالْمُرَادُ أَنَّ عَمَى الْبَصِيرَةِ وَالْخَتْمَ عَلَى السَّمْعِ لَمْ يَكُنْ عَامًّا مُسْتَغْرِقًا لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ هُوَ الْكَثِيرُ الْغَالِبُ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي تَفْسِيرِ (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) بَيَانُ حِكْمَةِ هَذَا التَّدْقِيقِ فِي الْقُرْآنِ بِنِسْبَةِ الْفَسَادِ لِلْكَثِيرِ أَوِ الْأَكْثَرِ فِي الْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا يُعَاقِبُ اللهُ الْأُمَمَ بِالذُّنُوبِ إِذَا كَثُرَتْ وَشَاعَتْ فِيهَا ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْغَالِبِ، وَالْقَلِيلُ النَّادِرُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الصَّلَاحِ أَوِ الْفَسَادِ الْعَامِّ ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (٨: ٢٥) وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَعِلَّتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَحِكْمَتُهُ بَاهِرَةٌ. (وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) الْآنَ مِنَ الْكَيْدِ لِخَاتَمِ الرُّسُلِ ; فَاتِّبَاعُ الْهَوَى قَدْ أَعْمَاهُمْ وَأَصَابَهُمْ مَرَّةً أُخْرَى، فَتَرَكَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ النُّورِ وَالْهُدَى، وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ النُّعُوتِ وَالصِّفَاتِ، الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا النَّبِيُّونَ فِي بِشَارَاتِهِمْ بِهِ، وَلَا يَسْمَعُونَ مَا يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْآيَاتِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ، وَسَيُعَاقِبُهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا عَاقَبَهُمْ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ، فَجَعَلُوا (يَعْمَلُونَ) بِمَعْنَى الْمَاضِي، وَنُكْتَةُ التَّعْبِيرِ بِهِ اسْتِحْضَارُ صُورَةِ أَعْمَالِهِمْ فِي مَاضِيهِمْ، وَتَمْثِيلُهَا لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ فِي حَاضِرِهِمْ، كَمَا قُلْنَا فِي تَفْسِيرِ (وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) وَمَا قُلْنَاهُ أَقْوَى وَأُظْهِرُ، وَإِنَّمَا تَحْسُنُ هَذِهِ النُّكْتَةُ فِي الْعَمَلِ الْمُعَيَّنِ الْمُهِمِّ الَّذِي يُرَادُ التَّذْكِيرُ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِجَعْلِ الزَّمَنِ الْحَاضِرِ مِرْآةً لِلزَّمَنِ الْغَابِرِ، وَلَا يَظْهَرُ هَذَا الْحُسْنُ فِي الْأَعْمَالِ الْمُطَلَقَةِ الْمُبْهَمَةِ. وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيَّ وَيَعْقُوبَ قَرَءُوا " أَنْ لَا تَكُونَ "، وَالْأَصْلُ حِينَئِذٍ: وَحَسِبُوا أَنَّهُ - أَيِ الْحَالَ وَالشَّأْنَ - لَا تَكُونُ فِتْنَةٌ ; فَخُفِّفَتْ أَنَّ الْمُشَدَّدَةُ، وَحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ الْمُتَّصِلِ، وَأُشْرِبَ الْحُسْبَانُ مَعْنَى الْعَمَلِ كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ بَيَانِ حَالِ الْيَهُودِ إِلَى بَيَانِ حَالِ النَّصَارَى فِي دِينِهِمْ فَقَالَ : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) أَكَّدَ تَعَالَى بِالْقَسَمِ كُفْرَ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ مِنَ النَّصَارَى ; إِذْ غَلَوْا فِي إِطْرَاءِ نَبِيِّهِمُ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ غُلُوًّا ضَاهَوْا بِهِ غُلُوَّ الْيَهُودِ فِي الْكُفْرِ بِهِ وَقَوْلِهِمْ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمِّهِ الصِّدِّيقَةِ بُهْتَانًا عَظِيمًا، ثُمَّ صَارَ هُوَ الْعَقِيدَةَ الشَّائِعَةَ فِيهِمْ،

стр. 2278

وَمِنْ عَدَلَ عَنْهَا إِلَى التَّوْحِيدِ يُعَدُّ مَارِقًا مِنْ دِينِهِمْ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الْإِلَهَ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أُصُولٍ يُسَمُّونَهَا " أَقَانِيمَ "، وَهِيَ: الْآبُ، وَالِابْنُ، وَرُوحُ الْقُدُسِ. وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ الِابْنُ، وَاللهَ هُوَ الْآبُ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ عَيْنُ الْآخَرِينَ، فَيُنْتِجُ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللهُ بِزَعْمِهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْـ ١٧ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ (رَاجِعْ ص٢٥٤ وَمَا بَعْدَهَا ج ٧ ط الْهَيْئَةِ) . (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لَهُمْ ضِدَّ مَا يَقُولُونَ ; أَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، مُعْتَرِفًا بِأَنَّهُ رَبُّهُ وَرَبُّهُمْ، فَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَدَعَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ الَّذِي يَعْبُدُهُ هُوَ، وَلَا يَزَالُ أَمْرُهُ هَذَا مَحْفُوظًا عِنْدَهُمْ فِيمَا حَفِظُوا مِنْ إِنْجِيلِهِ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ، الَّتِي كُتِبَتْ لِبَيَانِ بَعْضِ سِيرَتِهِ وَتَارِيخِهِ، وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْأَنَاجِيلَ ; فَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا مِنْهَا عَنْهُ ﵇ مَا نَصُّهُ: " ٧: ٣ وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ ; أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقِيقِيُّ وَحْدَكَ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ "، فَدِينُ الْمَسِيحِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوْحِيدِ الْمَحْضِ، وَهُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ جَمِيعَ رُسُلِهِ، وَسَنَعُودُ إِلَى بَيَانِ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ حِكَايَةً عَنْهُ ﵇: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) (٥: ١١٧) . (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) أَمَرَهُمْ ﵇ بِالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَقَفَّى عَلَيْهِ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ، وَالْوَعِيدِ عَلَيْهِ، بِبَيَانِ أَنَّ الْحَالَ وَالشَّأْنَ الثَّابِتَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى هُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا مَا مِنْ مَلَكٍ أَوْ بَشَرٍ أَوْ كَوْكَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، بِأَنْ يَجْعَلَهُ نِدًّا لَهُ، أَوْ مُتَّحِدًا بِهِ، أَوْ يَدْعُوهُ لِجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ أَوْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُقَرِّبُهُ إِلَى اللهِ زُلْفًى، فَيَتَّخِذُهُ شَفِيعًا، زَاعِمًا أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي إِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى أَوْ عِلْمِهِ، فَيَحْمِلُهُ عَلَى شَيْءٍ غَيْرِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ، وَخَصَّصَتْهُ إِرَادَتُهُ فِي الْأَزَلِ، مَنْ يُشْرِكُ هَذَا الشِّرْكَ وَنَحْوَهُ فَإِنَّ اللهَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فِي الْآخِرَةِ، بَلْ هُوَ قَدْ حَرَّمَهَا عَلَيْهِ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ، وَبِمُقْتَضَى دِينِهِ الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَى جَمِيعِ رُسُلِهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ مَأْوَى وَلَا مَلْجَأُ يَأْوِي إِلَيْهِ إِلَّا النَّارُ، دَارُ الْعَذَابِ وَالْهَوَانِ، وَمَا لِهَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِالشِّرْكِ مِنْ نَصِيرٍ يَنْصُرُهُمْ، وَلَا شَفِيعٍ يُنْقِذُهُمْ (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٢: ٢٥٥) (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ٢١: ٢٨) فَالنَّافِعُ رِضَاهُ (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) (٣٩: ٧) وَشَرُّ أَنْوَاعِهِ الشِّرْكُ. وَنُكْتَةُ جَمْعِ الْأَنْصَارِ مَعَ كَوْنِ النَّكِرَةِ الْمُفْرَدَةِ تُفِيدُ الْعُمُومَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ هِيَ التَّنْبِيهُ عَلَى كَوْنِ النَّصَارَى كَانُوا يَتَّكِلُونَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الرُّسُلِ وَالْقِدِّيسِينَ ; إِذْ كَانَتْ وَثَنِيَّةُ الشَّفَاعَةِ قَدْ فَشَتْ فِيهِمْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَصْلِ دِينِهِمْ.

стр. 2279

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) أَكَّدَ تَعَالَى بِالْقَسَمِ أَيْضًا كُفْرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ الَّذِي هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، ثَالِثُ أَقَانِيمَ ثَلَاثَةٍ ; وَهِيَ: الْآبُ، وَالِابْنُ، وَرُوحُ الْقُدُسِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا قَوْلٌ كَانَ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ النَّصَارَى قَبْلَ افْتِرَاقِ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلْكَانِيَّةِ وَالنُّسْطُورِيَّةِ، كَانُوا فِيمَا بَلَغْنَا يَقُولُونَ: الْإِلَهُ الْقَدِيمُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ يَعُمُّ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ ; أَبًا وَالِدًا غَيْرَ مَوْلُودٍ، وَابْنًا مَوْلُودًا غَيْرَ وَالِدٍ، وَزَوْجًا مُتَتَبِّعَةً بَيْنَهُمَا اهـ. فَكَانَ هُوَ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُؤَرِّخِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ يَرَوْنَ - بِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَالِ نَصَارَى زَمَنِهِمْ، وَمَا يَرْوُونَ عَمَّنْ قَبْلَهُمْ - أَنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِنَ النَّصَارَى أَنَّ إِلَهَهُمْ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ هُمْ غَيْرُ الْفِرْقَةِ الَّتِي تَقُولُ مِنْهُمْ: إِنِ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَأَنَّ ثَمَّ فَرِقَّةٌ ثَالِثَةٌ تَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ، وَلَيْسَ هُوَ اللهَ، وَلَا ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ، وَأَمَّا النَّصَارَى الْمُتَأَخِّرُونَ فَالَّذِي نَعْرِفُهُ مِنْهُمْ وَعَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالثَّلَاثَةِ الْأَقَانِيمِ، وَبِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَيْنُ الْآخَرِ، فَالْآبُ عَيْنُ الِابْنِ، وَعَيْنُ رُوحِ الْقُدُسِ، وَلَمَّا كَانَ الْمَسِيحُ هُوَ الِابْنُ كَانَ عَيْنُ الْآبِ وَرُوحِ الْقُدُسِ أَيْضًا، وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ بَعْضَ مُتَأَخِّرِي الْمُفَسِّرِينَ يَنْقُلُونَ أَقْوَالَ مَنْ قَبْلَهُمْ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَيُقِرُّونَهَا وَلَا يَبْحَثُونَ عَنْ حَالِ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَلَا يَشْرَحُونَ حَقِيقَةَ عَقِيدَتِهِمْ، وَقَدْ سَبَقَ لَنَا بَيَانُ عَقِيدَةِ التَّثْلِيثِ، وَكَوْنِ النَّصَارَى أَخَذُوهَا عَنْ قُدَمَاءَ الْوَثَنِيِّينَ، فَارْجِعْ إِلَى تَفْسِيرِ (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ) (٤: ١٧١) فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، رَاجِعْ (ص٧١ وَمَا بَعْدَهَا ج ٦ ط الْهَيْئَةِ) وَبَيَّنَّا قُبَيْلَهَا عَقِيدَةَ الصَّلْبِ وَالْفِدَاءِ، رَاجِعْ (ص٢٠ وَمَا بَعْدَهَا ج ٦ ط الْهَيْئَةِ) ثُمَّ بَيَّنَّا عَقِيدَةَ التَّثْلِيثِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ ١٧ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ (ص٢٥٣ وَمَا بَعْدَهَا ج ٦ ط الْهَيْئَةِ) . قَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) أَيْ قَالُوا هَذَا بِلَا رَوِيَّةٍ وَلَا بَصِيرَةٍ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ، وَلَا اثْنَانِ، وَلَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، لَا يُوجَدُ إِلَهٌ مَا إِلَّا إِلَهٌ مُتَّصِفٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَهُوَ " اللهُ " الَّذِي لَا تَرْكِيبَ فِي ذَاتِهِ، وَلَا تَعَدُّدَ. وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَشَدُّ تَأْكِيدًا لِنَفْيِ تَعَدُّدِ الْإِلَهِ مِنْ عِبَارَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ ; لِأَنَّ (مِنْ) بَعْدَ (مَا) تُفِيدُ اسْتِغْرَاقَ النَّفْيِ وَشُمُولِهِ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُتَعَدِّدِ وَكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، فَلَيْسَ ثَمَّ تَعْدَادُ ذَوَاتٍ وَأَعْيَانٍ، وَلَا تَعَدُّدُ أَجْنَاسٍ أَوْ أَنْوَاعٍ، وَلَا تَعَدُّدَ جُزْئِيَّاتٍ أَوْ أَجْزَاءٍ، وَالنَّصَارَى قَدِ اقْتَبَسُوا عَقِيدَةَ التَّثْلِيثِ عَمَّنْ قَبْلَهُمْ، وَلَمْ يَفْهَمُوهَا، وَعُقَلَاؤُهُمْ يَتَمَنَّوْنَ لَوْ يَقْدِرُونَ عَلَى التَّفَصِّي مِنْهَا، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا أَنْكَرُوهَا، بَعْدَ هَذِهِ الشُّهْرَةِ تَبْطُلُ ثِقَةُ الْعَامَّةِ بِالنَّصْرَانِيَّةِ كُلِّهَا. كَمَا قَالَ أَحَدُ عُقَلَاءِ الْقُسُوسِ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ الْعَصْرِيِّ مِنَ الشُّبَّانِ السُّورِيِّينَ. وَمِنَ الْغَرِيبِ أَنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ لَا تُعْقَلُ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ يُحَاوِلُ تَأْنِيسَ النُّفُوسِ بِهَا، بِضَرْبِ أَمْثِلَةٍ لَا تَصْدُقُ عَلَيْهَا ; كَكَوْنِ الشَّمْسِ مُرَكَّبَةً مِنَ الْجِرْمِ الْمُشْتَعِلِ وَالنُّورِ وَالْحَرَارَةِ، قَالَ الشَّيْخُ نَاصِيفٌ الْيَازِجِيُّ:

стр. 2280

نَحْنُ النَّصَارَى آلَ عِيسَى الْمُنْتَمِي حَسَبَ التَّأَنُّسِ لِلْبَتُولَةِ (؟) مَرْيَمِ فَهُوَ الْإِلَهُ ابْنُ الْإِلَهِ وَرُوحُهُ فَثَلَاثَةٌ فِي وَاحِدٍ لَمْ تُقْسَمِ لِلْآبِ لَاهُوتُ ابْنِهِ وَكَذَا ابْنُهُ وَكَذَا هُمَا وَالرُّوحُ تَحْتَ تَقَنُّمِ كَالشَّمْسِ يَظْهَرُ جِرْمُهَا بِشُعَاعِهَا وَبِحَرِّهَا وَالْكُلُّ شَمْسٌ فَاعْلَمِ فَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ رَبَّهُمْ جَوْهَرٌ لَهُ أَعْرَاضٌ كَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ، وَلَكِنَّ الْعَرَضَ لَيْسَ عَيْنَ الذَّاتِ، فَحَرَارَةُ الشَّمْسِ لَيْسَتْ شَمْسًا، وَلَا هِيَ عَيْنَ الْجِرْمِ، وَلَا عَيْنَ الضَّوْءِ، فَإِذًا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الِابْنُ وَرُوحُ الْقُدُسِ عَيْنَ الْآبِ! وَقَدْ أَوْرَدَ صَاحِبُ إِظْهَارِ الْحَقِّ الْحِكَايَةَ الْآتِيَةَ فِي بَيَانِ تَخَبُّطِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، قَالَ: " نُقِلَ أَنَّهُ تَنَصَّرَ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ، وَعَلَّمَهُمْ بَعْضُ الْقِسِّيسِينَ الْعَقَائِدَ الضَّرُورِيَّةَ، سِيَّمَا عَقِيدَةَ التَّثْلِيثِ. وَكَانُوا فِي خِدْمَتِهِ، فَجَاءَ مُحِبٌّ مِنْ أَحِبَّاءِ هَذَا الْقِسِّيسِ، وَسَأَلَهُ عَمَّنْ تَنَصَّرَ، فَقَالَ: ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ تَنَصَّرُوا، فَسَأَلَهُ هَذَا الْمُحِبُّ: هَلْ تَعَلَّمُوا شَيْئًا مِنَ الْعَقَائِدِ الضَّرُورِيَّةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَطَلَبَ وَاحِدًا مِنْهُمْ لِيُرِيَ مُحِبَّهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ عَقِيدَةِ التَّثْلِيثِ فَقَالَ: إِنَّكَ عَلَّمْتَنِي أَنَّ الْآلِهَةَ ثَلَاثَةٌ ; أَحَدُهُمُ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ، وَالثَّانِي الَّذِي تُوُلِّدَ مِنْ بَطْنِ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، وَالثَّالِثُ الَّذِي نَزَلَ فِي صُورَةِ الْحَمَامَةِ عَلَى الْإِلَهِ الثَّانِي بَعْدَ مَا صَارَ ابْنَ ثَلَاثِينَ سَنَةً. فَغَضِبَ الْقِسِّيسُ وَطَرَدَهُ، وَقَالَ هَذَا مَجْهُولٌ، ثُمَّ طَلَبَ الْآخَرَ مِنْهُمْ وَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ عَلَّمْتَنِي أَنَّ الْآلِهَةَ كَانُوا ثَلَاثَةً، وَصُلِبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ; فَالْبَاقِي إِلَهَانِ، فَغَضِبَ عَلَيْهِ الْقِسِّيسُ أَيْضًا وَطَرْدَهُ، ثُمَّ طَلَبَ الثَّالِثَ، وَكَانَ ذَكِيًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوَّلَيْنِ، وَحَرِيصًا فِي حِفْظِ الْعَقَائِدِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يَا مَوْلَايَ حَفِظْتُ مَا عَلَّمْتَنِي حِفْظًا جَيِّدًا، وَفَهِمْتُ فَهْمًا كَامِلًا بِفَضْلِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ أَنَّ الْوَاحِدَ ثَلَاثَةٌ، وَالثَّلَاثَةَ وَاحِدٌ، وَصُلِبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَمَاتَ ; فَمَاتَ الْكُلُّ لِأَجْلِ الِاتِّحَادِ، وَلَا إِلَهَ الْآنَ، وَإِلَّا يَلْزَمُ نَفْيُ الِاتِّحَادَ. أَقُولُ: لَا تَقْصِيرَ لِلْمَسْئُولِينَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ يَخْبِطُ فِيهَا الْجُهَلَاءُ هَكَذَا، وَيَتَحَيَّرُ عُلَمَاؤُهُمْ، وَيَعْتَرِفُونَ بِأَنَّا نَعْتَقِدُ وَلَا نَفْهَمُ، وَيَعْجَزُونَ عَنْ تَصْوِيرِهَا وَبَيَانِهَا اهـ. (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لِيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ قَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ وَيَتْرُكُوهُ، وَيَعْتَصِمُوا بِعُرْوَةِ التَّوْحِيدِ الْوُثْقَى وَيَعْتَقِدُوهُ، فَوَاللهِ لَيُصِيبَنَّهُمْ بِكُفْرِهِمْ عَذَابٌ شَدِيدُ الْأَلَمِ فِي الْآخِرَةِ، فَوَضَعَ (الَّذِينَ كَفَرُوا) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ; لِيُثْبِتَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ كُفْرٌ بِاللهِ، وَأَنَّ الْكُفْرَ سَبَبُ الْعَذَابِ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْعَذَابَ لَا يَمَسُّ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ خَاصَّةً بِالتَّثْلِيثِ أَوْ غَيْرِهِ، دُونَ مَنْ تَابَ وَأَنَابَ إِلَى اللهِ تَعَالَى ; إِذْ لَيْسَ عَذَابُ الْآخِرَةِ كَعَذَابِ الْأُمَمِ فِي الدُّنْيَا، يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُذْنِبُونَ وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: إِنَّ " مِنْ " بَيَانِيَّةٌ.
следующие страницы →