← Тафсир

Тафсир · id 12304

تفسير المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (5 061 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

النَّبِيِّ ﷺ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَمَامَنَا وَالْقَوْمُ مُحْرِمُونَ وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، وَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ فَقُمْتُ إِلَى الْفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقَالُوا: وَاللهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ، فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ، فَرُحْنَا وَخَبَأْتُ الْعَضُدَ مَعِي، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ فَأَكَلَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمْ " هُوَ حَلَالٌ فَكُلُوهُ " وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوهُ " وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ " هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ أَحَدٌ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا " وَرِوَايَةُ التَّأْنِيثِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا صَادَهُ أَبُو قَتَادَةَ كَانَ أَتَانًا لَا حِمَارًا، فَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ " فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا ". . . إِلَخْ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْوَاقِعَةُ مُتَعَدِّدَةً خَلَطَ الرُّوَاةُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ " وَأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : وَإِنِّي إِنَّمَا صِدْتُهُ لَكَ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ " وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ وَقَدِ اسْتَغْرَبُوا هَذَهِ الزِّيَادَةَ وَشَكُّوا فِي كَوْنِهَا مَحْفُوظَةً، لِمُخَالَفَتِهَا رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ، وَحَاوَلَ بَعْضُهُمُ الْجَمْعَ بِكَوْنِهِ أَكَلَ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِأَنَّهُ اصْطَادَهُ لَهُ وَامْتَنَعَ بِهِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ، وَهُوَ تَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ، وَلَا يَظْهَرُ الْجَمْعُ إِلَّا إِذَا ثَبَتَ أَوِ احْتَمَلَ تَعَدُّدَ الْوَاقِعَةِ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ شُذُوذٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ: " خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ فَرَأَيْتُ حِمَارًا فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَاصْطَدْتُهُ، فَذَكَرْتُ شَأْنَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ وَأَنِّي إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ " وَاسْتَشْكَلُوهُ بِأَنَّهُ كَيْفَ جَازَ أَنْ يَتْرُكَ الْإِحْرَامَ وَهُوَ مَعَهُمْ، وَالصَّوَابُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ وَجْهُهُ عَلَى طَرِيقِ الْبَحْرِ مَخَافَةَ الْعَدْوِ، فَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ لِتَعْبِيرِهِ عَنْ خُرُوجِهِ وَعَدَمِ إِحْرَامِهِ هُنَا وَجْهٌ ظَاهِرٌ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ " أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ كِلَاهُمَا فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ ". وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ

стр. 2382

النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ " وَلَهُ طُرُقٌ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهَا مِنْ عِلَّةٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَقْيَسُ. (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فَلَا تُحِلُّوا مَا حَرَّمَهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ مَخَافَةَ أَنْ يُعَاقِبَكُمْ يَوْمَ تُحْشَرُونَ إِلَيْهِ، أَيْ تُجْمَعُونَ وَتُسَاقُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْحِسَابِ. (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . هَذِهِ الْآيَةُ تَتِمَّةُ السِّيَاقِ السَّابِقِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ أَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ يَكُونُ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ، وَأُرِيدَ بِالْكَعْبَةِ هُنَالِكَ حَرَمُهَا وَجِوَارُهَا الَّذِي تُؤَدَّى فِيهِ الْمَنَاسِكُ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ الْكَعْبَةَ وَأَرَادَ بِهَا عَيْنَهَا وَلِذَلِكَ بَيَّنَهَا بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ وَذَكَرَ الْهَدْيَ أَيْضًا. وَقَالَ الرَّازِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ اتِّصَالَ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا هُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الِاصْطِيَادَ عَلَى الْمُحْرِمِ، فَبَيَّنَ أَيْ هُنَا أَنَّ الْحَرَمَ كَمَا أَنَّهُ سَبَبٌ لِأَمْنِ الْوَحْشِ وَالطَّيْرِ فَكَذَلِكَ هُوَ سَبَبٌ لِأَمْنِ النَّاسِ مِنَ الْآفَاتِ وَالْمَخَافَاتِ، وَسَبَبٌ لِحُصُولِ الْخَيْرَاتِ وَالسِّعَادَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اه. (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ) الْجَعْلُ هُنَا إِمَّا خِلْقِيٌّ تَكْوِينِيٌّ وَهُوَ التَّصْيِيرُ، وَإِمَّا أَمْرِيٌّ تَكْلِيفِيٌّ وَهُوَ التَّشْرِيعُ، وَسَيَأْتِي تَوْجِيهُ كُلٍّ مِنْهَا، (وَالْكَعْبَةُ) فِي اللُّغَةِ الْبَيْتُ الْمُكَعَّبُ أَيِ الْمُرَبَّعُ، وَقِيلَ: الْمُرْتَفِعُ مِنْ كَعْبِ الرُّمْحِ وَهُوَ طَرَفُ الْأُنْبُوبِ النَّاشِزِ، أَوْ كَعْبِ الرَّجُلِ وَهُوَ النَّاتِئُ عِنْدَ مَفْصِلِ السَّاقِ، وَمِنْهُ كَعَّبَتِ الْجَارِيَةُ (الْبِنْتُ) وَكَعَّبَ ثَدْيُهَا يُكَعِّبُ إِذَا نَتَأَ وَارْتَفَعَ فَهِيَ كَاعِبٌ وَكَعَابٌ، وَثَدْيٌ كَاعِبٌ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ غَلَبَ اسْمُ الْكَعْبَةِ عَلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ الَّذِي بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمَكَّةَ أُمِّ الْقُرَى فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (ج١) وَتَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ (ج٤) قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْكَعْبَةُ لِأَنَّهَا مُرَبَّعَةٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْكَعْبَةُ لِتَرْبِيعِهَا، وَ (الْقِيَامُ) أَصْلُهُ الْقِوَامُ بِالْوَاوِ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ

стр. 2383

يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا كَالْمِيزَانِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَقُومُ بِهِ أَمْرُ النَّاسِ وَيَتَحَقَّقُ أَوْ يَسْتَقِيمُ وَيَصْلُحُ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ " قِيَمًا " بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَهُوَ بِمَعْنَى " قِيَامًا " وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ (وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ) ذُو الْحِجَّةِ الَّذِي تُؤَدَّى فِيهِ مَنَاسِكُ الْحَجِّ فِي تِلْكَ الْمَعَاهِدِ الْمُقَدَّسَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي كَانُوا يَتْرُكُونَ فِيهَا الْقِتَالَ، (وَالْهَدْيَ) مَا يُهْدَى إِلَى الْحَرَمِ مِنَ الْأَنْعَامِ لِلتَّوْسِعَةِ عَلَى فُقَرَائِهِ، (وَالْقَلَائِدَ) هُنَا ذَاتُ الْقَلَائِدِ مِنَ الْهَدْيِ وَهِيَ الْأَنْعَامُ الَّتِي كَانُوا يُقَلِّدُونَهَا إِذَا سَاقُوهَا هَدْيًا، خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِعِظَمِ شَأْنِهَا، وَقِيلَ: هِيَ عَلَى مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ مَا يُقَلَّدُ بِهِ الْهَدْيُ مِنَ النَّبَاتِ، وَكَذَا مَا كَانَ يَتَقَلَّدُ بِهِ مُرِيدُو الْحَجِّ وَالرَّاجِعُونَ مِنْهُ إِلَى بِلَادِهِمْ لِيَأْمَنُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَوَّلَ السُّورَةِ. وَالْمَعْنَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي الْجَعْلِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الْكَعْبَةَ الَّتِي هِيَ الْبَيْتُ الْحَرَامُ قِيَامًا لِلنَّاسِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ بِجِوَارِهَا وَالَّذِينَ يَحُجُّونَهَا، أَيْ سَبَبًا لِقِيَامِ مَصَالِحِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ بِإِيدَاعِ تَعْظِيمِهَا فِي الْقُلُوبِ، وَجَذْبِ الْأَفْئِدَةِ إِلَيْهَا، وَصَرْفِ النَّاسِ عَنِ الِاعْتِدَاءِ فِيهَا وَعَلَى مُجَاوَرِيهَا وَحُجَّابِهَا، وَتَسْخِيرِهِمْ لِجَلْبِ الْأَرْزَاقِ إِلَيْهَا، فَهَذَا هُوَ الْجَعْلُ الْخِلْقِيُّ التَّكْوِينِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ دُعَاءُ إِبْرَاهِيمَ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ الَّذِي حَكَاهُ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (١٤: ٣٧) وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (٢٨: ٥٧) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ٢٩: ٦٧) . وَالْمَعْنَى عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَهَا قِيَامًا لِلنَّاسِ فِي أَمْرِ دِينِهِمُ الْمُهَذِّبِ لِأَخْلَاقِهِمُ الْمُزَكِّي لِأَنْفُسِهِمْ، بِمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَجِّ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ الدِّينِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ رُوحِيَّةٌ بَدَنِيَّةٌ مَالِيَّةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ بَعْضِ حِكَمِهِ وَسَيَأْتِي لَهَا مَزِيدٌ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَمَا شَرَعَ فِي مَنَاسِكَ الْحَجِّ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ الَّتِي تُطَهِّرُ فَاعِلَهَا مِنْ رَذِيلَةِ الْبُخْلِ وَتُحَبِّبُهُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَتُحَبِّبُ إِلَيْهِ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ، وَيَتَّسِعُ بِهَا رِزْقُ أَهْلِ الْحَرَمِ، وَهَذَا هُوَ الْجَعْلُ الْأَمْرِيُّ التَّشْرِيعِيُّ، دَعْ مَا تَسْتَلْزِمُهُ كَثْرَةُ النَّاسِ هُنَاكَ مِنْ جَلْبِ الْأَرْزَاقِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا أُمُورُ الْمَعِيشَةِ. رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ فَسَّرَ الْقِيَامَ هُنَا بِقَوْلِهِ: قِيَامًا لِدِينِهِمْ وَمَعَالِمَ لِحَجِّهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ قَالَ: قِيَامُهَا أَنْ يَأْمَنَ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا.

стр. 2384

ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِيهِ ثَلَاثُ أَقْوَالٍ: (١) صَلَاحٌ لِدِينِهِمْ (٢) شِدَّةٌ لِدِينِهِمْ (٣) عِصْمَةٌ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ، فَهَذِهِ أَقْوَالُ مَنْ جَعَلَ الْقِيَامَ دِينًا فَقَطْ، وَإِنَّمَا هُوَ دِينِيٌّ دُنْيَوِيٌّ، لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ وَحُجَّاجَهُ مَا كَانُوا لِيَجِدُوا فِيهِ مَا يَعِيشُونَهُ بِهِ مِنَ الْغِذَاءِ، وَمَا يَأْمَنُونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْهَلَاكَ، لَوْلَا أَنْ جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ قِيَامًا لِأَمْرِ الْمَعِيشَةِ، كَمَا جَعَلَهَا قِيَامًا لِأَمْرِ الدِّينِ، وَلَكِنْ خَصَّ بَعْضُهُمُ الْقِيَامَ الدُّنْيَوِيَّ بِزَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِيهِمْ مُلُوكٌ يَدْفَعُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ مُلُوكٌ يَدْفَعُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُمُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا يَدْفَعُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِهِ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ كَذَلِكَ يَدْفَعُ اللهُ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَالْقَلَائِدِ، وَيَلْقَى الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ وَابْنَ عَمِّهِ فَلَا يَعْرِضُ لَهُ وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ نُسِخَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَعَلَ اللهُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ يَأْمَنُونَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، لَا يَخَافُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حِينَ يَلْقَوْنَهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ أَوْ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ) قَالَ: حَوَاجِزُ أَبْقَاهَا اللهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْنَ النَّاسِ، فَكَانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ لَمْ يُتَنَاوَلْ وَلَمْ يُقْرَبْ، كَانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ قَاتِلَ أَبِيهِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ وَلَمْ يَقْرَبْهُ، وَكَانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ الْهَدْيَ مُقَلَّدًا وَهُوَ يَأْكُلُ الْعَصَبَ مِنَ الْجُوعِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ وَلَمْ يَقْرَبْهُ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ الْبَيْتَ تَقَلَّدَ قِلَادَةً مِنْ شَعْرٍ فَأَحْمَتْهُ وَمَنَعَتْهُ مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ إِذَا نَفَرَ (أَيْ عَادَ مِنَ الْحَجِّ) تَقَلَّدَ قِلَادَةً مِنَ الْخَزِّ أَوْ مِنَ السَّمَرِ حَتَّى يَأْتِيَ أَهْلَهُ حَوَاجِزُ أَبْقَاهَا اللهُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ اه. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ جَعْلَ اللهِ تَعَالَى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ قِيَامًا لِلنَّاسِ هُوَ جَعْلٌ تَكْوِينِيٌّ تَشْرِيعِيٌّ مَعًا، وَهُوَ عَامٌّ شَامِلٌ لِمَا تَقُومُ بِهِ وَتَتَحَقَّقُ مَصَالِحُ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَشَامِلٌ لِزَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ وَعَهْدِ الْإِسْلَامِ، لَكِنْ لَهُ فِي كُلٍّ مِنَ الْعَهْدَيْنِ صُورَةٌ خَاصَّةٌ بِهِ فَفِي عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ التَّكْوِينِيُّ أَظْهَرَ وَالتَّشْرِيعِيُّ أَخْفَى، لِأَنَّهُمْ عَلَى إِضَاعَتِهِمْ لِشَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ صَلَّى الله عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ إِلَّا قَلِيلًا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ مَزَجُوهَا بِالْوَثَنِيَّةِ وَالْخُرَافَاتِ الْوَضْعِيَّةِ، وَكَانَتْ آيَاتُ اللهِ تَعَالَى

стр. 2385

التَّكْوِينِيَّةُ ظَاهِرَةً فِيهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ آنِفًا، وَسَبَقَ مَا فِي مَعْنَاهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَأَمَّا فِي عَهْدِ الْإِسْلَامِ فَالتَّشْرِيعِيُّ أَظْهَرُ. (ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أَيْ فَعَلَ ذَلِكَ الْجَعْلَ لِأَجْلِ أَنْ تَعْلَمُوا مِنْهُ إِذَا تَأَمَّلْتُمْ فِيهِ أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، وَأَنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ فِي قُلُوبِ الْعَرَبِ فِي طَوْرِ جَاهِلِيَّتِهَا وَغَفْلَتِهَا وَتَفَانِيهَا فِي الْغَزْوِ وَالسَّلْبِ وَالنَّهْبِ تَعْظِيمًا لِهَذَا الْمَكَانِ، وَلِلْأَعْمَالِ الَّتِي تُعْمَلُ فِيهِ، وَلِلزَّمَنِ الَّذِي فِيهِ تُؤَدَّى هَذِهِ الْأَعْمَالُ هُنَالِكَ، مَنَعَهُمْ مِنَ اعْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَكَانَ سَبَبًا لِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ، وَقَدْ عَجَزَتْ جَمِيعُ أُمَمِهِمْ عَنِ الْحَضَارَةِ وَالْمَدَنِيَّةِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ بَلْهَ أُمَمِ الْبَدَاوَةِ عَنْ تَأْمِينِ النَّاسِ فِي قُطْرٍ مِنَ الْأَقْطَارِ، وَزَمَنٍ مُعَيَّنٍ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِمَا قِتَالٌ وَلَا قَتْلٌ وَلَا عُدْوَانٌ، وَكَذَلِكَ جَعَلَ فِي أَحْكَامِ الْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ أَعْظَمَ الْفَوَائِدِ وَالْمَنَافِعِ الرُّوحِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ آنِفًا بِالْإِجْمَالِ، مِمَّا بَيَّنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ مِنْ حُكْمِ الْحَجِّ بِالتَّفْصِيلِ، وَقَدْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الْمَنَافِعُ وَالْفَوَائِدُ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ قِيَامِ أَمْرِ النَّاسِ ثُبُوتًا قَطْعِيًّا بِالْمُشَاهَدَةِ وَالتَّجْرِبَةِ، فَدَلَّ مَا ذَكَرَ عَلَى أَنَّ جَعْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيِ وَالْقَلَائِدِ قِيَامًا لِلنَّاسِ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ صَادِرَةٍ عَنْ عِلْمٍ بِخَفَايَا الْأُمُورِ وَغَايَاتِهَا، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ وَنِظَامِ الْخَلْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، عَلَى أَنَّ آيَاتِهِ الدَّالَّةَ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ أَعَمُّ وَأَظْهَرُ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ مِنْ جَعْلِهِ بَعْضَ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ سَبَبًا لِدَفْعِ الشَّقَاوَةِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَجَلْبَ السَّعَادَةِ وَالْهَنَاءَةِ لَهُمْ، فَإِنَّ سُنَّتَهُ تَعَالَى فِي الْفَلَكِ وَسَيْرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِهِمَا بِحُسْبَانٍ، وَفِي عِلْمِ الْجَمَادِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، لَا يَعْتَرِيهَا مِنَ الشُّبَهَاتِ مَا يَعْتَرِي السُّنَنَ الْمُتَعَلِّقَةِ بِنَوْعِ الْإِنْسَانِ، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَغْفَلُونَ عَنْهَا. (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .

стр. 2386

أَرْشَدَنَا جَلَّ شَأْنُهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ إِلَى بَعْضِ آيَاتِ عِلْمِهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَأَرْشَدَنَا فِي هَذِهِ إِلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ الْعَلِيمَ بِكُلِّ شَيْءٍ الَّذِي ظَهَرَتْ آيَاتُ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَمَا ظَهَرَتْ فِي جَعْلِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِيَامًا لِلنَّاسِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ، كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَلِمُوا الصَّالِحَاتِ، وَلَا يُسَوِّي بَيْنَ الطَّيِّبِ وَالْخَبِيثِ كَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ وَالْمُصْلِحِ وَالْمُفْسِدِ، وَالْمَظْلُومِ وَالظَّالِمِ، فَلَا بُدَّ إِذَنْ مِنَ الْجَزَاءِ بِالْحَقِّ، وَلَا يَمْلُكُ الْجَزَاءَ إِلَّا مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْعِقَابِ الشَّدِيدِ، وَعَلَى الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، لِذَلِكَ قَالَ: (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) لِمَنْ دَنَّسَ نَفْسَهُ بِالشِّرْكِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ (وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لِمَنْ زَكَّى نَفْسَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَعَ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، فَلَا يُؤَاخِذُهُ بِمَا سَلَفَ قَبْلَ الْإِيمَانِ، وَلَا بِمَا يَعْمَلُهُ مِنَ السُّوءِ بِجَهَالَةٍ إِذَا بَادَرَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِصْلَاحِ، وَلَا بِاللَّمَمِ، إِلَّا اجْتِنَابَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ، بَلْ يَسْتُرُ ذَنْبَهُ وَيَمْحُوهُ فَيَضْمَحِلُّ فِي إِيمَانِهِ وَعَمَلِهِ الصَّالِحِ، كَمَا يَسْتُرُ الْقَذَرَ الْقَلِيلَ، وَيَضْمَحِلُّ بِمَا يَغْمُرُهُ مِنَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ، وَيَخُصُّهُ فَوْقَ ذَلِكَ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ. فَالْآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، فَهِيَ وَعِيدٌ لِمَنْ كَفَرَ وَتَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِكِتَابِ اللهِ، وَوَعْدٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ، وَلَعَلَّ فِي تَقْدِيمِ ذِكْرِ الْعِقَابِ وَتَأْخِيرِ ذِكْرِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْعِقَابَ قَدْ يَنْتَهِي بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ فَلَا يَدُومُ، لِأَنَّ رَحْمَتَهُ تَعَالَى سَبَقَتْ غَضَبَهُ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلِذَلِكَ يَغْفِرُ كَثِيرًا مِنْ ظُلْمِ النَّاسِ لِأَنْفُسِهِمْ (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (٤٢: ٣٠) وَأَعَادَ اسْمَ الْجَلَالَةِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَغْفِرَتَهُ وَرَحْمَتَهُ ثَابِتَانِ لَهُ بِالْأَصَالَةِ. (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) هَذَا بَيَانٌ لِوَظِيفَةِ الرَّسُولِ فِي إِثْرِ بَيَانِ كَوْنِ الْجَزَاءِ بِيَدِ اللهِ الْعَلِيمِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ أَنَّ الرَّسُولَ مِنْ حَيْثُ هُوَ رَسُولُ اللهِ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا تَبْلِيغُ رِسَالَةِ مَنْ أَرْسَلَهُ، فَهُوَ لَا يَعْلَمُ جَمِيعَ مَا يُبْدِيهِ الْمُكَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ وَمَا يَكْتُمُونَهُ مِنْهَا، فَيَكُونُ أَهْلًا لِحِسَابِهِمْ وَجَزَائِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ اللهُ وَحْدَهُ، وَفِيهِ إِبْطَالٌ لِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ مِنَ الْخَوْفِ مِنْ مَعْبُودَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ وَالرَّجَاءِ فِيهَا، وَالْتِمَاسِ الْخَلَاصِ وَالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ بِشَفَاعَتِهَا، فَهُوَ يَقُولُ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ: " مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَالْبَيَانُ لِدِينِ اللهِ وَشَرْعِهِ، فَبِذَلِكَ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ، وَيَكُونُ مَنْ بَلَّغَهُمْ هُمُ الْمَسْئُولُونَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَاللهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ مِنْ عَقَائِدِكُمْ وَأَقْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا، بِحَسَبِ عِلْمِهِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ ذَرَّةٍ مِنْهَا، فَيَكُونُ جَزَاءَهُ حَقًّا وَعَدْلًا وَيَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ كَرَمًا مِنْهُ وَفَضْلًا (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) .

стр. 2387

فَلَا تَطْلُبُوا سَعَادَتَكُمْ إِلَّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَخَافُوا عَلَيْهَا إِلَّا مِنْهَا. وَيُؤَيِّدُ تَفْسِيرَنَا هَذَا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (١٣: ٤٠) وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (٦: ٤٨ ٥١) . وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الْوَارِدَةُ فِي الْأَحَادِيثِ فَلَا تُنَاقِضُ الشَّفَاعَةَ الْمَنْفِيَّةَ هُنَا وَفِي آيَاتٍ أُخْرَى لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ دُعَاءٍ مُسْتَجَابٍ فِي الْآخِرَةِ يُظْهِرُ اللهُ عَلَيْهِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَاقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ بِحَسَبِ مَا فِي كِتَابِهِ تَكْرِيمًا لِلدَّاعِي الشَّفِيعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي عِلْمِ اللهِ وَلَا فِي إِرَادَتِهِ لِأَنَّ الْحَادِثَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْقَدِيمِ (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٥٧: ٣) . ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ الْجَزَاءَ وَكَوْنَهُ مَنُوطًا بِالْأَعْمَالِ، أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَزَاءُ مِنْ وَصْفِ الْأَعْمَالِ وَالْعَامِلِينَ لَهَا، فَأَثْبَتَ وُجُودَ حَقِيقَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ يَتَرَتَّبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا مَا يَلِيقُ بِهَا، وَهُمَا حَقِيقَةُ الطَّيِّبِ وَحَقِيقَةُ الْخَبِيثِ، فَقَالَ: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) أَيْ قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ مُخَاطِبًا كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ: لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَمْوَالِ كَالضَّارِّ وَالنَّافِعِ وَالْفَاسِدِ وَالصَّالِحِ، وَالْحَرَامِ وَالْحَلَالِ وَلَا مِنَ النَّاسِ كَالظَّالِمِ وَالْعَادِلِ وَالْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ وَالْمُفْسِدِ وَالْمُصْلِحِ، وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، فَلِكُلٍّ مِنَ الْخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ حُكْمٌ يَلِيقُ بِهِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ جَزَاءٌ وَمَكَانٌ يَسْتَحِقُّهُ بِحَسَبِ صِفَتِهِ (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (٦: ١٣٩) يَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ بِحَسَبِ عِلْمِهِ، وَلَعَلَّ نُكْتَةَ تَقْدِيمِ الْخَبِيثِ فِي الذِّكْرِ كَوْنُ السِّيَاقِ لِلْإِهْتِمَامِ بِإِزَالَةِ شُبْهَةِ الْمُغْتَرِّينَ بِكَثْرَتِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) الْخِطَابُ مِنَ الرَّسُولِ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ بَلَغَتْهُ دَعَوْتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، أَيْ وَلَوْ أَعْجَبَكَ أَيُّهَا السَّامِعُ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ مِنَ النَّاسِ وَجَاهِهِمْ، أَوْ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ لِسُهُولَةِ تَنَاوُلِهَا وَالتَّوَسُّعِ فِي التَّمَتُّعِ بِهَا، كَأَكْلِ الرِّبَا وَالرَّشْوَةِ وَالْغُلُوِّ وَالْخِيَانَةِ، أَوْ لِدَعْوَى أَصْحَابِهَا أَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى

стр. 2388

حَبِّ اللهِ لَهُمْ وَرِضَاهُ عَنْهُمْ إِذْ فَضَّلَهُمْ بِهَا عَلَى غَيْرِهِمْ (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (٣٤: ٣٥) . أَيْ لَا يَسْتَوِيَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا وَلَا عِنْدَ اللهِ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ كَثْرَةَ الْخَبِيثِ أَعْجَبَتْكَ وَغَرَّتْكَ فَصِرْتَ بَعِيدًا عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، وَهِيَ أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْحَلَالِ كَرَاتِبِ الْحَاكِمِ الْعَادِلِ وَرِبْحِ التَّاجِرِ الصَّادِقِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْحَرَامِ كَالرَّشْوَةِ وَالْخِيَانَةِ، بِاعْتِبَارِ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَأَنَّ الْقَلِيلَ الْجَيِّدَ مِنَ الْغِذَاءِ أَوِ الْمَتَاعِ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ الرَّدِيءِ الَّذِي لَا يُغْنِي غِنَاءَهُ وَلَا يُفِيدُ فَائِدَتَهُ، بَلْ رُبَّمَا يَضُرُّ آكِلَهُ وَيُفْسِدُ عَلَيْهِ مَعِدَتَهُ. كَذَلِكَ الْقَلِيلُ الطَّيِّبُ مِنَ النَّاسِ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ الْخَبِيثِ، فَالْفِئَةُ الْقَلِيلَةُ مِنْ أَهْلِ الشَّجَاعَةِ وَالثَّبَاتِ وَالْإِيمَانِ تَغْلِبُ الْفِئَةَ الْكَثِيرَةَ مِنْ ذَوِي الْجُبْنِ وَالتَّخَاذُلِ وَالشِّرْكِ، وَإِنَّ أَفْرَادًا مَنْ أُولِي الْبَصِيرَةِ وَالرَّأْيِ، لَيَأْتُونَ بِمَا يَعْجِزُ عَنْهُ الْجَمَاعَاتُ مِنْ أَهْلِ الْغَبَاوَةِ وَالْخَرَقِ، وَالْعَالَمُ الْحَكِيمُ يُسَخَّرُ لِخِدْمَتِهِ أُلُوفٌ مِنَ الْجَاهِلِينَ (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (٣٩: ٩) . كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْخَرُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ بِكَثْرَتِهِمْ وَيَعْتَزُّونَ بِهَا (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا) (٣٤: ٣٥) فَضَرَبَ اللهِ تَعَالَى لَهُمْ مَثَلَ الْكَافِرِ الَّذِي فَاخَرَ الْمُؤْمِنَ بِقَوْلِهِ: (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) (١٨: ٣٤) وَكَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ خُسْرًا وَقَالَ لَهُمْ: (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (٨: ١٩) ثُمَّ قَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ تَثْبِيتًا لَهُمْ حَتَّى لَا تُرَوِّعَهُمْ كَثْرَةُ الْمُشْرِكِينَ فِي عَدَدِهِمْ وَعُدَدِهِمْ: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ) (٨: ٢٦) وَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِالْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ وَهِيَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِصِفَةِ الشَّيْءِ لَا بِعَدَدِهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْعِزَّةُ بِالْكَثْرَةِ بَعْدَ التَّسَاوِي فِي الصِّفَاتِ. وَلَمَّا كَانَ مِنْ دَأْبِ أَهْلِ الْغَفْلَةِ وَالْجَهْلِ وَالْغُرُورِ بِالْكَثْرَةِ مُطْلَقًا، قَالَ تَعَالَى تَعْقِيبًا عَلَى مَا أَثْبَتَهُ مِنْ تَفْضِيلِ الطَّيِّبِ عَلَى الْخَبِيثِ وَإِنْ كَثُرَ الْخَبِيثُ: (فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أَيْ فَاتَّقُوا اللهَ يَا أَصْحَابَ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ وَلَا تَغْتَرُّوا بِكَثْرَةِ الْمَالِ الْخَبِيثِ وَلَا بِكَثْرَةِ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَالْفَسَادِ مِنَ الْخَبِيثِينَ، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ تَعَالَى هِيَ الَّتِي تَنْظِمُكُمْ فِي سِلْكِ الطَّيِّبِينَ، فَيُرْجَى لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْمُفْلِحِينَ، أَيْ فَائِزِينَ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَإِنَّمَا خَصَّ أُولِي الْأَلْبَابِ بِالذِّكْرِ فِي عَجُزِ الْآيَةِ بَعْدَ مُخَاطَبَةِ كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي صَدْرِهَا لِأَنَّ أَهْلَ الْبَصِيرَةِ وَالرَّوِيَّةِ مِنَ الْعُقَلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا أَوَائِلُهَا وَمُقَدِّمَاتُهَا، بَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي حَقِيقَتِهَا وَصِفَاتِهَا، فَلَا يُصِرُّونَ عَلَى الْغُرُورِ بِكَثْرَةِ الْخَبِيثِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ وَالتَّذْكِيرِ، وَأَمَّا الْأَغْرَارُ وَالْغَافِلُونَ الَّذِينَ لَمْ يُمَرِّنُوا عُقُولَهُمْ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ فِي النَّظَرِ

стр. 2389

وَالِاعْتِبَارِ بِالتَّجَارِبِ وَالْحِكَمِ، فَلَا يُفِيدُهُمْ وَعْظُ وَاعِظٍ وَلَا تَذْكِيرُ مُذَكِّرٍ، بَلْ لَا يَعْتَبِرُونَ بِمَا يَرَوْنَ بِأَعْيُنِهِمْ وَيَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ مِنْ حَوَادِثِ الْأَغْنِيَاءِ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَمْوَالُهُمُ الْكَثِيرَةُ الْمَجْمُوعَةُ مِنَ الْحَرَامِ، وَلَا مِنْ عَوَاقِبِ الْأُمَمِ وَالدُّوَلِ الَّتِي اضْمَحَلَّتْ كَثْرَتُهَا الْعَاطِلَةُ مِنْ فَضِيلَتَيِ الْعِلْمِ وَالنِّظَامِ، وَكَيْفَ وَرِثَ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ مَنْ كَانُوا أَقَلَّ مَالًا وَرِجَالًا، إِذْ كَانُوا أَفْضَلَ أَخْلَاقًا وَأَعْمَالًا (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) . ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبِيثِ هُنَا الْمُشْرِكُونَ وَبِالطَّيِّبِ الْمُؤْمِنُونَ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " لَدِرْهَمٌ حَلَالٌ أَتَصَدَّقُ بِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ مِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ حَرَامٍ فَإِنْ شِئْتُمْ فَاقْرَءُوا كِتَابَ اللهِ: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْإِسْكَنْدَرَانِيِّ قَالَ: كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْضُ عُمَّالِهِ يَذْكُرُ أَنَّ الْخَرَاجَ قَدِ انْكَسَرَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: " إِنَّ اللهَ يَقُولُ: (لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ فِي الْعَدْلِ وَالْإِصْلَاحِ وَالْإِحْسَانِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ فِي الظُّلْمِ وَالْفُجُورِ وَالْعُدْوَانِ فَافْعَلْ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) . فَهَذِهِ الْآيَةُ قَاعِدَةٌ فِي التَّشْرِيعِ وَبُرْهَانٌ لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ وَأَصْلٌ لِلْأَدَبِ وَالتَّهْذِيبِ. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) . قَالَ الرَّازِيُّ: فِي اتِّصَالِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا وُجُوهٌ: (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) صَارَ التَّقْدِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: مَا بَلَّغَهُ الرَّسُولُ إِلَيْكُمْ فَخُذُوهُ وَكُونُوا مُنْقَادِينَ لَهُ، وَمَا لَمْ يُبَلِّغْهُ الرَّسُولُ إِلَيْكُمْ فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهُ وَلَا تَخُوضُوا فِيهِ، فَإِنَّكُمْ إِنْ خُضْتُمْ فِيمَا لَا تَكْلِيفَ فِيهِ عَلَيْكُمْ فَرُبَّمَا جَاءَكُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْخَوْضِ الْفَاسِدِ مِنَ التَّكَالِيفِ مَا يَثْقُلُ وَيَشُقُّ عَلَيْكُمْ. (الثَّانِي) أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) وَهَذَا ادِّعَاءٌ مِنْهُ لِلرِّسَالَةِ ثُمَّ إِنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يُطَالِبُونَهُ بَعْدَ ظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ بِمُعْجِزَاتٍ أُخْرَى عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ كَمَا

стр. 2390

قَالَ حَاكِيًا عَنْهُمْ: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ١٧: ٩٠) إِلَى قَوْلِهِ: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ١٧: ٩٣) وَالْمَعْنَى أَنِّي رَسُولٌ أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ إِلَيْكُمْ، وَاللهُ تَعَالَى قَدْ أَقَامَ الدَّلَالَةَ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ فِي الرِّسَالَةِ بِإِظْهَارِ أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ طَلَبُ الزِّيَادَةِ مِنْ بَابِ التَّحَكُّمِ وَذَلِكَ لَيْسَ فِي وُسْعِي، وَلَعَلَّ إِظْهَارَهَا يُوجِبُ مَا يَسُوؤُكُمْ، مِثْلُ أَنَّهَا لَوْ ظَهَرَتْ فَكُلُّ مَنْ خَالَفَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَوْجَبَ الْعِقَابَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا سَمِعُوا الْكَفَّارَ يُطَالِبُونَ الرَّسُولَ ﷺ ، بِهَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى ظُهُورِهَا فَعَرَفُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ فَرُبَّمَا كَانَ ظُهُورُهَا يُوجِبُ مَا يَسُوؤُهُمْ. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّ هَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) فَاتْرُكُوا الْأُمُورَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَلَا تَسْأَلُوا عَنْ أَحْوَالٍ مَخْفِيَّةٍ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. انْتَهَى كَلَامُ الرَّازِيِّ بِنَصِّهِ وَضَعْفِ عِبَارَتِهِ. وَأَقُولُ: إِنَّ مُنَاسَبَةَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ لِآيَةِ تَبْلِيغِ الرَّسُولِ لِلرِّسَالَةِ مُنَاسِبَةٌ خَاصَّةٌ قَرِيبَةٌ وَلَهُمَا مَوْقِعٌ مِنْ مَجْمُوعِ السُّورَةِ يَنْبَغِي تَذَكُّرُهُ وَالتَّأَمُّلُ فِيهِ: ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ آخَرُ مَا نَزَلْ مِنَ السُّوَرِ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ، وَسُورَةُ النَّصْرِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ابْنُ عُمَرَ، وَقَدْ صَرَّحَ اللهُ تَعَالَى فِي أَوَائِلِهَا بِإِكْمَالِ الدِّينِ، وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ بِهِ عَلَى الْعَالَمِينَ، فَنَاسَبَ أَنْ يُصَرِّحَ فِيهَا بِأَنَّ الرَّسُولَ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ وَظِيفَةِ الْبَلَاغِ الَّذِي كَمُلَ بِهِ الْإِسْلَامُ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُكْثِرُوا عَلَيْهِ مِنَ السُّؤَالِ، لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَثْرَةِ التَّكَالِيفِ الَّتِي يَشُقُّ عَلَى الْأُمَّةِ احْتِمَالُهَا، فَتَكُونُ الْعَاقِبَةُ أَنْ يُسْرِعَ إِلَيْهَا الْفُسُوقُ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا، وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْ كِتْمَانِ شَيْءٍ مِمَّا أَمَرَهُ اللهُ بِتَبْلِيغِهِ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ هَذَا النَّهْيِ وَبَيْنَ الْخَبَرِ بِإِكْمَالِ الدِّينِ وَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ فِي النَّظْمِ الْكَرِيمِ؟ قُلْتُ: تِلْكَ سُنَّةُ الْقُرْآنِ فِي تَفْرِيقِ مَسَائِلِ الْمَوْضُوعِ الْوَاحِدِ مِنْ أَخْبَارٍ وَأَحْكَامٍ وَغَيْرِهِمَا لِمَا بَيَّنَّاهُ مِرَارًا مِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ، وَهَاكَ أَقْوَى مَا وَرَدَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ الْآيَتَيْنِ: رَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ وَقَالَ فِيهَا: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ فُلَانٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ

стр. 2391

(لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) الْآيَةَ، قَالَ فَحَدَّثَنَا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلُوهُ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: " لَا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ فَأَشْفَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ، فَجَعَلْتُ لَا أَلْتَفِتُ لَا يَمِينًا وَلَا شِمَالًا إِلَّا وَجَدْتُ كُلَّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ يُلَاحَى فَيُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ عُمَرُ أَوْ فَأَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا عَائِذًا بِاللهِ أَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَمْ أَرَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ " أَخْرَجَاهُ (أَيِ الشَّيْخَانِ) مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ: (مَا رَأَيْتُ وَلَدًا أَعَقَّ مِنْكَ، قَالَتْ: أَكُنْتَ تَأْمَنُ أَنَّ أُمَّكَ قَدْ قَارَفَتْ مَا قَارَفَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَتَفْضَحَهَا عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَقَالَ: وَاللهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ) . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا قَيْسٌ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ غَضْبَانُ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ أَبُوكَ حُذَافَةُ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، إِنَّا يَا رَسُولَ اللهِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَشِرْكٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ مَنْ آبَاؤُنَا، قَالَ: فَسَكَنَ غَضَبُهُ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) الْآيَةَ " إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُرْسَلَةً غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ فَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْهُ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي جُمْلَتِهِ وَزَادَ كَلَامَ عُمَرَ " فَاعْفُ عَنَّا عَفَا اللهُ عَنْكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى رَضِيَ: فَيَوْمَئِذٍ قَالَ: وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ " (ثُمَّ قَالَ) قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ كُلِّهَا، تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.

стр. 2392

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَانَ الْأَسَدِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (٣: ٩٧) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، فَقَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، قَالَ ثُمَّ قَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَقَالَ: لَا وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ لَمَا اسْتَطَعْتُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) الْآيَةَ " وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ وَرْدَانَ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَسَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا. اهـ. أَقُولُ: مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَانَ ثِقَةٌ كَمَا قَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ هُوَ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ التَّابِعِيُّ ثِقَةٌ فِيهِ تَشَيُّعٌ، رَوَى عَنِ الْجَمَاعَةِ كُلِّهِمْ، وَلَكِنْ مَرَاسِيلُهُ ضَعِيفَةٌ. وَقَدْ عَزَا السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ حَدِيثَ عَلِيٍّ هَذَا إِلَى أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ وَذَكَرَ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَازِيًا إِيَّاهُ إِلَى عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَالْحَاكِمِ - قَالَ: وَصَحَّحَهُ - وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَفِيهِ أَنَّ السَّائِلَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَذُكِرَ مِثْلُهُ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ مِنْ تَخْرِيجِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَفِيهِ: " ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ " إِلَخْ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ أَحَادِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: " دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ " وَلَفَظُ مُسْلِمٍ " دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافُهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ". قَالَ الْقَسْطَلَانِيُّ فِي شَرْحِهِ لَهُ تَبَعًا لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ: وَسَبَبُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ (أَقُولُ: وَكَذَا النَّسَائِيُّ) مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قَالَ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمُ " الْحَدِيثَ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مُخْتَصَرًا فَزَادَ فِيهِ: فَنَزَلَتْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) انْتَهَى وَأَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ هَذَا ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ. وَنَصُّ سُنَنِ النَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَقَالَ رَجُلٌ: فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ حَتَّى أَعَادَهُ ثَلَاثَةً فَقَالَ: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمْتُمْ بِهَا، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُمْ;

стр. 2393

فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالشَّيْءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِشَيْءٍ فَخُذُوا بِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ " رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَسْأَلَةُ وُجُوبِ الْحَجِّ وَأَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَالَ: " كُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ فَقَالَ: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ، لَوَجَبَتْ ثُمَّ إِذَنْ لَا تَسْمَعُونَ وَلَا تُطِيعُونَ وَلَكِنَّهُ حِجَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَفِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ نَقَلَ عَنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْحَجِّ كَانَ يَوْمَ خَطَبَ ﷺ وَقَالَ: " لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُهُ ". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: حَدَّثْنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) قَالَ: " هِيَ الْبَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالْحَامِي، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ كَذَا وَلَا كَذَا " قَالَ: وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْآيَاتِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) ، قَالَ فَقَالَتْ: قَدْ حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ بِخِلَافِ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَا لَكَ تَقُولُ هَذَا؟ فَقَالَ: هِيهْ. ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِثْلَ قَوْلِ مُجَاهِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَجْلِ إِكْثَارِ السَّائِلِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْمَسَائِلَ، كَمَسْأَلَةِ ابْنِ حُذَافَةَ إِيَّاهُ مَنْ أَبَوْهُ، وَمَسْأَلَةِ سَائِلِهِ إِذَا قَالَ " إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ " أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ، لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ بِذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَعَامَّةِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَغَيْرُ بَعِيدٍ عَنِ الصَّوَابِ، وَلَكِنَّ الْأَخْبَارَ الْمُتَظَاهِرَةَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ بِخِلَافِهِ، ذَكَرَ هُنَا الْقَوْلَ بِهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ عَنِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي كَانَتْ فِيمَا سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْهُ مِنَ الَمَسَائِلِ الَّتِي كَرِهَ اللهُ لَهُمُ السُّؤَالَ عَنْهَا إِلَى آخِرِ مَا قَالَهُ، وَفِيهِ أَنَّ تِلْكَ الْأَخْبَارَ صِحَاحٌ فَوَجَبَ تَرْجِيحُهَا، وَيُشِيرُ إِلَى ضَعْفِ سَنَدِ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ ; لِأَنَّ خُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَاوِيهَا عَنْهُ قَدْ ضَعَّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَقَالَ مَرَّةً: لَيْسَ بِقَوِيٍّ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: تُكُلِّمَ فِي سُوءِ حِفْظِهِ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ فِيهِ: مَرَّةً صَالِحٌ وَمَرَّةً ثِقَةٌ. وَالطَّرِيقَةُ الْمُتَّبَعَةُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النُّهَى فِي الْآيَةِ يَشْمَلُ كُلَّ مَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا وَكُلَّ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا رُوِيَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ كَانَ سَبَبًا حَقِيقِيًّا، بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي كُلِّ مَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَيَشْمَلُهُ عُمُومُهَا: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، وَكَثِيرًا مَا يَنْقُلُونَ كَلَامَ الرُّوَاةِ بِمَعْنَاهُ فَيَجِيءُ مَنْطُوقُهُ مُتَعَارِضًا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِرَارًا، وَأَبْعَدُ مَا قِيلَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَسْأَلُ النَّبِيَّ

стр. 2394

عَنِ الشَّيْءِ امْتِحَانًا أَوِ اسْتِهْزَاءً، وَهَذَا لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ صَرِيحٍ أَوْ مُنَافِقٍ، وَالْخِطَابُ فِي الْآيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَلَا يُمْكِنُ نَهْيًا لَهُمْ عَنْ سُؤَالٍ لِامْتِحَانٍ أَوِ اسْتِهْزَاءٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْآيَةِ تَعْرِيضٌ بِالْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا نَبِيَّ اللهِ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ " إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَفِي حَدِيثٍ لِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِمَعْنَاهُ: " فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ غَضِبَ وَقَالَ: سَلُونِي " فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَرَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ السُّؤَالِ فِي الْآيَةِ لِهَذَا الْإِحْفَاءِ وَالْإِغْضَابِ الَّذِي آذَوْا بِهِ الرَّسُولَ ﷺ ، وَلَكِنْ مَا شَرَطَ فِي النَّهْيِ وَمَا عَلَّلَ بِهِ يُنَافِي ذَلِكَ. وَالْقَوْلُ الْجَامِعُ لِلرِّوَايَاتِ وَالْمُتَبَادِرُ مِنَ اللُّغَةِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ مَا يَأْتِي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (أَشْيَاءَ) اسْمُ جَمْعٍ أَوْ جَمْعٌ لِكَلِمَةِ (شَيْءٍ) وَهِيَ أَهَمُّ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَوْجُودِ، فَتَشْمَلُ السُّؤَالَ عَنِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْعَقَائِدِ وَالْأَسْرَارِ الْخَفِيَّةِ، وَالْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ إِذَا تَحَقَّقَ فِيهَا ذِكْرُ مَعْنَى الْجُمْلَتَيْنِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ، وَالْمَقْصُودُ أَوَّلًا بِالذَّاتِ النَّهْيُ عَنْ سُؤَالِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَدَقَائِقِ التَّكَالِيفِ، يَلِيهِ السُّؤَالُ عَنِ الْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ أَوِ الْأَسْرَارِ الْخَفِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَغْرَاضِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِظْهَارُهَا سَبَبًا لِلْمَسَاءَةِ، إِمَّا بِشِدَّةِ التَّكَالِيفِ وَكَثْرَتِهَا، وَإِمَّا بِظُهُورِ حَقَائِقَ تَفْضَحُ أَهْلَهَا، وَلَكِنَّ حَذْفَ مَفْعُولِ " تَسْأَلُوا " يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، أَيْ وَلَا تَسْأَلُوا غَيْرَ الرَّسُولِ عَنْ أَشْيَاءَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِبْدَاؤُهَا مَسَاءَتَكُمْ، فَهِيَ النَّهْيُ عَنِ الْفُضُولِ وَمَا لَا يُغْنِي الْمُؤْمِنَ. وَمِنَ الْمُقَرَّرِ فِي قَوَانِينِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ شَرْطَ " إِنْ " مِمَّا لَا يُقْطَعُ بِوُقُوعِهِ، وَالْجَزَاءُ تَابِعٌ لِلشَّرْطِ فِي الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ، فَكَانَ التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ: (إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) دُونَ " إِذَا أُبْدِيَتْ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " دَالًّا عَلَى أَنَّ احْتِمَالَ إِبْدَائِهَا وَكَوْنَهُ يَسُوءُ كَافٍ فِي وُجُوبِ الِانْتِهَاءِ عَنِ السُّؤَالِ عَنْهَا. وَبِهَذَا سَقَطَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ أَمْثِلَةَ الْمَائِلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا الْوَارِدَةِ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ مِمَّا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِكَوْنِ إِبْدَائِهَا يَسُوءُ السَّائِلِينَ عَنْهَا، بَلْ يَحْتَمِلُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَسُرُّ، وَقَدْ كَانَ جَوَابُ مَنْ سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ سَارًّا لَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ سَأَلَ عَنِ الْحَجِّ إِذْ كَانَ جَوَابُهُ التَّخْفِيفَ عَنْهُ وَعَنِ الْأُمَّةِ بِبَيَانِ كَوْنِ الْحَجِّ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْتَطِيعٍ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا فِي كُلِّ عَامٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي كُلِّ سَائِلٍ عَنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَلَا يَظْهَرُ تَعْلِيلُ النَّهْيِ،

стр. 2395

بِهَذَا الشَّرْطِ، كُلُّ هَذَا يَسْقُطُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلَالَةِ الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الْمُصَدَّرَةِ: بِـ " إِنْ " عَلَى احْتِمَالِ وُقُوعِ شَرْطِهَا لَا عَلَى الْقَطْعِ بِوُقُوعِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنِ الْحَجِّ " وَيْحَكَ مَاذَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ أَقُولَ نَعَمْ؟ وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ " إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ جَرِيرٍ: " وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ، أَلَا إِنَّهُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَئِمَّةُ الْحَرَجِ " فَهُوَ صَرِيحٌ فِي كَوْنِ احْتِمَالِ قَوْلِهِ: " نَعَمْ " كَانَ كَافِيًا فِي جَوَابِ تَرْكِ ذَلِكَ السُّؤَالِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي سُؤَالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ عَنْ أَبِيهِ قَوْلُهُ لَهُ: " مَا رَأَيْتُ وَلَدًا أَعَقَّ مِنْكَ، أَتَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَارَفَتْ مَا قَارَفَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَتَفْضَحَهَا عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ؟ " وَسَيَأْتِي رَأْيُنَا فِي جَوَابِهِ ﷺ لِابْنِ حُذَافَةَ. (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) أَيْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْ جِنْسِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَكُونَ إِبْدَاؤُهَا مِمَّا يَسُوؤُكُمْ حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ فِي شَأْنِهَا أَوْ حُكْمِهَا لِأَجْلِ فَهْمِ مَا نُزِّلَ إِلَيْكُمْ، فَإِنَّ اللهَ يُبْدِيهِ لَكُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، وَبِنَحْوِ هَذَا الْقَوْلِ قَالَ شَيْخُ الْمُفَسِّرِينَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، فَإِنَّهُ بَعْدَ إِيرَادِ الْوُجُوهِ السَّابِقَةِ فِي السُّؤَالِ عِنْدَ تَفْسِيرِ صَدْرِ الْآيَةِ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَا نَصُّهُ: " يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلَّذِينِ نَهَاهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ مَسْأَلَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ عَنْ فَرَائِضَ لَمْ يَفْرِضْهَا عَلَيْهِمْ، وَتَحْلِيلِ أُمُورٍ لَمْ يُحَلِّلْهَا لَهُمْ، وَتَحْرِيمِ أَشْيَاءَ لَمْ يَحَرِّمْهَا عَلَيْهِمْ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ بِذَلِكَ يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ السَّائِلُونَ عَمَّا سَأَلُوا عَنْهُ رَسُولِي مِمَّا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ كِتَابًا وَلَا وَحْيًا لَا تَسْأَلُوا عَنْهُ، فَإِنَّكُمْ إِنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ لَكُمْ تِبْيَانٌ بِوَحْيٍ وَتَنْزِيلٍ سَاءَكُمْ; لِأَنَّ التَّنْزِيلَ بِذَلِكَ إِذَا جَاءَكُمْ فَإِنَّمَا يَجِيئُكُمْ بِمَا فِيهِ امْتِحَانُكُمْ وَاخْتِبَارُكُمْ، إِمَّا بِإِيجَابِ عَمَلٍ عَلَيْكُمْ، وَلُزُومِ فَرْضٍ لَكُمْ، وَفِي ذَلِكَ عَلَيْكُمْ مَشَقَّةٌ، وَلَوْمٌ وَمُؤْنَةٌ وَكُلْفَةٌ، وَإِمَّا بِتَحْرِيمِ مَا لَمْ يَأْتِ بِتَحْرِيمِهِ وَحْيٌ كُنْتُمْ مِنَ التَّقْدِيمِ عَلَيْهِ فِي فُسْحَةٍ وَسَعَةٍ، وَإِمَّا بِتَحْلِيلِ مَا تَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ، وَفِي ذَلِكَ لَكُمْ مَسَاءَةٌ لِنَقْلِكُمْ عَمَّا كُنْتُمْ تَرَوْنَهُ حَقًّا إِلَى مَا كُنْتُمْ تَرَوْنَهُ بَاطِلًا، وَلَكِنَّكُمْ إِنْ سَأَلْتُمْ عَنْهَا بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ بِهَا، وَبَعْدَ ابْتِدَائِكُمْ شَأْنَ أَمْرِهَا فِي كِتَابِي إِلَى رَسُولِي إِلَيْكُمْ بَيَّنَ عَلَيْكُمْ مَا أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْهِ مِنْ إِتْيَانِ كِتَابِي وَتَأْوِيلِ تَنْزِيلِي وَوَحْيِي. " وَذَلِكَ نَظِيرُ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: " إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَعَفَا عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا، ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ

стр. 2396

مِثْلَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ، وَرَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْهَا بِتَغْلِيظٍ سَاءَكُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنِ انْتَظَرُوا فَإِذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ فَإِنَّكُمْ لَا تَسْأَلُونَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَجَدْتُمْ تِبْيَانَهُ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي ثَعْلَبَةَ وَسَتَعْلَمُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي بَيَانِ هَذَا الْوَجْهِ: " أَيْ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ تَسْتَأْنِفُونَ السُّؤَالَ عَنْهَا فَلَعَلَّهُ قَدْ يَنْزِلُ بِسُؤَالِكُمْ تَشْدِيدٌ أَوْ تَضْيِيقٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: " أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ " وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا مُجْمَلَةً فَسَأَلْتُمْ عَنْ بَيَانِهَا بُيِّنَتْ لَكُمْ حِينَئِذٍ لِاحْتِيَاجِكُمْ إِلَيْهَا (عَفَا اللهُ عَنْهَا) أَيْ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ فَاسْكُتُوا أَنْتُمْ عَنْهَا كَمَا سَكَتَ عَنْهَا، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ " وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَيْضًا: " إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا ". أَقُولُ: أَمَّا حَدِيثُ: " ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ " وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: " دَعُونِي " فَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسَبَبُهُ السُّؤَالُ عَنِ الْحَجِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ فَقَدْ عَزَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ إِلَى الصَّحِيحِ أَيْضًا وَلَمْ يُسْنِدْهُ وَلَا أَشَارَ إِلَى مَنْ خَرَّجَهُ، وَهُوَ فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَأَوْرَدَهُ صَاحِبُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ عَنْهُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِهِ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ: وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا ". وَرُوِّينَاهُ فِي الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ عَنْهُ بِلَفْظِ: " إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا " قَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ. وَثَمَّ وَجْهٌ ثَانٍ فِي مَعْنَى الْجُمْلَةِ وَهُوَ أَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ تَسْأَلُوا عَنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ فِي زَمَنِ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَعَهْدِ التَّشْرِيعِ يُظْهِرْهَا اللهُ لَكُمْ إِنْ كَانَتِ اعْتِقَادِيَّةً بِبَيَانِ مَا يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ فِيهَا،

стр. 2397

وَإِنْ كَانَتْ عَمَلِيَّةً بِبَيَانِ حُكْمِهَا، لِأَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حُكْمًا يَلِيقُ بِهِ فِي عِلْمِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ، وَاللهُ تَعَالَى يُبَيِّنُ لِعِبَادِهِ بِنَصِّ الْخِطَابِ مَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ لِصَلَاحِ أَمْرَيْ مَعَادِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ وَبِفَحْوَى الْخِطَابِ أَوِ الْإِشَارَةِ مَا يُفْتَحُ لَهُمْ بَابُ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ مَا لَهُ عَلَاقَةٌ بِأُمُورِ مَصَالِحِهِمْ، فَيَعْمَلُ كُلُّ فَرْدٍ أَوْ هَيْئَةٍ حَاكِمَةٍ مِنْهُمْ بِمَا ظَهَرَ أَنَّهُ الْحَقُّ وَالْمَصْلَحَةُ، وَيَنْتَهِي عَمَّا يَظْهَرُ لَهُ أَنَّهُ الْبَاطِلُ وَالْمُفْسِدُ، فَيَكُونُ الْوَازِعُ لِلْفَرْدِ فِي الْمَسَائِلِ الشَّخْصِيَّةِ مِنْ نَفْسِهِ بِحَسَبِ دَرَجَتِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْفَضِيلَةِ، وَلِلْمَجْمُوعِ فِي الْأَحْكَامِ وَالسِّيَاسَةِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يَتَقَرَّرُ بِتَشَاوُرِ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، وَفِي ذَلِكَ مُنْتَهَى السَّعَةِ وَالْيُسْرِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُتْرَكَ أَمْرُ التَّشْرِيعِ إِلَيْهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَلَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ أَحْكَامُهَا تَسُؤْكُمْ وَتُحْرِجْكُمْ، وَمَتَى سَأَلْتُمْ عَنْهَا فِي عَهْدِ التَّشْرِيعِ لَا بُدَّ أَنْ تُجَابُوا وَتُبَيَّنَ لَكُمْ، وَلَكِنَّ هَذَا الْبَيَانَ قَدْ يَسُدُّ فِي وُجُوهِكُمْ بَابَ الِاجْتِهَادِ الَّذِي فَرَضَهُ اللهُ إِلَيْكُمْ، وَيُقَيِّدُكُمْ بِقُيُودٍ أَنْتُمْ فِي غِنًى عَنْهَا وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ هَذَا الْمَبْحَثِ قَرِيبًا عَقِبَ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ. فَحَاصِلُ هَذَا الْوَجْهِ: أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ فِي زَمَنِ نُزُولِ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي إِبْدَاءَهَا لَكُمْ، وَإِبْدَاؤُهَا يَقْتَضِي مَسَاءَتَكُمْ، فَيَجِبُ تَرْكُ السُّؤَالِ عَنْهَا أَلْبَتَّةَ. وَحَاصِلُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَحْرِيمُ السُّؤَالِ عَنِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مِنْ شَأْنِ إِبْدَائِهَا أَنْ يَسُوءَ السَّائِلِينَ إِلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَزَلَ فِي شَأْنِهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ فِيهِ إِجْمَالٌ وَأَرَدْتُمُ السُّؤَالَ عَنْ بَيَانِهِ لِيَظْهَرَ لَكُمْ ظُهُورًا لَا مِرَاءَ فِيهِ، كَمَا وَقَعَ فِي مَسْأَلَةِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْبَقَرَةِ تَقَدَّمَ بَيَانَهُ بِالتَّفْصِيلِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الثَّانِيَةُ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا جَوَازُ السُّؤَالِ عَنْ تِلْكَ بِشَرْطِهِ لَا عَلَى وُجُوبِهِ، فَالسُّؤَالُ عَمَّا ذُكِرَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ بِإِطْلَاقٍ. وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ظَاهِرٌ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَقْتَضِي أَجْوِبَتُهَا تَشْرِيعًا جَدِيدًا، وَأَحْكَامًا تَزِيدُ فِي مَشَقَّةِ التَّكَالِيفِ، وَلَا يَظْهَرُ أَلْبَتَّةَ فِي سُؤَالِ الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ لِمَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ إِجَابَةِ مُقْتَرَحِي الْآيَاتِ لِعِنَادِهِمْ وَمُشَاغَبَتِهِمْ، وَكَوْنِ الْإِجَابَةِ تَقْتَضِي هَلَاكَهُمْ إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا، كَمَا هِيَ سُنَّةٌ فِيمَنْ قَبْلَهُمْ (فَإِنْ قِيلَ) : إِنَّمَا هَذَا الْوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الِاقْتِرَاحَاتُ مِنَ الْكَافِرِينَ (قُلْنَا) : لَوْ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ فَهِمُوا مِنَ الْآيَةِ أَنَّهُمْ يُجَابُونَ إِلَى مَا يَقْتَرِحُونَ مِنَ الْآيَاتِ لَوُجِدَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقْتَرِحُ ذَلِكَ لِمَا لِلنُّفُوسِ مِنَ الشَّوْقِ إِلَى رُؤْيَةِ الْآيَاتِ، وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنِ الْأُمُورِ الْوَاقِعَةِ الَّتِي تَقْتَضِي أَجْوِبَتُهَا إِخْبَارًا عَنْ أَسْرَارٍ خَفِيَّةٍ وَأُمُورٍ غَيْبِيَّةٍ، فَلَا يَظْهَرُ فِيهِ كُلٌّ مِنَ الْجَوَابَيْنِ مِثْلَ ظُهُورِهِ فِي طَلَبِ الْأَحْكَامِ، وَلَا سِيَّمَا الْأَشْيَاءُ الشَّخْصِيَّةُ كَسُؤَالِ بَعْضِهِمْ عَنْ أَبِيهِ، فَإِذَا صَحَّ أَنَّهُ مُرَادٌ مِنَ الْآيَةِ فَوَجْهُهُ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ زَمَنَ نُزُولِ الْقُرْآنِ هُوَ زَمَنُ بَيَانِ الْمُغَيَّبَاتِ وَإِظْهَارِهَا،

стр. 2398

لِلرَّسُولِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى مَعْرِفَتِهَا، وَمِنْهُ وَقْتُ السُّؤَالِ عَنْهَا، فَإِنَّهُ إِنْ سُئِلَ عَنْهَا يُخْبِرْهُ اللهُ بِهَا مَزِيدًا فِي إِثْبَاتِ ثُبُوتِهِ وَرِسَالَتِهِ، كَمَا أَخْبَرَهُ بِالْجَوَابِ عَنِ الرُّوحِ، وَعَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَذِي الْقَرْنَيْنِ، حِينَ سَأَلَهُ الْيَهُودُ عَنْهَا، وَعِنْدِي أَنَّ جَوَابَهُ ﷺ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ أَبِيهِ جَوَابٌ شَرْعِيٌّ لَا غَيْبِيٌّ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بِتِلْكَ الْمُنَاسَبَةِ: " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ " فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَبُوكَ الشَّرْعِيُّ مَنْ وُلِدْتَ عَلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ حُذَافَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَهَذَا مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ الْمُتَضَمِّنِ لِتَعْلِيمِهِمْ مَا يَنْفَعُهُمْ مِنَ السُّؤَالِ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (٢: ١٨٩) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (ج٢) . وَهَذَهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَقَدْ غَفَلَ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطْلُبُ الْعِلْمَ بِهِ كَالْعَقَائِدِ وَالْأَخْبَارِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَطْلُبُ الْعَمَلَ بِهِ وَهُوَ الْأَحْكَامُ. وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ - دَعْ تَرْكَهُ وَعَدَمَهُ - يَقْتَضِي الْإِقْرَارَ عَلَى الِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ، أَوِ الْعَمَلِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الْمُرَادِ لِلشَّارِعِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْعِهِ تَرْكُهُ الِاجْتِهَادَ لِلنَّاسِ تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ، وَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا وَلَا ذَاكَ السُّؤَالُ عَنِ الْأُمُورِ الشَّخْصِيَّةِ كَسُؤَالِ مَنْ سَأَلَ عَنْ نَاقَتِهِ، وَلِذَلِكَ جَعَلْنَا هَذَا النَّوْعَ مِنَ السُّؤَالِ غَايَةً فِي خَفَاءِ دُخُولِهِ فِي عُمُومِ: (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) فَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِيهِ فَحِكْمَتُهُ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ عَدَمَ إِبْدَاءِ الْجَوَابِ لِلسَّائِلِ الْمُؤْمِنِ رُبَّمَا كَانَ مُشَكِّكًا لَهُ فِي رِسَالَةِ الرَّسُولِ ﷺ . وَذَهَبَ أَبُو السُّعُودِ مَذْهَبًا غَرِيبًا فِي الْآيَةِ وَتَعْلِيلِ إِبْدَاءِ الْأَشْيَاءِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا بِمَا يُوجِبُ الْمَسَاءَةَ فِي كُلِّ نَوْعَيْهَا، فَقَالَ: الْمُرَادُ بِهَا مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَيَغُمُّهُمْ مِنَ التَّكَالِيفِ الصَّعْبَةِ الَّتِي لَا يُطِيقُونَهَا، وَالْأَسْرَارِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي يَفْتَضِحُونَ بِظُهُورِهَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا خَيْرَ فِيهِ، فَكَمَا أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْأُمُورِ الْوَاقِعَةِ مُسْتَتْبَعٌ لِإِبْدَائِهَا، كَذَلِكَ السُّؤَالُ عَنِ التَّكَالِيفِ مُسْتَتْبَعٌ لِإِيجَابِهَا عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ التَّشْدِيدِ لِإِسَاءَتِهِمُ الْأَدَبَ وَاجْتِرَائِهِمْ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَالْمُرَاجَعَةِ، وَتَجَاوُزِهِمْ عَمَّا يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ مِنَ الِاسْتِسْلَامِ لِأَمْرِ اللهِ ، مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ فِيهِ وَلَا تَعَرُّضٍ لِكَيْفِيَّتِهِ وَكِمِّيَّتِهِ. اهـ. ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى مَا قَرَّرَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ ثَلَاثَةَ إِيرَادَاتٍ وَأَجَابَ عَنْهَا فَقَالَ: (إِنْ قُلْتَ) : تِلْكَ الْأَشْيَاءُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْمَسَاءَةِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِإِيجَابِ الْمَسَرَّةِ أَيْضًا، لِأَنَّ إِيجَابَهَا لِلْأُولَى إِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ وَجُودُهَا فَهِيَ مِنْ حَيْثُ عَدَمُهَا مُوجِبَةٌ لِلْأُخْرَى قَطْعًا، وَلَيْسَتْ إِحْدَى الْحَيْثِيَّتَيْنِ مُحَقَّقَةً عِنْدَ الْمَسَائِلِ، وَإِنَّمَا غَرَضُهُ مِنَ السُّؤَالِ ظُهُورُهَا كَيْفَ كَانَتْ، بَلْ ظُهُورُهَا بِإِيجَابِهَا لِلْمَسَاءَةِ؟

стр. 2399

(قُلْتُ) : لِتَحْقِيقِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَمَا سَنَعْرِفُهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَأْكِيدِ النَّهْيِ وَتَشْدِيدِهِ، لِأَنَّ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةَ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلِانْتِهَاءِ وَالْإِنْزِجَارِ لَا حَيْثِيَّةَ إِيجَابِهَا لِلْمَسَرَّةِ، وَلَا حَيْثِيَّةَ تَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْإِيجَابَيْنِ. (إِنْ قِيلَ) : الشَّرْطِيَّةُ الثَّانِيَةُ نَاطِقَةٌ بِأَنَّ السُّؤَالَ عَنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَسَاءَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِإِبْدَائِهَا أَلْبَتَّةَ كَمَا مَرَّ، فَلِمَ تَخَلَّفَ الْإِبْدَاءُ عَنِ السُّؤَالِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَجِّ حَيْثُ لَمْ يُفْرَضْ فِي كُلِّ عَامٍ؟ (قُلْنَا) : لِوُقُوعِ السُّؤَالِ وَوُرُودِ النَّهْيِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الشَّرْطِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ السُّؤَالُ الْوَاقِعُ بَعْدَ وُرُودِهِ، إِذْ هُوَ الْمُوجِبُ لِلتَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلَا تَخَلُّفَ فِيهِ. (إِنْ قِيلَ) : مَا ذَكَرْتَهُ إِنَّمَا يَتَمَشَّى فِيمَا إِذَا كَانَ السُّؤَالُ عَنِ الْأُمُورِ الْمُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ كَمَا ذُكِرَ مِنَ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَنِ الْأُمُورِ الْوَاقِعَةِ قَبْلَهُ فَلَا يَكَادُ يَتَمَشَّى؛ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِبْدَاءُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا مَرَدَّ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ السُّؤَالُ قَبْلَ النَّهْيِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَدْ يَكُونُ الْوَاقِعُ مَا يُوجِبُ الْمَسَرَّةَ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ، فَيَكُونُ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِبْدَاءُ لَا غَيْرُهُ، فَيَتَعَيَّنُ التَّخَلُّفُ حَتْمًا. (قُلْنَا) : لَا احْتِمَالَ لِلتَّخَلُّفِ فَضْلًا عَنِ التَّعَيُّنِ، فَإِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ السُّؤَالُ عَنِ الْأَشْيَاءِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَسَاءَةِ الْوَاقِعَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَبْلَ السُّؤَالِ، كَسُؤَالِ مَنْ قَالَ: أَيْنَ أَبِي؟ لَا عَمَّا يَعُمُّهَا وَغَيْرَهَا مِمَّا لَيْسَ بِوَاقِعٍ لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ لِلْوُقُوعِ عِنْدَ الْمُكَلَّفِينَ حَتَّى يَلْزَمَ التَّخَلُّفُ فِي صُورَةِ عَدَمِ الْوُقُوعِ، اهـ. وَحَاصِلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ نَهْيُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ السُّؤَالِ عَمَّا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ يَسُوؤُهُمْ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ دُونَ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَسُرُّهُمْ أَوْ يَكُونُ مُحْتَمِلًا لِلْمَسَرَّةِ وَالْمَسَاءَةِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ السُّؤَالِ قَلَّمَا يَقَعُ مِنْ أَحَدٍ وَأَنَّ مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ فِي زَمَنِ نُزُولِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّشْدِيدِ، عُقُوبَةً لَهُ وَلِجَمِيعِ الْأُمَّةِ عَلَى إِسَاءَةِ أَدَبِهِ، وَإِنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ بَعِيدٌ عَنِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، غَيْرُ مُنْطَبِقٍ عَلَى عُمُومِ الرَّحْمَةِ وَيُسْرِ الشَّرْعِ، وَقَدْ غَفَلَ قَائِلُهُ عَفَا اللهُ عَنْهُ عِنْدَ كِتَابَتِهِ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُفَكِّرْ إِلَّا فِي ظَوَاهِرِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَلَا نَتَوَسَّعُ فِي بَسْطِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ اكْتِفَاءً بِتَقْرِيرِ الصَّوَابِ الَّذِي هَدَانَا اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) فَقَدْ رُوِيَ فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا) : مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَأَشَرْنَا إِلَيْهِ فِيمَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ، وَنَقَلْنَا مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي نَهَيْتُمْ عَنِ السُّؤَالِ عَنْهَا هِيَ مِمَّا عَفَا اللهُ عَنْهُ بِسُكُوتِهِ

стр. 2400

عَنْهُ فِي كِتَابِهِ وَعَدَمِ تَكْلِيفِكُمْ إِيَّاهُ فَاسْكُتُوا عَنْهُ أَيْضًا، وَأَيَّدُوا هَذَا الْقَوْلَ بِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ إِذْ قَالَ ﷺ : " وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا " وَالْجُمْلَةُ عَلَى هَذَا صِفَةٌ لِأَشْيَاءَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، أَوْ هِيَ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ يَتَضَمَّنُ تَعْلِيلَ النَّهْيِ، وَهُوَ يُنَاسِبُ كَوْنَ النَّهْيِ عَنِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّشْرِيعِ. (ثَانِيهُمَا) : أَنَّ مَعْنَاهُ عَفَا اللهُ عَمَّا كَانَ مِنْ مَسْأَلَتِكُمْ قَبْلَ النَّهْيِ فَلَا يُعَاقِبُكُمْ عَلَيْهَا لِسَعَةِ مَغْفِرَتِهِ وَحِلْمِهِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ فِيمَا يُشَابِهُ هَذَا السِّيَاقَ: (عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ) (٥: ٩٥) وَقَوْلِهِ: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) (٤: ٢٢، ٢٣) وَلَا مَانِعَ عِنْدَنَا يَمْنَعُنَا مِنْ إِرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ مَعًا، فَإِنَّ كُلَّ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَاتُ الْقُرْآنِ مِنَ الْمَعَانِي الْحَقِيقِيَّةِ وَالْمَجَازِيَّةِ وَالْكِنَائِيَّةِ يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْهَا مُجْتَمِعَةً تِلْكَ الْمَعَانِي أَوْ مُنْفَرِدَةً مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ، كَأَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَعَانِي مِمَّا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهَا شَرْعًا أَوْ عَقْلًا، فَحِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا مُرَادَةً بَلْ يُرَجَّحُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِطُرُقِ التَّرْجِيحِ مِنْ لَفْظِيَّةٍ وَمَعْنَوِيَّةٍ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) أَيْ قَدْ سَأَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَيْ هَذَا النَّوْعَ مِنْهَا أَوْ هَذِهِ الْمَسَائِلَ أَيْ أَمْثَالَهَا قَوْمٌ مَنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بَعْدَ إِبْدَائِهَا لَهُمْ كَافِرِينَ بِهَا، فَإِنَّ الَّذِينَ أَكْثَرُوا السُّؤَالَ عَنِ الْأَحْكَامِ التَّشْرِيعِيَّةِ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِمَا بُيِّنَ لَهُمْ مِنْهَا بَلْ فَسَقَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، وَتَرَكُوا شَرْعَهُ لِاسْتِثْقَالِهِمُ الْعَمَلَ بِهِ، وَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى اسْتِنْكَارِهِ وَاسْتِقْبَاحِهِ أَوْ إِلَى جُحُودِ كَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْكُفْرِ بِهِ، وَالَّذِينَ سَأَلُوا الْآيَاتِ كَقَوْمِ صَالِحٍ لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ إِعْطَائِهِمْ إِيَّاهَا بَلْ كَفَرُوا وَاسْتَحَقُّوا الْهَلَاكَ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، وَالْأَخْبَارُ الْغَيْبِيَّةُ كَالْآيَاتِ أَوْ مِنْهَا، وَقَدِ اقْتَصَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى تَفْسِيرِ الْمَسَائِلِ الَّتِي سَأَلُوهَا وَكَفَرُوا بِهَا بِالْآيَاتِ الَّتِي يُؤَيِّدُ اللهُ بِهَا الرُّسُلَ ﵈، وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ قَرَّرْنَاهُمَا آنِفًا وَاسْتَشْهَدَ لِلْأَوَّلِ بِمَسْأَلَةِ السُّؤَالِ عَنِ الْحَجِّ لَا بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِتَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ تَتِمَّةً لِمَا قَبْلَهَا وَبَيَانًا لِسَبَبِ ذَلِكَ النَّهْيِ الْجَامِعِ لِلْمَعْنَيَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ السُّؤَالِ عَنِ الْحَجِّ مِنْ كَوْنِ فَرْضِهِ كُلَّ عَامٍ يُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ بِالْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا وَبَيَّنَاهُ وَلَمْ نَرَ أَحَدًا سَبَقَنَا إِلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا لَمْ نَرَهُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ. وَالْعِبْرَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْفُقَهَاءِ وَسَّعُوا بِأَقْيِسَتِهِمْ دَائِرَةَ التَّكَالِيفِ وَانْتَهَوْا بِهَا إِلَى الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ الْمَرْفُوعِ بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ، فَأَفْضَى ذَلِكَ إِلَى تَرْكِ كَثِيرٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكُومَاتِهِمْ لِلشَّرِيعَةِ بِجُمْلَتِهَا، وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَابَ انْتِقَادِهَا وَالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا، فَاتَّبَعُوا بِذَلِكَ سُنَنَ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ عَقْدِ فَصْلٍ خَاصٍّ فِي تَفْصِيلِ هَذَا الْبَحْثِ.

стр. 2401

(عِلَاوَةٌ فِي بَيَانٍ) كَوْنُ كَثْرَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى نُصُوصِ الشَّارِعِ وَالتَّنَطُّعِ فِي الدِّينِ بِاسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ فِي الْعِبَادَاتِ وَأَحْكَامِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُخِلًّا بِيُسْرِ الْإِسْلَامِ وَمُنَافِيًا لِمَقْصِدِهِ. نَفْتَتِحُ هَذَا الْفَصْلَ بِمُقْدِمَاتٍ مِنَ الْمَسَائِلِ أَكْثَرُهُنَّ مَقَاصِدُ لَا وَسَائِلُ، يَتَجَلَّى بِهِنَّ الْمُرَادُ وَيَتَمَيَّزُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ. (١) إِنَّ اللهَ قَدْ أَكْمَلَ دِينَهُ وَأَتَمَّ بِهِ نِعْمَتَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَنْزَلَهُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى خَاتَمِ رُسُلِهِ وَبِمَا قَامَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ أَكْمَلَ الْقِيَامِ مِنْ بَيَانِ مُرَادِ اللهِ تَعَالَى مِنْ تَنْزِيلِهِ، فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَطْعِيَّةٌ ثَابِتَةٌ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفَصِّي الْقَوْلِ فِيهَا فِي تَفْسِيرِ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (٥: ٣) مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ. (٢) إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ قَدْ رَفَعَ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ الْحَرَجَ كَمَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي سِيَاقِ آيَاتِ الصِّيَامِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ النَّصَّيْنِ، وَسَيَأْتِي نَصٌّ آخَرُ فِي مَعْنَى نَصِّ آيَةِ الْوُضُوءِ فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَجِّ، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْلَى: (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى) (٨٧: ٨) أَيِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَفْضُلَ غَيْرَهَا بِالْيُسْرِ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهَا الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَوَصَفَهَا بِقَوْلِهِ: " لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا " وَجَعَلَ الدِّينَ عَيْنَ الْيُسْرِ مُبَالِغَةً فِي يُسْرِهِ فَقَالَ: " إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ " إِلَخْ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، وَقَالَ ﷺ : " أَحَبُّ الدِّينِ وَفِي لَفْظٍ: الْأَدْيَانِ إِلَى اللهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ أَحَدِ أَبْوَابِ الصَّحِيحِ تَعْلِيقًا، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ ﷺ : " يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَقَالَ: (لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثٍ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ. (٣) إِنَّ الْقُرْآنَ الْحَكِيمَ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَأَسَاسُهُ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (٦: ٣٨) وَقَالَ: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (١٦: ٨٩) وَأَمَّا الرَّسُولُ ﷺ فَهُوَ الْمُبَلِّغُ لَهُ وَالْمُبَيِّنُ لِمُرَادِ اللهِ تَعَالَى مِمَّا جَاءَ فِيهِ مُجْمَلًا، قَالَ تَعَالَى مُخَاطِبًا لَهُ: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) (٤٢: ٤٨) وَقَالَ: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (١٦: ٤٤) وَقَالَ: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ) (٤: ١٠٥) .

стр. 2402

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا ذِكْرَ لَهَا فِي الْقُرْآنِ، هَلْ هِيَ مِنْ رَأْيِ النَّبِيِّ ﷺ وَاجْتِهَادِهِ فِيهِ؟ أَمْ بِوَحْيٍ آخَرَ غَيْرِ الْقُرْآنِ؟ أَمْ أَذِنَ اللهُ لَهُ بِاسْتِئْنَافِ التَّشْرِيعِ؟ وَالْخِلَافُ مَشْهُورٌ، وَرَجَّحَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: (بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ بِمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَيَقُولُ: " لَا أَدْرِي " أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (بِمَا أَرَاكَ اللهُ) (٤: ١٠٥) وَيَلِيهِ فِي (بِابِ تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ لَيْسَ بِرَأْيٍ وَلَا تَمْثِيلٍ) . وَنَقُولُ: لَا يَتَّجِهُ الْخِلَافُ إِلَّا فِي الْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ الْمَحْضَةِ، وَأَمَّا الْمَصَالِحُ الْمَدَنِيَّةُ وَالسِّيَاسِيَّةُ وَالْحَرْبِيَّةُ فَقَدْ أُمِرَ بِالْمُشَاوَرَةِ فِيهَا، وَكَانَ يَرَى الرَّأْيَ فَيَرْجِعُ عَنْهُ لِرَأْيِ أَصْحَابِهِ، وَعَاتَبَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى بَعْضِ الْأَعْمَالِ الَّتِي عَمِلَهَا بِرَأْيِهِ ﷺ ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي غَزَوَاتِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَتَبُوكَ، وَلَا يَتَأَتَّى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ بِوَحْيٍ. (٤) الرَّسُولُ ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ الْخَطَأِ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللهِ ، وَفِيمَا بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ تَلْقِيحِ النَّخْلِ حِينَ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ فَتَرَكَهُ بَعْضُهُمْ لِظَنِّهِ فَخَسِرَ مَوْسِمَهُ: " إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثَتْكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ " وَقَالَ أَيْضًا: " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ " وَقَالَ أَيْضًا: " أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٥) إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ فَوَّضَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أُمُورَ دُنْيَاهُمُ الْفَرْدِيَّةَ وَالْمُشْتَرِكَةَ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ، بِشَرْطِ أَلَّا تَجْنِيَ دُنْيَاهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَهَدْيِ شَرِيعَتِهِمْ فَجَعَلَ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (٢: ٢٩) وَقَوْلِهِ: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) (٤٥: ١٣) وَجَعَلَ أُمُورَ سِيَاسَةِ الْأُمَّةِ وَحُكُومَتِهَا شُورَى، إِذْ قَالَ فِي وَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (٤٢: ٣٨) وَأَمَرَ بِطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ وَهُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَرِجَالُ الشُّورَى بِالتَّبَعِ لِطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَأَرْشَدَ إِلَى رَدِّ أُمُورِ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسِّيَاسَةِ وَالْحَرْبِ وَالْإِدَارَةِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ رَاجِعْ تَفْسِيرَ: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٤: ٥٩) وَتَفْسِيرَ: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (٤: ٨٣)

стр. 2403

وَآتَى هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمِيزَانَ مَعَ الْقُرْآنِ كَمَا آتَاهُ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ قَبْلُ، وَالْمِيزَانُ: مَا يَقُومُ بِهِ الْعَدْلُ وَالْمُسَاوَاةُ فِي الْأَحْكَامِ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْبَيِّنَاتِ الَّتِي يَسْتَخْرِجُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْبَصِيرَةِ بِاجْتِهَادِهِمْ فِي تَطْبِيقِ الْأَقْضِيَةِ عَلَى النَّصِّ وَالْعَدْلِ وَالْمَصْلَحَةِ. وَأَمَّا أَدِلَّةُ ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ فَأَعْظَمُهَا وَأَظْهَرُهَا سِيرَتُهُ ﷺ فِي تَدْبِيرِ أَمْرِ الْأُمَّةِ فِي الْحَرْبِ وَالسِّلْمِ وَالسِّيَاسَةِ الْعَامَّةِ بِمُشَاوَرَةِ أُولِي الرَّأْيِ وَالْفَهْمِ وَالْمَكَانَةِ الْمُحْتَرَمَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمْ كُبَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﵃، وَمِنْهَا إِذْنُهُ لِمُعَاذٍ عِنْدَ إِرْسَالِهِ إِلَى الْيَمَنِ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْقَضَاءِ، وَحَدِيثُ: " إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَذَكَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَلَمَةَ تَابَعَاهُ عَلَيْهِ. (٦) إِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الْإِسْلَامَ صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ لِتَكْمِيلِ الْبَشَرِ، فِي أُمُورِهِمُ الرُّوحِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ، لِيَكُونَ وَسِيلَةً لِلسَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْأُمُورُ الرُّوحِيَّةُ الَّتِي تُنَالُ بِهَا سَعَادَةُ الْآخِرَةِ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْعِبَادَاتِ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ أَتَمَّهَا اللهُ تَعَالَى وَأَكْمَلَهَا أُصُولًا وَفُرُوعًا وَقَدْ أَحَاطَتْ بِهَا النُّصُوصُ، فَلَيْسَ لِبَشَرٍ بَعْدَ الرَّسُولِ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا وَلَا أَنْ يَنْقُصَ مِنْهَا شَيْئًا. وَأَمَّا الْأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ قَضَائِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ، فَلَمَّا كَانَتْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ بَيَّنَ الْإِسْلَامُ أَهَمَّ أُصُولِهَا، وَمَا مَسَّتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ مِنْ فُرُوعِهَا، وَكَانَ مِنْ إِعْجَازِ هَذَا الدِّينِ وَكَمَالِهِ أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ مِنْ ذَلِكَ يَتَّفِقُ مَعَ مَصَالِحِ الْبَشَرِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَيَهْدِي أُولِي الْأَمْرِ إِلَى أَقْوَمِ الطُّرُقِ لِإِقَامَةِ الْمِيزَانِ، بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الشُّورَى وَالِاجْتِهَادِ. (٧) مَنْ تَدَبَّرَ مَا تَقَدَّمَ تَظْهَرْ لَهُ حِكْمَةُ مَا كَانَ مِنْ كَرَاهَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِكَثْرَةِ سُؤَالِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ عَنِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَقْتَضِي أَجْوِبَتُهَا كَثْرَةَ الْأَحْكَامِ، وَالتَّشْدِيدَ فِي الدِّينِ، أَوْ بَيَانَ أَحْكَامٍ دُنْيَوِيَّةٍ رُبَّمَا تُوَافِقُ ذَلِكَ الْعَصْرَ وَلَا تُوَافِقُ مَصَالِحَ الْبَشَرِ بَعْدَهُ، وَقَدْ

стр. 2404

تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَتَيْنِ، وَسَنُورِدُ قَرِيبًا أَحَادِيثَ أُخْرَى وَآثَارًا فِي مَعْنَى مَا أَوْرَدْنَاهُ فِي سِيَاقِ تَفْسِيرِهِمَا. (٨) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَذُمُّونَ الْإِحْدَاثَ وَالِابْتِدَاعَ، وَيُوصُونَ بِالِاعْتِصَامِ وَالِاتِّبَاعِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الرَّأْيِ وَالْقِيَامِ فِي الدِّينِ، وَيَتَدَافَعُونَ الْفَتْوَى وَيَتَحَامَوْنَهَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا سُئِلُوا عَمَّا لَمْ يَقَعْ، وَلَكِنْ بَعْضُ الَّذِينَ انْقَطَعُوا لِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ فَتَحُوا بَابَ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ فِيهَا، وَأَكْثَرُوا مِنَ اسْتِنْبَاطِ الْفُرُوعِ الْكَثِيرَةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ جَمِيعًا، فَجَاءَ بَعْضُ الْفُرُوعِ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ الْقَوْلِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّةِ مُخَالَفَةً بَيِّنَةً، وَبَعْضُهَا غَيْرُ مُوَافِقٍ وَلَا مُخَالِفٍ، إِلَّا أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيمَا عَفَا اللهُ عَنْهُ فَسَكَتَ عَنْ بَيَانِهِ رَحْمَةً لَا نِسْيَانًا كَمَا وَرَدَ، وَقَدْ وَضَعُوا لِلِاسْتِنْبَاطِ أُصُولًا وَقَوَاعِدَ مِنْهَا الصَّحِيحُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَمِنْهَا مَا لَا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ أَلْبَتَّةَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ تِلْكَ الْأُصُولَ وَالْقَوَاعِدَ فِي اسْتِنْبَاطِهِ لِلْأَحْكَامِ، وَقَوْلِهِ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ مَذَاهِبَ بَدَدًا، وَسَلَكُوا إِلَيْهِ طَرَائِقَ قِدَدًا، فَكَثُرَتِ التَّكَالِيفُ حَتَّى تَعَسَّرَ تَعَلُّمُهَا، فَمَا الْقَوْلُ فِي عُسْرِ الْعَمَلِ بِهَا؟ فَتَسَلَّلَ مِنْهَا الْأَفْرَادُ وَالْجَمَاعَاتُ، وَنَقَصَتْ مِنْ عَقْلِهَا الْحُكُومَاتُ، وَكَثُرَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِهَا الشُّبَهَاتُ، وَكَانَتْ فِي طَرِيقِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ أَصْعَبُ الْعَقَبَاتِ، وَلَوْ سَلَكَ الْمُتَأَخِّرُونَ طَرِيقَ السَّلَفِ حَتَّى أَئِمَّةِ أَهْلِ الرَّأْيِ مِنْهُمْ فِي مَنْعِ التَّقْلِيدِ وَالرُّجُوعِ إِلَى صَحِيحِ الْمَأْثُورِ، وَرَدِّ الْمُتَنَازِعِ فِيهِ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ لَمَا وَصَلْنَا إِلَى هَذَا الْحَدِّ الَّذِي وَصَفْنَاهُ. (٩) إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ تَوْحِيدٍ وَاجْتِمَاعٍ، وَقَدْ نَهَى أَشَدَّ النَّهْيِ عَنِ التَّفْرِيقِ وَالِاخْتِلَافِ قَالَ تَعَالَى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (٣: ١٠٣) وَقَالَ: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (٣: ١٠٥) وَقَالَ: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (٦: ١٥٩) وَقَالَ: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (٣٠: ٣١، ٣٢) وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ النُّصُوصُ مِنَ الْكِتَابِ وَأَمْثَالِهَا مِنْهُ وَمِنَ السُّنَّةِ بِرَادِعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ عَنِ التَّفَرُّقِ، وَمَا كَانَ التَّفَرُّقُ إِلَّا مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي اتَّبَعُوا فِيهِ سُنَنَ مَنْ قَبْلَهُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى دَخَلُوا جُحْرَ الضَّبِّ الَّذِي دَخَلُوهُ قَبْلَهُمْ، مِصْدَاقًا لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَمْ يَزَلْ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْتَدِلًا حَتَّى نَشَأَ فِيهِمُ الْمُوَلِّدُونَ وَأَبْنَاءُ سَبَايَا الْأُمَمِ الَّتِي كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسْبِيهَا فَقَالُوا بِالرَّأْي فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا " وَقَدْ عَلِمَ عَلَيْهِ السُّيُوطِيُّ بِالْحُسْنِ، وَنَقَلَ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرَ مَرْفُوعٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَامَّةً، كَمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.

стр. 2405

وَلِمَا كَثُرَ الْقَوْلُ بِالرَّأْيِ قَامَ أَهْلُ الْأَثَرِ يَرُدُّونَ عَلَى أَهْلِ الرَّأْيِ وَيُنَفِّرُونَ النَّاسَ مِنْهُمْ، فَكَانَ عُلَمَاءُ الْأَحْكَامِ قِسْمَيْنِ: أَهْلَ الْأَثَرِ وَالْحَدِيثِ، وَأَهْلَ الرَّأْيِ، وَكَانَ أَئِمَّةُ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ، النَّاهِينَ عَنْ تَقْلِيدِ غَيْرِ الْمَعْصُومِ فِي الدِّينِ، ثُمَّ حَدَثَتِ الْمَذَاهِبُ، وَبِدْعَةُ تَعَصُّبِ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ لِلْوَاحِدِ، وَفَشَا بِذَلِكَ التَّقْلِيدُ بَيْنَ النَّاسِ، فَضَاعَ الْعِلْمُ مِنَ الْجُمْهُورِ بِتَرْكِ الِاسْتِقْلَالِ فِي الِاسْتِدْلَالِ، فَكَانَ هَذَا أَصْلَ كُلِّ شَقَاءٍ وَبَلَاءٍ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي دِينِهَا وَدُنْيَاهَا. (١٠) مَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ضَلَالَةٍ قَطُّ، أَمَّا أَهْلُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَفْتَتِنْ بِالْبِدَعِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي عَصْرِهِمْ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ، وَكَانَ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ عَلَى الْحَقِّ، وَلَمَّا ضَعُفَ الْحَقُّ وَارْتَفَعَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الْمَوْتِ فِي الْعُلَمَاءِ الْمُسْتَقِلِّينَ، وَفُشُوِّ الْجَهْلِ بِتَقْلِيدِ الْجَمَاهِيرِ حَتَّى لِأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ، كَانَ يُوجَدُ فِي كُلِّ عَصْرٍ طَائِفَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْحَقِّ مُقِيمَةٌ لِلسُّنَّةِ خَاذِلَةٌ لِلْبِدْعَةِ وَلِغُرْبَةِ الْإِسْلَامِ صَارَ هَؤُلَاءِ غُرَبَاءَ فِي النَّاسِ، وَكَانُوا فِي اعْتِصَامِهِمْ بِالْحَقِّ وَفِي غُرْبَتِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ مِصْدَاقًا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَلَوْ خَلَتِ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَانْفَرَدَ بِتَعْلِيمِ الدِّينِ وَالتَّصْنِيفِ فِيهِ الْمُقَلِّدُونَ الْمُتَعَصِّبُونَ لِلْمَذَاهِبِ، الَّذِينَ جَعَلُوا كَلَامَ مُقَلِّدِيهِمْ أَصْلًا فِي الدِّينِ، يَرُدُّونَ إِلَيْهِ أَوْ لِأَجْلِهِ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَتَّى بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ وَيُضَعِّفُونَ الصَّحِيحَ وَيُصَحِّحُونَ السَّقِيمَ، لَعَمِيَتِ السَّبِيلَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى دِينِ اللهِ الْقَوِيمِ. إِنَّمَا أَعْنِي بِأَهْلِ الْحَقِّ وَأَنْصَارِ السُّنَّةِ مَنْ عَرَفُوا الْحَقَّ وَدَعَوْا إِلَيْهِ وَأَنْكَرُوا عَلَى مُخَالِفِيهِ وَقَرَّرُوهُ بِالتَّدْرِيسِ وَالتَّأْلِيفِ، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ "، وَفِي لَفْظٍ: " حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ " وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: " بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ " وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ زِيَادَةٌ فِي تَفْسِيرِ الْغُرَبَاءِ وَهِيَ: " الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي " وَقَدْ وُجِدَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ عَصْرٍ عَرَفُوا الْحَقَّ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ مَا دَعَوْا إِلَيْهِ، وَلَا أَنْكَرُوا عَلَى مُخَالِفِيهِ لِضَعْفٍ فِي عَزَائِمِهِمْ، أَوْ خَوْفٍ عَلَى جَاهِهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ عِنْدَ النَّاسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَرَفَ بَعْضَ الْحَقِّ وَلَمْ يُوَفَّقْ لِتَمْحِيصِهِ، وَكَتَبُوا فِي ذَلِكَ كُتُبًا خَلَطُوا فِيهَا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ أَنْصَارَ السُّنَّةِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخَرِينَ، مِنْهُمُ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ وَلَيِّنُ الْقَوْلِ وَخَشِنُهُ، وَالْمُبَالِغُ وَالْمُقْتَصِدُ، وَقَدْ فَضُلَتِ الْأَنْدَلُسُ الشَّرْقَ بَعْدَ خَيْرِ الْقُرُونِ بِإِمَامٍ جَلِيلٍ مِنْهُمْ قَوِيِّ الْعَارِضَةِ شَدِيدِ الْمُعَارَضَةِ، بَلِيغِ الْعِبَارَةِ، بَالِغِ الْحُجَّةِ أَلَا وَهُوَ الْإِمَامُ الْمُحَدِّثُ الْفَقِيهُ الْأُصُولِيُّ مُجَدِّدُ الْقَرْنِ الْخَامِسِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ، أَلَّفَ كُتُبًا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، هَدَمَ بِهَا الْقِيَاسَ، وَبَيَّنَ إِحَاطَةَ النُّصُوصِ بِالْأَحْكَامِ أَبْلَغَ بَيَانٍ،

стр. 2406

وَأَنْحَى بِهَا عَلَى أَهْلِ الرَّأْيِ أَشَدَّ الْإِنْحَاءِ، وَلَكِنَّهُ جَاءَ فِي الْقَرْنِ الْخَامِسِ الَّذِي تَمَكَّنَتْ فِيهِ الْمَذَاهِبُ الْقِيَاسِيَّةُ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ، بِتَقْلِيدِ الْجَمَاهِيرِ وَتَأْيِيدِ الْحُكُومَاتِ لَهَا وَمَا حُبِسَ عَلَى أَهْلِهَا مِنَ الْأَوْقَافِ، حَتَّى صَارَ الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى كُلِّ مَذْهَبٍ مِنْهَا يُقَدِّمُونَ قَوْلَ كُلِّ مُؤَلِّفٍ مُنْتَسِبٍ إِلَيْهَا، عَلَى نُصُوصِ الشَّارِعِ الَّتِي اتَّفَقَ نَقَلَةُ الدِّينَ عَلَى صِحَّتِهَا، فَمَا اسْتَفَادَ مِنْ كُتُبِ ابْنِ حَزْمٍ إِلَّا الْأَقَلُّونَ. وَعِنْدِي أَنَّ الصَّارِفَ الْأَكْبَرَ لِلنَّاسِ عَنْ كُتُبِهِ هُوَ شِدَّةُ عِبَارَتِهِ فِي تَجْهِيلِ فُقَهَاءِ الْقِيَاسِ حَتَّى الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ مِنْهُمْ وَقَدْ كَانَ أَكَابِرُ الْعُلَمَاءِ فِي كُلٍّ يَسْتَفِيدُونَ مِنْ كُتُبِهِ وَيَنْسَخُونَهَا بِأَقْلَامِهِمْ وَيَتَنَافَسُونَ فِيهَا، وَلَكِنْ قَلَّمَا كَانُوا يَنْقُلُونَ عَنْهَا إِلَّا مَا يَجِدُونَهُ مِنْ هَفْوَةٍ يَرُدُّونَ عَلَيْهَا; وَلِذَلِكَ بَعُدَ مِنْ مَنَاقِبِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الَّذِي اعْتَرَفُوا لَهُ بِالِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ وَلُقِّبَ بِسُلْطَانِ الْعُلَمَاءِ، قَوْلُهُ لِمَنْ سَأَلَ عَنْ خَيْرِ كُتُبِ الْفِقْهِ فِي الْإِسْلَامِ (الْمُحَلَّى) لِابْنِ حَزْمٍ، وَ (الْمُغْنِي) لِلشَّيْخِ الْمُوَفَّقِ. وَفِي دَارِ الْكُتُبِ الْكُبْرَى بِمِصْرَ نُسْخَةٌ مِنْ كِتَابِ (الْإِحْكَامِ فِي أُصُولِ الْأَحْكَامِ) لِابْنِ حَزْمٍ مِنْ خَطِّ عَلَّامَةِ الشَّافِعِيَّةِ فِي عَصْرِهِ ابْنِ أَبِي شَامَةَ، فَهَذَا الْأَثَرُ وَذَلِكَ الْقَوْلُ يَدُلَّانِ عَلَى عِنَايَةِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ بِكُتُبِ ابْنِ حَزْمِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى الِاسْتِفَادَةِ مِنْهَا. لَمْ يَجِئْ بَعْدَ الْإِمَامِ ابْنِ حَزْمٍ مَنْ يُسَامِيهِ أَوْ يُسَاوِيهِ فِي سَعَةِ عِلْمِهِ وَقُوَّةِ حُجَّتِهِ وَطُولِ بَاعِهِ وَحِفْظِهِ لِلسُّنَّةِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ إِلَّا شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُجَدِّدُ الْقَرْنِ السَّابِعِ أَحْمَدُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ، وَهُوَ قَدِ اسْتَفَادَ مَنْ كُتُبِ ابْنِ حَزْمٍ وَاسْتَدْرَكَ عَلَيْهَا وَحَرَّرَ مَا كَانَ مِنْ ضَعْفٍ فِيهَا، وَكَانَ عَلَى شِدَّتِهِ فِي الْحَقِّ مِثْلَهُ أَنْزَهَ مِنْهُ قَلَّمَا أَوْ أَكْثَرَ أَدَبًا مَعَ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفِ الْقِيَاسَ أَلْبَتَّةَ، وَلَكِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ الْمُوَافِقِ لِلنُّصُوصِ وَالْقِيَاسِ الْبَاطِلِ الْمُخَالِفِ لَهَا بِمَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ فِيمَا نَعْلَمُ. وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَيِّمِ وَارِثَ عِلْمِ أُسْتَاذِهِ ابْنِ تَيْمِيَةَ وَمُوَضِّحَهُ، وَكَانَ أَقْرَبَ مِنْ أُسْتَاذِهِ إِلَى اللِّينِ وَالرِّفْقِ بِالْمُبْطِلِينَ وَالْمُخْطِئِينَ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ تَصَانِيفُهُ أَقْرَبَ إِلَى الْقَبُولِ، وَلَمْ يَلْقَ مِنَ الْمُقَاوَمَةِ وَالِاضْطِهَادِ مَا لَقِيَ أُسْتَاذُهُ بِتَعَصُّبِ مُقَلِّدَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ، وَجَهْلِ الْحُكَّامِ الظَّالِمِينَ. وَإِنَّ أَنْفَعَ مَا كُتِبَ بَعْدَهُمْ لِأَنْصَارِ السُّنَّةِ كِتَابُ (فَتْحِ الْبَارِي) شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لِقَامُوسِ السُّنَّةِ الْمُحِيطِ الْحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ شَيْخِ الْحُفَّاظِ وَالْفُقَهَاءِ بِمِصْرَ فِي الْقَرْنِ التَّاسِعِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي لَا يَكَادُ يَسْتَغْنِي عَنْهُ أَحَدٌ يَخْدِمُ السُّنَّةَ فِي هَذَا الْعَصْرِ; لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِخُلَاصَةِ كُتُبِ السُّنَّةِ وَزُبْدَةِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَقَائِدِ وَالْفِقْهِ وَالْآدَابِ، وَمِنْ أَنْفَعِهَا فِي كُتُبِ فِقْهِ الْحَدِيثِ كِتَابُ (نَيْلِ الْأَوْطَارِ) شَرْحِ مُنْتَقَى الْأَخْبَارِ، وَمِنْ كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ كِتَابُ (إِرْشَادِ الْفُحُولِ فِي تَحْقِيقِ الْحَقِّ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ) كِلَاهُمَا لِلْإِمَامِ

стр. 2407

الْجَلِيلِ الْمُجَدِّدِ مُجْتَهِدِ الْيَمَنِ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ: مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيِّ ﵏ وَنَفَعَ بِهِمْ أَجْمَعِينَ. فَهَؤُلَاءِ أَشْهَرُ أَعْلَامِ الْمُصْلِحِينَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ الَّذِينَ تُعَدُّ كُتُبُهُمْ أَعْظَمَ مَادَّةٍ لِلْإِصْلَاحِ فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ، وَمِنْ دُونِهِمْ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَكُلِّ قُطْرٍ، وَقَدِ اكْتَفَيْنَا بِذِكْرِ مَنِ اعْتَمَدْنَا عَلَى كُتُبِهِمْ فِي هَذَا الْبَحْثِ وَهِيَ أَمْتَعُ الْكُتُبِ فِيهِ، وَإِنَّ حُسْنَ اخْتِيَارِ الْكُتُبِ نِصْفُ الْعِلْمِ. إِذَا تَمَهَّدَ هَذَا فَإِنَّنَا نَنْقُلُ لِلْقُرَّاءِ بَعْدَهُ مُلَخَّصَ مَا أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي مَسْأَلَةِ النَّهْيِ عَنِ السُّؤَالِ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ لَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَأَقْوَالِ أَشْهَرِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا. ثُمَّ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْقِيَاسِ، ثُمَّ خُلَاصَةَ مَا حَرَّرَهُ الْعَلَامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ مِنْ كَلَامِ شَيْخِهِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ. ثُمَّ مَا اعْتَمَدَهُ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِيهَا. ثُمَّ نَأْتِي بِخُلَاصَةِ الْخُلَاصَةِ الَّتِي عَقَدْنَا لَهَا هَذَا الْفَصْلَ. (أَحَادِيثُ الْبُخَارِيِّ فِي كَرَاهَةِ السُّؤَالِ) . عَقَدَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابًا فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ عُنْوَانُهُ: بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَمِنْ تَكَلُّفِ مَا لَا يَعْنِيهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) أَوْرَدَ فِيهِ تِسْعَةَ أَحَادِيثَ: (أَوَّلُهَا) : حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا: " إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ " وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: " إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا " إِلَخْ. (الثَّانِي) : حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا لَيَالِيَ حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ فَفَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ. فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ ". (الثَّالِثُ) : حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سَبَبِ نُزُولِ النَّهْيِ عَنِ السُّؤَالِ وَهُوَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَنْسٍ فِي ذَلِكَ، (ص ١١٠ ط الْهَيْئَةِ) . (الرَّابِعُ) : حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ الَّذِي كَتَبَ بِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ لَمَّا سَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ مَا

стр. 2408

سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْهُ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ: " أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ ". (الْخَامِسُ) : قَوْلُ عُمَرَ: " نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ " فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَسَبَبُهُ كَمَا أَخْرَجَهُ رُوَاةُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْأَبِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) (٨٠: ٣١) فَقَالَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ: " مَا بُيِّنَ لَكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِهِ وَمَا لَا فَدَعُوهُ " وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَّرَ الْأَبَّ عِنْدَ عُمَرَ بِمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ أَيْ مِنَ النَّبَاتِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، قِيلَ: إِنَّ كَلِمَةَ الْأَبِّ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْهَا عُمَرُ وَلَا أَبُو بَكْرٍ، كَمَا رُوِيَ بِسَنَدَيْنِ مُنْقَطِعَيْنِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا غَيْرُ قُرَشِيَّةٍ أَوْ غَيْرُ حِجَازِيَّةٍ. وَلِذَلِكَ عَرَّفَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ لِسَعَةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ وَكَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. (السَّادِسُ وَالسَّابِعُ) : حَدِيثُ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي سَبَبِ نُزُولِ (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) الْآيَةَ. (ص ١٠٧) . (الثَّامِنُ) : حَدِيثُ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ " وَرَوَاهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ فِي بَابِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَغَيْرِهِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَقَدْ قَفَّى الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْبَابِ بَابَ الِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَابَ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ، فَبَابَ إِثْمِ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، أَيْ مُبْتَدِعًا، فَبَابَ مَا يُذْكَرُ مِنْ ذَمِّ الرَّأْيِ وَتَكَلُّفِ الْقِيَاسِ. خُلَاصَةُ الْأَحَادِيثِ وَأَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ. أَوْرَدَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْبَابِ الَّذِي سَرَدْنَا أَحَادِيثَ مَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهَا مَا نَصُّهُ: " وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ سَعْدٍ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَقَالَ: سَنَدُهُ صَالِحٌ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ: " مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ يَنْسَى شَيْئًا " ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (١٩: ٦٤) . " وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَفَعَهُ: " إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ لَا تَبْحَثُوا عَنْهَا "،

стр. 2409

وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَآخَرُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. " وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، وَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ الْغَافِلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَيَسْأَلَ وَنَحْنُ نَسْمَعُ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَمَضَى فِي قِصَّةِ اللَّعَّانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا. " وَلِمُسْلِمٍ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: " أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَنَةً بِالْمَدِينَةِ مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَّا الْمَسْأَلَةُ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلِ النَّبِيَّ ﷺ " وَمُرَادُهُ أَنَّهُ قَدِمَ وَافِدًا فَاسْتَمَرَّ بِتِلْكَ الصُّورَةِ لِيُحَصِّلَ الْمَسَائِلَ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ صِفَةِ الْوَفْدِ إِلَى اسْتِمْرَارِ الْإِقَامَةِ فَيَصِيرَ مُهَاجِرًا، فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِالنَّهْيِ عَنِ السُّؤَالِ غَيْرُ الْأَعْرَابِ وُفُودًا كَانُوا أَوْ غَيْرَهُمْ. " وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) الْآيَةَ. كُنَّا قَدِ اتَّقَيْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ ﷺ فَأَتَيْنَا أَعْرَابِيًّا فَرَشَوْنَاهُ بِرِدَاءٍ وَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيَّ ﷺ ". " وَلِأَبِي يَعْلَى عَنِ الْبَرَاءِ " أَنْ كَانَ لَتَأْتِي عَلِيَّ السَّنَةُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الشَّيْءِ فَأتَهَيَّبَ، وَإِنْ كُنَّا لِنَتَمَنَّى الْأَعْرَابَ؛ أَيْ قُدُومَهُمْ لِيَسْأَلُوا فَيَسْمَعُوا هُمْ أَجْوِبَةَ سُؤَالَاتِ الْأَعْرَابِ فَيَسْتَفِيدُوهَا ". " وَأَمَّا مَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ أَسْئِلَةِ الصَّحَابَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّهْيَ فِي الْآيَةِ لَا يَتَنَاوَلُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِمَّا تَقَرَّرَ حُكْمُهُ أَوْ مَا لَهُمْ بِمَعْرِفَتِهِ حَاجَةٌ رَاهِنَةٌ، كَالسُّؤَالِ عَنِ الذَّبْحِ بِالْقَصَبِ، وَالسُّؤَالِ عَنْ وُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ إِذَا أَمَرُوا بِغَيْرِ الطَّاعَةِ، وَالسُّؤَالِ عَنْ أَحْوَالِ الْقِيَامَةِ وَمَا قَبْلَهَا مِنَ الْمَلَاحِمِ وَالْفِتَنِ، وَالْأَسْئِلَةِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ، كَسُؤَالِهِمْ عَنِ الْكَلَالَةِ وَالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْيَتَامَى وَالْمَحِيضِ وَالنِّسَاءِ وَالصَّيْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنَّ الَّذِينَ تَعَلَّقُوا بِالْآيَةِ فِي كَرَاهِيَةِ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ عَمَّا لَمْ يَقَعْ، أَخَذُوهُ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ كَثْرَةَ السُّؤَالِ لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ بِمَا يَشُقُّ فَحَقُّهَا أَنْ تُجْتَنَبَ. " وَقَدْ عَقَدَ الْإِمَامُ الدَّارِمِيُّ فِي أَوَائِلِ مُسْنَدِهِ لِذَلِكَ بَابًا، وَأَوْرَدَ فِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ آثَارًا كَثِيرَةً فِي ذَلِكَ، مِنْهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَلْعَنُ

стр. 2410

السَّائِلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، وَعَنْ عُمَرَ: " أُحَرِّجُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ لَنَا فِيمَا كَانَ شُغْلًا " وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ يَقُولُ: " كَانَ هَذَا؟ فَإِنْ قِيلَ: لَا، قَالَ: دَعُوهُ حَتَّى يَكُونَ " وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَنْ عَمَّارٍ نَحْوُ ذَلِكَ. " وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مَرْفُوعًا، وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنْ مُعَاذٍ رَفَعَهُ: " لَا تُعَجِّلُوا بِالْبَلِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِهَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ تَفْعَلُوا لَمْ يَزَلْ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ إِذَا قَالَ سُدِّدَ أَوْ وُفِّقَ، وَإِنْ عَجَّلْتُمْ تَشَتَّتَ بِكُمُ السُّبُلُ " وَهُمَا مُرْسَلَانِ يُقَوِّي بَعْضٌ بَعْضًا. وَمِنْ وَجْهٍ ثَالِثٍ عَنْ أَشْيَاخِ الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " لَا يَزَالُ فِي أُمَّتِي مَنْ إِذَا سُئِلَ سُدِّدَ وَأُرْشِدَ حَتَّى يَتَسَاءَلُوا عَمَّا لَمْ يُنَزَّلْ " الْحَدِيثَ نَحْوَهُ. " قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْبَحْثَ عَمَّا لَا يُوجَدُ فِيهِ نَصٌّ عَلَى قَسْمَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنْ يَبْحَثَ عَنْ دُخُولِهِ فِي دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَى اخْتِلَافِ وُجُوهِهَا، فَهَذَا مَطْلُوبٌ لَا مَكْرُوهٌ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ فَرْضًا عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ. (ثَانِيهُمَا) : أَنْ يُدَقِّقَ النَّظَرَ فِي وُجُوهِ الْفُرُوقِ، فَيُفَرِّقَ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ بِفَرْقٍ لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ فِي الشَّرْعِ، مَعَ وُجُودِ وَصْفِ الْجَمْعِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، بِأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقَيْنِ بِوَصْفٍ طَرْدِيٍّ مَثَلًا، فَهَذَا الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ، وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: " هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. فَرَأَوْا أَنَّ فِيهِ تَضْيِيعَ الزَّمَانِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. وَمِثْلُهُ الْإِكْثَارُ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلَى مَسْأَلَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ وَلَا الْإِجْمَاعِ، وَهِيَ نَادِرَةُ الْوُقُوعِ جِدًّا. فَيَصْرِفُ فِيهَا زَمَانًا كَانَ صَرْفُهُ فِي غَيْرِهَا أَوْلَى، وَلَا سِيَّمَا إِنْ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ إِغْفَالُ التَّوَسُّعِ فِي بَيَانِ مَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ. " وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ فِي كَثْرَةِ السُّؤَالِ الْبَحْثُ عَنْ أُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْإِيمَانِ بِهَا مَعَ تَرْكِ كَيْفِيَّتِهَا. وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ لَهُ شَاهِدٌ فِي عَالَمِ الْحِسِّ كَالسُّؤَالِ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ، وَعَنِ الرُّوحِ، وَعَنْ مُدَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالنَّقْلِ الصِّرْفِ، وَالْكَثِيرُ مِنْهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ، فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ. وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ مَا تُوُقِّعَ كَثْرَةُ الْبَحْثِ عَنْهُ فِي الشَّكِّ وَالْحَيْرَةِ، وَسَيَأْتِي مِثَالُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا اللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ " وَهُوَ ثَامِنُ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ. " وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: مِثَالُ التَّنَطُّعِ فِي السُّؤَالِ حَتَّى يُفْضِيَ بِالْمَسْئُولِ إِلَى الْجَوَابِ بِالْمَنْعِ بَعْدَ أَنْ يُفْتِيَ بِالْإِذْنِ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ السِّلَعِ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْأَسْوَاقِ، هَلْ يُكْرَهُ شِرَاؤُهَا مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ مِنْ قَبْلِ الْبَحْثِ عَنْ مَصِيرِهَا إِلَيْهِ أَوْ لَا؟ فَيُجِيبُهُ بِالْجَوَازِ، فَإِنْ عَادَ فَقَالَ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْ نَهْبٍ أَوْ غَصْبٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْوَقْتُ قَدْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ،

стр. 2411

فَيَحْتَاجُ أَنْ يُجِيبَهُ بِالْمَنْعِ، وَيُقَيِّدَ ذَلِكَ. إِنْ ثَبَتَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَرَّمَ، وَإِنْ تَرَدَّدَ كَرِهَ أَوْ كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَلَوْ سَكَتَ السَّائِلُ عَنْ هَذَا التَّنَطُّعِ لَمْ يَزِدِ الْمُفْتِي عَلَى جَوَابِهِ بِالْجَوَازِ. " وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَنْ يَسُدُّ بَابَ الْمَسَائِلِ حَتَّى يَفُوتَهُ مَعْرِفَةُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا، فَإِنَّهُ يَقِلُّ فَهْمُهُ وَعِلْمُهُ، وَمَنْ تَوَسَّعَ فِي تَفْرِيعِ الْمَسَائِلِ وَتَوْلِيدِهَا وَلَا سِيَّمَا فِيمَا يَقِلُّ وُقُوعُهُ أَوْ يَنْدُرُ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَاهَاةَ وَالْمُغَالَبَةَ فَإِنَّهُ يُذَمُّ فِعْلُهُ، وَهُوَ عَيْنُ الَّذِي كَرِهَهُ السَّلَفُ. " وَمَنْ أَمْعَنَ فِي الْبَحْثِ عَنْ مَعَانِي كِتَابِ اللهِ مُحَافِظًا عَلَى مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وَحَصَلَ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ مَنْطُوقِهِ وَمَفْهُومِهِ، وَعَنْ مَعَانِي السُّنَّةِ وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، مُقْتَصِرًا عَلَى مَا يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ مِنْهَا، فَإِنَّهُ الَّذِي يُحْمَدُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ. " وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ عَمَلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنَ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ حَتَّى حَدَّثَتِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَعَارَضَتْهَا الطَّائِفَةُ الْأُولَى، فَكَثُرَ بَيْنَهُمُ الْمِرَاءُ وَالْجِدَالُ وَتَوَلَّدَتِ الْبَغْضَاءُ وَتَسَمُّوا خُصُومًا وَهُمْ مِنْ أَهْلِ دِينٍ وَاحِدٍ، وَالْوَسَطُ هُوَ الْمُعْتَدِلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي " فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ " فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ يَجُرُّ إِلَى عَدَمِ الِانْقِيَادِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ حَيْثُ تَقْسِيمُ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ. وَأَمَّا الْعَمَلُ بِمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالتَّشَاغُلِ بِهِ فَقَدْ وَقَعَ الْكَلَامُ فِي أَيِّهِمَا أَوْلَى. وَالْإِنْصَافُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ مَا زَادَ عَلَى مَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ فَرْضُ عَيْنٍ، فَالنَّاسُ فِيهِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ قُوَّةً عَلَى الْفَهْمِ وَالتَّحْرِيرِ، فَتَشَاغُلُهُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إِعْرَاضِهِ عَنْهُ، وَتَشَاغُلُهُ بِالْعِبَادَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ الْمُتَعَدَّى، وَمَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ قُصُورًا، فَإِقْبَالُهُ عَلَى الْعِبَادَةِ أَوْلَى ; لِعُسْرِ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَوْ تَرَكَ الْعِلْمَ، لَأَوْشَكَ أَنْ يُضَيِّعَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ بِإِعْرَاضِهِ. وَالثَّانِي لَوْ أَقْبَلَ عَلَى الْعِلْمِ وَتَرَكَ الْعِبَادَةَ فَاتَهُ الْأَمْرَانِ لِعَدَمِ حُصُولِ الْأَوَّلِ لَهُ وَإِعْرَاضِهِ بِهِ عَنِ الثَّانِي وَاللهُ الْمُوَفِّقُ " انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ. أَقُولُ: لِلَّهِ دَرُّ الْحَافِظِ، فَإِنَّهُ أَتَى بِخُلَاصَةِ الْآثَارِ وَصَفْوَةِ مَا فَسَّرَهَا بِهِ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَوْلَا عُمُومُ افْتِتَانِ الْجَمَاهِيرِ بِالْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ الْمَلْأَى بِمَا ذَكَرَ مِنَ الْفُرُوعِ الَّتِي نَهَى الشَّرْعُ عَنِ الْخَوْضِ فِي مِثْلِهَا، وَأَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى ذَمِّ الِاشْتِغَالِ بِهَا لَاكْتَفَيْنَا بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَا حَرَّرَهُ الْحَافِظُ فِي الشَّرْحِ، وَقُلْنَا فِيهِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّوْكَانِيُّ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ جُمُودِ الْجَمَاهِيرِ عَلَى التَّقْلِيدِ، لَا يُزَلْزِلُهُ هَذَا الْقَوْلُ الْوَجِيزُ الْمُخْتَصَرُ الْمُفِيدُ، فَلَا بُدَّ إِذًا مِنْ تَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ، الَّتِي هِيَ مَنْشَأُ كُلِّ هَذَا الْبَلَاءِ فِي النَّاسِ، وَهَاكَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ حَزْمٍ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ مِنْ مُقَدِّمَةِ الْمُحَلَّى:

стр. 2412

إِبْطَالُ ابْنِ حَزْمٍ الْقِيَاسَ وَالرَّأْيَ: (مَسْأَلَةٌ) وَلَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ فِي الدِّينِ وَلَا بِالرَّأْيِ ; لِأَنَّ أَمْرَ اللهِ تَعَالَى بِالرَّدِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى كِتَابِهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ قَدْ صَحَّ، فَمَنْ رَدَّ إِلَى قِيَاسٍ أَوْ إِلَى تَعْلِيلٍ يَدَّعِيهِ أَوْ إِلَى رَأْيٍ فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ اللهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقَ بِالْإِيمَانِ، وَرَدَّ إِلَى غَيْرِ مَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِالرَّدِّ إِلَيْهِ، وَفِي هَذَا مَا فِيهِ. (قَالَ عَلِيٌّ) : وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (٦: ٣٨) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (١٦: ٨٩) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (١٦: ٤٤) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (٥: ٣) إِبْطَالٌ لِلْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ; لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُمَا مَا دَامَ يُوجَدُ نَصٌّ. وَقَدْ شَهِدَ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يُفَرِّطْ فِيهِ شَيْئًا، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ بَيَّنَ لِلنَّاسِ كُلَّ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّ الدِّينَ قَدْ كَمُلَ فَصَحَّ أَنَّ النَّصَّ قَدِ اسْتَوْفَى جَمِيعَ الدِّينِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ بِأَحَدٍ إِلَى قِيَاسٍ وَلَا إِلَى رَأْيٍ وَلَا إِلَى رَأْيِ غَيْرِهِ. وَنَسْأَلُ مَنْ قَالَ بِالْقِيَاسِ: هَلْ كُلُّ قِيَاسٍ قَاسَهُ قَائِسٌ حَقٌّ؟ أَمْ مِنْهُ حَقٌّ وَمِنْهُ بَاطِلٌ؟ فَإِنْ قَالَ: كُلُّ قِيَاسٍ حَقٌّ أَحَالَ; لِأَنَّ الْمَقَايِيسَ تَتَعَارَضُ وَيُبْطِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ وَضِدُّهُ مِنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ حَقًّا مَعًا، وَلَيْسَ هَذَا مَكَانَ نَسْخٍ وَلَا تَخْصِيصٍ كَالْأَخْبَارِ الْمُتَعَارِضَةِ الَّتِي يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيُخَصِّصُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَإِنْ قَالَ: بَلْ مِنْهَا حَقٌّ وَمِنْهَا بَاطِلٌ قِيلَ لَهُ: فَعَرِّفْنَا بِمَاذَا يُعْرَفُ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ مِنَ الْفَاسِدِ؟ وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى وُجُودِ ذَلِكَ. وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ عَلَى تَصْحِيحِ الصَّحِيحِ مِنَ الْقِيَاسِ مِنَ الْبَاطِلِ مِنْهُ فَقَدْ بَطَلَ كُلُّهُ، وَصَارَ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ. فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، سُئِلُوا: أَيْنَ وَجَدُوا ذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالُوا: قَالَ اللهُ : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (٥٩: ٢) قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ الِاعْتِبَارَ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ الْعَرَبِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ إِلَّا التَّعَجُّبَ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً)

стр. 2413

أَيْ تَعَجُّبًا، وَقَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (١٢: ١١١) أَيْ عَجَبٌ. وَمِنَ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الِاعْتِبَارِ الْقِيَاسَ، وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لَنَا: قِيسُوا، ثُمَّ لَا يُبَيِّنُ لَنَا مَاذَا نَقِيسُ؟ وَلَا كَيْفَ نَقِيسُ؟ وَلَا عَلَى مَاذَا نَقِيسُ؟ هَذَا مَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وِسْعِ أَحَدٍ أَنْ يَعْلَمَ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (٢: ٢٨٦) . فَإِنْ ذَكَرُوا أَحَادِيثَ وَآيَاتٍ فِيهَا تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، وَأَنَّ اللهَ قَضَى وَحَكَمَ بِأَمْرِ كَذَا مِنْ أَجْلِ أَمْرِ كَذَا، قُلْنَا لَهُمْ: كُلُّ مَا قَالَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ مِنْ ذَلِكَ فَهُو حَقٌّ، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ، وَهُوَ نَصٌّ بِهِ نَقُولُ، وَكَيْفَمَا تُرِيدُونَ أَنْتُمْ أَنْ تُشَبِّهُوهُ فِي الدِّينِ، وَأَنْ تُعَلِّقُوهُ مِمَّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ اللهُ تَعَالَى، وَلَا رَسُولُهُ ﵇ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِفْكٌ، وَشَرْعٌ لَمْ يَأْذَنِ اللهُ تَعَالَى بِهِ. وَهَذَا يُبْطِلُ عَلَيْهِمْ تَمْوِيهَهُمْ بِذِكْرِ آيَةِ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَ " أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ " وَ (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) (٥: ٣٢) وَكُلِّ آيَةٍ وَحَدِيثٍ مَوَّهُوا بِإِيرَادِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، عَلَى مَا بَيَّنَاهُ فِي (كِتَابِ الْإِحْكَامِ لِأُصُولِ الْأَحْكَامِ) وَفِي (كِتَابِ النُّكَتِ) وَفِي (كِتَابِ الدُّرَّةِ) وَ (كِتَابِ النَّبْذِ) . (قَالَ عَلِيٌّ) : وَقَدْ عَارَضْنَاهُمْ فِي كُلِّ قِيَاسٍ قَاسُوهُ بِقِيَاسٍ مِثْلِهِ أَوْ أَوْضَحَ مِنْهُ عَلَى أُصُولِهِمْ لِنُرِيَهُمْ فَسَادَ الْقِيَاسِ جُمْلَةً، فَمَوَّهَ مِنْهُمْ مُمَوِّهُونَ. فَإِنْ قَالُوا: أَنْتُمْ دَابًا تُبْطِلُونَ الْقِيَاسَ بِالْقِيَاسِ، وَهَذَا مِنْكُمْ رُجُوعٌ إِلَى الْقِيَاسِ وَاحْتِجَاجٌ بِهِ، وَأَنْتُمْ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْتَجِّ بِحُجَّةِ الْعَقْلِ لِيُبْطِلَ حُجَّةَ الْعَقْلِ، وَبِدَلِيلٍ مِنَ النَّظَرِ لِيُبْطِلَ بِهِ النَّظَرَ. (قَالَ عَلِيٌّ) فَقُلْنَا: هَذَا شَغَبٌ يَسْهُلُ إِفْسَادُهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَنَحْنُ لَمْ نَحْتَجَّ بِالْقِيَاسِ فِي إِبْطَالِ الْقِيَاسِ، وَمَعَاذَ اللهِ مِنْ هَذَا، لَكِنْ أَرَيْنَاكُمْ أَنَّ أَصْلَكُمُ الَّذِي أَتَيْتُمُوهُ مِنْ تَصْحِيحِ الْقِيَاسِ يَشْهَدُ بِفَسَادِ قِيَاسَاتِكُمْ، وَلَا قَوْلَ أَظْهَرَ بَاطِلًا مِنْ قَوْلٍ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، وَقَدْ نَصَّ اللهُ ﵎ عَلَى هَذَا فَقَالَ: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) (٥: ١٨) فَلَيْسَ هَذَا تَصْحِيحًا لِقَوْلِهِمْ: إِنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَلَكِنْ إِلْزَامًا لَهُمْ مَا يَفْسُدُ بِهِ قَوْلُهُمْ. وَلَسْنَا فِي ذَلِكَ كَمَنْ ذَكَرْتُمْ مِمَّنْ يَحْتَجُّ فِي إِبْطَالِ حُجَّةِ الْعَقْلِ بِحُجَّةِ الْعَقْلِ; لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ مُصَحِّحُ الْقَضِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا، فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُ مِنْ قُرْبٍ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ غَيْرُهَا، فَقَدْ ظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِهِ. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَمْ نَحْتَجَّ قَطُّ فِي إِبْطَالِ الْقِيَاسِ بِقِيَاسٍ نُصَحِّحُهُ، وَلَكِنَّا نُبْطِلُ الْقِيَاسَ بِالنُّصُوصِ وَبَرَاهِينِ الْعَقْلِ. ثُمَّ نُزِيدُ بَيَانًا فِي فَسَادِهِ مِنْهُ نَفْسِهِ بِأَنْ نَرَى تَنَاقُضَهُ جُمْلَةً فَقَطْ، وَالْقِيَاسُ الَّذِي نُعَارِضُ بِهِ قِيَاسَكُمْ نَحْنُ نُقِرُّ بِفَسَادِهِ وَفَسَادِ قِيَاسِكُمُ الَّذِي

стр. 2414

هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَضْعَفُ مِنْهُ، كَمَا نَحْتَجُّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ مَقَالَةٍ مِنْ مُعْتَزِلَةٍ، وَرَافِضَةٍ، وَمُرْجِئَةٍ، وَخَوَارِجَ، وَيَهُودٍ، وَنَصَارَى، وَدَهْرِيَّةٍ، مِنْ أَقْوَالِهِمُ الَّتِي يَشْهَدُونَ بِصِحَّتِهَا، فَنُرِيهِمْ فَسَادَهَا وَتَنَاقُضَهَا، وَأَنْتُمْ تَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ مَعَنَا بِذَلِكَ وَلَسْنَا نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ مِمَّنْ يُقِرُّ بِتِلْكَ الْأَقْوَالِ الَّتِي نَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَلْ هِيَ عِنْدَنَا فِي غَايَةِ الْبُطْلَانِ وَالْفَسَادِ كَاحْتِجَاجِنَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ كُتُبِهِمُ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَنَحْنُ لَا نُصَحِّحُهَا، بَلْ نَقُولُ: إِنَّهَا مُحَرَّفَةٌ مُبْدَلَةٌ؛ لَكِنْ لِنُرِيَهُمْ تَنَاقُضَ أُصُولِهِمْ وَفُرُوعِهِمْ، لَا سِيَّمَا وَجَمِيعُ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ مُخْتَلِفُونَ فِي قِيَاسَاتِهِمْ، لَا تَكَادُ تُوجَدُ مَسْأَلَةٌ إِلَّا وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَأْتِي بِقِيَاسٍ تَدَّعِي صِحَّتَهُ تُعَارِضُ بِهِ قِيَاسَ الْأُخْرَى. وَهُمْ كُلُّهُمْ مُقِرُّونَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ قِيَاسٍ صَحِيحًا وَلَا كُلُّ رَأْيٍ حَقًّا، فَقُلْنَا لَهُمْ: فَهَاتُوا حَدَّ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ وَالرَّأْيِ الصَّحِيحِ الَّذَيْنِ يَتَمَيَّزَانِ بِهِ مِنَ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ. وَهَاتُوا حَدَّ الْعِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا تَقِيسُونَ إِلَّا عَلَيْهَا مِنَ الْعِلَّةِ الْفَاسِدَةِ، فَلَجْلَجُوا. (قَالَ عَلِيٌّ) : وَهَذَا مَكَانُ إِنْ زَمَّ عَلَيْهِمْ فِيهِ ظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَى جَوَابٍ يُفْهَمُ سَبِيلٌ أَبَدًا، وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ أَتَوْا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِنَصٍّ قُلْنَا: النَّصُّ حَقٌّ، وَالَّذِي تُرِيدُونَ أَنْتُمْ إِضَافَتَهُ إِلَى النَّصِّ بِآرَائِكُمْ بَاطِلٌ، وَفِي هَذَا خُولِفْتُمْ، وَهَكَذَا أَبَدًا. فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ قِيلَ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، بَلِ الْحَقُّ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى بُطْلَانِهِ. بُرْهَانُ كَذِبِهِمْ: أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى وُجُودِ حَدِيثٍ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْأَمْرَ بِالْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ أَبَدًا، إِلَّا فِي الرِّسَالَةِ الْمَكْذُوبَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى عُمَرَ ﵁ فَإِنَّ فِيهَا: " وَاعْرَفِ الْأَشْبَاهَ وَالْأَمْثَالَ وَقِسِ الْأُمُورَ " وَهَذِهِ رِسَالَةٌ لَمْ يَرْوِهَا إِلَّا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ سَاقِطٌ بِلَا خِلَافٍ، وَأَبُوهُ أَسْقَطُ مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي السُّقُوطِ، فَكَيْفَ وَفِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ نَفْسِهَا أَشْيَاءُ خَالَفُوا فِيهَا عُمَرَ ﵁؟ مِنْهَا قَوْلُهُ فِيهَا: " وَالْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ " وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا، يَعْنِي جَمِيعَ الْحَاضِرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ حَنْفِيَّهُمْ وَمَالِكِيَّهُمْ وَشَافِعِيَّهُمْ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُ عُمَرَ لَوْ صَحَّ فِي تِلْكَ الرِّسَالَةِ فِي الْقِيَاسِ حُجَّةً، فَقَوْلُهُ فِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عُدُولٌ كُلَّهُمْ إِلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ حُجَّةٌ. فَلَيْسَ قَوْلُهُ فِي الْقِيَاسِ حُجَّةً لَوْ صَحَّ، فَكَيْفَ وَلَمْ يَصِحَّ؟

стр. 2415

وَأَمَّا بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا فِي إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى إِبْطَالِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ ﵃ مُصَدِّقُونَ بِالْقُرْآنِ وَفِيهِ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (٥: ٣) (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (٤: ٥٩) فَمِنَ الْبَاطِلِ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَعْلَمُونَ هَذَا وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ثُمَّ يَرُدُّونَ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِمَّا إِلَى قِيَاسٍ أَوْ رَأْيٍ. هَذَا مَا لَا يَظُنُّهُ بِهِمْ ذُو عَقْلٍ. فَكَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي أَوْ أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، إِنْ قُلْتُ فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ بِرَأْيِي، أَوْ بِمَا لَا أَعْلَمُ " وَصَحَّ عَنِ الْفَارُوقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " اتَّهِمُوا الرَّأْيَ عَلَى الدِّينِ، وَإِنَّ الرَّأْيَ مِنَّا هُوَ الظَّنُّ وَالتَّكَلُّفُ " وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ فِي فُتْيَا أَفْتَاهَا " إِنَّمَا كَانَ رَأْيًا رَأَيْتُهُ فَمَنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ " وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: " لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ " وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ ﵁: " أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ " وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: " مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ جَهَنَّمَ " وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: " سَأَقُولُ فِيهَا بِجُهْدِ رَأْيِي ". وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فِي حَدِيثِ: " تَبْتَدِعُ كَلَامًا لَيْسَ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَلَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُ; فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ " فَعَلَى هَذَا النَّحْوِ هُوَ كُلُّ رَأْيٍ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا عَلَى أَنَّهُ إِلْزَامٌ وَلَا أَنَّهُ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُ إِشَارَةٌ بِعَفْوٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ تَوَرُّعٍ فَقَطْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ. . . وَحَدِيثُ مُعَاذٍ الَّذِي فِيهِ: " أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو " لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إِلَّا الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ لَمْ يُسَمِّهِمْ عَنْ مُعَاذٍ. وَقَدْ تَقَصَّيْنَا إِسْنَادَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا فِي كُتُبِنَا الْمَذْكُورَةِ وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ، نَا ابْنُ قَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ، نَا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، نَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُصَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً أَعْظَمُهَا فِتْنَةً عَلَى أُمَّتِي قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُحِلُّونَ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُونَ الْحَلَالَ ". قَالَ عَلِيٌّ: وَالشَّرِيعَةُ كُلُّهَا إِمَّا فَرْضٌ يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ، وَإِمَّا حَرَامٌ يَعْصِي مَنْ فَعَلَهُ،

стр. 2416

وَإِمَّا مُبَاحٌ لَا يَعْصِي مَنْ فَعَلَهُ وَلَا مَنْ تَرَكَهُ. وَهَذَا الْمُبَاحُ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: إِمَّا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ يُؤْجَرُ مَنْ فَعَلَهُ وَلَا يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ، وَإِمَّا مَكْرُوهٌ يُؤْجَرُ مَنْ تَرَكَهُ وَلَا يَعْصِي مَنْ فَعَلَهُ، وَإِمَّا مُطْلَقٌ لَا يُؤْجَرُ مَنْ فَعَلَهُ وَلَا مَنْ تَرَكَهُ، وَلَا يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ وَلَا مَنْ فَعَلَهُ. وَقَالَ اللهُ : (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (٢: ٢٩) وَقَالَ تَعَالَى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) (٦: ١١٩) فَصَّحَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَلَالٌ إِلَّا مَا فُصِّلَ تَحْرِيمُهُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، نَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا. فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى أَعَادَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ ". (قَالَ عَلِيٌّ) : فَجَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ جَمِيعَ أَحْكَامِ الدِّينِ أَوَّلِهَا عَنْ آخِرِهَا. فَفِيهِ أَنَّ مَا سَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَلَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ مُبَاحٌ وَلَيْسَ حَرَامًا وَلَا فَرْضًا، وَأَنَّ مَا أَمَرَ بِهِ فَهُوَ فَرْضٌ، وَمَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ حَرَامٌ، وَأَنَّ مَا أَمَرَنَا (بِهِ) فَإِنَّمَا يَلْزَمُنَا مِنْهُ مَا نَسْتَطِيعُ فَقَطْ، وَأَنْ نَفْعَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً نُؤَدِّي مَا أَلْزَمَنَا، وَلَا يَلْزَمُنَا تَكْرَارُهُ فَأَيُّ حَاجَةٍ بِأَحَدٍ إِلَى الْقِيَاسِ أَوْ رَأْيٍ مَعَ هَذَا الْبَيَانِ الْوَاضِحِ، وَنَحْمَدُ اللهَ عَلَى عَظِيمِ نِعَمِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: لَا يَجُوزُ إِبْطَالُ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ إِلَّا حَتَّى تُوجِدُونَا تَحْرِيمَ الْقَوْلِ بِهِ نَصًّا فِي الْقُرْآنِ. قُلْنَا: قَدْ أَوَجَدْنَاكُمُ الْبُرْهَانَ نَصًّا بِذَلِكَ بِأَلَّا تَرُدُّوا التَّنَازُعَ إِلَّا إِلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَقَطْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) (٧: ٣) وَقَالَ تَعَالَى: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١٦: ٧٤) وَالْقِيَاسُ ضَرْبُ أَمْثَالٍ فِي الدِّينِ لِلَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: إِنْ عَارَضْتُمُ الرَّوَافِضَ بِمِثْلِ هَذَا فَقَالُوا لَكُمْ: لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِإِبْطَالِ الْإِلْهَامِ، وَلَا بِإِبْطَالِ اتِّبَاعِ الْإِمَامِ، إِلَّا حَتَّى تُوجِدُونَا تَحْرِيمَ ذَلِكَ نَصًّا. أَوْ قَالَ لَكُمْ ذَلِكَ أَهْلُ كُلِّ مَقَالَةٍ فِي تَقْلِيدِ إِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ، بِمَاذَا تَتَفَصُّونَ؟ بَلِ الْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُقَالَ عَلَى اللهِ تَعَالَى: إِنَّهُ حَرَّمَ أَوْ حَلَّلَ أَوْ أَوْجَبَ إِلَّا بِنَصٍّ فَقَطْ، وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ اهـ.

стр. 2417

(مُلَخَّصُ مَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ) . عَقَدَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ (إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فَصْلًا فِي تَحْرِيمِ الْإِفْتَاءِ فِي دِينِ اللهِ بِالرَّأْيِ الْمُخَالِفِ لِلنُّصُوصِ، صَدَّرَهُ بِآيَاتٍ أَوَّلُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٢٨: ٥٠) قَالَ: فَقَسَّمَ الْأَمْرَ إِلَى أَمْرَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا إِمَّا الِاسْتِجَابَةُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَمَا جَاءَ بِهِ، وَإِمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى، فَكُلُّ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ الرَّسُولُ فَهُوَ مِنَ الْهَوَى، وَقَفَّى عَلَى الْآيَاتِ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَوَّلُهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ: " إِنَّ اللهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ إِذْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَنْزِعُهُ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ " وَحَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ: " تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، أَعْظَمُهَا فِتْنَةً قَوْمٌ يَقِيسُونَ الدِّينَ بِرَأْيِهِمْ يُحَرِّمُونَ بِهِ مَا أَحَلَّ اللهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ " رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ. ثُمَّ أَوْرَدَ فَصْلًا بَلْ فَصْلَيْنِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَالْعَبَادِلَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ وَمِنْهَا قَوْلُ عُمَرَ: " إِيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَعُوهَا، وَتَفَلَّتَتْ مِنْهُمْ أَنْ يَحْفَظُوهَا. فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا " وَلِلْأَثَرِ أَلْفَاظٌ أُخْرَى، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَأَسَانِيدُ هَذِهِ الْآثَارِ عَنْ عُمَرَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ. ثُمَّ عَقَدَ فَصْلًا آخَرَ ذَكَرَ فِيهِ مَا احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الرَّأْيِ مِنْ إِفْتَاءِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَقَضَائِهِمْ بِالرَّأْيِ، كَقَوْلِ عُمَرَ لِكَاتِبِهِ: " قُلْ: هَذَا مَا رَأَى عُمَرُبْنُ الْخَطَّابِ " وَقَوْلِ عُثْمَانَ فِي الْأَمْرِ بِإِفْرَادِ الْعُمْرَةِ عَنِ الْحَجِّ: " إِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ رَأَيْتُهُ " وَقَوْلِ عَلِيٍّ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ: " اتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ عَلَى أَلَّا يَبِعْنَ " وَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ عَلَى الْقَضَاءِ بِكِتَابِ اللهِ إِنْ وُجِدَ فِيهِ الْحُكْمُ وَإِلَّا فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا مَا يُقْضَى بِهِ، جَمَعُوا لَهُ النَّاسَ أَوْ رُؤَسَاءَ النَّاسِ، وَفِي رِوَايَةٍ: عُلَمَاءَ النَّاسِ وَكِلَاهُمَا صَوَابٌ فَقَدْ كَانَ الرُّؤَسَاءُ عُلَمَاءَ وَاسْتَشَارُوهُمْ، وَكَانَ يَكُونُ الْقَضَاءُ بِمَا يَجْتَمِعُ رَأْيُهُمْ عَلَيْهِ. وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. وَمِنْهُ مَا فِي كِتَابِ عُمَرَ إِلَى شُرَيْحٍ: " إِذَا وَجَدْتَ شَيْئًا فِي كِتَابِ اللهِ فَاقْضِ بِهِ وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ أَتَاكَ شَيْءٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَاقْضِ بِمَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَإِنْ أَتَاكَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ وَلَمْ يَسُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاقْضِ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَإِنْ أَتَاكَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ وَلَمْ يَسُنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ قَبْلَكَ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْتَهِدَ رَأْيَكَ فَتَقَدَّمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَتَأَخَّرَ فَتَأَخَّرَ، وَمَا أَرَى التَّأَخُّرَ إِلَّا خَيْرًا لَكَ " وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ جَرِيرٍ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَمْرِهِ بِأَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ عِنْدَ عَدَمِ

стр. 2418

النَّصِّ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَلَامٌ بِمَعْنَى هَذَا، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ لِمَنْ عَرَضَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ: " فَإِنْ جَاءَهُ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ وَلَا قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ " وَقَالَ فِي الْحَالَةِ الرَّابِعَةِ: " فَلْيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ وَلَا يَقُلْ إِنِّي أَرَى وَإِنِّي أَخَافُ، فَإِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ مُشْتَبِهَاتٌ فَدَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ " اهـ. وَمُرَادُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالصَّالِحِينَ هُوَ عَيْنُ مُرَادِ عُمَرَ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فِي كِتَابِهِ إِلَى شُرَيْحٍ، كَالَّذِينِ كَانَ يَسْتَشِيرُهُمْ ﵁. أَقُولُ: هَذَا زُبْدَةُ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَغَيْرِهِ بِمَعْنَاهُ. وَكُلُّهُ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْقَضَاءِ إِلَّا رَأْيَ عُثْمَانَ فِي إِفْرَادِ الْعُمْرَةِ عَنِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ فِي مَسْأَلَةٍ دِينِيَّةٍ، وَهُوَ شَاذٌّ وَلَا حُجَّةَ فِي مِثْلِ هَذَا بِقَوْلِ صَحَابِيٍّ، وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا بِالْعَمَلِ بِهِ، بَلْ تَرَكَهُ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ مُخَيَّرُونَ فِيهِ شَرْعًا. وَأَمَّا الْقَضَاءُ بِمَا ذَكَرَ مِنَ الْمَرَاتِبِ الْأَرْبَعِ فَهُوَ لَيْسَ بِرَأْيِ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا تِلْكَ سُنَّتُهُمُ الَّتِي جَرَوْا عَلَيْهَا، وَاهْتَدَى بِهِمْ فِيهَا سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَتْ إِجْمَاعًا صَحِيحًا. وَلَكِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ تَرَكُوا جَمْعَ الْعُلَمَاءِ لِاسْتِشَارَتِهِمْ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، اكْتِفَاءً بِتَقْلِيدِ مَذَاهِبِهِمْ. وَلَا حُجَّةَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَلَا فِي أَقْوَالِهِمْ فِيهَا عَلَى جَوَازِ اسْتِخْرَاجِ أَحْكَامٍ لَمْ يَرِدْ فِيهَا قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، كَمَا فَعَلَ الْمُؤَلِّفُونَ فِي الْفِقْهِ، وَإِنَّمَا الِاجْتِهَادُ وَالرَّأْيُ فِي الْأَقْضِيَةِ الَّتِي تَحْدُثُ لِلنَّاسِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ أُمُورِ السِّيَاسَةِ، وَهِيَ الَّتِي فَوَّضَ اللهُ أَمْرَهَا إِلَى أُولِي الْأَمْرِ بِشَرْطِهِ. الْجَمْعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ الرَّأْيِ وَإِنْكَارِهِ. ثُمَّ عَقَدَ ابْنُ الْقَيِّمِ فَصْلًا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الرَّأْيِ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ وَالَّذِي لَا يُعْمَلُ بِهِ فَقَالَ: " وَلَا تَعَارُضَ بِحَمْدِ اللهِ بَيْنَ هَذِهِ الْآثَارِ، عَنِ السَّادَةِ الْأَخْيَارِ، بَلْ كُلُّهَا حَقٌّ وَكُلٌّ مِنْهَا لَهُ وَجْهٌ. وَهَذَا إِنَّمَا يُتَبَيَّنُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الرَّأْيِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الدِّينِ وَالرَّأْيِ الْحَقِّ الَّذِي لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَنَقُولُ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ: الرَّأْيُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ رَأَى الشَّيْءَ يَرَاهُ رَأْيًا، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْمَرْئِيِّ نَفْسِهِ، مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ الْمَصْدَرِ فِي الْمَفْعُولِ، كَالْهَوَى فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ هَوِيَهُ يَهْوَاهُ هَوًى، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يُهْوَى فَيُقَالُ: هَذَا هَوَى فُلَانٍ. وَالْعَرَبُ تُفَرِّقُ بَيْنَ مَصَادِرِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ بِحَسَبِ مَحَالِّهَا، فَتَقُولُ: رَأَى كَذَا فِي النَّوْمِ رُؤْيَا وَرَآهُ فِي الْيَقَظَةِ رُؤْيَةً، وَرَأَى كَذَا رَأَيًا لِمَا يُعْلَمُ بِالْقَلْبِ وَلَا يُرَى بِالْعَيْنِ وَلَكِنَّهُمْ خَصَّوْهُ بِمَا يَرَاهُ الْقَلْبُ بَعْدَ فَكٍّ وَتَأَمُّلٍ،

стр. 2419

وَطَلَبٍ لِمَعْرِفَةِ وَجْهِ الصَّوَابِ مِمَّا تَتَعَارَضُ فِيهِ الْأَمَارَاتُ، فَلَا يُقَالُ لِمَنْ رَأَى بِقَلْبِهِ أَمْرًا غَائِبًا عَنْهُ مِمَّا يُحِسُّ بِهِ: إِنَّهُ رَأَيَهُ، وَلَا يُقَالُ أَيْضًا لِلْأَمْرِ الْمَعْقُولِ الَّذِي لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْعُقُولُ وَلَا تَتَعَارَضُ فِيهِ الْأَمَارَاتُ: إِنَّهُ رَأَى، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى فِكْرٍ وَتَأَمُّلٍ، كَدَقَائِقِ الْحِسَابِ وَنَحْوِهَا. " وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَالرَّأْيُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: رَأْيٌ بَاطِلٌ بِلَا رَيْبٍ، وَرَأْيٌ صَحِيحٌ، وَرَأْيٌ هُوَ مَوْضِعُ الِاشْتِبَاهِ. وَالْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا السَّلَفُ، فَاسْتَعْمَلُوا الرَّأْيَ الصَّحِيحَ وَعَمِلُوا بِهِ وَأَفْتَوْا بِهِ وَسَوَّغُوا الْقَوْلَ بِهِ، وَذَمُّوا الْبَاطِلَ وَمَنَعُوا مِنَ الْعَمَلِ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ بِهِ، وَأَطْلَقُوا أَلْسِنَتَهُمْ بِذَمِّهِ وَذَمِّ أَهْلِهِ. " وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: سَوَّغُوا الْعَمَلَ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءَ بِهِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إِلَيْهِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ مِنْهُ بُدٌّ، وَلَمْ يُلْزِمُوا أَحَدًا الْعَمَلَ بِهِ، وَلَمْ يُحَرِّمُوا مُخَالَفَتَهُ، وَلَا جَعَلُوا مُخَالِفَهُ مُخَالِفًا لِلدِّينِ، بَلْ خَيَّرُوا بَيْنَ قَبُولِهِ وَرَدِّهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا أُبِيحُ لِلْمُضْطَرِّ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الَّذِي يَحْرُمُ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ إِلَيْهِ. كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ عَنِ الْقِيَاسِ فَقَالَ لِي: عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وَكَانَ اسْتِعْمَالُهُمْ لِهَذَا النَّوْعِ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، لَمْ يُفَرِّطُوا فِيهِ وَيُفَرِّعُوهُ وَيُوَلِّدُوهُ وَيُوَسِّعُوهُ. كَمَا صَنَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ بِحَيْثُ اعْتَاضُوا بِهِ عَنِ النُّصُوصِ وَالْآثَارِ، وَكَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ حِفْظِهَا، كَمَا يُوجَدُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَضْبُطُ قَوَاعِدَ الْإِفْتَاءِ لِصُعُوبَةِ النَّقْلِ عَلَيْهِ وَتَعَسُّرِ حِفْظِهِ، فَلَمْ يَتَعَدَّوْا فِي اسْتِعْمَالِهِ قَدْرَ الضَّرُورَةِ، وَلَمْ يَبْغُوا بِالْعُدُولِ إِلَيْهِ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ النُّصُوصِ وَالْآثَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمُضْطَرِّ إِلَى الطَّعَامِ الْمُحَرَّمِ: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢: ١٧٣) فَالْبَاغِي الَّذِي يَبْتَغِي الْمَيْتَةَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّوَصُّلِ إِلَى الْمُذَكَّى، وَالْعَادِي الَّذِي يَتَعَدَّى قَدَرَ الْحَاجَةِ بِأَكْلِهَا. ثُمَّ بَيَّنَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الرَّأْيَ الْبَاطِلَ أَنْوَاعٌ قَالَ: (النَّوْعُ الْأَوَّلُ) : الرَّأْيُ الْمُخَالِفُ لِلنُّصُوصِ. وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَسَادُهُ وَبُطْلَانُهُ، وَلَا تَحِلُّ الْفُتْيَا بِهِ وَلَا الْقَضَاءُ، وَإِنْ وَقْعَ فِيهِ مَنْ وَقَعَ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ وَتَقْلِيدٍ. (النَّوْعُ الثَّانِي) : هُوَ الْكَلَامُ فِي الدِّينِ بِالْخَرْصِ وَالظَّنِّ مَعَ التَّفْرِيطِ وَالتَّقْصِيرِ فِي مَعْرِفَةِ النُّصُوصِ وَفَهْمِهَا وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا. فَإِنَّ مَنْ جَهِلَهَا وَقَاسَ بِرَأْيهِ فِيمَا سُئِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، بَلْ لِمُجَرَّدِ قَدْرٍ جَامِعٍ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أَلْحَقَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ، أَوْ لِمُجَرَّدِ قَدْرٍ فَارِقٍ يَرَاهُ بَيْنَهُمَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي النُّصُوصِ وَالْآثَارِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ الْبَاطِلِ. (النَّوْعُ الثَّالِثُ) : الرَّأْيُ الْمُتَضَمِّنُ تَعْطِيلَ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِالْمَقَايِيسِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي وَضَعَهَا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ إِلَخْ. (النَّوْعُ الرَّابِعُ) : الرَّأْيُ الَّذِي أُحْدِثَتْ بِهِ الْبِدَعُ وَغُيِّرَتْ بِهِ السُّنَنُ، وَعَمَّ بِهِ الْبَلَاءُ، وَتَرَبَّى عَلَيْهِ الصَّغِيرُ، وَهَرِمَ فِيهِ الْكَبِيرُ.

стр. 2420

(قَالَ) : فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الْأَرْبَعَةُ مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى ذَمِّهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنَ الدِّينِ. (النَّوْعُ الْخَامِسُ) : مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الرَّأْيَ الْمَذْمُومَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ أَنَّهُ الْقَوْلُ فِي شَرَائِعِ الدِّينِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالظُّنُونِ، وَالِاشْتِغَالِ بِحِفْظِ الْمُعْضِلَاتِ وَالْأُغْلُوطَاتِ، وَرَدُّ الْفُرُوعِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ قِيَاسًا دُونَ رَدِّهَا إِلَى أُصُولِهَا وَالنَّظَرِ فِي عِلَلِهَا وَاعْتِبَارِهَا إِلَخْ. (أَقُولُ) : ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ فِي هَذَا تَعْطِيلَ السُّنَنِ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الرَّأْيِ وَمَا فَسَّرَهُ بِهِ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي نَهْيِ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ، وَعَنْ عَضْلِ الْمَسَائِلِ، وَعَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَكْثَرَ مَا أَوْرَدْنَاهُ آنِفًا عَنْ فَتْحِ الْبَارِي، وَمِنْهُ مَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِهَا. (آثَارُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فِي الرَّأْيِ وَالْقِياسِ) . ثُمَّ عَقَدَ ابْنُ الْقَيِّمِ لِآثَارِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي ذَمِّ الْقِيَاسِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ، وَبَيَانِ كَوْنِ الْقَائِلِينَ بِهِ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَجْعَلَهُ النَّاسُ دِينًا يُدَانُ بِهِ وَشَرْعًا مُتَّبَعًا لِلْأُمَّةِ، وَكَوْنُ الْمُتَعَصِّبِينَ لَهُمْ مِنْ بَعْدِهِمُ انْحَرَفُوا عَنْ طَرِيقِهِمْ وَخَالَفُوا مَذْهَبَهُمْ غُلُوًّا فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَعْنَبِيِّ: دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسْتُ فَرَأَيْتُهُ يَبْكِي، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ مَا الَّذِي يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ - قَعْنَبٍ وَمَا لِيَ لَا أَبْكِي؟ وَمَنْ أَحَقُّ بِالْبُكَاءِ مِنِّي؟ وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي ضُرِبْتُ بِكُلِّ مَسْأَلَةٍ أَفْتَيْتُ فِيهَا بِالرَّأْيِ سَوْطًا، وَقَدْ كَانَتْ لِي السَّعَةُ فِيمَا قَدْ سُبِقْتُ إِلَيْهِ، وَلَيْتَنِي لَمْ أُفْتِ بِالرَّأْيِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: مَثَلُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي الرَّأْيِ ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهُ مَثَلُ الْمَجْنُونِ الَّذِي عُولِجَ حَتَّى بَرِئَ فَأَعْقَلَ مَا يَكُونُ قَدْ هَاجَ. وَمِنْهُ تَقْدِيمُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ عَلَى الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ، وَمِنْ شَوَاهِدِ هَذَا فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَخْذُ بِحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَحَدِيثِ الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ فِي السَّفَرِ، وَحَدِيثِ قَطْعِ السَّارِقِ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَحَدِيثِ جَعْلِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، وَالْحَدِيثِ فِي اشْتِرَاطِ الْمِصْرِ لِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ضَعِيفَةٌ وَقَدْ قَدَّمَهَا عَلَى الْقِيَاسِ، وَقَدْ نَهَى جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ عَنْ تَقْلِيدِهِمْ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِمْ فِي دِينِ اللهِ.
следующие страницы →