Полный текст (5 061 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أَيْ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ بِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ فِي كُلِّ مَا يَجِيءُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ تَحْتَ نَظَرِ الْحَقِّ دَائِمًا فَهُوَ لَا يَغْفُلُ عَنْ أَعْمَالِكُمْ (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٢٤: ٦٣) وَفِي الْكَلَامِ الْتِفَاتٌ عَنْ خِطَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خِطَابِ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، بِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْرِيضِ وَالتَّهْدِيدِ لِلْمُنَافِقِينَ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو (يَعْمَلُونَ) بِالْيَاءِ، وَهُوَ يَعُودُ إِلَى أُولَئِكَ الْمُجَادِلِينَ فِي الْقِبْلَةِ. يَقُولُ لِنَبِيِّهِ: لَا يَحْزُنْكَ أَمْرُهُمْ ; فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى جَزَاءَهُمْ، وَمَا هُوَ بِغَافِلٍ عَنْ فَسَادِهِمْ وَفِتْنَتِهِمْ.
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) ابْتَدَأَ هَذِهِ الْآيَةَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ الْوَارِدَةِ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا، وَقَرَنَ بِهَا صِيغَةَ الْأَمْرِ السَّابِقَةِ وَجَمَعَ فِيهَا بَيْنَ خِطَابِ النَّبِيِّ وَخِطَابِ الْأُمَّةِ ; لِيُرَتِّبَ عَلَى ذَلِكَ التَّعْلِيلَ وَبَيَانَ الْحِكَمِ لَهُ وَهِيَ ثَلَاثٌ: الْأُولَى قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) لَيْسَ هَذَا الْجَمْعُ وَالْإِعَادَةُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَمَا قَالَ مُفَسِّرُنَا (الْجَلَالُ) وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْهِيدٌ لِلْعِلَّةِ وَتَوْطِئَةٌ ; لِبَيَانِ الْحِكَمِ الْمَوْصُولَةِ بِهِ، وَهُوَ أُسْلُوبٌ مَعْهُودٌ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ الَّذِينَ لَا يَذُوقُونَ طَعْمَ الْأَسَالِيبِ الْبَلِيغَةِ يَكْتَفُونَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ بِقَوْلِهِمْ: كُلُّ ذَلِكَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ، وَهُوَ نَظْمٌ غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ وَلَا سِيَّمَا مَقَامُ الْإِطْنَابِ وَالتَّأْكِيدِ وَالِاحْتِجَاجِ وَإِزَالَةِ الشُّبَهِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ: الْمُحَاجُّونَ فِي الْقِبْلَةِ الْمَعْرُوفُونَ ; وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكُونَ وَتَبِعَهُمَا الْمُنَافِقُونَ.
وَوَجْهُ انْتِفَاءِ حُجَّتِهِمْ عَلَى الطَّعْنِ فِي النُّبُوَّةِ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ: هُوَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا يَعْرِفُونَ مِنْ كُتُبِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ الَّذِي يُبْعَثُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ يَكُونُ عَلَى قِبْلَتِهِ وَهِيَ الْكَعْبَةُ، فَجَعْلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قِبْلَةً دَائِمَةً لَهُ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ النَّبِيُّ الْمُبَشَّرُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ التَّحْوِيلُ عَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ نَبِيًّا مَنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ جَاءَ لِإِحْيَاءِ مِلَّتِهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ غَيْرَ بَيْتِ رَبِّهِ الَّذِي بَنَاهُ وَكَانَ يُصَلِّي هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ إِلَيْهِ، فَدُحِضَتْ حُجَّةُ الْفَرِيقَيْنِ وَكُبِتَ الْمُنَافِقُونَ مِنْ وَرَائِهِمْ (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) أَيْ: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يَظَلُّونَ يَلْغَطُونَ بِالِاحْتِجَاجِ جَهْلًا أَوْ عِنَادًا لِلْإِضْلَالِ، كَقَوْلِ الْيَهُودِ: رَجَعَ إِلَى قِبْلَةِ قَوْمِهِ لِإِرْضَائِهِمْ وَسَيَرْجِعُ إِلَى دِينِهِمْ، وَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِنَا وَسَيَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا، وَقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ: إِنَّهُ مُضْطَرِبٌ مُتَرَدِّدٌ لَا يَثْبُتُ عَلَى قِبْلَةٍ. وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْآرَاءِ الَّتِي يُزَيِّنُهَا الْهَوَى لِلْأَعْدَاءِ، فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ بِكِتَابٍ وَلَا يَعْتَبِرُونَ بِبُرْهَانٍ، وَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى حِكَمِ الْأُمُورِ وَأَسْرَارِهَا بَلْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَشَرْعِهِ بِلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ، وَهُمُ الَّذِينَ أَثَارُوا الْفِتْنَةَ، وَحَرَّكُوا رِيَاحَ الشُّبَهِ فِي مَسْأَلَةِ الْقِبْلَةِ، وَلَا قِيمَةَ لِمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ ; فَإِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ كَمَا وُصِفُوا فِي الْآيَةِ الْأُولَى (فَلَا تَخْشَوْهُمْ) إِذْ لَا مَرْجِعَ لِكَلَامِهِمْ مِنَ الْحَقِّ، وَلَا تَمَكُّنَ لَهُ فِي النَّفْسِ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَنِدُ إِلَى بُرْهَانٍ عَقْلِيٍّ وَلَا إِلَى هَدْيً سَمَاوِيٍّ
(وَاخْشَوْنِي) أَنَا، فَلَا تَعْصُونِي بِمُخَالَفَةِ مَا جَاءَكُمْ بِهِ
стр. 422
رَسُولِي عَنِّي، فَإِنَّنِي الْقَدِيرُ عَلَى جَزَائِكُمْ بِمَا وَعَدْتُكُمْ وَأَوْعَدْتُكُمْ، وَقَدْ وَعَدْتُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِأَنْ أُمَكِّنَ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَيْتُ لَهُمْ وَأُبَدِّلَهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، وَإِنَّنِي لَا أُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
وَالْآيَةُ تُرْشِدُنَا إِلَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ هُوَ الَّذِي يُخْشَى جَانِبُهُ وَأَنَّ الْمُبْطِلَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْشَى ; فَإِنَّ الْحَقَّ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى، وَمَا آفَةُ الْحَقِّ إِلَّا تَرْكُ أَهْلِهِ لَهُ، وَخَوْفُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ فِيهِ.
وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُنَا مَنْ لَهُ شُبْهَةُ حَقٍّ كَصَاحِبِ النِّيَّةِ السَّلِيمَةِ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فَيَتْرُكُ الْحَقَّ لِأَنَّهُ عَمِيَ عَلَيْهِ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ لَأَخَذَ بِهِ، وَهُوَ أَيْضًا لَا يُخْشَى جَانِبُهُ، خِلَافًا لِمَا فَهِمَ بَعْضُ الطُّلَّابِ مِنْ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُ مِنْ مُشَارَكَةِ الظَّالِمِينَ فِي عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهِ، فَأُولَئِكَ لَا يُخْشَوْنَ وَلَا يُبَالَى بِهِمْ، وَهَذَا لَا يُخْشَى عَلَى الْحَقِّ وَلَكِنَّهُ يُبَالَى بِهِ، وَيُعْتَنَى بِأَمْرِهِ بِتَوْضِيحِ السَّبِيلِ، وَتَفْصِيلِ الدَّلِيلِ، لِمَا يُرْجَى مِنْ قُرْبِ رُجُوعِهِ إِلَيْهِ إِذَا عَرَفَهُ، وَقَوْلُهُ: (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا) يَعُمُّ الْيَهُودَ وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُنَافِقِينَ خِلَافًا لِمَنْ قَالُوا: إِنَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ خَاصَّةً، مَعَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا السُّفَهَاءَ بِمَا يَعُمُّ الْفَرِيقَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةَ، وَمَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا إِلَّا أُولَئِكَ السُّفَهَاءُ الَّذِينَ اعْتَرَضُوا.
ثُمَّ ذَكَرَ الْعِلَّةَ أَوِ الْحِكْمَةَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) بِاسْتِقْلَالِ قِبْلَتِكُمْ فِي بَيْتِ رَبِّكُمُ الَّذِي بَنَاهُ جَدُّكُمْ، وَجَعَلَ الْأُمَمَ فِيهَا تَبَعًا لَكُمْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ عَرَبِيٌّ مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ، وَبِلِسَانِ الْعَرَبِ نَزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، وَهُمْ قَوْمُهُ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ أَوَّلًا وَظَهَرَتْ دَعْوَتُهُ فِيهِمْ وَامْتَدَّتْ مِنْهُمْ وَبِهِمْ إِلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَكَانُوا إِذَا آمَنُوا يُحِبُّونَ أَنْ تَكُونَ وِجْهَتُهُمْ فِي عِبَادَتِهِمْ بَيْتَهُمُ الْحَرَامَ، وَأَنْ يُحْيُوا سُنَّةَ إِبْرَاهِيمَ بِتَطْهِيرِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ ; لِأَنَّهُ مَعْبَدُهُمْ وَأَشْرَفُ أَثَرٍ عِنْدَهُمْ، يُنْسَبُ إِلَى أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي بَنَاهُ وَرَفَعَ قَوَاعِدَهُ لِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ شَرَفُهُمْ وَمَجْدُهُمْ، وَمَوْطِنُ عِزِّهِمْ وَفَخْرِهِمْ، فَأَتَمَّ اللهُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ بِإِعْطَائِهِمْ مَا يُحِبُّونَ، وَتَوْجِيهِ جَمِيعِ شُعُوبِ الْإِسْلَامِ إِلَى بِلَادِهِمْ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ الْمَادِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ مَا لَا يُحْصَى مِنَ النِّعَمِ. نَعَمْ ; إِنَّ كُلَّ أَمْرٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى فَامْتِثَالُهُ نِعْمَةٌ، وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ فِيهِ حِكْمَةٌ ظَاهِرَةٌ وَشَرَفٌ لِلْأُمَّةِ يَتَعَلَّقُ بِتَارِيخِهَا الْمَاضِي وَبِمَجْدِهَا
الْآتِي، وَكَانَ أَثَرُهُ حَمِيدًا نَافِعًا فِيهَا، تَكُونُ النِّعْمَةُ بِهِ أَتَمَّ وَالْمِنَّةُ أَكْمَلَ ; وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالْإِتْمَامِ.
وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي جَعْلِ الْقِبْلَةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ: أَنَّ الْكَعْبَةَ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مَشْغُولَةً بِالْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، وَكَانَ سُلْطَانُ أَهْلِ الشِّرْكِ مُتَمَكِّنًا فِيهَا، وَالْأَمَلُ فِي انْكِشَافِهِ عَنْهَا بَعِيدًا فَصَرَفَهُ اللهُ أَوَّلًا عَنِ اسْتِقْبَالِ بَيْتٍ مُدَنَّسٍ بِعِبَادَةِ الشِّرْكِ - وَقَدْ كَانَ اللهُ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِتَطْهِيرِهِ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ - إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قِبْلَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هُمْ أَقْرَبُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ، وَلَمَّا قَرُبَ زَمَنُ تَطْهِيرِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَعِبَادَتِهَا وَإِزَالَةِ سُلْطَةِ الْوَثَنِيِّينَ عَنْهُ، جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى قِبْلَةً
стр. 423
لِلْمُوَحِّدِينَ ; لِيُوَجِّهَ النُّفُوسَ إِلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِتَطْهِيرِهِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، وَالسَّيْرِ فِيهِ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَةِ الصَّحِيحَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ.
أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَرَّرَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِ الْإِتْمَامِ وَكَوْنِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مُقَدِّمَةً لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ فَتْحِ مَكَّةَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ: (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (٤٨: ٢) فَكَانَ فِي الْآيَةِ بِشَارَةٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وَنَصْرِ اللهِ التَّوْحِيدَ عَلَى الشِّرْكِ وَمَا يَتْلُو ذَلِكَ مِنْ نَشْرِ الْإِسْلَامِ، وَانْتِشَارِ نُورِهِ فِي الْأَنَامِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ بَعْدَمَا ذَكَرَ: (وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا) (٤٨: ٣) .
ثُمَّ ذَكَرَ الْحِكْمَةَ الثَّالِثَةَ لِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ فَقَالَ: (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أَيْ: وَلْيُعِدَّكُمْ بِذَلِكَ إِلَى الِاهْتِدَاءِ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ وَالرُّسُوخِ فِيهِ، فَإِنَّ الْمُعَارَضَاتِ وَالْمَحَاجَّاتِ تُظْهِرُ ضَعْفَ الْبَاطِلِ وَزُهُوقَهُ، وَتُبَيِّنُ قُوَّةَ الْحَقِّ وَثُبُوتَهُ، فَالْحُجَّةُ تَتَبَخْتَرُ اتِّضَاحًا، وَالشُّبْهَةُ تَتَضَاءَلُ افْتِضَاحًا، وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْكَوْنِ بِأَنَّ الْفِتَنَ تُنِيرُ الطَّرِيقَ لِأَهْلِ الْحَقِّ، وَتُرْخِي سُدُولَ ظُلْمَتِهِ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ، وَتُمَحِّصُ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَمْحَقُ الْكَافِرِينَ.
كُلُّ إِنْسَانٍ يَرَى نَفْسَهُ عَلَى الْحَقِّ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَكِنَّ التَّمَكُّنَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ لَا يُعْرَفُ فِي الْغَالِبِ إِلَّا إِذَا وُجِدَ لِلْمُحِقِّ خَصْمٌ يُنَازِعُهُ وَيُعَارِضُهُ فِي الْحَقِّ، هُنَالِكَ تَتَوَجَّهُ قُوَاهُ إِلَى تَأْيِيدِ حَقِّهِ وَتَمْكِينِهِ، وَيُحِسُّ بِحَاجَتِهِ إِلَى الْمُنَاضَلَةِ دُونَهُ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهِ، وَكَثِيرًا مَا يُظْهِرُ الْبَاطِلُ الْحَقَّ بَعْدَ خَفَائِهِ ; فَإِنَّ الْمُعَارَضَةَ فِي الْحَقِّ تَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى تَنْقِيحِهِ وَتَحْرِيرِهِ وَتَنْقِيَتِهِ مِمَّا عَسَاهُ يَلْتَصِقُ بِهِ أَوْ يُجَاوِرُهُ مِنْ غَوَاشِي الْبَاطِلِ، وَتَجْعَلُ
عِلْمَهُ بِهِ مُفَصَّلًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُجْمَلًا، وَمُبَرْهَنًا عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُسَلَّمًا، فَهِيَ مُدْرِجَةُ الْكَمَالِ لِأَهْلِ الْيَقِينِ، وَمَزَلَّةُ الرَّيْبِ لِلْمُقَلِّدِينَ. قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: جَزَى اللهُ أَعْدَاءَنَا عَنَّا خَيْرًا إِذْ لَوْلَاهُمْ مَا وَصَلْنَا إِلَى شَيْءٍ مِنْ مَقَامَاتِ الْقُرْبِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
عِدَاتِي لَهُمْ فَضْلٌ عَلَيَّ وَمِنَّةٌ ... فَلَا أَذْهَبَ الرَّحْمَنُ عَنِّي الْأَعَادِيَا
هُمُ بَحَثُوا عَنْ زَلَّتِي فَاجْتَنَبْتُهَا ... وَهُمْ نَافَسُونِي فَاكْتَسَبْتُ الْمَعَالِيَا
ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَدُوَّ يُنَقِّبُ عَنِ الزَّلَّاتِ، وَيَبْحَثُ فِي الْهَفَوَاتِ، وَطَالِبُ الْحَقِّ يَتَوَجَّهُ دَائِمًا إِلَى الِاسْتِفَادَةِ مَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالنَّظَرِ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ إِلَى مَوْضِعِ الْعِبْرَةِ وَطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، فَإِذَا وَجَدَ فِي كَلَامِ الْعَدُوِّ مَغْمَزًا صَحِيحًا تَوَقَّاهُ، أَوْ عِثَارًا فِي طَرِيقِهِ نَحَّاهُ، وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ بَاطِلٌ ثَبَتَ عَلَى حَقِّهِ، وَعَرَفَ مَنَافِذَ الطَّعْنِ فِيهِ فَسَدَّهَا، فَكَانَ بِذَلِكَ مِنَ الْكَمَلَةِ الرَّاسِخِينَ ; لِهَذَا كُلِّهِ كَانَتِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَثَارَهَا السُّفَهَاءُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْقِبْلَةِ مُعِدَّةٌ لِلِاهْتِدَاءِ وَوَسِيلَةٌ إِلَى الثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْحُجَجِ النَّاهِضَاتِ فِي بَيَانِهِ وَحِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى فِيهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ) أَيْ: يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بِاسْتِيلَائِكُمْ عَلَى بَيْتِهِ الَّذِي
стр. 424
جَعَلَهُ قِبْلَةً لَكُمْ، وَتَطْهِيرِكُمْ إِيَّاهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، وَهُوَ الْبَيْتُ الَّذِي فِي قَلْبِ بِلَادِكُمْ، وَمَوْضِعُ شَرَفِكُمْ وَفَخْرِكُمْ، كَمَا أَتَمَّهَا عَلَيْكُمْ بِإِرْسَالِهِ رَسُولًا مِنْكُمْ، فَالْقِبْلَةُ فِي بِلَادِكُمْ، وَالرَّسُولُ مِنْ أُمَّتِكُمْ، وَالْخِطَابُ لِلْعَرَبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. ثُمَّ وَصَفَ هَذَا الرَّسُولَ بِالْأَوْصَافِ الَّتِي كَانَ بِهَا نِعْمَةً تَامَّةً، وَرَحْمَةً شَامِلَةً فَقَالَ: (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا) الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْهِدَايَةِ هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَهَذِهِ الْآيَاتُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ آيَاتِ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْبَرَاهِينِ عَلَى أُصُولِ الدِّينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ فِي دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ بِأَنَّ الْآيَاتِ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْآيَاتُ الْكَوْنِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ وَأَنْ يُرَادَ بِهَا آيَاتُ الْوَحْيِ، وَالتَّعْمِيمُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا خَصَّهَا بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بِآيَاتِ الْقُرْآنِ بِقَرِينَةٍ (يَتْلُو) عَلَى أَنَّ التِّلَاوَةَ أَعَمُّ، فَكُلُّ بُرْهَانٍ يُقِيمُهُ فَقَدْ تَلَا عَلَيْهِمْ عِبَارَتَهُ، وَذَكَرَ لَهُمْ فِيهِ آيَاتِ اللهِ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ، وَوَجْهُ الْمِنَّةِ أَنَّهُ يَقُودُهُمْ إِلَى الْحَقِّ بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ دُونَ التَّقْلِيدِ وَالتَّسْلِيمِ بِغَيْرِ فَهْمٍ وَلَا إِذْعَانٍ،
وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى يَكُونُ بِهَا الْعَقْلُ مُسْتَقِلًّا، وَالدِّينُ مُؤَيِّدًا لَهُ وَهَادِيًا، لَا مُرْغِمًا وَلَا مُعَطِّلًا، هَذَا مُلَخَّصُ مَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَاتِ آيَاتُ الْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ عَلَى أُصُولِ الْعَقَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ، فَهِيَ فِي نَفْسِهَا آيَةٌ عَلَى النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ بِأَنْوَاعِ إِعْجَازِهَا الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُهَا (ص ١٥٩ - ١٩١ ج١) وَتَشْتَمِلُ عَلَى آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْبَعْثِ وَأُصُولِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا.
الْآيَاتُ تَتَعَلَّقُ بِإِثْبَاتِ الْعَقَائِدِ وَأُصُولِ الدِّينِ وَهِيَ الْمَقْصِدُ الْأَوَّلُ، وَيَلِيهَا تَهْذِيبُ الْأَخْلَاقِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَيُزَكِّيكُمْ) أَيْ: يُطَهِّرُ نُفُوسَكُمْ مِنَ الْأَخْلَاقِ السَّافِلَةِ، وَالرَّذَائِلِ الْمَمْقُوتَةِ، وَيُخَلِّقُهَا بِالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ بِمَا لَكُمْ فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْأُسْوَةِ لَا بِالْقَهْرِ وَالسَّطْوَةِ، وَخَصَّ الْمُفَسِّرُ (الْجَلَالُ) التَّزْكِيَةَ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الشِّرْكِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهَذَا لَا يَصِحُّ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ كَمَا جَاءَ بِالتَّوْحِيدِ الْمَاحِي لِلشِّرْكِ، جَاءَ بِالتَّهْذِيبِ الْمُطَهِّرِ مِنْ سَفْسَافِ الْأَخْلَاقِ وَقَبَائِحِ الْعَادَاتِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي كَانَتْ فَاشِيَةً فِي الْعَرَبِ، فَقَدْ كَانُوا يَئِدُونَ بَنَاتِهُمْ - يَدْفِنُونَهُنَّ حَيَّاتٍ - وَيَقْتُلُونَ أَوْلَادَهُمْ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ نِهَايَةُ الْقَسْوَةِ وَالشُّحِّ، وَكَانُوا يَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِأَهْوَنِ سَبَبٍ يُثِيرُ حَمِيَّتَهُمُ الْجَاهِلِيَّةَ ; لِمَا اعْتَادُوهُ مِنَ الْبَغْيِ فِي الثَّارَاتِ وَمِنْ شَنِّ الْغَارَاتِ وَنَهْبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ التَّسَفُّلِ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَتَزَوَّجُ زَوْجَ أَبِيهِ أَوْ يَعْضِلُهَا حَتَّى تَفْتَدِي مِنْهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ زَكَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِاقْتِدَائِهِمْ بِأَخْلَاقِهِ الْعَظِيمَةِ فِي عِبَادَاتِهِ الْكَامِلَةِ وَآدَابِهِ الْعَالِيَةِ، وَجَمْعِهِمْ بَعْدَ تِلْكَ الْفُرْقَةِ، وَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَهُمْ عَلَى يَدَيْهِ حَتَّى صَارُوا كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَجَعَلَتْ شَرِيعَتُهُ ذِمَّتَهُمْ وَاحِدَةً يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَإِذَا أَعْطَى مَوْلًى أَوْ رَقِيقٌ لَهُمْ أَمَانًا لِأَيِّ إِنْسَانٍ مُحَارِبٍ كَانَ ذَلِكَ كَتَأْمِينِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ، فَأَيُّ تَزْكِيَةٍ أَعْلَى مِنْ هَذِهِ التَّزْكِيَةِ؟ .
стр. 425
وَأَقُولُ: إِنَّهُمْ بِزَكَاةِ أَنْفُسِهِمْ هَذِهِ فَتَحُوا الْعَالَمَ وَكَانُوا أَئِمَّةَ أُمَمِ الْمَدَنِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَقِرُ جِنْسَهُمْ كُلَّهُ، فَإِنَّ الْأَعَاجِمَ إِنَّمَا عَرَفُوا فَضْلَ الْإِسْلَامِ بِعَدْلِهِمْ وَفَضْلِهِمْ فِي فُتُوحِهِمْ، وَمَا فَهِمُوا الْقُرْآنَ إِلَّا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَتَعَلُّمِهِمُ الْعَرَبِيَّةِ. وَالرَّسُولُ الَّذِي زَكَّى هَذِهِ الْأُمَّةَ الَّتِي زَكَّتْ أُمَمًا كَثِيرَةً حَقِيقٌ بِأَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ أَزْكَى الْأَنْفُسِ وَأَكْمَلَهَا، وَلَكِنَّنَا عَلِمْنَا أَنَّ بَعْضَ دُعَاةِ النَّصْرَانِيَّةِ يَسْتَدِلُّ بِآيَةِ (لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) (١٩: ١٩) عَلَى تَفْضِيلِ عِيسَى
عَلَى مُحَمَّدٍ ﵉ وَوَصْفُ الْغُلَامِ بِالزَّكِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْغِلْمَانِ، فَضْلًا عَمَّنْ زَكَى الْأَنَامَ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇ مَعَ الْعَبْدِ الَّذِي عَلَّمَهُ مِنْ لَدُنْهُ عِلْمًا (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) (١٨: ٧٤) الْآيَةَ، فَهَلْ يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ أَفْضَلُ مِنْ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ ﵉ ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يُوصَفَا بِوَصْفِهِ؟
وَبَعْدَ ذِكْرِ التَّرْبِيَةِ الْعَمَلِيَّةِ بِالْأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ ذَكَرَ أَمْرَ التَّعْلِيمِ فَقَالَ: (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) أَيِ: الْكِتَابَ الْإِلَهِيَّ، أَوِ الْكِتَابَةَ الَّتِي تَخْرُجُونَ بِهَا مِنْ ظُلْمَةِ الْأُمِّيَّةِ وَالْجَهْلِ إِلَى نُورِ الْعِلْمِ وَالْحَضَارَةِ، وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ بِاسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرِكِ فِي مَعْنَيَيْهِ أَوْ فِيمَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ مِنْ مَعَانِيهِ، وَأَمَّا الْحِكْمَةُ: فَهِيَ الْعِلْمُ الْمُقْتَرِنُ بِأَسْرَارِ الْأَحْكَامِ وَمَنَافِعِهَا، الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ، وَفَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِالسُّنَّةِ.
(أَقُولُ) : وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّهَا أُطْلِقَتْ عَلَى بَعْضِ نُصُوصِ الْكِتَابِ كَالْعَقَائِدِ وَالْفَضَائِلِ وَالْأَحْكَامِ الْإِيجَابِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ الْوَصَايَا الْمَقْرُونَةِ بِعِلَلِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) (١٧: ٣٩) وَفِي سُورَةِ لُقْمَانَ أَنَّ اللهَ آتَاهُ الْحِكْمَةَ وَذَكَرَ مِنْهَا وَصَايَاهُ لِابْنِهِ الْمُعَلِّلَةَ بِأَسْبَابِ النَّهْيِ (رَاجِعْ ٣١: ١٢ - ١٩ الْآيَاتِ) فَحِكْمَةُ الْقُرْآنِ أَعْلَى الْحِكَمِ، وَتَلِيهَا حِكْمَةُ الرَّسُولِ ﷺ ، وَقَالَ ﷺ : ((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا)) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: ((فَهُوَ يَعْمَلُ بِهَا وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ)) وَفِي لَفْظٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ((الْقُرْآنَ)) بَدَلَ ((الْحِكْمَةَ)) .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ وَجَاءَ هُنَا بِتَفْصِيلٍ فِي مَعْنَى الْحِكْمَةِ لَمْ يُذْكَرْ هُنَاكَ، فَقَالَ مَا مِثَالُهُ: دَعَا الْقُرْآنُ إِلَى التَّوْحِيدِ وَأُمَّهَاتِ الْفَضَائِلِ وَبَيَّنَ أُصُولَ الْأَحْكَامِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ سِيرَةَ الْمُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءِ مَعَ السُّوقَةِ وَالْمَرْءُوسِينَ، وَلَمْ يُفَصِّلْ سِيرَةَ الرَّجُلِ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَهُوَ مَا يُسَمُّونَهُ نِظَامَ الْبُيُوتِ - الْعَائِلَاتِ - وَلَمْ يُفَصِّلْ طُرُقَ الْأَحْكَامِ الْقَضَائِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ وَالْحَرْبِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ يَنْبَغِي أَنْ تُؤْخَذَ
стр. 426
بِالْأُسْوَةِ وَالْعَمَلِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْكِتَابِ، وَلِذَلِكَ كَانَتِ
السُّنَّةُ هِيَ الْمُبَيِّنَةُ لِذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ بِسِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بُيُوتِهِ وَمَعَ أَصْحَابِهِ فِي السِّلْمِ وَالْحَرْبِ وَالسَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ، وَفِي حَالِ الضَّعْفِ وَالْقُوَّةِ وَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ; فَالسُّنَّةُ الْعَمَلِيَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ هِيَ الْمُبَيِّنَةُ لِلْقُرْآنِ بِتَفْصِيلِ مُجْمَلِهِ وَبَيَانِ مُبْهَمِهِ، وَإِظْهَارِ مَا فِي أَحْكَامِهِ مِنَ الْأَسْرَارِ وَالْمَنَافِعِ ; وَلِهَذَا أَطْلَقَ عَلَيْهَا لَفْظَ الْحِكْمَةِ فَإِنَّهَا كَانَتْ كَالْحَكَمَةِ - بِالتَّحْرِيكِ - لِتَأْدِيبِ الْفَرَسِ، وَلَوْلَا هَذِهِ التَّرْبِيَةُ بِالْعَمَلِ لَمَا كَانَ الْإِرْشَادُ الْقَوْلِيُّ كَافِيًا فِي انْتِقَالِ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ طَوْرِ الشَّتَاتِ وَالْفُرْقَةِ وَالْعَدَاءِ وَالْجَهْلِ وَالْأُمِّيَّةِ إِلَى الِائْتِلَافِ وَالِاتِّحَادِ وَالتَّآخِي وَالْعِلْمِ وَسِيَاسَةِ الْأُمَمِ، فَالسُّنَّةُ هِيَ الَّتِي عَلَّمَتْهُمْ كَيْفَ يَهْتَدُونَ بِالْقُرْآنِ، وَمَرَّنَتْهُمْ عَلَى الْعَدْلِ وَالِاعْتِدَالِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.
كُلُّنَا يَعْرِفُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ وَالْفَضِيلَةَ وَالرَّذِيلَةَ، وَقَلَّمَا تَرَى أَحَدًا عَامِلًا بِعِلْمِهِ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ يَعْرِفُونَ الْحُكْمَ يَرَوْنَ حِكْمَتَهُ، وَدُونَ الْأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ فِي الْعَمَلِ بِهِ، فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ لِمَ كَانَ هَذَا حَرَامًا؟ وَلَا تَنْفُذُ أَفْهَامُهُمْ فِي أَعْمَاقِ الْحُكْمِ فَتَصِلُ إِلَى فِقْهِهِ وَسِرِّهِ، فَتَعْلَمُ عِلْمًا تَفْصِيلِيًّا مَا وَرَاءَ الْمُحَرَّمِ مِنَ الضَّرَرِ لِمُرْتَكِبِهِ وَلِلنَّاسِ، وَمَا وَرَاءَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ مِنَ الْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ. وَلَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ وَفَقِهُوهُ بِالتَّرْبِيَةِ عَلَيْهِ وَمُلَاحَظَةِ آثَارِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِالْمُعَلِّمِينَ وَالْمُرَبِّينَ فِي الْعَمَلِ بِهِ - كَمَا أَخَذَ الصَّحَابَةُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ لَخَرَجُوا مِنْ ظُلْمَةِ الْإِجْمَالِ وَالْإِبْهَامِ فِي الْمَعْرِفَةِ إِلَى نُورِ التَّجَلِّي وَالتَّفْصِيلِ، حَتَّى تَكُونَ الْجُزْئِيَّاتُ مُشْرِقَةً وَاضِحَةً، وَلَكَانَ هَذَا الْعِلْمُ مُعِينًا لَهُمْ عَلَى إِحْلَالِ الْحَلَالِ بِالْعَمَلِ، وَتَحْرِيمِ الْحَرَامِ بِالتَّرْكِ، فَقَدْ وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ ﵃ عَلَى فِقْهِ الدِّينِ وَنَفَذَ بِهِمْ إِلَى سِرِّهِ، فَكَانُوا حُكَمَاءَ عُلَمَاءَ، عُدُولًا نُجَبَاءَ، حَتَّى أَنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَحْكُمُ الْمَمْلَكَةَ الْعَظِيمَةَ فَيُقِيمُ فِيهَا الْعَدْلَ وَيُحْسِنُ السِّيَاسَةَ وَهُوَ لَمْ يَحْفَظْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا بَعْضَهُ، وَلَكِنَّهُ فَقِهَهُ حَقَّ فِقْهِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى - فِقْهُ الدِّينِ وَمَعْرِفَةُ أَسْرَارِ الْأَحْكَامِ - غَيْرُ التَّزْكِيَةِ، بَيْدَ أَنَّهُ يَتَّصِلُ بِهَا وَيُعِينُ عَلَيْهَا، حَتَّى يُطَابِقَ الْعِلْمُ الْعَمَلَ، فَهَذِهِ الْآيَةُ نَبَأٌ عَنِ اسْتِجَابَةِ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ) (٢: ١٢٩) الْآيَةَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ ذِكْرُ تَعْلِيمِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ عَلَى التَّزْكِيَةِ، وَقَدَّمَ هُنَا ذِكْرَ التَّزْكِيَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَالنُّكْتَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَاحَظَ فِي دَعْوَتِهِ الطَّرِيقَ الطَّبِيعِيَّ وَهُوَ أَنَّ التَّعْلِيمَ يَكُونُ أَوَّلًا ثُمَّ تَكُونُ التَّزْكِيَةُ ثَمَرَةً لَهُ
وَنَتِيجَةً، وَهَاهُنَا ذَكَرَ التَّرْتِيبَ بِحَسَبِ الْوُجُودِ وَالْوُقُوعِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ أَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا تَلَا عَلَيْهِمْ مِنْ آيَاتِ اللهِ تَعَالَى وَدَلَائِلِ تَوْحِيدِهِ، وَإِلَى الِاعْتِقَادِ بِإِعَادَةِ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ يُحَاسِبُ اللهُ فِيهِ كُلَّ نَفْسٍ وَيَجْزِيهَا بِعَمَلِهَا وَصِفَاتِهَا، فَأَجَابَ النَّاسُ دَعَوْتَهُ بِالتَّدْرِيجِ، وَكُلُّ مَنْ آمَنَ لَهُ كَانَ يَقْتَدِي بِهِ فِي أَخْلَاقِهِ وَأَعْمَالِهِ، وَلَمْ تَكُنْ هُنَالِكَ أَحْكَامٌ وَلَا شَرَائِعُ، ثُمَّ شُرِعَتِ الْأَحْكَامُ بِالتَّدْرِيجِ، فَالتَّزْكِيَةُ بِالتَّأَسِّي بِهِ ﵊ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْ إِقَامَةِ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ عَلَى أُصُولِ الْإِيمَانِ، وَمُقَدَّمَةً عَلَى تَلَقِّي الشَّرَائِعِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الْأَحْكَامِ.
стр. 427
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) أَيْ: وَيُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ مَا لَمْ يَسْبِقْ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مِنْ شُئُونِ الْعَالَمِ وَنِظَامِ الْبُيُوتِ وَالْمُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَسِيَاسَةِ الْحُرُوبِ وَالْأُمَمِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ: مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَهُ بِالنَّظَرِ وَالْفِكْرِ، إِذْ لَا سَبِيلَ لِمَعْرِفَتِهِ سِوَى الْوَحْيِ، وَكَرَّرَ الْفِعْلَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ اهـ. يَعْنِي: كَأَخْبَارِ عَالَمِ الْغَيْبِ وَسِيرَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحْوَالِ الْأُمَمِ الَّتِي كَانَتْ مَجْهُولَةً عِنْدَكُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيْضًا ; فَإِنَّهُ ﷺ صَحَّحَ أَغْلَاطَهُمْ، وَبَيَّنَ سَقَاطَهُمْ، وَخَصَّ هَذَا بِالذِّكْرِ - وَإِنْ كَانَ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ - اهْتِمَامًا بِهِ وَتَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ، وَلَكِنَّ تَكْرَارَ الْفِعْلِ وَعَطْفَهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هَذَا غَيْرَ مَا قَبْلَهُ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ مِنْ شُئُونِ أَنْفُسِكُمْ، وَالسُّنَنِ الْإِلَهِيَّةِ الْحَاكِمَةِ فِيكُمْ، وَقَدْ بَلَغُوا بِتَعْلِيمِهِ وَإِرْشَادِهِ ﷺ مَبْلَغًا فَاقُوا فِيهِ سَائِرَ الْأُمَمِ ; أَيْ: فَالتَّعْلِيمُ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي الْكِتَابِ بَلْ هُنَاكَ زِيَادَةٌ أَعَدَّ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ لِتَبْيِينِهَا، وَالْمُقَابَلَةُ بَيْنَ هَذَا التَّعْلِيمِ وَتَعْلِيمِ الْكِتَابِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ: الْقُرْآنُ، وَبِالْآيَاتِ: الدَّلَائِلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ مَصْدَرُ كَتَبَ أَيْ: وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَةَ بَعْدَ أَنْ كُنْتُمْ أُمِّيِّينَ.
(فَاذْكُرُونِي) فِي قُلُوبِكُمْ بِمَا شَرَعْتُ مِنْ أَمْرِ الْقِبْلَةِ لِلْفَوَائِدِ الثَّلَاثِ الَّتِي تَقَدَّمَ شَرْحُهَا، وَبِمَا أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ مِنَ النِّعْمَةِ بِإِرْسَالِ رَسُولٍ مِنْكُمْ يُعَلِّمُكُمْ وَيُزَكِّيكُمْ، وَبِكُلِّ مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ ثَمَرَاتِ ذَلِكَ، وَلَا تَنْسَوْا أَنَّنِي أَنَا الْمُتَفَضِّلُ بِإِفَاضَةِ هَذِهِ النِّعَمِ عَلَيْكُمْ
(أَذْكُرْكُمْ) بِإِدَامَتِهَا وَتَمْكِينِهَا وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا مِنَ النَّصْرِ وَالسُّلْطَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ، وَاذْكُرُونِي بِأَلْسِنَتِكُمْ بِأَسْمَائِي الْحُسْنَى، وَالتَّحَدُّثِ بِنِعَمِي الَّتِي لَا تُحْصَى، وَالثَّنَاءِ عَلَيَّ بِهَا سِرًّا وَجَهْرًا، أَذْكُرْكُمْ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى بِرِضَائِي عَنْكُمْ وَقُرْبِي مِنْكُمْ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((يَقُولُ اللهُ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ، إِذَا ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِذَا ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا)) إِلَى آخَرِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنَ اللهِ تَعَالَى كَبِيرَةٌ جِدًّا كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّنِي أُعَامِلُكُمْ بِمَا تُعَامِلُونَنِي بِهِ، وَهُوَ الرَّبُّ وَنَحْنُ الْعَبِيدُ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنَّا وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْهِ ; أَيْ: وَهَذِهِ أَفْضَلُ تَرْبِيَةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ: إِذَا ذَكَرُوهُ ذَكَرَهُمْ بِإِدَامَةِ النِّعْمَةِ وَالْفَضْلِ، وَإِذَا نَسُوهُ نَسِيَهُمْ وَعَاقَبَهُمْ بِمُقْتَضَى الْعَدْلِ. ثُمَّ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَهُمْ مَا يَحْفَظُ النِّعَمَ أَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا يُوجِبُ الْمَزِيدَ بِمُقْتَضَى الْجُودِ وَالْكَرَمِ فَقَالَ: (وَاشْكُرُوا لِي) هَذِهِ النِّعَمَ بِالْعَمَلِ بِهَا وَتَوْجِيهِهَا إِلَى مَا وُجِدَتْ لِأَجْلِهِ (وَلَا تَكْفُرُونِ) أَيْ: لَا تَكْفُرُوا نِعَمِي بِإِهْمَالِهَا أَوْ صَرْفِهَا إِلَى غَيْرِ مَا وُجِدَتْ لِأَجْلِهِ بِحَسَبِ الشَّرْعِ وَالسُّنَنِ الْإِلَهِيَّةِ، وَهَذَا تَحْذِيرٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِمَّا وَقَعَتْ فِيهِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ إِذْ كَفَرَتْ بِنِعَمِ اللهِ تَعَالَى فَحَوَّلَتِ الدِّينَ عَنْ قُطْبِهِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْإِخْلَاصُ وَإِسْلَامُ الْوَجْهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ الْمُصْلِحُ لِلْأَفْرَادِ وَالِاجْتِمَاعِ،
стр. 428
وَعَطَّلَتْ مَا أَعْطَاهَا اللهُ مِنْ مَوَاهِبِ الْمَشَاعِرِ وَالْعَقْلِ وَالْمُلْكِ فَلَمْ تَسْتَعْمِلْهَا فِيمَا خُلِقَتْ لَهُ، وَهَكَذَا انْحَرَفُوا بِكُلِّ شَيْءٍ عَنْ أَصْلِهِ، فَسَلَبَهُمُ اللهُ مَا كَانَ وَهَبَهُمْ تَأْدِيبًا لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، ثُمَّ رَحِمَهُمْ بِأَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ بِهِدَايَةٍ عَامَّةٍ تُعَرِّفُهُمْ وَجْهَ تِلْكَ الْعُقُوبَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَتُحَذِّرُهُمُ الْعَوْدَ إِلَى أَسْبَابِهَا، وَقَدِ امْتَثَلَ الْمُسْلِمُونَ هَذِهِ الْأَوَامِرَ زَمَنًا قَصِيرًا فَسَعِدُوا، ثُمَّ تَرَكُوهَا بِالتَّدْرِيجِ فَحَلَّ بِهِمْ مَا نَرَى كَمَا قَالَ: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (١٤: ٧) فَإِذَا عَادُوا عَادَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِمَا كَانَ أَعْطَى سَلَفَهُمْ وَإِلَّا كَانُوا مِنَ الْهَالِكِينَ.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)
ذَهَبَ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي جُمَلِهِ وَآيَاتِهِ مُفَكَّكَةً مُنْفَصِلًا بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ ; الْتِمَاسًا لِسَبَبِ النُّزُولِ فِي كُلِّ آيَةٍ أَوْ جُمْلَةٍ أَوْ كَلِمَةٍ، وَلَا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فِي سِيَاقِ جُمَلِهِ وَكَمَالِ نَظْمِهِ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاسْتِعَانَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) هُوَ لِلِاسْتِعَانَةِ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهَا، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّبْرِ فِيهِ الصَّبْرُ عَنِ الْمَعَاصِي وَحُظُوظِ النَّفْسِ، وَاعْتَمَدَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ، أَوْ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ (الْجَلَالُ) ، وَقَدْ أَوْرَدَ قَوْلَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ وَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى الصَّبْرَ عَلَى احْتِمَالِ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ عَمَلٍ نَفْسِيٍّ أَوْ بَدَنِيٍّ أَوْ تَرْكٍ يَشُقُّ عَلَى النَّفْسِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَذْفُ مُتَعَلِّقِهِ، وَالْمَعْنَى: اسْتَعِينُوا عَلَى إِقَامَةِ دِينِكُمْ وَالدِّفَاعِ عَنْهُ وَعَلَى سَائِرِ مَا يَشُقُّ عَلَيْكُمْ مِنْ مَصَائِبِ الْحَيَاةِ بِالصَّبْرِ وَتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلَى احْتِمَالِ الْمَكَارِهِ، وَبِالصَّلَاةِ الَّتِي تَكْبُرُ بِهَا الثِّقَةُ بِاللهِ وَتَصْغُرُ بِمُنَاجَاتِهِ فِيهَا كُلُّ الْمَشَاقِّ وَأَعَمُّهَا الْمَصَائِبُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَاتِ بَعْدَهُ، وَلَا سِيَّمَا الْأَعْمَالُ الْعَامَّةُ النَّفْعِ كَالْجِهَادِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ. وَقَدْ بَيَّنَ شَيْخُنَا أَهَمَّ مَوَاضِعِهِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا السِّيَاقُ مَعَ بَيَانِ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْآيَاتِ وَوَجْهِ الِاتِّصَالِ بِمَا مِثَالُهُ مُوَضَّحًا.
стр. 429
ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى افْتِتَانَ النَّاسِ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ مِنْ عِظَمِ أَمْرِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ، وَإِزَالَةُ شُبَهِ الْفَاتِنِينَ وَالْمَفْتُونِينَ، وَإِقَامَةُ الْحُجَجِ عَلَى الْمُشَاغِبِينَ، وَحِكَمُ التَّحْوِيلِ وَفَوَائِدُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْهَا إِتْمَامُ النِّعْمَةِ، وَالْبِشَارَةُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَكَّةَ، وَكَوْنُ ذَلِكَ طُرُقًا لِلْهِدَايَةِ، لِمَا فِي الْفِتَنِ مِنَ التَّمْحِيصِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ مِنَ الْمُسْلِمِ الْمُنَافِقِ، فَهِيَ تُظْهِرُ الثَّابِتَ عَلَى الْحَقِّ الْمُطَمْئِنَ بِهِ، وَتَفْضَحُ الْمُنَافِقَ الْمُرَائِي فِيهِ بِمَا تُظْهِرُ مِنْ زِلْزَالِهِ وَاضْطِرَابِهِ فِيمَا لَدَيْهِ، أَوِ انْقِلَابِهِ نَاكِصًا عَلَى عَقِبَيْهِ، ثُمَّ شَبَّهَ هَذِهِ النِّعْمَةَ التَّامَّةَ بِالنِّعْمَةِ الْكُبْرَى وَهِيَ إِرْسَالُ الرَّسُولِ فِيهِمْ، يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ التَّثْبِيتِ فِي مُقَاوَمَةِ الْفِتْنَةِ، وَتَأْكِيدِ أَمْرِ الْقِبْلَةِ مَا يَلِيقُ بِتِلْكَ الْحَالَةِ. وَقَفَّى ذَلِكَ بِالْأَمْرِ بِذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ ; لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ تَحْوِيلَ الْقِبْلَةِ الَّذِي صَوَّرَهُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ بِصُورَةِ النِّقْمَةِ هُوَ فِي نَفْسِهِ أَجَلُّ مِنَّةٍ وَأَكْبَرُ نِعْمَةٍ.
لَا جَرَمَ أَنَّ تِلْكَ النِّعَمَ الَّتِي يَجِبُ ذِكْرُهَا وَشُكْرُهَا لِلْمُنْعِمِ جَلَّ شَأْنُهُ كَانَتْ تُقْرَنُ بِضُرُوبٍ مِنَ الْبَلَاءِ وَأَنْوَاعٍ مِنَ الْمَصَائِبِ، أَكْبَرُهَا مَا يُلَاقِيهِ أَهْلُ الْحَقِّ مِنْ مُقَاوَمَةِ الْبَاطِلِ وَأَحْزَابِهِ، وَأَصْغُرُهَا مَا لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ فِي مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَأَحْبَابِهِ، أَلَيْسَ مِنَ النَّسَبِ الْقَرِيبِ بَيْنَ الْكَلَامِ وَمِنْ كَمَالِ الْإِرْشَادِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، أَنْ يَرِدَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالشُّكْرِ أَمْرٌ آخَرُ بِالصَّبْرِ، وَأَنْ يَعِدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَزَاءِ عَلَى هَذَا كَمَا وَعَدَهُمْ بِالْجَزَاءِ عَلَى ذَاكَ؟ بَلَى إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا، مُتَمِّمَةٌ لِلْإِرْشَادِ فِيهَا، وَقَدْ هَدَى سُبْحَانَهُ بِلُطْفِهِ إِلَى عِلَاجِ الدَّاءِ قَبْلَ بَيَانِهِ، فَأَمَرَ بِالِاسْتِعَانَةِ عَلَى مَا يُلَاقِيهِ الْمُؤْمِنُونَ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، وَوَعَدَ عَلَى ذَلِكَ بِمَعُونَتِهِ الْإِلَهِيَّةِ، ثُمَّ أَشْعَرَهُمْ بِمَا يُلَاقُونَهُ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ وَالْمُدَافَعَةِ عَنْهُ وَعَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَهُوَ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، لَا أَنَّ الْآيَةَ فِي الِانْقِطَاعِ إِلَى الْعِبَادَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَةِ مُطْلَقًا بِحَيْثُ يَكُونُ الْقَاعِدُ عَنِ الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، أَوِ السَّعْيِ لِعِيَالِهِ - اعْتِكَافًا فِي مَسْجِدٍ أَوِ انْزِوَاءً فِي خَلْوَةٍ - عَامِلًا بِهَا.
كَانَ الْمُؤْمِنُونَ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ، وَكَانَتِ الْأُمَمُ كُلُّهَا مُنَاوِئَةً لَهُمْ، فَالْمُشْرِكُونَ أَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمَا فَتِئُوا يُغِيرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَصُدُّونَ النَّاسَ عَنْهُمْ، ثُمَّ كَانُوا يُلَاقُونَ فِي مُهَاجِرِهِمْ مَا يُلَاقُونَ مِنْ عَدَاوَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَكْرِهِمْ، وَمِنْ مُرَاوَغَةِ الْمُنَافِقِينَ وَكَيْدِهِمْ، فَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَسْتَعِينُوا فِي مُقَاوَمَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِي
سَائِرِ مَا يَعْرِضُ لَهُمْ مِنَ الْمَصَائِبِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ. أَمَّا الصَّبْرُ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ سَبْعِينَ مَرَّةً وَلَمْ تُذْكَرْ فَضِيلَةٌ أُخْرَى فِيهِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ أَمْرِهِ، وَقَدْ جُعِلَ التَّوَاصِي بِهِ فِي سُورَةِ الْعَصْرِ مَقْرُونًا بِالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ ; إِذْ لَا بُدَّ لِلدَّاعِي إِلَى الْحَقِّ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالصَّبْرِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا مَلَكَةُ الثَّبَاتِ وَالِاحْتِمَالِ الَّتِي تُهَوِّنُ عَلَى صَاحِبِهَا كُلَّ مَا يُلَاقِيهِ فِي سَبِيلِ تَأْيِيدِ الْحَقِّ وَنَصْرِ الْفَضِيلَةِ.
стр. 430
فَضِيلَةٌ هِيَ أَمُّ الْفَضَائِلِ الَّتِي تُرَبِّي مَلَكَاتِ الْخَيْرِ فِي النَّفْسِ، فَمَا مِنْ فَضِيلَةٍ إِلَّا وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الصَّبْرُ فِي ثَبَاتِ الْإِنْسَانِ عَلَى عَمَلٍ اخْتِيَارِيٍّ يُقْصَدُ بِهِ إِثْبَاتُ حَقٍّ أَوْ إِزَالَةُ بَاطِلٍ أَوِ الدَّعْوَةُ إِلَى عَقِيدَةٍ، أَوْ تَأْيِيدُ فَضِيلَةٍ، أَوْ إِيجَادُ وَسِيلَةٍ إِلَى عَمَلٍ عَظِيمٍ ; لِأَنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ هِيَ الَّتِي تُقَابَلُ مِنَ النَّاسِ بِالْمُقَاوَمَةِ وَالْمُحَادَّةِ ; الَّتِي يُعْوَزُّ فِيهَا الصَّبْرُ، وَيَعِزُّ مَعَهَا الثَّبَاتُ عَلَى احْتِمَالِ الْمَكَارِهِ، وَمُصَارَعَةِ الشَّدَائِدِ، فَالثَّابِتُ عَلَى الْعَمَلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ هُوَ الصَّابِرُ وَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مُتَكَلِّفًا، وَمَتَى رَسَخَتِ الْمَلَكَةُ يُسَمَّى صَاحِبُهَا صَبُورًا وَصَبَّارًا، وَلَيْسَ كُلُّ مُحْتَمِلٍ لِلْمَكْرُوهِ مِنَ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ مَعَهُمْ وَبَشَّرَهُمْ فِي الْآيَةِ الْآتِيَةِ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْعَمَلِ لِلْحَقِّ وَالثَّبَاتِ فِيهِ كَمَا قَدَّمْنَا ; لِأَنَّ الْفَضَائِلَ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِمَا يَصْدُرُ عَنْهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْجَزَاءِ، بَلِ الصَّبْرُ نَفْسُهُ مَلَكَةٌ اكْتِسَابِيَّةٌ ; وَلِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الِامْتِثَالُ بِتَعْوِيدِ النَّفْسِ احْتِمَالَ الْمَكَارِهِ وَالشَّدَائِدِ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى النَّبِيُّ ﵊ وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ، حَتَّى فَازُوا بِعَاقِبَةِ الصَّبْرِ الْمَحْمُودَةِ وَنَصَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى مَعَ قِلَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ مَعَ قُوَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِالصَّبْرِ ; لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَهُ سَبَبًا لِلنَّجَاةِ مِنَ الْخُسْرِ، كَمَا جَاءَ فِي سُورَةِ الْعَصْرِ.
الْمُتَحَمِّلُ لِلْمَكْرُوهِ مَعَ السَّآمَةِ وَالضَّجَرِ لَا يُعَدُّ صَابِرًا، وَهَذَا هُوَ شَأْنُ مُنْتَحِلِي الْعِلْمِ وَمُدَّعِي الصَّلَاحِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، تَرَاهُمْ أَضْعَفَ النَّاسِ قُلُوبًا وَأَشَدَّهُمُ اضْطِرَابًا إِذَا عَرَضَ لَهُمْ شَيْءٌ عَلَى غَيْرِ مَا يَهْوُونَ، عَلَى أَنَّ عُنْوَانَ صَلَاحِهِمْ وَاسْتِمْسَاكِهِمْ بِعُرْوَةِ الدِّينِ هُوَ جَرَسُ الذِّكْرِ وَحَرَكَاتُ الْأَعْضَاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَمَا كَانَ لِلْمُصَلِّي وَلَا لِلذَّاكِرِ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفَ الْقَلْبِ عَادِمَ الثِّقَةِ بِاللهِ تَعَالَى، وَهُوَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُبَرِّيءُ الْمُصَلِّينَ
مِنَ الْجَزَعِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الصَّبْرِ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ) (٧٠: ١٩ - ٢٢) إِلَخْ، وَقَدْ جَعَلَ ذِكْرَهُ مَعَ الثَّبَاتِ فِي الْبَأْسَاءِ فِي قَرْنٍ، إِذْ قَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٨: ٤٥) وَقَدْ قَرَنَ فِي الْآيَةِ الَّتِي نُفَسِّرُهَا الصَّلَاةَ بِالصَّبْرِ وَجَعَلَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا ذَرِيعَةَ الِاسْتِعَانَةِ عَلَى مَا يُلَاقِي الْمُؤْمِنُونَ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ مِنَ الشَّدَائِدِ.
وَلَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَدْعِيَاءُ مُصَلِّينَ لَكَانُوا مِنَ الصَّابِرِينَ، وَإِنَّمَا تِلْكَ حَرَكَاتٌ تَعَوَّدُوهَا فَهُمْ يُكَرِّرُونَهَا سَاهِينَ عَنْهَا، أَوْ يَقْصِدُونَ بِهَا قُلُوبَ النَّاسِ يَبْتَغُونَ عِنْدَهَا الْمَكَانَةَ الرَّفِيعَةَ بِالدِّينِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْفَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي لَا يَعْقِلُونَ سِوَاهَا، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يُعَوِّدَ نَفْسَهُ احْتِمَالَ الْمَكَارِهِ، وَيُحَاوِلَ تَحْصِيلَ مَلَكَةِ الصَّبْرِ عِنْدَمَا تَعْرِضُ لَهُ أَسْبَابُهُ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى عَمَلِهِ بِالصَّبْرِ لَا يَتِمُّ لَهُ أَمْرٌ، وَلَا يَثْبُتُ عَلَى عَمَلٍ، وَلَا سِيَّمَا الْأَعْمَالُ الْعَظِيمَةُ كَتَرْبِيَةِ الْأُمَمِ وَالِانْتِقَالِ بِهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ; لِذَلِكَ تَرَى كَثِيرِينَ يَشْرَعُونَ فِي الْأَعْمَالِ الْعَظِيمَةِ
стр. 431
فَيُعْوِزُهُمُ الصَّبْرُ فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْخُطْوَةِ الثَّانِيَةِ. وَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَلَكَةِ فَهُوَ خَائِنٌ لِنَفْسِهِ جَاهِلٌ بِمَا أَوْدَعَ اللهُ فِيهِ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ، فَهُوَ بِاحْتِقَارِهِ لِنَفْسِهِ مُحْتَقِرٌ نِعْمَةَ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَهُوَ بِهَذَا الْإِحْسَاسِ بِالْعَجْزِ قَدْ سَجَّلَ عَلَى نَفْسِهِ الْحِرْمَانَ مِنْ جَمِيعِ الْفَضَائِلِ.
وَجْهُ الْحَاجَةِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ عَلَى تَأْيِيدِ الْحَقِّ وَالْقِيَامِ بِأَعْبَائِهِ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ، وَأَمَّا الْحَاجَةُ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّلَاةِ فَوَجْهُهَا مَحْجُوبٌ لَا يَكَادُ يَنْكَشِفُ إِلَّا لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ. تِلْكَ الصَّلَاةُ الَّتِي أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهَا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ، وَوَصَفَ ذَوِيهَا بِفُضْلَى الصِّفَاتِ وَهِيَ التَّوَجُّهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَمُنَاجَاتُهُ، وَحُضُورُ الْقَلْبِ مَعَهُ سُبْحَانَهُ وَاسْتِغْرَاقُهُ فِي الشُّعُورِ بِهَيْبَتِهِ وَجَلَالِهِ وَكَمَالِ سُلْطَانِهِ. تِلْكَ الصَّلَاةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا جَلَّ ذِكْرُهُ: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (٢: ٤٥) وَقَالَ فِيهَا: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (٢٩: ٤٥) وَلَيْسَتْ هِيَ الصُّورَةُ الْمَعْهُودَةُ مِنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتِّلَاوَةِ بِاللِّسَانِ خَاصَّةً، الَّتِي يَسْهُلُ عَلَى كُلِّ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ أَنْ يَتَعَوَّدَهَا، وَالَّتِي نُشَاهِدُ مِنَ الْمُعْتَادِينَ لَهَا الْإِصْرَارَ عَلَى الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَاجْتِرَاحِ الْآثَامِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَأَيُّ قِيمَةٍ لِتِلْكَ الْحَرَكَاتِ الْخَفِيفَةِ فِي نَفْسِهَا حَتَّى يَصِفَهَا رَبُّ الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ بِالْكِبَرِ إِلَّا عَلَى
الْخَاشِعِينَ، إِنَّمَا جُعِلَتْ تِلْكَ الْحَرَكَاتُ وَالْأَقْوَالُ صُورَةً لِلصَّلَاةِ لِتَكُونَ وَسِيلَةً لِتَذْكِيرِ الْغَافِلِينَ، وَتَنْبِيهِ الذَّاهِلِينَ، وَدَافِعًا يَدْفَعُ الْمُصَلِّي إِلَى ذَلِكَ التَّوَجُّهِ الْمَقْصُودِ الَّذِي يَمْلَأُ الْقَلْبَ بِعَظَمَةِ اللهِ وَسُلْطَانِهِ حَتَّى يَسْتَسْهِلَ فِي سَبِيلِهِ كُلَّ صَعْبٍ، وَيَسْتَخِفَّ بِكُلِّ كَرْبٍ، وَيَسْهُلَ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ احْتِمَالُ كُلِّ بَلَاءٍ، وَمُقَاوَمَةُ كُلِّ عَنَاءٍ، فَإِنَّهُ لَا يَتَصَوَّرُ شَيْئًا يَعْتَرِضُ فِي سَبِيلِهِ إِلَّا وَيَرَى سَيِّدَهُ وَمَوْلَاهُ أَكْبَرَ مِنْهُ، فَهُوَ لَا يَزَالُ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ، حَتَّى لَا يَبْقَى فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ كَبِيرٌ، إِلَّا مَا كَانَ مُرْضِيًا لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ، الَّذِي يَلْجَأُ إِلَيْهِ فِي الْحَوَادِثِ، وَيَفْزَعُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْكَوَارِثِ.
ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) وَلَمْ يَقُلْ مَعَكُمْ لِيُفِيدَ أَنَّ مَعُونَتَهُ إِنَّمَا تَمُدُّهُمْ إِذَا صَارَ الصَّبْرُ وَصْفًا لَازِمًا لَهُمْ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمَعِيَّةَ هُنَا مَعِيَّةُ الْمَعُونَةِ، فَالصَّابِرُونَ مَوْعُودُونَ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِالْمَعُونَةِ وَالظَّفَرِ، وَمَنْ كَانَ اللهُ مُعِينَهُ وَنَاصِرَهُ فَلَا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ مِنْ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الْعَظِيمَةَ لَا تَتِمُّ وَلَا يَنْجَحُ صَاحِبُهَا إِلَّا بِالثَّبَاتِ وَالِاسْتِمْرَارِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ بِالصَّبْرِ، فَمَنْ صَبَرَ فَهُوَ عَلَى سُنَّةِ اللهِ، وَاللهُ مَعَهُ بِمَا جَعَلَ هَذَا الصَّبْرَ سَبَبًا لِلظَّفَرِ ; لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ الثَّبَاتَ وَالِاسْتِمْرَارَ الَّذِي هُوَ شَرْطُ النَّجَاحِ، وَمَنْ لَمْ يَصْبِرْ فَلَيْسَ اللهُ مَعَهُ ; لِأَنَّهُ تَنَكَّبَ سُنَّتَهُ، وَلَنْ يَثْبُتَ فَيَبْلُغَ غَايَتَهُ.
عَلِمَ اللهُ تَعَالَى مَا سَيُلَاقِيهِ الْمُؤْمِنُونَ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى دِينِهِ وَتَقْرِيرِهِ وَإِقَامَتِهِ مِنَ الْمُقَاوَمَاتِ وَتَثْبِيطِ الْهِمَمِ، وَمَا يَقُولُهُ لَهُمُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، وَمَا يَقُولُ الضُّعَفَاءُ فِي أَنْفُسِهِمْ: كَيْفَ تُبْذَلُ هَذِهِ النُّفُوسُ وَتُسْتَهْدَفُ لِلْقَتْلِ بِمُخَالَفَةِ الْأُمَمِ كُلِّهَا؟ وَمَا الْغَايَةُ مِنْ قَتْلِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهَ لِأَجْلِ
стр. 432
تَعْزِيزِ رَجُلٍ فِي دَعْوَتِهِ؟ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَرُبَّمَا أَثَّرَ فِي نُفُوسِ بَعْضِ الضُّعَفَاءِ فَاسْتَبْطَئُوا النَّصْرَ، فَعَلَّمَهُمُ اللهُ مَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى مُجَاهَدَةِ الْخَوَاطِرِ وَالْهَوَاجِسِ، وَمُقَاوَمَةِ الشُّبُهَاتِ وَالْوَسَاوِسِ. فَأَمَرَ أَوَّلًا بِالِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَعْظَمَ شَيْءٍ يُسْتَعَانُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَهُوَ الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ دَعْوَةِ الْحَقِّ وَحِمَايَتِهِ، ذَكَرَهُ مُدْرَجًا فِي سِيَاقِ تَقْرِيرِ حَقِيقَةٍ وَدَفْعِ شُبْهَةٍ فَقَالَ: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ) أَيْ: لَا تَقُولُوا فِي شَأْنِهِمْ هُمْ أَمْوَاتٌ. وَقَالُوا: إِنَّ اللَّامَ فِي (لِمَنْ)
لِلتَّعْلِيلِ لَا لِلتَّبْلِيغِ، وَالْمَعْنَى ظَاهِرٌ وَالتَّرْكِيبُ مَأْلُوفٌ (بَلْ) هُمْ (أَحْيَاءٌ) فِي عَالَمٍ غَيْرِ عَالَمِكُمْ (وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ) بِحَيَاتِهِمْ إِذْ لَيْسَتْ فِي عَالَمِ الْحِسِّ الَّذِي يُدْرَكُ بِالْمَشَاعِرِ.
ثُمَّ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْحَيَاةُ حَيَاةً خَاصَّةً غَيْرَ الَّتِي يَعْتَقِدُهَا جَمِيعُ الْمِلِّيِّينَ فِي جَمِيعِ الْمَوْتَى مِنْ بَقَاءِ أَرْوَاحِهِمْ بَعْدَ مُفَارَقَةِ أَشْبَاحِهِمْ ; وَلِذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى أَنَّ حَيَاةَ الشُّهَدَاءِ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَجْسَادِ وَإِنْ فَنِيَتْ أَوِ احْتَرَقَتْ أَوْ أَكَلَتْهَا السِّبَاعُ أَوِ الْحِيتَانُ، وَقَالُوا: إِنَّهَا حَيَاةٌ لَا نَعْرِفُهَا، وَنَحْنُ نَقُولُ مِثْلَهُمْ: إِنَّنَا لَا نَعْرِفُهَا وَنَزِيدُ إِنَّنَا لَا نُثْبِتُ مَا لَا نَعْرِفُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا حَيَاةٌ يَجْعَلُ اللهُ بِهَا الرُّوحَ فِي جِسْمٍ آخَرَ يَتَمَتَّعُ بِهِ وَيُرْزَقُ، وَرَوَوْا فِي هَذَا رِوَايَاتٍ مِنْهَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُفَسِّرُ (الْجَلَالُ) وَهُوَ ((إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ)) وَقِيلَ: إِنَّهَا حَيَاةُ الذِّكْرِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ الضَّلَالُ وَالْهُدَى - رُوِيَ هَذَا عَنِ الْأَصَمِّ - أَيْ: لَا تَقُولُوا إِنَّ بَاذِلَ رُوحِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ ضَالٌّ بَلْ هُوَ مُهْتَدٍ. وَقِيلَ: إِنَّهَا حَيَاةٌ رُوحَانِيَّةٌ مَحْضَةٌ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ سَيَحْيَوْنَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ عَدَمًا مَحْضًا كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ، فَالْآيَةُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ عَلَى حَدِّ (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) (٨٢: ١٣، ١٤) أَيْ: إِنَّ مَصِيرَهُمْ إِلَى ذَلِكَ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلَافِ: وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْبَاحِثِينَ فِي الرُّوحِ إِنَّ الرُّوحَ إِنَّمَا تَقُومُ بِجِسْمٍ لَطِيفٍ ((أَثِيرِيٍّ)) فِي صُورَةِ هَذَا الْجِسْمِ الْمُرَكِّبِ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ
стр. 433
فِي الدُّنْيَا، وَبِوَاسِطَةِ ذَلِكَ الْجِسْمِ الْأَثِيرِيِّ تَجُولُ الرُّوحُ فِي هَذَا الْجِسْمِ
الْمَادِّيِّ، فَإِذَا مَاتَ الْمَرْءُ وَخَرَجَتْ رُوحُهُ فَإِنَّمَا تَخْرُجُ بِالْجِسْمِ الْأَثِيرِيِّ وَتَبْقَى مَعَهُ وَهُوَ جِسْمٌ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ وَلَا يَتَحَلَّلُ، وَأَمَّا هَذَا الْجِسْمُ الْمَحْسُوسُ فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ وَيَتَبَدَّلُ فِي كُلِّ بِضْعِ سِنِينَ. قَالَ: وَيَقْرُبُ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ صُورَةٌ كَالْجَسَدِ ; أَيْ: لَهَا صُورَةٌ، وَمَا الصُّورَةُ إِلَّا عَرَضٌ، وَجَوْهَرُ هَذَا الْعَرَضِ هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ الْعُلَمَاءُ بِالْأَثِيرِ.
وَإِذَا كَانَ مِنْ خَوَاصِّ الْأَثِيرِ النُّفُوذُ فِي الْأَجْسَامِ اللَّطِيفَةِ وَالْكَثِيفَةِ كَمَا يَقُولُونَ حَتَّى إِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْقِلُ النُّورَ مِنَ الشَّمْسِ إِلَى طَبَقَةِ الْهَوَاءِ فَلَا مَانِعَ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ الرُّوحُ الْمُطْلَقَةُ فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ هُوَ يَحُلُّ بِهَا جِسْمًا آخَرَ تَنْعَمُ بِهِ وَتُرْزَقُ سَوَاءٌ كَانَ جِسْمَ طَيْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: (أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (٣: ١٦٩) وَهَذَا الْقَوْلُ يُقَرِّبُ مَعْنَى الْآيَةِ مِنَ الْعِلْمِ.
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ هُوَ أَنَّهَا حَيَاةٌ غَيْبِيَّةٌ تَمْتَازُ بِهَا أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ عَلَى سَائِرِ أَرْوَاحِ النَّاسِ، بِهَا يُرْزَقُونَ وَيَنْعَمُونَ، وَلَكِنَّنَا لَا نَعْرِفُ حَقِيقَتَهَا وَلَا حَقِيقَةَ الرِّزْقِ الَّذِي يَكُونُ بِهَا، وَلَا نَبْحَثُ عَنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ الَّذِي نُؤْمِنُ بِهِ وَنُفَوِّضُ الْأَمْرَ فِيهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.
ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فَضْلَ الشَّهَادَةِ الَّتِي اسْتُهْدِفَ لَهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي سَبِيلِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ وَالدِّفَاعِ عَنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مَجْمُوعَ الْمَصَائِبِ الَّتِي يَبْلُوهُمْ وَيَمْتَحِنُهُمْ بِهَا وَهِيَ لَا تُنَافِي مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا فَقَالَ: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ) أَيْ: وَلَنَمْتَحِنَنَّكُمْ بِبَعْضِ ضُرُوبِ الْخَوْفِ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَصَائِبِ الْبَشَرِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ فِي الْمَعَايِشِ، وَأَكَّدَ هَذَا بِصِيغَةِ الْقَسَمِ لِتَوْطِينِ الْأَنْفُسِ عَلَيْهِ، فَعَلَّمَهُمْ بِهِ أَنَّ مُجَرَّدَ الِانْتِسَابِ إِلَى الْإِيمَانِ لَا يَقْتَضِي سَعَةَ الرِّزْقِ وَقُوَّةَ السُّلْطَانِ، وَانْتِفَاءِ الْمَخَاوِفِ وَالْأَحْزَانِ ; بَلْ يَجْرِي ذَلِكَ بِسُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي الْخَلْقِ، كَمَا أَنَّ مِنْ سُنَنِ الْخَلْقِ وُقُوعَ الْمَصَائِبِ بِأَسْبَابِهَا. وَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ الْمُوَفَّقُ مَنْ يَسْتَفِيدُ مِنْ مَجَارِي الْأَقْدَارِ، إِذْ يَتَرَبَّى وَيَتَأَدَّبُ بِمُقَاوَمَةِ الشَّدَائِدِ وَالْأَخْطَارِ، وَمَنْ لَمْ تُعَلِّمْهُ الْحَوَادِثُ، وَتُهَذِّبْهُ الْكَوَارِثُ فَهُوَ جَاهِلٌ بِهَدْيِ الدِّينِ، مُتَّبِعٌ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، غَيْرُ مُعْتَبِرٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْبَلَاءِ الْمُبِينِ:
(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) فَإِنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَنَا بِهَذَا إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ هِيَ الَّتِي تُكْتَسَبُ بِهَا مَلَكَةُ الصَّبْرِ الَّتِي يُقْرَنُ بِهَا الظَّفَرُ، وَيَكُونُ صَاحِبُهَا أَهْلًا لِأَنْ يُبَشَّرَ بِاحْتِمَالِ الْبَلَاءِ وَالِاسْتِفَادَةِ بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا.
فَالْبِشَارَةُ فِي الْآيَةِ عَامَّةٌ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُبَشَّرَ بِهِ إِيذَانًا بِذَلِكَ وَهُوَ إِيجَازٌ لَا يُعْهَدُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذِكْرُ مَا يُبَشَّرُونَ بِهِ لَخَرَجَ الْكَلَامُ إِلَى تَطْوِيلٍ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ كَبَيَانِ عَاقِبَةِ مَنْ يَقَعُ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَخَاوِفِ فَيُصَابِرُهَا وَيَنْجَحُ فِي أَعْقَابِهَا وَهِيَ كَثِيرَةٌ،
стр. 434
وَهَكَذَا الْخَوْفُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي الْآيَةِ - وَأَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكَثْرَةِ وَالْقُوَّةِ - ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ فَسَّرَهُ بِالْخَوْفِ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ لَا مِنْ مَصَائِبِ الِامْتِحَانِ، فَهُوَ نِعْمَةٌ تُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ لَا مُصِيبَةٌ يُطْلَبُ الصَّبْرُ عَلَيْهَا أَوْ فِيهَا لِأَجْلِ تَهْوِينِ خَطْبِهَا، وَأَمَّا الْجُوعُ فَقَدْ قَالُوا: إِنَّهُ مَا يَكُونُ مِنَ الْجَدْبِ وَالْقَحْطِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ الْمَسُوقَةِ لِبَيَانِ مَا يُلَاقِي الْمُؤْمِنُونَ فِي سَبِيلِ الْإِيمَانِ وَلَا وَقَعَ لِلصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ الْعَهْدِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَحَدُهُمْ يُؤْمِنُ فَيُفْصَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ وَيَخْرُجُ فِي الْغَالِبِ صِفْرَ الْيَدَيْنِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْفَقْرُ عَامًا فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ أَوَّلِ عَهْدِهِمْ إِلَى مَا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَمِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ يُفْهَمُ الْمُرَادُ مِنْ نَقْصِ الْأَمْوَالِ وَهِيَ الْأَنْعَامُ الَّتِي كَانَتْ مُعْظَمَ مَا يَتَمَوَّلُهُ الْعَرَبُ، وَأَمَّا الثَّمَرَاتُ فَهِيَ عَلَى أَصْلِهَا، وَكَانَ مُعْظَمُهَا ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ. وَقِيلَ: هِيَ الْوَلَدُ ثَمَرُ الْقَلْبِ، كَمَا يَقُولُونَ فِي الْمَجَازِ الْمَشْهُورِ، وَقَدْ بَلَغَ مِنْ جُوعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ كَانُوا يَتَبَلَّغُونَ بِتَمَرَاتٍ يَسِيرَةٍ وَلَا سِيَّمَا فِي غَزْوَتَيِ الْأَحْزَابِ وَتَبُوكَ. وَأَمَّا نَقْصُ الْأَنْفُسِ فَهُوَ مَا كَانَ مِنَ الْقَتْلِ وَالْمَوَتَانِ مِنَ اجْتِوَاءِ الْمَدِينَةِ، فَقَدْ كَانَتْ عِنْدَ هِجْرَتِهِمْ إِلَيْهَا بَلَدَ وَبَاءٍ وَحُمَّى ثُمَّ حَسُنَ مَنَاخُهَا.
ثُمَّ وَصَفَ الصَّابِرِينَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْبِشَارَةِ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) أَيْ: قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ مُعَبِّرِينَ بِهِ عَنْ حَالِهِمْ وَمُقْتَضَى إِيمَانِهِمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ مُجَرَّدَ النُّطْقِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوهَا حِفْظًا، أَوْ يَلْفِظُوهَا لَفْظًا، وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ لَهَا مَعْنًى، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ التَّلَبُّسُ بِمَعْنَاهَا وَالتَّحَقُّقُ
فِي الْإِيمَانِ بِأَنَّهُمْ مِنْ خَلْقِ اللهِ وَمُلْكِ اللهِ وَإِلَى اللهِ يَرْجِعُونَ، فَهُوَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا سَبَقَتْ بِهِ الْحِكْمَةُ، وَارْتَضَاهُ النِّظَامُ الْإِلَهِيُّ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسُّنَّةِ، بِحَيْثُ يَنْطَلِقُ اللِّسَانُ بِالْكَلِمَةِ بِدَافِعِ الشُّعُورِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَتَمَكُّنِهِ مِنَ النَّفْسِ، فَأَصْحَابُ هَذَا الِاعْتِقَادِ وَالشُّعُورِ هُمُ الْجَدِيرُونَ بِالصَّبْرِ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُ الْجَزَعُ نُفُوسَهُمْ، وَلَا تُقْعِدُ الْمَصَائِبُ هِمَمَهُمْ، بَلْ تَزِيدُهُمْ ثَبَاتًا وَمُثَابَرَةً فَيَكُونُونَ هُمُ الْفَائِزِينَ.
وَلَا يُنَافِي الصَّبْرَ وَالتَّثَبُّتَ مَا يَكُونُ مِنْ حُزْنِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ نُزُولِ الْمُصِيبَةِ ; بَلْ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَرِقَّةِ الْقَلْبِ، وَلَوْ فَقَدَ الْإِنْسَانُ هَذِهِ الرَّحْمَةَ لَكَانَ قَاسِيًا لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَإِنَّمَا الْجَزَعُ الْمَذْمُومُ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى تَرْكِ الْأَعْمَالِ الْمَشْرُوعَةِ لِأَجْلِ الْمُصِيبَةِ وَالْأَخْذِ بِعَادَاتٍ وَأَعْمَالٍ مَذْمُومَةٍ ضَارَّةٍ يَنْهَى عَنْهَا الشَّرْعُ وَيَسْتَقْبِحُهَا الْعَقْلُ، كَمَا نُشَاهِدُ مِنْ جَمَاهِيرِ النَّاسِ فِي الْمَصَائِبِ وَالنَّوَائِبِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَكَى عِنْدَمَا حَضَرَ وَلَدَهُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ الْمَوْتُ، وَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَيْتَنَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَخْبَرَ أَنَّهَا الرَّحْمَةُ، وَقَالَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. وَفَائِدَةُ الْإِخْبَارِ بِالْبَلَاءِ
стр. 435
قَبْلَ وُقُوعِهِ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَيْهِ وَاسْتِعْدَادُهَا لِتَحَمُّلِهِ وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ ((مَا مَنْ دُهِّيَ بِالْأَمْرِ كَالْمُعْتَدِّ)) هَذَا إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالْخَبَرِ إِرْشَادٌ وَتَعْلِيمٌ، فَكَيْفَ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِهِ هِدَايَةُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ؟
ذَكَرَ الْبَلَاءَ وَبَشَّرَ الصَّابِرِينَ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْوَصْفَ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الْبِشَارَةَ، وَخَتَمَ الْقَوْلَ بِبَيَانِ الْجَزَاءِ الْمُبَشَّرِ بِهِ بِالْإِجْمَالِ فَقَالَ: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) أَيْ أُولَئِكَ الصَّابِرُونَ الْمُحْتَسِبُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمِ الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ مَا يَحُولُ دُونَ تَبْرِيحِ الْمَصَائِبِ بِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ صَلَوَاتِهِ الْعَامَّةِ وَرَحْمَتِهِ الْخَاصَّةِ، فَأَمَّا الصَّلَوَاتُ فَالْمُرَادُ بِهَا أَنْوَاعُ التَّكْرِيمِ وَالنَّجَاحِ، وَإِعْلَاءُ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّهَا الْمَغْفِرَةُ لِذُنُوبِهِمْ)) وَأَمَّا الرَّحْمَةُ فَهِيَ مَا يَكُونُ لَهُمْ فِي نَفْسِ الْمُصِيبَةِ مِنْ حُسْنِ الْعَزَاءِ، وَبَرَدِ الرِّضَى وَالتَّسْلِيمِ لِلْقَضَاءِ، فَهِيَ رَحْمَةٌ خَاصَّةٌ يَحْسُدُ الْمُلْحِدُونَ عَلَيْهَا الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ الْكَافِرَ الْمَحْرُومَ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ فِي الْمُصِيبَةِ تَضِيقُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِمَا رَحُبَتْ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَبْخَعُ نَفْسَهُ إِذَا لَمْ يَعُدْ لَهُ رَجَاءٌ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي يَعْرِفُهَا وَيَنْتَحِرُ بِيَدِهِ وَيَكُونُ مِنَ الْهَالِكِينَ.
(وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) أَيْ: إِلَى مَا يَنْبَغِي عَمَلُهُ فِي أَوْقَاتِ الْمَصَائِبِ وَالشَّدَائِدِ إِذْ لَا يَسْتَحْوِذُ الْجَزَعُ عَلَى نُفُوسِهِمْ، وَلَا يَذْهَبُ الْبَلَاءُ بِالْأَمَلِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، فَيَكُونُونَ هُمُ الْفَائِزِينَ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالرَّاحَةِ فِيهَا، الْمُسْتَعِدِّينَ لِسَعَادَةِ الْآخِرَةِ بِعُلُوِّ النَّفْسِ وَتَزْكِيَتِهَا بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَصَالِحِ الْأَعْمَالِ، دُونَ أَهْلِ الْجَزَعِ وَضَعْفِ الْإِيمَانِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ الْإِسْمِيَّةُ الْمُعَرَّفَةُ الطَّرَفَيْنِ الْمُؤَكَّدَةُ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ.
(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) .
عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مَسْأَلَةَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ جَاءَتْ فِي مَعْرِضِ الْكَلَامِ عَنْ مُعَانَدَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ التَّحْوِيلُ شُبْهَةً مِنْ شُبُهَاتِهِمْ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ لَوَازِمِ حِكَمِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ تَوْجِيهُ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ - كَمَا يُوَجِّهُونَ إِلَيْهِ وُجُوهَهُمْ - لِأَجْلِ تَطْهِيرِهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْآثَامِ، كَمَا عَهِدَ اللهُ إِلَى أَبَوَيْهِمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉، وَإِلَّا كَانُوا رَاضِينَ بِاسْتِقْبَالِ الْأَصْنَامِ، وَإِنَّ فِي طَيِّ (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) (٢: ١٥٠) بِشَارَةٌ بِهَذَا الِاسْتِيلَاءِ، مُفِيدَةٌ لِلْأَمَلِ وَالرَّجَاءِ، وَقَدْ عَلَّمَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ هَذِهِ الْبِشَارَةِ مَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهَا هِيَ وَسَائِرِ مَقَاصِدِ الدِّينِ مِنَ الصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، وَأَشْعَرَهُمْ بِمَا يُلَاقُونَ
стр. 436
فِي سَبِيلِ الْحَقِّ مِنَ الْمَصَائِبِ وَالشَّدَائِدِ، فَكَانَ مِنَ الْمُنَاسِبِ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا يُؤَكِّدُ تِلْكَ الْبِشَارَةَ وَيُقَوِّي ذَلِكَ الْأَمَلَ، فَذَكَرَ شَعِيرَةً مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ هِيَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَكَانَ ذِكْرُهَا تَصْرِيحًا ضِمْنِيًّا بِأَنْ سَيَأْخُذُونَ مَكَّةَ وَيُقِيمُونَ مَنَاسِكَ إِبْرَاهِيمَ فِيهَا، وَتَتِمُّ بِذَلِكَ لَهُمُ النِّعْمَةُ وَالْهِدَايَةُ، وَهُوَ قَوْلُهُ : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فَهَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَتْ مُنْقَطِعَةً عَنِ السِّيَاقِ السَّابِقِ لِإِفَادَةِ حُكْمٍ جَدِيدٍ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ كَمَا تُوُهِّمَ ; بَلْ هِيَ مِنْ تَتِمَّةِ الْمَوْضُوعِ وَمُرْتَبِطَةٌ بِهِ أَشَدَّ الِارْتِبَاطِ، مِنْ حَيْثُ هِيَ
تَأْكِيدٌ لِلْبِشَارَةِ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّ الْحُكْمَ الَّذِي فِيهَا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ الَّذِي أَحْيَا النَّبِيُّ ﷺ مِلَّتَهُ وَجُعِلَتِ الصَّلَاةُ إِلَى قِبْلَتِهِ ; كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَلْوِيَنَّكُمْ قُوَّةُ الْمُشْرِكِينَ فِي مَكَّةَ، وَكَثْرَةُ الْأَصْنَامِ عَلَى الْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنِ الْقَصْدِ إِلَى تَطْهِيرِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَإِحْيَاءِ تِلْكَ الشَّعَائِرِ الْعِظَامِ، كَمَا لَا يَلْوِيَنَّكُمْ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ تَقَوُّلُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ، وَلَا زِلْزَالُ مَرْضَى الْقُلُوبِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، بَلْ ثِقُوا بِوَعْدِ اللهِ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ.
الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ: جَبَلَانِ، أَوْ عَلَمَا جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ وَالْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا ٧٦٠ ذِرَاعًا وَنِصْفُ، وَالصَّفَا تُجَاهَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَقَدْ عَلَتْهُمَا الْمَبَانِي وَصَارَ مَا بَيْنَهُمَا سُوقًا. وَالشُّعَيْرَةُ وَالشِّعَارُ وَالشِّعَارَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْمَكَانِ أَوِ الشَّيْءِ الَّذِي يُشْعِرُ بِأَمْرٍ لَهُ شَأْنٌ، وَأُطْلِقَ عَلَى مَعَالِمِ الْحَجِّ وَمَوَاضِعِ النُّسُكِ وَتُسَمَّى مَشَاعِرُ ((جَمْعُ مَشْعَرٍ)) وَعَلَى الْعَمَلِ الِاجْتِمَاعِيِّ الْمَخْصُوصِ الَّذِي هُوَ عِبَادَةٌ وَنُسُكٌ، فَفِي آيَةٍ أُخْرَى (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ) (٥: ٢) وَهِيَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ وَمَعَالِمُهُ، وَمِنْهُ إِشْعَارُ الْهَدْيِ وَهُوَ جَرْحُ مَا يُهْدَى إِلَى الْحَرَمِ مِنَ الْإِبِلِ فِي صَفْحَةِ سَنَامِهِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ نُسُكٌ، وَيُشْعَرُ الْبَقَرُ أَيْضًا دُونَ الْغَنَمِ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ فِي اللُّغَةِ شِعَارُ الْحَرْبِ وَهُوَ مَا يَتَعَارَفُ بِهِ الْجَيْشُ. قَالَ شَيْخُنَا: وَرَمَى رَجُلٌ جَمْرَةً فَأَصَابَتْ جَبْهَةَ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ رَجُلٌ: شَعَرْتَ جَبْهَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يُرِيدُ جَرَحْتَ، سُمِّيَ الْجُرْحُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ، وَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ رَجُلٌ لِهْبِيٌّ: سَيُقْتَلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ مَا قَالَ.
فَأَمَّا كَوْنُ الْمَوَاضِعِ كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ عَلَامَاتِ دِينِ اللهِ أَوْ أَعْلَامِ دِينِهِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُ الْمَنَاسِكِ وَالْأَعْمَالِ شَعَائِرَ وَعَلَامَاتٍ فَوَجْهُهُ أَنَّ الْقِيَامَ بِهَا عَلَامَةٌ عَلَى الْخُضُوعِ لِلَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا. فَالشَّعَائِرُ إِذَنْ لَا تُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الْأَعْمَالِ الْمَشْرُوعَةِ الَّتِي فِيهَا تَعَبُّدٌ لِلَّهِ تَعَالَى ; وَلِذَلِكَ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ الشَّعَائِرِ فِي أَعْمَالِ الْحَجِّ لِأَنَّهَا تَعَبُّدِيَّةٌ. قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الشَّعَائِرُ أَعْمَالُ
стр. 437
الْحَجِّ، وَكُلُّ مَا جُعِلَ عَلَمًا لِطَاعَةِ اللهِ . وَقَالَ الزَّجَاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ) أَيْ جَمِيعَ مُتَعَبَّدَاتِهِ الَّتِي أَشْعَرَهَا اللهُ ; أَيْ:
جَعَلَهَا إِعْلَامًا لَنَا إِلَخْ، فَهُوَ يُرِيدُ أَنَّ الشَّعَائِرَ مِنْ أَشْعَرَهُ بِالشَّيْءِ: أَعْلَمَهُ بِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُ لَا يَدُلُّ بِهَذَا عَلَى مَعْنَى التَّعَبُّدِ ; إِذْ قَدْ أَعْلَمَنَا اللهُ تَعَالَى بِالْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَعَبُّدَ فِيهَا أَيْضًا، وَالشَّعَائِرُ لَمْ تُطْلَقْ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَلَى مَنَاسِكِ الْحَجِّ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَأَلْحَقَ بِهَا بَعْضُهُمْ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ عِبَادَاتِ الْإِسْلَامِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ كَالْأَذَانِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ.
(الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ) فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ تَعَالَى نَوْعٌ يُسَمَّى بِالشَّعَائِرِ، وَمِنْهَا مَا لَا يُسَمَّى بِذَلِكَ كَأَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ كَافَّةً ; لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِمَصَالِحِ الْبَشَرِ فَلَهَا عِلَلٌ وَأَسْبَابٌ يَسْهُلُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَفْهَمَهَا فَهَذَا أَحَدُ أَقْسَامِ الشَّرَائِعِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي: هُوَ مَا تَعَبَّدَنَا اللهُ تَعَالَى بِهِ كَالصَّلَاةِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَكَالتَّوَجُّهِ فِيهَا إِلَى مَكَانٍ مَخْصُوصٍ سَمَّاهُ اللهُ بَيْتَهُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ خَلْقِهِ كَسَائِرِ الْعَالَمِ. فَهَذَا شَيْءٌ شَرَعَهُ اللهُ وَتَعَبَّدَنَا بِهِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لَنَا وَلَكِنَّنَا نَحْنُ لَا نَفْهَمُ سِرَّ ذَلِكَ تَمَامَ الْفَهْمِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
أَقُولُ: وَهَذَا النَّوْعُ يُوقَفُ فِيهِ عِنْدَ نَصِّ مَا شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى، لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَلَا يُؤْخَذُ فِيهِ بِرَأْيِ أَحَدٍ وَلَا بِاجْتِهَادِهِ، إِذْ لَوْ أُبِيحَ لِلنَّاسِ الزِّيَادَةُ فِي شَعَائِرِ الدِّينِ بِاجْتِهَادِهِمْ فِي عُمُومِ لَفْظٍ أَوْ قِيَاسٍ لَأَمْكَنَ أَنْ تَصِيرَ شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ أَضْعَافَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ حَتَّى لَا يُفَرِّقَ أَكْثَرُ النَّاسِ بَيْنَ الْأَصْلِ الْمُشْتَرَعِ وَالدَّخِيلِ الْمُبْتَدَعِ، فَيَكُونُ الْمُسْلِمُونَ كَالنَّصَارَى، فَكُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ شَعَيْرَةً أَوْ عِبَادَةً فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ مِمَّنْ يَصَدُقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ) (٤٢: ٢١) وَإِنَّمَا الِاجْتِهَادُ فِي مِثْلِ تَحَرِّي الْقِبْلَةِ مِنَ الْعَمَلِ التَّعَبُّدِيِّ، وَفِي الْقَضَاءِ، وَلِيُرَاجِعِ الْقَارِئُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (٥: ١٠١) وَقَوْلِهِ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) (٩: ٣١) وَمِنَ الْعَبَثِ أَنْ يَعْمَلَ الْإِنْسَانُ مَا لَا يَعْرِفُ لَهُ فَائِدَةً لِقَوْلِ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِأَنْ يَفْهَمَ كُلَّ مَا يَفْهَمُهُ! وَلَا يَأْتِي هَذَا الْعَبَثُ فِي امْتِثَالِ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى لِأَنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ لَا يَشْرَعُ لَنَا إِلَّا مَا فِيهِ خَيْرُنَا وَمَصْلَحَتُنَا، وَأَنَّهُ بِعِلْمِهِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا نَعْلَمُ، وَالتَّجْرِبَةُ تُؤَيِّدُ هَذَا الِاعْتِقَادَ فَإِنَّ الطَّائِعِينَ الْقَائِمِينَ بِحُقُوقِ الدِّينِ تُصْلَحُ أَحْوَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَيُرْجَى لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مَا يُرْجَى، وَإِنْ لَمْ يَفْهَمُوا فَهْمًا كَامِلًا فَائِدَةَ كُلِّ جُزْئِيَّةٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْعَمَلِ، فَمَثَلُهُمْ كَمَا قَالَ الْغَزَّالِيُّ مَثَلُ مَنْ وَثِقَ بِالطَّبِيبِ وَجَرَّبَ دَوَاءَهُ
فَوَجَدَهُ نَافِعًا وَلَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَيَّةَ فَائِدَةٍ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ وَنِسْبَتِهِ إِلَى الْأَجْزَاءِ الْأُخْرَى، وَحَسْبُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذَا الدَّوَاءَ الْمُرَكَّبَ نَافِعٌ يَشْفِي بِإِذْنِ اللهِ مِنَ الْمَرَضِ.
стр. 438
السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ التَّعَبُّدِيِّ، فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) حَجُّ الْبَيْتِ: قَصْدُهُ لِلنُّسُكِ وَالْإِتْيَانُ بِالْمَنَاسِكِ الْمَعْرُوفَةِ هُنَالِكَ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا فِي هَذَا الْجُزْءِ. وَالِاعْتِمَارُ: مَنَاسِكُ الْعُمْرَةِ وَهِيَ دُونُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَلَيْسَ فِي الْعُمْرَةِ وُقُوفٌ بِعَرَفَةَ وَلَا مَبِيتٌ بِمُزْدَلِفَةَ وَلَا رَمْيُ جِمَارٍ فِي مِنًى. وَالْجُنَاحُ بِالضَّمِّ: الْمَيْلُ إِلَى الْإِثْمِ، كَجُنُوحِ السَّفِينَةِ إِلَى وَحْلٍ تَرْتَطِمُ فِيهِ، وَالْإِثْمُ نَفْسُهُ وَأَصْلُهُ مِنْ جَنَاحِ الطَّائِرِ. وَيَطَّوَّفُ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ مِنَ التَّطَوُّفِ وَهُوَ تَكْرَارُ الطَّوَافِ أَوْ تَكَلُّفُهُ.
وَالْمَعْنَى فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِ الْجُنَاحِ - وَهُوَ الْمَيْلُ وَالِانْحِرَافُ عَنْ جَادَّةِ النُّسُكِ - فِي التَّطَوُّفِ بِهِمَا، وَهَذَا التَّطَوُّفُ هُوَ الَّذِي عُرِفَ فِي الِاصْطِلَاحِ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفَسَّرَتْهُ السُّنَّةُ بِالْعَمَلِ، وَهُوَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ بِالْإِجْمَاعِ وَالْعَمَلِ الْمُتَوَاتِرِ، وَإِذَا كَانَ مَشْرُوعًا فَسَوَاءٌ كَانَ رُكْنًا كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا، أَوْ وَاجِبًا كَمَا يَقُولُ الْحَنَفِيَّةُ، أَوْ مَنْدُوبًا كَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ.
وَقَالُوا فِي حِكْمَةِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِنَفْيِ الْجُنَاحِ الَّذِي يَصْدُقُ بِالْمُبَاحِ: إِنَّهُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى تَخْطِئَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنَ الشَّعَائِرِ، وَأَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا مِنْ مَنَاسِكِ إِبْرَاهِيمَ، فَهُوَ لَا يُنَافِي الطَّلَبَ جَزْمًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) فِي هَذَا التَّطَوُّفِ وَغَيْرِهِ أَوْ كَرَّرَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ فَزَادَ عَلَى الْفَرِيضَةِ ; أَيْ: تَحَمَّلَهُ طَوْعًا - كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ - فَإِنَّ التَّطَوُّعَ فِي اللُّغَةِ: الْإِتْيَانُ بِمَا فِي الطَّوْعِ أَوْ بِالطَّاعَةِ أَوْ تَكَلُّفُهَا أَوِ الْإِكْثَارُ مِنْهَا، وَأُطْلِقَ عَلَى التَّبَرُّعِ بِالْخَيْرِ ; لِأَنَّهُ طَوْعٌ لَا كُرْهَ وَلَا إِكْرَاهَ فِيهِ، وَعَلَى الْإِكْثَارِ مِنَ الطَّاعَةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاجِبِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ: ((إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)) أَيْ تَزِيدَ عَلَى الْفَرِيضَةِ (فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) أَيْ: فَإِنَّ اللهَ يُثِيبُهُ ; لِأَنَّهُ شَاكِرٌ يَجْزِي عَلَى الْإِحْسَانِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْجَزَاءَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَصْلًا
مِنْ ذِكْرَى نَشْأَةِ الدِّينِ الْأُولَى بِمَكَّةَ فِي عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ كَغَيْرِهِ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ؟ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ ﷺ وَامْرَأَتِهِ (سَارَّةَ) مَا كَانَ (مِنْ حَمْلِهَا إِيَّاهُ عَلَى طَرْدِ سُرِّيَّتِهِ هَاجَرَ مَعَ طِفْلِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْفَصْلِ ٢١ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ) خَرَجَ بِهِمَا إِلَى بَرِّيَّةِ فَارَّانِ (أَيْ مَكَّةَ) فَوَضَعَهُمَا فِي مَكَانِ زَمْزَمَ تَحْتَ دَوْحَةٍ وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ سُكَّانٌ وَلَا مَاءٌ، وَوَضَعَ عِنْدَهَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ - وَفِي سِفْرِ التَّكْوِينِ أَنَّهُ زَوَّدَهَا بِخُبْزٍ - وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَتْ لَهُ: إِلَى مَنْ تَتْرُكُنَا؟ قَالَ: ((إِلَى اللهِ)) قَالَتْ: رَضِيتُ بِاللهِ. وَهُنَالِكَ دَعَا إِبْرَاهِيمُ بِمَا حَكَاهُ اللهُ عَنْهُ فِي سُورَتِهِ: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) إِلَى قَوْلِهِ -
стр. 439
(يَشْكُرُونَ) (١٤: ٣٧) فَلَمَّا نَفِدَ الْمَاءُ عَطِشَتْ وَجَفَّ لَبَنُهَا وَعَطِشَ وَلَدُهَا فَجَعَلَ يَتَلَوَّى وَيَنْشَغُ (يَشْهَقُ لِلْمَوْتِ) فَكَانَتْ تَذْهَبُ فَتَصَعَدُ الصَّفَا تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا، ثُمَّ تَذْهَبُ فَتَصَعَدُ الْمَرْوَةَ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى وَلَدِهَا فَتَرَاهُ يَنْشَغُ، فَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، وَبَعْدَ الْأَخِيرِ وَجَدَتْ عِنْدَهُ صَوْتًا فَقَالَتْ: أَغِثْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غَوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ جِبْرِيلَ عِنْدَ زَمْزَمَ فَغَمَزَ بِعَقِبِهِ الْأَرْضَ فَانْبَثَقَ الْمَاءُ فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا، وَمَرَّ نَاسٌ مَنْ جُرْهُمَ بِالْوَادِي فَإِذَا هُمْ بِطَيْرٍ عَائِفَةٍ - أَيْ تُخُومٍ عَلَى الْمَاءِ - فَاهْتَدَوْا إِلَيْهِ وَأَقَامُوا عِنْدَهُ وَنَشَأَ إِسْمَاعِيلُ مَعَهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَا ذَكَرَ سَعْيَهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا)) .
(الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ) وَصْفُ الْبَارِي تَعَالَى بِالشَّاكِرِ لَا يَظْهَرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ، فَالشُّكْرُ فِي اللُّغَةِ: مُقَابَلَةُ النِّعْمَةِ وَالْإِحْسَانُ بِالثَّنَاءِ وَالْعِرْفَانِ، وَشُكْرُ النَّاسِ لِلَّهِ فِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنْ صَرْفِ نِعَمِهِ فِيمَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ، وَكِلَاهُمَا لَا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ يَدٌ أَوْ يَنَالُهُ مِنْ أَحَدٍ نِعْمَةٌ يَشْكُرُهَا لَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى.
فَالْمَعْنَى إِذَنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِثَابَةِ الْمُحْسِنِينَ، وَأَنَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْعَامِلِينَ، فَبِهَذَا الْمَعْنَى سُمِّيَتْ مُقَابَلَةُ الْعَامِلِ بِالْجَزَاءِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ شُكْرًا، وَسَمَّى اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَاكِرًا. وَأَزِيدُ عَلَى قَوْلِ الْأُسْتَاذِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَعَدَ الشَّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ بِالْمَزِيدِ مِنْهَا، فَسُمِّيَ هَذَا شُكْرًا مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ.
وَالنُّكْتَةُ فِي اخْتِيَارِ هَذَا التَّعْبِيرِ تَعْلِيمُنَا الْأَدَبَ، فَقَدْ عَلَّمَنَا بِهَذَا أَدَبًا مِنْ أَكْمَلِ الْآدَابِ بِمَا سَمَّى إِحْسَانَهُ وَإِنْعَامَهُ عَلَى الْعَامِلِينَ شُكْرًا لَهُمْ مَعَ أَنَّ عِلْمَهُمْ
لَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُ ضُرًّا، فَيَكُونُ إِنْعَامًا عَلَيْهِ وَيَدًا عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا مَنْفَعَتُهُ لَهُمْ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ إِذْ هَدَاهُمْ إِلَيْهِ وَأَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ، فَهَلْ يَلِيقُ بِمَنْ يَفْهَمُ هَذَا الْخِطَابَ الْأَعْلَى أَنْ يَرَى نِعَمَ اللهِ عَلَيْهِ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى وَهُوَ لَا يَشْكُرُهُ وَلَا يَسْتَعْمِلُ نِعَمَهُ فِيمَا سِيقَتْ لِأَجْلِهِ؟ ثُمَّ هَلْ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَرَى بَعْضَ النَّاسِ يُسْدِي إِلَيْهِ مَعْرُوفًا ثُمَّ لَا يَشْكُرُهُ لَهُ وَلَا يُكَافِئُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ فَوْقَ صَاحِبِ الْمَعْرُوفِ رُتْبَةً وَأَعْلَى مِنْهُ طَبَقَةً؟ فَكَيْفَ وَقَدْ سَمَّى اللهُ - تَعَالَى جَدُّهُ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ - إِنْعَامَهُ عَلَى مَنْ يُحْسِنُونَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ وَإِلَى النَّاسِ شُكْرًا، وَاللهُ الْخَالِقُ وَهُمُ الْمَخْلُوقُونَ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ وَهُمُ الْفُقَرَاءُ الْمُعْوِزُونَ؟ .
شُكْرُ النِّعْمَةِ وَالْمُكَافَأَةُ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ أَرْكَانِ الْعُمْرَانِ، وَتَرْكُ الشُّكْرِ وَالْمُكَافَأَةِ مَفْسَدَةٌ لَا تُضَاهِيهَا مَفْسَدَةٌ ; إِذْ هِيَ مَدْعَاةُ تَرْكِ الْمَعْرُوفِ كَمَا أَنَّ الشُّكْرَ مَدْعَاةُ الْمَزِيدِ ; وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْنَا شُكْرَهُ، وَجَعَلَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَتَنَا وَمَنْفَعَتَنَا ; لِأَنَّ كُفْرَانَ نِعَمِهِ بِإِهْمَالِهَا
стр. 440
أَوْ بِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ أَوْ بِعَدَمِ مُلَاحَظَةِ أَنَّهَا مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ تَعَالَى، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الشَّقَاءِ وَالْبَلَاءِ. وَأَمَّا تَرْكُنَا شُكْرَ النَّاسِ وَتَقْدِيرَ أَعْمَالِهِمْ قَدْرَهَا سَوَاءٌ كَانَ عَمَلُهُمُ النَّافِعُ مُوَجَّهًا إِلَيْنَا أَوْ إِلَى غَيْرِنَا مِنَ الْخَلْقِ، فَهُوَ جِنَايَةٌ مِنَّا عَلَى النَّاسِ وَعَلَى أَنْفُسِنَا ; لِأَنَّ صَانِعَ الْمَعْرُوفِ إِذَا لَمْ يَلْقَ إِلَّا الْكُفْرَانَ فَإِنَّ النَّاسَ يَتْرُكُونَ عَمَلَ الْمَعْرُوفِ فِي الْغَالِبِ، فَنُحْرَمُ مِنْهُ وَنَقَعُ مَعَ الْأَكْثَرِينَ فِي ضِدِّهِ فَنَكُونُ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ((فِي الْغَالِبِ)) لِأَنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يَصْنَعُ الْمَعْرُوفَ وَيَسْعَى فِي الْخَيْرِ رَغْبَةً فِي الْخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ وَطَلَبًا لِلْكَمَالِ، وَلَكِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ النُّفُوسِ الْكَبِيرَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْعَالِيَةِ الَّتِي لَا يَنْظُرُ ذَوُوهَا إِلَى مُقَابَلَةِ النَّاسِ لِأَعْمَالِهِمْ بِالشُّكْرِ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنِ الصَّنِيعَةِ جَهْلُ النَّاسِ بِقِيمَةِ صَنِيعَتِهِمْ، قَلَّمَا تَلِدُ الْقُرُونُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، ثُمَّ إِنَّ كُفْرَانَ النِّعَمِ لَا بُدَّ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي نَفْسِ مَنْ عَسَاهُ يُوجَدُ مِنْهُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَثَرُهُ تَرْكَ السَّعْيِ وَالْعَمَلِ، كَانَ الْفُتُورَ وَالْوَنْيَ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَدَعِ الْمَعْرُوفَ فَاعِلُهُ لِكُفْرَانِ النَّاسِ لِسَعْيِهِ تَرَكَهُ لِلْيَأْسِ مِنْ فَائِدَتِهِ، أَوْ لِلْحَذَرِ مِنْ سُوءِ مَغَبَّتِهِ ; إِذِ الْحَاسِدُونَ مِنَ الْأَشْرَارِ يَسْعَوْنَ دَائِمًا فِي إِيذَاءِ الْأَخْيَارِ، كَذَلِكَ الشُّكْرُ يُؤَثِّرُ فِي إِنْهَاضِ هِمَّةِ أَعْلِيَاءِ الْهِمَّةِ مِنَ الْمُخْلِصِينَ فِي أَعْمَالِهِمُ الَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عَلَيْهَا جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ; ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ عَمَلَهُمُ الْخَيْرَ نَافِعًا فَيَزِيدُونَ مِنْهُ، كَمَا أَنَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ ضَائِعًا يَكُفُّونَ عَنْهُ.
(قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ) بَعْدَ بَيَانِ حُسْنِ أَثَرِ الشُّكْرِ فِي الْمُخْلِصِينَ: وَيَرْوُونَ فِي هَذَا حَدِيثًا ارْتَقَى بِهِ بَعْضُهُمْ إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ وَهُوَ ((عَجِبْتُ لِمُحَمَّدٍ كَيْفَ يَسْمَنُ مِنْ أُذُنَيْهِ)) أَيْ كَانَ إِذَا ذُكِرَتْ أَعْمَالُهُ الشَّرِيفَةُ وَسَعْيُهُ فِي الْخَيْرِ الْمُطْلَقِ يُسَرُّ وَيَسْمَنُ، هَذَا وَهُوَ ﷺ أَخْلَصُ الْمُخْلِصِينَ الْفَانِي فِي اللهِ تَعَالَى لَا يَبْتَغِي بِعَمَلِهِ غَيْرَ مَرْضَاتِهِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ غَيْرُهُ أَجْدَرَ بِذَلِكَ مِمَّنْ إِذَا سَلِمَ مِنَ الِانْبِعَاثِ إِلَى الْخَيْرِ بِبَاعِثِ الشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ فَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ حُبِّ الثَّنَاءِ لِذَاتِهِ فَضْلًا عَنْ مَقْتِ الْكُفْرَانِ وَالْكَنُودِ
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ)
стр. 441
كَانَ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَكْتُمُونَ بَعْضَ مَا فِي كُتُبِهِمْ بِعَدَمِ ذِكْرِ نُصُوصِهِ لِلنَّاسِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ أَوِ السُّؤَالِ عَنْهُ كَالْبِشَارَاتِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَصِفَاتِهِ وَكَحُكْمِ رَجْمِ الزَّانِي الَّذِي وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَيَكْتُمُونَ بَعْضَهُ بِتَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ بِالتَّرْجَمَةِ أَوِ النُّطْقِ أَوْ حَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ مَعَانِيهِ بِالتَّأْوِيلِ اتِّبَاعًا لِأَهْوَائِهِمْ (كَمَا فَعَلُوا بِلَفْظِ الْفَارِقْلِيطَ) فَفَضَحَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي سَجَّلَتْ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَمْثَالِهِمُ اللَّعْنَةَ الْعَامَّةَ الدَّائِمَةَ، قَالَ:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ)
(قَالَ شَيْخُنَا) : هَذِهِ الْآيَةُ عَوْدٌ إِلَى أَصْلِ السِّيَاقِ وَهُوَ مُعَادَاةُ النَّبِيِّ وَمُعَانَدَتُهُ مِنَ الْكُفَّارِ عَامَّةً وَمِنَ الْيَهُودِ خَاصَّةً، وَالْكَلَامُ فِي الْقِبْلَةِ إِنَّمَا كَانَ فِي مَعْرِضِ جُحُودِهِمْ وَعَدَائِهِمْ أَيْضًا، وَجَاءَ فِيهِ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَاكَ وَعِيدَ هَؤُلَاءِ الْكَاتِمِينَ ; لِأَنَّ ذِكْرَ الْكِتْمَانِ وَرَدَ مَوْرِدَ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ، وَتَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى إِيذَائِهِمْ، ثُمَّ عَادَ هُنَا فَذَكَرَهُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِنْكَارِهِمْ أَخْبَارَ أَنْبِيَائِهِمْ عَنْهُ وَبِشَارَتِهِمْ بِهِ ﷺ وَجَعْلِهِمْ ذَلِكَ حُجَّةً سَلْبِيَّةً عَلَى إِنْكَارِ نُبُوَّتِهِ ; إِذْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُبَشِّرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَلَمْ يُبَشِّرُوا بِأَنْ سَيُبْعَثَ نَبِيٌّ مِنَ الْعَرَبِ أَبْنَاءِ إِسْمَاعِيلَ، وَلَمْ يَجِئْ بَيَانٌ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ دِينِهِ وَكِتَابِهِ. فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّهُمْ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَهُ لَهُمْ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ جَمِيعَ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ عِنْدَهُمْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي صِفَةِ هَذَا الْكِتْمَانِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَحْذِفُونَ أَوْصَافَهُ وَالْبِشَارَاتِ فِيهِ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْقُولٍ ; إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَاطَأَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ وَلَوْ فَعَلَهُ الَّذِينَ كَانُوا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ لَظَهْرَ اخْتِلَافُ كُتُبِهُمْ مَعَ كُتُبِ إِخْوَانِهِمْ فِي الشَّامِ وَأُورُبَّا مَثَلًا، وَيَذْهَبُ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْإِنْكَارَ كَانَ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ وَحَمْلِ الْأَوْصَافِ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهِ وَالدَّلَائِلِ الَّتِي تُثْبِتُ نُبُوَّتَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى إِذَا سُئِلُوا: هَلْ لِهَذَا النَّبِيِّ ذِكْرٌ
стр. 442
فِي كُتُبِكُمْ؟ قَالُوا: لَا. عَلَى أَنَّ فِي كُتُبِهِمْ أَوْصَافًا لَا تَنْطَبِقُ إِلَّا عَلَى نَبِيٍّ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ وَأَظْهَرُهَا مَا فِي التَّوْرَاةِ وَكِتَابِ أَشْعَيَا
فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ إِلَّا بِغَايَةِ التَّمَحُّلِ وَالتَّعَسُّفِ. وَكَذَلِكَ فَعَلُوا بِالدَّلَائِلِ عَلَى نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا انْطِبَاقَهَا عَلَيْهِ وَزَعَمُوا أَنَّهَا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَزَالُونَ يَنْتَظِرُونَ ذَلِكَ الْغَيْرَ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالتَّأْوِيلِ بَلْ كَتَمُوا مَا فِي الْكِتَابِ مِنَ الْهُدَى وَالْإِرْشَادِ بِضُرُوبِ التَّأْوِيلِ أَيْضًا حَتَّى أَفْسَدُوا الدِّينَ وَانْحَرَفُوا بِالنَّاسِ عَنْ صِرَاطِهِ، وَذَكَرَ جَزَاءَهُمْ فَقَالَ: (أُولَئِكَ) أَيِ: الَّذِينَ كَتَمُوا الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَحُرِمُوا النُّورَ السَّابِقَ وَالنُّورَ اللَّاحِقَ، أَوِ الَّذِينَ شَأْنُهُمْ هَذَا الْكِتْمَانُ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ (يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) أَمَّا لَعْنُ اللهِ لَهُمْ فَهُوَ حِرْمَانُهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ الْخَاصَّةِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَمَّا لَعْنُ اللَّاعِنِينَ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُطْلَبَ لَعْنُهُمْ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ بِفِعْلَتِهِمْ هَذِهِ مَوْضِعُ لَعْنَةِ اللَّاعِنِينَ الْآتِي ذِكْرُهُمْ فِي الْآيَةِ الْآتِيَةِ (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) عَنِ الْكِتْمَانِ (وَأَصْلَحُوا) عَمَلَهُمْ بِالْأَخْذِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَاتِ عَنِ النَّبِيِّ وَدِينِهِ وَالْهُدَى الَّذِي جَاءَ بِهِ (وَبَيَّنُوا) مَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ أَوْ بَيَّنُوا إِصْلَاحَهُمْ، وَجَاهَرُوا بِعَمَلِهِمُ الصَّالِحِ وَأَظْهَرُوهُ لِلنَّاسِ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَعْرِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ وَلَكِنَّهُ يَكْتُمُ عَمَلَهُ وَيُسِرُّهُ مُوَافَقَةً لِلنَّاسِ فِيمَا هُمْ فِيهِ لِئَلَّا يَعِيبُوهُ، وَهَذَا ضَرْبٌ مِنَ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ وَإِيثَارِ الْخَلْقِ عَلَى الْحَقِّ ; لِذَلِكَ اشْتَرَطَ فِي تَوْبَتِهِمْ إِظْهَارَ إِصْلَاحِهِمْ وَالْمُجَاهَرَةَ بِأَعْمَالِهِمْ ; لِيَكُونُوا حُجَّةً عَلَى الْمُنْكِرِينَ، وَقُدْوَةً صَالِحَةً لِضُعَفَاءِ التَّائِبِينَ.
(فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ) أَيْ: أَرْجِعُ وَأَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ بَعْدَ الْحِرْمَانِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِاللَّعْنَةِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَهَذَا مِنْ أَلْطَفِ أَنْوَاعِ التَّأْدِيبِ الْإِلَهِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ بَلْ أَسْنَدَ إِلَى ذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ فِعْلَ التَّوْبَةِ الَّذِي أَسْنَدَهُ إِلَيْهِمْ، وَزَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَأْنِيسِهِمْ وَتَرْغِيبِهِمْ أَنْ قَالَ: (وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) يَصِفُ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ بِكَثْرَةِ الرُّجُوعِ وَالتَّوْبَةِ، لِلْإِيذَانِ بِالتَّكْرَارِ، كُلَّمَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ وَتَابَ، حَتَّى لَا يَيْئَسَ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِذَا هُوَ عَادَ إِلَى ذَنْبِهِ. فَأَيُّ تَرْغِيبٍ فِي ذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا مِنْهُ لِمَنْ يَشْعُرُ وَيَعْقِلُ؟
ثُمَّ إِنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْآيَةِ هِيَ أَنَّ حُكْمَهَا عَامٌّ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهَا خَاصًّا، فَكُلُّ مَنْ يَكْتُمُ آيَاتِ اللهِ وَهِدَايَتَهُ عَنِ النَّاسِ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِهَذِهِ اللَّعْنَةِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَعِيدُ وَأَشْبَاهُهُ حُجَّةً عَلَى الَّذِينَ لَبِسُوا لِبَاسَ الدِّينِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَانْتَحَلُوا الرِّيَاسَةَ لِأَنْفُسِهِمْ بِعِلْمِهِ، حَاوَلُوا التَّفَصِّي مِنْهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْكِتْمَانَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا إِذَا سُئِلَ الْعَالِمُ عَنْ حُكْمِ اللهِ تَعَالَى فَكَتَمَهُ، وَأَخَذُوا مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ قَاعِدَةً هِيَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ نَشْرُ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى وَدَعْوَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ وَبَيَانُهُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُجِيبَ إِذَا سُئِلَ عَمَّا يَعْلَمُهُ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَالِمٌ غَيْرُهُ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ أَنْ يُحِيلَ عَلَى غَيْرِهِ. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُسَلَّمَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْعِلْمِ
стр. 443
الْيَوْمَ وَقَبْلَ الْيَوْمِ بِقُرُونٍ، وَقَدْ رَدَّهَا أَهْلُ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ فَقَالُوا: إِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ لَمْ يَكْتَفِ بِالْوَعِيدِ عَلَى الْكِتْمَانِ، بَلْ أَمَرَ بِبَيَانِ هُدَاهُ لِلنَّاسِ، وَبِالدَّعْوَةِ إِلَى الْخَيْرِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَوْعَدَ مَنْ يَتْرُكُ هَذِهِ الْفَرِيضَةَ، وَذَكَرَ لَهُمُ الْعِبَرَ فِيمَا حَكَاهُ عَنِ الَّذِينَ قَصَّرُوا فِيهَا مِنْ قَبْلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (٣: ١٨٧) إِلَخْ، وَقَوْلِهِ: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) - إِلَى قَوْلِهِ فِي الْمُتَفَرِّقِينَ عَنِ الْحَقِّ - (وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٣: ١٠٤، ١٠٥) وَقَوْلِهِ: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) إِلَى قَوْلِهِ فِي عِصْيَانِهِمُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ لَعْنَتِهِمْ (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) (٥: ٧٨، ٧٩) إِلَخْ. فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَعَنَ الْأُمَّةَ كُلَّهَا لِتَرْكِهِمُ التَّنَاهِيَ عَنِ الْمُنْكَرِ. نَعَمْ ; إِنَّ هَذَا فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَلَكِنْ لَا يَكْفِي فِي كُلِّ قُطْرٍ وَاحِدٌ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ; بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَقُومَ بِهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ ; كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى لِتَكُونَ لَهُمْ قُوَّةٌ وَلِنَهْيِهِمْ وَأَمْرِهِمْ تَأْثِيرٌ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ هَذَا فِي تَفْسِيرِ (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) (٣: ١٠٤) إِلَخْ. (أَقُولُ) وَمَا وَرَدَ مِنْ تَدَافُعِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فِي الْفَتْوَى فَإِنَّمَا هُوَ فِي الْوَقَائِعِ الْعَمَلِيَّةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنَّاسِ، لَا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى مَقَاصِدِ الدِّينِ الثَّابِتَةِ بِالنُّصُوصِ وَسِيَاجِهَا مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُئَوِّلِينَ مَذْهَبًا آخَرَ هُوَ أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ مَخْصُوصٌ بِالْكَافِرِينَ، فَتَرْكُ الْمُؤْمِنِ فَرِيضَةً مِنَ الْفَرَائِضِ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَسْتَحِقُّ
بِهِ وَعِيدَ الْكَافِرِينَ فَيُلْحِقُهُ بِالْكُفَّارِ. وَهَذَا كَلَامٌ قَدْ أَلِفَتْهُ الْأَسْمَاعُ، وَأَخَذَ بِالتَّسْلِيمِ وَاسْتُعْمِلَ فِي الْإِفْحَامِ وَالْإِقْنَاعِ، فَإِنَّ الَّذِي يَسْمَعُهُ عَلَى عِلَّاتِهِ يَرَى نَفْسَهُ مُلْزَمًا بِرَمْيِ تَارِكِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْخَيْرِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْكُفْرِ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْقَوَاعِدِ الَّتِي وَضَعُوهَا لِلْعَقَائِدِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا عُرِضَ عَلَى اللهِ فِي الْآخِرَةِ وَعَلَى كِتَابِهِ فِي الدُّنْيَا يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَإِذَا بَحَثْتَ فِيهِ يَظْهَرُ لَكَ أَنَّ الَّذِي يَرَى حُرُمَاتِ اللهِ تُنْتَهَكُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ، وَدِينَ اللهِ يُدَاسُ جِهَارًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَرَى الْبِدَعَ تَمْحُو السُّنَنَ، وَالضَّلَالَ يَغْشَى الْهُدَى، وَلَا يَنْبِضُ لَهُ عِرْقٌ وَلَا يَنْفَعِلُ لَهُ وِجْدَانٌ، وَلَا يَنْدَفِعُ لِنُصْرَتِهِ بِيَدٍ وَلَا بِلِسَانٍ، هُوَ هَذَا الَّذِي إِذَا قِيلَ لَهُ إِنَّ فُلَانًا يُرِيدُ أَنْ يُصَادِرَكَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِزْقِكَ أَوْ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْكَ عِنْدَ الْأُمَرَاءِ وَالْحُكَّامِ، تَجِيشُ فِي صَدْرِهِ الْمَرَاجِلُ وَيَضْطَرِبُ بَالُهُ وَيَتَأَلَّمُ قَلْبُهُ، وَرُبَّمَا تَجَافَى جَنْبُهُ عَنْ مَضْجَعِهِ، وَهَجَرَ الرُّقَادُ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَجِدُّ وَيَجْتَهِدُ وَيُعْمِلُ الْفِكْرَ فِي اسْتِنْبَاطِ الْحِيَلِ وَإِحْكَامِ التَّدْبِيرِ لِمُدَافَعَةِ ذَلِكَ الْخَصْمِ أَوِ الْإِيقَاعِ بِهِ، فَهَلْ يَكُونُ لِدِينِ اللهِ تَعَالَى فِي نَفْسِ مِثْلِ هَذَا قِيمَتُهُ؟ وَهَلْ يُصَدَّقُ أَنَّ الْإِيمَانَ قَدْ تَمَكَّنَ مَنْ قَلْبِهِ، وَالْبُرْهَانَ عَلَيْهِ قَدْ حَكَمَ عَقْلَهُ، وَالْإِذْعَانَ إِلَيْهِ قَدْ ثَلَّجَ صَدْرَهُ؟
стр. 444
يَسْهُلُ عَلَى مَنْ نَظَرَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْعَقَائِدِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى أَسَاسِ الْجَدَلِ أَنْ يُجَادِلَ نَفْسَهُ وَيَغُشَّهَا بِمَا يُسَلِّيهَا بِهِ مِنَ الْأَمَانِي الَّتِي يُسَمِّيهَا إِيمَانًا، وَلَكِنَّهُ لَوْ حَاسَبَهَا فَنَاقَشَهَا الْحِسَابَ وَرَجَعَ إِلَى عَقْلِهِ وَوِجْدَانِهِ لَعَلِمَ أَنَّهُ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، وَأَنَّهُ يَعْبُدُ شَهْوَتَهُ مِنْ دُونِ اللهِ، وَأَنَّ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي سَرَدَهَا الْكِتَابُ سَرْدًا، وَأَحْصَاهَا عَدًّا - وَأَظْهَرُهَا بَذْلُ الْمَالِ وَالنَّفْسِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَنَشْرِ الدَّعْوَةِ وَتَأْيِيدِ الْحَقِّ - كُلُّهَا بَرِيئَةٌ مِنْهُ، وَأَنَّ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ كُلَّهَا رَاسِخَةٌ فِيهِ. فَلْيُحَاسِبِ امْرُؤٌ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَعَلَّهُ يَتُوبُ عَلَيْهِ وَهُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ اسْتِحْقَاقُ اللَّعْنِ لِلْكَافِرِينَ بِكِتْمَانِ الْحَقِّ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُمُ الَّذِينَ يَتُوبُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا بَيَانَ أُولَئِكَ اللَّاعِنِينَ
وَشَرْطَ اسْتِحْقَاقِ اللَّعْنِ الْأَبَدِيِّ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْخُلُودُ فِي دَارِ الْهَوَانِ، وَهُوَ أَنْ يَمُوتُوا عَلَى كُفْرِهِمْ فَأُولَئِكَ تُسَجَّلُ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ وَيَخْلُدُونَ فِيهَا لَا تَنْفَعُهُمْ مَعَهَا شَفَاعَةٌ وَلَا وَسِيلَةٌ. قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هُنَا الْمُؤْمِنُونَ كَأَنَّ غَيْرَهُمْ لَيْسُوا مِنَ النَّاسِ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ الْعُمُومُ لَا يَصْدُقُ عَلَى أَهْلِ دِينِ أُولَئِكَ الْكُفَّارِ وَمَذَاهِبِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَلْعَنُونَهُمْ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهُوَ احْتِجَاجٌ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ أَهْلَ مَذَاهِبِهِمْ إِذَا كَانُوا لَا يَلْعَنُونَ الْأَشْخَاصَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهُمْ مِنْهُمْ، فَهُمْ إِذَا شُرِحَتْ لَهُمْ أَحْوَالُهُمْ فِي كُفْرِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى غَيِّهِمْ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ سَعَادَتِهِمْ، وَحَالُ الدَّاعِي إِلَى الْحَقِّ مَعَهُمْ، وَذُكِرَ لَهُمْ كَيْفَ يُشَاقُّونَهُ وَيُعَانِدُونَهُ، فَهُمْ يَلْعَنُونَهُمْ أَوْ يَرَوْنَهُمْ مَحَلًّا لِلَّعْنَةِ وَمُسْتَحِقِّينَ لِأَشَدِّ الْعُقُوبَةِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ الْمُصِرِّينَ عَلَى كُفْرِهِمْ إِلَى الْمَوْتِ هُمْ أَهْلٌ لِلَّعْنَةِ وَمَوْضُوعٌ لَهَا مِنَ اللهِ وَمِنْ عَالَمِ الْمَلَائِكَةِ الرُّوحَانِيِّينَ، وَمِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَإِنَّ الْكَافِرَ مِنَ النَّاسِ إِذَا ذُكِرَ لَهُ الْكُفْرُ وَأَهْلُهُ وَعِنَادُهُمْ وَاسْتِكْبَارُهُمْ عَنِ الْحَقِّ لَعَنَهُمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ فِي حَمْلِ صِفَاتِ الْكُفْرِ عَلَى أَصْحَابِهَا.
وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِ لَعْنَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ مَعَ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ وَحْدَهُ كَافِيَةٌ فِي خِزْيِهِمْ وَنَكَالِهِمْ، هِيَ بَيَانُ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ يَعْلَمُ حَالَهُمْ مِنَ الْعَوَالِمِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ يَرَاهُمْ مَحَلًّا لِلَعْنَةِ اللهِ وَمَقْتِهِ، فَلَا يُرْجَى أَنْ يَرْأَفَ بِهِمْ رَائِفٌ، وَلَا أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ شَافِعٌ ; لِأَنَّ اللَّعْنَةَ صُبَّتْ عَلَيْهِمْ بِاسْتِحْقَاقٍ عِنْدَ جَمِيعِ مَنْ يَعْقِلُ وَيَعْلَمُ، وَمَنْ حَرَمَهُ سُوءُ سَعْيِهِ مِنْ رَحْمَةِ الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ فَمَاذَا يَرْجُو مِنْ سِوَاهُ؟
(خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) أَيْ: مَاكِثِينَ فِي هَذِهِ اللَّعْنَةِ وَمَا تَقْتَضِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ، لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا، وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ; أَيْ: يُمْهَلُونَ مِنَ (الْإِنْظَارِ) لِيَتُوبُوا وَيُصْلِحُوا، أَوْ لَا يُنْظَرُ إِلَيْهِمْ نَظَرَ مَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ، قَالُوا
стр. 445
إِنَّ الْخُلُودَ فِي اللَّعْنَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْخُلُودِ فِي أَثَرِهَا وَهُوَ النَّارُ بِقَرِينَةِ (لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) وَلَا أَذْكُرُ عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ يَصِحُّ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ أَنَّ اللَّعْنَ بِمَعْنَى الطَّرْدِ، فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْخُلُودُ فِيهِ عِبَارَةً عَنْ دَوَامِهِ هُوَ ; أَيْ: هُمْ مَطْرُدُونَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى طَرْدًا دَائِمًا
لَا يُرْجَى لَهُمْ أَنْ يَسْلَمُوا مِنْهُ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِهِ هُوَ غَايَةُ مَا يَكْتَسِبُهُ الْمَرْءُ مِنْ ظُلُمَاتِ الرُّوحِ وَالْجِنَايَةِ عَلَى الْحَقِّ، وَتَدْسِيَةِ النَّفْسِ، فَمَتَى مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَبَطَلَ كَسْبُهُ، فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَلِّيَ تِلْكَ الْغُمَّةَ، وَيُنِيرَ هَاتِيكَ الظُّلْمَةَ، وَحُرِمَ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ، وَمِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ، فَكَأَنَّ خُلُودَهُ فِي هَذِهِ اللَّعْنَةِ قَدْ نَشَأَ عَنْ وَصْفٍ لَازِمٍ لَهُ، فَهُوَ دَائِمٌ بِدَوَامِ ذَاتِهِ الَّتِي هِيَ عِلَّتُهُ، وَامْتَنَعَ أَيْضًا أَنْ يُنْظَرَ وَيُمْهَلَ فِيهِ، أَوْ يَنْظُرَ اللهُ إِلَيْهِ وَيُزَكِّيَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْهُ، فَهُوَ الْجَانِي وَالْمُعَذِّبُ لِنَفْسِهِ، فَأَيُّ شَيْءٍ يَرْجُو مِنْ غَيْرِهِ؟
(وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) .
نَطَقَتِ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ بِأَنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مَلْعُونُونَ لَا تُرْجَى لَهُمْ رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَإِنْ هُمْ مَاتُوا - عَلَى كِتْمَانِهِمْ وَمَا يَسْتَلْزِمُهُ كُفْرُهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ - كَانُوا خَالِدِينَ فِي اللَّعْنَةِ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا شَيْءٌ ; إِذْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمُ افْتِدَاءٌ، وَلَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشُّفَعَاءِ (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) (٤٠: ١٨) لِأَنَّ اللَّعْنَةَ تَعُمُّهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ لِلْعَوَالِمِ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ الرَّحْمَةَ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْءُوسِينَ يَتَبَرَّءُونَ مِنَ الرُّؤَسَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَّبِعُونَهُمْ فِي الضَّلَالِ وَيَتَّخِذُونَ كَلَامَهُمْ دِينًا مِنْ دُونِ كِتَابِ اللهِ كَمَا سَيَأْتِي، فَنَاسَبَ بَعْدَ هَذَا أَنْ يُبَيِّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ شَارِعَ الدِّينِ وَمُحِقَّ الْحَقِّ هُوَ وَاحِدٌ لَا يُعْبَدُ غَيْرُهُ، وَلَا تُكْتَمُ هِدَايَتُهُ، وَلَا يُجْعَلُ كَلَامُ الْبَشَرِ مِعْيَارًا عَلَى كَلَامِهِ، وَهُوَ مُفِيضُ
الرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ ; إِذِ الرَّحْمَةُ مِنْ صِفَاتِهِ الْكَامِلَةِ
стр. 446
اللَّازِمَةِ، لِيَتَذَكَّرَ أُولَئِكَ الضَّالُّونَ الْكَاتِمُونَ لِبَيِّنَاتِ اللهِ، الْمُؤْثِرُونَ عَلَيْهَا آرَاءَ رُؤَسَائِهِمْ وَأَئِمَّتِهِمْ ثِقَةً بِهِمْ، وَاعْتِمَادًا عَلَى شَفَاعَتِهِمْ، أَنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَعْلَمُوا وَجْهَ خَطَئِهِمْ فِي كِتْمَانِ الْحَقِّ وَمُعَادَاةِ أَهْلِهِ عِنَادًا مِنَ الرُّؤَسَاءِ، وَتَقْلِيدًا مِنَ الْمَرْءُوسِينَ. فَقَالَ: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أَيْ: وَإِلَهُكُمُ الْحَقُّ الْحَقِيقُ بِالْعِبَادَةِ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ مُسْتَحِقٌّ لَهَا إِلَّا هُوَ، فَلَا تُشْرِكُوا بِهِ أَحَدًا. وَالشِّرْكُ بِهِ نَوْعَانِ: (أَحَدُهُمَا) يَتَعَلَّقُ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَالْعِبَادَةِ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ الْمَرْءُ أَنَّ فِي الْخَلْقِ مَنْ يُشَارِكُهُ تَعَالَى أَوْ يُعِينُهُ فِي أَفْعَالِهِ، أَوْ يَحْمِلُهُ عَلَى بَعْضِهَا وَيَصُدُّهُ عَنْ بَعْضٍ بِشَفَاعَتِهِ عِنْدَهُ لِأَجْلِ قُرْبِهِ مِنْهُ، كَمَا يَكُونُ مِنْ بِطَانَةِ الْمُلُوكِ الْمُسْتَبِدِّينَ وَحَوَاشِيهِمْ وَحُجَّابِهِمْ وَأَعْوَانِهِمْ، فَهُوَ يَتَوَجَّهُ إِلَى هَذَا الْمُؤَثِّرِ عِنْدَ اللهِ بِزَعْمِهِ عِنْدَمَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي الدُّعَاءِ فَيَدْعُوهُ مَعَهُ، وَقَدْ يَدْعُوهُ مِنْ دُونِهِ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ لِكَشْفِ ضُرٍّ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ أَعْيَتْهُ أَسْبَابُهُمَا وَهَذَا مُخُّ الْعِبَادَةِ.
(وَثَانِيهِمَا) يَتَعَلَّقُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَهُوَ إِسْنَادُ الْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ إِلَى غَيْرِهِ مَعَهُ، أَوْ أَنْ تُؤْخَذَ أَحْكَامُ الدِّينِ فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ عَنْ غَيْرِهِ ; أَيْ: غَيْرِ كِتَابِهِ وَوَحْيِهِ الَّذِي بَلَّغَهُ عَنْهُ رُسُلُهُ بِحُجَّةِ أَنَّ مَنْ يُأْخَذُ عَنْهُمُ الدِّينُ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ الْوَحْيِ أَعْلَمُ بِمُرَادِ اللهِ فَيُتْرَكُ الْأَخْذَ مِنَ الْكِتَابِ لِرَأْيِهِمْ وَقَوْلِهِمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) (٩: ٣١) كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِالدِّينِ أَنْ يُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ مَا نَزَّلَهُ اللهُ وَلَا يَكْتُمُوهُ، لَا أَنْ يَزِيدُوا فِيهِ أَوْ يَنْقُصُوا مِنْهُ، كَمَا زَادَ أَهْلُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ كُلُّهُمْ عِبَادَاتٍ وَأَحْكَامًا كَثِيرَةً زَائِدَةً عَلَى الْوَحْيِ أَوْ مُخَالِفَةً لَهُ يَتَأَوَّلُونَهُ لِأَجْلِهَا دُونَ الْعَكْسِ، وَإِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَهُوَ كَذَلِكَ (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) أَيِ: الْكَامِلُ الرَّحْمَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرِضَ الْعَبْدُ عَنْ أَسْبَابِ رَحْمَتِهِ اعْتِمَادًا عَلَى رَحْمَةِ سِوَاهُ مِمَّنْ يَظُنُّ أَنَّهُمْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ، فَحَسْبُ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِالتَّصَدِّي لَهَا عَنْ رَجَاءِ سِوَاهَا وَإِلَّا كَانَ مِنَ الْخَائِبِينَ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: نَبَّهَهُمْ إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ الَّتِي يَرْقُبُونَهَا مِنْ شِرْكِهِمْ إِنَّمَا هِيَ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ وَحْدَهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا أَنْتُمْ تَرَكْتُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ لِأَجْلِهِ
تَعَالَى فَهُوَ بِتَفَرُّدِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ يَكْفِيكُمْ كُلَّ ضَرَرٍ تَخَافُونَهُ، وَيُعْطِيكُمْ بِرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ كُلَّ مَا تَرْجُونَهُ، فَإِنَّ بِيَدِهِ مَلَكُوتَ كُلِّ شَيْءٍ، وَكُلُّ مَا تَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ مِنْ دُونِهِ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلِاعْتِمَادِ ; بَلِ اعْتِمَادُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ قَبِيلِ الشِّرْكِ فَيَجِبُ أَنْ تَطْرَحُوهُ جَانِبًا، وَتَعْتَقِدُوا أَنَّ الْإِلَهَ الَّذِي بِيَدِهِ أَزِمَّةُ الْمَنَافِعِ وَالْقَادِرُ عَلَى دَفْعِ الْمَضَارِّ وَإِيقَاعِهَا هُوَ وَاحِدٌ لَا سُلْطَانَ لِأَحَدٍ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَلَا أَوْسَعَ مَنْ رَحِمْتِهِ، وَإِنَّمَا أَكَّدَ أَمْرَ الْوَحِدَةِ هَذَا التَّأْكِيدَ تَحْذِيرًا مَنْ طُرُقِ الشِّرْكِ الْخَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا أَسَاسُ
стр. 447
الدِّينِ وَأَصْلُهُ، وَقَدْ فَصَّلْنَا مَعَانِيَ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ وَاسْمَيْ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ.
أَرَأَيْتَ هَذَا الِاتِّصَالَ الْمُحْكَمَ بَيْنَ الْآيَةِ وَمَا قَبْلَهَا؟ إِنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ قَدْ قَطَعَ عُرَاهُ وَفَصَمَهَا، وَجَعَلَ الْآيَةَ جَوَابًا لِقَوْمٍ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ انْسِبْ لَنَا رَبَّكَ، قَالَهُ (الْجَلَالُ) .
وَيَقُولُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ سَبَبَ النُّزُولِ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي آيَاتِ الْأَحْكَامِ ; لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْوَقَائِعِ وَالْحَوَادِثِ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا الْحُكْمُ تُعِينُ عَلَى فَهْمِهِ وَفِقْهِ حِكْمَتِهِ وَسِرِّهِ، وَمِثْلُهَا مَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بَعْضِ الْوَقَائِعِ كَغَزْوَةِ بَدْرٍ وَالنَّصْرِ فِيهَا، وَمُصِيبَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أُحُدٍ، وَأَمَّا الْآيَاتُ الْمُقَرِّرَةُ لِلتَّوْحِيدِ - وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ مِنَ الدِّينِ - فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْتِمَاسِ أَسْبَابٍ لِنُزُولِهَا بَلْ هِيَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى انْتِظَارِ السُّؤَالِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُبَيِّنُ عِنْدَ كُلِّ مُنَاسَبَةٍ، وَمَا عَسَاهُ يَكُونُ قَدْ قَارَنَ نُزُولَهَا مِنْ حَادِثَةٍ أَوْ سُؤَالٍ مِثْلِ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ آنِفًا فَهُوَ إِنْ صَحَّ رِوَايَةً لَا يَزِيدُنَا بَيَانًا فِي فَهْمِ الْآيَةِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ سَبَبًا لِنُزُولِهَا لَا سِيَّمَا بَعْدَ الَّذِي عُلِمَ مِنَ اتِّصَالِهَا بِمَا قَبْلَهَا كَمَا يَلِيقُ بِبَلَاغَةِ الْقُرْآنِ.
وَمِثْلُ هَذَا السَّبَبِ يَجْعَلُ الْقُرْآنَ مُبَدَّدًا مُتَفَرِّقًا لَا تَرْتَبِطُ أَجْزَاؤُهُ وَلَا تَتَّصِلُ أَنْحَاؤُهُ، وَمِثْلُهُ مَا قَالُوهُ فِي سَبَبِ الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّهَا جَاءَتْ عَلَى سُنَّةِ الْقُرْآنِ مِنْ وَصْلِ الدَّلِيلِ بِالدَّعْوَى، وَلَكِنَّهُمْ رَوَوْا فِي سَبَبِهَا رِوَايَاتٍ مِنْهَا أَنَّ آيَةَ (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ سَمِعَ بِهَا مُشْرِكُو مَكَّةَ فَقَالُوا مَا قَالُوا، وَعَجِبُوا كَيْفَ يَسَعُ الْخَلْقَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَطَلَبُوا الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ سَمِعُوا عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَكَأَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى لَمْ تَكُنْ طَرَأَتْ عَلَى أَذْهَانِهِمْ، وَلَا طَرَقَتْ أَبْوَابَ مَسَامِعِهِمْ. عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ (ص) كَانَ قَدْ أَقَامَ فِيهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى هَذَا التَّوْحِيدِ عَشْرَ سِنِينَ وَنَيِّفًا، وَسَبَقَ لَهُمُ التَّعَجُّبُ مِنْهُ (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لِشَيْءٌ عُجَابٌ)
(٣٨: ٥) وَمُعْظَمُ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ آيَاتٌ وَبَرَاهِينٌ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ نُسَلِّمُ أَنَّ مَا نَرَاهُ فِي التَّنْزِيلِ الْمَدَنِيِّ مِنْ آيَتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا فِي التَّوْحِيدِ وَالْأُخْرَى فِي دَلِيلِهِ قَدْ كَانَ مِنَ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا أَنْ نَزَلَ الدَّلِيلُ بَعْدَ الْمَدْلُولِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ وَسَبَبٍ مُتَأَخِّرٍ؟
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بَعْدَ بَيَانِ اتِّصَالِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا وَتَقْرِيرِ مَعْنَاهَا: وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أَنَّهَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ جَوَابًا لِلَّذِينَ قَالُوا: انْسِبْ لَنَا رَبَّكَ، أَوْ صِفْ لَنَا رَبَّكَ ; لِأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ إِنَّمَا يَصْدُرُ عَمَّنْ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ هَذَا الرَّبِّ الْعَظِيمِ، أَوْ مِمَّنْ يَبْغِي أَنْ يَعْرِفَ مِقْدَارَ عِلْمِ الْمَسْئُولِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ بِذِكْرِ جَمِيعِ مَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ مِنَ التَّنْزِيهِ وَالصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْآيَةِ إِلَّا الْوَحْدَةَ وَالرَّحْمَةَ، وَتَرَكَ ذِكْرَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ، وَهِيَ صِفَاتٌ لَا تُعْقَلُ الْأُلُوهِيَّةُ إِلَّا بِهَا، وَسَبَبُهُ أَنَّ أُولَئِكَ الْكُفَّارَ لَمْ يَكُونُوا يَكْتُمُونَهَا وَلَا يُشْرِكُونَ مَعَ اللهِ أَحَدًا فِيهَا، وَإِنَّمَا أَشْرَكُوا فِي الْأُلُوهِيَّةِ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ وَالنُّذُورِ وَالْقَرَابِينِ، وَيَسْتَلْزِمُ هَذَا عَدَمَ اكْتِفَائِهِمْ بِرَحْمَتِهِ. وَقَالَ شَيْخُنَا فِي تَعْلِيلِهِ: إِنَّ الِاكْتِفَاءَ بِذِكْرِ الْوَحْدَةِ وَالرَّحْمَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ
стр. 448
ظَاهِرٌ لَا تَطْلُبُ الْبَلَاغَةُ غَيْرَهُ ; لِأَنَّ الْوَحْدَةَ تُذَكِّرُ أُولَئِكَ الْكَافِرِينَ الْكَاتِمِينَ لِلْحَقِّ بِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ مَلْجَأً غَيْرَ اللهِ يَقِيهِمْ عُقُوبَتَهُ وَلَعْنَتَهُ. وَذِكْرُ الرَّحْمَةِ بَعْدَهَا يُرَغِّبُهُمْ فِي التَّوْبَةِ وَيَحُولُ دُونَ يَأْسِهِمْ مِنْ فَضْلِ اللهِ بَعْدَ إِيئَاسِهِمْ مِمَّنِ اتَّخَذُوهُمْ شُفَعَاءَ وَوُسَطَاءَ عِنْدَهُ، فَيُطَابِقُ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا الْكِتْمَانَ: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) (٢: ١٦٠) إِلَخْ.
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إِلَخْ، هَذِهِ آيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ تَشْرَحُ لَنَا بَعْضَ الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ، إِثْبَاتًا لِمَا وَرَدَ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا مِنْ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ لَهُ تَعَالَى، عَلَى طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ فِي قَرْنِ الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ بِدَلَائِلِهَا وَبَرَاهِينِهَا كَمَا أَلْمَعْنَا. وَهَذِهِ الْآيَاتُ أَجْنَاسٌ (الْأَوَّلُ وَالثَّانِي) مِنْهَا: خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَفِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ كَثِيرَةُ الْأَنْوَاعِ يُدْهِشُ الْمُتَأَمِّلِينَ بَعْضُ ظَوَاهِرِهَا، فَكَيْفَ حَالُ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى مَا اكْتَشَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ عَجَائِبِهَا، الدَّالُّ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَعْرِفُوهُ أَعْظَمُ مِمَّا عَرَفُوهُ مِنْهَا!
تَتَأَلَّفُ هَذِهِ الْأَجْرَامُ السَّمَاوِيَّةُ مِنْ طَوَائِفَ يَبْعُدُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِمَا يُقَدَّرُ
بِالْمَلَايِينِ وَأُلُوفِ الْمَلَايِينِ مِنْ سِنِيِّ سُرْعَةِ النُّورِ، وَلِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهَا نِظَامٌ كَامِلٌ مُحْكَمٌ، وَلَا يُبْطِلُ نِظَامُ بَعْضِهَا نِظَامَ الْآخَرِ ; لِأَنَّ لِلْمَجْمُوعِ نِظَامًا عَامًّا وَاحِدًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ إِلَهٍ وَاحِدٍ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ وَتَقْدِيرِهِ، وَحِكْمَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَأَقْرَبُ تِلْكَ الطَّوَائِفِ إِلَيْنَا مَا يُسَمُّونَهُ النِّظَامَ الشَّمْسِيَّ نِسْبَةً إِلَى شَمْسِنَا هَذِهِ الَّتِي تَفِيضُ أَنْوَارُهَا عَلَى أَرْضِنَا، فَتَكُونُ سَبَبًا لِلْحَيَاةِ النَّبَاتِيَّةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ فِيهَا، وَالْكَوَاكِبُ التَّابِعَةُ لِهَذِهِ الشَّمْسِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْمَقَادِيرِ وَالْأَبْعَادِ وَقَدِ اسْتَقَرَّ كُلٌّ مِنْهَا فِي مَدَارِهِ وَحُفِظَتِ النِّسْبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ بِسُنَّةٍ إِلَهِيَّةٍ مُنْتَظِمَةٍ حَكِيمَةٍ يُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِالْجَاذِبِيَّةِ الْعَامَّةِ.
وَلَوْلَا هَذَا النِّظَامُ لَانْفَلَتَتْ هَذِهِ الْكَوَاكِبُ السَّابِحَةُ فِي أَفْلَاكِهَا فَصَدَمَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَهَلَكَتِ الْعَوَالِمُ بِذَلِكَ، فَهَذَا النِّظَامُ آيَةٌ عَلَى الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ، كَمَا أَنَّهُ آيَةٌ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ.
هَذِهِ هِيَ السَّمَاوَاتُ نُشِيرُ إِلَى آيَاتِهَا عَنْ بُعْدٍ (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) (٥١: ٢٠) فِي جِرْمِهَا وَمَادَّتِهَا وَشَكْلِهَا وَعَوَالِمِهَا الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ جَمَادٍ وَنَبَاتٍ وَحَيَوَانٍ، فَلِكُلٍّ مِنْهَا نِظَامٌ عَجِيبٌ وَسُنَنٌ إِلَهِيَّةٌ مُطَّرِدَةٌ فِي تَكْوِينِهَا، وَتَوَالُدِ مَا يَتَوَالَدُ مِنْ أَحْيَائِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ دَقَّقْتَ النَّظَرَ فِي أَنْوَاعِ الْجَمَادَاتِ مِنَ الصُّخُورِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَنْوَاعِ، وَالْجَوَاهِرِ الْمُتَعَدِّدَةِ الْخَوَاصِّ وَالْأَلْوَانِ، لَشَاهَدْتَ مِنَ النِّظَامِ فِيهَا وَمِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَافِعِ فِي اخْتِلَافِهَا وَتَنَوُّعِهَا مَا تَعْلَمُ بِهِ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّهَا تَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إِلَى إِبْدَاعِ إِلَهٍ حَكِيمٍ رَءُوفٍ رَحِيمٍ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ.
وَأَقُولُ هُنَا: إِنَّ الْأُسْتَاذَ الْإِمَامَ (كَانَ) يَرَى أَنَّ فِي الْجَمَادِ حَيَاةً خَاصَّةً بِهِ دُونَ الْحَيَاةِ النَّبَاتِيَّةِ، وَلَا أَدْرِي أَقَالَهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَمْ لَا وَلَكِنَّنِي سَمِعْتُهُ مِنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَهَذَانِ جِنْسَانِ مِنْ آيَاتِهِ تَعَالَى يَشْمَلَانِ أَنْوَاعًا وَأَفْرَادًا مِنْهَا يَتَعَذَّرُ إِحْصَاؤُهَا.
الْجِنْسُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ: (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) وَهُوَ أَنْ يَجِئَ أَحَدُهُمَا فَيَذْهَبُ الْآخَرُ،
стр. 449
وَيَطُولُ هَذَا فَيَقْصُرُ ذَاكَ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِحُسْبَانٍ مُطَّرِدٍ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ وَالْبُلْدَانِ وَمِثْلُهُ اخْتِلَافُ الْفُصُولِ بِاخْتِلَافِ مَوَاقِعِ الْعَرْضِ وَالطُّولِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ هُوَ أَثَرُ مُقَابَلَةِ الْأَرْضِ لِلشَّمْسِ وَحَرَكَتِهَا بِإِزَائِهَا، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ مَشْرُوحٌ فِي مَحَلِّهِ مِنَ الْعِلْمِ الْخَاصِّ بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَفِي الْمَشَاهِدِ مِنَ اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُصُولِ، وَمَا لِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ عَلَى وَحْدَةِ مُبْدِعِ هَذَا النِّظَامِ الْمُطَّرِدِ وَرَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ يَسْهُلُ عَلَى
كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَفْهَمَهَا وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَسْبَابَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ وَتَقْدِيرَهُ. وَفِي الْقُرْآنِ بَيَانٌ لِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) (١٧: ١٢) فَهَذِهِ الْآيَةُ تَهْدِي إِلَى مَا فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ وَفِي مَعْنَاهَا آيَاتٌ أُخْرَى. وَقَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) (٢٥: ٦٢) وَهَذِهِ هِدَايَةٌ إِلَى الْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ. وَهُنَاكَ آيَاتٌ تُشِيرُ إِلَى أَسْبَابِ هَذَا الِاخْتِلَافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) (٣٩: ٥) وَقَوْلِهِ: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) (٧: ٥٤) وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى اسْتِدَارَةِ الْأَرْضِ وَدَوَرَانِهَا حَوْلَ الشَّمْسِ كَمَا بَيَّنَاهُ فِي مَوَاضِعَ مِنَ ((الْمَنَارِ)) بِالتَّفْصِيلِ وَفِي ((التَّفْسِيرِ)) بِالْإِجْمَالِ.
وَصَفْوَةُ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: أَنَّ اخْتِلَافَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ النِّظَامِ الشَّمْسِيِّ، وَقُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ النِّظَامَ يَدُلُّ عَلَى وَحْدَةِ وَاهِبِهِ وَمُقَدِّرِهِ، وَنَقُولُ: إِنَّ آثَارَهُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا، وَأَمَّا دَلَالَتُهَا عَلَى رَحْمَتِهِ تَعَالَى فَظَاهِرَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ الِاسْتِشْهَادُ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ آنِفًا.
الْجِنْسُ الرَّابِعُ قَوْلُهُ: (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) الْفُلْكُ - بِالضَّمِّ - اسْمٌ لِلسَّفِينَةِ وَلِجَمْعِهَا، كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ تَأْتِيَ هَذِهِ الْآيَةُ فِي آخِرِ الْآيَاتِ لِيَكُونَ مَا لِلْإِنْسَانِ فِيهِ صُنْعٌ عَلَى حِدَةٍ وَمَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ صُنْعٌ عَلَى حِدَةٍ. وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِهَا عُقَيْبَ آيَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ هِيَ أَنَّ الْمُسَافِرِينَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ حَاجَةً إِلَى تَحْدِيدِ اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمُرَاقَبَتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ، وَالْمُسَافِرُونَ فِي الْبَحْرِ أَحْوَجُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ، وَتَحْدِيدِ الْجِهَاتِ ; لِأَنَّ خَطَرَ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ أَشَدُّ، وَفَائِدَةُ الْمَعْرِفَةِ لَهُمْ أَعْظَمُ، وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ رَبَّانِيِّ السُّفُنِ مَعْرِفَةُ عِلْمِ النُّجُومِ (الْهَيْئَةِ الْفَلَكِيَّةِ) وَعِلْمُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ فُرُوعِ هَذَا الْعِلْمِ. قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) (٦: ٩٧) فَهَذَا وَجْهُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ ذِكْرِ الْفُلْكِ وَمَا قَبْلَهُ. وَأَمَّا كَوْنُ الْفُلْكِ آيَةً فَلَا يَظْهَرُ بَادِي الرَّأْيِ كَمَا يَظْهَرُ كَوْنُهَا رَحْمَةً مِنْ قَوْلِهِ: (بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) أَيْ: فِي أَسْفَارِهِمْ وَتِجَارَاتِهِمْ، وَمَا يُعْرَفُ فِي هَذَا الْعَصْرِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالِاخْتِبَارِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ يُعْرَفُ فِي الْعُصُورِ السَّالِفَةِ ; إِذْ كَانَتِ الْفُلْكُ كُلُّهَا شِرَاعِيَّةً فَلَمْ يَكُنِ
الْبُخَارُ يُسَيِّرُ أَمْثَالَ هَذِهِ الْبَوَاخِرِ وَالْبَوَارِجِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَحْكِي مُدُنًا كَبِيرَةً فِيهَا جَمِيعُ الْمَرَافِقِ
стр. 450
الَّتِي يَتَمَتَّعُ بِهَا الْمُتْرَفُونَ وَالْمُلُوكُ فِي الْبَرِّ مِنَ الْأَرَائِكِ وَالسُّرُرِ وَالْحَمَّامَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ قِلَاعًا وَحُصُونًا فِيهَا أَقْتَلُ آلَاتِ الْحَرْبِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ رَحْمَةِ الْإِلَهِ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَهَدَى إِلَيْهَا الْإِنْسَانَ، فَلَا بُدَّ لِفَهْمِ كَوْنِهَا آيَةً عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ مِنْ فَهْمِ طَبِيعَةِ الْمَاءِ وَطَبِيعَةِ قَانُونِ الثِّقَلِ فِي الْأَجْسَامِ وَطَبِيعَةِ الْهَوَاءِ وَالرِّيحِ، وَزِدْ عَلَى ذَلِكَ مَعْرِفَةَ طَبِيعَةِ الْبُخَارِ وَالْكَهْرَبَاءِ الَّتِي هِيَ الْعُمْدَةُ فِي سَيْرِ الْفُلْكِ الْكُبْرَى فِي زَمَانِنَا، فَكُلُّ ذَلِكَ يَجْرِي عَلَى سُنَنٍ إِلَهِيَّةٍ مُطَّرِدَةٍ مُنْتَظِمَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا صَادِرَةٌ عَنْ قُوَّةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ مَصْدَرُ الْإِبْدَاعِ وَالنِّظَامِ وَهِيَ قُوَّةُ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ الْحَكِيمِ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
الْجِنْسُ الْخَامِسُ قَوْلُهُ: (وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ) الْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ هُنَا: جِهَةُ الْعُلُوِّ أَوِ السَّحَابُ لَا مَا قَالَهُ الْمَخْذُولُونَ الَّذِينَ تَجَرَّءُوا عَلَى الْكَذِبِ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَزَعَمُوا أَنَّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بَحْرًا، قَالُوا: إِنَّهُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ وَإِنَّ الْمَطَرَ يَنْزِلُ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فِي تَفْصِيلٍ اخْتَرَعُوهُ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهِ مِنْ سُلْطَانٍ، وَتَبِعَهُمْ فِيهِ أَسْرَى النَّقْلِ وَلَوْ خَالَفَ الْحِسَّ وَالْبُرْهَانَ، وَنُزُولُ الْمَطَرِ مِنَ الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ وَلَا نَظَرِ عَقْلٍ، وَقَدْ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ تَكْوِينِهِ وَنُزُولِهِ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي الْكَائِنَاتِ، وَوَصَفُوا بِالتَّدْقِيقِ الْآيَاتِ الْمُشَاهَدَاتِ، وَلَمْ يَخْرُجْ شَرْحُهُمُ الطَّوِيلُ عَنِ الْكَلِمَةِ الْوَجِيزَةِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الْمَطَرُ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) (٣٠: ٤٨) فَحَرَارَةُ الْهَوَاءِ هِيَ الَّتِي تُبَخِّرُ الْمِيَاهَ وَالرُّطُوبَاتِ وَتُثِيرُهَا الرِّيَاحُ فِي الْجَوِّ حَتَّى تَتَكَاثَفَ بِبُرُودَتِهَا وَتَكُونَ كِسَفًا مِنَ السَّحَابِ يَتَحَلَّلُ مِنْهُ الْمَاءُ وَيَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيَنْزِلُ بِثِقَلِهِ إِلَى الْأَرْضِ، كَثِيرًا مَا شَاهَدْنَا فِي جِبَالِ سُورِيَةَ كَمَا يُشَاهِدُ النَّاسُ فِي غَيْرِهَا أَنْ يَنْعَقِدَ السَّحَابُ فِي أَثْنَاءِ الْجَبَلِ وَيَنْزِلُ مِنْهُ الْمَطَرُ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فَوْقَهُ حَيْثُ لَا مَطَرَ، وَقَدْ يَخْتَرِقُ النَّاسُ مِنْطَقَةَ الْمَطَرِ إِلَى مَا فَوْقَهَا.
وَقَدْ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الْجِنْسَ مِنْ آيَاتِهِ بِأَعْظَمِ آثَارِهِ فَقَالَ: (فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) أَيْ: أَوْجَدَ بِسَبَبِهِ الْحَيَاةَ فِي الْأَرْضِ الْمَيِّتَةِ بِخُلُوِّهَا مِنْ صِفَاتِ الْإِحْيَاءِ كَالنُّمُوِّ وَالتَّغَذِّي وَالنِّتَاجِ، وَبَثَّ: أَيْ نَشَرَ وَفَرَّقَ فِي أَرْجَائِهَا مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْأَحْيَاءِ الَّتِي تَدُبُّ عَلَيْهَا وَهِيَ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، فَبِالْمَاءِ حَدَثَتْ حَيَاةُ الْأَرْضِ بِالنَّبَاتِ وَبِهِ اسْتَعَدَّتْ لِظُهُورِ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ فِيهَا. وَهَلِ الْمُرَادُ الْإِحْيَاءُ الْأَوَّلُ وَمَا تَلَاهُ مِنْ تَوَلُّدِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِكُلِّ دَابَّةٍ أَوْ هُوَ مَا يُشَاهَدُ مِنْ آحَادِ الْأَحْيَاءِ الَّتِي تَتَوَلَّدُ دَائِمًا فِي جَمِيعِ بِقَاعِ
стр. 451
الْأَرْضِ؟ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ الْإِحْيَاءُ الْأَوَّلُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) (٢١: ٣٠) فَهُوَ يَذْكُرُ جَعْلَ كُلِّ شَيْءٍ حَيًّا بِالْمَاءِ فِي إِثْرِ ذِكْرِ انْفِصَالِ الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَجْمُوعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَانَ رَتْقًا ; أَيْ: مَادَّةً وَاحِدَةً مُتَّصِلًا بَعْضُ أَجْزَائِهَا بِبَعْضٍ عَلَى كَوْنِهِ ذَرَّاتٍ غَازِيَّةً كَالدُّخَانِ كَمَا قَالَ فِي آيَةِ التَّكْوِينَ: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) (٤١: ١١) وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْفَتْقُ فِي الْأَجْرَامِ انْفَصَلَ جِرْمُ الْأَرْضِ عَنْ جِرْمِ الشَّمْسِ، وَصَارَتِ الْأَرْضُ قِطْعَةً مُسْتَقِلَّةً مَائِرَةً مُلْتَهِبَةً، وَكَانَتْ مَادَّةُ الْمَاءِ - وَهِيَ مَا يُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ التَّحْلِيلِ وَالتَّرْكِيبِ (عِلْمَ الْكِيمْيَاءِ) بِالْأُكْسُجِينِ وَالْهِدْرُوجِينِ - تَتَبَخَّرُ مِنَ الْأَرْضِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحَرَارَةِ فَتُلَاقِي فِي الْجَوِّ بُرُودَةً تَجْعَلُهَا مَاءً فَيَنْزِلُ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا وَصَفْنَا آنِفًا فَيَبْرُدُ مِنْ حَرَارَتِهَا، وَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى صَارَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَاءً، وَتَكَوَّنَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَابِسَةُ فِيهِ وَخَرَجَ النَّبَاتُ وَالْحَيَوَانُ وَكُلُّ شَيْءٍ حَيٍّ مِنَ الْمَاءِ، فَهَذَا هُوَ الْإِحْيَاءُ الْأَوَّلُ.
وَأَمَّا الْإِحْيَاءُ الْمُسْتَمِرُّ الْمُشَاهَدُ فِي كُلِّ بِقَاعِ الْأَرْضِ دَائِمًا فَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (٢٢: ٥) وَذَلِكَ أَنَّنَا نَرَى كُلَّ أَرْضٍ لَا يَنْزِلُ فِيهَا الْمَطَرُ وَلَا تَجْرِي فِيهَا الْمِيَاهُ مِنَ الْأَرَاضِي الْمَمْطُورَةِ لَا فِي ظَاهِرِهَا وَلَا فِي بَاطِنِهَا خَالِيَةً مِنَ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ إِلَّا أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ أَرْضٍ مُجَاوِرَةٍ لَهَا ثُمَّ يَعُودُ مِنْهَا، فَحَيَاةُ الْأَحْيَاءِ فِي الْأَرْضِ إِنَّمَا هِيَ بِالْمَاءِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْإِحْيَاءُ الْأَوَّلُ عِنْدَ تَكْوِينِ الْعَوَالِمِ الْحَيَّةِ وَإِيجَادِ أَصُولِ الْأَنْوَاعِ، وَالْإِحْيَاءُ الْمُتَجَدِّدُ فِي أَشْخَاصِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ وَجُزْئِيَّاتِهَا الَّتِي تَتَوَلَّدُ وَتُنَمَّى كُلَّ يَوْمٍ.
وَهَذِهِ الْمِيَاهُ الَّتِي يَتَغَذَّى بِهَا النَّبَاتُ وَالْحَيَوَانُ عَلَى سَطْحِ هَذِهِ الْيَابِسَةِ كُلِّهَا مِنَ الْمَطَرِ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَرْضُ مِصْرَ، فَيُقَالُ: إِنْ حَيَاتَهَا بِمَاءِ النِّيلِ دُونَ الْمَطَرِ ; فَإِنَّ مِيَاهَ الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ الَّتِي تَنْبُعُ مِنَ الْأَرْضِ كُلَّهَا مِنَ الْمَطَرِ ; فَهُوَ يَتَخَلَّلُ الْأَرْضَ فَيَجْتَمِعُ فَيَنْدَفِعُ، وَقَدِ امْتَنَّ اللهُ تَعَالَى بِذَلِكَ عَلَيْنَا وَأَرْشَدَنَا إِلَى آيَتِهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) (٣٩: ٢١) الْآيَةَ. فَالْبُحَيْرَاتُ الَّتِي هِيَ يَنَابِيعُ النِّيلِ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ وَالزِّيَادَةُ الَّتِي تَكُونُ فِيهِ أَيَّامَ الْفَيَضَانِ هِيَ مِنَ الْمَطَرِ الَّذِي يَمُدُّ هَذِهِ الْيَنَابِيعَ وَيَمُدُّ النَّهْرَ نَفْسَهُ فِي مَجْرَاهُ مِنْ بِلَادِ السُّودَانِ، وَكَثْرَةُ الْفَيَضَانِ وَقِلَّتُهُ تَابِعَةٌ لِكَثْرَةِ الْمَطَرِ السَّنَوِيِّ وَقِلَّتِهِ هُنَاكَ.
هَذَا هُوَ الْمَاءُ فِي كَوْنِهِ مَطَرًا وَفِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْحَيَاةِ وَهُوَ آيَةٌ فِي كَيْفِيَّةِ وُجُودِهِ وَتَكَوُّنِهِ ; فَإِنَّهُ يَجْرِي فِي ذَلِكَ عَلَى سُنَّةٍ إِلَهِيَّةٍ حَكِيمَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْوَحْدَةِ وَالرَّحْمَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ آيَةٌ فِي تَأْثِيرِهِ
стр. 452
فِي الْعَوَالِمِ الْحَيَّةِ أَيْضًا، فَإِنَّ هَذَا النَّبَاتَ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ هُوَ مَصْدَرُ حَيَاتِهِ، ثُمَّ هُوَ مُخْتَلِفٌ فِي أَلْوَانِهِ وَطُعُومِهِ وَرَوَائِحِهِ، فَتَجِدُ فِي الْأَرْضِ الْوَاحِدَةِ نَبْتَةَ الْحَنْظَلِ مَعَ نَبْتَةِ الْبِطِّيخِ مُتَشَابِهَتَيْنِ فِي الصُّورَةِ مُتَضَادَّتَيْنِ فِي الطَّعْمِ، وَتَجِدُ النَّخْلَةَ وَتَمْرَهَا مَا تَذُوقُ حَلَاوَةً وَلَذَّةً، وَتَجِدُ فِي جَانِبِهَا شَجَرَةَ اللَّيْمُونِ الْحَامِضِ وَالنَّارِنْجِ وَثَمَرَهَا مَا تَعْرِفُ حُمُوضَةً وَمُلُوحَةً، وَتَجِدُ بِالْقُرْبِ مِنْهُمَا شَجَرَةَ الْوَرْدِ لَهَا مِنَ الرَّائِحَةِ مَا لَيْسَ لِلنَّخْلَةِ وَمَا يُخَالِفُ فِي أَرِيجِهِ زَهْرَ النَّارِنْجِ، بَلْ يُوجَدُ فِي الشَّجَرِ مَا لَهُ زَهْرٌ ذَكِيُّ الرَّائِحَةِ ; فَإِذَا قَطَعْتَ الْغُصْنَ الَّذِي فِيهِ هَذَا الزَّهْرَ تَنْبَعِثُ مِنْهُ رَائِحَةٌ خَبِيثَةٌ ; فَتِلْكَ السُّنَنُ - الَّتِي يَتَكَوَّنُ بِهَا الْمَطَرُ وَيَنْزِلُ - جَارِيَةٌ بِنِظَامٍ وَاحِدٍ دَقِيقٍ، وَكَذَلِكَ طُرُقُ تَغَذِّي النَّبَاتِ بِالْمَاءِ هِيَ جَارِيَةٌ بِنِظَامٍ وَاحِدٍ، فَوَحْدَةُ النِّظَامِ وَعَدَمُ الْخَلَلِ فِيهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَصْدَرَهُ وَاحِدٌ، فَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يَدُلُّ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ الْكَامِلَةِ، وَمِنْ جِهَةِ مَا لِلْخَلْقِ فِيهِ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَرَافِقِ يَدُلُّ عَلَى الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ الشَّامِلَةِ، وَقُلْ مِثْلَ هَذَا فِيمَا بَثَّ اللهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ، فَإِنَّهَا آيَاتٌ عَلَى الْوَحْدَةِ وَدَلَائِلُ وُجُودِيَّةٌ عَلَى عُمُومِ الرَّحْمَةِ.
الْجِنْسُ السَّادِسُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) ذَكَرَ آيَةَ الرِّيَاحِ بَعْدَ آيَةِ الْمَطَرِ لِلتَّنَاسُبِ بَيْنَهُمَا وَتَذْكِيرًا بِالسَّبَبِ، فَإِنَّ الرِّيَاحَ هِيَ الَّتِي تُثِيرُ السَّحَابَ
وَتَسُوقُهُ فِي الْجَوِّ إِلَى حَيْثُ يَتَحَلَّلُ بُخَارُهُ فَيَكُونُ مَطَرًا كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي آيَةِ (اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) (٣٠: ٤٨) وَتَصْرِيفُ الرِّيَاحِ وَتَدْبِيرُهَا وَتَوْجِيهُهَا عَلَى حَسَبِ الْإِرَادَةِ وَوَفْقَ الْحِكْمَةِ وَالنِّظَامِ، فَهِيَ تَهُبُّ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ إِحْدَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ وَتَارَةً تَأْتِي نَكْبَاءَ بَيْنَ بَيْنَ، وَقَدْ تَكُونُ مُتَنَاوِحَةً ; أَيْ: تَهُبُّ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَمِنْهَا الْعَقِيمُ، وَمِنْهَا الْمُلَقِّحَةُ لِلنَّبَاتِ وَلِلسَّحَابِ، وَإِذَا هَبَّتْ حَارَّةً فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ وَالْأَوْقَاتِ فَهِيَ تَهُبُ عَقِبَ ذَلِكَ لَطِيفَةَ الْحَرَارَةِ أَوْ بَارِدَةً، وَكُلُّ ذَلِكَ يَجْرِي عَلَى سُنَّةٍ حَكِيمَةٍ تَدُلُّ عَلَى وَحْدَةِ مَصْدَرِهَا، وَرَحْمَةِ مُدَبِّرِهَا.
الْجِنْسُ السَّابِعُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أَيِ: الْغَيْمِ الْمُذَلَّلِ الْمَسْحُوبِ فِي الْجِوَاءِ لِإِنْزَالِ الْمَطَرِ فِي الْبِلَادِ الْمُخْتَلِفَةِ. ذَكَرَ السَّحَابَ هُنَا بَعْدَ ذِكْرِ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ; لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُثِيرُهُ وَتَجْمَعُهُ، وَهِيَ الَّتِي تَسُوقُهُ إِلَى حَيْثُ يُمْطِرُ وَتُفَرِّقُ شَمْلَهُ أَحْيَانًا فَيَمْتَنِعُ الْمَطَرُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَاءِ مَعَ أَنَّهُ سَبَبُهُ الْمُبَاشِرُ لِيُرْشِدَنَا إِلَى أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ آيَةٌ ; فَإِنَّهُ يَتَكَوَّنُ بِنِظَامٍ وَيَعْتَرِضُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِنِظَامٍ، فَهُوَ فِي ظَاهِرِهِ آيَةٌ تُدْهِشُ النَّاظِرَ الْجَاهِلَ بِالسَّبَبِ لَوْ لَمْ يَأْلَفْ ذَلِكَ وَيَأْنَسْ بِهِ، وَإِنَّمَا يَعْرِفُهَا حَقَّ مَعْرِفَتِهَا مَنْ وَقَفَ عَلَى السُّنَنِ الْإِلَهِيَّةِ فِي اجْتِمَاعِ الْأَجْسَامِ اللَّطِيفَةِ وَافْتِرَاقِهَا وَعُلُوِّهَا وَهُبُوطِهَا، وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ عُلَمَاءُ هَذَا الشَّأْنِ بِالْجَاذِبِيَّةِ وَهِيَ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا جَاذِبِيَّةُ الثِّقَلِ، وَالْجَاذِبِيَّةُ الْعَامَّةُ، وَجَاذِبِيَّةُ الْمُلَاصَقَةُ وَغَيْرُهَا، وَمَنْ لَا يَعْرِفُ أَسْرَارَ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى ظَوَاهِرِهَا فَيَرَاهَا كَمَا تَرَاهَا الْعَجْمَاوَاتُ
стр. 453
فَهُوَ لَا يَفْهَمُ مَعْنَى كَوْنِهَا آيَاتٍ ; لِأَنَّهُ أَهْمَلَ آلَةَ الْفَهْمِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا وَهِيَ الْعَقْلُ ; وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ كُلِّهَا أَنَّ فِيهَا (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ فِي أَسْبَابِهَا، وَيُدْرِكُونَ حِكَمَهَا وَأَسْرَارَهَا، وَيُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَنَافِعِهَا وَمَضَارِّهَا، وَيَسْتَدِلُّونَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْإِتْقَانِ وَالْإِحْكَامِ، وَالسُّنَنِ الَّتِي قَامَ بِهَا النِّظَامُ، عَلَى قُدْرَةِ مُبْدِعِهَا وَحِكَمْتِهِ، وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَعَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ بَرِيَّتِهِ، وَبِقَدْرِ ارْتِقَاءِ الْعَقْلِ فِي الْعِلْمِ وَالْعِرْفَانِ يَكْمُلُ التَّوْحِيدُ فِي الْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا يُشْرِكُ بِاللهِ أَقَلُّ النَّاسِ عَقْلًا وَأَكْثَرُهُمْ جَهْلًا.
أَلَيْسَ أَكْبَرُ خُذْلَانٍ لِلدِّينِ وَجِنَايَةٍ عَلَيْهِ أَلَّا يَنْظُرَ الْمُنْتَسِبُونَ إِلَيْهِ فِي آيَاتِهِ
الَّتِي يُوَجِّهُهُمْ كِتَابُهُ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا، وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى اسْتِخْرَاجِ الْعِبَرِ مِنْهَا؟ أَلَيْسَ مِنْ أَشَدِّ الْمَصَائِبِ عَلَى الْمِلَّةِ أَنْ يَهْجُرَ رُؤَسَاءُ دِينٍ كَهَذَا الدِّينِ الْعُلُومَ الَّتِي تَشْرَحُ حِكَمَ اللهِ وَآيَاتِهِ فِي خَلْقِهِ وَيَعُدُّوهَا مُضْعِفَةً لِلدِّينِ أَوْ مَاحِيَةً لَهُ خِلَافًا لِكِتَابِ اللهِ الَّذِي يَسْتَدِلُّ لَهُمْ بِهَا وَيُعَظِّمُ شَأْنَ النَّظَرِ فِيهَا؟ بَلَى ; وَإِنَّهُمْ لَيُصِرُّونَ عَلَى تَقَالِيدِهِمْ هَذِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهَا حُجَّةٌ وَإِنَّمَا اتَّبَعُوا فِيهَا سَنَنَ قَوْمٍ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ، وَكَانَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُ كَلِمَةً فِي أَهْلِ دِينِهِ الَّذِينَ خَذَلُوهُ: هَكَذَا شَأْنُ أَهْلِ الْأَدْيَانِ كَافَّةً، كَأَنَّهُمْ تَعَاهَدُوا جَمِيعًا عَلَى أَنْ يَكُونَ سَيْرُهُمْ وَاحِدًا. وَهَذَا الْمَعْنَى مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى فِي الْكَافِرِينَ يُنْفِقُونَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ عَلَى الطَّعْنِ فِي نَبِيِّهَا: (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (٥١: ٥٣) .
وَقَدْ يَزْعُمُ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُعَادُونَ عِلْمَ الْكَوْنِ بِاسْمِ الدِّينِ أَنَّ النَّظَرَ فِي ظَوَاهِرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَافٍ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَا وَمَعْرِفَةِ آيَاتِ صَانِعِهَا وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ. فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ مَنْ يَكْتَفِي مِنَ الْكِتَابِ بِرُؤْيَةِ جِلْدِهِ الظَّاهِرِ وَشَكْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ مَا أُودِعَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ. نَعَمْ ; إِنَّ هَذَا الْكَوْنَ هُوَ كِتَابُ الْإِبْدَاعِ الْإِلَهِيِّ الْمُفْصِحُ عَنْ وُجُودِ اللهِ وَكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ وَجَمَالِهِ، وَإِلَى هَذَا الْكِتَابِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (١٨: ١٠٩) وَبِقَوْلِهِ: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٍ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ) (٣١: ٢٧) فَكَلِمَاتُ اللهِ فِي التَّكْوِينِ بِاعْتِبَارِ آثَارِهَا وَمِصْدَاقِهَا هِيَ آحَادُ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْمُبْدَعَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَنْطِقُ بِلِسَانٍ أَفْصَحَ مِنْ لِسَانِ الْمَقَالِ، لَكِنْ لَا يَفْهَمُهُ الَّذِينَ هُمْ عَنِ السَّمْعِ مَعْزُولُونَ وَلِلْعِلْمِ مُعَادُونَ، الْوَاهِمُونَ أَنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ تُقْتَبَسُ مِنَ الْجَدَلِيَّاتِ النَّظَرِيَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ دُونَ الدَّلَائِلِ الْوُجُودِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ زَعْمُهُمْ حَقِيقَةً لَا وَهْمًا لَكَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ اسْتَدَلَّ فِي كِتَابِهِ بِالْأَدِلَّةِ النَّظَرِيَّةِ الْفِكْرِيَّةِ، وَذَكَرَ الدَّوَرَ وَالتَّسَلْسُلَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الِاصْطِلَاحَاتِ الْكَلَامِيَّةِ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ بِالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ وَالْمَطَرِ وَتَأْثِيرِهِ فِي الْحَيَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي أَرْشَدَنَا الْقُرْآنُ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا، وَاسْتِخْرَاجِ الدَّلَائِلِ وَالْعِبَرِ مِنْهَا.
стр. 454
أَلَا إِنَّ لِلَّهَ كِتَابَيْنِ: كِتَابًا مَخْلُوقًا وَهُوَ الْكَوْنُ، وَكِتَابًا مُنَزَّلًا وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَإِنَّمَا يُرْشِدُنَا هَذَا إِلَى طُرُقِ الْعِلْمِ بِذَاكَ بِمَا أُوتِينَا مِنَ الْعَقْلِ، فَمَنْ أَطَاعَ فَهُوَ مِنَ الْفَائِزِينَ، وَمَنْ أَعْرَضَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)
هَذِهِ الْآيَاتُ مُبَيِّنَةٌ لِحَالِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ تِلْكَ الْآيَاتِ الَّتِي أَقَامَتْهَا الْآيَةُ السَّابِقَةُ عَلَى تَوْحِيدِ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ ; وَلِذَلِكَ جَعَلُوا بِهِ أَنْدَادًا يَلْتَمِسُونَ مِنْهُمُ الْخَيْرَ وَالرَّحْمَةَ، وَيَدْفَعُونَ بِبَرَكَتِهِمُ الْبَلَاءَ وَالنِّقْمَةَ، وَيَأْخُذُونَ عَنْهُمُ الدِّينَ وَالشِّرْعَةَ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ النِّدَّ هُوَ الْمُمَاثِلُ، وَزَادَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ فِيهِ قَيْدًا فَقَالَ: إِنَّهُ الْمُمَاثِلُ الَّذِي يُعَارِضُ مِثْلَهُ وَيُقَاوِمُهُ، وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُمَاثِلُونَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَسُلْطَانِهِ يُعَارِضُونَهُ فِي الْخَلْقِ وَيُقَاوِمُونَهُ فِي التَّدْبِيرِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ قَصَّ عَلَيْنَا خَبَرَ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ صَرِيحَةٍ فِي أَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الَّذِي يُفْهَمُ أَوْ يُتَوَهَّمُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُفَسِّرِينَ ; بَلْ يَعْتَقِدُونَ - غَالِبًا - أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ، وَأَنَّ الْأَنْدَادَ وُسَطَاءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ يُقَرِّبُونَهُمْ إِلَيْهِ، وَيَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَهُ، وَيَقْضُونَ حَاجَاتِهِمْ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ أَوْ يَقْضِيهَا هُوَ لِأَجْلِهِمْ. وَيَحْتَجُّونَ لِهَذِهِ الْعَقِيدَةِ بِأَنَّ الْمُذْنِبِينَ الْمُقَصِّرِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْوُصُولَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ تَعَالَى كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنَ الرَّعَايَا الضُّعَفَاءِ مَعَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، وَالْوَثَنِيُّونَ يَقِيسُونَ اللهَ تَعَالَى عَلَى مَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَعُظَمَاءِ الْخَلْقِ، وَلَا سِيَّمَا الْمُسْتَبِدِّينَ مِنْهُمُ الَّذِينَ اسْتَعْبَدُوا النَّاسَ اسْتِعْبَادًا بَلْ تَعَبَّدُوهُمْ
стр. 455
فَعَبَدُوهُمْ، فَالْآيَاتُ النَّاطِقَةُ بِأَنَّهُمْ إِذَا سُئِلُوا: مَنْ خَلَقَ
كَذَا وَكَذَا؟ يَقُولُونَ: اللهُ، كَثِيرَةٌ، وَقَالَ فِيهِمْ مَعَ ذَلِكَ: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ) (١٠: ١٨) وَقَالَ أَيْضًا: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفًى) (٣٩: ٣) أَيْ: يَقُولُونَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَخْ.
وَالْأَنْدَادُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ أَعَمُّ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، فَيَشْمَلُ الرُّؤَسَاءَ الَّذِينَ خَضَعَ لَهُمْ بَعْضُ النَّاسِ خُضُوعًا دِينِيًّا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَاتُ الْآتِيَةُ: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) إِلَخْ. فَالْمُرَادُ إِذًا مِنَ النِّدِّ مَنْ يُطْلَبُ مِنْهُ مَا لَا يُطْلَبُ إِلَّا مِنَ اللهِ ، أَوْ يُؤْخَذُ عَنْهُ مَا لَا يُؤْخَذُ إِلَّا عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَبَيَانُ الْأَوَّلِ - عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِرَارًا - أَنَّ لِلْأَسْبَابِ مُسَبِّبَاتٍ لَا تَعْدُوهَا بِحِكْمَةِ اللهِ فِي نِظَامِ الْخَلْقِ، وَأَنَّ لِلَّهَ تَعَالَى أَفْعَالًا خَاصَّةً بِهِ، فَطَلَبُ الْمُسَبِّبَاتِ مِنْ أَسْبَابِهَا لَيْسَ مِنِ اتِّخَاذِ الْأَنْدَادِ فِي شَيْءٍ، وَأَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا تَخْفَى عَلَيْنَا أَسْبَابُهَا، وَيَعْمَى عَلَيْنَا طَرِيقُ طِلَابِهَا، فَيَجِبُ عَلَيْنَا بِإِرْشَادِ الدِّينِ وَالْفِطْرَةِ أَنْ نَلْجَأَ فِيهَا إِلَى ذِي الْقُوَّةِ الْغَيْبِيَّةِ وَنَطْلُبُهَا مِنْ مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ لَعَلَّهُ بِعِنَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ يَهْدِينَا إِلَى طَرِيقِهَا أَوْ يُبْدِلُنَا خَيْرًا مِنْهَا، وَيَجِبُ مَعَ هَذَا بَذْلُ الْجُهْدِ وَالطَّاقَةِ فِي الْعَمَلِ بِمَا نَسْتَطِيعُ مِنَ الْأَسْبَابِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْإِمْكَانِ شَيْءٌ مَعَ اعْتِقَادِنَا بِأَنَّ الْأَسْبَابَ كُلَّهَا مِنْ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَرَحْمَتِهِ بِنَا ; إِذْ هُوَ الَّذِي جَعَلَهَا طُرُقًا لِلْمَقَاصِدِ، وَهَدَانَا إِلَيْهَا بِمَا وَهَبَنَا مِنَ الْعَقْلِ وَالْمَشَاعِرِ.
لَا يَسْمَحُ الدِّينُ لِلنَّاسِ بِأَنْ يَتْرُكُوا الْحَرْثَ وَالزَّرْعَ وَيَدْعُوا اللهَ تَعَالَى أَنْ يُخْرِجَ لَهُمُ الْحَبَّ مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ عَمَلِ مِنْهُمْ أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (٥٦: ٦٤) وَإِنَّمَا يَهْدِيهِمْ إِلَى الْقِيَامِ بِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ الْمُمْكِنَةِ لِإِنْجَاحِ الزِّرَاعَةِ مِنَ الْحَرْثِ وَالتَّسْمِيدِ وَالْبَذْرِ وَالسَّقْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ يَتَّكِلُوا عَلَى اللهِ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ وَلَمْ يَهْدِهِمْ لِسَبَبِهِ بِكَسْبِهِمْ كَإِنْزَالِ الْأَمْطَارِ، وَإِفَاضَةِ الْأَنْهَارِ، وَدَفْعِ الْجَوَائِحِ، فَإِنِ اسْتَطَاعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَطْلُبُوهُ بِعَمَلِهِمْ لَا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، مَعَ شُكْرِ اللهِ تَعَالَى عَلَى هِدَايَتِهِمْ إِلَيْهِ وَإِقْدَارِهِمْ عَلَيْهِ.
كَذَلِكَ يَحْظُرُ الدِّينُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْفِرُوا إِلَى الْحَرْبِ وَالْمُدَافَعَةِ عَنِ الْمِلَّةِ وَالْبِلَادِ عُزَّلًا، أَوْ حَامِلِي دُونَ سِلَاحِ الْعَدُوِّ الْمُعْتَدِي عَلَيْهِمُ اتِّكَالًا عَلَى اللهِ تَعَالَى وَاعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ النَّصْرَ بِيَدِهِ ; بَلْ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يُعِدُّوا لِلْأَعْدَاءِ مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قُوَّةٍ،
وَيَتَّكِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْهُجُومِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى عِنَايَةِ اللهِ تَعَالَى بِتَثْبِيتِ الْقُلُوبِ وَالْأَقْدَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضُرُوبِ التَّوْفِيقِ وَالْإِلْهَامِ، فَمَنْ قَصَّرَ فِي اتِّخَاذِ الْأَسْبَابِ اعْتِمَادًا عَلَى اللهِ فَهُوَ جَاهِلٌ بِاللهِ، وَمَنِ الْتَجَأَ إِلَى مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ مِنْ دُونِ اللهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ بِاللهِ.
وَهَذَا الَّذِي يُلْجَأُ إِلَيْهِ - مِنْ إِنْسَانٍ مُكَرَّمٍ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، أَوْ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ
стр. 456
الْمُقَرَّبِينَ، أَوْ مَا دُونُ ذَلِكَ مِنْ مَظَاهِرِ الْخَلِيقَةِ، أَوْ صَنَمٍ أَوْ تِمْثَالٍ جُعِلَ تِذْكَارًا لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ - يُسَمَّى نِدًّا لِلَّهِ وَشَرِيكًا لَهُ وَوَلِيًّا مِنْ دُونِهِ، وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي سَمَّاهَا الْمُشْرِكُونَ وَلَمْ يُنْزِلِ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: قَسَّمَ الْمُفَسِّرُونَ الْأَنْدَادَ إِلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٍ يَعْمَلُ بِالِاسْتِقْلَالِ ; أَيْ: يَقْضِي حَاجَةَ مَنْ يَلْجَأُ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وَقِسْمٍ يَشْفَعُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى وَيَتَوَسَّطُ لِصَاحِبِ الْحَاجَةِ فَتُقْضَى، وَإِنَّمَا كَانَ الشَّفِيعُ نِدَّا ; لِأَنَّهُ يَسْتَنْزِلُ مَنْ يَشْفَعُ عِنْدَهُ عَنْ رَأْيِهِ وَيُحَوِّلُ مِنْ إِرَادَتِهِ، وَتَحْوِيلُ الْإِرَادَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِتَغْيِيرِ الْعِلْمِ بِالْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ ; إِذِ الْإِرَادَةُ تَابِعَةٌ لِلْعِلْمِ دَائِمًا، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعْنَى الشَّفَاعَةِ عِنْدَ السَّلَاطِينِ وَالْحُكَّامِ وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى. وَأَقَلُّ تَغْيِيرٍ فِي عِلْمِ الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ هُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الشَّفِيعَ يَهُمُّهُ أَمْرُ مَنْ يَشْفَعُ لَهُ وَيَتَمَنَّى لَوْ تُقْضَى حَاجَتُهُ (وَسَتَرَى بَيَانَ هَذَا وَدَلِيلُهُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ) .
وَلَا يَرْغَبُ عَنِ الْأَسْبَابِ إِلَى التَّعَلُّقِ بِالْأَنْدَادِ وَالشُّفَعَاءِ إِلَّا مَنْ كَانَ قَلِيلَ الثِّقَةِ بِالسَّبَبِ أَوْ طَالِبًا مَا هُوَ أَعْجَلُ مِنْهُ، كَالْمَرِيضِ يُعَالِجُهُ الْأَطِبَّاءُ فَيَتَرَاءَى لَهُ أَوْ لِأَحَدِ أَقَارِبِهِ أَنْ يَلْجَأَ إِلَى مَنْ يَعْتَقِدُ تَأْثِيرَهُمْ فِي السُّلْطَةِ الْغَيْبِيَّةِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْأَسْبَابِ طَلَبَا لِلتَّعْجِيلِ بِالشِّفَاءِ، وَمِثْلُهُ سَائِرُ أَصْحَابِ الْحَاجَاتِ الَّذِينَ يَلْجَئُونَ إِلَى مَنِ اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ لِيَكْفُوهُمْ عَنَاءَ اتِّخَاذِ الْأَسْبَابِ (وَذَكَرَ مِنْهُمْ طُلَّابَ خِدْمَةِ الْحُكُومَةِ) .
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْآخَرُ مِنَ الْأَنْدَادِ فَهُوَ: مَنْ يُتَّبَعُ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُبَيِّنًا لِلنَّاسِ مَا جَاءَ عَنِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، فَيُعْمَلُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ دَلِيلُهُ، وَيُتَّخَذُ رَأْيُهُ دِينًا وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا جَاءَ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ ; اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْوَحْيِ مِمَّنْ قَلَّدُوهُ دِينَهُمْ، وَأَوْسَعُ مِنْهُمْ فَهْمًا فِيمَا نَزَّلَ اللهُ. وَفِي هَؤُلَاءِ نَزَلَ قَوْلُهُ
تَعَالَى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) (٩: ٣١) كَمَا وَرَدَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
قَدْ عَظُمَتْ فِتْنَةُ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ بِهِمْ حَتَّى كَانَ حُبُّهُمْ إِيَّاهُمْ مِنْ نَوْعِ حُبِّهِمْ لِلَّهِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ) أَيْ: يَجْعَلُونَ مِنْ بَعْضِ خَلْقِ اللهِ نُظَرَاءَ لَهُ فِيمَا هُوَ خَاصٌّ بِهِ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ ; ذَلِكَ أَنَّ الْحُبَّ ضُرُوبٌ شَتَّى تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا وَعِلَلِهَا، وَكُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْأُنْسِ بِالْمَحْبُوبِ أَوِ الرُّكُونِ وَالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَقَدْ يُحِبُّ الْإِنْسَانُ شَخْصًا لِأَنَّهُ يَأْنَسُ بِهِ وَيَرْتَاحُ إِلَى لِقَائِهِ لِمُشَاكَلَةٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا مُشَاكَلَةَ بَيْنَ اللهِ تَعَالَى وَبَيْنَ النَّاسِ فَيَظْهَرُ فِيهِمْ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْحُبِّ.
وَمِنْ أَسْبَابِ الْحُبِّ اعْتِقَادُ الْمُحِبِّ أَنَّ فِي الْمَحْبُوبِ قُدْرَةً فَوْقَ قُدْرَتِهِ، وَنُفُوذًا يَعْلُو نُفُوذَهُ، مَعَ ثِقَتِهِ بِأَنَّهُ يَهْتَمُّ لِأَمْرِهِ وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ اللُّجْأُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى
стр. 457
مَا لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهِ بِدُونِهِ. فَهَذَا الِاعْتِقَادُ يُحْدِثُ انْجِذَابًا مِنَ الْمُعْتَقِدِ يَصْحَبُهُ شُعُورٌ خَفِيٌّ بِأَنَّ لَهُ قُوَّةً عَالِيَةً مُسْتَمَدَّةً مِمَّنْ يُحِبُّ، وَيَعْظُمُ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْحُبِّ بِمِقْدَارِ مَا يَعْتَقِدُ فِي الْمَحْبُوبِ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْمَزَايَا الَّتِي بِهَا كَانَ مَصْدَرَ الْمَنَافِعِ وَرُكْنَ اللَّاجِئِ، وَكُلُّ مَا لِلْمَخْلُوقِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي دَائِرَةِ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ وَالْأَعْمَالِ الْكَسْبِيَّةِ.
وَأَمَّا قُوَّةُ الْخَالِقِ وَقُدْرَتُهُ وَمَا يَعْتَقِدُهُ الْمُؤْمِنُونَ فِيهِ مِنَ الرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ، وَالصِّفَاتِ الْكَامِلَةِ، وَالْمَشِيئَةِ النَّافِذَةِ، وَالتَّصَرُّفِ الْمُطْلَقِ فِي تَسْخِيرِ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ، وَالسُّلْطَانِ الْمُطَاعِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، فَذَلِكَ مِمَّا يَجْعَلُ حُبَّهُ تَعَالَى أَعْلَى مِنْ كُلِّ مَا يُحَبُّ لِلرَّجَاءِ فِيهِ وَانْتِظَارِ الِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحُبُّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى ; إِذْ لَا يُلْجَأُ إِلَى غَيْرِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَمَا يُلْجَأُ إِلَيْهِ.
وَلَكِنَّ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ قَدْ أَشْرَكُوا أَنْدَادَهُمْ مَعَهُ فِي هَذَا الْحُبِّ، فَحُبُّهُمْ إِيَّاهُمْ مِنْ نَوْعِ حُبِّهِمْ إِيَّاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لَا يَخُصُّونَهُ بِنَوْعٍ مِنَ الْحُبِّ ; إِذْ لَا يَرْجُونَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ جَعَلُوا لِأَنْدَادِهِمْ مِثْلَهُ أَوْ ضَرْبًا مِنَ التَّوَسُّطِ الْغَيْبِيِّ فِيهِ، فَهُمْ كُفَّارٌ مُشْرِكُونَ بِهَذَا الْحُبِّ الَّذِي لَا يَصْدُرُ مِنْ مُؤْمِنٍ مُوَحَّدٍ. وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ بَيَانِ شِرْكِهِمْ هَذَا: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ ; لِأَنَّ حُبَّهُمْ لَهُ خَاصٌّ بِهِ سُبْحَانَهُ لَا يُشْرِكُونَ فِيهِ غَيْرَهُ، فَحُبُّهُمْ ثَابِتٌ
كَامِلٌ لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهُ هُوَ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ الَّذِي يُسْتَمَدُّ مِنْهُ كُلُّ كَمَالٍ، وَأَمَّا مُتَّخِذُو الْأَنْدَادِ فَإِنَّ حُبَّهُمْ مُتَوَزِّعٌ مُتَزَعْزِعٌ لَا ثَبَاتَ لَهُ وَلَا اسْتِقْرَارَ.
لِلْمُؤْمِنِ مَحْبُوبٌ وَاحِدٌ يَعْتَقِدُ أَنَّ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَهُ الْقُدْرَةُ وَالسُّلْطَانُ عَلَى جَمِيعِ الْأَكْوَانِ، فَمَا نَالَهُ مِنْ خَيْرٍ كَسْبِيٍّ فَهُوَ بِتَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ، وَمَا جَاءَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَهُوَ بِتَسْخِيرِهِ وَعِنَايَتِهِ، وَمَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ فَهُوَ يَكِلُهُ إِلَيْهِ، وَيُعَوِّلُ فِيهِ عَلَيْهِ، وَلِلْمُشْرِكِ أَنْدَادٌ مُتَعَدِّدُونَ، وَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ، فَإِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، أَوْ نَزَلَ بِهِ ضُرٌّ لَجَأَ إِلَى بَشَرٍ أَوْ صَخْرٍ، أَوْ تَوَسَّلَ بِحَيَوَانٍ أَوْ قَبْرٍ، أَوِ اسْتَشْفَعَ بِزَيْدٍ وَعَمْرٍو، لَا يَدْرِي أَيُّهُمْ يَسْمَعُ وَيُسْمَعُ، وَيَشْفَعُ فَيُشَفَّعُ، فَهُوَ دَائِمًا مُبَلْبَلُ الْبَالِ، لَا يَسْتَقِرُّ مِنَ الْقَلَقِ عَلَى حَالٍ.
هَذَا هُوَ حُبُّ الْمُشْرِكِينَ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنَ الْأَنْدَادِ، وَمِنَ الْحُبِّ نَوْعٌ سَبَبُهُ الْإِحْسَانُ السَّابِقُ، كَمَا أَنَّ سَبَبَ الْأَوَّلِ الرَّجَاءُ بِالْإِحْسَانِ اللَّاحِقِ، وَمِنَ الْإِحْسَانِ مَا تَتَمَتَّعُ بِهِ سَاعَةً أَوْ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا مَتَاعًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَمِنْهُ مَا تَكُونُ بِهِ سَعِيدًا فِي حَيَاتِكَ كُلِّهَا كَالتَّرْبِيَةِ الصَّحِيحَةِ وَالتَّعْلِيمِ النَّافِعِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى مَا خَفِيَ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَكُلُّ هَذَا مِمَّا يَكُونُ مِنَ النَّاسِ بِكَسْبِهِمْ. وَلَيْسَ فِي طَاقَةِ الْبَشَرِ أَنْ يُحْسِنَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِإِحْسَانٍ إِذَا قَبِلَهُ الْمُحْسِنُ إِلَيْهِ وَعَمِلَ بِهِ يَكُونُ سَعِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِحَيْثُ تَكُونُ سَعَادَتُهُ بِهِ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ، وَهَذَا الْإِحْسَانُ الَّذِي يَعْجَزُ عَنْهُ الْبَشَرُ هُوَ هِدَايَةُ الدِّينِ الَّتِي تُعَلِّمُ النَّاسَ الْعَقَائِدَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي تَرْتَقِي بِهَا الْعُقُولُ
стр. 458
وَتَخْرُجُ بِهَا مِنْ ظُلُمَاتِ الْوَثَنِيَّةِ، وَالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَتَهَذَّبُ بِهَا النُّفُوسُ وَتَتَزَكَّى مِنَ الصِّفَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ، وَقَوَانِينَ الْعِبَادَةِ الَّتِي تُغَذِّي الْعَقَائِدَ وَالْأَخْلَاقَ، حَتَّى لَا يَعْتَرِيَهَا كُسُوفٌ وَلَا مِحَاقٌ.
فَالدِّينُ وَضْعٌ إِلَهِيٌّ يُحْسِنُ اللهُ تَعَالَى بِهِ إِلَى الْبَشَرِ عَلَى لِسَانِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا كَسْبَ لَهُ فِيهِ وَلَا صُنْعَ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ بِتَلَقٍّ وَلَا تَعَلُّمٍ (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (٥٣: ٤) فَيَجِبُ أَنْ يُحَبَّ صَاحِبُ هَذَا الْإِحْسَانِ حُبًّا لَا يُشْرَكُ بِهِ مَعَهُ أَحَدٌ، وَلَكِنَّ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي فِي كَلَامِنَا قَدْ أَشْرَكُوا أَنْدَادَهُمْ مَعَ اللهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْحُبِّ ; إِذْ جَعَلُوا لَهُمْ شَرِكَةً فِي هَذَا الْإِحْسَانِ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَكَمَا يَأْخُذُونَ بِآرَائِهِمْ عَلَى أَنَّهَا دِينٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمُوا مِنْ أَيْنَ أَخَذُوهَا - وَإِنْ لَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِذَلِكَ بَلْ
وَإِنْ نَهَوْهُمْ عَنْهُ - يَتَمَسَّكُونَ كَذَلِكَ بِتَأْوِيلِهِمْ لِمَا أَنْزَلَ اللهُ، كَأَنَّ التَّأْوِيلَ أُنْزِلَ مَعَهُ بِدُونِ اسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ وَدَلَالَةِ اللُّغَةِ وَبَقِيَّةِ نُصُوصِ الدِّينِ لِلْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ وَانْطِبَاقِهِ عَلَى الْحَقِّ.
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فَإِنَّهُمْ يُوَحِّدُونَ اللهَ تَعَالَى وَيَخُصُّونَهُ بِهَذَا الْحُبِّ كَمَا يُوَحِّدُونَهُ بِالتَّشْرِيعِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ الدِّينَ إِلَّا عَنِ الْوَحْيِ، وَلَا يَفْهَمُونَهُ إِلَّا بِقَرَائِنِ مَا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ، وَإِنَّمَا الْأَئِمَّةُ وَالْعُلَمَاءُ نَاقِلُونَ لِلنُّصُوصِ وَمُبَيِّنُونَ لَهَا، بَلْ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِلنَّبِيِّ نَفْسِهِ: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (١٦: ٤٤) فَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ يَسْتَرْشِدُونَ بِنَقْلِهِمْ وَبَيَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يُقَلِّدُونَهُمْ فِي عَقَائِدِهِمْ وَلَا عِبَادَتِهِمْ، وَلَا يَأْخُذُونَ بِآرَائِهِمْ فِي الدِّينِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ سَيْرِ الْأَرْوَاحِ مِنْ عَالَمٍ إِلَى عَالَمٍ ; بَلْ يَجُوزُونَ كُلَّ عَقَبَةٍ وَيَدُوسُونَ كُلَّ رِئَاسَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَابْتِغَاءِ رِضْوَانِهِ، فَهُمْ مُتَعَلِّقُونَ بِاللهِ وَمُخْلِصُونَ لَهُ (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفًى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (٣٩: ٣) (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (٩٨: ٥) (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (١٢: ٤٠) فَالْمُؤْمِنُونَ هُمُ الْمُخْلِصُونَ لِلَّهِ فِي دِينِهِمُ الَّذِينَ لَا يَأْخُذُونَ أَحْكَامَهُ إِلَّا عَنْ وَحْيِهِ، وَأَمَّا مُتَّخِذُو الْأَنْدَادِ وَمُحِبُّوهُمْ بِهَذَا الْمَعْنَى فَهُمُ الَّذِينَ وَرَدَ فِي بَعْضِهِمْ (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) (٢٤: ٤٨) فَهُمْ لَا يَقْبَلُونَ حُكْمَ اللهِ فِي كِتَابِهِ وَلَكِنْ إِذَا دُعُوا لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِآرَاءِ رُؤَسَائِهِمْ أَقْبَلُوا مُذْعِنِينَ.
بَعْدَ هَذَا ذَكَرَ اللهُ وَعِيدَ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ عَلَى سُنَّةِ الْقُرْآنِ فَقَالَ: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) .
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَنَافِعٌ وَيَعْقُوبُ: (وَلَوْ تَرَى) بِالتَّاءِ، عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَخَبَرُهُ لَرَأَيْتَ أَمْرًا عَظِيمًا وَخَطْبًا فَظِيعًا، وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ ((إِنَّ)) فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ أَوْ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ ; أَيْ: لَوْ يُشَاهِدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَدْنِيسِهَا بِالشِّرْكِ، وَظَلَمُوا النَّاسَ بِمَا غَشُّوهُمْ بِهِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ فَحَمَلُوهُمْ عَلَى أَنْ يَتْلُوَا تِلْوَهُمْ،
стр. 459
وَيَتَّخِذُوا الْأَنْدَادَ مِثْلَهُمْ، حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ فَتَتَقَطَّعُ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، وَلَا تُغْنِي عَنْهُمُ الْأَنْدَادُ وَالْأَرْبَابُ، أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا يَظْهَرُ تَصَرُّفُهَا
الْمُطْلَقُ فِي كُلِّ مَوْجُودٍ، وَيَتَمَثَّلُ لَهُمْ سُلْطَانُهَا تَمَثُّلَ الْمَشْهُودِ، فَلَا تَحْجِبُهُمْ عَنْهَا أَسْبَابٌ ظَاهِرَةٌ، وَلَا تَخْدَعُهُمْ عَنْهَا قُوًى تُتَوَهَّمُ كَامِنَةً، لَعَلِمُوا أَنَّ هَذِهِ الْقُوَّةَ الَّتِي تُدِيرُ عَالَمَ الْآخِرَةِ هِيَ عَيْنُ الْقُوَّةِ الَّتِي كَانَتْ تُدِيرُ عَالَمَ الدُّنْيَا، وَأَنَّهَا قُوَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَأْثِيرَ لِغَيْرِهَا فِيهَا وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ بِدُونِهَا، وَأَنَّهُمْ كَانُوا ضَالِّينَ فِي اللُّجْأِ إِلَى سِوَاهَا، وَإِشْرَاكِ غَيْرِهَا مَعَهَا، وَأَنَّ هَذَا الضَّلَالَ هَبَطَ بِعُقُولِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ، وَكَانَ مَنْشَأَ عِقَابِهِمْ وَعَذَابِهِمْ، وَلَوْ رَأَوْا مَعَ هَذَا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ لَرَأَوْا أَمْرًا هَائِلًا عَظِيمًا يَنْدَمُونَ مَعَهُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ.
وَأَمْثَالُ هَذَا الْوَعِيدِ عَلَى مَنْ يَشُوبُ إِيمَانَهُ بِأَدْنَى شَائِبَةٍ مِنَ الشِّرْكِ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ هِيَ تُتْرَكُ كُلُّهَا وَيُتْرَكُ مَعَهَا مَا يُؤَيِّدُهُ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَسِيرَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَيُؤْخَذُ بِالشِّرْكِ الصَّحِيحِ عَمَلًا بِأَقْوَالِ أُنَاسٍ مِنَ الْمَيِّتِينَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُعْرَفُ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ وَلِيًّا عَمَلًا بِبَعْضِ الرُّؤَى وَالْأَحْلَامِ أَوْ لِاخْتِرَاعِ بَعْضِ الطَّغَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْرَفُ فِي الْجُمْلَةِ وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ تَارِيخٌ يُوثَقُ بِهِ، وَلَا رِوَايَةٌ يَصِحُّ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْخَلَفُ الطَّالِحُ كَلَامَ هَؤُلَاءِ عَلَى كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَكَلَامِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ ; لِأَنَّ الْعَامَّةَ اعْتَقَدَتْ صَلَاحَهُمْ وَوِلَايَتَهُمْ، وَالْعَامَّةُ قُوَّةٌ تَخْضَعُ لَهَا الْخَاصَّةُ فِي أَكْثَرِ الْأَزْمَانِ.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ فِيهَا عِلْمِيَّةٌ عَلَى قَوْلِ الْجَلَالِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّهَا بَصَرِيَّةٌ وَإِنَّمَا سُلِّطَتْ عَلَى الْمَعْقُولِ لِإِنْزَالِهِ مَنْزِلَةَ الْمَحْسُوسِ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَوْ يَتَمَثَّلُ لَهُمُ الْأَمْرُ وَيَتَشَخَّصُ لَرَأَوْا أَمْرًا هَائِلًا عَظِيمًا لَا يُتَصَوَّرُ نَظِيرُهُ، وَهُوَ مَجَازٌ لَا أَلْطَفَ مِنْهُ وَلَا أَبْدَعَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْعَذَابِ مَظَاهِرُهُ فَتَكُونُ مُسَلَّطَةً عَلَى مَحْسُوسٍ. وَقِرَاءَةُ ((وَلَوْ تَرَى)) أَيْ: لَوْ رَأَيْتَ حَالَ هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ يَوْمَئِذٍ لَرَأَيْتَ كَذَا وَكَذَا. وَحَذْفُ جَوَابِ ((لَوْ)) مَعْهُودٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَفِي كَلَامِ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَذَلِكَ عِنْدَ قِيَامِ الْقَرِينَةِ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَوْ إِجْمَالًا. يَقُولُونَ فِي شَخْصٍ تَغَيَّرَ حَالُهُ وَانْتَقَلَ إِلَى طَوْرٍ أَعْلَى أَوْ أَدْنَى: لَوْ رَأَيْتَ فُلَانًا الْيَوْمَ - وَيَسْكُتُونَ - وَالْمُرَادُ مَعْلُومٌ وَالْإِجْمَالُ فِيهِ مَقْصُودٌ ; لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِي تَصْوِيرِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، وَيَخْتَرِعُ لَهُ الْخَيَالُ مَا يُمْكِنُ مِنَ الصُّوَرِ، وَ (لَوْ) عَلَى كُلِّ حَالٍ هِيَ الَّتِي لِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ لَا يُرَاعَى فِيهَا امْتِنَاعٌ لِامْتِنَاعٍ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بَعْدَ تَفْسِيرِ اتِّخَاذِ الْأَنْدَادِ وَمَحَبَّتِهِمْ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَبَيَانِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحَبَّةِ مَا يَجِدُهُ الْمُحِبُّ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْأُنْسِ بِالْمَحْبُوبِ وَالثِّقَةِ بِهِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ وَاللُّجْأِ إِلَيْهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَكْوَارِ الْإِنْسَانِ فِي وِجْدَانِهِ وَاعْتِقَادِهِ: إِنَّنَا قَدِ اشْتَرَطْنَا فِي ابْتِدَاءِ قِرَاءَةِ التَّفْسِيرِ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْ مَعْنَى الْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ دِينٌ جَاءَ مُكَمِّلًا لِلْأَرْوَاحِ وَسَائِقًا لَهَا إِلَى سَعَادَتِهَا فِي طَوْرِهَا الدُّنْيَوِيِّ وَطَوْرِهَا الْأُخْرَوِيِّ. وَلَا يَتِمُّ لَنَا هَذَا إِلَّا بِالِاعْتِبَارِ وَهُوَ أَنْ نَنْظُرَ فِي الْحُسْنِ الَّذِي يَمْدَحُهُ
стр. 460
اللهُ تَعَالَى وَيَأْمُرُ بِهِ، وَنَرْجِعُ إِلَى أَنْفُسِنَا لِنَرَى هَلْ نَحْنُ مُتَّصِفُونَ بِهِ؟ وَنَنْظُرُ فِي الْقَبِيحِ الَّذِي يَذُمُّهُ وَيَنْهَى عَنْهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ نَجْتَهِدُ فِي تَزْكِيَةِ أَنْفُسِنَا مِنَ الْقَبِيحِ وَتَحْلِيَتِهَا بِالْحُسْنِ. وَهَاهُنَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثَ وَنَنْظُرَ هَلِ اتَّخَذَ الْمُسْلِمُونَ أَنْدَادًا كَمَا اتَّخَذَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَنْدَادًا أَمْ لَا؟ فَإِنَّ هَذَا أَهَمُّ مَا يَبْحَثُ فِيهِ قَارِئُ الْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ مَا مِثَالُهُ:
اشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِ الْبَاحِثِينَ السَّبَبُ فِي سُقُوطِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَهْلِ الْعَمِيمِ - إِلَّا أَفْرَادًا فِي بَعْضِ شُعُوبِهِمْ لَا يَكَادُ يَظْهَرُ لَهُمْ أَثَرٌ - وَبَحَثُوا فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ وَمَا حَدَثَ فِيهِ فَكَانَ لَهُ الْأَثَرُ الْعَظِيمُ فِي الِانْقِلَابِ، وَكَانَ مِنْ أَهَمِّ الْمَسَائِلِ الَّتِي عَرَضَتْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَسْأَلَةُ التَّصَوُّفِ، وَظَنُّوا أَنَّ التَّصَوُّفَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ لِسُقُوطِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَهْلِ بِدِينِهِمْ وَبُعْدِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ أَسَاسُ عَقَائِدِهِمْ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا كَمَا ظَنُّوا، وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِنَا هُنَا ذِكْرُ تَارِيخِهِ وَبَيَانُ أَحْكَامِهِ وَطُرُقِهِ، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ الْغَرَضَ مِنْهُ بِالْإِجْمَالِ، وَمَا كَانَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ.
ظَهَرَ التَّصَوُّفُ فِي الْقُرُونِ الْأُولَى لِلْإِسْلَامِ فَكَانَ لَهُ شَأْنٌ كَبِيرٌ وَكَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ تَهْذِيبَ الْأَخْلَاقِ وَتَرْوِيضَ النَّفْسِ بِأَعْمَالِ الدِّينِ، وَجَذْبَهَا إِلَيْهِ وَجَعْلَهُ وِجْدَانًا لَهَا، وَتَعْرِيفَهَا بِأَسْرَارِهِ وَحِكَمِهِ بِالتَّدْرِيجِ. ابْتُلِيَ الصُّوفِيَّةُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ بِالْفُقَهَاءِ الَّذِينَ جَمَدُوا عَلَى ظَوَاهِرِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْجَوَارِحِ وَالتَّعَامُلِ، فَكَانَ هَؤُلَاءِ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةَ أَسْرَارِ الدِّينِ وَيَرْمُونَهُمْ بِالْكُفْرِ، وَكَانَتِ الدَّوْلَةُ وَالسُّلْطَةُ لِلْفُقَهَاءِ لِحَاجَةِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ إِلَيْهِمْ، فَاضْطَرَّ الصُّوفِيَّةُ إِلَى إِخْفَاءِ أَمْرِهِمْ، وَوَضْعِ الرُّمُوزِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الْخَاصَّةِ بِهِمْ، وَعَدَمِ قَبُولِ أَحَدٍ مَعَهُمْ إِلَّا بِشُرُوطٍ وَاخْتِبَارٍ طَوِيلٍ، فَقَالُوا: لَا بُدَّ فِيمَنْ يَكُونُ مِنَّا أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا طَالِبًا فَمُرِيدًا فَسَالِكًا
وَبَعْدَ السُّلُوكِ إِمَّا أَنْ يَصِلَ وَإِمَّا أَنْ يَنْقَطِعَ، فَكَانُوا يَخْتَبِرُونَ أَخْلَاقَ الطَّالِبِ وَأَطْوَارَهُ زَمَنًا طَوِيلًا لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ صَحِيحُ الْإِرَادَةِ صَادِقُ الْعَزِيمَةِ لَا يَقْصِدُ مُجَرَّدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى حَالِهِمْ، وَالْوُقُوفِ عَلَى أَسْرَارِهِمْ، وَبَعْدَ الثِّقَةِ يَأْخُذُونَهُ بِالتَّدْرِيجِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ جَعَلُوا لِلشَّيْخِ (الْمَسْلَكِ) سُلْطَةً خَاصَّةً عَلَى مُرِيدِيهِ، حَتَّى قَالُوا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرِيدُ مَعَ الشَّيْخِ كَالْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الْغَاسِلِ ; لِأَنَّ الشَّيْخَ يَعْرِفُ أَمْرَاضَهُ الرُّوحِيَّةَ وَعِلَاجَهَا، فَإِذَا أُبِيحَ لَهُ مُنَاقَشَتُهُ وَمُطَالَبَتُهُ بِالدَّلِيلِ تَتَعَسَّرُ مُعَالَجَتُهُ أَوْ تَتَعَذَّرُ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّسْلِيمِ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ مُنَازَعَةٍ، حَتَّى لَوْ أَمَرَهُ بِمَعْصِيَةٍ لَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهَا لِخَيْرِهِ، وَأَنَّ فِعْلَهَا نَافِعٌ لَهُ وَمُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ مِنْ قَوَاعِدِهِمُ التَّسْلِيمُ الْمَحْضُ وَالطَّاعَةُ الْعَمْيَاءُ، وَقَالُوا: إِنَّ الْوُصُولَ إِلَى الْعِرْفَانِ الْمُطْلَقِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِهَذَا. ثُمَّ أَحْدَثُوا إِظْهَارَ قُبُورِ مَنْ يَمُوتُ مِنْ شُيُوخِهِمْ وَالْعِنَايَةَ بِزِيَارَتِهَا لِأَجْلِ تَذَكُّرِ سُلُوكِهِمْ وَمُجَاهَدَتِهِمْ، وَأَحْوَالِهِمْ وَمُشَاهَدَتِهِمْ ; لِأَنَّ التَّذَكُّرَ مِنْ أَسْبَابِ الْقُدْوَةِ وَالتَّأَسِّي، وَالتَّأَسِّي هُوَ طَرِيقُ التَّرْبِيَةِ الْقَوِيمُ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ.
فَظَهَرَ مِنْ هَذَا الْإِجْمَالِ أَنَّ قَصْدَهُمْ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ كَانَ صَحِيحًا، وَأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يُرِيدُونَ
следующие страницы →