Полный текст (5 061 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
مِنْ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا إِعْجَازُهُ الْبَيَانِيُّ، وَهَذَا الْعَذَابُ الْأَلِيمُ يُرَادُ بِهِ عَذَابُ الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْآخِرَةِ جَمِيعًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْآيَةِ (٧٤) .
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءٌ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْأَعْذَارَ الشَّرْعِيَّةَ الْمَقْبُولَةَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ رَسُولِهِ بِالتَّفْصِيلِ فَعُلِمَ مِنْهُ بُطْلَانُ مَا عَدَاهَا، وَخُصَّ بِالذِّكْرِ شَرُّ مَا عَدَاهَا وَهُوَ اسْتِئْذَانُ الْأَغْنِيَاءِ فَقَالَ: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ الضُّعَفَاءُ: جَمْعُ ضَعِيفٍ وَهُوَ ضِدُّ الْقَوِيِّ، أَيْ: مَنْ لَا قُوَّةَ لَهُمْ فِي أَبْدَانِهِمْ تُمَكِّنُهُمْ مِنَ الْجِهَادِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الزَّمْنَى وَالشُّيُوخَ وَالْعَجَزَةَ، وَقِيلَ: هُمُ الصِّبْيَانُ، وَقِيلَ: النِّسْوَانُ. ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ. وَالزَّمْنَى بِوَزْنِ الْمَرْضَى وَبِالتَّحْرِيكِ جَمْعُ زَمِينٍ كَمَرِيضٍ - وَيُقَالُ: زَمِنٌ (كَكَتِفٍ) وَزَمِنُونَ ; وَهُمْ مَنْ أَصَابَتْهُمُ الزَّمَانَةُ وَهِيَ الْعَاهَةُ الَّتِي لَا تَزَالُ بَلْ تَبْقَى عَلَى الزَّمَانِ. وَمِنْهَا الْكُسَاحُ (بِالضَّمِّ) وَالْعَمَى وَالْعَرَجُ، وَقَدَّمَ ذِكْرَ هَؤُلَاءِ ; لِأَنَّ عُذْرَهُمْ دَائِمٌ لَا يَزُولُ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى جَمْعُ مَرِيضٍ، وَهُمُ الَّذِينَ عَرَضَتْ لَهُمْ أَمْرَاضٌ لَا يَتَمَكَّنُونَ مَعَهَا مِنَ الْجِهَادِ كَالْحُمَّيَاتِ، وَعُذْرُهُمْ يَنْتَهِي بِالشِّفَاءِ مِنْهَا وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
مَا يُنْفِقُونَ وَهُمُ الْفُقَرَاءُ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَالًا يُنْفِقُونَ مِنْهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إِذَا خَرَجُوا لِلْجِهَادِ وَيَتْرُكُونَ لِعِيَالِهِمْ مَا يَكْفِيهِمْ، وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ يُجَهِّزُونَ أَنْفُسَهُمْ لِلْقِتَالِ، فَالْفَقِيرُ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ
стр. 4377
وَالْغَنِيُّ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ سِعَتَهُ كَمَا فَعَلُوا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بَيْتُ مَالٍ غَنِيٍّ يُنْفَقُ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْغُزَاةِ وَهَذَا الْعُذْرُ خَاصٌّ بِالْمَالِ، وَيَزُولُ إِذَا كَانَ لِلْأُمَّةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يُنْفِقُونَ مِنْهُ، أَيْ لَيْسَ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ (حَرَجٌ) أَيْ ضِيقٌ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ يُعَدُّونَ بِهِ مُذْنِبِينَ، وَلَا إِثْمَ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ الْوَاجِبِ: إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي حَالِ قُعُودِهِمْ لِعَجْزِهِمْ، أَيْ: إِذَا أَخْلَصُوا لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْإِيمَانِ وَلِلرَّسُولِ ﷺ فِي الطَّاعَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَلَاسِيَّمَا الَّذِي تَقْتَضِيهِ حَالَةُ الْحَرْبِ فَالنَّصِيحَةُ وَالنُّصْحُ (بِالضَّمِّ) تَحَرِّي مَا يَصْلُحُ بِهِ الشَّيْءُ، وَيَكُونُ خَالِيًا مِنَ الْغِشِّ وَالْخَلَلِ وَالْفَسَادِ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَصَحَ الْعَسَلَ وَنُصِحَ إِذَا كَانَ مُصَفًّى خَالِصًا " وَنَصَحَ الْخَيَّاطُ الثَّوْبَ إِذَا أَنْعَمَ خِيَاطَتَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ فَتْقًا وَلَا خَلَلًا " ذَكَرَهُ فِي مَجَازِ الْأَسَاسِ وَقَالَ " شَبَّهَ ذَلِكَ بِالنُّصْحِ " عَلَى طَرِيقَتِهِ فِي جَعْلِ الْمَعَانِي الْحِسِّيَّةِ مِنَ الْمَجَازِ، وَالْمَعْنَوِيَّةِ مِنَ الْحَقِيقَةِ وَنَحْنُ نَرَى عَكْسَ هَذَا - أَعْنِي أَنَّ نُصْحَ الْعَسَلِ وَالْخَيَّاطِ حَقِيقَةٌ، وَالنُّصْحُ فِي التَّوْبَةِ وَالطَّاعَةِ هُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ، وَالْأَجْدَرُ بِأَنْ يَكُونَ مَجَازًا، إِلَّا أَنْ يَكْثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فَيُعَدُّ مِنَ الْحَقِيقَةِ. وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ مِنَ النُّصْحِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كُلُّ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْأُمَّةِ، وَلَاسِيَّمَا الْمُجَاهِدِينَ مِنْهَا، مِنْ كِتْمَانِ سَرٍّ، وَحَثٍّ عَلَى بِرٍّ، وَمُقَاوَمَةِ خِيَانَةِ الْخَائِنِينَ فِي سِرٍّ وَجَهْرٍ، فَالنُّصْحُ الْعَامُّ رُكْنٌ مِنَ الْأَرْكَانِ الْمَعْنَوِيَّةِ لِلْإِسْلَامِ، بِهِ عَزَّ السَّلَفُ وَبَزُّوا، وَبِتَرْكِهِ ذَلَّ الْخَلْفُ وَابْتَزُّوا.
رَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ - قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَايَعْتُ
رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ السَّبِيلُ: الطَّرِيقُ السَّهْلُ يُطْلَقُ عَلَى الْحِسِّيِّ مِنْهُ وَالْمَعْنَوِيِّ فِي الْخَيْرِ وَفِي الشَّرِّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ: وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (٦: ١٥٣) وَ (مَنْ) لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الْعَامِّ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ قَوْلُكَ " مَا عَلَيْهِ سَبِيلٌ " وَإِنْ كَانَ عَامًّا، فَقَوْلُكَ مَا عَلَى فُلَانٍ مِنْ سَبِيلٍ - مَعْنَاهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَدْنَى طَرِيقٍ يَسْلُكُهَا لِمُؤَاخَذَتِهِ أَوِ النَّيْلِ مِنْهُ، فَكُلُّ السُّبُلِ مَسْدُودَةٌ دُونَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ مُكَرَّرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَالْمُحْسِنُونَ ضِدُّ الْمُسِيئِينَ، وَهُوَ عَامٌّ فِيَ كُلِّ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
стр. 4378
(٢: ١١٢) الْآيَةَ. وَالشَّرْعُ الْإِلَهِيُّ يَجْزِي الْمُحْسِنَ بِأَضْعَافِ إِحْسَانِهِ، وَلَا يُؤَاخَذُ وَلَا يُعَاقَبُ الْمُسِيءُ إِلَّا بِقَدْرِ إِسَاءَتِهِ، فَإِذَا كَانَ أُولَئِكَ الْمَعْذُورُونَ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ مُحْسِنِينَ فِي سَائِرِ أَعْمَالِهِمْ بِالنُّصْحِ الْمَذْكُورِ، انْقَطَعَتْ طُرُقُ الْمُؤَاخَذَةِ دُونَهُمْ، وَالْإِحْسَانُ أَعَمُّ مِنَ النُّصْحِ الْمَذْكُورِ، فَالْجُمْلَةُ تَتَضَمَّنُ تَعْلِيلَ رَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ بِمَا يَنْتَظِمُونَ بِهِ فِي سِلْكِ الْمُحْسِنِينَ، فَيَكُونُ رَفْعُهُ عَنْهُمْ مَقْرُونًا بِالدَّلِيلِ، فَكُلُّ نَاصِحٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مُحْسِنٌ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مُؤَاخَذَةِ الْمُحْسِنِ، وَإِيقَاعِهِ فِي الْحَرَجِ، وَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي أَعْلَى مَكَانَةٍ مِنْ أَسَالِيبِ الْبَلَاغَةِ.
وَلَمَّا ذُكِرَ رَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ عَنْهُمْ بِإِحْسَانِهِمُ السُّلُوكَ فِيمَا هُمْ مَعْذُورُونَ فِيهِ مِنَ الْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْمَقَامُ، قَفَّى عَلَيْهِ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِمْ، وَالصَّفْحِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فِيمَا عَدَاهُ، عَلَى قَاعِدَةِ: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٥٥: ٦٠) ؟ فَقَالَ: وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَيْ: وَهُوَ تَعَالَى كَثِيرُ الْمَغْفِرَةِ وَاسِعُ الرَّحْمَةِ، فَهُوَ يَسْتُرُ عَلَى الْمُقَصِّرِينَ مَا لَا يَخْلُو مِنْهُ الْبَشَرُ مِنْ ضَعْفٍ - فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ - لَا يُنَافِي الْإِخْلَاصَ وَالنُّصْحَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ، وَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَتِهِ فِي عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ الْمُسِيئُونَ عَمَلًا وَنِيَّةً، فَإِنَّمَا يَغْفِرُ لَهُمْ وَيَرْحَمُهُمْ إِذَا تَابُوا مِنْ نِفَاقِهِمُ الْبَاعِثِ لَهُمْ عَلَى إِسَاءَتِهِمْ.
وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى نَفْيِ الْحَرَجِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَرْضَى وَالْفُقَرَاءِ، وَنَفْيِ السَّبِيلِ عَنِ الْمُحْسِنِينَ، أَيْ: لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ ذُكِرَ بِشَرْطِهِ، وَلَا سَبِيلَ عَلَى الْمُحْسِنِ مِنْهُمْ فِي قُعُودِهِ، وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ عَلَى الرَّوَاحِلِ فَيَخْرُجُوا مَعَكَ فَلَمْ تَجِدْ مَا تَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ إِلَخْ. وَهَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ يَدْخُلُونَ فِي عُمُومِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ لِلْجِهَادِ فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ كَغَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ فَقْدُهُمُ الرَّوَاحِلَ الَّتِي تَحْمِلُهُمْ، فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. يُقَالُ: حَمَلَهُ عَلَى الْبَعِيرِ أَوْ غَيْرِهِ أَيْ: أَرْكَبَهُ إِيَّاهُ أَوْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ لِيَرْكَبَهُ، وَكَانَ الطَّالِبُ لِظَهْرٍ يَرْكَبَهُ يَقُولُ لِمَنْ يَطْلُبُهُ مِنْهُ احْمِلْنِي.
ثُمَّ بَيَّنَ حَالَ هَؤُلَاءِ بَعْدَ جَوَابِ الرَّسُولِ لَهُمْ بَيَانًا مُسْتَأْنَفًا فَقَالَ: تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ أَيْ: انْصَرَفُوا مِنْ مَجْلِسِكَ وَهُمْ فِي حَالٍ بُكَاءٍ شَدِيدٍ هَاجَهُ حُزْنٌ عَمِيقٌ فَكَانَتْ أَعْيُنُهُمْ تَمْتَلِئُ دَمْعًا، فَيَتَدَفَّقُ فَائِضًا مِنْ جَوَانِبِهَا تَدَفُّقًا، حَتَّى كَأَنَّهَا ذَابَتْ فَصَارَتْ دَمْعًا، فَسَالَتْ هَمُّهَا (حُزْنًا) مِنْهُمْ وَأَسَفًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ أَيْ: عَلَى عَدَمِ
стр. 4379
وُجْدَانِهِمْ عِنْدَكَ وَلَا عِنْدَهُمْ مَا يُنْفِقُونَ، وَلَا مَا يَرْكَبُونَ فِي خُرُوجِهِمْ مَعَكَ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ.
أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ أَنْ يَنْبَعِثُوا غَازِينَ، فَجَاءَتْ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ احْمِلْنَا، فَقَالَ: " وَاللهِ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ " فَتَوَلَّوْا وَلَهُمْ بُكَاءٌ، وَعَزَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُحْبَسُوا عَنِ الْجِهَادِ، وَلَا يَجِدُونَ نَفَقَةً وَلَا مَحْمَلًا، فَأَنْزَلَ اللهُ عُذْرَهُمْ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ الْآيَةَ. وَخَرَّجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْتَحْمِلُونَهُ فَقَالَ: " لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ " فَأَنْزَلَ اللهُ: وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ الْآيَةَ. وَذَكَرَ الْبُطُونَ الَّتِي يُنْسَبُونَ إِلَيْهَا، وَهُنَالِكَ رِوَايَاتٌ أُخْرَى فِي عَدَدِهِمْ
وَبُطُونِهِمْ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ الْبَكَّائِينَ، وَهُنَالِكَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُمْ مَا سَأَلُوهُ ﷺ إِلَّا الْحُمْلَانَ عَلَى النِّعَالِ، وَرِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ الزَّادَ وَالْمَاءَ، وَلَا مَانِعَ مِنْ وُقُوعِ كُلِّ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ الْكَبِيرَةِ، وَلَكِنَّ الْآيَةَ خَاصَّةٌ بِطِلَابِ الرَّوَاحِلِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنَ اللَّفْظِ.
وَالْحِكْمَةُ فِي التَّعْبِيرِ بِالْإِتْيَانِ لِأَجْلِ الْحَمْلِ، وَالِاعْتِذَارِ عَنْهُ بِعَدَمِ وُجْدَانِ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ دُونَ ذِكْرِ جِنْسِهِ مِنْ رَاحِلَةٍ وَدَابَّةٍ، هِيَ إِفَادَةُ الْعُمُومُ فِيمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مُرِيدُ السَّيْرِ فَتَدْخُلُ فِيهِ مَرَاكِبُ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ مَرَاكِبِ النَّقْلِ الْبَرِّيَّةِ وَالْهَوَائِيَّةِ وَالْبَحْرِيَّةِ، وَيَتَحَقَّقُ الْعُذْرُ بِفَقْدِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْهَا فِي كُلِّ سَفَرٍ بِحَسَبِهِ، وَفَقْدِ الْعُذْرِ بِوُجُودِهِ، فَوُجُودُ الْخَيْلِ وَالْجِمَالِ وَالْبِغَالِ لَا يَنْفِي الْعُذْرَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُقْطَعُ فِي الْقِطَارَاتِ الْحَدِيدِيَّةِ أَوِ السَّيَّارَاتِ، أَوِ الْمَنَاطِيدِ أَوِ الطَّيَّارَاتِ.
لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ كُلَّ أُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ، بَقِيَ بَيَانُ مَنْ عَلَيْهِمُ السَّبِيلُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَذَكَرَهُمْ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا السَّبِيلُ الْوَاضِحُ السَّوِيُّ أَوْصَلُ إِلَى الْمُؤَاخَذَةِ وَالْمُعَاقَبَةِ بِالْحَقِّ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَيْ: أَغْنِيَاءُ يَطْلُبُونَ الْإِذْنَ لَهُمْ فِي الْقُعُودِ وَالتَّخَلُّفِ عَنِ النَّفْرِ وَالْحَالُ أَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ فِي حَالِ هَذَا الِاسْتِئْذَانِ وَمِنْ قَبْلِهِ، قَادِرُونَ عَلَى إِعْدَادِ الْعُدَّةِ لَهُ مِنْ زَادٍ وَرَوَاحِلَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلِمَاذَا؟ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ أَيْ: رَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَالْخَالِفِينَ، مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ وَالْمَعْذُورِينَ بَلْ مَعَ الْفَاسِدِي الْأَخْلَاقِ الْمُفْسِدِينَ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَأَحَاطَ بِهِمْ مَا جَرُّوا عَلَيْهِ مِنْ خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبِهِمْ، بِحَسَبِ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي
стр. 4380
أَمْثَالِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ كُنْهَ حَالِهِمْ، وَلَا سُوءَ مَآلِهِمْ، وَمَا هُوَ سَبَبُهُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، فَأَمَّا حَالُهُمْ فِي التَّخَلُّفِ وَطَلَبِ الْقُعُودِ مَعَ الْخَوَالِفِ بِغَيْرِ أَدْنَى عُذْرٍ، فَهُوَ رِضًا بِالذُّلِّ وَالْمَهَانَةِ فِي الدُّنْيَا ; لِأَنَّ تَخَلُّفَ الْأَفْرَادِ عَنِ الْقِتَالِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الشُّعُوبُ وَالْأَقْوَامُ، وَرِضَاءَ الرِّجَالِ بِالِانْتِظَامِ فِي سِلْكِ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، يُعَدُّ فِي عُرْفِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ مِنْ
أَعْظَمِ مَظَاهِرِ الْخِزْيِ وَالْعَارِ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ أَقْوَى آيَاتِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، وَأَمَّا مَآلُهُمْ وَسُوءُ عَاقِبَتِهِمْ فَهُوَ مَا فَضَحَهُمُ اللهُ بِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَمَا شَرَعَهُ لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ جِهَادِهِمْ وَإِهَانَتِهِمْ، وَعَدَمِ الْعَوْدِ إِلَى مُعَامَلَتِهِمْ بِظَاهِرِ إِسْلَامِهِمْ، وَمَا أَعَدَّهُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَالْخِزْيِ الدَّائِمِ فِي نَارِ الْجَحِيمِ.
وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ بِمَعْنَى الْآيَاتِ (٨٦، ٨٧، ٨٨) وَلَكِنْ أَسْنَدَ فِعْلَ الطَّبْعِ عَلَى الْقُلُوبِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى اسْمِهِ ، وَهُنَالِكَ أَسْنَدَ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَالْمُرَادُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ بَيَانُ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ فِي عَلَاقَةِ الْأَعْمَالِ، بِالْعَقَائِدِ وَالسَّجَايَا وَالْأَخْلَاقِ، إِلَّا أَنَّ التَّصْرِيحَ بِاسْمِ اللهِ تَعَالَى فِيهِ مَزِيدُ إِهَانَةٍ لَهُمْ. وَعَبَّرَ هُنَا بِالْعِلْمِ وَهُنَاكَ بِالْفِقْهِ، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِدْرَاكُ وَالْعِرْفَانُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ، وَلَكِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنَ الْعِلْمِ تَيَقُّنُ الْمَعْلُومِ، وَمِنَ الْفِقْهِ تَأْثِيرُ الْعِلْمِ فِي النَّفْسِ.
نَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُوقِنِينَ، الْفُقَهَاءِ الْمُعْتَبِرِينَ، الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، الْعَامِلِينَ الْمُخْلِصِينَ، وَأَنْ يُوَفِّقَنَا لِإِتْمَامِ تَفْسِيرِ كِتَابِهِ بِالْحَقِّ، النَّافِعِ لِلْخَلْقِ، وَيَهْدِينَا جَمِيعًا لِلْعَمَلِ بِهِ، وَالِاسْتِضَاءَةِ بِنُورِهِ، وَيُؤْتِي هَذِهِ الْأُمَّةَ بِهِ مَا وَعَدَهَا مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
تَمَّ تَفْسِيرُ الْجُزْءِ الْعَاشِرِ كِتَابَةً وَتَحْرِيرًا فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ سَنَةَ ١٣٤٩ - وَقَدِ اعْتَمَدْنَا جَعْلَ آيَةِ ٩٣ إِنَّمَا السَّبِيلُ إِلَخْ مِنْهُ مُرَاعَاةً لِلْمَعْنَى الَّذِي كَانَتْ بِهِ مُتَمِّمَةً لِمَا قَبْلَهَا، وَهِيَ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ أَوَّلُ الْجُزْءِ الْحَادِي عَشَرَ - وَكُنَّا بَدْأَنَا بِهِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ١٣٤٦ وَنُشِرَ فِي الْمُجَلَّدَاتِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِينَ وَالْحَادِيَ وَالثَّلَاثِينَ مِنَ الْمَنَارِ.
وَنَرْجُو أَنْ يُوَفِّقَنَا اللهُ تَعَالَى لِإِنْجَازِ تَفْسِيرِ كُلِّ جُزْءٍ مِمَّا بَقِيَ فِي أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ.
مَعَ الِاخْتِصَارِ غَيْرِ الْمُخِلِّ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَبِهِ الْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
стр. 4381
الْجُزْءُ الْحَادِيَ عَشَرَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) .
هَذِهِ الْآيَاتُ بَيَانٌ لِمَا سَيَكُونُ مِنْ أَمْرِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا فِي الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ دَعْوَتِهِمْ إِلَيْهِمْ، قَالَ :
(يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ) : يَعْتَذِرُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ أَصِحَّاءُ لَا عُذْرَ لَهُمْ (إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ) مِنْ سَفَرِكُمْ هَذَا عَنْ جَمِيعِ سَيِّئَاتِهِمْ (قُلْ) أَيُّهَا الرَّسُولُ لَهُمْ حِينَئِذٍ (لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ) لَنْ نُصَدِّقَكُمْ
تَصْدِيقَ جُنُوحٍ وَائْتِمَانٍ لَكُمْ بِتَلَبُّسِكُمْ بِالْإِسْلَامِ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ، وَلَا عَمَلًا بِالظَّوَاهِرِ، وَلِمَاذَا؟ (قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ) بِوَحْيِهِ إِلَى رَسُولِهِ
стр. 4382
الْمُهِمَّ (مِنْ أَخْبَارِكُمْ) الَّتِي تُسِرُّونَهَا فِي ضَمَائِرِكُمْ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِظَوَاهِرِكُمُ الَّتِي تَعْتَذِرُونَ بِهَا، وَنَبَأُ اللهِ هُوَ الْحَقُّ الْيَقِينُ، وَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ لَا يَقْبَلُ الْبَاطِلَ، وَلَا يُصَدِّقُ الْكَاذِبَ، وَلَمْ يَقُلْ ((نَبَّأَنِي)) وَهُوَ ﷺ الْمُنَبَّأُ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُنْبِئَ بِذَلِكَ أَصْحَابَهُ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا النَّبَأُ خَاصًّا بِهِ، وَاعْتِذَارُهُمْ لِلْجَمِيعِ يَقْتَضِي أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْجَمِيعَ عَالِمُونَ بِمَا فَضَحَهُمُ اللهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُبَلِّغُ لَهُمْ هُوَ الرَّسُولَ ﷺ بِمَا لَهُ مِنَ الرِّيَاسَةِ، وَمَا لِخَبَرِهِ مِنَ الثِّقَةِ الَّتِي لَا يَشُكُّ فِيهَا أَحَدٌ، وَالتَّأْثِيرِ الَّذِي يُحْسَبُ لَهُ كُلُّ حِسَابٍ. فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّبْلِيغَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الْعُلْيَا الصَّادِرَةِ عَنِ الْمُلُوكِ وَالسَّلَاطِينِ، دَعْ كَوْنَهُ أَسْمَى وَأَعْلَى لِأَنَّهُ نَبَأُ الرَّسُولِ الْمَعْصُومِ عَنِ اللهِ : (وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) بَعْدَ الْآنَ. وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ: إِمَّا عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ، وَإِمَّا عَلَى التَّوْبَةِ وَالْإِذْعَانِ فِي الْإِيمَانِ، الَّذِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَعْمَالُ. وَأَمَّا أَقْوَالُكُمْ فَلَا قِيمَةَ لَهَا وَإِنْ أَكَّدْتُمُوهَا بِالْأَيْمَانِ، فَإِنْ تُبْتُمْ وَأَنَبْتُمْ، وَشَهِدَ لَكُمْ عَمَلُكُمْ بِصَلَاحِ سَرِيرَتِكُمْ، فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَتَكُمْ، وَيُعَامِلُكُمْ رَسُولُهُ بِمَا يُعَامِلُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَشْهَدُ لَهُمْ أَعْمَالُهُمْ بِإِخْلَاصِهِمْ وَصِدْقِهِمْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الْإِصْرَارَ عَلَى نِفَاقِكُمْ وَالِاعْتِمَادَ عَلَى نِفَاقِ سُوقِ كَذِبِكُمْ بِأَعْذَارِكُمْ وَأَيْمَانِكُمْ، فَسَيُعَامِلُكُمْ رَسُولُهُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ جِهَادِكُمْ وَالْإِغْلَاظِ عَلَيْكُمْ كَإِخْوَانِكُمُ الْكُفَّارِ الْمُجَاهِرِينَ، وَعَدَمِ السَّمَاحِ لَكُمْ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ أَبَدًا وَلَا بِأَنْ تُقَاتِلُوا مَعَهُ عَدُوًّا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ إِهَانَةٍ وَاحْتِقَارٍ (ثُمَّ تُرَدُّونَ) مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ عَلَى الذُّلِّ وَالْمَوْتِ عَلَيْهِ: (إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) الَّذِي يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، وَمَا تَكْتُمُونَ وَمَا تُظْهِرُونَ.
وَالْغَيْبُ: مَا غَابَ عَنِ الْمُخَاطَبِينَ عِلْمُهُ، وَالشَّهَادَةُ:
مَا يَشْهَدُونَهُ وَيَعْرِفُونَهُ (١) (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) عِنْدَمَا تُحْشَرُونَ وَتُحَاسَبُونَ، وَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ بِمَا تَسْتَحِقُّونَ، وَهُوَ مَا أَوْعَدَكُمْ بِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي غَيْرِهَا كَقَوْلِهِ: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) (٤: ١٤٥) .
وَمِنَ الْفِقْهِ فِي الْآيَةِ أَنَّ مِنْ آدَابِ الْإِسْلَامِ تَحَامِيَ كُلِّ ذَنْبٍ أَوْ تَقْصِيرٍ يَحْتَاجُ فَاعِلُهُ إِلَى الِاعْتِذَارِ، وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ ((إِيَّاكَ وَكُلَّ أَمْرٍ يُعْتَذَرُ مِنْهُ)) رَوَاهُ الضِّيَاءُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَارَةِ عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَى غَيْرُهُ مِثْلَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ آخَرَ.
(سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) سَيُؤَكِّدُونَ لَكُمُ اعْتِذَارَهُمْ بِالْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ إِذَا انْقَلَبْتُمْ وَتَحَوَّلْتُمْ إِلَيْهِمْ مِنْ سَفَرِكُمْ لِأَجْلِ أَنْ تُعْرِضُوا عَنْ عَتْبِهِمْ وَتَوْبِيخِهِمْ عَلَى قُعُودِهِمْ مَعَ الْخَالِفِينَ مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ وَالْعَجَزَةِ، وَبُخْلِهِمْ بِالنَّفَقَةِ، وَلَمْ يُذْكَرِ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شُمُولِهِ لِكُلِّ مَا يُعْتَذَرُ عَنْهُ: (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ) إِعْرَاضَ إِهَانَةٍ وَاحْتِقَارٍ، لَا إِعْرَاضَ
стр. 4383
صَفْحٍ وَإِعْذَارٍ، وَهَذَا التَّعْبِيرُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، وَهُوَ قَبُولُ مَا يَبْغُونَ مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يَرْجُونَهُ مِنْهُ بَلْ عَلَى ضِدِّهِ، وَقَدْ عَلَّلَ الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ: (إِنَّهُمْ رِجْسٌ) أَيْ قَذَرٌ مَعْنَوِيٌّ يَجِبُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ تَنَزُّهًا عَنِ الْقُرْبِ مِنْهُ بِأَشَدَّ مِمَّا يَتَنَزَّهُ الطَّاهِرُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ عَنْ مُلَابَسَةِ الْأَرْجَاسِ وَالْأَقْذَارِ الْحِسِّيَّةِ. وَهَذَا بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (٢٨) وَسَبَقَ بَيَانُ مَعْنَى الرِّجْسِ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) (٥: ٩٠) مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أَيْ وَمَلْجَؤُهُمُ الْأَخِيرُ نَارُ جَهَنَّمَ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَعْمَالِ النِّفَاقِ الَّتِي دَنَّسَتْ أَنْفُسَهُمْ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ آيَاتِ اللهِ الَّذِي زَادَهُمْ رِجْسًا عَلَى رِجْسِهِمْ، كَمَا تَرَاهُ فِي الْآيَةِ (١٢٥) الْآتِيَةِ.
(يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) فَتَسْتَدِيمُوا مُعَامَلَتَهُمُ السَّابِقَةَ بِظَاهِرِ إِسْلَامِهِمْ وَهَذَا غَرَضٌ آخَرُ وَرَاءَ غَرَضِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ لَا يَهْنَأُ عَيْشُهُمْ بِدُونِهِ، وَلَا حَظَّ لَهُمْ مِنْ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ غَيْرَهُ وَلَوْ كَانَ إِسْلَامُهُمْ عَنْ إِيمَانٍ لَكَانَ غَرَضُهُمُ الْأَوَّلُ إِرْضَاءَ اللهِ وَرَسُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي آيَةِ (يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) (٦٢) إِلَخْ. وَلَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ وَهَذِهِ حَالَتُهُمْ (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ) فَرْضًا وَقَدْ أَعْلَمَكُمُ اللهُ بِحَالِهِمْ (فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) عَنْ أَمْرِهِ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا الْفُسُوقَ سَبَبٌ أَوْ عِلَّةٌ لِسُخْطِ اللهِ تَعَالَى، فَالْحُكْمُ بِعَدَمِ رِضَاهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ لَا بِذَوَاتِهِمْ وَشُخُوصِهِمْ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا فُرِضَ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ عَنْهُمْ وَآمَنَ لَهُمْ بِاعْتِذَارِهِمْ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ كَانَ فَاسِقًا مِثْلَهُمْ، مَحْرُومًا مِنْ رِضَائِهِ تَعَالَى، كَمَا أَنَّ مَنْ يَتُوبُ مِنْهُمْ وَيُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ يَخْرُجُ مِنْ حُدُودِ سُخْطِهِ وَيَدْخُلُ فِي حَظِيرَةِ مَرْضَاتِهِ ; إِذْ لَا يُعَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ فَاسِقًا. فَأَحْكَامُ اللهِ الْعَامَّةُ وَوَعْدُهُ وَوَعِيدُهُ تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْمَالِ وَالصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ لَا بِالذَّوَاتِ وَالْأَعْيَانِ، وَلَوْ قَالَ: ((فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنْهُمْ)) لَمَا أَفَادَ التَّعْبِيرُ هَذِهِ الْحَقَائِقَ وَالْمَعَانِيَ، بَلْ كَانَ يَكُونُ حُكْمًا عَلَى أَفْرَادٍ مُعَيَّنِينَ، مُسَجِّلًا عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ عَلَى كَفْرِهِمْ وَعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَمَا أَبْعَدَ هَذَا عَنْ حِكْمَةِ اللهِ وَعَنْ هِدَايَةِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ؟
وَلَا يُنَافِي هَذَا التَّحْقِيقُ مَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ وَمُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ وَأَصْحَابِهِمَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ بِأَلَّا يُجَالِسُوهُمْ وَلَا يُكَلِّمُوهُمْ ; إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ مَقْصُودُونَ مِنَ الْآيَاتِ بِذَوَاتِهِمْ وَشُخُوصِهِمْ كَالَّذِينِ نُهِيَ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ وَعَلَّلَهُ بِمَوْتِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَقَدْ قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِيهِ، فَإِنَّهُ حَلَفَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ عَوْدَتِهِ بِأَلَّا يَتَخَلَّفَ عَنْهُ، وَطَلَبَ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ فَلَمْ يَفْعَلْ. وَالْآيَاتُ أَعَمُّ مِنْ هَذَا وَذَاكَ. وَهِيَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ بِمَا فِيهَا مِنْ بَيَانِ مَقَاصِدِهِمُ الْخَفِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الِاعْتِذَارُ وَالْحَلِفُ مِنْ سَجَايَاهُمْ
стр. 4384
الْمَعْرُوفَةِ، وَإِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ كَثْرَةَ الْحَلِفِ ; لِشُعُورِ الْمُنَافِقِ دَائِمًا بِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ.
وَيَجِبُ التَّنَبُّهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِجَهْلٍ فَظِيعٍ - وَقَفْنَا عَلَيْهِ بِمُذَاكَرَةِ بَعْضِ الْمُشْتَغِلِينَ بِعُلُومِ الدِّينِ التَّقْلِيدِيَّةِ - مُخَالِفٍ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ زَعْمُهُمْ أَنَّ مَا عَابَهُ الْكِتَابُ الْحَكِيمُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَالْكَافِرِينَ مِنْ أَعْمَالِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ كَدُعَاءِ غَيْرِ اللهِ وَاتِّخَاذِ أَوْلِيَاءَ مَنْ دُونِهِ يُقَرِّبُونَهُمْ إِلَيْهِ وَيَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَهُ فِيمَا يَطْلُبُونَ مِنْ دَفْعِ ضُرٍّ وَجَلْبِ نَفْعٍ مِمَّا لَا يُنَالُ بِالْكَسْبِ، فَهُوَ خَاصٌّ بِهِمْ وَبِأَوْلِيَائِهِمْ وَشُفَعَائِهِمْ وَأَنَّ وُقُوعَ مِثْلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يُنَافِي صِحَّةَ إِيمَانِهِمْ، وَالِاعْتِدَادَ بِإِسْلَامِهِمْ ; لِلْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَ مَنْ يَدْعُو الْأَصْنَامَ وَالْأَوْثَانَ وَيَجْعَلُهَا وَاسِطَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى تَشْفَعُ لَهُ عِنْدَهُ وَتُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ زُلْفَى، وَمَنْ يَدْعُو الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ لِذَلِكَ وَهُمْ عِبَادُ اللهِ الْمُكْرَمُونَ، الَّذِينَ لَا خَوْفَ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ؟ ؟
جَهِلَ هَؤُلَاءِ أَنَّ الشِّرْكَ وَالْكُفْرَ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ مُتَعَلِّقِهِ فَمَنْ يَدْعُو مَعَ اللهِ صَنَمًا أَوْ كَوْكَبًا، كَمَنْ يَدْعُو نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا، عَلَى أَنَّ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ كَانَتْ تَمَاثِيلَ لِذِكْرَى بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَالْقُبُورِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى بَعْضِهِمْ نِسْبَةً صَحِيحَةً أَوْ مُزَوَّرَةً، وَلَكِنْ مَاذَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلُونَ الْمُدَافِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَدْعُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ الْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ، مُتَوَسِّلِينَ بِهِمْ وَمُسْتَشْفِعِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعَ الْقُبُورِيُّونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سُنَنَهُمْ فِي شِرْكِهِمْ كَمَا أَخْبَرَ ﷺ بِذَلِكَ تَحْذِيرًا وَإِنْذَارًا بِقَوْلِهِ ((لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ)) الْحَدِيثَ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِرَارًا، وَفُصِّلَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا) (٣١) فَيُرَاجَعُ تَفْسِيرُهَا.
وَيَذْكُرُ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلُونَ بِالْقُرْآنِ وَتَارِيخِ الْإِسْلَامِ فَرْقًا آخَرَ بَيْنَ شِرْكِ الْمُسْلِمِينَ وَشِرْكِ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ السَّابِقِينَ اتَّخَذُوا أَوْثَانَهُمْ وَأَنْبِيَاءَهُمْ وَأَوْلِيَاءَهُمْ آلِهَةً وَأَرْبَابًا، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الْأَوْلِيَاءَ وَيَسْتَغِيثُونَهُمْ فِي الشَّدَائِدِ طَلَبًا لِشَفَاعَتِهِمْ لَمْ يَتَّخِذُوهُمْ آلِهَةً وَلَا أَرْبَابًا وَإِنَّمَا يَتَّخِذُونَهُمْ وَسَائِلَ وَوَسَائِطَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ مِثْلَهُمْ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَمَلِ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا فِي التَّسْمِيَةِ وَلَكِنْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَمُشْرِكُو الْعَرَبِ لَمْ يَكُونُوا يُسَمُّونَ أَصْنَامَهُمْ أَرْبَابًا، بَلْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ وَيَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقَهُمْ وَمُدَبِّرَ أُمُورِهِمُ الَّذِي يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ ; لِأَنَّ هَذَا مُقْتَضَى لُغَتِهِمْ ; وَإِنَّمَا كَانُوا يُسَمُّونَهَا آلِهَةً لِأَنَّ الْإِلَهَ فِي لُغَتِهِمْ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَالْمَعْبُودُ هُوَ مَنْ يُتَوَجَّهُ إِلَيْهِ وَيُدْعَى فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ النَّاسُ بِكَسْبِهِمْ فِي دَائِرَةِ الْأَسْبَابِ الْمَعْرُوفَةِ لَهُمْ، وَيُعَظَّمُ وَيُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِالذَّبَائِحِ وَغَيْرِهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ سُلْطَانُهُ عَلَى النَّفْعِ وَدَفْعِ الضُّرِّ بِذَاتِهِ لِذَاتِهِ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى أَوْ بِشَفَاعَتِهِ عِنْدَ اللهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا الْمَعْنَى مِرَارًا. وَسَيُعَادُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُونُسَ
стр. 4385
لِلنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ فِيهِ، فَتَسْمِيَةُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ تَوَسُّلًا فِي عُرْفِ بَعْضِ النَّاسِ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ حَقِيقَتِهَا، وَلَا عَنْ كَوْنِ اسْمِهَا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ عِبَادَةً وَهُوَ مَا كَانَ يُسَمِّيهَا بِهِ أَهْلُ هَذِهِ اللُّغَةِ. وَإِنَّمَا التَّوَسُّلُ الشَّرْعِيُّ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمَا شَرَعَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، لَا بِالْأَهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ، وَلَا بِالتَّقَالِيدِ الْمُتَّبَعَةِ.
(الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي بَيَانِ حَالِ الْأَعْرَابِ مُنَافِقِيهِمْ وَمُؤْمِنِيهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا قَدْ نَزَلَتْ هِيَ وَمَا بَعْدَهَا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ بَعْدَ وُصُولِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَهِيَ بَدْءُ سِيَاقٍ جَدِيدٍ فِي تَفْصِيلِ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْعَهْدِ، بُدِئَ
بِذِكْرِ الْأَعْرَابِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِمُنَاسَبَةِ مَا قَبْلَهُ وَفَصْلٍ عَنْهُ لِأَنَّهُ سِيَاقٌ جَدِيدٌ مَعَ مَا بَعْدَهُ. (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ) بَيَانٌ مُسْتَأْنِفٌ لِحَالِ سُكَّانِ الْبَادِيَةِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ; لِأَنَّهُ مِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ فِي مُنَافِقِي الْحَضَرِ مِنْ سُكَّانِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْقُرَى. فَالْأَعْرَابُ اسْمُ جِنْسٍ لِبَدْوِ الْعَرَبِ، وَاحِدُهُ أَعْرَابِيٌّ، وَالْأُنْثَى أَعْرَابِيَّةٌ، وَالْجَمْعُ أَعَارِيبُ أَوِ الْعَرَبُ اسْمُ جِنْسٍ لِهَذَا الْجِيلِ الَّذِي يَنْطِقُ بِهَذِهِ اللُّغَةِ، بَدْوِهِ وَحَضَرِهِ، وَاحِدُهُ عَرَبِيٌّ. وَقَدْ وَصَفَ الْأَعْرَابَ بِأَمْرَيْنِ اقْتَضَتْهُمَا طَبِيعَةُ الْبَدَاوَةِ (الْأَوَّلُ) أَنَّ كُفَّارَهُمْ وَمُنَافِقِيهِمْ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا مِنْ أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ. وَلَا سِيَّمَا الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ نَفْسِهَا - لِأَنَّهُمْ أَغْلَظُ طِبَاعًا، وَأَقْسَى قُلُوبًا وَأَقَلُّ ذَوْقًا وَآدَابًا - كَدَأْبِ أَمْثَالِهِمْ مِنْ بَدْوِ سَائِرِ الْأُمَمِ - بِمَا يَقْضُونَ جُلَّ أَعْمَارِهِمْ فِي رَعْيِ الْأَنْعَامِ وَحِمَايَتِهَا مِنْ ضَوَارِي الْوُحُوشِ وَمِنْ تَعَدِّي أَمْثَالِهِمْ عَلَيْهَا وَعَلَى نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، فَهُمْ
стр. 4386
مَحْرُومُونَ مِنْ وَسَائِلِ الْعُلُومِ الْكَسْبِيَّةِ، وَالْآدَابِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ (الثَّانِي) أَنَّهُمْ أَجْدَرُ: أَيْ أَحَقُّ وَأَخْلَقُ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ بِأَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فِي كِتَابِهِ وَمَا آتَاهُ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي بَيَّنَ بِهَا تِلْكَ الْحُدُودَ بِسُنَنِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَفَهْمُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ اللُّغَوِيَّةِ لَا يَكْفِي فِي عِلْمِ حُدُودِهِ الْعَمَلِيَّةِ. كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى يَتَلَقَّوْنَ عَنْهُ ﷺ كُلَّ مَا يَنْزِلُ مِنَ الْقُرْآنِ وَقْتَ نُزُولِهِ، وَيَشْهَدُونَ سُنَّتَهُ فِي الْعَمَلِ بِهِ، وَكَانَ يُرْسِلُ الْعُمَّالَ إِلَى الْبِلَادِ الْمَفْتُوحَةِ يُقِيمُونَ فِيهَا وَيُبَلِّغُونَ الْقُرْآنَ، وَيَحْكُمُونَ بَيْنَ النَّاسِ بِهِ وَبِالسُّنَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لَهُ فَيَعْرِفُ أَهْلُهَا تِلْكَ الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّهَا اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُمْ أَنْ يَعْتَدُّوهَا. وَلَمْ يَكُنْ هَذَا كُلُّهُ مَيْسُورًا لِأَهْلِ الْبَوَادِي، وَهُمْ مَأْمُورُونَ بِالْهِجْرَةِ ; لِأَجْلِ الْعِلْمِ وَالنُّصْرَةِ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ عِلْمٍ وَحَضَارَةٍ.
فَالْأَعْرَابُ أَجْدَرُ بِالْجَهْلِ مِنَ الْحَضَرِ بِطَبِيعَةِ الْبَدَاوَةِ لَا بِضَعْفِ أَفْهَامِهِمْ، أَوْ بَلَادَةِ أَذْهَانِهِمْ أَوْ ضِيقِ نِطَاقِ بَيَانِهِمْ، فَقَدْ كَانُوا مَضْرِبَ الْأَمْثَالِ فِي قُوَّةِ الْجَنَانِ، وَلَوْذَعِيَّةِ الْأَذْهَانِ، وَذَرَابَةِ اللِّسَانِ وَسَعَةِ بَيْدَاءِ الْبَيَانِ، وَعَنْهُمْ أَخَذَ رُوَاةُ الْعَرَبِيَّةِ أَكْثَرَ مُفْرَدَاتِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَسَالِيبِهَا.
وَالْجَدَارَةُ بِالشَّيْءِ قَدْ تَكُونُ طَبْعِيَّةً، وَقَدْ تَكُونُ بِأَسْبَابٍ كَسْبِيَّةٍ، مِنْ فَنِّيَّةٍ
وَشَرْعِيَّةٍ وَأَدَبِيَّةٍ، وَقَدْ تَكُونُ بِأَسْبَابٍ سَلْبِيَّةٍ اقْتَضَتْهَا حَالَةُ الْمَعِيشَةِ وَالْبِيئَةِ، قِيلَ: إِنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجِدَارِ وَهُوَ الْحَائِطُ الَّذِي يَكُونُ حَدًّا لِلْبُسْتَانِ أَوِ الدَّارِ، وَقِيلَ: مِنْ جُدُرِ الشَّجَرَةِ، وَيُرَادِفُ الْجَدِيرُ بِالشَّيْءِ وَالْأَجْدَرُ، الْحَقِيقَ وَالْأَحَقَّ، وَالْخَلِيقَ وَالْأَخْلَقَ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ أَفْعَلُ فِي كُلٍّ مِنْهَا لِلتَّفْضِيلِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ غَالِبًا كَحَدِيثِ ((وَالثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا)) وَمَعَ تَرْكِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ أَحْيَانًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ) (٩: ٧٢) .
(وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) وَاسِعُ الْعِلْمِ بِأُمُورِ عِبَادِهِ وَصِفَاتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمُ الظَّاهِرَةِ مِنْ بَدَاوَةٍ وَحَضَارَةٍ وَعِلْمٍ وَجَهْلٍ، وَالْبَاطِنَةِ مِنْ إِيمَانٍ وَكُفْرٍ، وَإِخْلَاصٍ وَنِفَاقٍ تَامِّ الْحِكْمَةِ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَمَا يَشْرَعُهُ لَهُمْ وَمَا يَجْزِيهِمْ بِهِ، مِنْ نَعِيمٍ مُقِيمٍ، أَوْ عَذَابٍ أَلِيمٍ.
رَوَى أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. مَا عَدَا ابْنَ مَاجَهْ. وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشَّعْبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ ((مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ)) قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ((مَنْ بَدَا جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ، وَمَا ازْدَادَ أَحَدٌ مِنْ سُلْطَانِهِ قُرْبًا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللهِ بُعْدًا)) وَسَبَبُ الْأَخِيرِ أَنَّ السَّلَاطِينَ قَلَّمَا يَرْضَوْنَ عَمَّنْ يَلْتَزَمُ الْحَقَّ وَالصِّدْقَ وَالنُّصْحَ الصَّرِيحَ، وَقَلَّمَا يَأْتِيهِمْ وَيَزْدَادُ قُرْبًا مِنْهُمْ إِلَّا الَّذِي يَمْدَحُهُمْ بِالْبَاطِلِ وَيُعِينُهُمْ عَلَى الظُّلْمِ وَلَوْ بِالتَّأَوُّلِ لَهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْمَعْنَى فِي تَفْسِيرِ (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) (٦١) .
(وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا) تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ (٩٠) أَنَّ بَعْضَ الْأَعْرَابِ
стр. 4387
جَاءُوا النَّبِيَّ ﷺ مُعَذِّرِينَ لِيَأْذَنَ لَهُمْ فِي الْقُعُودِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَالَ الَّذِينَ كَانُوا يُنْفِقُونَ بَعْضَ أَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيلِ الْجِهَادِ رِيَاءً وَتَقِيَّةً فَيَعُدُّونَ مَا يُنْفِقُونَهُ مِنَ الْمَغَارِمِ وَهِيَ مَا يَلْزَمُهُ الْمَرْءُ مِمَّا يَثْقُلُ عَلَيْهِ فَيَلْتَزِمُهُ كُرْهًا أَوْ طَوْعًا لِدَفْعِ مَكْرُوهٍ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ قَوْمِهِ وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ذَاتِيَّةٌ. وَلَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابُ الْمُنَافِقُونَ يَرْجُونَ بِهَذِهِ النَّفَقَةِ جَزَاءً فِي الْآخِرَةِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ.
وَلِهَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي بِالْمَغْرَمِ أَنَّهُ لَا يَرْجُو ثَوَابًا عِنْدَ اللهِ وَلَا مُجَازَاةً وَإِنَّمَا يُعْطِي مَا يُعْطِي مِنَ الصَّدَقَاتِ كُرْهًا. وَعَنِ ابْنِ زَيْدٍ إِنَّمَا يُنْفِقُونَ رِيَاءً اتِّقَاءَ أَنْ يُغْزَوْا وَيُحَارَبُوا وَيُقَاتَلُوا وَيَرَوْنَ نَفَقَاتِهِمْ مَغْرَمًا (قَالَ) وَهُمْ بَنُو أَسَدٍ وَغَطَفَانَ.
(وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ) أَيْ يَنْتَظِرُونَ دَوَائِرَ الزَّمَانِ: أَيْ تَصَارِيفَهُ وَنَوَائِبَهُ الَّتِي تَدُورُ بِالنَّاسِ وَتُحِيطُ بِهِمْ بِشُرُورِهَا أَنْ تَنْزِلَ بِكُمْ فَتُبَدِّلَ قُوَّتَكُمْ ضَعْفًا، وَعِزَّكُمْ ذُلًّا، وَانْتِصَارَكُمْ هَزِيمَةً وَكَسْرًا، فَيَسْتَرِيحُوا مِنْ أَدَاءِ هَذِهِ الْمَغَارِمِ لَكُمْ، بِالتَّبَعِ لِلْخُرُوجِ مِنْ طَاعَتِكُمْ، وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ نِفَاقًا لَكُمْ. كَانُوا أَوَّلًا يَتَوَقَّعُونَ ظُهُورَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا يَئِسُوا مِنْ ذَلِكَ صَارُوا يَنْتَظِرُونَ مَوْتَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَظُنُّونَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَمُوتُ بِمَوْتِهِ - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ -. وَهَكَذَا يُعَلِّلُ الْجَاهِلُ الضَّعِيفُ نَفْسَهُ الْخَبِيثَةَ بِالْأَمَانِيِّ وَالْأَوْهَامِ.
وَإِذَا كَانَ مُنَافِقُو الْمَدِينَةِ الَّذِينَ هُمْ أَجْدَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ أَنْ يَعْلَمُوا مَا فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْقُوَّةِ الذَّاتِيَّةِ، وَمَا فِي اعْتِصَامِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ بِهِ مِنَ الْقُوَّةِ الْحَرْبِيَّةِ، كَانُوا يَتَرَبَّصُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ الْهَزِيمَةَ مِنَ الرُّومِ فِي تَبُوكَ، وَكَانُوا إِنْ أَصَابَ النَّبِيَّ ﷺ مُصِيبَةٌ مِمَّا لَا يَخْلُو عَنْهُ الْبَشَرُ يَفْرَحُونَ وَيَقُولُونَ: (قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ) (٩: ٥) أَيِ احْتَطْنَا لِهَذِهِ الْعَاقِبَةِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، فَهَلْ يُسْتَغْرَبُ مِثْلُ هَذَا التَّرَبُّصِ مِنَ الْأَعْرَابِ سُكَّانِ الْبَادِيَةِ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ مَا ذُكِرَ؟ (رَاجِعْ تَفْسِيرَ الْآيَاتِ ٥٠ - ٤٥) مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ.
(عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَرَبَّصُونَهُ بِالْمُؤْمِنِينَ، أَوْ خَبَرٌ بِحَقِيقَةِ حَالِهِمْ مَعَهُمْ، وَمَآلُ الِاحْتِمَالَيْنِ وَاحِدٌ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى حَقٌّ وَمَضْمُونَهُ كَمَضْمُونِ الدُّعَاءِ وَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ، وَالدُّعَاءُ مِنْهُ يُرَادُ بِهِ مَآلُهُ وَهُوَ وُقُوعُ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ وَإِحَاطَتُهُ بِهِمْ.
وَالسَّوْءُ بِالْفَتْحِ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ: وَهُوَ مَصْدَرُ سَاءَهُ الْأَمْرُ ضِدَّ سَرَّهُ، وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الْفَتْحِ بِالضَّمِّ وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يَسُوءُ، وَالْإِضَافَةُ: كَرَجُلِ صِدْقٍ وَقَدَمِ صِدْقٍ. وَتَقْدِيمُ الْخَبَرِ يُفِيدُ الْحَصْرَ: أَيْ عَلَيْهِمْ وَحْدَهُمُ الدَّائِرَةُ السُّوأَى تُحِيطُ بِهِمْ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَهَا بِهِمْ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا عَاقِبَةَ لَهُمْ تَتَرَبَّصُ بِهِمْ إِلَّا مَا يَسُرُّهُمْ وَيُفْرِحُهُمْ مِنْ نَصْرِ اللهِ
وَتَوْفِيقِهِ لَهُمْ، وَمَا يَسُوءُ أَعْدَاءَهُمْ مِنْ خِذْلَانٍ وَخَيْبَةٍ وَتَعْذِيبٍ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ حَتَّى بِأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) (٥٢) وَقَوْلِهِ (فَلَا تُعْجِبْكُ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ) (٥٥) .
стр. 4388
(وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِهِمُ الْمُعَبِّرَةِ عَنْ شُعُورِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ فِي نَفَقَاتِهِمْ إِذَا تَحَدَّثُوا بِهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَأَقْوَالِهِمُ الَّتِي يَقُولُونَهَا لِلرَّسُولِ أَوْ لِعُمَّالِهِ عَلَى الصَّدَقَاتِ، أَوْ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مُرَاءَاةً لَهُمْ، وَلَا مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا وَمِنْ نِيَّاتِهِمْ وَسَرَائِرِهِمُ الَّتِي يُخْفُونَهَا، فَهُوَ سَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى مَا يَسْمَعُ وَيَعْلَمُ - أَيْ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ - وَيَجْزِيهِمْ بِهِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ حَالَ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ الْمُنَافِقِينَ عَطَفَ عَلَيْهِ بَيَانَ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ فَقَالَ.
(وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إِيمَانًا صَادِقًا إِذْعَانِيًّا تَصْدُرُ عَنْهُ آثَارُهُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ بَنُو مُقَرِّنٍ مِنْ مُزَيْنَةَ وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ) (٩٢) الْآيَةَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَجُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ، وَثَمَّ رِوَايَاتٌ أُخْرَى فِيهِمْ وَالنَّصُّ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَعْرَابِ وَقَدْ ذَكَرَ مِنْ وَصْفِهِمْ ضِدَّ مَا ذَكَرَهُ فِي وَصْفِ مَنْ قَبْلَهُمْ فِي أَمْرِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَالَ (وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ) أَيْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُهُ وَسِيلَةً لِأَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ أَوَّلُهُمَا الْقُرُبَاتُ وَالزُّلْفَى عِنْدَ اللهِ ، وَثَانِيهِمَا صَلَوَاتُ الرَّسُولِ، أَيْ أَدْعِيَتُهُ ; لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي النَّصِّ انْتِفَاعُ أَحَدٍ بِعَمَلِ غَيْرِهِ إِلَّا الدُّعَاءَ وَمَا يَكُونُ الْمَرْءُ سَبَبًا فِيهِ كَالْوَلَدِ الصَّالِحِ، وَالسَّنَّةُ الْحَسَنَةُ يُتَّبَعُ فِيهَا. فَهَذَا
الْقَصْدُ فِي اتِّخَاذِ الصَّدَقَاتِ ضِدُّ اتِّخَاذِ الْمُنَافِقِينَ إِيَّاهَا مَغْرَمًا. وَالْقُرُبَاتُ كَالْقُرَبِ جَمْعُ قُرْبَةٍ (بِضَمِّ الْقَافِ) وَهِيَ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْمَكَانَةِ. كَالْقُرْبِ فِي الْمَكَانِ وَالْقُرْبَى فِي الرَّحِمِ، وَالْأَصْلُ فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ: وَهُوَ الدُّنُوُّ مِنَ الشَّيْءِ مُطْلَقًا، فَقَصْدُ الْقُرْبَةِ فِي الْعَمَلِ هُوَ الْإِخْلَاصُ وَابْتِغَاءُ مَرْضَاةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ وَمَثُوبَتِهِ فِيهِ، وَجَمْعُهَا بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ النَّفَقَاتِ فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى إِخْلَاصِهِمْ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْهَا وَالصَّلَوَاتُ جَمْعُ صَلَاةٍ وَمَعْنَاهَا، أَوْ أَحَدُ مَعَانِيهَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ الدُّعَاءُ، وَإِطْلَاقُهَا عَلَى الْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ شَرْعِيٌّ وَجْهُهُ أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ رُوحُهَا الْأَعْظَمُ ; لِأَنَّهُ مُخُّ الْعِبَادَةِ وَسِرُّهَا الَّذِي تَتَحَقَّقُ بِهِ الْعُبُودِيَّةُ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهَا وَهُوَ فِي الْفَاتِحَةِ فَرِيضَةٌ، وَفِي السُّجُودِ فَضِيلَةٌ وَيَأْتِي قَرِيبًا بَيَانُ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُتَصَدِّقِينَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: (١٠٣) .
وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى جَزَاءَ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ عَلَى مَا يُشْهَدُ لَهُمْ بِهِ مِنْ صِدْقِ الْإِيمَانِ وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ فِي الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَدَائِهِمْ بِهِ حَقَّ اللهِ، وَهُوَ قَصْدُ الْقُرْبَةِ عِنْدَهُ. وَحَقُّ الرَّسُولِ وَهُوَ طَلَبُ دُعَائِهِ لَهُمْ بِقَبُولِ نَفَقَتِهِمْ وَإِثَابَتِهِمْ عَلَيْهَا، فَقَالَ بِأُسْلُوبِ الِاسْتِئْنَافِ الْمُشْعِرِ بِالِاهْتِمَامِ
стр. 4389
(أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ) وَهُوَ إِخْبَارٌ بِقَبُولِهِ تَعَالَى لِنَفَقَتِهِمْ. مُؤَكَّدٌ بِافْتِتَاحِهِ بِأَدَاةِ التَّنْبِيهِ الدَّالَّةِ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِمَا بَعْدَهَا وَهِيَ (أَلَا) وَبِـ (إِنَّ) الدَّالَّةِ عَلَى تَحْقِيقِ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّهَا قُرْبَةٌ) رَاجِعٌ إِلَى النَّفَقَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ قَوْلِهِ: (مَا يُنْفِقُ) فَإِفْرَادُ الْقُرْبَةِ لِأَنَّهَا خَبَرٌ لِضَمِيرِ الْمُفْرَدِ.
وَقَوْلُهُ: (سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ) تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الْقُرْبَةِ، وَالْمُرَادُ بِالرَّحْمَةِ هُنَا الرَّحْمَةُ الْخَاصَّةُ بِمَنْ ﵃ وَهِيَ هِدَايَةُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَمَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ مِنْ دَارِ نَعِيمٍ وَمَعْنَى إِدْخَالِهِمْ فِيهَا أَنْ يَكُونُوا مَغْمُورِينَ فِيهَا وَتَكُونُ هِيَ مُحِيطَةً بِهِمْ شَامِلَةً لَهُمْ. وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ مَثَلٍ (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ) (٩: ٢١) وَالسِّينُ فِي قَوْلِهِ: (سَيُدْخِلُهُمْ) لِتَأْكِيدِ الْوَعْدِ وَتَحْقِيقِهِ، وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ. وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أَيْ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ يَغْفِرُ لِلْمُخْلِصِينَ فِي أَعْمَالِهِمْ مَا يُلِمُّونَ بِهِ مِنْ ذَنْبٍ أَوْ تَقْصِيرٍ، وَيَرْحَمُ الصَّادِقِينَ فِي إِيمَانِهِمْ فَيَهْدِيهِمْ بِهِ إِلَى أَحْسَنِ الْعَمَلِ وَخَيْرِ الْمَصِيرِ. وَفِي الْآيَةِ مِنْ بَلَاغَةِ الْإِيجَازِ مَا يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ مَقَامِ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ.
(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
هَذَا تَقْسِيمٌ آخَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ وَالْبَدْوِ جَمِيعًا، عَطَفَ عَلَى تَقْسِيمِ الْأَعْرَابِ لِمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ جَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْعَهْدِ، قَالَ:
стр. 4390
(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) هَذِهِ طَبَقَاتٌ ثَلَاثٌ هِيَ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ فِي جُمْلَتِهَا خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (فَالْأُولَى) السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَابْنِ سِيرِينَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ بَدْرٍ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرُّضْوَانِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَعَلَيْهِ الشَّعْبِيُّ وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَمَا قَبْلَهُ فِي السَّابِقِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ جَمِيعًا وَأَمَّا السَّابِقُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَحْدَهُمْ فَهُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا قَبْلَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ ; لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ يَضْطَهِدُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي بِلَادِهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ وَمَا حَوْلَهَا، وَلَا يُمَكِّنُونَ أَحَدًا مِنَ الْهِجْرَةِ مَا وَجَدُوا إِلَى صَدِّهِ سَبِيلًا، وَلَا مَنْجَاةَ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ شَرِّهِمْ إِلَّا بِالْفِرَارِ أَوِ الْجِوَارِ، فَالَّذِينَ هَاجَرُوا قَبْلَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ كَانُوا كُلُّهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مُنَافِقٌ كَمَا قُلْنَا ; إِذْ لَمْ يَكُنْ لِلنِّفَاقِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُقْتَضًى وَلَا سَبَبٌ، وَلَا لِلْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ دَاعٍ غَيْرَ الْإِخْلَاصِ فِي الْإِيمَانِ وَإِقَامَةِ بِنَاءِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ يَتَفَاضَلُونَ فِي السَّبْقِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَأَفْضَلُهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ فَسَائِرُ الَّذِينَ بَشَّرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجَنَّةِ بِأَشْخَاصِهِمْ، وَمَا كُلُّ سَابِقٍ أَفْضَلُ مَنْ كُلِّ مَسْبُوقٍ، وَمِنَ السَّابِقِينَ بِالْإِيمَانِ مَنْ سَبَقَهُ غَيْرُهُ بِالْهِجْرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ آمَنَ عَلَى الْإِطْلَاقِ خَدِيجَةُ ﵂ لِأَنَّهُ ﷺ بَلَّغَهَا خَبَرَ بَعْثَتِهِ قَبْلَ كُلِّ أَحَدٍ فَصَدَّقَتْ وَآمَنَتْ، وَيَلِيهَا مَنْ كَانَ مَعَهُ ﷺ فِي بَيْتِهَا، وَهُمْ عَلِيٌّ وَكَانَ ابْنَ ١٠ سِنِينَ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَمِنْ خَارِجِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ مِنَ الرِّجَالِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ آمَنَ عِنْدَمَا دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِغَيْرِ أَدْنَى تَرَيُّثٍ أَوْ تَرَدُّدٍ، وَلَا فِي أَنَّهُ أَوَّلُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ الرَّسُولِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْغَارِ، وَأَوَّلُ الدُّعَاةِ إِلَى الْإِسْلَامِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ .
(الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ) السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمُ الَّذِينَ بَايَعُوا النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الْعَقَبَةِ فِي مِنًى فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْبَعْثَةِ وَكَانُوا سَبْعَةً، وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، وَيَلِيهِمُ الَّذِينَ آمَنُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ أَبُو زُرَارَةَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ مِنْ قِبَلِ النَّبِيِّ ﷺ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ، وَأَرْسَلَهُ مَعَ أَهْلِ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنَ الْبَعْثَةِ وَكَذَا مَنْ آمَنَ عِنْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَبْلَ أَنْ تَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ غَالِبَةٌ تُتَّقَى وَتُرْتَجَى، وَهَذِهِ الْقُوَّةُ رَسَخَتْ عَقِبَ هِجْرَتِهِ ﷺ وَصَارَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ نِفَاقًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي شَأْنِ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَكَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ) (٨: ٤٩) وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَلَا مِنَ الْأَنْصَارِ السَّابِقِينَ وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ.
стр. 4391
(الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ) الَّذِينَ اتَّبَعُوا هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي الْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ اتِّبَاعًا بِإِحْسَانٍ، أَوْ مُحْسِنِينَ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ، فَتَضَمَّنَ هَذَا الْقَيْدُ الشَّهَادَةَ لِلسَّابِقِينَ بِكَمَالِ الْإِحْسَانِ ; لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِيهِ أَئِمَّةً مَتْبُوعِينَ، وَخَرَجَ بِهِ مَنِ اتَّبَعُوهُمْ فِي ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ مُسِيئِينَ غَيْرَ مُحْسِنِينَ فِي هَذَا الِاتِّبَاعِ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ،
وَمَنِ اتَّبَعُوهُمْ مُحْسِنِينَ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَمُسِيئِينَ فِي بَعْضٍ وَهْمُ الْمُذْنِبُونَ وَالْآيَاتُ مُبَيِّنَةٌ حَالَ الْفَرِيقَيْنِ.
هَؤُلَاءِ الطَّبَقَاتُ الثَّلَاثُ ﵃ فِي إِيمَانِهِمْ وَإِسْلَامِهِمْ وَإِحْسَانِهِمْ وَأَعْلَاهُ مَا كَانَ مِنْ هِجْرَتِهِمْ وَجِهَادِهِمْ، فَقَبِلَ طَاعَاتِهِمْ، وَغَفَرَ سَيِّئَاتِهِمْ، وَتَجَاوَزَ عَنْ زَلَّاتِهِمْ، إِذْ بِهِمْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ، وَنَكَّلَ بِأَعْدَائِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ (وَرَضُوا عَنْهُ) بِمَا وَفَّقَهُمْ لَهُ، وَأَسْبَغَهُ عَلَيْهِمْ مَنْ نِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ فَأَنْقَذَهُمْ مِنْ شِرْكٍ وَهَدَاهُمْ مِنْ ضَلَالٍ، وَأَغْنَاهُمْ مِنْ فَقْرٍ وَأَعَزَّهُمْ مِنْ ذُلٍّ. (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا الْوَعْدِ الْكَرِيمِ فِي الْآيَةِ (٧٢) وَفِي آيَاتٍ أُخْرَى، وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ، وَأَيُّ فَوْزٍ أَعْظَمُ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ الْخَالِدِ مِنْ بَدَنِيٍّ وَرُوحَانِيٍّ؟
قَرَأَ الْجُمْهُورُ: (وَالْأَنْصَارِ) بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى: (الْمُهَاجِرِينَ) ، وَقَرَأَهَا يَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى (وَالسَّابِقُونَ) وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ، بَلْ رُوِيَ أَيْضًا - وَفِيهِ نَظَرٌ عِنْدِي أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَرَأَهَا كَذَلِكَ مَعَ جَعْلِ (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) صِفَةً لِلْأَنْصَارِ وَأَنْكَرَ عَلَى رَجُلٍ قَرَأَهَا بِالْخَفْضِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَلَقَّاهَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَاتِبِ الْوَحْيِ وَجَامِعِ الْقُرْآنِ فَسَأَلَ عُمَرُ أُبَيًّا فَصَدَّقَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَكَذَا سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا هَكَذَا أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَى جِبْرِيلَ وَنَزَلَ بِهَا جِبْرِيلُ عَلَى قَلْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ عُمَرُ: لَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَنَّا رُفِعْنَا رِفْعَةً لَا يَبْلُغُهَا أَحَدٌ بَعْدَنَا - يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ - فَقَالَ أُبَيٌّ: تَصْدِيقُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْجُمْعَةِ (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٦٢: ٣) .
وَلَفْظُ الِاتِّبَاعِ فِيهَا نَصٌّ فِي الصَّحَابَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي صِفَتَيْهِمْ: الْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ، وَهُوَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي فَلَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ التَّابِعُونَ الَّذِينَ تَلَقَّوُا الدِّينَ وَالْعِلْمَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَنَالُوا شَرَفَ الصُّحْبَةِ وَالْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ، وَتَسْمِيَةُ هَؤُلَاءِ بِالتَّابِعِينَ اصْطِلَاحِيَّةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَانْتِقَالِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى.
وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي آخِرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ، وَعَبَّرَ فِيهِ عَنِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ) (٨: ٧٥) وَذَكَرْتُ فِي تَفْسِيرِهَا آيَاتُ سُورَةِ الْحَشْرِ وَقَدْ عَبَّرَ فِيهَا عَنِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) (٥٩: ١٠) إِلَخْ وَلَا شَكَّ فِي مُشَارَكَةِ سَائِرِ
стр. 4392
الْمُؤْمِنِينَ لِأُولَئِكَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ فِي رِضَاءِ اللهِ وَثَوَابِهِ بِقَدْرِ اتِّبَاعِهِمْ لَهُمْ فِي الْهِجْرَةِ إِنْ وُجِدَتْ أَسْبَابُهَا وَالْجِهَادِ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ لِنُصْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْهَا نُصْرَتُهُ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، وَفِي سَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَإِنَّ الْآيَاتِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ; لِأَنَّ الْجَزَاءَ فِي حُكْمِ اللهِ الْحَقُّ وَشَرْعُهُ الْعَدْلُ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَلِلسَّابِقِينَ فِي كُلِّ عَمَلٍ فَضِيلَةُ السَّبْقِ وَالْإِمَامَةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَيَمْتَازُ عَصْرُ الرَّسُولِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَأُقِيمَ بُنْيَانُهُ، وَرُفِعَتْ أَرْكَانُهُ، وَنُشِرَتْ فِي الْخَافِقَيْنِ أَعْلَامُهُ، عَلَى كُلِّ عَصْرٍ بَعْدَهُ، وَهُمُ الْأَقَلُّونَ الْمُقَرَّبُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (٥٦: ١٠ - ١٤) .
هَذِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِلطَّبَقَاتِ الثَّلَاثِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدْمَغُ حَقُّهَا بَاطِلَ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ فِيهِمْ، وَيُحْثُونَ التُّرَابَ فِي أَفْوَاهِهِمْ، وَالَّذِي سَنَّ لَهُمْ هَذَا الطَّعْنَ فِي جُمْهُورِهِمُ الْأَعْظَمِ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَبَأٍ الْيَهُودِيُّ الَّذِي أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ لِأَجْلِ إِيقَاعِ الشِّقَاقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِفْسَادِ أَمْرِهِمْ، ثُمَّ نَظَّمَ الدَّعْوَةَ لِذَلِكَ زَنَادِقَةُ الْمَجُوسِ بَعْدَ فَتْحِ الْمُسْلِمِينَ لِبِلَادِهِمْ، كَمَا بَيَّنَّاهُ مِرَارًا. ثُمَّ جَعَلَ الرَّفْضَ مَذْهَبًا لَهُ فِرَقٌ ذَاتُ عَقَائِدَ، مِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ ابْتِدَاعٌ قَبِيحٌ. وَمِنْهَا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: أَتَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ فَقُلْتُ لَهُ: مَا قَوْلُكَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: جَمِيعُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْجَنَّةِ مُحْسِنُهُمْ وَمُسِيئُهُمْ. فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ اقْرَأْ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) - إِلَى أَنْ قَالَ: (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا
عَنْهُ) وَقَالَ: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) شَرَطَ فِي التَّابِعِينَ شَرِيطَةً وَهِيَ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ فِي أَفْعَالِهِمُ الْحَسَنَةِ دُونَ السَّيِّئَةِ. قَالَ أَبُو صَخْرٍ: فَكَأَنِّي لَمْ أَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ قَطُّ.
وَالتَّحْقِيقُ مَا قُلْنَاهُ. فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا بَعْدَهَا فِي بَيَانِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي عَهْدِ نُزُولِهَا مُؤْمِنِيهِمْ وَمُنَافِقِيهِمْ. وَمُحْسِنِيهِمْ وَمُسِيئِيهِمْ وَالَّذِينَ خَلَطُوا مِنْهُمْ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا وَالَّذِينَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَالَّذِينَ أَرْجَأَ تَوْبَتَهُمْ. وَهَذِهِ الْآيَةُ نَصٌّ فِي أَنَّ الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ فِي الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ - عِنْدَمَا أُبِيحَتِ الْهِجْرَةُ وَتَيَسَّرَتْ أَسْبَابُهَا بِصُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ قَدْ فَازُوا كُلُّهُمْ بِرِضَاءِ اللهِ وَوَعْدِهِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَلْ كَانَ جَمِيعُ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا إِلَى أَنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ وَأَعْتَقَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَهَا فَأَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ وَالسُّيُوفُ تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ فَكَانَ مِنْهُمُ الْمُنَافِقُونَ وَضُعَفَاءُ الْإِيمَانِ الْمُقَلِّدُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا سَبَبَ الْهَزِيمَةِ فِي حُنَيْنٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ (٢٥ - ٢٧) ثُمَّ حَسُنَ إِسْلَامُ الْأَكْثَرِينَ، فَفَتَحُوا الْفُتُوحَاتِ وَنَشَرُوا الْإِسْلَامَ فِي الْعَالَمِينَ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ جَمِيعَ أَفْرَادِ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثِ، قَدْ جَازُوا الْقَنْطَرَةَ وَاسْتَبَقُوا
стр. 4393
الصِّرَاطَ، وَمَا عَادَ يُؤَثِّرُ فِي كَمَالِ إِيمَانِهِمْ شَيْءٌ ; لِأَنَّ نُورَهُمْ يَمْحُو كُلَّ ظُلْمَةٍ تَطْرَأُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ بِإِلْمَامِهِ بِذَنْبٍ. وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُ: إِنَّ مَنِ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَعْدِيلِهِ فِي الرِّوَايَةِ - أَيِ اعْتَمَدَا عَلَيْهِ فِي أُصُولِهِمَا الْمُسْنَدَةِ - قَدْ جَازَ قَنْطَرَةَ الْجَرْحِ، فَمَاذَا يُقَالُ فَيَمَنْ عَدَّلَهُمُ اللهُ وَشَهِدَ لَهُمْ بِأَنَّهُ رَضِيَ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ؟ ؟ وَسَيَأْتِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى تَابَ عَلَى الْمُذْنِبِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ وَغَفَرَ لَهُمْ وَلِلشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ عَرَبِيٍّ مُنَاظَرَةٌ مَعَ نَفْسِهِ بَسَطَهَا فِي كِتَابِهِ (رُوحُ الْقُدُسِ) ذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ فِي أَثْنَاءِ مُجَاوَرَتِهِ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ حَدَثَ لِنَفْسِهِ مِنَ الْإِعْجَابِ بِعِبَادَتِهَا وَمَعْرِفَتِهَا مَا دَعَاهُ إِلَى مُنَاظَرَتِهَا وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهَا بِغُرُورِهَا، فَعَرَضَهَا أَوَّلًا عَلَى الْقُرْآنِ، فَاعْتَرَفَتْ بِضَعْفِهَا عَنْ بُلُوغِ مَا قَرَّرَهُ مِنْ أَوْجِ الْكَمَالِ، فَعَرَضَهَا عَلَى سِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْذَرَتْ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ)) وَهُوَ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ دُونِهِ
كُلُّ إِنْسَانٍ، فَعَرَضَهَا عَلَى فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ فَأَقَرَّتْ بِعَجْزِهَا عَنِ الرُّجْحَانِ فِي هَذَا الْمِيزَانِ، وَمُسَابَقَةِ مَنْ رَبَّاهُمُ الْمُصْطَفَى بِكِتَابِ اللهِ وَآيَاتِهِ، وَزَكَّاهُمْ بِحِكْمَتِهِ فَاقْتَبَسُوا نُورَهُ مِنْ مِشْكَاتِهِ، وَلَكِنَّهَا أَبَتْ أَنْ تَعْتَرِفَ لِكِبَارِ التَّابِعِينَ بِمِثْلِ هَذَا السَّبْقِ، كَانَ لَهُ مَعَهَا حِجَاجٌ فِي أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى حَقَائِقِ عِلْمِ النَّفْسِ.
(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ تَعَالَى حَالَ كَمَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ قَفَّى عَلَيْهِ بِذِكْرِ مَرَدَةِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ، وَعَطْفُهُمْ عَلَيْهِمْ مِنْ بَابِ عَطْفِ الضِّدِّ عَلَى الضِّدِّ، فَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ بَعْضَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ حَوْلَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مُنَافِقُونَ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَهُمْ مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ وَأَشْجَعَ وَأَسْلَمَ وَغِفَارَ، كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، أَيْ كَمَا كَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ صَادِقُونَ دَعَا لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ نَفْسِهَا مُنَافِقِينَ أَيْضًا مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ غَيْرَ مَنْ أَعْلَمَ اللهُ وَرَسُولُهُ بِهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِمَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ لِلْإِيمَانِ، وَقَدْ وَصَفَ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ: (مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ) أَيْ مُرِّنُوا عَلَيْهِ وَحَذَقُوهُ حَتَّى بَلَغُوا الْغَايَةَ مِنْ إِتْقَانِهِ وَجَعْلِهِ بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ أَحَدٌ بِهِ لِاتِّقَائِهِمْ جَمِيعَ الْأَمَارَاتِ وَالشُّبُهَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ. يُقَالُ: مَرَدَ عَلَى الشَّيْءِ يَمْرُدُ (كَقَعَدَ يَقْعُدُ) مُرُودًا إِذَا مُرِّنَ عَلَيْهِ. وَإِذَا عَتَا وَاشْتَدَّ فِيهِ حَتَّى يَتَعَذَّرَ إِرْجَاعُهُ عَنْهُ. وَمِنَ الْأَوَّلِ الْغُلَامُ الْأَمْرَدُ الَّذِي لَمْ يَنْبُتِ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ، وَالشَّجَرَةُ الْمَرْدَاءُ الَّتِي لَا وَرَقَ فِيهَا، وَمِنْهُ مَرَّدَ الشَّيْءَ تَمْرِيدًا إِذَا صَقَّلَهُ وَمَلَّسَهُ حَتَّى صَارَ أَمْلَسَ لَا حُرْشَةَ فِيهِ وَلَا خُشُونَةَ، وَمِنْهُ (صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ) (٢٧: ٤٤) قَالَ فِي اللِّسَانِ وَتَأْوِيلُ الْمُرُودِ أَنْ يَبْلُغَ الْغَايَةَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَيْهِ الصِّنْفُ. ثُمَّ قَالَ: وَالْمُرُودُ عَلَى الشَّيْءِ الْمُرُونُ عَلَيْهِ، وَمَرَدَ عَلَى الْكَلَامِ: أَيُّ مَرُنَ عَلَيْهِ لَا يَعْبَأُ بِهِ - أَيْ لَا يُعْنَى أَنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ - قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ) ، قَالَ الْفَرَّاءُ: يُرِيدُ مَرَنُوا عَلَيْهِ وَجُرِّبُوا كَقَوْلِكَ: تَمَرَّدُوا، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْمَرَدُ التَّطَاوُلُ بِالْكِبْرِ وَالْمَعَاصِي وَمِنْهُ قَوْلُهُ (مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ) أَيْ تَطَاوَلُوا. اهـ.
стр. 4394
(لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) أَيْ لَا تَعْرِفُهُمْ أَيُّهَا الرَّسُولُ بِفِطْنَتِكَ وَدِقَّةِ فَرَاسَتِكَ الَّتِي تَنْظُرُ فِيهَا بِنُورِ اللهِ لِحِذْقِهِمْ وَتَجَنُّبِ مَثَارَاتِ الشُّبْهَةِ، وَأُكِّدَ هَذَا النَّفْيُ بِإِثْبَاتِ الْعِلْمِ بِأَعْيَانِهِمْ لَهُ وَحْدَهُ ، وَلَعَلَّهُمْ أَخْفَى نِفَاقًا وَأَشَدُّ تَقِيَّةً مِمَّنْ قَالَ فِيهِمْ: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) (٤٧: ٢٩، ٣٠) .
فَهَؤُلَاءِ مِمَّنْ لَمْ يُعْلِمْهُ اللهُ بِأَعْيَانِهِمْ كَمَا أَعْلَمَهُ بِمَنْ أُشِيرَ إِلَيْهِمْ فِي الْآيَةِ (٧٤) وَلَا فَضَحَهُمْ بِأَقْوَالٍ قَالُوهَا وَلَا بِأَفْعَالٍ فَعَلُوهَا كَمَا فَضَحَ غَيْرَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ; لِأَنَّهُمْ بِمُرُودِهِمْ عَلَى النِّفَاقِ يَتَحَامَوْنَ مَا يَكُونُ شُبْهَةً عَلَى إِيمَانِهِمْ، فَضَرَرُهُ قَاصِرٌ عَلَيْهِمْ، وَحِكْمَةُ إِخْبَارِهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِذَلِكَ أَنْ يَعْلَمُوا هُمْ أَنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يُسِرُّونَ مِنْ نِفَاقِهِمْ، وَيَحْذَرُوا أَنْ يَفْضَحَهُمْ كَمَا فَضَحَ غَيْرَهُمْ ; لِيَتُوبَ الْمُسْتَعِدُّ لِلْإِيمَانِ مِنْهُمْ وَهُوَ فِي سِتْرِ اللهِ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يُنْجِزَ مَا أَوْعَدَهُمْ بِقَوْلِهِ: (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) أَيْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، إِحْدَاهُمَا: مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الْمَصَائِبِ وَتَوْبِيخِ الضَّمَائِرِ، وَانْتِظَارِ الْفَضِيحَةِ بِهَتْكِ أَسْتَارِ السَّرَائِرِ وَمَا يَتْلُو ذَلِكَ مِنْ جِهَادِهِمْ إِذَا ظَهَرَ نِفَاقُهُمْ كَغَيْرِهِمْ، وَالثَّانِيَةُ: آلَامُ الْمَوْتِ، وَزُهُوقُ أَنْفُسِهِمْ وَهُمْ كَافِرُونَ، وَضَرْبُ الْمَلَائِكَةِ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ، فَأَقْرُبُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الْعَذَابُ مَرَّتَيْنِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ (٥٥، ٧٣، ٧٤، ٨٢، ٨٥) فَفِيهِ بَيَانٌ لِكُلِّ مَا يُصِيبُ الْمُنَافِقِينَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَذَابِ الْوِجْدَانِ الْبَاطِنِ، وَعَذَابِ مَنْ يَفْتَضِحُ أَمْرُهُمْ فِي الظَّاهِرِ، وَوَرَدَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ أَقْوَالٌ فِي هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ بَعْضُهَا فِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا وَبَعْضُهَا مَرْدُودٌ وَمُتَنَاقِضٌ. (ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) أَيْ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ عَذَابُ جَهَنَّمَ، وَهُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
جَاءَ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ مَرَّةً فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مِنْكُمْ مُنَافِقِينَ فَمَنْ سَمَّيْتُهُ فَلْيَقُمْ)) ثُمَّ قَالَ قُمْ يَا فُلَانُ - حَتَّى سَمَّى ٣٦ رَجُلًا فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ عَدَدُ الَّذِينَ سَبَقَ تَهْدِيدُهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لِظُهُورِ نِفَاقِهِمْ دُونَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ، وَلَكِنْ لَمْ يُرْوَ لَنَا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ بَعْدَ هَذِهِ الْفَضِيحَةِ بِكُفْرِهِمْ وَمَنْعِهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ وَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى وَتَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ بِالتَّوَاتُرِ أَوِ الِاسْتِفَاضَةِ، وَلَمْ يَرْوِ
لَنَا الْمُحَدِّثُونَ شَيْئًا فِيهِ، وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَالْعِبْرَةُ فِي هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ فَرِيقَانِ: فَرِيقٌ عُرِفُوا بِأَقْوَالٍ قَالُوهَا وَأَعْمَالٍ عَمِلُوهَا، وَفَرِيقٌ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ وَحَذَقُوهُ حَتَّى صَارَ أَمْلَسَ نَاعِمًا لَا يَكَادُ يَشْعُرُ أَحَدٌ بِشَيْءٍ يَسْتَنْكِرُهُ مِنْهُ فَيَظْهَرُ عَلَيْهِ، وَكُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ يُوجَدُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَلَا سِيَّمَا مُنَافِقِي السِّيَاسَةِ فِي هَذَا الْعَهْدِ، وَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ الْأَجَانِبُ الْمُعْتَدُونَ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ دُعَاةً وَوَلَائِجَ وَأَعْوَانًا عَلَى اسْتِعْبَادِ أُمَّتِهِمْ وَاسْتِعْمَارِ أَوْطَانِهِمْ، فَمَا مِنْ قُطْرٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْطَارِ الَّتِي رُزِئَتْ بِالْأَجَانِبِ
стр. 4395
إِلَّا وَلَهُمْ فِيهَا أَعْوَانٌ وَأَنْصَارٌ مِنْ أَهْلِهَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَخْدِمُونَ أُمَّتَهُمْ وَوَطَنَهُمْ مِنْ طَرِيقِ اسْتِمَالَتِهِمْ وَاسْتِرْضَائِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَوْلَاهُمْ لَمَا وُفِّقُوا مِنَ الظُّلْمِ وَهَضْمِ الْحُقُوقِ عِنْدَ الْحَدِّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْدِمُونَ الْأَجَانِبَ خِدَمًا خَفِيَّةً لَا تَشْعُرُ بِهَا الْأُمَّةُ لِأَنَّهُمْ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ الْخَوَنَةُ الْخَادِمُونَ لِلْأَجَانِبِ إِلَى نِفَاقٍ، وَتَلْبِيسِ خِيَانَتِهِمْ وَإِخْفَائِهَا بِالْكَذِبِ وَالِاخْتِلَاقِ، إِذَا كَانَ لِلرَّأْيِ الْعَامِّ فِطْنَةٌ وَقُوَّةٌ يَخْشَوْنَهَا، وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي اسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا الْجَهْلُ وَالضَّعْفُ فَلَا يُبَالِي الْخَائِنُونَ بِرِضَاءِ أَهْلِهَا وَلَا بِسُخْطِهِمْ.
وَأَشَدُّ الْمُنَافِقِينَ مُرُودًا وَإِتْقَانًا لِلنِّفَاقِ أَعْوَانُ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ الْمُسْتَبِدِّينَ، وَشَرُّهُمْ وَأَضَرُّهُمُ الَّذِينَ يَلْبَسُونَ لِبَاسَ عُلَمَاءِ الدِّينِ.
(وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) أَيْ وَثَمَّ آخَرُونَ، أَوْ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أُنَاسٌ آخَرُونَ لَيْسُوا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَلَا مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَلَا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ لَا إِسَاءَةَ فِيهِ، بَلْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُذْنِبِينَ: (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) أَيْ خَلَطُوا فِي أَعْمَالِهِمْ بِأَنْ عَمِلُوا عَمَلًا صَالِحًا وَعَمَلًا سَيِّئًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ خَلَطُوا صَالِحًا بِسَيِّئٍ وَسَيِّئًا بِصَالِحٍ أَوْ خَلَطُوا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَكَانَ نَاقِصًا وَلَكِنَّهُ لَمْ يُغَلِّبِ الْآخَرَ وَيَنْدَغِمْ فِيهِ، فَلَمْ يَكُونُوا مِنَ الصَّالِحِينَ الْخُلَّصِ وَلَا مِنَ الْفَاسِقِينَ أَوِ الْمُنَافِقِينَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَاقْتَرَفُوا بَعْضَ السَّيِّئَاتِ، وَهُمْ أَوْ مِنْهُمْ بَعْضُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ النَّفْرِ وَالْخُرُوجِ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ صَحِيحٍ كَالضُّعَفَاءِ وَالْمَرْضَى وَغَيْرِ الْوَاجِدِينَ، وَلَا اسْتِئْذَانٍ كَاسْتِئْذَانِ الْمُرْتَابِينَ وَلَا اعْتِذَارٍ كَاذِبٍ كَالْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ كَانُوا نَاصِحِينَ لِلَّهِ فِي أَثْنَاءِ قُعُودِهِمْ
شَاعِرِينَ بِذَنْبِهِمْ، خَائِفِينَ مِنْ رَبِّهِمْ، فَكَانَ كُلٌّ مِنْ قُعُودِهِمْ وَنُصْحِهِمْ مُقْتَرِنًا بِالْآخَرِ، كَالَّذِي يَدْخُلُ أَرْضًا مَغْصُوبَةً فَيُصْلِحُ فِيهَا، وَيَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ مُذْنِبٌ بِدُخُولِهَا وَيَأْتِي بِالْإِصْلَاحِ لِتَكْفِيرِ ذَنْبِ الِاعْتِدَاءِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُؤَدِّيهِ قَوْلُكَ: خَلَطَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ بِالسَّيِّئِ، كَمَا تَقُولُ خَلَطَ الْقَمْحَ بِالشَّعِيرِ أَوِ الْمَاءَ بِاللَّبَنِ ; لِأَنَّ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ الْخَلْطِ يَصِيرُ فِيهِ الْمَخْلُوطُ وَالْمَخْلُوطُ بِهِ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَلَا يَقُولُ صَاحِبُهُ: عِنْدِي مَاءٌ فُرَاتٌ، وَلَا لَبَنٌ مَحْضٌ. وَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ فَقَدْ بَقِيَ فِيهِ كُلُّ نَوْعَيْنِ مُمْتَازًا بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا خَلْطُهُ مَعَ الْآخَرِ عِبَارَةٌ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَعَدَمِ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَالْوَاوُ الْعَاطِفَةُ هِيَ الَّتِي تُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْجَمْعِ، وَهُوَ مِنْ دَقَائِقِ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ بِالْعُدُولِ عَنِ التَّعْدِيَةِ بِالْبَاءِ إِلَى الْعَطْفِ.
(عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) أَيْ هُمْ مَحَلُّ الرَّجَاءِ لِقَبُولِ اللهِ تَوْبَتَهُمْ، الَّتِي يُشِيرُ إِلَى وُقُوعِهَا اعْتِرَافُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (فِي ص ١٩٠ ج ١٠. ط الْهَيْئَةِ) أَنَّ كَلِمَةَ (عَسَى) وُضِعَتْ لِلتَّقْرِيبِ وَالْإِطْمَاعِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِي الرَّجَاءِ كَلَعَلَّ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّهَا مِنَ اللهِ لِلْإِيجَابِ - غَيْرُ صَحِيحٍ، أَوْ لِتَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ
стр. 4396
التَّوْبَةُ: بِالْعِلْمِ الصَّحِيحِ بِقُبْحِ الذَّنْبِ وَسُوءِ عَاقِبَتِهِ وَأَلَمِ الْوِجْدَانِ مِنْ تَصَوُّرِ سَخَطِ اللهِ وَالْخَوْفِ مِنْ عِقَابِهِ، وَالْإِقْلَاعِ عَنِ الذَّنْبِ أَوِ الذُّنُوبِ؛ بِبَاعِثِ هَذَا الْأَلَمِ الَّذِي هُوَ ثَمَرَةُ ذَلِكَ الْعِلْمِ، وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَى اقْتِرَافِهَا، ثُمَّ الْعَمَلِ بِضِدِّهَا ; لِيُمْحَى مِنَ النَّفْسِ أَثَرُهَا، وَالرِّوَايَاتُ صَرِيحَةٌ بِأَنَّ اعْتِرَافَ مَنْ ذَكَرَ بِذُنُوبِهِمْ قَدِ اسْتَتْبَعَ كُلَّ هَذَا.
(إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تَعْلِيلٌ لِرَجَاءِ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، إِذْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَثِيرُ الْمَغْفِرَةِ لِلتَّائِبِينَ وَاسِعُ الرَّحْمَةِ لِلْمُحْسِنِينَ، كَمَا قَالَ: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (٢٠: ٨٢) وَكَمَا قَالَ: (إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (٧: ٥٦) وَكَمَا قَصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِ اسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ قَوْلَهُمْ: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينِ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) إِلَى قَوْلِهِ: (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ) (٤٠: ٧ - ٩) .
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَقَالَ آخَرُونَ أَرْجَى الْآيَاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (٣٩: ٥٣) وَإِنَّمَا هَذَا عِلَاجٌ لِمَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْخَوْفُ مِنْ إِسْرَافِهِمْ فِي شَهَوَاتِهِمْ، حَتَّى كَادُوا يَقْنَطُونَ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ لَا لِلْمُصِرِّينَ عَلَى ذُنُوبِهِمْ بِغَيْرِ مُبَالَاةٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَهَا: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) (٣٩: ٥٤) إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.
وَمِنَ الْعِبْرَةِ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّ قِسْمَ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا يُوجَدُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، كَقِسْمِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ أَقَامَ الرَّسُولُ ﷺ بِهِمْ بِنَاءَ الْإِسْلَامِ فَهُمُ الَّذِينَ لَا يَلْزَبُهُمْ قَرِينٌ. وَلَا يَلْحَقُهُمْ لَاحِقٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَلَعَلَّ أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ الصَّادِقِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنَ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، وَلَعَلَّ أَسْوَأَ سَيِّئَاتِهِمْ تَرْكُ الْجِهَادِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَرْشِدُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَبِمَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مِنْ تَوْبَةِ أَبِي لُبَابَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَلَا تَتِمُّ الْعِبْرَةُ بِهَا، إِلَّا بِتَدَبُّرِ مَا بَعْدَهَا، وَهُوَ تَطْهِيرُ النَّفْسِ مِنَ النِّفَاقِ وَضَعْفِ الْإِيمَانِ، بِبَذْلِ الصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهِ مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا: أَتَانِي اللَّيْلَةَ (أَيْ فِي النَّوْمِ) مَلَكَانِ فَابْتَعَثَانِي فَانْتَهَيَا بِي إِلَى مَدِينَةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ، وَلَبِنٍ فِضَّةٍ فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنَ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحَ مَا أَنْتَ رَاءٍ قَالَا لَهُمْ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا
стр. 4397
فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهَذَا مَنْزِلُكَ، قَالَا: وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُمْ)) اهـ
فَهَذَا تَمْثِيلٌ فِي الرُّؤْيَا لِتَحْسِينِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَتَجْمِيلِهِ لِلنَّفْسِ وَتَشْوِيهِ الْعَمَلِ الْقَبِيحِ لَهَا، وَلِتَطْهِيرِهَا، بِالتَّوْبَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ حَتَّى تَكُونَ كُلُّهَا حَسَنَةً جَمِيلَةً وَأَهْلًا لِدَارِ الْكَرَامَةِ بَعْدَ أَنْ تُبْعَثَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا قَبْلَ التَّوْبَةِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (١١: ١١٤) وَشَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِنَهْرٍ يَفِيضُ عَلَى عَتَبَةِ الْإِنْسَانِ خَمْسَ مَرَّاتٍ كُلَّ يَوْمٍ ((فَهَلْ يُبْقِي عَلَيْهَا وَسَخًا أَوْ قَذَرًا)) ؟
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .
هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي بَيَانِ فَوَائِدِ صَدَقَةِ الْأَمْوَالِ وَمَنَافِعِهَا، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا وَعَلَى التَّوْبَةِ لِمَنْ قَصَّرَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ، أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ دِينِهِ. وَفِي الْحَثِّ عَلَى الْعَمَلِ، وَكَوْنِهِ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ.
أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ وَأَصْحَابَهُ جَاءُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ أُطْلِقُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ أَمْوَالُنَا فَتَصَدَّقْ بِهَا عَنَّا وَاسْتَغْفِرْ لَنَا، فَقَالَ: ((مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ شَيْئًا)) فَأَنْزَلَ اللهُ: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) وَأَخْرَجَ مِثْلَهُ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ آبَائِهِ وَزَادَ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جُزْءًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ وَلَهُ فِي سَبَبِ النُّزُولِ رِوَايَاتٌ أُخْرَى. وَهَذَا النَّصُّ حُكْمُهُ عَامٌّ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ خَاصًّا، عَامٌّ فِي الْآخِذِ يَشْمَلُ خُلَفَاءَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِهِ وَمِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ الْمُوسِرُونَ، قَالَ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا عَامٌّ وَإِنْ عَادَ الضَّمِيرُ فِي: (أَمْوَالِهِمْ) إِلَى الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ وَخَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا. وَلِهَذَا اعْتَقَدَ بَعْضُ مَانِعِي الزَّكَاةِ
стр. 4398
مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ إِلَى الْإِمَامِ لَا يَكُونُ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا خَاصًّا بِالرَّسُولِ ﷺ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) الْآيَةَ. وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ هَذَا التَّأْوِيلَ وَالْفَهْمَ
الْفَاسِدَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ ﵃ وَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى أَدَّوُا الزَّكَاةَ إِلَى الْخَلِيفَةِ كَمَا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . حَتَّى قَالَ الصِّدِّيقُ: وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا - وَفِي رِوَايَةٍ عِقَالًا - كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. انْتَهَى. وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالسِّيَرِ وَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَهَاكَ مَعْنَى الْآيَةِ.
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) أَيْ خُذْ أَيُّهَا الرَّسُولُ مِنْ أَمْوَالِ مَنْ ذُكِرَ، وَمِنْ سَائِرِ أَمْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ - عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَمِنْهَا مَالُ التِّجَارَةِ - صَدَقَةً مُعَيَّنَةً كَالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَهِيَ التَّطَوُّعُ - فَالصَّدَقَةُ مَا يُنْفِقُهُ الْمُؤْمِنُ قُرْبَةً لِلَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَفَقَةِ مُؤْمِنِي الْأَعْرَابِ (تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) أَيْ تُطَهِّرُهُمْ بِهَا مِنْ دَنَسِ الْبُخْلِ وَالطَّمَعِ وَالدَّنَاءَةِ وَالْقَسْوَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ الْبَائِسِينَ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِنَ الرَّذَائِلِ، وَتُزَكِّي أَنْفُسَهُمْ بِهَا: أَيْ تُنَمِّيهَا وَتَرْفَعُهَا بِالْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ الْخُلُقِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ حَتَّى تَكُونَ بِهَا أَهْلًا لِلسَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، فَالْمُطَهِّرُ هُنَا الرَّسُولُ وَالْمُطَهَّرُ بِهِ الصَّدَقَةُ. وَالتَّزْكِيَةُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الزَّكَاءِ وَهُوَ نَمَاءُ الزَّرْعِ وَنَحْوُهُ، قَالَ فِي مَجَازِ الْأَسَاسِ: رَجُلٌ زَكِيٌّ زَائِدُ الْخَيْرِ وَالْفَضْلِ بَيِّنُ الزَّكَاءِ وَالزَّكَاةِ، (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً) (١٩: ١٣) اهـ.
وَالتَّزْكِيَةُ لِلْأَنْفُسِ بِالْفِعْلِ تُسْنَدُ إِلَى اللهِ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ هُوَ الْخَالِقُ الْمُقَدِّرُ الْمُوَفِّقُ لِلْعَبْدِ لِفِعْلِ مَا تَزْكُو بِهِ نَفْسُهُ وَتَصْلُحُ، قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) ٢ (٤: ٢١) وَتُسْنَدُ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُرَبِّي لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا تَزْكُو بِهِ أَنْفُسُهُمْ، وَيَعْلُو قَدْرُهَا بِسُنَّتِهِ الْعَمَلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ فِي بَيَانِ كِتَابِ اللهِ، وَمَا لَهُمْ فِيهِ مِنَ الْأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ وَمِنْهُ هَذِهِ الْآيَةُ، وَقَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (٦٢: ٢) فَتَزْكِيَتُهُ ﷺ لِلْأُمَّةِ مِنْ مَقَاصِدِ الْبَعْثَةِ وَتُسْنَدُ إِلَى الْعَبْدِ لِكَوْنِهِ هُوَ الْفَاعِلَ لِمَا جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا لِطَهَارَةِ نَفْسِهِ وَزَكَائِهَا كَالصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (٩١: ٩، ١٠) وَقَوْلُهُ: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) (٨٧: ١٤ و١٥) وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) (٤: ٤٩) وَقَوْلُهُ (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (٥٣: ٣٢) فَهُوَ فِي زَكَاءِ النَّفْسِ بِدَعْوَى اللِّسَانِ، فَالتَّزْكِيَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ الْمُزَكَّى وَهِيَ الْأَصْلُ وَعَلَى الْقَوْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ تَزْكِيَةُ الشُّهُودِ.
стр. 4399
(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ: (صَلَاتُكَ) بِالْمُفْرَدِ أَيْ جِنْسُهَا وَالْبَاقُونَ: (صَلَوَاتُكَ) بِالْجَمْعِ وَهُوَ بِاعْتِبَارِ جَمَاعَةِ الْمُتَصَدِّقِينَ. وَالصَّلَاةُ اسْمٌ مِنْ صَلَّى يُصَلِّي تَصْلِيَةً، وَقَدْ هُجِرَ لَفْظُ التَّصْلِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَمِنْهُ:
تَرَكْتُ الدِّنَانَ وَعَزْفَ الْقِيَانِ ... وَأَدْمَنْتُ تَصْلِيَةً وَابْتِهَالًا.
وَمَعْنَاهَا الْأَصْلِيُّ الدُّعَاءُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ، وَسُمِّيَتِ الْعِبَادَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الْمَخْصُوصَةُ صَلَاةً مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِأَهَمِّ أَجْزَائِهِ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ مُخُّ الْعِبَادَةِ وَرُوحُهَا، وَقِيلَ فِي التَّعْلِيلِ غَيْرُ ذَلِكَ. وَالصَّلَاةُ مِنَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ الرَّحْمَةُ وَالْحَنَانُ، وَمِنْ مَلَائِكَتِهِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ، قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) (٣٣: ٤٣) ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (٣٣: ٥٦) وَصَلَاتُنَا عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ دُعَاؤُنَا لَهُ بِمَا أَمَرَنَا بِهِ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَقَوْلِنَا فِي دُعَاءِ الْأَذَانِ الْمَأْثُورِ: ((اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ)) رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا، وَالسَّكَنُ: مَا تَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَتَرْتَاحُ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ وَمَتَاعٍ وَثَنَاءٍ.
وَالْمَعْنَى ادْعُ أَيُّهَا الرَّسُولُ لِلْمُتَصَدِّقِينَ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ عَاطِفًا عَلَيْهِمْ: إِنَّ دُعَاءَكَ وَاسْتِغْفَارَكَ سَكَنٌ لَهُمْ، يَذْهَبُ بِهِ اضْطِرَابُ أَنْفُسِهِمْ إِذَا أَذْنَبُوا، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِأَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ إِذَا تَابُوا وَيَرْتَاحُونَ إِلَى قَبُولِ اللهِ صَدَقَاتِهِمْ بِأَخْذِكَ لَهَا، وَوَضْعِكَ إِيَّاهَا فِي مَوَاضِعِهَا (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أَيْ سَمِيعٌ لِدُعَائِكَ سَمَاعَ قَبُولٍ وَإِجَابَةٍ، عَلِيمٌ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ وَالْمَصْلَحَةِ، فَالْمُرَادُ مِنَ السَّمَاعِ وَالْعِلْمِ لَازِمُهُمَا. وَسَمِيعٌ لِاعْتِرَافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، عَلِيمٌ بِنَدَمِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ مِنْهَا، وَبِإِخْلَاصِهِمْ فِي صَدَقَتِهِمْ وَطِيبِ أَنْفُسِهِمْ بِهَا، فَهُوَ الَّذِي يُثِيبُهُمْ عَلَيْهَا، فَجُمْلَةُ (إِنَّ صَلَاتَكَ) تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ، وَتَذْيِيلُهَا
بِالتَّذْكِيرِ بِسَمْعِ اللهِ وَعِلْمِهِ إِشْعَارٌ بِقَبُولِ الدُّعَاءِ وَقَبُولِ الطَّاعَاتِ وَالْجَزَاءِ عَلَيْهَا، وَتُصَرِّحُ بِهِ الْآيَةُ التَّالِيَةُ.
رَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: ((اللهُمَّ صَلِّ عَلَى فُلَانٍ)) فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: ((اللهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى)) فَقَوْلُهُ: بِصَدَقَتِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا زَكَاةُ الْفَرِيضَةِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ صَدَقَةُ الْفَرِيضَةِ أَوْ مَا يَعُمُّ الْفَرِيضَةَ وَغَيْرَهَا، وَعَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ مُوَاظِبًا عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ ; وَلِذَلِكَ قِيلَ إِنَّ الْأَمْرَ فِي الْآيَةِ لِلْوُجُوبِ وَهُوَ خَاصٌّ بِهِ ﷺ وَقَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ بِوُجُوبِ الدُّعَاءِ عَلَى آخِذِي الزَّكَاةِ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَهُمْ. وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ لِلْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: (بَابُ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ) ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)) - إِلَى قَوْلِهِ: - ((سَكَنٌ لَهُمْ)) وَالْجُمْهُورُ
стр. 4400
عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ خَاصٌّ بِدُعَائِهِ ﷺ لِغَيْرِهِ وَبِدُعَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ، وَقَيَّدَ الْأَوَّلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِمَا عَدَا هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي كَانَ يَدْعُو بِهِ لِلْمُتَصَدِّقِينَ ((اللهُمَّ صَلِّ عَلَى فُلَانٍ)) عِنْدَ إِعْطَاءِ الصَّدَقَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِغَيْرِهِ أَيْضًا فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي رَجُلٍ بَعَثَ بِنَاقَةٍ حَسَنَةٍ فِي الزَّكَاةِ ((اللهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَفِي إِبِلِهِ)) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ لِلْإِمَامِ إِذَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُتَصَدِّقِ وَيَقُولَ: آجَرَكَ اللهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ.
وَالْأَفْضَلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ ﷺ وَعَلَى آلِهِ، وَأَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ يَخُصُّ بِالسَّلَامِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ، وَكَذَا جَمَاعَةُ آلِ بَيْتِهِ ﷺ ، وَالشِّيعَةُ يَلْتَزِمُونَ السَّلَامَ عَلَى السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ وَبَعْلِهَا وَوَلَدَيْهِمَا وَالْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ السِّبْطَيْنِ، وَيُوَافِقُهُمْ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي الزَّهْرَاءِ وَالسِّبْطَيْنِ وَوَالِدِهِمَا سَلَامُ اللهِ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِمْ إِذَا ذُكِرُوا جَمَاعَةً أَوْ أَفْرَادًا، وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْآلِ بِالتَّبَعِ لِلرَّسُولِ ﷺ فَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ صَلَاةُ التَّشَهُّدِ، وَكَذَا عَطْفُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى الْآلِ ذَائِعٌ فِي الْكُتُبِ وَالْخُطَبِ وَالْأَقْوَالِ.
(فَصْلٌ فِي فَوَائِدِ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْإِصْلَاحِ الْمَالِيِّ لِلْبَشَرِ)
وَامْتِيَازِ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ
مَا ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ تَطْهِيرِ الصَّدَقَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَزْكِيَتِهِمْ بِهَا يَشْمَلُ أَفْرَادَهُمْ وَجَمَاعَتَهُمْ، فَهِيَ تُطَهِّرُ أَنْفُسَ الْأَفْرَادِ مِنْ أَرْجَاسِ الْبُخْلِ وَالدَّنَاءَةِ وَالْقَسْوَةِ وَالْأَثَرَةِ وَالطَّمَعِ وَالْجَشَعِ، وَمِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ مِنْ خِيَانَةٍ وَسَرِقَةٍ وَغَصْبٍ وَرِبًا وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الَّذِي يَتَرَبَّى بِالْإِيمَانِ عَلَى بَذْلِ بَعْضِ مَا فِي يَدِهِ أَوْ مَا أَوْدَعَهُ فِي خِزَانَتِهِ وَصُنْدُوقِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ وَرَفْعِ دَرَجَاتِهِ جَدِيرٌ بِأَنْ يُنَزِّهَ نَفْسَهُ عَنْ أَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَهَذَا التَّطْهِيرُ لِأَنْفُسِ الْأَفْرَادِ وَتَزْكِيَتِهَا بِالْعِلْمِ، وَالتَّقْوَى الَّتِي هِيَ مَجْمُوعُ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ، يَسْتَلْزِمُ تَطْهِيرَ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ (وَمَا يُعَبَّرُ عَنْهُ فِي عُرْفِ هَذَا الْعَصْرِ بِالْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ) مِنْ أَرْجَاسِ الرَّذَائِلِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَثَارُ التَّحَاسُدِ وَالتَّعَادِي وَالْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ وَالْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ.
ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَمْوَالَ قِوَامُ حَيَاةِ النَّاسِ وَقُطْبُ الرَّحَى لِمَعَايِشِهِمْ وَمَرَافِقِهِمُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْكَسْبِ وَالتَّثْمِيرِ، وَالْإِسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ، وَالْقَصْدِ وَالتَّدْبِيرِ، وَالْجُودِ وَالْبُخْلِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ، فَلَا يَنْفَكُّ بَعْضُهُمْ مُحْتَاجًا إِلَى بَعْضٍ فِي كَسْبِ الرِّزْقِ وَفِي
стр. 4401
إِنْفَاقِهِ، وَأَشَدُّهُمُ اسْتِعْدَادًا لِجَمْعِ الثَّرْوَةِ الَّذِينَ يَغْلِبُ عَلَى طِبَاعِهِمُ الْحِرْصُ وَالْبُخْلُ حَتَّى عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأُولِي قُرْبَاهُمْ، وَبِهَذَا يَكُونُ بَعْضُهُمْ فِتْنَةً - أَيِ امْتِحَانًا - لِبَعْضٍ وَمَثَارًا لِلتَّنَازُعِ وَالتَّخَاصُمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) (٢٥: ٢٠) أَيْ ذَلِكَ مُقْتَضَى سُنَّتِهِ فِي تَفَاوُتِ الْبَشَرِ فِي الِاسْتِعْدَادِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ. وَقَدْ بَيَّنَّا حِكْمَةَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ.
وَلَمَّا كَانَ الدِّينُ مُرْشِدًا لِلْبَشَرِ إِلَى تَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ وَتَقْوِيمِ أَخْلَاقِهِمْ بِمَا تَصْلُحُ بِهِ فِطْرَتُهُمْ، وَيَرْتَقِي بِهِ أَفْرَادُهُمْ وَجَمَاعَتُهُمْ - شَرَعَ اللهُ فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ التَّعَبُّدِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ مَا يَقِيهِمْ شَرَّ هَذِهِ الْفِتْنَةِ وَيُنْقِذُهُمْ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِهْمَالِهَا مِنَ الْمِحْنَةِ فَأَوْجَبَ
عَلَى أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ مِنَ النَّفَقَاتِ وَالصَّدَقَاتِ مَا يُبَدِّلُ سَيِّئَاتِ الثَّرْوَةِ فِي الْإِسْلَامِ حَسَنَاتٍ، وَإِنَّنَا لَمْ نَجِدْ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَلَا كُتُبِ الْفِقْهِ وَلَا دَوَاوِينِ التَّارِيخِ بَيَانًا عِلْمِيًّا لِحِكْمَةِ الشَّرِيعَةِ فِي السِّيَاسَةِ الْمَالِيَّةِ وَمَا انْفَرَدَتْ بِهِ مِنَ الْإِصْلَاحِ الْمَعْقُولِ فِيهَا، وَكُنْتُ عَازِمًا عَلَى شَرْحِ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فَلَمَّا وَصَلْتُ إِلَيْهِ وَفَكَّرْتُ فِي أُصُولِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفُرُوعِهَا تَبَيَّنَ لِي أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِيهَا إِلَّا بِتَأْلِيفِ سِفْرٍ مُسْتَقِلٍّ وَرَأَيْتُ أَنْ أَكْتَفِيَ هُنَا بِإِيرَادِ أَهَمِّ الْحَقَائِقِ الَّتِي تُشِيرُ إِلَى عِظَمِ شَأْنِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِصْلَاحِ الْإِسْلَامِ فِيهَا فَأَقُولَ:
إِنَّ اتِّسَاعَ دَوَائِرِ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ قَدِ اضْطَرَّ الْبَاحِثِينَ إِلَى انْفِرَادِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ لِلْإِحْصَاءِ فِي كُلِّ فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِهَا لِتَمْحِيصِ مَسَائِلِهَا وَالْإِحَاطَةِ بِهَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، حَتَّى إِنَّ الرِّجَالَ الْمَالِيِّينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ هَذَا اللَّقَبَ فِيهِ (أَيْ لَقَبَ الْمَالِيِّ) إِلَّا بَعْدَ إِتْقَانِ عِدَّةِ عُلُومٍ مِنْهَا، وَالتَّمَرُّنِ، بِالْعَمَلِ فِي بَعْضِ فُرُوعِهَا، وَإِنَّنَا نَرَى بَعْضَ الِاجْتِمَاعِيِّينَ مِنْهُمْ يَجْزِمُونَ بِأَنَّ جَمِيعَ الثَّوَرَاتِ وَالْحُرُوبِ السِّيَاسِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ ذَاتِ الشَّأْنِ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِ قَدْ كَانَ الْمَالُ سَبَبَهَا الصَّحِيحَ، أَوْ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الْمُؤَثِّرَةِ فِيهَا أَشَدَّ التَّأْثِيرِ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ ذَلِكَ حُرُوبَ أُورُبَّةَ الدِّينِيَّةَ وَلَا حُرُوبَهَا الصَّلِيبِيَّةَ لِلْإِسْلَامِ.
بَلْ نُشِرَ مُنْذُ سِنِينَ كِتَابٌ عَرَبِيٌّ طُبِعَ فِي الْقُدْسِ مَوْضُوعُهُ (الْحَرَكَاتُ الْفِكْرِيَّةُ فِي الْإِسْلَامِ) زَعَمَ مُؤَلِّفُهُ تَابِعًا لِبَعْضِ مُؤَرِّخِي الْإِفْرِنْجِ: أَنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَكُنْ فِكْرَةً دِينِيَّةً مَحْضًا بَلْ كَانَ مَسْأَلَةً اقْتِصَادِيَّةً وَاجْتِمَاعِيَّةً أَيْضًا، أَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْغَرَضَ الْأَوَّلَ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنِ الدِّينُ إِلَّا وَسِيلَةً لَهُ، وَنُقِلَ عَنْ (كَايْتَانِي) الْمُؤَرِّخِ الْإِيطَالِيِّ الْمَشْهُورِ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَكُنْ دِينِيًّا إِلَّا فِي الظَّاهِرِ وَأَنَّ جَوْهَرَهُ كَانَ سِيَاسِيًّا وَاقْتِصَادِيًّا قَالَ ((وَمِنْ فَضْلِ مُؤَسِّسِ الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ وَمَظَاهِرِ عَبْقَرِيَّتِهِ أَنَّهُ أَدْرَكَ مَصْدَرَ الْحَرَكَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي أَيَّامِهِ بِمَكَّةَ عَاصِمَةِ الْحِجَازِ، وَعَرَفَ كَيْفَ يَسْتَفِيدُ مِنْهَا وَيُسَخِّرُهَا لِأَغْرَاضِهِ السَّامِيَةِ دِينِيَّةً كَانَتْ أَوِ اجْتِمَاعِيَّةً، ثُمَّ بَسَطَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ ظَوَاهِرِ التَّارِيخِ بِمَا هُوَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ، خَادِعٌ
стр. 4402
بِبَعْضِ مَظَاهِرِهِ، وَمَا أَظُنُّ أَنَّ النَّاقِلَ عَنْهُ - وَهُوَ نَصْرَانِيُّ الدِّيَانَةِ. شُيُوعِيُّ السِّيَاسَةِ - يَعْتَقِدُ اعْتِقَادَهُ هَذَا، وَإِنَّمَا يُرِيدُ فِيمَا يَظْهَرُ نَشْرَ الشُّيُوعِيَّةِ الَّتِي ابْتَدَعَهَا بَلَاشِفَةُ دَوْلَتِهِ الرُّوسِيَّةِ فِي الْعَرَبِ وَزَلْزَلَةَ الْعَقَائِدِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَرُبَّمَا نَجِدُ فُرْصَةً لِلرَّدِّ عَلَى كِتَابِهِ فِي الْمَنَارِ، وَحَسْبِي هُنَا أَنْ أَقُولَ: لَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ كَمَا ذَكَرَ لَظَهَرَ أَثَرُهُ فِي أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَقِيقَتِهِ، وَأَصْدَقِهِمْ فِي إِقَامَةِ أَرْكَانِهِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَفِي طَلِيعَتِهِمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَالْأَئِمَّةُ الْمُجْتَهِدُونَ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَامِعُ بَيْنَ الْإِمَامَتَيْنِ فِي كِتَابٍ لَهُ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ الْمَالِيِّينَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بُعِثَ هَادِيًا، وَلَمْ يُبْعَثْ جَابِيًا.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ الْوَسَطُ، الْجَامِعُ بَيْنَ مَصَالِحِ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، لِلسِّيَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالسَّعَادَةِ فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ وَسَطٌ بَيْنِ الْيَهُودِيَّةِ الْمَالِيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّةِ الرُّوحَانِيَّةِ الزُّهْدِيَّةِ، وَأَنَّ مِنْ مَقَاصِدِهِ الْإِصْلَاحِيَّةِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ هِدَايَةَ النَّاسِ إِلَى الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ فِي أَمْرِ الْمَالِ ; لِيَكْتَفِيَ النَّاسُ شَرَّ طُغْيَانِ الْأَغْنِيَاءِ، وَذِلَّةِ الْفُقَرَاءِ، وَنُصُوصُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي هَذَا هِيَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى فِي الْإِصْلَاحِ، وَهِيَ هَادِمَةٌ لِمَزَاعِمِ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَاتِينَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْجَهْلِ وَالْهَوَى.
غَلَا عُبَّادُ الْمَالِ مِنَ الْيَهُودِ وَالْإِفْرِنْجِ فِي جَمْعِهِ وَاسْتِغْلَالِهِ، وَاسْتِعْبَادِ الْأُلُوفِ وَأُلُوفِ الْأُلُوفِ مِنَ الْعُمَّالِ الْفُقَرَاءِ بِهِ، بِجَعْلِهِ دُولَةً بَيْنَهُمْ، وَغَلَا خُصُومُهُمْ مِنَ الِاشْتِرَاكِيِّينَ فِي مُقَاوَمَتِهِمْ وَمُحَاوَلَةِ جَعْلِ النَّاسِ فِيهِ شَرْعًا، وَجَعْلِهِ بَيْنَهُمْ حَقًّا شَائِعًا فَانْتَهَى هَذَا الْغُلُوُّ بِالشُّيُوعِيَّةِ الرُّوسِيَّةِ فِي عَصْرِنَا أَنِ اسْتَعْبَدَتْ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْبَشَرِ تُسَخِّرُهُمْ فِي تَنْفِيذِ مَذْهَبِهَا كَالْأَنْعَامِ وَالدَّوَابِّ، وَتَبْذُلُ جُلَّ مَا تَنْتَزِعُهُ مِنْ ثَرْوَتِهِمْ فِي بَثِّ الدِّعَايَةِ لَهُ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ. وَيَخْشَى الْعُقَلَاءُ مِنْ عَاقِبَةِ هَذَا الْإِسْرَافِ وَالْغُلُوِّ مِنَ الْجَانِبَيْنِ حَرْبًا عَامَّةً طَامَّةً، وَفِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ خَاصَّةً.
وَلَا مُنْقِذَ لِلْأُمَمِ مِنْ هَذِهِ الْفِتْنَةِ وَعَوَاقِبِهَا إِلَّا بِدِينِ الْإِسْلَامِ أَعْنِي بِالتَّدَيُّنِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِأَحْكَامِهِ الْمَالِيَّةِ وَغَيْرِهَا. وَلَا يُمْكِنُ الْتِزَامُهَا بِالْعَمَلِ إِلَّا بِإِذْعَانِ الدِّينِ، وَقَدْ بَدَأَ عُقَلَاءُ الْإِفْرِنْجِ يَشْعُرُونَ بِالْحَاجَةِ إِلَى دِينٍ مَعْقُولٍ يَصْلُحُ بِالْتِزَامِهِ فَسَادُ هَذِهِ الْمَدَنِيَّةِ الْمَادِّيَّةِ، وَلَنْ يَجِدُوا حَاجَتَهُمْ إِلَّا فِي دِينِ الْقُرْآنِ، وَسُنَّةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ -
﵊، وَأَخْشَى أَلَّا يَهْتَدُوا إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ الْبَطْشَةِ الْكُبْرَى وَالطَّامَّةِ الْعُظْمَى، وَهِيَ حَرْبُ التَّدْمِيرِ الْمُنْتَظَرَةُ مِنْ تَنَازُعِ الْبُلْشُفِيَّةِ وَالرَّأْسِمَالِيَّةِ، وَإِنَّنِي أَذْكُرُ هُنَا أَهَمَّ أُصُولِ الْإِصْلَاحِ الْإِسْلَامِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَالِيَّةِ الَّتِي تَبْتَدِرُ فِكْرِي وَتَبْدَهُهُ فَأَقُولُ:
(١) إِقْرَارُ الْمِلْكِيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ وَتَحْرِيمُ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
(٢) تَحْرِيمُ الرِّبَا وَالْقِمَارِ.
стр. 4403
(٣) مَنْعُ جَعْلِ الْمَالِ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ: أَيْ يَتَدَاوَلُونَهُ بَيْنَهُمْ مِنْ دُونِ الْفُقَرَاءِ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا التَّدَاوُلُ فِي عَصْرٍ مِنْ أَعْصَارِ الْبَشَرِ كَمَا فِي عَصْرِ النِّظَامِ الْمَالِيِّ الْمُتَّبَعِ فِي الْحَضَارَةِ الْغَرْبِيَّةِ نِظَامِ الْبُيُوتِ الْمَالِيَّةِ (الْمَصَارِفِ) وَالشَّرِكَاتِ وَالِاحْتِكَارَاتِ الَّتِي يُحَارِبُهَا الْعُمَّالُ، وَيُعَادُونَ لِأَجْلِهَا أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ.
(٤) الْحَجْرُ عَلَى السُّفَهَاءِ فِي أَمْوَالِهِمْ، حَتَّى لَا يُضَيِّعُوهَا فِيمَا يَضُرُّهُمْ وَيَضُرُّ أُمَّتَهُمْ.
(٥) فَرْضُ الزَّكَاةِ الْمُطْلَقَةِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَتِ اشْتِرَاكِيَّةً بَاعِثُهَا إِذْعَانُ الْوِجْدَانِ لَا إِكْرَاهُ الْحُكَّامِ، ثُمَّ نُسِخَتْ أَوْ قُيِّدَتْ بِالْمُعَيَّنَةِ الْإِجْبَارِيَّةِ عِنْدَمَا صَارَ لِلْإِسْلَامِ دَوْلَةٌ، وَلَوْ وُجِدَتْ تِلْكَ الْحَالُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ فِي مَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ فِيهَا تِلْكَ الزَّكَاةُ الِاشْتِرَاكِيَّةُ، أَعْنِي أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي مَكَانٍ جَمَاعَةٌ مَحْصُورُونَ مِنْهُمُ الْمُوسِرُ وَالْمُعْسِرُ، وَصَاحِبُ الثَّرْوَةِ وَذُو الْفَقْرِ الْمُدْقِعِ، وَجَبَ أَنْ يَقُومَ أَغْنِيَاؤُهُمْ بِكِفَايَةِ فُقَرَائِهِمْ وُجُوبًا دِينِيًّا إِذَا كَانَتِ الزَّكَاةُ الْمُعَيَّنَةُ لَا تَكْفِيهِمْ.
(٦) جَعْلُ الزَّكَاةِ الْمُعَيَّنَةِ رُبْعَ الْعُشْرِ فِي النَّقْدَيْنِ وَالتِّجَارَةِ، وَالْعُشْرَ أَوْ نِصْفَ الْعُشْرِ فِي الْغَلَّاتِ الزِّرَاعِيَّةِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْأَقْوَاتِ، وَزَكَاةُ الْأَنْعَامِ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ.
(٧) فَرْضُ نَفَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْقَرَابَةِ.
(٨) إِيجَابُ كِفَايَةِ الْمُضْطَرِّ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، وَدِينٍ وَضِيَافَةِ الْغَرِيبِ حَيْثُ لَا مَأْوَى وَلَا فَنَادِقَ لِلْمُسَافِرِينَ، إِلَّا إِذَا كَانَ مَهْدُورَ الدَّمِ أَوْ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ.
(٩) جَعْلُ بَذْلِ الْمَالِ كَفَّارَةً لِبَعْضِ الذُّنُوبِ (وَمِنْهَا الظِّهَارُ وَإِفْسَادُ صِيَامِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِشُرُوطِهَا الْمَعْرُوفَةِ) .
(١٠) نَدْبُ صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ وَالتَّرْغِيبُ فِيهَا.
(١١) ذَمُّ الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ، وَالْبُخْلِ وَالشُّحِّ وَالتَّقْتِيرِ، وَعَدَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْهَلَكَةِ وَسُوءِ الْمَصِيرِ، أَيْ لِلْأَفْرَادِ وَلِلْأُمَّةِ وَالدَّوْلَةِ.
(١٢) إِبَاحَةُ الزِّينَةِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ بِشَرْطِ اجْتِنَابِ الْإِسْرَافِ وَالْخُيَلَاءِ الْمُوقِعَيْنِ فِي الْأَمْرَاضِ وَالْأَدْوَاءِ الْبَدَنِيَّةِ، الْمُضَيِّعِينَ لِلثَّرْوَةِ الْمَالِيَّةِ، الْمُثِيرِينَ لِلْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ وَالْمَفَاسِدِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ تَرَقِّي الثَّرْوَةِ.
(١٣) مَدْحُ الْقَصْدِ وَالِاعْتِدَالِ، فِي النَّفَقَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالْعِيَالِ.
(١٤) تَفْضِيلُ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، عَلَى الْفَقِيرِ الصَّابِرِ. بِجَعْلِ الْيَدِ الْعُلْيَا خَيْرًا مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. وَأَعْمَالُ الْبِرِّ الْمُتَعَدِّي نَفْعُهَا إِلَى النَّاسِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَعْمَالِ الْقَاصِرِ نَفْعُهَا عَلَى فَاعِلِهَا، وَجَعْلِ الصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ، مِنَ الْمَثُوبَاتِ الدَّائِمَةِ الْبَاقِيَةِ.
стр. 4404
أَرَأَيْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُقِيمُ هَذِهِ الْأَرْكَانَ وَيُوجَدُ فِيهَا فَقْرٌ مُدْقِعٌ، أَوْ غُرْمٌ مُوجِعٌ، أَوْ شَقَاءٌ مُفْظِعٌ؟
أَلَمْ تَرَ أَنَّ زَكَاةَ النَّقْدَيْنِ الْوَاجِبَةَ - وَهِيَ رُبُعُ الْعُشْرِ - هِيَ أَوْسَطُ رِبْحٍ تَدْفَعُهُ الْمَصَارِفُ الْمَالِيَّةُ لِمُودِعِي نَقُودِهِمْ فِيهَا لِلِاسْتِغْلَالِ، وَقَدْ يَقِلُّ عَنْ ذَلِكَ؟
قَدِّرِ الثَّرْوَةَ الْقَوْمِيَّةَ فِي النَّقْدِ وَالتِّجَارَةِ لِلشَّعْبِ الْمِصْرِيِّ، وَانْظُرْ مِقْدَارَ رُبُعِ عُشْرِهَا الْوَاجِبَ دَفْعُهُ فِي كُلِّ عَامٍ لِفُقَرَائِهَا وَمَصَالِحِهَا، وَارْجِعِ الْبَصَرَ إِلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الزَّكَاةِ وَمَقَادِيرِهَا، تَعْرِفْ قَدْرَ سَعَادَتِهِ إِذَا وَضَعَهَا فِي مَوَاضِعِهَا وَتَعْلَمْ صِدْقَ مَا قُلْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ مَصَارِفِ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ وَحْدَهُ كَافٍ لِإِعَادَةِ مَجْدِ الْإِسْلَامِ الَّذِي أَضَاعَهُ الْمُسْلِمُونَ.
اقْرَأْ (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (٢: ١٩٥) وَاقْرَأْ (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٥٩: ٩) وَتَدَبَّرْ جِدَّ التَّدَبُّرِ (هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (٤٧: ٣٨) .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي بَذْلِ الْمَالِ فِي سُبُلِ الْبِرِّ، وَجَعْلِهِ مِنْ أَكْبَرِ آيَاتِ الْإِيمَانِ، وَمُوجِبَاتِ الثَّوَابِ وَالرِّضْوَانِ، وَتَبْوِيءِ غُرَفِ الْجِنَانِ وَتَسْمِيَتِهِ إِقْرَاضًا لِلرَّحْمَنِ مَا لَمْ يَجِئْ مِثْلُهُ فِي أَيِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ.
وَتَجِدُ أَكْثَرَ الشَّوَاهِدِ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ (بَرَاءَةَ) مَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ.
(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) أَيْ أَلَمْ يَعْلَمْ أُولَئِكَ التَّائِبُونَ مِنْ ذَنْبِهِمْ أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ تَوْبَةَ التَّائِبِينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ لِرَسُولِهِ بَلْهَ مَنْ دُونَهُ مِنْ خَلْقِهِ، فَالِاسْتِفْهَامُ لِتَقْرِيرِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَكَوْنِهِ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى التَّوْبَةِ - أَوْ أَلَمْ يَعْلَمِ الْمُؤْمِنُونَ كَافَّةً هَذَا وَهُوَ مُقْتَضَى الْإِيمَانِ وَمُوجِبُهُ؟ وَالِاسْتِفْهَامُ عَلَى هَذَا تَحْضِيضٌ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ وَمَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ التَّوْبَةِ. وَقَبُولُ التَّوْبَةِ عَنْهُمْ قِيلَ: إِنَّهُ بِمَعْنَى قَبُولِهَا مِنْهُمْ، نَحْوَ: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ غِنًى وَمِنْ غِنًى، وَقِيلَ: إِنَّ الْقَبُولَ هُنَا قَدْ تَضَمَّنَ مَعْنَى التَّجَاوُزِ وَالصَّفْحِ، أَيْ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُهَا مِنْهُمْ مُتَجَاوِزًا عَنْ ذُنُوبِهِمْ عَفْوًا عَنْهَا وَهَذَا أَبْلَغُ (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) أَيْ يَتَقَبَّلُهَا بِأَنْوَاعِهَا وَيُثِيبُ عَلَيْهَا، وَيَعُدُّهَا إِقْرَاضًا لَهُ فَيُضَاعِفُ ثَوَابَهَا، بِمُقْتَضَى وَعْدِهِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: (إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) (٦٤: ١٧) وَقَوْلِهِ: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) (٢: ٢٤٥) فَأَخْذُ الصَّدَقَاتِ لَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ (أَحَدُهَا) أَخْذُ
стр. 4405
الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَغَيْرِهِمْ إِيَّاهَا مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ إِيَّاهَا مِنْ يَدِ الْمُتَصَدِّقِ (الثَّانِيَةُ) أَخْذُ النَّبِيِّ ﷺ فِي عَهْدِهِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ إِيَّاهَا لِأَجْلِ وَضْعِهَا فِي مَصَارِفِهَا الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا (الثَّالِثَةُ) أَخْذُ اللهِ إِيَّاهَا وَهُوَ قَبُولُهَا لِلْإِثَابَةِ عَلَيْهَا بِالْمُضَاعَفَةِ الَّتِي وَعَدَهَا. وَفِي التَّعْبِيرِ بِأَخْذِ اللهِ تَعَالَى بَعْدَ قَوْلِهِ لِلنَّبِيِّ: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِكَوْنِهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ مَا أَمَرَهُ بِأَخْذِهِ: (وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) أَيْ وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنْ كُلِّ مُذْنِبٍ يَشْعُرُ بِضَرَرِ ذَنْبِهِ، وَيَتُوبُ عَنْهُ مُنِيبًا إِلَى رَبِّهِ مَهْمَا يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ. (الرَّحِيمُ) بِالتَّائِبِينَ الَّذِي يُثِيبُهُمْ. فَصِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ (التَّوَّابُ) تَتَحَقَّقُ بِكَثْرَةِ التَّائِبِينَ وَبِتَكْرَارِ التَّوْبَةِ مِنَ الْمُذْنِبِ الْوَاحِدِ الَّذِي يَمْنَعُهُ
الْخَوْفُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُصِرَّ عَلَى ذَنْبِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْمُتَّقِينَ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٣: ١٣٥) وَفِي الْحَدِيثِ: " مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً ". رَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ((مَا تَصَدَّقَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ حَلَالٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ - إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ)) وَالْحَدِيثُ تَمْثِيلٌ لِمُضَاعَفَتِهِ تَعَالَى لِلصَّدَقَةِ الْمَقْبُولَةِ:
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ بِأَنَّ وَبِضَمِيرِ الْفَصْلِ، الدَّالَّةُ عَلَى الْحَصْرِ، وَمَا فِيهَا مِنْ صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ بِمَعْنَى الْكَثْرَةِ مِنَ التَّوْبَةِ، وَمُبَالَغَةُ الصِّفَةِ الرَّاسِخَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ تُفِيدُ أَعْظَمَ الْبُشْرَى لِلتَّائِبِينَ، وَأَبْلَغَ التَّرْغِيبِ فِي التَّوْبَةِ لِلْمُذْنِبِينَ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَدَبِّرِينَ.
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) هَذَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) ، إِلَخْ، أَيْ: وَقُلْ لَهُمْ أَيُّهَا الرَّسُولُ: اعْمَلُوا لِدُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ وَلِأَنْفُسِكُمْ وَأُمَّتِكُمْ (حَذْفُ مُتَعَلِّقِ الْعَمَلِ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمُ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) فَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِالْعَمَلِ لَا بِالِاعْتِذَارِ عَنِ التَّقْصِيرِ، وَلَا بِدَعْوَى الْجِدِّ وَالتَّشْمِيرِ، وَخَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَنُوطَانِ بِالْعَمَلِ، وَهُوَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ وَلَا عَلَى النَّاسِ أَيْضًا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا، فَيَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُرَاقِبُوهُ تَعَالَى فِي أَعْمَالِكُمْ، وَتَتَذَكَّرُوا أَنَّهُ نَاظِرٌ إِلَيْكُمْ، عَلِيمٌ بِمَقَاصِدِكُمْ وَنِيَّاتِكُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، وَجَدِيرٌ بِمَنْ يُؤْمِنُ بِرُؤْيَةِ اللهِ لِعَمَلِهِ أَنْ يُتْقِنَهُ، وَأَنْ يُخْلِصَ لَهُ النِّيَّةَ فِيهِ، فَيَقِفُ فِيهِ عِنْدَ حُدُودِ شَرْعِهِ، وَيَتَحَرَّى بِهِ تَزْكِيَةَ نَفْسِهِ وَالْخَيْرَ لِخُلُقِهِ، وَلَا يَكْتَفِي فِيهِ
стр. 4406
بِتَرْكِ مَعَاصِيهِ، وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ، رَاوَدَ رَجُلٌ امْرَأَةً عَنْ نَفْسِهَا فِي فَلَاةٍ قَائِلًا: إِنَّهُ لَا يَرَانَا هُنَا إِلَّا الْكَوَاكِبُ، قَالَتْ: فَأَيْنَ مُكَوْكِبُهَا؟ فَخَجِلَ وَانْصَرَفَ. وَسَيَرَاهُ رَسُولُهُ
وَالْمُؤْمِنُونَ وَيَزِنُونَهُ بِمِيزَانِ الْإِيمَانِ الْمُمَيِّزِ بَيْنِ الْإِخْلَاصِ وَالنِّفَاقِ، وَهُمْ شُهَدَاءُ اللهِ عَلَى النَّاسِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يُعْلَى وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ: ((لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ لَهَا بَابٌ وَلَا كُوَّةٌ لَأَخْرَجَ اللهُ عَمَلَهُ لِلنَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ)) وَقَالَ زُهَيْرٌ:
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ
فَإِذَا كَانَتِ الْخَلَائِقُ النَّفْسِيَّةُ، وَالْأَعْمَالُ السِّرِّيَّةُ، لَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ مُحَاوَلَةِ صَاحِبِهَا لِإِخْفَائِهَا، فَمَاذَا يُقَالُ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ مُقْتَضَى الْعَقَائِدِ وَالْأَخْلَاقِ وَمَا انْطَبَعَتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ مِنَ الْمَلَكَاتِ، وَمُرِّنَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعَادَاتِ؟ نَرَى الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ يُخْفُونَ بَعْضَ أَعْمَالِ الْبِرِّ الَّتِي يُسْتَحَبُّ إِخْفَاؤُهَا كَالصَّدَقَةِ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُتَعَفِّفِ سَتْرًا عَلَيْهِ، وَمُبَالَغَةً فِي الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى الَّذِي يُنَافِيهِ الرِّيَاءُ وَحُبُّ السُّمْعَةِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَلْبَثُونَ أَنْ يَشْتَهِرُوا بِهَا، وَنَرَى بَعْضَ الْمُنَافِقِينَ يُخْفُونَ بَعْضَ أَعْمَالِ النِّفَاقِ خَوْفًا مِنَ النَّاسِ لَا مِنَ اللهِ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَلْبَثُونَ أَنْ يَفْتَضِحُوا بِهَا. وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَوَامِّ: إِنَّ الَّذِي يَخْتَفِي هُوَ الَّذِي لَا يَقَعُ.
وَالْآيَةُ تَهْدِينَا إِلَى أَنَّ مَرْضَاةَ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ الْقَائِمِينَ بِحُقُوقِ الْإِيمَانِ، الْمُقَرَّرَةِ صِفَاتُهُمْ فِي الْقُرْآنِ تَلِي مَرْضَاةَ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ. وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ: مَرُّوا بِجِنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((وَجَبَتْ)) ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: ((وَجَبَتْ)) فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: ((هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، ((أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ)) وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ تَكْرَارُ ((وَجَبَتْ)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَكَذَا تَكْرَارُ ((أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ)) وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ اللهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي - أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ)) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ الْمَدِينِيِّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَسُلَيْمَانُ الْمَدِينِيُّ عِنْدِي هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ سُفْيَانَ انْتَهَى. أَقُولُ: وَهُوَ ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ بِاتِّفَاقِهِمْ وَيُعْزَى الْحَدِيثُ إِلَى الطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ ((لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ)) وَالْعُلَمَاءُ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى حُجِّيَّةِ
الْإِجْمَاعِ لِصِحَّةِ مَعْنَاهُ بِمُوَافَقَتِهِ لِلْآيَاتِ وَالصِّحَاحِ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، أُمَّةِ الْإِجَابَةِ وَأَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ، لَا عَلَى الْإِجْمَاعِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ((مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ)) رَوَاهُ عَنْهُ أَحْمَدُ فِي السُّنَّةِ لَا فِي الْمُسْنَدِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، وَيَسْتَدِلُّ بِهِ الْجُهَّالُ حَتَّى مِنَ الْمُعَمَّمِينَ أَدْعِيَاءِ الْعِلْمِ عَلَى اسْتِحْسَانِ الْبِدَعِ الْفَاشِيَةِ حَتَّى فِي الْعَقَائِدِ الثَّابِتَةِ كَبِدَعِ الْقُبُورِ الَّتِي كَانَ يَلْعَنُ النَّبِيُّ ﷺ فَاعِلِيهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، مِنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا، وَالصَّلَاةِ إِلَيْهَا، وَإِيقَادِ السُّرُجِ
стр. 4407
وَالْمَصَابِيحِ عِنْدَهَا، بَلْ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ عِبَادَتُهَا بِالطَّوَافِ حَوْلَهَا، وَدُعَاءِ أَصْحَابِهَا وَالنَّذْرِ لَهُمْ، وَالِاسْتِغَاثَةِ بِهِمْ، حَتَّى فِي الشَّدَائِدِ وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ. بَلْ كَانُوا فِيهِ يُخْلِصُونَ الدُّعَاءَ لِلَّهِ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.
بَعْدَ هَذَا الْإِرْشَادِ إِلَى مَا يَقْتَضِي الْإِحْسَانُ فِي الْأَعْمَالِ مِنْ مُرَاقَبَةِ اللهِ وَتَحَرِّي مَرْضَاتِهِ وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ وَجَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْخَيْرِ لِعِبَادِهِ بِهَا - ذَكَّرَهُمْ تَعَالَى بِمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ جَزَاءِ الْآخِرَةِ عَلَيْهَا، فَقَالَ: (وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فِي الدُّنْيَا مِمَّا كَانَ مَشْهُودًا لِلنَّاسِ مِنْهُ، وَمَا كَانَ غَائِبًا عَنْ عِلْمِهِمْ مِنْهُ وَمِنْ نِيَّاتِكُمْ فِيهِ، يُنَبِّئُكُمْ بِهِ عِنْدَ الْحِسَابِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْجَزَاءِ بِحُسْنِ الثَّوَابِ، أَوْ سُوءِ الْعَذَابِ.
(وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .
هَذِهِ الْآيَةُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) (١٠٢) وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْقِسْمُ الْأَخِيرُ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُتَخَلِّفِينَ مِنْهُمُ الْمُنَافِقُونَ وَهُمْ أَكْثَرُهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَقْسَامِهِمْ وَمَنِ اعْتَذَرَ وَمَنْ لَمْ يَعْتَذِرْ مِنْهُمْ وَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ قِسْمَانِ (أَحَدُهُمَا) الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ وَتَابُوا وَزَكَّوْا تَوْبَتَهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَطَلَبِ دُعَاءِ الرَّسُولِ
وَاسْتِغْفَارِهِ فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَ (ثَانِيهِمَا) الَّذِينَ حَارُوا فِي أَمْرِهِمْ وَلَمْ يَعْتَذِرُوا لِلرَّسُولِ ﷺ لِأَنَّهُمْ لَا عُذْرَ لَهُمْ، وَأَرْجَئُوا تَوْبَتَهُمْ فَأَرْجَأَ اللهُ الْحُكْمَ الْقَطْعِيَّ فِي أَمْرِهِمْ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي يَأْتِي بَيَانُهَا قَرِيبًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمْ: وَهُمُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا: أَيْ عَنِ التَّوْبَةِ، وَهُمْ مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، قَعَدُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي جُمْلَةِ مَنْ قَعَدَ كَسَلًا وَمَيْلًا إِلَى الدَّعَةِ وَالْحَظِّ وَطَيِّبِ الثِّمَارِ وَالظِّلَالِ لَا شَكًّا وَنِفَاقًا، فَكَانَتْ طَائِفَةٌ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي كَمَا فَعَلَ أَبُو لُبَابَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَطَائِفَةٌ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَهُمْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورُونَ فَنَزَلَتْ تَوْبَةُ أُولَئِكَ قَبْلَ تَوْبَةِ هَؤُلَاءِ، وَأُرْجِئَ هَؤُلَاءِ عَنِ التَّوْبَةِ حَتَّى نَزَلَتْ آيَتَا التَّوْبَةِ الْآتِيَتَيْنِ (١١٧، ١١٨) (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ) أَيْ وَثَمَّ أُنَاسٌ آخَرُونَ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ مُؤَخَّرُونَ لِحُكْمِ اللهِ فِي أَمْرِهِمْ، أَوْ لِأَمْرِهِ لِرَسُولِهِ بِمَا يُعَامِلُهُمْ بِهِ. قَرَأَ نَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ (مُرْجَوْنَ) بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ لِلتَّخْفِيفِ، وَالْآخَرُونَ (مُرْجَئُونَ) بِالْهَمْزَةِ عَلَى الْأَصْلِ، فَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أَرْجَأَهُ إِذَا أَخَّرَهُ، وَقِيلَ هُمَا لُغَتَانِ رَجَاهُ يَرْجُوهُ وَأَرْجَأَهُ يُرْجِئُهُ. وَرُوِيَ أَنَّ هَذَا الْإِرْجَاءَ كَانَ يَوْمًا.
стр. 4408
(إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) أَيْ أُبْهِمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى النَّاسِ، لَا يَدْرُونَ مَا يَنْزِلُ فِيهِمْ، هَلْ تَنْصَحُ تَوْبَتُهُمْ فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِمْ كَمَا تَابَ عَلَى الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ أَمْ يَحْكُمَ بِعَذَابِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا حَكَمَ عَلَى الْخَالِفِينَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ؟ فَالتَّرْدِيدُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّاسِ لَا إِلَى اللهِ . وَحِكْمَةُ إِبْهَامِ أَمْرِ هَؤُلَاءِ عَلَيْهِمْ إِثَارَةٌ لِلْهَمِّ وَالْخَوْفِ فِي قُلُوبِهِمْ لِتَصِحَّ تَوْبَتُهُمْ. وَحِكْمَةُ إِبْهَامِهِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ تَرْكَهُمْ مُكَالَمَتَهُمْ وَمُخَالَطَتَهُمْ - تَرْبِيَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ عَلَى مَا يَجِبُ فِي أَمْثَالِهِمْ مِنَ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ الرَّاحَةَ وَنِعْمَةَ الْعَيْشِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ؛ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَدَفْعِ عُدْوَانِ الْكُفَّارِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا بَيَّنَهُ فِي الْآيَةِ (١١٨) (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) عَلِيمٌ بِحَالِ عِبَادِهِ وَمَا يُرَبِّيهِمْ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُصْلِحُ حَالَ أَفْرَادِهِمْ وَمَجْمُوعِهِمْ، حَكِيمٌ فِيمَا يَشْرَعُهُ لَهُمْ مِنَ
الْأَحْكَامِ الْمُفِيدَةِ لِهَذَا الصَّلَاحِ مَا عَمِلُوا بِهَا. وَمِنْ آثَارِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ إِرْجَاءُ النَّصِّ عَلَى تَوْبَتِهِمْ فِي كِتَابِهِ. وَمِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ تَكْرَارُ تَأْثِيرِ تِلَاوَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْآيَاتِ فِي ذَلِكَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِ الْقُرْآنِ تَرْهِيبًا وَتَخْوِيفًا، وَعِظَةً وَتَهْذِيبًا.
(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .
стр. 4409
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْأَرْبَعُ فِي وَاقِعَةِ حَالٍ مِنْ مَكَايِدِ الْمُنَافِقِينَ لِلرَّسُولِ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، لَمْ أَرَ أَحَدًا بَيَّنَ حِكْمَةً خَاصَّةً لِتَأْخِيرِهَا عَنْ أَمْثَالِهَا مِمَّا نَزَلَ فِي أَعْمَالِ الْمُنَافِقِينَ وَوَضْعِهَا هُنَا فِي سِيَاقِ تَوْبَةِ الْمُذْنِبِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا فَقُبِلَ، وَمَا تَأَخَّرَ فَأُرْجِئَ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْحِكْمَةَ الْعَامَّةَ فِي تَفْرِيقِ الْآيَاتِ فِي الْمَوْضُوعِ الْوَاحِدِ - وَهُوَ تَجْدِيدُ الذِّكْرَى وَالْعِظَةِ، وَمَا تَقْتَضِيهِ مِنَ التَّأْثِيرِ وَالْعِبْرَةِ - فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى التَّنَاسُبِ وَوُجُوهِ الِاتِّصَالِ بَيْنَ الْآيَاتِ. وَلَعَلَّ بَعْضَ ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا قَدْ شَايَعُوا أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرَارِ فِي عَمَلِهِمْ جَاهِلِينَ مَقَاصِدَهُمْ مِنْهُ، فَأُرِيدَ بِوَضْعِ الْقِصَّةِ هُنَا وَإِبْهَامِ عَطْفِهَا عَلَى مَنْ أَرْجَأَ اللهُ الْحُكْمَ
فِي أَمْرِهِمْ، أَنْ يَتَّعِظَ أُولَئِكَ الْغَافِلُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَغْرُورِينَ بِمَسْجِدِ الضِّرَارِ وَمُتَّخِذِيهِ، وَيَخَافُوا أَنْ يُؤَاخَذُوا بِمُشَايَعَتِهِمْ لَهُمْ، وَلَوْ بِصَلَاتِهِمْ مَعَهُمْ فِي مَسْجِدِهِمْ.
رُوِيَ أَنَّ مُجَمِّعَ بْنَ حَارِثَةَ كَانَ إِمَامَهُمْ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ فَكَلَّمَ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَصْحَابُ مَسْجِدِ قُبَاءَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي خِلَافَتِهِ بِأَنْ يَأْذَنَ لِمُجَمِّعٍ فَيَؤُمَّهُمْ فِي مَسْجِدِهِمْ، فَقَالَ: لَا وَلَا نِعْمَةَ عَيْنٍ، أَلَيْسَ بِإِمَامِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، فَوَاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ بِهِمْ وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَا أَعْلَمُ مَا أَضْمَرُوا فِيهِ، وَلَوْ عَلِمْتُ مَا صَلَّيْتُ مَعَهُمْ فِيهِ، كُنْتُ غُلَامًا قَارِئًا لِلْقُرْآنِ وَكَانُوا شُيُوخًا لَا يَقْرَءُونَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا. فَعَذَرَهُ وَصَدَّقَهُ وَأَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ بِقَوْمِهِ قَالَ تَعَالَى:
(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ ابْتِدَائِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنَ السِّيَاقِ فِي جُمْلَتِهِ، حُذِفَ خَبَرُهَا لِلْعِلْمِ بِهِ، وَيَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى قَوْلِهِ: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ) إِلَّا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَهُوَ أَنَّهُ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَالْأَفْصَحُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ ((الَّذِينَ)) مَنْصُوبًا عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِالذَّمِّ، وَجَعْلُهُ مُحْتَمِلًا لِمَا ذُكِرَ وَلِغَيْرِهِ نَرَاهُ مِنَ الْإِبْهَامِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْبَلَاغَةُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ آنِفًا مِنَ الْإِيهَامِ، وَقَدْ قَرَّرَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ أَنَّ الْبَلَاغَةَ تَقْتَضِي أَحْيَانًا إِيرَادَ عِبَارَةٍ تَذْهَبُ النَّفْسُ فِي فَهْمِهَا عِدَّةَ مَذَاهِبَ مُحْتَمَلَةٍ فِيهَا. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ الَّذِينَ بِغَيْرِ وَاوٍ. وَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى قَوْلِ الْحَسَنِ مِنْهَا إِلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ حِكْمَةِ وَضْعِ الْآيَاتِ هُنَا أَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مِنْهُ فِي قِرَاءَةِ جُمْهُورِ الْقُرَّاءِ - فَتَأَمَّلْ.
ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا هَذَا الْمَسْجِدَ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ مُنَافِقِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَسَمَّوْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الْأَغْرَاضَ الَّتِي بَنَوْهُ لِأَجْلِهَا أَرْبَعَةٌ ذُكِرَتْ مَنْصُوبَةً عَلَى الْمَفْعُولِ لِأَجْلِهِ وَهِيَ:
(١) أَنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ لِمُضَارَّةِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ مُحَاوَلَةِ إِيقَاعِ الضَّرَرِ بِهِمْ، وَهُمْ أَهْلُ مَسْجِدِ قُبَاءَ
стр. 4410
الَّذِي بَنَاهُ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقْدَمَهُ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرًا وَقَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ إِذْ بَنَوْهُ بِجِوَارِهِ مُضَادَّةً لَهُمْ فِي الِاجْتِمَاعِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ.
(٢) الْكُفْرُ أَوْ تَقْوِيَةُ الْكُفْرِ، وَتَسْهِيلُ أَعْمَالِهِ مِنْ فِعْلٍ وَتَرْكٍ، كَتَمْكِينِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ هُنَالِكَ مَعَ خَفَاءِ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لِعَدَمِ اجْتِمَاعِهِمْ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَالتَّشَاوُرُ بَيْنَهُمْ فِي الْكَيْدِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قِيلَ لَا بُدَّ هُنَا مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ لِأَنَّ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ نَفْسِهِ لَيْسَ كُفْرًا، وَلَكِنَّ التَّعْلِيلَاتِ الْأَرْبَعَةَ فِي الْآيَةِ هِيَ الْقَصْدُ مِنَ الْبِنَاءِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالِاتِّخَاذِ، وَالْكُفْرُ يُطْلَقُ عَلَى الِاعْتِقَادِ، وَعَلَى الْعَمَلِ الْمُنَافِيَيْنِ لِلْإِيمَانِ.
(٣) التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُنَالِكَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ جَمِيعًا فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ مَقَاصِدِ الْإِسْلَامِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مَا فِيهِ، وَهُوَ التَّعَارُفُ وَالتَّآلُفُ وَالتَّعَاوُنُ وَجَمْعُ الْكَلِمَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ تَكْثِيرُ الْمَسَاجِدِ وَتَفْرِيقُ الْجَمَاعَةِ مُنَافِيًا لِمَقَاصِدِ الْإِسْلَامِ، وَمِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ بَلَدٍ أَنْ يُصَلُّوا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ إِذَا تَيَسَّرَ، فَإِنْ تَفَرَّقُوا عَمْدًا وَصَلَّوْا فِي عِدَّةِ مَسَاجِدَ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - كَانُوا خَاطِئِينَ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ الصَّحِيحَةَ تَكُونُ حِينَئِذٍ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ الَّذِينَ سَبَقُوا بِالتَّجْمِيعِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بِنَاءَ الْمَسَاجِدِ لَا يَكُونُ قُرْبَةً مَقْبُولَةً عِنْدَ اللهِ إِلَّا إِذَا كَانَ بِقَدْرِ حَاجَةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَلِّينَ، وَغَيْرَ سَبَبٍ لِتَفْرِيقِ جَمَاعَتِهِمْ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَسَاجِدِ مِصْرَ الْقَرِيبِ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ - وَكَذَا أَمْثَالُهَا فِي الْأَمْصَارِ الْأُخْرَى - لَمْ تُبْنَ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، بَلْ كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى بِنَائِهَا الرِّيَاءَ، وَاتِّبَاعَ الْأَهْوَاءِ، مِنْ جَهَلَةِ الْأُمَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ.
(٤) الْإِرْصَادُ لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلِ اتِّخَاذِ هَذَا الْمَسْجِدِ، أَيِ الِانْتِظَارُ وَالتَّرَقُّبُ لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ أَنْ يَجِيءَ مُحَارِبًا، فَيَجِدَ مَكَانًا مَرْصَدًا لَهُ، وَقَوْمًا رَاصِدِينَ مُسْتَعِدِّينَ لِلْحَرْبِ مَعَهُ، وَهُمْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ بَنَوْا هَذَا الْمَسْجِدَ مَرْصَدًا لِذَلِكَ. يُقَالُ: رَصَدْتُهُ أَيْ قَعَدْتُ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ أَتَرَقَّبُهُ، وَرَاصَدْتُهُ رَاقَبْتُهُ،
وَأَرْصَدْتُ هَذَا الْجَيْشَ لِلْقِتَالِ وَهَذَا الْفَرَسَ لِلطِّرَادِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنَ الْأَسَاسِ، وَاتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَغْرَاهُمْ بِبِنَاءِ هَذَا الْمَسْجِدِ لِهَذَا الْغَرَضِ رَجُلٌ مِنَ الْخَزْرَجِ يُعْرَفُ بِأَبِي عَامِرٍ الرَّاهِبِ وَعَدَهُمْ بِأَنْ سَيَأْتِيَهُمْ بِجَيْشٍ مِنَ الرُّومِ لِقِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ.
(وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى) إِخْبَارٌ مُؤَكَّدٌ بِالْقَسَمِ أَنَّهُمْ سَيَحْلِفُونَ: إِنَّهُمْ مَا أَرَادُوا بِبِنَائِهِ إِلَّا الْخَصْلَةَ أَوِ الْخُطَّةَ الَّتِي تَفُوقُ غَيْرَهَا فِي الْحُسْنِ ; وَهِيَ الرِّفْقُ بِالْمُسْلِمِينَ وَتَيْسِيرُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى أُولِي الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ وَمَنْ يَحْبِسُهُمُ الْمَطَرُ مِنْهُمْ، لِيُصَدِّقَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وَيُصَلِّيَ لَهُمْ فِيهِ: (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) فِي قَوْلِهِمْ، حَانِثُونَ بِيَمِينِهِمْ. قَالَ الْعِمَادُ ابْنُ كَثِيرٍ:
стр. 4411
سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَيْهَا رَجُلٌ مِنَ الْخَزْرَجِ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَرَأَ عِلْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَانَ فِيهِ عِبَادَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَهُ شَرَفٌ فِي الْخَزْرَجِ كَبِيرٌ. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُهَاجِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، وَصَارَتْ لِلْإِسْلَامِ كَلِمَةٌ عَالِيَةٌ وَأَظْهَرَهُمُ اللهُ يَوْمَ بَدْرٍ، شَرِقَ اللَّعِينُ أَبُو عَامِرٍ بِرِيقِهِ وَبَارَزَ بِالْعَدَاوَةِ وَظَاهَرَ بِهَا، وَخَرَجَ فَارًّا إِلَى كُفَّارِ مَكَّةَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَأَلَّبَهُمْ لِحَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاجْتَمَعُوا بِمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَقَدِمُوا عَامَ أُحُدٍ، فَكَانَ مَنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانَ، وَامْتَحَنَهُمُ اللهُ ، وَكَانَتِ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَكَانَ هَذَا الْفَاسِقُ قَدْ حَفَرَ حَفَائِرَ فِيمَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَوَقَعَ فِي إِحْدَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأُصِيبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَجُرِحَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ الْيُمْنَى السُّفْلَى وَشُجَّ رَأْسُهُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ أَبُو عَامِرٍ فِي أَوَّلِ الْمُبَارَزَةِ إِلَى قَوْمِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ فَخَاطَبَهُمْ وَاسْتَمَالَهُمْ إِلَى نَصْرِهِ وَمُوَافَقَتِهِ، فَلَمَّا عَرَفُوا كَلَامَهُ قَالُوا: لَا أَنْعَمَ اللهُ بِكَ عَيْنًا يَا فَاسِقُ يَا عَدُوَّ اللهِ، وَنَالُوا مِنْهُ وَسَبُّوهُ، فَرَجَعَ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَقَدْ أَصَابَ قَوْمِي بَعْدِي شَرٌّ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ دَعَاهُ إِلَى اللهِ قَبْلَ فِرَارِهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَبَى أَنْ يُسْلِمَ وَتَمَرَّدَ، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَمُوتَ بَعِيدًا طَرِيدًا، فَنَالَتْهُ
هَذِهِ الدَّعْوَةُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ أُحُدٍ وَرَأَى أَمْرَ الرَّسُولِ ﷺ فِي ارْتِفَاعٍ وَظُهُورٍ، ذَهَبَ إِلَى هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَعَدَهُ وَمَنَّاهُ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ وَكَتَبَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالرِّيَبِ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ أَنَّهُ سَيَقْدَمُ بِجَيْشٍ يُقَاتِلُ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَيَغْلِبُهُ وَيَرُدُّهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا لَهُ مَعْقِلًا يَقْدَمُ عَلَيْهِمْ فِيهِ مَنْ يَقْدَمُ مِنْ عِنْدِهِ لِأَدَاءِ كُتُبِهِ، وَيَكُونُ مَرْصَدًا لَهُ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ. فَشَرَعُوا فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ مُجَاوِرٍ لِمَسْجِدِ قُبَاءَ، فَبَنَوْهُ وَأَحْكَمُوهُ وَفَرَغُوا مِنْهُ قَبْلَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى تَبُوكَ، وَجَاءُوا فَسَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهِمْ فَيُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِهِمْ لِيَحْتَجُّوا بِصَلَاتِهِ فِيهِ عَلَى تَقْرِيرِهِ وَإِثْبَاتِهِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا بَنَوْهُ لِلضُّعَفَاءِ مِنْهُمْ وَأَهْلِ الْعِلَّةِ فِي اللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ، فَعَصَمَهُ اللهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ فَقَالَ: ((إِنَّا عَلَى سَفَرٍ وَلَكِنْ إِذَا رَجَعْنَا إِنْ شَاءَ اللهُ)) فَلَمَّا قَفَلَ ﵇ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ تَبُوكَ وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا يَوْمٌ أَوْ بَعْضُ يَوْمٍ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِخَبَرِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ وَمَا اعْتَمَدَهُ بَانُوهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَسْجِدِهِمْ (مَسْجِدِ قُبَاءَ) الَّذِي أُسِّسَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ عَلَى التَّقْوَى، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ مَنْ هَدَمَهُ قَبْلَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ - وَذَكَرَ رِوَايَتَهُ بِمَعْنَى مَا ذُكِرَ مُخْتَصَرَةً اهـ.
стр. 4412
وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي خَبَرِ أَبِي عَامِرٍ الْفَاسِقِ هَذَا أَنَّهُ مَا زَالَ يُقَاتِلُ النَّبِيَّ ﷺ وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى يَوْمِ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا انْهَزَمَتْ هَوَازِنُ يَئِسَ وَخَرَجَ هَارِبًا إِلَى الشَّامِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُنَافِقِينَ أَنِ اسْتَعِدُّوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَسِلَاحٍ، وَابْنُوا لِي مَسْجِدًا فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى قَيْصَرَ مِلْكِ الرُّومِ فَآتٍ بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
(لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) هَذَا نَهْيٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّبَعِ لَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِ مُؤَكَّدٌ بِلَفْظِ الْأَبَدِ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ الزَّمَنَ الْمُسْتَقْبَلَ، وَتَفْسِيرُ الْقِيَامِ بِالصَّلَاةِ هُنَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مَعْهُودٌ فِي التَّنْزِيلِ كَقَوْلِهِ: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (٢: ٢٣٨) وَقَوْلِهِ: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) (٧٣: ٢) وَالنَّهْيُ عَنِ الْقِيَامِ الْمُطْلَقِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنِ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ، وَلَكِنَّهَا
هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالنَّهْيِ لِطَلَبِهِمْ لَهَا مِنْهُ ﷺ : (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) اللَّامُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمَسْجِدِ لِلْقَسَمِ أَوْ لِلِابْتِدَاءِ. وَالتَّأْسِيسُ: وَضْعُ الْأَسَاسِ الْأَوَّلِ لِلْبِنَاءِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُرْفَعُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الْقَصْدُ وَالْغَرَضُ مِنَ الْبِنَاءِ، وَالتَّقْوَى: الِاسْمُ الْجَامِعُ لِمَا يُرْضِي اللهَ وَيَقِي مِنْ سُخْطِهِ، أَيْ: إِنَّ مَسْجِدًا قُصِدَ بِبِنَائِهِ - مُنْذُ وُضِعَ أَسَاسُهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ - تَقْوَى اللهِ تَعَالَى بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ وَجَمْعِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ عَلَى مَا يُرْضِيهِ مِنَ التَّعَارُفِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى - هُوَ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ أَيُّهَا الرَّسُولُ مُصَلِّيًا بِالْمُؤْمِنِينَ، عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا سِيَّمَا ذَلِكَ الْمَسْجِدِ الَّذِي وُضِعَ أَسَاسُهُ عَلَى الْمَقَاصِدِ الْأَرْبَعَةِ الْخَبِيثَةِ، وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ - مَسْجِدُ قُبَاءَ، وَقَدْ صَحَّ فِي أَحَادِيثَ رَوَاهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْهُ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مَسْجِدُهُ الَّذِي فِي الْمَدِينَةِ، فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَهُ أَخَذَ ﷺ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: ((هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا)) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْهُ وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: ((هُوَ مَسْجِدِي هَذَا)) . وَلَفْظُ الْآيَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِرَادَةِ كُلٍّ مِنَ الْمَسْجِدَيْنِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ بَنَاهُ ﷺ وَوَضَعَ أَسَاسَهُ عَلَى التَّقْوَى مَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ شَرَعَ فِيهِ بِبِنَائِهِ أَوْ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ وُجِدَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ: (مِنْ) تَدْخُلُ عَلَى الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ.
(فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) هَذِهِ جُمْلَةٌ وُصِفَ بِهَا الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى تُؤَكِّدُ تَرْجِيحَ الْقِيَامِ مَعَ أَهْلِهِ الْمُطَهِّرِينَ فِي مُقَابِلِ أَهْلِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ وَهُمْ رِجْسٌ.
وَالْمَعْنَى: فِيهِ رِجَالٌ يَعْمُرُونَهُ بِالِاعْتِكَافِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللهِ وَتَسْبِيحِهِ فِيهِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا بِذَلِكَ مَنْ كُلِّ مَا يَعْلَقُ بِأَنْفُسِهِمْ مَنْ دَرَنِ الْآثَامِ، أَوِ التَّقْصِيرِ فِي إِقَامَةِ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ، كَمَا تَطَهَّرَ الْمُتَخَلِّفُونَ مِنْهُمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ بِالتَّوْبَةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَمِنْ لَوَازِمِ عِمَارَتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالْعُكُوفِ فِيهِ: طَهَارَةُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ الْحِسِّيَّةُ، وَطَهَارَةُ الْوُضُوءِ
стр. 4413
وَالْغُسْلِ الْحُكْمِيَّةُ، فَالتَّطَهُّرُ: صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ تَشْمَلُ الطَّهَارَتَيْنِ النَّفْسِيَّةَ وَالْبَدَنِيَّةَ، وَوَرَدَتِ الرِّوَايَاتُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَلِكُلٍّ مِنَ الِاسْتِعْمَالَيْنِ مَوْضِعٌ مِنَ التَّنْزِيلِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْأَوْلَى.
(وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) أَيِ الْمُبَالِغِينَ فِي الطَّهَارَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُبَالِغُونَ فِيهَا إِذَا أَحَبُّوهَا، وَحِينَئِذٍ تَكْمُلُ إِنْسَانِيَّتُهُمُ الْمُؤَلَّفَةُ مِنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ. وَلَا يُطِيقُ نَجَاسَةَ الْبَدَنِ وَقَذَارَتَهُ إِلَّا نَاقِصُ الْفِطْرَةِ وَالْأَدَبِ، وَأَنْقَصُ مِنْهُ مَنْ يُطِيقُ خُبْثَ النَّفْسِ بِالْإِصْرَارِ عَلَى الْمَعَاصِي وَالْعَادَاتِ الْقَبِيحَةِ، وَالتَّخَلُّقِ بِالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ. دَعْ رِجْسَ الْمُنَافِقِينَ الْمُرَائِينَ فِي الْأَعْمَالِ، الْأَشِحَّةِ الْبَاخِلِينَ بِالْأَمْوَالِ. وَأَمَّا حُبُّ اللهِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِحُبِّهِ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ ; لِأَنَّ الْعَالِمَ بِتَفَاوُتِ الْأَشْيَاءِ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَالْكَمَالِ وَالنَّقْصِ يَكُونُ مِنْ أَفْضَلِ صِفَاتِهِ حُبُّ الْجَمَالِ وَالْكَمَالِ وَالْحَقِّ وَالْخَيْرِ، وَبُغْضُ أَضْدَادِهَا وَكَرَاهَتُهَا، وَحُبُّهُ اللَّائِقُ بِرُبُوبِيَّتِهِ مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَةِ حُبِّنَا، كَتَنَزُّهِ ذَاتِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِهِ عَنْ مُشَابَهَةِ ذَوَاتِنَا وَصِفَاتِنَا، وَلَكِنْ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْمَحْبُوبِينَ مِنْ عِبَادِهِ فِي أَخْلَاقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَمَعَارِفِهِمْ وَآدَابِهِمْ، وَأَعْلَاهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ الْقُدْسِيِّ ((وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ)) إِلَخْ.
وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى مُعَلِّلًا مَا وَعَظَ بِهِ نِسَاءَ نَبِيِّهِ ﷺ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ لَهُنَّ بِمَا يَلِيقُ بِمَكَانَتِهِنَّ مِنْ رَسُولِهِ: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (٣٣: ٣٣) .
وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مَحَبَّتَهُ تَعَالَى لِلْمُطَّهِّرِينَ بِرِضَاهُ عَنْهُمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ فُسِّرَ بِهِ اللَّفْظُ بِبَعْضِ لَوَازِمِهِ، فَإِنْ كَانَ هَرَبًا مِنْ نَظَرِيَّةِ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ: إِنَّ اتِّصَافَ اللهِ تَعَالَى بِالْحُبِّ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ انْفِعَالٌ نَفْسِيٌّ يَسْتَحِيلُ عَلَى ذِي الْجَلَالِ، فَيَجِبُ تَفْسِيرُهُ بِلَازِمِهِ الْمَذْكُورِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي الرَّحْمَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ - فَهُوَ هُرُوبٌ مِنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ الْحَقِّ، وَوُقُوعٌ فِيمَا فَرُّوا مِنْهُ بِالتَّأْوِيلِ، وَهُوَ تَشْبِيهُ اللهِ بِخَلْقِهِ. إِذْ يُقَالُ لَهُمْ: إِنَّ الرِّضَا عَاطِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ كَالْحُبِّ، وَالْإِحْسَانَ عَمَلٌ بَدَنِيٌّ كَبَسْطِ الْيَدِ بِالْبَذْلِ وَهُمَا يُسْنَدَانِ إِلَى النَّاسِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ بِهِمَا الْخَالِقُ ، لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْخَلْقِ، وَكَذَا الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْمَشِيئَةُ وَالْكَلَامُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهَا وُضِعَتْ فِي اللُّغَاتِ لِمَعَانِيهَا الْمَعْرُوفَةِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ كَكَوْنِ الْعِلْمِ صُوَرَ الْمَعْلُومَاتِ الْمُنْتَزَعَةِ مِنْهَا فِي الذِّهْنِ، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى مُحَالٌ عَلَى اللهِ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَالْحَقُّ أَنْ يُوصَفَ تَعَالَى بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ بِقُيُودِهِ
الثَّلَاثَةِ الَّتِي قَرَّرَهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ. أَيْ بِلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَلَا تَأْوِيلٍ. فَعِلْمُهُ تَعَالَى انْكِشَافٌ يَلِيقُ بِهِ، وَحُبُّهُ مَعْنًى نَفْسِيٌّ يَلِيقُ بِهِ إِلَخْ.
стр. 4414
ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ عِدَّةَ رِوَايَاتٍ حَاصِلُهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءَ عَنْ سَبَبِ ثَنَاءِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَأَجَابُوهُ بِأَنَّهُمْ يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُمْ يُتْبِعُونَ الْحِجَارَةَ بِالْمَاءِ. وَذَكَرَ أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ وَابْنَ الْمُنْذِرِ وَابْنَ أَبِي حَاتِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيَّ وَالْحَاكِمَ وَغَيْرَهُمْ رَوَوْا عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵃ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ خَيْرًا فِي الطُّهُورِ، فَمَا طَهُورُكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَنَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ قَالَ: ((فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ؟)) قَالُوا: إِنَّ أَحَدَنَا إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ قَالَ: ((هُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ)) .
أَقُولُ: طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ هَذَا ثِقَةٌ رَوَى عَنْهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ، وَلَكِنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ مَقْرُونَةٌ بِغَيْرِهِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ رَوَاهَا عَنْ جَابِرٍ، وَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا، لِقَوْلِ شَيْخِهِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ: إِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ جَابِرٍ غَيْرَهَا، أَيْ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ غَيْرُهَا. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَلَكِنَّهُ هُنَا صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ فِيمَا رَوَاهُ مَنْ ذُكِرَ وَغَيْرُهُمْ. وَحَدِيثُهُ هَذَا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَقْوَى مِنْ أَحَادِيثِ سُؤَالِ النَّبِيِّ ﷺ أَهْلَ مَسْجِدِ قُبَاءَ وَجَعْلِهِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ فِي سُؤَالِ الْأَنْصَارِ، وَالْمَسْئُولُونَ مِنْهُمْ كُلُّهُمْ مِنْ سُكَّانِ الْمَدِينَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ النَّاطِقَةُ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أَثْنَى الله عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ هُوَ مَسْجِدُهُ فِيهَا، وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إِرَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِتَعَارُضِهِمَا، كَمَا أَنَّ الرِّوَايَاتِ فِيهِمَا لَا تُنَافِي إِرَادَةَ نَوْعَيِ الطَّهَارَةِ كِلَيْهِمَا، وَيُؤَيِّدُ إِرَادَةَ الطَّهَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) هَذَا بَيَانٌ مُسْتَأْنَفٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَسْجِدَيْنِ فِي مَقَاصِدِهِمَا مِنْهُمَا: أَهْلِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ الَّذِي زَادُوا بِهِ رِجْسًا إِلَى
رِجْسِهِمْ، وَأَهْلِ مَسْجِدِ التَّقْوَى وَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وَأَنْصَارُهُ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَكْمَلَ الطَّهَارَةِ لِظَاهِرِهِمْ وَبَاطِنِهِمْ، فَاسْتَفَادُوا بِذَلِكَ مَحَبَّةَ اللهِ لَهُمْ، وَوَرَدَ بِصِيغَةِ اسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْبِيهِ الشُّعُورِ وَقُوَّةِ التَّأْثِيرِ، وَالْبُنْيَانُ: مَصْدَرٌ كَالْعُمْرَانِ وَالْغُفْرَانِ وَيُرَادُ بِهِ الْمَبْنِيُّ، مِنْ دَارٍ أَوْ مَسْجِدٍ وَهُوَ الْمُتَعَيَّنُ هُنَا. وَتَقَدَّمَ آنِفًا مَعْنَى التَّأْسِيسِ، وَالشَّفَا: (بِالْفَتْحِ وَالْقَصْرِ) الْحَرْفُ وَالشَّفِيرُ لِلْجُرُفِ وَالنَّهْرِ وَغَيْرِهِ.
وَالْجُرُفُ (بِضَمَّتَيْنِ) : جَانِبُ الْوَادِي وَنَحْوُهُ الَّذِي يَنْحَفِرُ أَصْلُهُ بِمَا يَجْرُفُهُ السَّيْلُ مِنْهُ فَيَجْتَاحُ أَسْفَلَهُ فَيَصِيرُ مَائِلًا لِلسُّقُوطِ، وَالْهَارُ: الضَّعِيفُ الْمُتَصَدِّعُ الْمُتَدَاعِي لِلسُّقُوطِ وَهَذَا التَّعْبِيرُ يُضْرَبُ مَثَلًا لِمَا كَانَ فِي مُنْتَهَى الضَّعْفِ وَالْإِشْرَافِ عَلَى الزَّوَالِ، وَهُوَ مِنْ أَبْلَغِ الْأَمْثَالِ، لِمُنْتَهَى الْوَهْيِ وَالِانْحِلَالِ.
стр. 4415
الْمُرَادُ بِالْمَثَلِ هُنَا بَيَانُ ثَبَاتِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَقُوَّتِهِ وَدَوَامِهِ، وَسَعَادَةِ أَهْلِهِ بِهِ، وَذِكْرِهِ بِأَثَرِهِ وَثَمَرَتِهِ فِي عَمَلِ أَهْلِهِ، وَجِمَاعُهَا التَّقْوَى، وَبِجَزَائِهِمْ عَلَيْهِ وَأَعْلَاهُ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى، وَبَيَانِ ضَعْفِ الْبَاطِلِ وَاضْمِحْلَالِهِ، وَوَهْيِهِ وَقُرْبِ زَوَالِهِ، وَخَيْبَةِ صَاحِبِهِ وَسُرْعَةِ انْقِطَاعِ آمَالِهِ، وَشَرِّ أَهْلِهِ الْمُنَافِقِينَ. وَشَرُّ أَعْمَالِهِمْ مَا اتَّخَذُوهُ مِنْ مَسْجِدِ الضِّرَارِ لِلْمَفَاسِدِ الْأَرْبَعَةِ الْمُبَيَّنَةِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مِنْ هَذَا السِّيَاقِ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي وَصْفِ بُنْيَانِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيمَا قَبْلَهُ مِنْ عَمَلِهِمْ إِلَّا الْمُبَالَغَةَ فِي الطَّهَارَةِ. وَذَكَرَ مِنْ وَصْفِ بُنْيَانِ الْفَرِيقِ الثَّانِي الْهَيْئَةَ الْمُشَبَّهَ بِهَا دُونَ الْمُشَبَّهِ. لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيمَا قَبْلُ مَقَاصِدَهُمْ مِنْهَا كُلَّهَا، وَهَذَا مِنْ دَقَائِقِ إِيجَازِ الْقُرْآنِ.
تَقُولُ فِي الْمَعْنَى الْجَامِعِ بَيْنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ فِي الْفَرِيقَيْنِ: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ مَأْوًى وَمَوْئِلًا لَهُ، يَقِيهِ مِنْ فَوَاعِلِ الْجَوِّ وَعُدْوَانِ كُلِّ حَيٍّ، وَمَوْطِنًا لِرَاحَتِهِ، وَهَنَاءَ مَعِيشَتِهِ، عَلَى أَمْتَنِ أَسَاسٍ وَأَثْبَتِهِ، وَأَقْوَاهُ عَلَى مُصَابَرَةِ الْعَوَاصِفِ وَالسُّيُولِ، وَصَدِّ الْهَوَامِّ وَالْوُحُوشِ - هُوَ خَيْرٌ بُنْيَانًا، وَرَاحَةً وَأَمَانًا؟ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى أَوْهَى الْقَوَاعِدِ وَأَقَلِّهَا بَقَاءً وَاسْتِمْسَاكًا فَهِيَ عُرْضَةٌ لِلِانْهِيَارِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ؟
وَأَمَّا مَعْنَى الْمُشَبَّهِ الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَيُصَوَّرُ هَكَذَا: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا صَادِقًا يَتَّقِي اللهَ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَيَبْتَغِي رِضْوَانَهُ فِي أَعْمَالِهِ بِتَزْكِيَةِ نَفْسِهِ بِهَا وَنَفْعِ
عِيَالِهِ: (وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللهِ) كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ أَفَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ خَيْرًا عَمَلًا، وَأَفْضَلَ عَاقِبَةً وَأَمَلًا، وَمِمَّنْ نَزَلَ فِيهِمْ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) (١٨: ١٠٧) أَمْ مَنْ هُوَ مُنَافِقٌ مُرْتَابٌ، مُرَاءٍ كَذَّابٌ، يَبْتَغِي بِأَفْضَلِ مَظَاهِرِ أَعْمَالِهِ الضَّرَرَ وَالضِّرَارَ، وَتَقْوِيَةَ أَعْمَالِ الْكُفْرِ وَمُوَالَاةَ الْكُفَّارِ، وَتَفْرِيقَ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ الْأَخْيَارِ، وَالْإِرْصَادَ لِمُسَاعَدَةِ مَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنَ الْأَشْرَارِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ عَاقِبَةِ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْفَضِيحَةِ وَالْعَارِ، وَالْخِزْيِ وَالْبَوَارِ، وَفِي الْآخِرَةِ مِنَ الِانْهِيَارِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْقَرَارُ؟
وَفِي مَعْنَى هَذَا الْمَثَلِ: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) (١٣: ١٧) الْآيَةَ.
وَخُلَاصَةُ الْمَثَلَيْنِ أَنَّ الْإِيمَانَ الصَّادِقَ، وَمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ هُوَ الْمُثْمِرُ الثَّابِتُ، وَأَنَّ النِّفَاقَ وَمَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الْعَمَلِ الْفَاسِدِ هُوَ الْبَاطِلُ الزَّاهِقُ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُوَافِقُ قَوْلَ عُلَمَاءِ الْكَوْنِ: إِنَّهُ لَا يَتَنَازَعُ شَيْئَانِ فِي الْوُجُودِ إِلَّا وَيَكُونُ الْغَالِبُ هُوَ الْأَصْلَحَ مِنْهُمَا. وَيُسَمُّونَ هَذِهِ السُّنَّةَ (نَامُوسَ الِانْتِخَابِ الطَّبِيعِيِّ وَبَقَاءِ الْأَمْثَلِ) وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ.
следующие страницы →