Полный текст (5 061 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الْبِرَّ وَلَا مِنْهُ، بَلْ لَيْسَ فِي نَفْسِهِ عَمَلًا صَالِحًا كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي آيَاتِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَأَحَلْنَا فِيهِ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي بَيَّنَ اللهُ فِيهَا مَجَامِعَ الْبِرِّ (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ (لَكِنَّ) بِالتَّشْدِيدِ، وَنَافِعُ وَابْنُ عَامِرٍ بِالتَّخْفِيفِ ; أَيْ: وَلَكِنْ جُمْلَةُ الْبِرِّ هُوَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ إِلَخْ، وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْمَعْنَى بِالذَّاتِ، وَهُوَ مَعْهُودٌ فِي الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ الْفَصِيحِ، وَالْقُرْآنُ جَارٍ عَلَى الْأَسَالِيبِ الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى لَا عَلَى فَلْسَفَةِ النُّحَاةِ وَقَوَانِينِهِمُ الصِّنَاعِيَّةِ، وَبَلَاغَةُ هَذِهِ الْأَسَالِيبِ إِنَّمَا هِيَ فِي إِيصَالِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ إِلَى الذِّهْنِ عَلَى أَجْلَى وَجْهٍ يُرِيدُهُ الْمُتَكَلِّمُ وَأَحْسَنِ تَأْثِيرٍ يَقْصِدُهُ، وَمِثْلُ هَذَا التَّعْبِيرِ لَا يَزَالُ مَأْلُوفًا عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى فَسَادِ أَلْسِنَتِهِمْ فِي اللُّغَةِ، يَقُولُونَ: لَيْسَ الْكَرْمُ أَنْ تَدْعُوَ الْأَغْنِيَاءَ وَالْأَصْدِقَاءَ إِلَى طَعَامِكَ وَلَكِنَّ الْكَرَمَ مَنْ يُعْطِي الْفُقَرَاءَ الْعَاجِزِينَ عَنِ الْكَسْبِ، فَالْكَلَامُ مَفْهُومٌ بِدُونِ أَنْ نَقُولَ إِنَّ مَعْنَاهُ: وَلَكِنَّ ذَا الْكَرَمِ مَنْ يُعْطِي، أَوْ لَكِنَّ الْكَرَمَ عَطَاءُ مَنْ يُعْطِي. وَإِنَّمَا نَحْنُ فِي حَاجَةٍ إِلَى بَيَانِ النُّكْتَةِ فِي اخْتِيَارِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ هُوَ الْإِيمَانُ بِاللهِ إِلَخْ، وَهَذِهِ النُّكْتَةُ مَفْهُومَةٌ مِنَ الْعِبَارَةِ ; فَإِنَّهَا تُمَثِّلُ لَكَ الْمَعْنَى فِي نَفْسِ الْمَوْصُوفِ بِهِ فَتُفِيدُكَ أَنَّ الْبِرَّ هُوَ الْإِيمَانُ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ بِاعْتِبَارِ اتِّحَادِهِمَا، وَتَلَبُّسِ الْمُؤْمِنِ الْبَارِّ بِهِمَا مَعًا، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْإِيمَانَ بَاعِثٌ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَهِيَ مُنْبَعِثَةٌ عَنْهُ وَأَثَرٌ لَهُ تَسْتَمِدُّ مِنْهُ وَتَمُدُّهُ وَتُغَذِّيهِ ; أَيْ: أَنَّهَا تُمَثِّلُ لَكَ الْمَعْنَى فِي
الشَّخْصِ، أَوِ الشَّخْصَ عَامِلًا بِالْبِرِّ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النَّفْسِ هُنَا مِنْ إِسْنَادِ الْمَعْنَى إِلَى الْمَعْنَى، وَمِنْ إِسْنَادِ الذَّاتِ إِلَى الذَّاتِ كَمَا هُوَ مَذُوقٌ وَمَفْهُومٌ.
ابْتَدَأَ بِذِكْرِ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ; لِأَنَّهُ أَسَاسُ كُلِّ بِرِّ وَمَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ، وَلَا يَكُونُ الْإِيمَانُ أَصْلًا لِلْبِرِّ إِلَّا إِذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ النَّفْسِ بِالْبُرْهَانِ، مَصْحُوبًا بِالْخُضُوعِ وَالْإِذْعَانِ، فَمَنْ نَشَأَ بَيْنَ قَوْمٍ وَسَمِعَ مِنْهُمُ اسْمَ اللهِ فِي حَلِفِهِمْ وَاسْمَ الْآخِرَةِ فِي حِوَارِهِمْ، وَقَبِلَ مِنْهُمْ بِالتَّسْلِيمِ أَنَّ لَهُ إِلَهًا، وَأَنَّ هُنَاكَ يَوْمًا آخَرَ يُسَمَّى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ أَهْلَ دِينِهِ هُمْ خَيْرٌ مِنْ أَهْلِ سَائِرِ الْأَدْيَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ بَاعِثًا لَهُ عَلَى الْبِرِّ وَإِنْ زَادَتْ مَعَارِفُهُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُسَلَّمَةِ ; فَحِفْظُ الصِّفَاتِ الْعِشْرِينَ الَّتِي حَدَّدَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِهَا مَا يَجِبُ إِثْبَاتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى عَقْلًا، وَأَضْدَادَهَا الَّتِي تَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ عَقْلًا، وَإِنْ حَفِظَ الْعَقِيدَةَ السُّنُوسِيَّةِ الْمُسَمَّاةَ بِأُمِّ الْبَرَاهِينِ أَيْضًا. وَلَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ تُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَةُ خَطَأَهُمْ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ الدِّينِ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا بِمَعْزِلٍ عَنِ الْإِذْعَانِ، وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِ هَذَا الْإِيمَانِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ.
الْإِيمَانُ الْمَطْلُوبُ: مَعْرِفَةُ حَقِيقَةٍ تَمْلِكُ الْعَقْلَ بِالْبُرْهَانِ، وَالنَّفْسَ بِالْإِذْعَانِ حَتَّى يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَيُؤْثِرَ أَمْرَهُمَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)
стр. 492
(٩: ٢٤) وَإِيمَانُ التَّقْلِيدِ قَدْ يُفَضِّلُ صَاحِبُهُ حُبَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى حُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ.
الْإِيمَانُ الْمَطْلُوبُ مَعْرِفَةٌ تَطْمَئِنُّ بِهَا الْقُلُوبُ وَتَحْيَا بِهَا النُّفُوسُ وَتَخْنِسُ مَعَهَا الْوَسَاوِسُ، وَتَبْعُدُ بِهَا عَنِ النَّفْسِ الْهَوَاجِسُ، فَلَا تُبْطِرُ صَاحِبَهَا النِّعْمَةُ، وَلَا تُؤَيِّسُهُ النِّقْمَةُ (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)
(١٣: ٢٨) (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (٥٧: ٢٣) وَإِيمَانُ التَّقْلِيدِ لَا يَفْتَأُ صَاحِبُهُ مُضْطَرِبَ الْقَلْبِ، مَيِّتَ النَّفْسِ، إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ فَهُوَ فَرِحٌ فَخُورٌ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَهُوَ يَئُوسٌ كَفُورٌ.
الْإِيمَانُ الْمَطْلُوبُ: مَعْرِفَةٌ تَتَمَثَّلُ لِلْمُؤْمِنِ إِذَا عَرَضَتْ لَهُ دَوَاعِي الشَّرِّ وَأَسْبَابُ الْمَعَاصِي فَتَحُولُ دُونَهَا، فَإِذَا نَسِيَ فَأَصَابَ الذَّنْبَ بَادَرَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ. فَالْمُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ وُصِفُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٣: ١٣٥) وَهُمْ (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) (٨: ٢) وَإِيمَانُ التَّقْلِيدِ يُصِرُّ صَاحِبُهُ عَلَى الْعِصْيَانِ، وَيَقْتَرِفُ الْفَوَاحِشَ عَامِدًا عَالِمًا لَا يَسْتَحِي مِنَ اللهِ وَلَا يَوْجَلُ قَلْبُهُ إِذَا ذَكَرَهُ، وَلَا يَخَافُهُ إِذَا عَصَاهُ.
الْإِيمَانُ الْمَطْلُوبُ: هُوَ الَّذِي إِذَا عَلِمَ صَاحِبُهُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ كَانَتْ مُصِيبَتُهُ فِي دِينِهِ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنَ الْمُصِيبَةِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ، وَكَانَ انْبِعَاثُهُ إِلَى تَلَافِيهَا أَعْظَمَ مِنِ انْبِعَاثِهِ إِلَى دَفْعِ الْأَذَى عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَجَلْبِ الرِّزْقِ إِلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ، وَإِيمَانُ الْمُقَلِّدِ لَا غَيْرَةَ مَعَهُ عَلَى الدِّينِ وَلَا عَلَى الْإِيمَانِ (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) (٢٤: ٤٨، ٤٩) الْآيَاتِ.
يَذْكُرُ الْقُرْآنُ الْإِيمَانَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كَثِيرًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ مَا لَهُ مِثْلُ هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي شَرَحَهَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، مِنْ أَجْمَعِهَا هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي نُفَسِّرُهَا الْآنَ، وَلَكِنَّ أَهْلَ التَّقْلِيدِ الَّذِينَ لَا أَثَرَ لِلْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ وَلَا فِي أَعْمَالِهِمْ إِلَّا مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ قَوْمِهِمْ مِنَ الْإِتْيَانِ بِبَعْضِ الرُّسُومِ يُئَوِّلُونَ كُلَّ هَذِهِ الْآيَاتِ بِجَعْلِهِمُ الْإِيمَانَ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا كَامِلًا، وَهُوَ الَّذِي يَصِفُ الْقُرْآنُ أَهْلَهُ بِمَا يَصِفُهُمْ بِهِ، وَقِسْمًا نَاقِصًا، وَهُوَ إِيمَانُهُمُ الَّذِي يُجَامِعُ مَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى بِهِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَيَرَوْنَ أَنَّ الْإِيمَانَ النَّاقِصَ كَافٍ لِنَيْلِ سَعَادَةِ الْآخِرَةِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا صَحِبَهُ بَعْضُ الرُّسُومِ الدِّينِيَّةِ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُرْشِدُنَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى أَنَّ الرُّسُومَ لَيْسَتْ مِنَ الْبِرِّ فِي شَيْءٍ
وَإِنَّمَا الْبِرُّ هُوَ الْإِيمَانُ وَمَا يَظْهَرُ مِنْ آثَارِهِ فِي النَّفْسِ وَالْعَمَلِ كَمَا تَرَى فِي الْآيَةِ، وَأَسَاسُ ذَلِكَ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ.
فَالْإِيمَانُ بِاللهِ يَرْفَعُ النُّفُوسَ عَنِ الْخُضُوعِ وَالِاسْتِعْبَادِ لِلرُّؤَسَاءِ الَّذِينَ اسْتَذَلُّوا الْبَشَرَ بِالسُّلْطَةِ
стр. 493
الدِّينِيَّةِ، وَهِيَ دَعْوَى الْقَدَاسَةِ وَالْوَسَاطَةِ عِنْدَ اللهِ، وَدَعْوَى التَّشْرِيعِ وَالْقَوْلِ عَلَى اللهِ بِدُونِ إِذْنِ اللهِ، أَوِ السُّلْطَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَهِيَ سُلْطَةُ الْمُلْكِ وَالِاسْتِبْدَادِ، فَإِنَّ الْعُبُودِيَّةَ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى تَهْبِطُ بِالْبَشَرِ إِلَى دَرَكَةِ الْحَيَوَانِ الْمُسَخَّرِ أَوِ الزَّرْعِ الْمُسْتَنْبَتِ، وَالْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبِالْمَلَائِكَةِ يُعَلِّمُ الْإِنْسَانَ أَنَّ لَهُ حَيَاةً فِي عَالَمٍ غَيْبِيٍّ أَعْلَى مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، فَلَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ سَعْيُهُ وَعَمَلُهُ لِأَجْلِ خِدْمَةِ هَذَا الْجَسَدِ خَاصَّةً ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْعَلُهُ لَا يُبَالِي إِلَّا بِالْأُمُورِ الْبَهِيمِيَّةِ، وَلَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ بِالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَبْدًا ذَلِيلًا لِبَشَرٍ مِثْلِهِ لِلَقَبٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ وَقَدْ أَعَزَّهُ اللهُ بِالْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا أَئِمَّةُ الدِّينِ عِنْدَهُ مُبَلِّغُونَ لِمَا شَرَعَ اللهُ، وَأَئِمَّةُ الدُّنْيَا مُنَفِّذُونَ لِأَحْكَامِ اللهِ، وَإِنَّمَا الْخُضُوعُ الدِّينِيُّ لِلَّهِ وَلِشَرْعِهِ لَا لِشُخُوصِهِمْ وَأَلْقَابِهِمْ.
ثُمَّ إِنَّ الْإِيمَانَ بِالْمَلَائِكَةِ أَصْلٌ لِلْإِيمَانِ بِالْوَحْيِ ; لِأَنَّ مَلَكَ الْوَحْيِ رُوحٌ عَاقِلٌ عَالِمٌ يَفِيضُ الْعِلْمَ بِإِذْنِ اللهِ عَلَى رُوحِ النَّبِيِّ بِمَا هُوَ مَوْضُوعُ الدِّينِ، وَلِذَلِكَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى ذِكْرِ الْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ، فَهُمُ الَّذِينَ يُؤْتُونَ النَّبِيِّينَ الْكِتَابَ (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مَنْ كُلِّ أَمْرٍ) (٩٧: ٤) (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (٢٦: ١٩٣ - ١٩٥) فَيَلْزَمُ مِنْ إِنْكَارِ الْمَلَائِكَةِ إِنْكَارُ الْوَحْيِ وَالنُّبُوَّةِ وَإِنْكَارُ الْأَرْوَاحِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إِنْكَارَ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَنْ أَنْكَرَ الْيَوْمَ الْآخِرَ يَكُونُ أَكْبَرُ هَمِّهِ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا وَحُظُوظَهَا، وَذَلِكَ أَصْلٌ لِشَقَاءِ الدُّنْيَا قَبْلَ شَقَاءِ الْآخِرَةِ. وَالْمَلَائِكَةُ: خَلْقٌ رُوحَانِيٌّ عَاقِلٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَهُمْ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ فَلَا نَبْحَثُ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ - كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وَاخْتِيرَ لَفْظُ الْكِتَابِ عَلَى الْكُتُبِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَوْ صَحَّ إِيمَانُهُمْ بِكِتَابِهِمْ وَأَذْعَنُوا لَهُ لَكَانَ فِي ذَلِكَ هِدَايَةٌ لَهُمْ، وَإِنْ جَهِلُوا وَحْدَةَ الدِّينِ فَلَمْ يَعْرِفُوا حَقِيَّةَ جَمِيعِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ لَازِمُهُ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ
يُؤْمِنُوا حَقَّ الْإِيمَانِ بِكِتَابِهِمْ إِذْ لَا يَعْلَمُونَ بِمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ إِيمَانُهُمْ صَحِيحًا لَقَارَنَهُ الْإِذْعَانُ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّقْلِيدِ كَانُوا كَمَنْ نَزَلْ فِيهِمْ (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمِنًا قُلْ لَمْ تُؤَمِّنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (٤٩: ١٤، ١٥) فَهَذَا الْإِيمَانُ الَّذِي حَصَرَ اللهُ الصِّدْقَ فِي أَصْحَابِهِ كَانَ قَدْ فُقِدَ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا هُوَ حَالُ مَجْمُوعِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْعَصْرِ، فَإِنَّ الَّذِي تَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ صَارَ نَادِرًا جِدًّا وَلِذَلِكَ حُرِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْعِزَّةِ وَالنَّصْرِ، وَالِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ، وَلَنْ يَعُودَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَعُودُوا إِلَى التَّخَلُّقِ بِمَا مَيَّزَ اللهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النُّعُوتِ وَالْأَوْصَافِ، فَالْإِيمَانُ بِالْكِتَابِ
стр. 494
يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ بِهِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُوقِنَ بِأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ قَبِيحٌ ضَارٌّ لَا تَتَوَجَّهُ إِرَادَتُهُ إِلَى إِتْيَانِهِ، وَالْمُؤْمِنَ الْمُوقِنَ بِأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ حَسَنٌ نَافِعٌ لَا بُدَّ أَنْ تَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ نَفْسُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ.
فَمَا بَالُ مُدَّعِي الْإِيمَانِ بِالْكِتَابِ قَدْ أَعْرَضُوا عَنِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ حَتَّى صَارُوا يَعُدُّونَ حِفْظَهُ وَقِرَاءَتَهُ مِنْ مَوَانِعِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ، فَكَانَ مِنْ قَوَانِينِهِمْ أَنَّ حَافِظَ الْقُرْآنِ لَا يُطَالَبُ بِتَعَلُّمِ فُنُونِ الْحَرْبِ وَالْجِهَادِ ; لِأَنَّهُ حَافِظٌ، وَصَارَ حَمَلَةُ الْكِتَابِ لَا يُطَالَبُونَ بِبَذْلِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى إِذَا مَا طُولِبَ أَحَدُهُمْ بِبَذْلِ شَيْءٍ لِإِعَانَةِ الْمَنْكُوبِينَ أَوْ لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ اعْتَذَرَ بِأَنَّهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَوِ الْحُفَّاظِ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، بَخِلَ الْقُرَّاءُ وَالْمُتَفَقِّهَةُ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى فَجَازَاهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى بُخْلِهِمْ، وَوَفَّاهُمْ مَا يَسْتَحِقُّونَ عَلَى سُوءِ ظَنِّهِمْ بِرَبِّهِمْ، حَتَّى صَارُوا فِي الْغَالِبِ أَذَلَّ النَّاسِ ; لِأَنَّهُمْ عَالَةٌ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ.
وَالْإِيمَانُ بِالنَّبِيِّينَ يَقْتَضِي الِاهْتِدَاءَ بِهَدْيِهِمْ، وَالتَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِهِمْ، وَالتَّأَدُّبَ بِآدَابِهِمْ، وَيَتَوَقَّفُ هَذَا عَلَى مَعْرِفَةِ سِيرَتِهِمْ وَالْعِلْمِ بِسُنَّتِهِمْ. وَأَبْعَدُ النَّاسِ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِمْ مَنْ رَغِبُوا عَنْ مَعْرِفَةِ مَا ذُكِرَ وَالِاهْتِدَاءِ بِهِ، وَلَا عُذْرَ بِمَا يَزْعُمُونَ مِنَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ السُّنَّةِ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْأَئِمَّةِ وَالْفُقَهَاءِ ; فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلِاقْتِدَاءِ بِشَخْصٍ إِلَّا
الِاسْتِقَامَةُ عَلَى طَرِيقَتِهِ، وَإِنَّمَا طَرِيقَةُ الْأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ الْبَحْثُ عَنِ السُّنَّةِ وَتَقْدِيمُهَا بَعْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ هِدَايَةٍ وَإِرْشَادٍ، وَلَا يُغْنِي عَنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولَهُ شَيْءٌ أَبَدًا، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) (٣٣: ٢١) فَمَنِ اسْتَغْنَى عَنِ التَّأَسِّي بِالرَّسُولِ فَقَدِ اسْتَغْنَى عَنِ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، إِذْ لَا يَنْفَعُهُ هَذَا الْإِيمَانُ إِلَّا بِهَذَا التَّأَسِّي، عَلَى أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالْأَئِمَّةِ يَقْضِي عَلَى صَاحِبِهِ بِأَنْ يَعْرِفَ سِيرَتَهُمْ وَطَرِيقَةَ أَخْذِهِمْ عَنْ رَبِّهِمْ وَنَبِيِّهِمْ وَأُصُولَ اسْتِدْلَالِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ الْمُقَلِّدُونَ لَا يَعْرِفُونَ ; بَلْ يَنْدُرُ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ مِنْهُمْ كَلَامَ مَنْ يَدَّعِي اتِّبَاعَهُ وَتَقْلِيدَهُ، بَلْ جَعَلُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَئِمَّتِهِمْ عِدَّةَ وَسَائِطَ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ فَهُمْ يُقَلِّدُونَهُمْ دُونَهُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْهُمْ بِمُرَادِهِ، كَمَا أَنَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ اللهِ وَرَسُولِهِ.
وَهُنَاكَ قَوْمٌ غَشِيَهُمُ الْجَهْلٌ فَغَشَّهُمْ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ إِيمَانًا بِالرَّسُولِ وَحُبًّا لَهُ بِمَا يَصِيحُونَ بِهِ فِي قِرَاءَةِ كُتُبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَالدَّلَائِلِ وَأَمْثَالِهَا، أَوِ الْمَدَائِحِ الشِّعْرِيَّةِ، وَهُمْ أَجْهَلُ النَّاسِ بِأَخْلَاقِهِ الْعَظِيمَةِ، وَسُنَّتِهِ السَّنِّيَّةِ، وَسِيرَتِهِ الشَّرِيفَةِ، وَأَشَدُّهُمْ نُفُورًا عَنِ التَّأَسِّي بِهِ إِذَا دُعُوا إِلَيْهِ، أَوْ نُهُوا عَنِ الْبِدَعِ فِي دِينِهِ وَالزِّيَادَةِ فِي شَرِيعَتِهِ، وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ وَرَدَ الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّهُمْ يَرِدُونَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُذَادُونَ ; أَيْ: يُطْرَدُونَ دُونَهُ فَيَقُولُ: ((أُمَّتِي)) فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَيَقُولُ: ((سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي))
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى بَعْدَ بَيَانِ أُصُولِ الْإِيمَانِ أُصُولَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي هِيَ ثَمَرَتُهُ، وَبَدَأَ بِأَقْوَاهَا
стр. 495
دَلَالَةً عَلَيْهِ فَقَالَ: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) أَيْ: وَأَعْطَى الْمَالَ لِأَجْلِ حُبِّهِ تَعَالَى أَوْ عَلَى حُبِّهِ إِيَّاهُ ; أَيِ: الْمَالَ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهَذَا الْإِيتَاءُ غَيْرُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ الْآتِي، وَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْبِرِّ وَوَاجِبٌ كَالزَّكَاةِ ; وَذَلِكَ حَيْثُ تَعْرِضُ الْحَاجَةُ إِلَى الْبَذْلِ فِي غَيْرِ وَقْتِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ بِأَنْ يَرَى الْوَاجِدُ مُضْطَرًّا بَعْدَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ أَوْ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، وَهُوَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ نِصَابٌ مُعَيَّنٌ بَلْ هُوَ عَلَى حَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ، فَإِذَا كَانَ لَا يَمْلِكُ إِلَّا رَغِيفًا وَرَأَى مُضْطَرًّا إِلَيْهِ فِي حَالِ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بَذْلُهُ، وَلَيْسَ الْمُضْطَرُّ وَحْدُهُ هُوَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ، بَلْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنَ أَنْ يُعْطِي مِنْ
غَيْرِ الزَّكَاةِ (ذَوِي الْقُرْبَى) وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ ; فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا احْتَاجَ وَفِي أَقَارِبِهِ غَنِيٌّ فَإِنَّ نَفْسَهُ تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ بِعَاطِفَةِ الرَّحِمِ، وَمِنَ الْمَغْرُوزِ فِي الْفِطْرَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَأْلَمُ لِفَاقَةِ ذَوِي رَحِمِهِ وَعَدَمِهِمْ أَشَدَّ مِمَّا يَأْلَمُ لِفَاقَةِ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُ يَهُونُ بِهَوَانِهِمْ وَيَعْتَزُّ بِعِزَّتِهِمْ، فَمَنْ قَطَعَ الرَّحِمَ وَرَضِيَ بِأَنْ يَنْعَمَ وَذَوُو قُرْبَاهُ بَائِسُونَ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الْفِطْرَةِ وَالدِّينِ، وَبَعِيدٌ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ، وَمَنْ كَانَ أَقْرَبَ رَحِمًا كَانَ حَقُّهُ آكَدَ وَصِلَتُهُ أَفْضَلَ (وَالْيَتَامَى) فَإِنَّهُمْ لِمَوْتِ كَافِلِهِمْ تَتَعَلَّقُ كَفَالَتُهُمْ وَكِفَايَتُهُمْ بِأَهْلِ الْوُجْدِ وَالْيَسَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَيْلَا تَسُوءَ حَالُهُمْ، وَتَفْسَدَ تَرْبِيَتُهُمْ فَيَكُونُوا مَصَائِبَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى النَّاسِ (وَالْمَسَاكِينَ) أَهْلُ السُّكُونِ وَالْعِفَّةِ مِنَ الْفُقَرَاءِ ; فَإِنَّهُمْ لَمَّا قَعَدَ بِهِمُ الْعَجْزُ عَنْ كَسْبِ مَا يَكْفِيهِمْ، وَسَكَنَتْ نُفُوسُهُمْ لِلرِّضَى بِالْقَلِيلِ عَنْ مَدِّ كَفِّ الذَّلِيلِ وَجَبَتْ مُسَاعَدَتُهُمْ وَمُوَاسَاتُهُمْ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ (وَابْنَ السَّبِيلِ) الْمُنْقَطِعُ فِي السَّفَرِ لَا يَتَّصِلُ بِأَهْلٍ وَلَا قَرَابَةٍ حَتَّى كَأَنَّ السَّبِيلَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَرَحِمُهُ وَأَهْلُهُ، وَهَذَا التَّعْبِيرُ بِمَكَانٍ مِنَ اللُّطْفِ لَا يَرْتَقِي إِلَيْهِ سِوَاهُ، وَفِي الْأَمْرِ بِمُوَاسَاتِهِ وَإِعَانَتِهِ فِي سَفَرِهِ تَرْغِيبٌ مِنَ الشَّرْعِ فِي السِّيَاحَةِ وَالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ (وَالسَّائِلِينَ) الَّذِينَ تَدْفَعُهُمُ الْحَاجَةُ الْعَارِضَةُ إِلَى تَكَفُّفِ النَّاسِ، وَأَخَّرَهُمْ لِأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ فَيُعْطِيهِمْ هَذَا وَهَذَا، وَقَدْ يَسْأَلُ الْإِنْسَانُ لِمُوَاسَاةِ غَيْرِهِ، وَالسُّؤَالُ مُحَرَّمٌ شَرْعًا إِلَّا لِضَرُورَةٍ يَجِبُ عَلَى السَّائِلِ أَلَّا يَتَعَدَّاهَا (وَفِي الرِّقَابِ) أَيْ: فِي تَحْرِيرِهَا وَعِتْقِهَا وَهُوَ يَشْمَلُ ابْتِيَاعَ الْأَرِقَّاءِ وَعِتْقِهِمْ وَإِعَانَةَ الْمُكَاتَبِينَ عَلَى أَدَاءِ نُجُومِهِمْ وَمُسَاعَدَةَ الْأَسْرَى عَلَى الِافْتِدَاءِ، وَفِي جَعْلِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْبَذْلِ حَقًّا وَاجِبًا فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلَى رَغْبَةِ الشَّرِيعَةِ فِي فَكِّ الرِّقَابِ وَاعْتِبَارِهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ لِيَكُونَ حُرًّا إِلَّا فِي أَحْوَالٍ عَارِضَةٍ تَقْضِي الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْأَسِيرُ رَقِيقًا، وَأَخَّرَ هَذَا عَنْ كُلِّ مَا سَبَقَهُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ فِي تِلْكَ الْأَصْنَافِ قَدْ تَكُونُ لِحِفْظِ الْحَيَاةِ وَحَاجَةُ الرَّقِيقِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ حَاجَةٌ إِلَى الْكَمَالِ.
وَمَشْرُوعِيَّةُ الْبَذْلِ لِهَذِهِ الْأَصْنَافِ مِنْ غَيْرِ مَالِ الزَّكَاةِ لَا تَتَقَيَّدُ بِزَمَنٍ، وَلَا بِامْتِلَاكِ نِصَابٍ مَحْدُودٍ، وَلَا بِكَوْنِ الْمَبْذُولِ مِقْدَارًا مُعَيَّنًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَمْلِكُ كَكَوْنِهِ عُشْرًا أَوْ رُبْعَ الْعُشْرِ
стр. 496
أَوْ عُشْرَ الْعُشْرِ مَثَلًا، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مُطْلَقٌ بِالْإِحْسَانِ مَوْكُولٌ إِلَى أَرْيَحِيَّةِ الْمُعْطِي وَحَالَةِ الْمُعْطَى.
وَوِقَايَةُ الْإِنْسَانِ الْمُحْتَرَمِ مِنَ الْهَلَاكِ وَالتَّلَفِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تَقْدِيرَ لَهُ. وَقَدْ أَغْفَلَ أَكْثَرُ النَّاسِ هَذِهِ الْحُقُوقَ الْعَامَّةَ الَّتِي حَثَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ لِمَا فِيهَا مِنَ الْحَيَاةِ الِاشْتِرَاكِيَّةِ الْمُعْتَدِلَةِ الشَّرِيفَةِ، فَلَا يَكَادُونَ يَبْذُلُونَ شَيْئًا لِهَؤُلَاءِ الْمُحْتَاجِينَ إِلَّا الْقَلِيلَ النَّادِرَ لِبَعْضِ السَّائِلِينَ، وَهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَقَلُّ النَّاسِ اسْتِحْقَاقًا ; لِأَنَّهُمُ اتَّخَذُوا السُّؤَالَ حِرْفَةً وَأَكْثَرُهُمْ وَاجِدُونَ، وَلَوْ أَقَامُوهَا لَكَانَ حَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَايِشِهِمْ خَيْرًا مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَلَكَانَ هَذَا مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ، وَتَفْضِيلِهِ عَلَى جَمِيعِ مَا يَتَصَوَّرُ الْبَاحِثُونَ مِنْ مَذَاهِبِ الِاشْتِرَاكِيِّينَ وَالْمَالِيِّينَ.
ثُمَّ قَالَ: (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ) أَيْ: أَدَّاهَا عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ وَأَقْوَمِهِ وَأَدَامَهَا، وَهَذَا هُوَ الرُّكْنُ الرُّوحَانِيُّ الرَّكِينُ لِلْبِرِّ، وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي يُكَرِّرُ الْقُرْآنُ الْمُطَالَبَةَ بِهَا لَا تَتَحَقَّقُ بِأَدَاءِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالِهَا فَقَطْ. وَإِنْ جَاءَ بِهَا الْمُصَلِّي تَامَّةً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ ; لِأَنَّ مَا يَذْكُرُونَهُ هُوَ صُورَةُ الصَّلَاةِ وَهَيْئَتُهَا، وَإِنَّمَا الْبِرُّ وَالتَّقْوَى فِي سِرِّ الصَّلَاةِ وَرُوحِهَا الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ آثَارُهَا مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَقَلْبِ الطِّبَاعِ السَّقِيمَةِ، وَالِاسْتِعَاضَةِ عَنْهَا بِالْغَرَائِزِ الْمُسْتَقِيمَةِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ) (٧٠: ١٩ - ٢٢) فَمَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ تَطَهَّرَتْ نَفْسُهُ مِنَ الْهَلَعِ وَالْجَزَعِ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ، وَمِنَ الْبُخْلِ وَالْمَنْعِ إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ، وَكَانَ شُجَاعًا كَرِيمًا قَوِيَّ الْعَزِيمَةِ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ لَا يَرْضَى بِالضَّيْمِ، وَلَا يَخْشَى فِي الْحَقِّ الْعَذْلَ وَاللَّوْمَ ; لِأَنَّهُ بِمُرَاقَبَتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي صَلَاتِهِ، وَاسْتِشْعَارِهِ عَظَمَتَهُ وَسُلْطَانَهُ الْأَعْلَى فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ يَكُونُ اللهُ تَعَالَى غَالِبًا عَلَى أَمْرِهِ، فَلَا يُبَالِي مَا لَقِيَ مِنَ الشَّدَائِدِ فِي سَبِيلِهِ، وَمَا أَنْفَقَ مِنْ فَضْلِهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، وَصُورَةُ الصَّلَاةِ لَا تُعْطِي صَاحِبَهَا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي، فَلَيْسَتْ بِمُجَرَّدِهَا مِنَ الْبِرِّ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا شُرِعَتْ
لِلتَّذْكِيرِ بِذَلِكَ السَّنَاءِ الْإِلَهِيِّ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى تَوَجُّهِ الْقَلْبِ إِلَيْهِ، وَاسْتِغْرَاقِهِ فِي ذِكْرِهِ وَمُنَاجَاتِهِ وَدُعَائِهِ، وَهُوَ رُوحُهَا وَسِرُّهَا الَّذِي يُسْتَعَانُ بِهِ وَبِالصَّبْرِ عَلَى جَمِيعِ الْمَقَاصِدِ الْعَالِيَةِ وَالْمُجَاهَدَاتِ، فَهَذَا هُوَ الْبِرُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ وَإِقَامَتِهَا وَالِاسْتِعَانَةِ بِهَا، وَإِنَّمَا نُعِيدُ التَّذْكِيرَ كُلَّمَا أَعَادَهُ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ.
(وَآتَى الزَّكَاةَ) الْمَفْرُوضَةَ ; أَيْ: أَعْطَاهَا مُسْتَحِقِّيهَا. قَلَّمَا تُذْكَرُ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا وَيُقْرَنُ بِهَا إِيتَاءُ الزَّكَاةِ، فَالصَّلَاةُ مُهَذِّبَةٌ لِلرُّوحِ، وَالْمَالُ - كَمَا يَقُولُونَ - قَرِينُ الرُّوحِ، فَبَذْلُهُ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ رُكْنٌ عَظِيمٌ مِنْ أَرْكَانِ الْبِرِّ، وَآيَةٌ مِنْ أَظْهَرِ آيَاتِ الْإِيمَانِ، وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ عَلَى مُحَارَبَةِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَلَكِنَّ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ مِنَ الدِّينِ وَالْإِيمَانِ إِلَّا تَقْلِيدَ بَعْضِ الْكُتُبِ الَّتِي أَلَّفَهَا الْمَيِّتُونَ، وَنَشَرَهَا الرُّؤَسَاءُ وَالْحَاكِمُونَ، يَمْنَعُونَ الزَّكَاةَ عَمْدًا
стр. 497
بِاسْمِ الدِّينِ، بِمَا تُعَلِّمُهُمْ هَذِهِ الْكُتُبُ مِنَ الْحِيَلِ الَّتِي تُمْنَعُ بِهَا الْحُقُوقُ الثَّابِتَةُ، وَآكَدُهَا الزَّكَاةُ الَّتِي ذَكَرَ الْكِتَابُ مَصَارِفَهَا الثَّمَانِيَةَ، وَقَضَى بِأَنْ تَبْقَى بِبَقَائِهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، وَيُسَمُّونَهَا حِيَلًا شَرْعِيَّةً، وَمَا نِسْبَتُهَا إِلَى الشَّرْعِ إِلَّا كَنِسْبَةِ مِنْجَلِ الْحَاصِدِ إِلَى الزَّرْعِ، أَوِ الْعَاصِفَةِ فِي الْقَلْعِ.
فَمَانِعُ الزَّكَاةِ يَهْدِمُ فِي الظَّاهِرِ رُكْنًا مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَيَنْقُضُ فِي الْبَاطِنِ مِنْ تَحْتِهِ أَسَاسَ الْإِيمَانِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَالُ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي إِبْطَالِ فَرِيضَتِهِ، وَإِزَالَةِ حِكْمَتِهِ، فَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِ، وَلَمْ يُذْعِنْ لِأَمْرِهِ، بَلْ فَسُقَ عَنْ أَمْرِ مَوْلَاهُ، وَاتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، وَتَجَرَّأَ عَلَى تَبْدِيلِ كَلِمَاتِ اللهِ، فَنَسَخَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةَ مِنْ كِتَابِهِ الْآمِرَةَ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ عَلَى أَنَّهَا آيَةُ الْإِيمَانِ وَصَلَاحِ الْعُمْرَانِ، ثُمَّ هُوَ يُسَمِّي هَذَا الْحِنْثَ الْعَظِيمَ، وَالْجُرْمَ الْكَبِيرَ حُكْمًا مَشْرُوعًا، وَدِينًا مَتْبُوعًا وَوَاللهِ إِنَّ نِسْبَةَ هَذَا السَّفَهِ إِلَى الشَّرْعِ لَأَدَلُّ عَلَى الْكُفْرِ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْعِ، إِذْ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَشْرَعَ اللهُ لَنَا شَيْئًا وَيُؤَكِّدَهُ عَلَيْنَا سَبْعِينَ مَرَّةً ثُمَّ يَرْضَى بِأَنْ نَحْتَالَ عَلَيْهِ وَنُخَادِعَهُ فِي تَرْكِهِ، وَنَزْعُمَ أَنَّهُ - تَقَدَّسَ وَتَعَالَى - أَذِنَ لَنَا بِهَذِهِ الْمُخَادَعَةِ وَالْمُخَاتَلَةِ! إِذَنْ لِمَاذَا فَرَضَ وَأَوْجَبَ، وَرَغَّبَ وَرَهَّبَ، وَوَعَدَ وَأَوْعَدَ، وَحَكَمَ وَأَحْكَمَ؟ هَلْ كَانَ ذَلِكَ لَغْوًا مِنَ الْكَلَامِ، وَجَهْلًا بِحِكْمَةِ وَضْعِ الْأَحْكَامِ؟ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْحِيَلَ الشَّيْطَانِيَّةَ لَمْ يَجِدْ لَهَا وَاضِعُوهَا شُبْهَةً مِنْ تَحْرِيفِ كِتَابِ اللهِ وَتَأْوِيلِ آيَاتِهِ كَمَا هِيَ طَرِيقَتُهُمْ فِي اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَأْيِيدِ آرَائِهِمْ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ
يَذْكُرْ فِي كِتَابِهِ الْحَوْلَ وَالنِّصَابَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَا هُوَ رُوحُ الدِّينِ وَمَقْصِدُهُ وَهُوَ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَكَوْنُهُ آيَةَ الْإِيمَانِ، وَتَرْكُهُ آيَةُ النِّفَاقِ وَالْكُفْرَانِ.
وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ بِالْهُدَى وَالْعَمَلِ كَيْفِيَّةَ الْأَخْذِ وَقَدْرَ الْمَأْخُوذِ وَسَائِرَ الْأَحْكَامِ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ شُبْهَةً لِإِبْطَالِ الْكِتَابِ وَالْهُرُوبِ مِنَ الِاهْتِدَاءِ بِهِ، وَلَكِنَّ الْمَخْذُولِينَ لَمَّا تَرَكُوا الِاهْتِدَاءَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَجَعَلُوا عِبَارَاتِ الْكُتُبِ الَّتِي صَنَّفُوهَا هِيَ مَآخِذَ الدِّينِ وَيَنَابِيعَهُ صَارُوا يَحْتَالُونَ فِي تَطْبِيقِ أَعْمَالِهِمْ عَلَى تِلْكَ الْعِبَارَاتِ الْمَخْلُوقَةِ، فَيَكْتُبُ أَحَدُهُمْ مَثَلًا: تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى مَالِكِ النِّصَابِ إِذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَهُوَ مَالِكٌ لَهُ، ثُمَّ يَعْمَدُ هُوَ وَغَيْرُهُ إِلَى تَطْبِيقِ دِينِهِ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَاتِ فَيَهَبُ مَالَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَى امْرَأَتِهِ وَلَوْ مَعَ الِاشْتِرَاطِ عَلَيْهَا أَنْ تُعِيدَهُ لَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِحَسَبِ نَصِّ الْكِتَابِ الَّذِي سَمَّاهُ فِقْهًا، وَيَدُكُّ بِكَلِمَةِ كِتَابِهِ الْمَخْلُوقِ كِتَابَ اللهِ الْقَدِيمَ، وَسُنَّةَ رَسُولِهِ الْحَكِيمِ، وَحِكْمَةَ دِينِهِ الْقَوِيمِ، وَيَزْعُمُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ بِاللهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ، بَلْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَالِمٌ فَقِيهٌ فِي الدِّينِ، يَجِبُ تَقْلِيدُهُ وَاتِّبَاعُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَرُبَّمَا يَتَبَجَّحُ إِذَا سَمِعَ أَوْ قَرَأَ قَوْلَهُ ﷺ : ((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)) لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا فَفَقَّهَهُ فِي الدِّينِ، وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةٌ ((وَيُلْهِمُهُ رُشْدَهُ)) .
فَيَا أَهْلَ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي لَمْ يُفْسِدْهَا فِقْهُ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَالِينَ عَلَى اللهِ لِهَدْمِ دِينِهِ أَفْتُونَا:
стр. 498
هَلِ الْعِلْمُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحِيلَةِ يَنْطَبِقُ عَلَى أُصُولِ الْبِرِّ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَعَلَى الْفِقْهِ وَالرُّشْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّبِيُّ فِي حَدِيثِهِ هَذَا، أَمْ هَذِهِ فِتْنَةٌ مِنْ فِتَنِ التَّقْلِيدِ وَأَخْذِ الدِّينِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُحْدَثَةِ دُونَ كِتَابِ اللهِ الْمَجِيدِ؟
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) وَهَذَا انْتِقَالٌ مِنَ الْبِرِّ فِي الْأَعْمَالِ إِلَى الْبِرِّ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَذَكَرَ مِنْهَا مَا هُوَ أَهَمُّ أُصُولِ الْبِرِّ وَهُوَ الْوَفَاءُ وَالصَّبْرُ بِضُرُوبِهِ الْمُبَيَّنَةِ بَعْدُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَعْمَالَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ وَالْأَخْلَاقَ بِصِيغَةِ الْوَصْفِ ; لِأَنَّ الْأَعْمَالَ أَفْعَالٌ، وَالْأَخْلَاقَ صِفَاتٌ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَوْفَى وَصَبْرَ تَكَلُّفًا لَا يَكُونُ بَارًّا حَتَّى يَصِيرَ الْوَفَاءُ وَالصَّبْرُ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَلَوْ بِتَكْرَارِ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَمُّلِ، فَقَدْ وَرَدَ ((الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ)) وَقَدَّمَ مَا ذَكَرَ مِنَ الْأَعْمَالِ عَلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ ; لِأَنَّ الْأَعْمَالَ
هِيَ الَّتِي تَطْبَعُ الْأَخْلَاقَ فِي النُّفُوسِ، وَلَا سِيَّمَا الصَّلَاةُ وَبَذْلُ الْمَالِ، فَلَا أَعَوْنَ مِنْهُمَا عَلَى الْوَفَاءِ وَالصَّبْرِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْعَهْدُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَلْتَزِمُ بِهِ الْمَرْءُ لِآخَرَ، وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ مَا عَاهَدَ الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ اللهَ بِإِيمَانِهِمْ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْإِذْعَانِ لِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ دِينُهُ، وَيُذْكَرُ الْعَهْدُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرًا وَيُرَادُ بِهِ فِي الْغَالِبِ مَا يُعَاهِدُ بِهِ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهَذَا الْعَهْدِ أَلَّا يَكُونَ فِي مَعْصِيَةٍ. وَفِي مَعْنَى الْعُهُودِ الْعُقُودُ وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْوَفَاءِ بِهَا، فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَلْتَزِمَ الْوَفَاءَ بِمَا يَتَعَاقَدُ عَلَيْهِ مَعَ النَّاسِ مَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِأَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ الثَّابِتِ عِنْدَهُ، وَلِقَوَاعِدِ الدِّينِ الْعَامَّةِ.
وَهَذَا الْأَمْرُ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهُ، وَهُوَ مَعْقُولُ الْفَائِدَةِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ: إِنَّ كُلَّ الْتِزَامٍ يُخَالِفُ أُصُولَ الْقَوَانِينِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاهِدَ الْإِنْسَانُ أَحَدًا أَوْ يُعَاقِدَهُ عَلَى أَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلدِّينِ لَا بِنِيَّةِ الْوَفَاءِ وَلَا بِنِيَّةِ الْغَدْرِ، وَالنَّقْضُ الْأَوَّلُ مَعْصِيَةٌ، وَالثَّانِي مَعْصِيَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ ; لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْغَدْرِ وَالْغِشِّ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْبِرُّ فِي الْإِيفَاءِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَرْءُ يُوفِي مِنْ نَفْسِهِ بِدُونِ إِلْزَامِ حَاكِمٍ يَقَعُ أَوْ يُتَوَقَّعُ إِذَا هُوَ لَمْ يُوفِ، أَوْ خَوْفِ أَيِّ جَزَاءٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْحُكَّامِ، فَمَنْ أَوْفَى خَوْفًا مِنْ إِهَانَةٍ تُصِيبُهُ أَوْ ذَمٍّ يَلْحَقُ بِهِ فَهُوَ غَيْرُ بَارٍّ، وَلَا هُوَ مِنَ الْمُوفِينَ بِالْعُهُودِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مِثَالُهُ: إِنَّ الْإِيفَاءَ بِالْعُهُودِ وَالْعُقُودِ مِنْ أَهَمِّ الْفَرَائِضِ الَّتِي فَرَضَهَا اللهُ تَعَالَى لِنِظَامِ الْمَعِيشَةِ وَالْعُمْرَانِ، وَإِنَّمَا الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ مِنْ وَسَائِلِهِ - وَالزَّكَاةُ فَرْعٌ مِنْهُ فِي وَجْهٍ آخَرَ - فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيْنَا الصَّلَاةَ - وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ - لِنُؤَدِّبَ بِهَا نُفُوسَنَا فَنَعِيشَ فِي الدُّنْيَا عِيشَةً رَاضِيَةً، وَنَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ عِيشَةَ الْآخِرَةِ الْمَرْضِيَّةَ ; إِذِ الْمُصَلِّي أَجْدَرُ النَّاسِ بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ هُمْ عِيَالُ اللهِ بِمَا يَسْتَوْلِي عَلَى قَلْبِهِ فِيهَا مِنَ الشُّعُورِ بِسُلْطَانِ اللهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَعُمُومِ هَذَا السُّلْطَانِ وَالْإِحْسَانِ لَهُ وَلِلنَّاسِ كَافَّةً، وَالْغَدْرُ
стр. 499
وَالْإِخْلَافُ مِنَ الذُّنُوبِ الْهَادِمَةِ لِلنِّظَامِ، الْمُفْسِدَةِ لِلْعُمْرَانِ، الْمُفْنِيَةِ لِلْأُمَمِ. وَمَا فَقَدَتْ أُمَّةٌ الْوَفَاءَ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْأَمَانَةِ وَقِوَامُ الصِّدْقِ إِلَّا وَحَلَّ بِهَا الْعِقَابُ الْإِلَهِيُّ، وَلَا يُعَجِّلُ اللهُ الِانْتِقَامَ مِنَ الْأُمَمِ لِذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ يَفْشُو فِيهَا كَذَنْبِ الْإِخْلَالِ بِالْعَهْدِ وَالْإِخْلَافِ بِالْوَعْدِ،
وَانْظُرْ حَالَ أُمَّةٍ اسْتَهَانَتْ بِالْإِيفَاءِ بِالْعُهُودِ وَلَمْ تُبَالِ بِالْتِزَامِ الْعُقُودِ تَرَ كَيْفَ حَلَّ بِهَا عَذَابُ اللهِ تَعَالَى بِالْإِذْلَالِ، وَفَقْدِ الِاسْتِقْلَالِ، وَضَيَاعِ الثِّقَةِ بَيْنَهَا حَتَّى فِي الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ، فَهُمْ يَعِيشُونَ عِيشَةَ الْأَفْرَادِ لَا عِيشَةَ الْأُمَمِ: صُوَرٌ مُتَحَرِّكَةٌ، وَوُحُوشٌ مُفْتَرِسَةٌ يَنْتَظِرُ كُلُّ وَاحِدٍ وَثْبَةَ الْآخَرِ عَلَيْهِ، إِذَا أَمْكَنَ لِيَدِهِ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ، وَلِذَلِكَ يَضْطَرُّ كُلُّ وَاحِدٍ إِذَا عَاقَدَ أَيَّ إِنْسَانٍ مِنْ أُمَّتِهِ أَنْ يَسْتَوْثِقَ مِنْهُ بِكُلِّ مَا يَقْدِرُ، وَيَحْتَرِسَ مِنْ غَدْرِهِ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُ، فَلَا تَعَاوُنَ وَلَا تَنَاصُرَ، وَلَا تَعَاضُدَ وَلَا تَآزُرَ، بَلِ اسْتَبْدَلُوا بِهَذِهِ الْمَزَايَا التَّحَاسُدَ وَالتَّبَاغُضَ، وَالتَّعَادِيَ وَالتَّعَارُضَ، بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ وَلَكِنَّهُمْ أَذِلَّاءُ لِلْعَبِيدِ (قَالَ) : وَقَدْ أَحْصَيْتُ فِي سَنَةٍ قَضَايَا التَّخَاصُمِ فِي مَحْكَمَةِ بَنْهَا فَأَلْفَيْتُ أَنَّ خَمْسًا وَسَبْعِينَ قَضِيَّةً فِي الْمِائَةِ مِنْهَا بَيْنَ الْأَقَارِبِ، وَالْبَاقِي بَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ، وَلَوْ كَانَ فِي النَّاسِ وَفَاءٌ لَسَلِمُوا مِنْ كُلِّ هَذَا الْبَلَاءِ.
(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) قَالُوا: إِنَّ الْبَأْسَاءَ اسْمٌ مِنَ الْبُؤْسِ وَهُوَ الشِّدَّةُ وَالْفَقْرُ، وَالضَّرَّاءُ مَا يَضُرُّ الْإِنْسَانَ مِنْ نَحْوِ مَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ، أَوْ فَقْدِ مَحْبُوبٍ مِنْ مَالٍ وَأَهْلٍ، وَفَسَّرُوا الْبَأْسَ بِاشْتِدَادِ الْحَرْبِ، وَالصَّبْرُ يُحْمَدُ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ وَفِي غَيْرِهَا، وَخَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّ مَنْ صَبَرَ فِيهَا كَانَ فِي غَيْرِهَا أَصْبَرَ، لِمَا فِي احْتِمَالِهَا مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَى النَّفْسِ وَالِاضْطِرَابِ فِي الْقَلْبِ ; فَإِنَّ الْفَقْرَ إِذَا اشْتَدَّتْ وَطْأَتُهُ يَضِيقُ لَهُ الذَّرْعُ، وَيَكَادُ يُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ، وَالضُّرُّ إِذَا بَرَّحَ بِالْبَدَنِ يُضْعِفُ الْأَخْلَاقَ حَتَّى لَا يَكَادَ الْمَرْءُ يَحْتَمِلُ مَا كَانَ يُسَرُّ بِهِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، فَمَا بَالُكَ بِالْمَرَضِ وَآلَامِهِ وَمَا يَطْرَأُ فِي أَثْنَائِهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَسُوءُ النَّفْسَ، وَأَمَّا حَالَةُ اشْتِدَادِ الْحَرْبِ فَهِيَ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الشِّدَّةِ وَالتَّعَرُّضِ لِلْهَلَكَةِ بِخَوْضِ غَمَرَاتِ الْمَنِيَّةِ يُطْلَبُ فِيهَا مِنَ الصَّبْرِ مَا لَا يُطْلَبُ فِي غَيْرِهَا ; لِأَنَّ الظَّفَرَ مَقْرُونٌ بِالصَّبْرِ، وَبِالظَّفَرِ حِفْظُ الْحَقِّ الَّذِي يُنَاضِلُ مَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ دُونَهُ وَيُدَافِعُ عَنْهُ، وَيُحَاوِلُ إِظْهَارَهُ وَيَبْغِي انْتِشَارَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَأْمُورُ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِالصَّبْرِ حِينَ الْبَأْسِ، لَا الْمُحَارِبُ لِطَمَعِ الدُّنْيَا وَأَهْوَاءِ الْمُلُوكِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي بَعْضِهَا بِالْكُفْرِ، فَلَا غَرْوَ أَنْ يَجْعَلَ الصَّبْرَ فِي حِينِ الْبَأْسِ أَصْلًا مِنْ
أُصُولِ الْبِرِّ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ بِإِرْشَادِ هَذِهِ النُّصُوصِ أَعْظَمَ أُمَّةٍ حَرْبِيَّةٍ فِي الْعَالَمِ فَمَا زَالَ اسْتِبْدَادُ الْحُكَّامِ يُفْسِدُ مِنْ بَأْسِهِمْ، وَتَرْكُ الِاهْتِدَاءِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَفُلُّ مِنْ غَرْبِهِمْ، حَتَّى سَبَقَتْهُمُ الْأُمَمُ كُلُّهَا فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ، وَحَتَّى صِرْنَا نَسْمَعُ مِنْ أَمْثَالِهِمْ: فَرَّ لَعَنَهُ اللهُ، خَيْرُ مَنْ مَاتَ ﵀.
وَأَبْعَدُ النَّاسِ عِنْدَنَا عَنِ الصَّبْرِ وَأَدْنَاهُمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ وَالْفَزَعِ الْمُشْتَغِلُونَ بِالْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ،
стр. 500
فَإِنَّ الشَّجَاعَةَ وَالْفُرُوسِيَّةَ وَالرِّمَايَةَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَعَايِبِ الَّتِي تُزْرِي بِالْعَالِمِ وَتَحُطُّ مِنْ قَدْرِهِ، وَهُمْ مَعَ هَذَا يَقْرَءُونَ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ الشَّرْعَ أَبَاحَ الْمُرَاهَنَةَ - وَهِيَ مِنَ الْقِمَارِ الَّذِي هُوَ مِنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ - فِي السِّبَاقَةِ وَالرِّمَايَةِ خَاصَّةً عِنَايَةً بِهِمَا وَتَرْغِيبًا لِلْأُمَّةِ فِيهِمَا فَهَذَا الْبُعْدُ عَنِ الدِّينِ مِمَّنْ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ وَرَثَةَ الْأَنْبِيَاءِ، هُوَ الَّذِي قَالَ الْجَاحِظُ: إِنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا بِخِذْلَانٍ مِنَ اللهِ.
وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا حُكْمَ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْبَرَرَةِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَرْكَانِ الْبِرِّ.
قَالَ: (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) أَيْ: أُولَئِكَ الْأَبْرَارُ الرَّاسِخُونَ فِي أُصُولِ الْإِيمَانِ الْخَمْسَةِ وَالْمُنْفِقُونَ لِلْمَالِ فِي مَوَاضِعِهِ السِّتَّةِ، وَالْمُقِيمُونَ لِلصَّلَاةِ الرُّوحِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْمُؤْتُونَ لِلزَّكَاةِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ أُمُورِ الْمِلَّةِ الْمَالِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ، وَالْمُوفُونَ بِعُهُودِهِمُ الثَّلَاثَةِ: الدِّينِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ وَالْحَرْبِيَّةِ، وَالصَّابِرُونَ فِي مَوَاقِفِ الشِّدَّةِ الثَّلَاثَةِ - هُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا اللهَ فِي دَعْوَى الْإِيمَانِ دُونَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ، وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) الَّذِينَ تَشْهَدُ لَهُمْ بِالتَّقْوَى أَعْمَالُهُمْ وَأَحْوَالُهُمْ، وَالتَّقْوَى: أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ سَخَطِ اللهِ وِقَايَةً بِأَنْ تَتَحَامَى أَسْبَابَ خِذْلَانِهِ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابِهِ فِي الْآخِرَةِ.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى
بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .
ذَكَرَ الْمُفَسِّرُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقِصَاصَ عَلَى الْقَتْلِ كَانَ مُحَتَّمًا عِنْدَ الْيَهُودِ، وَأَنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ مُحَتَّمَةً عِنْدَ النَّصَارَى، وَأَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ وَسَطًا يَفْرِضُ الْقِصَاصَ إِذَا أَصَرَّ عَلَيْهِ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، وَيُجِيزُ الدِّيَةَ إِذَا عَفَوْا، وَقَدْ أَقَرَّهُمُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَلَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْقَتْلَ قِصَاصًا كَانَ حَتْمًا عِنْدَ الْيَهُودِ: كَمَا فِي الْفَصْلِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ التَّثْنِيَةِ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ: إِنِ الدِّيَةَ كَانَتْ حَتْمًا عِنْدَ النَّصَارَى ; فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي كُتُبِهِمْ شَيْءٌ يُحَتِّمُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ وَصَايَا التَّسَاهُلِ وَالْعَفْوِ وَجَزَاءِ الْإِسَاءَةِ بِالْإِحْسَانِ فِي الْإِنْجِيلِ، وَلَكِنَّ أَخْذَ الدِّيَةِ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الْجَزَاءِ يُنَافِي هَذِهِ الْوَصَايَا.
стр. 501
وَإِذَا نَظَرْنَا فِي أَعْمَالِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَشَرَائِعِهِمْ فِي الْقَتْلِ نَجِدُ الْقُرْآنَ وَسَطًا حَقِيقِيًّا لَا بَيْنَ مَا نُقِلَ عَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَقَطْ بَلْ بَيْنَ مَجْمُوعِ آرَاءِ الْبَشَرِ مِنْ أَهْلِ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ، فَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ تَتَحَكَّمُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ قُوَّةِ الْقَبَائِلِ وَضَعْفِهَا، فَرُبَّ حُرٍّ كَانَ يُقْتَلُ مِنْ قَبِيلَةٍ فَلَا تَرْضَى قَبِيلَتُهُ بِأَخْذِ الْقَاتِلِ بِهِ، بَلْ تَطْلُبُ بِهِ رَئِيسَهَا، وَأَحْيَانًا كَانُوا يَطْلُبُونَ بِالْوَاحِدِ عَشَرَةً وَبِالْأُنْثَى ذَكَرًا، وَبِالْعَبْدِ حُرًّا، فَإِنْ أُجِيبُوا وَإِلَّا قَاتَلُوا قَبِيلَةَ الْقَاتِلِ وَسَفَكُوا دِمَاءً كَثِيرَةً، وَهَذَا إِفْرَاطٌ وَظُلْمٌ عَظِيمٌ تَقْتَضِيهِ طَبِيعَةُ الْبَدَاوَةِ الْخَشِنَةِ، وَفَرْضُ التَّوْرَاةِ قَتْلَ الْقَاتِلِ إِصْلَاحٌ فِي هَذَا الظُّلْمِ، وَلَكِنْ يُوجَدُ فِي النَّاسِ وَلَا سِيَّمَا أَهْلُ الْقَوَانِينِ فِي زَمَانِنَا هَذَا مَنْ يُنْكِرُ الْمُعَاقَبَةَ بِالْقَتْلِ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ مِنَ الْقَسْوَةِ وَحُبِّ الِانْتِقَامِ فِي الْبَشَرِ، وَيَرَوْنَ أَنَّ الْمُجْرِمَ الَّذِي يَسْفِكُ الدَّمَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عُقُوبَتُهُ تَرْبِيَةً لَا انْتِقَامًا، وَذَلِكَ يَكُونُ بِمَا دُونَ الْقَتْلِ، وَيُشَدِّدُونَ النَّكِيرَ عَلَى مَنْ يَحْكُمُ بِالْقَتْلِ إِذَا لَمْ تَثْبُتِ الْجَرِيمَةُ عَلَى الْقَاتِلِ بِالْإِقْرَارِ، بِأَنْ ثَبَتَتْ بِالْقَرَائِنِ أَوْ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ، وَيَرَوْنَ أَنَّ الْحُكُومَةَ إِذَا عَلَّمَتِ النَّاسَ التَّرَاحُمَ فِي الْعُقُوبَاتِ فَذَلِكَ أَحْسَنُ تَرْبِيَةً لَهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ لَا يَكُونُونَ إِلَّا مَرْضَى الْعُقُولِ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُوضَعُوا فِي
مُسْتَشْفَيَاتِ الْأَمْرَاضِ الْعَقْلِيَّةِ وَيُعَالَجُوا فِيهَا إِلَى أَنْ يَبْرَءُوا.
وَإِذَا دَقَّقْنَا النَّظَرَ فِي أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ نَرَى أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُشَرِّعُوا أَحْكَامًا خَاصَّةً بِقَوْمٍ تَعَلَّمُوا وَتَرَبَّوْا عَلَى الطُّرُقِ الْحَدِيثَةِ وَسِيسُوا بِالنِّظَامِ وَالْحُكْمِ حَتَّى لَا سَبِيلَ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ أَنْ يَثْأَرُوا لَهُ مِنَ الْقَاتِلِ وَلَا أَنْ يَسْفِكُوا لِأَجْلِهِ دِمَاءً بَرِيئَةً، وَحَتَّى يُؤْمَنَ مِنِ اسْتِمْرَارِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ بُيُوتِ الْقَاتِلِينَ وَبُيُوتِ الْمَقْتُولِينَ، وَوُجِدَتْ عِنْدَهُمْ جَمِيعُ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ وَالْمُعَالَجَةِ - لَا أَحْكَامًا عَامَّةً لِجَمِيعِ الْبَشَرِ، فِي الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ، وَمَعَ هَذَا نَرَى كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ يَغْتَرُّونَ بِآرَائِهِمْ وَيَرَوْنَهَا شُبْهَةً عَلَى الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا النَّافِذُ الْبَصِيرَةِ الْعَارِفُ بِمَصَالِحِ الْأُمَمِ الَّذِي يَزِنُ الْأُمُورَ الْعَامَّةَ بِمِيزَانِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ لَا بِمِيزَانِ الْوِجْدَانِ الشَّخْصِيِّ الْخَاصِّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِبَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْقِصَاصَ بِالْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يُرَبِّي الْأُمَمَ وَالشُّعُوبَ وَالْقَبَائِلَ كُلَّهَا، وَأَنَّ تَرْكَهُ بِالْمَرَّةِ يُغْرِي الْأَشْقِيَاءَ بِالْجَرَاءَةِ عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَأَنَّ الْخَوْفَ مِنَ الْحَبْسِ وَالْأَشْغَالِ الشَّاقَّةِ إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى الِانْتِقَامِ بِالْقَتْلِ فِي الْبِلَادِ الَّتِي غَلَبَ عَلَى أَهْلِهَا التَّرَاحُمُ أَوِ التَّرَفُ وَالِانْغِمَاسُ فِي النَّعِيمِ كَبَعْضِ بِلَادِ أُورُبَّا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي كُلِّ
стр. 502
الْبِلَادِ وَكُلِّ الشُّعُوبِ، بَلْ إِنَّ مِنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ وَفِي غَيْرِهَا مَنْ يُحَبِّبُ إِلَيْهِ الْجَرَائِمَ أَوْ يُسَهِّلُهَا عَلَيْهِ كَوْنُ عُقُوبَتِهَا السِّجْنَ الَّذِي يَرَاهُ خَيْرًا مِنْ بَيْتِهِ، وَإِنَّ فِي مِصْرَ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ مَنْ يُسَمِّي السِّجْنَ نُزُلًا أَوْ فُنْدُقًا، وَسَمِعْتُ أَنَا غَيْرَ وَاحِدٍ فِي سُورِيَةَ يَقُولُ: إِذَا فَعَلَ فُلَانٌ كَذَا فَإِنَّنِي أَقْتُلُهُ وَأُقِيمُ فِي الْقَلْعَةِ عَشْرَ سِنِينَ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاتِلَ هُنَاكَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ غَالِبًا بِالسِّجْنِ خَمْسَ
عَشْرَةَ سَنَةً فِي قَلْعَةِ طَرَابُلُسَ الشَّامِ، وَيَعْفُو السُّلْطَانُ فِي عِيدِ جُلُوسِهِ عَمَّنْ تَمَّ لَهُ ثُلُثَا الْمُدَّةِ الْمَحْكُومِ بِهَا عَلَيْهِ فِي السِّجْنِ، وَاشْتُهِرَ عَنْ بَعْضِ الْمُجْرِمِينَ فِي مِصْرَ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ بَعْضَ السُّجُونِ الْعَصْرِيَّةِ ((لُوكَانْدَةَ كُولَسَ)) بِالْإِضَافَةِ إِلَى كُولَسَ بَاشَا مُدِيرِ السُّجُونِ الَّذِي أُنْشِئَتْ فِي عَهْدِهِ. وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: أَسْرِقُ كَذَا أَوْ أَضْرِبُ فُلَانًا وَأَشْتُو فِي لُوكَانْدَةِ كُولَسَ فَإِنَّ الشِّتَاءَ فِيهَا أَرْحَمُ وَأَنْعَمُ مِنَ الشِّتَاءِ فِي بَيْتِنَا أَوْ فِي الشَّوَارِعِ، وَلَا يَبْعُدُ عَلَى الْمُجْرِمِ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْ يَقْتُلَ لِأَنَّ عِقَابَ الْقَتْلِ فِي هَذِهِ السُّجُونِ - وَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ - أَهْوَنُ مِنْ عِيشَتِهِ الشَّقِيَّةِ، فَمَا الْقَوْلُ فِي أَهْلِ الْبَوَادِي أَصْحَابِ الثَّارَاتِ الَّتِي لَا تَمُوتُ؟ - فَقَتْلُ الْقَاتِلِ هُوَ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَيَمْنَعُهُمْ مِنَ الْقَتْلِ (قَالَ شَيْخُنَا) : وَقَدْ بَالَغَ فِي الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ مُعَدِّلُ الْقَانُونِ الْمِصْرِيِّ حَيْثُ أَجَازَ الْحُكْمَ بِالْإِعْدَامِ إِذَا وُجِدَتِ الْقَرَائِنُ الْقَاطِعَةُ عَلَى ثُبُوتِ التُّهْمَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يُجِيزُهُ إِلَّا بِالِاعْتِرَافِ أَوْ شَهَادَةِ شُهُودِ الرُّؤْيَةِ.
وَقَدْ تَقَعُ فِي كُلِّ بِلَادٍ صُوَرٌ مِنْ جَرَائِمِ الْقَتْلِ يَكُونُ فِيهَا الْحُكْمُ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ ضَارًّا وَتَرْكُهُ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ، كَأَنْ يَقْتُلَ الْإِنْسَانُ أَخَاهُ أَوْ أَحَدَ أَقَارِبِهِ لِعَارِضٍ دَفَعَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ هَذَا الْقَاتِلُ هُوَ الْعَائِلُ لِذَلِكَ الْبَيْتِ، وَإِذَا قُتِلَ يَفْقِدُونَ بِقَتْلِهِ الْمُعِينَ وَالظَّهِيرَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ فِي قَتْلِ الْقَاتِلِ أَحْيَانًا مَفَاسِدُ وَمَضَارُّ وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا مِنَ الْمَقْتُولِ، وَيَكُونُ الْخَيْرُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ عَدَمَ قَتْلِهِ لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ، أَوْ لِأَنَّ الدِّيَةَ أَنْفَعُ لَهُمْ، فَأَمْثَالُ هَذِهِ الصُّوَرِ تُوجِبُ أَلَّا يَكُونَ الْحُكْمُ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ حَتْمًا لَازِمًا فِي كُلِّ حَالٍ، بَلْ يَكُونُ هُوَ الْأَصْلَ، وَيَكُونُ تَرْكُهُ جَائِزًا بِرِضَاءِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ وَعَفْوِهِمْ، فَإِذَا ارْتَقَتْ عَاطِفَةُ الرَّحْمَةِ فِي شَعْبٍ أَوْ قَبِيلٍ أَوْ بَلَدٍ إِلَى أَنْ صَارَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ مِنْهُمْ يَسْتَنْكِرُونَ الْقَتْلَ وَيَرَوْنَ الْعَفْوَ أَفْضَلَ وَأَنْفَعَ فَذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَالشَّرِيعَةُ لَا تَمْنَعُهُمْ مِنْهُ بَلْ تُرَغِّبُهُمْ فِيهِ، وَهَذَا الْإِصْلَاحُ الْكَامِلُ فِي الْقِصَاصِ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَمَا كَانَ لِيَرْتَقِيَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ عِلْمُ الْإِنْسَانِ. قَالَ تَعَالَى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الْقِصَاصُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: يُفِيدُ الْمُسَاوَاةَ، فَمَعْنَى الْقِصَاصِ هُنَا أَنْ يُقْتَلَ الْقَاتِلُ ; لِأَنَّهُ فِي نَظَرِ الشَّرِيعَةِ مُسَاوٍ لِلْمَقْتُولِ فَيُؤْخَذُ بِهِ، فَالْغَرَضُ مِنَ الْآيَةِ شَرْعِيَّةُ الْقِصَاصِ بِالْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ
وَإِبْطَالُ ذَلِكَ الِامْتِيَازِ الَّذِي لِلْأَقْوِيَاءِ عَلَى الضُّعَفَاءِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) أَيْ: إِنَّ هَذَا الْقِصَاصَ لَا هَوَادَةَ فِيهِ وَلَا جَوْرَ، فَإِذَا قَتَلَ حُرٌّ حُرًّا يُقْتَلُ هُوَ بِهِ لَا غَيْرُهُ مِنْ سَادَاتِ الْقَبِيلَةِ، وَلَا أَكْثَرُ
стр. 503
مِنْ وَاحِدٍ، وَإِذَا قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا يُقْتَلُ هُوَ بِهِ لَا سَيِّدُهُ، وَلَا أَحَدُ الْأَحْرَارِ مِنْ قَبِيلَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إِذَا قَتَلَتْ تُقْتَلُ هِيَ، وَلَا يُقْتَلُ وَاحِدٌ فِدَاءً عَنْهَا، خِلَافًا لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ نَفْسِهِ أَيًّا كَانَ، لَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ قَبِيلَتِهِ، فَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ فِي الثَّأْرِ يُبَيِّنُ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْآيَةِ، وَلَكِنَّ مَفْهُومَ اللَّفْظِ بِحَدِّ ذَاتِهِ وَسِيَاقِ مُقَابَلَةِ الْأَصْنَافِ بِالْأَصْنَافِ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ فَرِيقٌ بِفَرِيقٍ آخَرَ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ عَلَى إِطْلَاقِهِ ; فَقَدْ جَرَى الْعَمَلُ مِنْ زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى الْآنِ عَلَى قَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ سَيِّدَهُ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ مُطْلَقًا، وَالِاخْتِلَافُ فِي قَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ أَضْعَفُ، وَلِهَذِهِ الْخِلَافَاتِ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي الْآيَةِ نَسْخًا.
وَإِنَّمَا مَنْشَأُ الْخِلَافِ أَدِلَّةٌ أُخْرَى مِنَ السُّنَّةِ وَغَيْرِهَا، وَالِاعْتِبَارُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي الْآيَةِ وَعَدَمِهِ، وَالْقُرْآنُ فَوْقَ كُلِّ خِلَافٍ. فَمَنْطُوقُ الْآيَةِ لَا مَجَالَ لِلْخِلَافِ فِيهِ، وَهُوَ أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْحُرِّ إِلَخْ، وَأَمَّا كَوْنُ الْحُرِّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ وَالرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ فَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ لَفْظِ الْقِصَاصِ وَلَا يُعَارِضُهُ مَفْهُومُ التَّفْصِيلِ، فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْأُصُولِ لَا يَعْتَبِرُ الْمَفْهُومَ الْمُخَالِفَ لِلْمَنْطُوقِ، وَبَعْضَهُمْ يَعْتَبِرُهُ بِشَرْطٍ لَا يَتَحَقَّقُ هُنَا لِمَا ذَكَرُوهُ فِي سَبَبِ النُّزُولِ مُنْطَبِقًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْعَرَبِ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ دِمَاءٌ، وَكَانَ لِأَحَدِهِمَا طَوْلٌ عَلَى الْآخَرِ فَأَقْسَمُوا لَنَقْتُلَنَّ الْحُرَّ مِنْكُمْ بِالْعَبْدِ وَالذَّكَرَ بِالْأُنْثَى، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ تَحَاكَمُوا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ فَنَزَلَتْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَبَارَءُوا. وَلَا تَدُلُّ عَلَى أَلَّا يُقْتَلَ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَالذَّكَرُ بِالْأُنْثَى، كَمَا لَا تَدُلُّ عَلَى عَكْسِهِ، فَإِنَّ الْمَفْهُومَ يُعْتَبَرُ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّخْصِيصِ غَرَضٌ سِوَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ اهـ. وَالْبَيْضَاوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي سَبَبِ النُّزُولِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ الْكَافِرُ، وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالثَّوْرِيُّ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ:
لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ، لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُبَيِّنِ لِإِجْمَالِ الْآيَةِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِهَا السَّيِّدَ يَقْتُلُ عَبْدَهُ، قَالُوا: لَا يُقْتَلُ بِهِ وَلَكِنْ يُعَزَّرُ، وَلَا يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ إِلَّا عَنِ النَّخَعِيِّ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُقَرِّرَ هَذَا التَّعْزِيرَ بِشِدَّةٍ تَمْنَعُ الِاعْتِدَاءَ وَالِاسْتِهَانَةَ بِالدَّمِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْزِيرَ قَدْ يَكُونُ بِالْقَتْلِ، فَإِذَا عُهِدَ فِي قَوْمٍ مِنَ الْقَسْوَةِ مَا يَقْتُلُونَ بِهِ عَبِيدَهُمْ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ السَّيِّدَ بِعَبْدِهِ تَعْزِيرًا لَا حَدًّا إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ فِي ذَلِكَ، وَاسْتَثْنَوْا أَيْضًا الْوَالِدَيْنِ فَقَالُوا: لَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَّلَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بِأَنَّ الْحُدُودَ تُوضَعُ حَيْثُ
стр. 504
تَتَحَرَّكُ النُّفُوسُ لِلْجِنَايَةِ لِتَكُونَ رَادِعَةً عَنِ الِاسْتِمْرَارِ فِيهَا، وَقَدْ مَضَتِ السُّنَّةُ الْإِلَهِيَّةُ فِي الْفِطْرَةِ بِأَنَّ قُلُوبَ الْأُصُولِ مَجْبُولَةٌ مِنْ طِينَةِ الشَّفَقَةِ وَالْحُنُوِّ عَلَى الْفُرُوعِ ; حَتَّى لَيَبْذُلُونَ أَمْوَالَهُمْ وَأَرْوَاحَهُمْ فِي سَبِيلِهِمْ، وَكَثِيرًا مَا يَقْسُو الْوَلَدُ عَلَى وَالِدِهِ، وَقَلَّمَا يَقْسُو وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ إِلَّا لِسَبَبٍ قَوِيٍّ كَعُقُوقٍ شَدِيدٍ أَوْ فَسَادٍ فِي أَخْلَاقِ الْوَلَدِ جَنَى عَلَى أَصْلِ الْفِطْرَةِ كَالْإِفْرَاطِ فِي حُبِّ الذَّاتِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْقَسْوَةَ لَا تُفْضِي إِلَى الْقَتْلِ إِلَّا لِأَمْرٍ يَكَادُ يَكُونُ فَوْقَ الطَّبِيعَةِ، كَعَارِضِ جُنُونٍ مِنَ الْوَالِدِ، أَوْ إِيذَاءٍ لَا يُطَاقُ مِنَ الْوَلَدِ - وَلَمَّا كَانَ هَذَا شَاذًّا نَادِرًا جُعِلَ كَالْعَدَمِ فَلَمْ يُلَاحَظْ فِي وَضْعِ الْحَدِّ ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تُنَاطُ بِالْمَظِنَّةِ لَا بِالشَّوَاذِّ الَّتِي يَنْدُرُ أَنْ تَقَعَ، وَمَعَ هَذَا يُعَزَّرُ مَنْ يَقْتُلُ وَلَدَهُ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ لَائِقًا بِحَالِهِ وَمُرَبِّيًا لِأَمْثَالِهِ.
(وَأَقُولُ) : إِنَّ أَعْظَمَ أَسْبَابِ هَذَا الشُّذُوذِ فِي الْوَالِدَيْنِ طُغْيَانُ الْحُكْمِ الِاسْتِبْدَادِيِّ وَجُنُونُ الْعِشْقِ ; فَكَثِيرًا مَا قَتَلَ الْمُلُوكُ أَوْلَادَهُمْ، وَكَانَتْ سُنَّةُ سَلَاطِينِ آلِ عُثْمَانَ أَنْ تُسَلِّمَ الْقَوَابِلُ أَبْنَاءَ أُسْرَتِهِمْ كُلَّهُمْ لِلْقَتْلِ عَقِبَ الْوِلَادَةِ إِلَّا مَنْ يُسَمَّى وَلِيَّ الْعَهْدِ الْوَارِثَ لِلسَّلْطَنَةِ، وَيَلِي ذَلِكَ قَتْلُ الْوَالِدَيْنِ حَتَّى الْأُمَّهَاتِ بِثَوَرَانِ جُنُونِ الْعِشْقِ.
وَقَدِ اضْطَرَبَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ الْمُخَاطَبِ بِهَذَا الْقِصَاصِ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلَ وَلَا الْمَقْتُولَ وَلَا وَلِيَّ الدَّمِ وَلَا عَصَبَةَ الْقَاتِلِ وَلَا سَائِرَ النَّاسِ الْأَجَانِبِ، وَلَا يَظْهَرُ أَيْضًا أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ)
الْحُكَّامُ خَاصَّةً. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بَعْدَ مَا أَوْرَدَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ بَعْضِهِمْ: وَهَذِهِ مُشَاغَبَةٌ وَتَشْكِيكٌ كَمُشَاغَبَاتِ الرَّازِيِّ وَشُكُوكِهِ وَالْخِطَابُ مَفْهُومٌ بِالْبَدَاهَةِ، وَالْآيَةُ جَارِيَةٌ عَلَى أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ فِي مُخَاطَبَةِ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الشُّئُونِ الْعَامَّةِ وَالْمَصَالِحِ ; لِاعْتِبَارِ الْأُمَّةِ مُتَكَافِلَةً وَمُطَالَبَةً بِتَنْفِيذِ الشَّرِيعَةِ وَحِفْظِهَا، وَبِالْخُضُوعِ لِأَحْكَامِهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي مُخَاطَبَةِ الْيَهُودِ بِإِسْنَادِ مَا كَانَ مِنْ آبَائِهِمْ إِلَيْهِمْ، إِذْ قُلْنَا إِنَّ الْأُمَّةَ فِي هَدْيِ الْقُرْآنِ كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ يُخَاطَبُ الْبَعْضُ مِنْهَا بِالْكُلِّ وَالْكُلُّ بِالْبَعْضِ، كَمَا يُقَالُ لِلشَّخْصِ جَنَيْتَ وَجَنَتْ يَدُكَ، وَأَخْطَأْتَ وَأَخْطَأَ سَمْعُكَ أَوْ رَأْيُكَ، فَفِي هَذَا الْخِطَابِ بِالْقِصَاصِ يَدْخُلُ الْقَاتِلُ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْخُضُوعِ لِحُكْمِ اللهِ، وَيَدْخُلُ الْحَاكِمُ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّنْفِيذِ، وَيَدْخُلُ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِمُسَاعَدَةِ الشَّرْعِ وَتَأْيِيدِهِ. وَمُرَاقَبَةِ مَنْ يَخْتَارُونَهُ لِلْحُكْمِ بِهِ وَتَنْفِيذِهِ. اهـ.
وَأَزِيدُ عَلَيْهِ إِفَادَةَ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا أَنَّ سُلْطَةَ الْحُكْمِ فِي الْإِسْلَامِ لِلْأُمَّةِ فِي جُمْلَتِهَا، كُلٌّ يَقُومُ بِقِسْطِهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي التَّشْرِيعِ بِالشُّورَى، وَالتَّنْفِيذِ لِلْأَحْكَامِ، وَالْخُضُوعِ لَهَا بِشُرُوطِهَا.
بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى وُجُوبَ الْقِصَاصِ وَهُوَ أَصْلُ الْعَدْلِ ذَكَرَ أَمْرَ الْعَفْوِ وَهُوَ مُقْتَضَى التَّرَاحُمِ وَالْفَضْلِ، فَقَالَ: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) إِلَخْ. أَيْ: فَمَنْ عَفَا لَهُ أَخُوهُ فِي الدِّينِ
стр. 505
مِنْ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ حَقِّهِمْ فِي الْقِصَاصِ - وَلَوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ إِنْ تَعَدَّدُوا - وَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ كَمَا يَأْتِي، وَإِنَّمَا يَعْفُو مَنْ لَهُ حَقُّ طَلَبِ الْقِصَاصِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ هَذَا الْحَقَّ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ وَهُمْ عَصَبَتُهُ الَّذِينَ يَعْتَزُّونَ بِوُجُودِهِ، وَيُهَانُونَ بِفَقْدِهِ، وَيُحْرَمُونَ مِنْ عَوْنِهِ وَرِفْدِهِ، فَمَنْ أَزْهَقَ رُوحَهُ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَطْلُبُوا إِزْهَاقَ رُوحِهِ، لِمَا تَسْتَفِزُّهُمْ إِلَيْهِ نُعَرَةُ الْقَرَابَةِ وَطَبِيعَةُ الْمَصْلَحَةِ ; فَإِذَا لَمْ يُجَبْ طَلَبُهُمْ، وَلَمْ يَقْتَصَّ الْحَاكِمُ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا يَحْتَالُونَ لِلِانْتِقَامِ، وَيَفْشُو بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقَاتِلِ وَقَوْمِهِ التَّشَاحُنُ وَالْخِصَامُ، وَإِذَا جَاءَ الْعَفْوُ مِنْ جَانِبِهِمْ أُمِنَ الْمَحْذُورُ وَالْفِتْنَةُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مِنْ أَسْبَابِ الْعَفْوِ اسْتِعْطَافُ الْقَاتِلِ وَقَوْمِهِ لَهُمْ، وَاسْتِعْتَابُهُمْ إِيَّاهُمْ بِإِثَارَةِ عَاطِفَةِ الْأُخُوَّةِ الدِّينِيَّةِ، وَأَرِيحِيَّةِ الْمُرُوءَةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ، فَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ يُوجِبُ اللهُ تَعَالَى حَجْبَ الدَّمِ، وَلَيْسَ لِلْحُكُومَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنَ الْعَفْوِ إِذَا رَضُوا بِهِ، وَلَا أَنْ تَسْتَقِلَّ بِالْعَفْوِ إِذَا طَلَبُوا الْقِصَاصَ فَتَحْفَظُ قُلُوبَهُمْ، وَتُخْرِجُ أَضْغَانَهُمْ، وَتَحْمِلُهُمْ
عَلَى مُحَاوَلَةِ الِانْتِقَامِ بِأَيْدِيهِمْ - إِذَا قَدَرُوا - فَيَزِيدُ الْبَلَاءُ، وَيَكْثُرُ الِاعْتِدَاءُ، أَوْ يَعِيشُ النَّاسُ فِي تَبَاغُضٍ وَعَدَاءٍ، وَفَوْضَى تُسْتَبَاحُ فِيهَا الدِّمَاءُ. وَعِبَارَةُ الْآيَةِ تُشْعِرُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الْعَفْوَ ; وَلِذَلِكَ فَرَضَ اتِّبَاعَ الْعَفْوِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَامًّا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ كَالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْإِخْوَةِ، فَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ يُرَجَّحُ جَانِبُهُ عَلَى الْآخَرِينَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْكِيرُ شَيْءٍ فِي قَوْلِهِ: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ (شَيْءٌ) هُنَا نَائِبٌ عَنِ الْمَصْدَرِ، أَيْ: عُفِيَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعَفْوِ بِأَنْ نَالَهُ بَعْضُهُ مِمَّنْ لَهُمُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا وَيُؤَكِّدُهُ التَّعْبِيرُ عَنِ الْعَافِي بِلَفْظِ الْأَخِ الَّذِي يُحَرِّكُ عَاطِفَةَ الرَّحْمَةِ وَالْحَنَانِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَقْتَضِي الِارْتِدَادَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَقَطْعِ أُخُوَّةِ الْإِيمَانِ إِلَّا إِذَا اسْتَحَلَّهُ فَاعِلُهُ.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ هُنَا أَنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ أَشْكَلَ عَلَيْهِمُ اسْتِعْمَالُ عُفِيَ مُتَعَدِّيَةً بِاللَّامِ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا بِمَعْنَى تَرَكَ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ تَبَعًا لِلْكَشَّافِ: وَهُوَ ضَعِيفٌ إِذْ لَمْ يَثْبُتْ عَفَا الشَّيْءَ بِمَعْنَى تَرَكَهُ بَلْ أَعْفَاهُ، وَعَفَا يُعَدَّى بِعَنْ إِلَى الْجَانِي وَإِلَى الذَّنْبِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ) (٩: ١٤٣) وَقَالَ: (عَفَا اللهُ عَنْهَا) (٥: ١٠١) فَإِذَا عُدِّيَ إِلَى الْجَانِي بِاللَّامِ وَعَلَيْهِ مَا فِي الْآيَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ عَنْ جِنَايَتِهِ مِنْ جِهَةِ أَخِيهِ يَعْنِي وَلِيَّ الدَّمِ.
وَلَمَّا كَانَ الْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ يَتَضَمَّنُ الرِّضَى بِأَخْذِ الدِّيَةِ قَالَ تَعَالَى: (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) أَيْ: مَنْ نَالَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْعَفْوِ فَالْوَاجِبُ فِي شَأْنِهِ أَوْ قَضِيَّتِهِ تَنْفِيذُ الْعَفْوِ وَثُبُوتُ الدِّيَةِ، وَعَبَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ بِاتِّبَاعِ الْعَفْوِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ الْحَاكِمِ وَعَلَى الْعَافِي وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَعْفُوا فَعَلَيْهِمْ أَلَّا يُرْهِقُوا الْقَاتِلَ مِنْ أَمْرِهِ عُسْرًا، بَلْ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الدِّيَةَ بِالرِّفْقِ وَالْمَعْرُوفِ الَّذِي لَا يَسْتَنْكِرُهُ النَّاسُ، وَعَبَّرَ عَنِ الثَّانِي بِالْأَدَاءِ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْقَاتِلِ بِأَلَا يَمْطُلَ وَلَا يَنْقُصَ وَلَا يُسِيءَ فِي صِفَةِ الْأَدَاءِ.
وَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَنِ الدِّيَةِ أَيْضًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا)
стр. 506
(٤: ٩٢) هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي الْآيَةِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ مَا قَالُوهُ مِنِ احْتِمَالِ غَيْرِهِ.
وَيُؤَكِّدُ رَغْبَةَ الشَّارِعِ فِي الْعَفْوِ امْتِنَانُهُ عَلَيْنَا بِإِجَازَتِهِ وَوَعِيدِهِ لِمَنِ اعْتَدَى،
أَمَّا الِامْتِنَانُ بِهِ فَقَوْلُهُ: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) وَأَيُّ تَخْفِيفٍ وَرُخْصَةٍ أَفْضَلُ مِنْ حَجْبِ الدَّمِ بِتَجْوِيزِ الْعَفْوِ وَالِاكْتِفَاءِ عَنْهُ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ مِنَ الْمَالِ؟ فَهَذِهِ رَحْمَةٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ إِذْ رَغَّبَهَا فِي التَّرَاحُمِ وَالتَّعَاطُفِ وَالْعَفْوِ وَالْإِحْسَانِ، وَأَمَّا الْوَعِيدُ عَلَى الِاعْتِدَاءِ بَعْدَهُ فَقَوْلُهُ: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: بَعْدَ الْعَفْوِ عَنِ الدَّمِ وَالرِّضَى بِالدِّيَةِ بِأَنِ انْتَقَمَ مِنَ الْقَاتِلِ (فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قِيلَ مَعْنَاهُ: إِنَّهُ يَتَحَتَّمُ قَتْلُ الْمَوْلَى الْعَافِي أَوْ غَيْرِهِ إِذَا قَتَلَ الْقَاتِلَ بَعْدَ الْعَفْوِ وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ ; بَلْ يَقْتُلُهُ الْحَاكِمُ وَإِنْ عَفَا عَنْهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ كَعِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَمْرُهُ إِلَى الْإِمَامِ يَفْعَلُ فِيهِ مَا يَرَاهُ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْقَاتِلِ ابْتِدَاءً، وَعَلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَالْمُرَادُ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ: عَذَابُ الْآخِرَةِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمْ مَا يُؤَيِّدُهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِشَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ وَبَيَانٌ لِحِكْمَتِهِ، وَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَعْلِيلَ الْعَفْوِ وَالتَّرْغِيبَ فِيهِ وَالْوَعِيدَ عَلَى الْغَدْرِ بَعْدَهُ عِنَايَةً بِهِ، وَإِيذَانًا بِأَنَّ التَّرْغِيبَ فِي الْعَفْوِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَصْغِيرَ شَأْنِهِ. وَبَيَانُ الْأَسْبَابِ وَالْحِكَمِ لِوَضْعِ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ، كَإِقَامَةِ الْبَرَاهِينِ وَالدَّلَائِلِ لِلْمَطَالِبِ الْعَقْلِيَّةِ، بِهَذِهِ يُعْرَفُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَبِتِلْكَ يُعْرَفُ الْعَدْلُ وَمَا يَتَّفِقُ مَعَ الْمَصَالِحِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ الْحُكْمُ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ وَأَبْعَثَ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ، وَأَدْعَى إِلَى الرَّغْبَةِ فِي الْعَمَلِ بِهِ - وَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حِكْمَةَ الْقِصَاصِ بِأُسْلُوبٍ لَا يُسَامَى، وَعِبَارَةٍ لَا تُحَاكَى، وَاشْتُهِرَ أَنَّهَا مَنْ أَبْلَغِ آيِ الْقُرْآنِ الَّتِي تُعْجِزُ فِي التَّحَدِّي فُرْسَانَ الْبَيَانِ، وَمِنْ دَقَائِقِ الْبَلَاغَةِ فِيهَا أَنْ جَعَلَ فِيهَا الضِّدَّ مُتَضَمِّنًا لِضِدِّهِ وَهُوَ الْحَيَاةُ فِي الْإِمَاتَةِ الَّتِي هِيَ الْقِصَاصُ، وَعَرَّفَ الْقِصَاصَ وَنَكَّرَ الْحَيَاةَ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ فِي هَذَا الْجِنْسِ مِنَ الْحُكْمِ نَوْعًا مِنَ الْحَيَاةِ عَظِيمًا لَا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ، وَلَا يُجْهَلُ سِرُّهُ.
ثُمَّ إِنَّهَا فِي إِيجَازِهَا قَدِ ارْتَقَتْ أَعْلَى سَمَاءٍ لِلْإِعْجَازِ، وَكَانُوا يَنْقُلُونَ كَلِمَةً فِي مَعْنَاهَا عَنْ بَعْضِ بُلَغَاءِ الْعَرَبِ يَعْجَبُونَ مِنْ إِيجَازِهَا فِي بَلَاغَتِهَا، وَيَحْسَبُونَ أَنَّ الطَّاقَةَ لَا تَصِلُ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ غَايَتِهَا، وَهِيَ قَوْلُهُمُ: الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ. وَإِنَّمَا فُتِنُوا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ
وَظَنُّوا أَنَّهَا نِهَايَةُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَهُ الْبَيَانُ، وَيُفْصِحَ بِهِ اللِّسَانُ ; لِأَنَّهَا قِيلَتْ قَبْلَهَا كَلِمَاتٌ أُخْرَى فِي مَعْنَاهَا لِبُلَغَائِهِمْ كَقَوْلِهِمْ: قَتْلُ الْبَعْضِ إِحْيَاءٌ لِلْجَمِيعِ. وَقَوْلِهِمْ: أَكْثِرُوا الْقَتْلَ لِيَقِلَّ الْقَتْلُ. . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ ((الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ)) أَبْلَغُهَا، وَأَيْنَ هِيَ مِنْ كَلِمَةِ اللهِ الْعُلْيَا، وَحِكْمَتِهِ الْمُثْلَى؟
قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ: وَبَيَانُ التَّفَاوُتِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ قَوْلَهُ: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) أَخْصَرُ مِنَ الْكُلِّ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: (وَلَكُمْ) لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ إِذْ لَا بُدَّ فِي الْجَمِيعِ مِنْ تَقْدِيرِ ذَلِكَ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ عَلِمْتَ أَنَّ قَوْلَهُ: (فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) أَشَدُّ اخْتِصَارًا مِنْ قَوْلِهِمْ: الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ ; أَيْ لِأَنَّ حُرُوفَهُ أَقَلُّ. (وَثَانِيهَا) أَنَّ قَوْلَهُمُ: الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ،
стр. 507
ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الشَّيْءِ سَبَبًا لِانْتِفَاءِ نَفْسِهِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَقَوْلُهُ: (فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْقَتْلِ وَهُوَ الْقِصَاصُ، ثُمَّ مَا جَعَلَهُ سَبَبًا لِمُطَلَقِ الْحَيَاةِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَيَاةَ مُنَكَّرَةً، بَلْ جَعَلَهُ سَبَبًا لِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَاةِ. (وَثَالِثُهَا) أَنَّ قَوْلَهُمْ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلَّفْظِ الْقَتْلِ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ تَكْرِيرٌ. (وَرَابِعُهَا) أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُفِيدُ إِلَّا الرَّدْعَ عَنِ الْقَتْلِ، وَالْآيَةُ تُفِيدُ الرَّدْعَ عَنِ الْقَتْلِ وَعَنِ الْجَرْحِ وَغَيْرِهِمَا، فَهِيَ أَجْمَعُ لِلْفَوَائِدِ. (وَخَامِسُهَا) أَنَّ نَفْيَ الْقَتْلِ فِي قَوْلِهِمْ مَطْلُوبٌ تَبَعًا ; مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَتَضَمَّنُ حُصُولَ الْحَيَاةِ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى حُصُولِ الْحَيَاةِ وَهُوَ مَقْصُودٌ أَصْلِيٌّ فَكَانَ هَذَا أَوْلَى. (وَسَادِسُهَا) أَنَّ الْقَتْلَ ظُلْمًا قَتْلٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ نَافِيًا لِلْقَتْلِ، بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِزِيَادَةِ الْقَتْلِ، وَإِنَّمَا النَّافِي لِوُقُوعِ الْقَتْلِ هُوَ الْقَتْلُ الْمَخْصُوصُ وَهُوَ الْقِصَاصُ، فَظَاهِرُ قَوْلِهِمْ بَاطِلٌ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ صَحِيحَةٌ ظَاهِرًا وَتَقْدِيرًا ; فَظَهَرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْآيَةِ وَبَيْنَ كَلَامِ الْعَرَبِ. انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ وَتَصَرُّفٍ يَسِيرَيْنِ.
وَذَكَرَ السَّيِّدُ الْأُلُوسِيُّ هَذِهِ الْوُجُوهَ بِاخْتِصَارٍ أَدَقَّ وَزَادَ عَلَيْهَا نَحْوَهَا فَقَالَ: (الْأَوَّلُ) قِلَّةُ الْحُرُوفِ فَإِنَّ الْمَلْفُوظَ هُنَا - أَيْ فِي الْآيَةِ - عَشَرَةُ أَحْرُفٍ إِذَا لَمْ يُعْتَبَرِ التَّنْوِينُ حَرْفًا عَلَى حِدَةٍ وَهُنَاكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا. (الثَّانِي) الِاطِّرَادُ ; إِذْ فِي كُلِّ قِصَاصٍ حَيَاةٌ وَلَيْسَ كُلُّ قَتْلٍ أَنْفَى لِلْقَتْلِ، فَإِنَّ الْقَتْلَ ظُلْمًا أَدْعَى لِلْقَتْلِ. (الثَّالِثُ) مَا فِي تَنْوِينِ (حَيَاةٌ) مِنَ النَّوْعِيَّةِ أَوِ التَّعْظِيمِ. (الرَّابِعُ) صَنْعَةُ الطِّبَاقِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْحَيَاةِ، فَإِنَّ الْقِصَاصَ تَفْوِيتُ الْحَيَاةِ فَهُوَ مُقَابِلُهَا. (الْخَامِسُ) النَّصُّ عَلَى مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ بِالذَّاتِ أَعْنِي ((الْحَيَاةَ))
فَإِنَّ نَفْيَ الْقَتْلِ إِنَّمَا يُطْلَبُ لَهَا لَا لِذَاتِهِ. (السَّادِسُ) الْغَرَابَةُ مِنْ حَيْثُ جُعِلَ الشَّيْءُ فِيهِ حَاصِلًا فِي ضِدِّهِ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَظْرُوفَ إِذَا حَوَاهُ الظَّرْفُ صَانَهُ عَنِ التَّفَرُّقِ، فَكَأَنَّ الْقِصَاصَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ يَحْمِي الْحَيَاةَ مِنَ الْآفَاتِ. (السَّابِعُ) الْخُلُوُّ عَنِ التَّكْرَارِ مَعَ التَّقَارُبِ ; فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنِ اسْتِبْشَاعٍ وَلَا يُعَدُّ مِنْ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ حَتَّى يَكُونَ مُحَسِّنًا. (الثَّامِنُ) عُذُوبَةُ اللَّفْظِ وَسَلَاسَتُهُ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا فِي قَوْلِهِمْ مِنْ تَوَالِي الْأَسْبَابِ الْخَفِيفَةِ ; إِذْ لَيْسَ فِي قَوْلِهِمْ حَرْفَانِ مُتَحَرِّكَانِ عَلَى التَّوَالِي إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُنْقِصُ مِنْ سَلَاسَةِ اللَّفْظِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى اللِّسَانِ، وَأَيْضًا الْخُرُوجُ مِنَ الْفَاءِ إِلَى اللَّامِ أَعْدَلُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ اللَّامِ إِلَى الْهَمْزَةِ لِبُعْدِ الْهَمْزَةِ مِنَ اللَّامِ، وَكَذَلِكَ الْخُرُوجُ مِنَ الصَّادِ إِلَى الْحَاءِ أَعْدَلُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْأَلِفِ إِلَى اللَّامِ. (التَّاسِعُ) عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْحَيْثِيَّةِ - أَيِ التَّعْلِيلِ - وَقَوْلُهُمْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا. (الْعَاشِرُ) تَعْرِيفُ الْقِصَاصِ بِلَامِ الْجِنْسِ الدَّالَّةِ عَلَى حَقِيقَةِ هَذَا الْحُكْمِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الضَّرْبِ وَالْجَرْحِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُمْ لَا يَشْمَلُهُ. (الْحَادِي عَشَرَ) خُلُوُّهُ مَنْ أَفْعَلَ الْمُوهِمِ أَنَّ فِي التَّرْكِ نَفْيًا لِلْقَتْلِ أَيْضًا. (الثَّانِي عَشَرَ) اشْتِمَالُهُ عَلَى مَا يَصْلُحُ لِلْقَتْلِ وَهُوَ الْحَيَاةُ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى نَفْيٍ اكْتَنَفَهُ قَتْلَانِ وَإِنَّهُ لِمَا يَلِيقُ بِهِمْ. (الثَّالِثَ عَشَرَ) خُلُوُّهُ مِمَّا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِمْ مِنْ كَوْنِ
стр. 508
الشَّيْءِ سَبَبًا لِانْتِفَاءِ نَفْسِهِ وَهُوَ مُحَالٌ - إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَسُبْحَانَ مَنْ عَلَتْ كَلِمَتُهُ، وَبَهَرَتْ آيَتُهُ. اهـ.
وَأَقُولُ: إِنَّ الْآيَةَ عَلَى كَوْنِهَا أَبْلَغَ، وَكَلِمَتِهَا أَوْجَزَ، قَدْ أَفَادَتْ حُكْمًا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ قَبْلَهَا، وَلَمْ يَطْلُبْهُ أَحَدٌ مِنْ عُقَلَائِهِمْ وَبُلَغَائِهِمْ، وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْعُقُوبَةِ وَبَيَانُ أَنَّ فِيهِ الْحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ، وَصِيَانَةَ النَّاسِ مِنِ اعْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَأَمَّا أَمْرُهُمْ بِالْقَتْلِ لِيَقِلَّ الْقَتْلُ أَوْ يَنْتَفِيَ فَهُوَ يَصْدُقُ بِاعْتِدَاءِ قَبِيلَةٍ عَلَى قَبِيلَةٍ، وَالْإِسْرَافِ فِي قَتْلِ رِجَالِهَا لِتَضْعُفَ فَلَا تَقْدِرَ عَلَى أَخْذِ الثَّأْرِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: إِنَّ قَتْلَنَا لِعَدُوِّنَا إِحْيَاءٌ لَنَا، وَتَقْلِيلٌ أَوْ نَفْيٌ لِقَتْلِهِ إِيَّانَا، وَأَيْنَ هَذَا الظُّلْمُ مِنْ ذَلِكَ الْعَدْلِ؟ فَالْآيَةُ الْحَكِيمَةُ قَرَّرَتْ أَنَّ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَطْلُوبَةُ بِالذَّاتِ، وَأَنَّ الْقِصَاصَ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِهَا ; لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ نَفْسًا يُقْتَلُ بِهَا يَرْتَدِعُ عَنِ الْقَتْلِ فَيَحْفَظُ الْحَيَاةَ عَلَى مَنْ أَرَادَ قَتْلَهُ وَعَلَى نَفْسِهِ، وَالِاكْتِفَاءُ بِالدِّيَةِ لَا يَرْدَعُ كُلَّ أَحَدٍ عَنْ سَفْكِ دَمِ خَصْمِهِ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ
مَنْ يَبْذُلُ الْمَالَ الْكَثِيرَ لِأَجْلِ الْإِيقَاعِ بِعَدُوِّهِ، وَفِي الْآيَةِ مِنْ بَرَاعَةِ الْعِبَارَةِ وَبَلَاغَةِ الْقَوْلِ مَا يَذْهَبُ بِاسِتِبْشَاعِ إِزْهَاقِ الرُّوحِ فِي الْعُقُوبَةِ، وَيُوَطِّنُ النُّفُوسَ عَلَى قَبُولِ حُكْمِ الْمُسَاوَاةِ إِذْ لَمْ يُسَمِّ الْعُقُوبَةَ قَتْلًا أَوْ إِعْدَامًا، بَلْ سَمَّاهَا مُسَاوَاةً بَيْنَ النَّاسِ تَنْطَوِي عَلَى حَيَاةٍ سَعِيدَةٍ لَهُمْ، هَذَا وَإِنَّ دُوَلَ الْإِفْرِنْجِ تَجْرِي عَلَى سُنَّةِ عَرَبِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي جَعْلِ الْقَتْلِ لِأَعْدَائِهَا وَخُصُومِهَا أَنْفَى لِقَتْلِهِمْ إِيَّاهَا، وَذَلِكَ شَأْنُهُمْ مَعَ الضُّعَفَاءِ كَالشُّعُوبِ الَّتِي ابْتُلِيَتْ بِاسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْهَا بِاسْمِ الِاسْتِعْمَارِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ، فَأَيْنَ هِيَ مِنْ عَدْلِ الْإِسْلَامِ، وَمُسَاوَاتِهِ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَنَامِ؟
قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْحِكْمَةِ وَالْبُرْهَانِ: (يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) فَخَصَّ بِالنِّدَاءِ أَصْحَابَ الْعُقُولِ الْكَامِلَةِ، مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ ذَا اللُّبِّ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ قِيمَةَ الْحَيَاةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَيَعْرِفُ مَا تَقُومُ بِهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ وَمَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهَا، وَهُوَ مَرْتَبَتَانِ: الْقِصَاصُ وَهُوَ الْعَدْلُ، وَالْعَفْوُ وَهُوَ الْفَضْلُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ ذَا اللُّبِّ هُوَ الَّذِي يَفْقَهُ سِرَّ هَذَا الْحُكْمِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، فَعَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَسْتَعْمِلَ عَقْلَهُ فِي فَهْمِ دَقَائِقِ الْأَحْكَامِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَنْفَعَةِ لِلْأَنَامِ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ يُنْكِرُ مَنْفَعَةَ الْقِصَاصِ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ، فَهُوَ بِلَا لُبٍّ وَلَا جَنَانٍ. وَلَا رَحْمَةٍ وَلَا حَنَانٍ. وَقَوْلُهُ: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) جَعَلَهُ (الْجَلَالُ) تَعْلِيلًا لِشَرْعِ الْقِصَاصِ وَقَدَّرَ لَهُ ((شَرَعَ)) أَيْ: لَمَّا كَانَ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ لَكُمْ كَتَبْنَاهُ عَلَيْكُمْ وَشَرَعْنَاهُ لَكُمْ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الِاعْتِدَاءَ، وَتَكُفُّونَ عَنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَالشَّرْعِيَّةُ مَفْهُومَةٌ مِنَ الْآيَةِ، وَإِيجَازُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّصْرِيحِ بِهَا لِأَجْلِ التَّعْلِيلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْ تَقْدِيرِ ((شَرَعَ)) وَيَتَعَلَّقُ الرَّجَاءُ بِالظَّرْفِ فِي قَوْلِهِ:
стр. 509
(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) أَيْ: ثَبَتَتْ لَكُمُ الْحَيَاةُ فِي الْقِصَاصِ لِتَعُدَّكُمْ وَتُهَيِّئَكُمْ لِلتَّقْوَى وَالِاحْتِرَاسِ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَسَائِرِ ضُرُوبِ الِاعْتِدَاءِ، إِذِ الْعَاقِلُ حَرِيصٌ عَلَى الْحَيَاةِ وَلُوعٌ بِالْأَخْذِ بِوَسَائِلِهَا، وَالِاحْتِرَاسِ مِنْ غَوَائِلِهَا.
(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
وَجْهُ التَّنَاسُبِ وَالِاتِّصَالِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا قَبْلَهَا هُوَ أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْقَتْلِ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الْمَوْتِ يُذَكِّرُ بِمَا يُطْلَبُ مِمَّنْ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ، وَالْخِطَابُ فِيهِ مُوَجَّهٌ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ بِأَنْ يُوصُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ، وَلَا سِيَّمَا فِي حَالِ حُضُورِ أَسْبَابِ الْمَوْتِ وَظُهُورِ أَمَارَاتِهِ لِتَكُونَ خَاتِمَةُ أَعْمَالِهِمْ خَيْرًا، وَهُوَ عَلَى نَسَقِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْخِطَابِ بِالْقِصَاصِ مِنِ اعْتِبَارِ الْأُمَّةِ مُتَكَافِلَةً يُخَاطَبُ الْمَجْمُوعُ مِنْهَا بِمَا يُطْلَبُ مِنَ الْأَفْرَادِ، وَقِيَامُ الْأَفْرَادِ بِحُقُوقِ الشَّرِيعَةِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالتَّعَاوُنِ وَالتَّكَافُلِ وَالِائْتِمَارِ وَالتَّنَاهِي، فَلَوْ لَمْ يَأْتَمِرِ الْبَعْضُ وَجَبَ عَلَى الْبَاقِينَ حَمْلُهُ عَلَى الِائْتِمَارِ (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) أَيْ: فُرِضَ عَلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا حَضَرَتِ الْوَاحِدَ مِنْكُمْ أَسْبَابُ الْمَوْتِ وَعَلَامَاتُهُ (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) أَيْ: إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ يَتْرُكُهُ لِوَرَثَتِهِ (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ: كُتِبَ عَلَيْكُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ تُوصُوا لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْخَيْرِ بِالْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي لَا يُسْتَنْكَرُ لِقِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْخَيْرِ وَلَا بِكَثْرَتِهِ الضَّارَّةِ بِالْوَرَثَةِ بِأَلَا يَزِيدَ الْمُوصِي بِهِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَجَانِبِ عَنْ ثُلُثِ الْمَتْرُوكِ لِلْوَارِثِينَ.
وَالْوَصِيَّةُ: الِاسْمُ مِنَ الْإِيصَاءِ وَالتَّوْصِيَةِ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْمُوصَى بِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ عَمَلٍ، وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَتَتَأَكَّدُ فِي الْمَرَضِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهَا تَجِبُ عِنْدَ حُضُورِ أَمَارَاتِ الْمَوْتِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، وَفِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي، يُقَالُ: أَوْصَى
وَوَصَّى فُلَانًا بِكَذَا مِنَ الْعَمَلِ أَوِ الْمَالِ، وَوَصَّى بِفُلَانٍ، وَأَوْصَى لَهُ بِكَذَا مِنْ مَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ وَأَوْصَاهُ فِيهِ ; أَيْ: فِي شَأْنِهِ، وَإِيصَاءُ اللهِ بِالشَّيْءِ وَفِيهِ أَمْرُهُ. وَفَسَّرُوا الْخَيْرَ بِالْمَالِ، وَقَيَّدَهُ الْأَكْثَرُونَ بِالْكَثِيرِ أَخْذًا مِنَ التَّنْكِيرِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ (الْجَلَالُ) بِذَلِكَ.
стр. 510
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: لَمْ يَقْتَصِرْ أَحَدٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى ذِكْرِ الْمَالِ فَقَطْ إِلَّا مُفَسِّرُنَا وَقَوْلُهُ صَادِقٌ فِيمَا ذَكَرُوهُ وَجْهًا، وَذَكَرُوا مَعَهُ قَوْلَ مَنْ قَيَّدَهُ بِالْكَثِيرِ كَالْبَيْضَاوِيِّ، وَجَزَمَ الْمُفَسِّرُ بِأَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ وَحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ ((لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)) وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ ; فَكَلَامُ الْجَلَالَيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَإِنَّنِي أُفَصِّلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا، وَأَشْرَحُ اسْتِدْلَالَهُ عَلَيْهِ فَأَقُولُ: -
أَمَّا الْأُولَى فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الْمَالَ لَا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ خَيْرًا إِلَّا إِذَا كَانَ كَثِيرًا، كَمَا لَا يُقَالُ فُلَانٌ ذُو مَالٍ إِلَّا إِذَا كَانَ مَالُهُ كَثِيرًا وَإِنْ تَنَاوَلَ اللَّفْظُ صَاحِبَ الْمَالِ الْقَلِيلِ، وَأَيَّدُوا هَذَا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ لَهَا رَجُلٌ: أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ. قَالَتْ: كَمْ مَالُكَ؟ قَالَ: ثَلَاثَةُ آلَافٍ. قَالَتْ: كَمْ عِيَالُكَ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ. قَالَتْ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) وَهَذَا شَيْءٌ يَسِيرٌ فَاتْرُكْهُ لِعِيَالِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ عَلِيًا دَخَلَ عَلَى مَوْلًى لَهُ فِي الْمَوْتِ وَلَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ: أَلَا أُوصِي؟ قَالَ: لَا إِنَّمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) وَلَيْسَ لَكَ كَثِيرُ مَالٍ فَدَعْ مَالَكَ لِوَرَثَتِكَ - فَعِبَارَتُهُمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَفْهَمُونَ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا الْمَالَ الْكَثِيرَ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ الْكَثِيرِ فَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينَارًا لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا. وَاخْتَارَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَدَمَ تَقْدِيرِهِ لِاخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ، فَهُوَ مَوْكُولٌ عِنْدَهُ إِلَى اعْتِقَادِ الشَّخْصِ وَحَالِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعُرْفَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْبُيُوتِ، فَمَنْ يَتْرُكْ سَبْعِينَ دِينَارًا فِي مَنْزِلٍ فَقْرٍ، وَبَلَدٍ قَفْرٍ، وَهُوَ مِنَ الدَّهْمَاءِ فَقَدْ تَرَكَ خَيْرًا. وَلَكِنَّ الْأَمِيرَ أَوِ الْوَزِيرَ، إِذَا تَرَكَا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ فَهُمَا لَمْ يَتْرُكَا إِلَّا الْعَدَمَ وَالْفَقْرَ، وَمَا لَا يَفِي بِتَجْهِيزِهِمَا إِلَى الْقَبْرِ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَهِيَ خِلَافِيَّةٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ أَوْ بِحَدِيثِ ((لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)) أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا، عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ مُبَيِّنٌ لِلْآيَةِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ:
وَكَانَ هَذَا الْحُكْمُ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ فَنُسِخَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ وَبِقَوْلِهِ ﵇: ((إِنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)) وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ لَا تُعَارِضُهُ، بَلْ تُؤَكِّدُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا، وَالْحَدِيثُ مِنَ الْآحَادِ، وَتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ لَا يُلْحِقُهُ بِالْمُتَوَاتِرِ اهـ. أَيْ وَالظَّنِّيُّ مِنَ الْحَدِيثِ لَا يَنْسَخُ الْقَطْعِيَّ مِنْهُ فَكَيْفَ يَنْسَخُ الْقُرْآنَ وَكُلُّهُ قَطْعِيٌّ؟ وَقَدْ زَادَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ نَزَلَتْ بَعْدَ آيَةِ الْوَصِيَّةِ هُنَا، وَبِأَنَّ السِّيَاقَ يُنَافِي النَّسْخَ ; فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا شَرَعَ لِلنَّاسِ حُكْمًا وَعَلِمَ أَنَّهُ مُؤَقَّتٌ وَأَنَّهُ سَيَنْسَخُهُ بَعْدَ زَمَنٍ قَرِيبٍ فَإِنَّهُ لَا يُؤَكِّدُهُ وَيُوَثِّقُهُ بِمِثْلِ مَا أَكَدَّ بِهِ أَمْرَ الْوَصِيَّةِ هُنَا مِنْ كَوْنِهِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، وَمِنْ وَعِيدِ مَنْ بَدَّلَهُ، وَبِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْوَصِيَّةَ فِي
стр. 511
آيَةِ الْمَوَارِيثِ مَخْصُوصَةٌ بِغَيْرِ الْوَارِثِ، بِأَنْ يَخُصَّ الْقَرِيبَ هُنَا بِالْمَمْنُوعِ مِنَ الْإِرْثِ وَلَوْ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الدِّينِ، فَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَوَالِدَاهُ كَافِرَانِ فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ لَهُمَا بِمَا يُؤَلِّفُ بِهِ قُلُوبَهُمَا، وَقَدْ أَوْصَى اللهُ تَعَالَى بِحُسْنِ مُعَامَلَةِ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) (٢٩: ٨) الْآيَةَ، وَفِي آيَةِ لُقْمَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالشُّكْرِ لِلَّهِ وَلَهُمَا (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) (٣١: ١٥) الْآيَةَ.
أَفَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَخْتِمَ هَذِهِ الْمُصَاحَبَةَ بِالْمَعْرُوفِ بِالْوَصِيَّةِ لَهُمَا بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ الْكَثِيرِ (قَالَ) : وَجَوَّزَ بَعْضُ السَّلَفِ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ نَفْسِهِ بِأَنْ يَخُصَّ بِهَا مَنْ يَرَاهُ أَحْوَجَ مِنَ الْوَرَثَةِ كَأَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ غَنِيًّا وَالْبَعْضُ الْآخَرُ فَقِيرًا. مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَ أَبُوهُ أُمَّهُ وَهُوَ غَنِيٌّ وَهِيَ لَا عَائِلَ لَهَا إِلَّا وَلَدُهَا وَيَرَى أَنَّ مَا يُصِيبُهَا مِنَ التَّرِكَةِ لَا يَكْفِيهَا، وَمِثْلُهُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ وَلَدِهِ أَوْ إِخْوَتِهِ - إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ - عَاجِزًا عَنِ الْكَسْبِ فَنَحْنُ نَرَى أَنَّ الْحَكِيمَ الْخَبِيرَ اللَّطِيفَ بِعِبَادِهِ الَّذِي وَضَعَ الشَّرِيعَةَ وَالْأَحْكَامَ لِمَصْلَحَةِ خَلْقِهِ لَا يُحَتِّمُ أَنْ يُسَاوِيَ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ، وَالْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ مَنْ يَعْجَزُ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ قَدْ وَضَعَ أَحْكَامَ الْمَوَارِيثِ الْعَادِلَةِ عَلَى أَسَاسِ التَّسَاوِي بَيْنَ الطَّبَقَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ سَوَاسِيَةٌ فِي الْحَاجَةِ، كَمَا أَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الْقَرَابَةِ، فَلَا غَرْوَ أَنْ يَجْعَلَ أَمْرَ الْوَصِيَّةِ مُقَدَّمًا عَلَى أَمْرِ الْإِرْثِ،
أَوْ يَجْعَلَ نَفَاذَ هَذَا مَشْرُوطًا بِنَفَاذِ ذَلِكَ قَبْلَهُ، وَيَجْعَلَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَوْلَى بِالْوَصِيَّةِ لَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ ; لِعِلْمِهِ بِمَا يَكُونُ مِنَ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمْ فِي الْحَاجَةِ أَحْيَانًا، فَقَدْ قَالَ فِي آيَاتِ الْإِرْثِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (٤: ١٢) فَأَطْلَقَ أَمْرَ الْوَصِيَّةِ وَقَالَ فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ هُنَا مَا هُوَ تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ.
أَقُولُ: وَرَأَيْتُ الْأُلُوسِيَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ آيَةَ الْإِرْثِ نَزَلَتْ بَعْدَ آيَةِ الْوَصِيَّةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى رَتَّبَ الْمِيرَاثَ عَلَى وَصِيَّةٍ مُنْكَرَةٍ، وَالْوَصِيَّةُ الْأُولَى كَانَتْ مَعْهُودَةً، فَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْوَصِيَّةُ بَاقِيَةً لَوَجَبَ تَرْتِيبُهُ عَلَى الْمَعْهُودِ، فَلَمَّا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ وَرُتِّبَ عَلَى الْمُطْلَقِ دَلَّ عَلَى نَسْخِ الْوَصِيَّةِ الْمُقَيَّدَةِ ; لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ بَعْدَ التَّقْيِيدِ نَسْخٌ، كَمَا أَنَّ التَّقْيِيدَ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ نَسْخٌ اهـ.
فَأَمَّا دَعْوَاهُ الِاتِّفَاقَ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا تَأْوِيلُهُ فَظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، وَقَاعِدَةُ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ إِنْ سَلِمَتْ لَا تُؤْخَذُ عَلَى إِطْلَاقِهَا ; لِأَنَّ شَرْعَ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا يُنَافِي شَرْعَ الْوَصِيَّةِ لِصِنْفٍ مَخْصُوصٍ، وَنَظِيرُ هَذَا الْأَمْرُ بِمُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ مُطْلَقًا، وَالْأَمْرُ بِمُوَاسَاةِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَرْضَى مِنْهُمْ لَا يَتَعَارَضَانِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مِنْهُمَا مُبْطِلًا لِلْأَوَّلِ، إِلَّا إِذَا وُجِدَ فِي الْعِبَارَةِ مَا يَنْفِي ذَلِكَ، وَمَا فِي الْآيَتَيْنِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ تَعَارُضِ
стр. 512
الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَإِنَّمَا آيَةُ الْوَصِيَّةِ خَاصَّةٌ، وَذِكْرُ الْوَصِيَّةِ مُنَكَّرَةً فِي آيَةِ الْإِرْثِ يُفِيدُ الْإِطْلَاقَ الَّذِي يَشْمَلُ ذَلِكَ الْخَاصَّ وَغَيْرَهُ، فَإِنْ سَلَّمْنَا لِذَلِكَ الْحَنَفِيِّ أَنَّ آيَةَ الْمِيرَاثِ مُتَأَخِّرَةٌ، فَلَا نُسَلِّمُ لَهُ أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ أَنْ تُذْكَرَ فِيهَا الْوَصِيَّةُ بِالتَّعْرِيفِ لِتَدُلَّ عَلَى الْوَصِيَّةِ الْمَعْهُودَةِ ; إِذْ لَوْ رَتَّبَ الْإِرْثَ عَلَى الْوَصِيَّةِ الْمَعْهُودَةِ لَمَا جَازَتِ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، وَلَوْ كَانَ الْأُسْلُوبُ الْعَرَبِيُّ يَقْتَضِي مَا قَالَهُ لَمَا قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ السَّلَفِ بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ الْأُلُوسِيُّ نَفْسُهُ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ سَمَّى التَّخْصِيصَ نَسْخًا، فَنَقَلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِمَنْ لَا يَرِثُ مِنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، كَأَنْ يَكُونَ الْوَالِدَانِ كَافِرَيْنِ. قَالَ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: مَنْ لَمْ يُوصِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِذَوِي قَرَابَتِهِ - مِمَّنْ لَمْ يَرِثْ - فَقَدْ خَتَمَ عَمَلَهُ بِمَعْصِيَتِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا بِأَنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ مُسْتَحَبَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ، وَسَمَّى هَذَا كَغَيْرِهِ نَسْخًا
لِلْوُجُوبِ. وَلَنَا أَنْ نَقُولَ إِنَّ أَكْثَرَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ السَّلَفِ يَقُولُونَ إِنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ مَشْرُوعَةٌ، وَلَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِعُمُومِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّهَا خَاصَّةٌ بِغَيْرِ الْوَارِثِ، فَحُكْمُهَا إِذَا لَمْ يَبْطُلْ. فَمَا هَذَا الْحِرْصُ عَلَى إِثْبَاتِ نَسْخِهَا، مَعَ تَأْكِيدِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهَا وَالْوَعِيدِ عَلَى تَبْدِيلِهَا؟ إِنْ هَذَا إِلَّا تَأْثِيرُ التَّقْلِيدِ.
فَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ لَا تُعَارِضُ آيَةَ الْوَصِيَّةِ، فَيُقَالُ بِأَنَّهَا نَاسِخَةٌ لَهَا إِذَا عُلِمَ أَنَّهَا بَعْدَهَا. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا لَهُ حُكْمَ الْمُتَوَاتِرِ أَوْ يُلْصِقُوهُ بِهِ بِتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ لِيَصْلُحَ نَاسِخًا، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى دَرَجَةِ ثِقَةِ الشَّيْخَيْنِ بِهِ فَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْهُمَا مُسْنَدًا، وَرِوَايَةُ أَصْحَابِ السُّنَنِ مَحْصُورَةٌ فِي عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي إِسْنَادِ الثَّانِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَإِنَّمَا حَسَّنَهٌ التِّرْمِذِيُّ ; لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ يَرْوِيهِ عَنِ الشَّامِيِّينَ، وَقَدْ قَوَّى بَعْضُ الْأَئِمَّةِ رِوَايَتَهُ عَنْهُمْ خَاصَّةً. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْلُولٌ ; إِذْ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْهُ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ عَطَاءٌ الْخُرَسَانِيُّ، وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، فَإِنَّ أَبَا دَاوُدَ أَخْرَجَهُ فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْهُ، وَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَا رُوِيَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا نِزَاعَ فِي ضَعْفِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا رِوَايَةٌ لِلْحَدِيثِ صُحِّحَتْ إِلَّا رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ، وَالَّذِي صَحَّحَهَا هُوَ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنَ الْمُتَسَاهِلِينَ فِي التَّصْحِيحِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا لَمْ يَرْضَيَاهَا ; فَهَلْ يُقَالُ إِنَّ حَدِيثًا كَهَذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ؟
وَقَدْ تَوَسَّعَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى النَّسْخِ، وَمُلَخَّصُ مَا قَالَهُ: إِنَّ النَّسْخَ فِي الشَّرَائِعِ جَائِزٌ، مُوَافِقٌ لِلْحِكْمَةِ وَوَاقِعٌ، فَإِنَّ شَرْعَ مُوسَى نَسَخَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ، وَشَرْعَ عِيسَى نَسَخَ بَعْضَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَشَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ نَسَخَتْ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْعَمَلِيَّةَ الَّتِي تَقْبَلُ النَّسْخَ إِنَّمَا تُشْرَعُ لِمَصْلَحَةِ الْبَشَرِ، وَالْمَصْلَحَةُ تَخْتَلِفُ
стр. 513
بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ، فَالْحَكِيمُ الْعَلِيمُ يُشَرِّعُ لِكُلِّ زَمَنٍ مَا يُنَاسِبُهُ، وَكَمَا تُنْسَخُ شَرِيعَةٌ بِأُخْرَى يَجُوزُ أَنْ تُنْسَخَ بَعْضُ أَحْكَامِ شَرِيعَةٍ بِأَحْكَامٍ أُخْرَى فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، فَالْمُسْلِمُونَ كَانُوا يَتَوَجَّهُونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي صَلَاتِهِمْ فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ
وَلَكِنَّ هُنَاكَ خِلَافًا فِي نَسْخِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَلَوْ بِالْقُرْآنِ، فَقَدْ قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرٍ الْأَصْفَهَانِيُّ الْمُفَسِّرُ الشَّهِيرُ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ مَنْسُوخَةٌ، وَهُوَ يُخَرِّجُ كُلَّ مَا قَالُوا إِنَّهُ مَنْسُوخٌ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ بِضَرْبٍ مِنَ التَّخْصِيصِ أَوِ التَّأْوِيلِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْقِبْلَةِ لَيْسَ فِيهَا نَسْخٌ لِلْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا هِيَ نَسْخٌ لِحُكْمٍ لَا نَدْرِي هَلْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﵌ بِاجْتِهَادِهِ أَمْ بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى غَيْرِ الْقُرْآنِ ; فَإِنَّ الْوَحْيَ غَيْرُ مَحْصُورٍ فِي الْقُرْآنِ.
وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ يُنْسَخُ بِالْقُرْآنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ نَسْخِ حُكْمِ آيَةٍ مَعَ بَقَائِهَا فِي الْكِتَابِ يُعْبَدُ اللهُ تَعَالَى بِتِلَاوَتِهَا وَبِتَذَكُّرِ نِعْمَتِهِ بِالِانْتِقَالِ مِنْ حُكْمٍ كَانَ مُوَافِقًا لِلْمَصْلَحَةِ وَلِحَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، إِلَى حُكْمٍ يُوَافِقُ الْمَصْلَحَةَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَإِنَّهُ لَا يُنْسَخُ حُكْمٌ إِلَّا بِأَمْثَلَ مِنْهُ كَالتَّخْفِيفِ فِي تَكْلِيفِ الْمُؤْمِنِينَ قِتَالَ عَشْرِ أَمْثَالِهِمْ بِالِاكْتِفَاءِ بِمُقَابَلَةِ الضِّعْفِ بِأَنْ تُقَاتِلَ الْمِائَةُ مِائَتَيْنِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ بِالنَّسْخِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ مِنْ آيَاتِ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ، وَعُلِمَ تَارِيخُهُمَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقَالُ إِنَّ الثَّانِيَةَ نَاسِخَةٌ لِلْأُولَى. وَأَمَّا آيَاتُ الْعَقَائِدِ وَالْفَضَائِلِ وَالْأَخْبَارِ فَلَا نَسْخَ فِيهَا، وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ كَنَسْخِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى وَأَظْهَرُ، وَكَذَلِكَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْقِبْلَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِمَا. وَمِنْ قَبِيلِ هَذَا نَسْخُ الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ لِحَدِيثِ الْآحَادِ.
وَأَمَّا الْخِلَافُ الْقَوِيُّ فَهُوَ فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْحَدِيثِ وَلَوْ مُتَوَاتِرًا، أَوِ الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ الْأَوَّلُونَ أَنَّ الظَّنِّيَّ - وَهُوَ خَبَرُ الْآحَادِ - لَا يَنْسَخُ الْقَطْعِيَّ كَالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ. وَالْحَنَفِيَّةُ وَكَثِيرٌ مِنْ مُحَقِّقِي الشَّافِعِيَّةِ صَرَّحُوا بِجَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَعْصُومٌ فِي تَبْلِيغِ
الْأَحْكَامِ، فَمَتَى أَيْقَنَّا بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ وَاسْتَوْفَتْ شُرُوطَ النَّسْخِ تُعْتَبَرُ نَاسِخَةً لِلْكِتَابِ كَمَا إِذَا نَسَخَتْ آيَةٌ آيَةً. وَذَهَبَ آخَرُونَ وَمِنْهُمُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ كَمَا فِي رِسَالَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْأُصُولِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ حُكْمٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ بِحَدِيثٍ مَهْمَا تَكُنْ دَرَجَتُهُ لِأَنَّ لِلْقُرْآنِ مَزَايَا لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ.
стр. 514
وَقَدْ أَوْرَدَ الشَّافِعِيُّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُ نَاسِخَةٍ بَلْ بَيَّنَ أَنَّهَا مُفَسِّرَةٌ وَمُبَيِّنَةٌ (قَالَ الْأُسْتَاذُ) : وَلَا أَعْرِفُ لِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلًا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَالْأُصُولِيُّونَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لَا يَقُولُونَ بِنَسْخِ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَإِنِ اشْتُهِرَ بِنَحْوِ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ لَهُ، وَالدَّلِيلُ ظَاهِرٌ ; فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَنْقُولٌ بِالتَّوَاتُرِ فَهُوَ قَطْعِيٌّ، وَأَحَادِيثُ الْآحَادِ ظَنِّيَّةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَكْذُوبَةً مِنْ بَعْضِ رِجَالٍ السَّنَدِ الْمُتَظَاهِرِينَ بِالصَّلَاحِ لِخِدَاعِ النَّاسِ اهـ.
أَقُولُ: وَهُنَاكَ تَمْيِيزٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ وَحْيٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى قَطْعًا، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَإِنَّ فِيهَا مَا هُوَ مِنِ اجْتِهَادِ النَّبِيِّ ﵊ وَهُوَ دُونَ الْوَحْيِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النَّبِيَّ إِذَا أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ لَا يُقَرُّ عَلَى الْخَطَأِ بَلْ يُبَيَّنُ لَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) (٨: ٦٧) وَقَوْلِهِ: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) (٩: ٤٣) .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُنْسَخُ الْكِتَابُ بِالسُّنَّةِ وَلَوْ خَبَرِ آحَادٍ ; لِأَنَّ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى الْحُكْمِ ظَنِّيَّةٌ فَكَأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَنْسَخْ إِلَّا حُكْمًا ظَنِّيًّا، وَفَاتَهُمْ أَنَّ دَلَالَةَ الْحَدِيثِ أَيْضًا ظَنِّيَّةٌ، فَكَأَنَّنَا نَنْسَخُ حُكْمًا ظَنِّيًّا إِسْنَادُهُ إِلَى الشَّارِعِ قَطْعِيٌّ بِحُكْمٍ ظَنِّيٍّ إِسْنَادُهُ إِلَيْهِ غَيْرُ قَطْعِيٍّ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ، أَوْ قَالَهُ رَأْيًا لَا تَشْرِيعًا. وَلَمَّا كَانَ الْخِلَافُ هُنَا ضَعِيفًا جِدًّا احْتَاجَ الْقَائِلُونَ بِنَسْخِ حَدِيثِ ((لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)) لِآيَةِ الْوَصِيَّةِ إِلَى زَعْمِ تَوَاتُرِهِ بِتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْجَوَازِ وَأَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ قَطْعًا.
وَقَالُوا أَيْضًا: إِنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ الْكِتَابَ إِلَّا وَمَعَهَا كِتَابٌ يُؤَيِّدُهَا، وَالظَّاهِرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْكِتَابَ نَسَخَ الْكِتَابَ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا تَصْحِيحَ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالنَّسْخِ تَعْظِيمًا لَهُ أَنْ يُرَدَّ قَوْلُهُ، وَتَعْظِيمُ اللهِ تَعَالَى أَوْلَى،
ثُمَّ تَعْظِيمُ رَسُولِهِ يَتْلُو تَعْظِيمَهُ وَلَا يَبْلُغُهُ، وَإِنَّمَا يُطَاعُ الرَّسُولُ وَيُتَّبَعُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
وَمِنْ أَغْرَبِ مَبَاحِثِ الْنَسْخِ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ - الَّذِينَ يُبَالِغُ إِمَامُهُمْ فِي الِاتِّبَاعِ فَيَمْنَعُ نَسْخَ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ هُوَ يُبَالِغُ فِي تَعْظِيمِ السُّنَّةِ وَاتِّبَاعِهَا وَلَا يُبَالِي بِرَأْيِ أَحَدٍ يُخَالِفُهَا، ثُمَّ هُوَ يَقُولُ إِنَّ الْقِيَاسَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - يَقُولُ بَعْضُهُمْ إِنَّ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ يَنْسَخُ السُّنَّةَ مَعَ أَنَّ الْبَحْثَ فِي الْعِلَّةِ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ يَجُوزُ أَنْ يُخْطِئَ فِيهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا فَهِمْنَاهُ مِنْ عُمُومِ الْعِلَّةِ غَيْرَ مُرَادٍ لِلشَّارِعِ، فَإِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ يُنَافِي هَذَا الْعُمُومَ وَصَحَّ عِنْدَنَا، فَالْوَاجِبُ أَنْ نَجْعَلَهُ مُخَصِّصًا لِعِلَّةِ عُمُومِ الْحُكْمِ، وَلَا نَقُولَ - رَجْمًا بِالْغَيْبِ - إِنَّهُ مَنْسُوخٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ظَنَنَّاهَا، فَإِذَا كَانَتِ الْمُجَازَفَةُ فِي الْقِيَاسِ قَدْ وَصَلَتْ إِلَى هَذَا الْحَدِّ وَقَدْ تَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَسْخِ مِئَاتٍ مِنَ الْآيَاتِ، وَإِلَى إِبْطَالِ الْيَقِينِ بِالظَّنِّ،
стр. 515
وَتَرْجِيحِ الِاجْتِهَادِ عَلَى النَّصِّ، فَعَلَيْنَا أَلَّا نَحْفِلَ بِكُلِّ مَا قِيلَ، وَأَنْ نَعْتَصِمَ بِكِتَابِ اللهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ بِسُنَّةِ رَسُولِهِ الَّتِي جَرَى عَلَيْهَا أَصْحَابُهُ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُونَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يُخَالِفُ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ.
وَصَفْوَةُ الْقَوْلِ أَنَّ الْآيَةَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ لِأَنَّهَا لَا تُعَارِضُهَا بَلْ تُؤَيِّدُهَا، وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهَا بَعْدَهَا، وَلَا بِالْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِنَسْخِ الْكِتَابِ، فَهِيَ مُحْكَمَةٌ وَحُكْمُهَا بَاقٍ، وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ خَاصًّا بِمَنْ لَا يَرِثُ مِنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ كَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَأَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُجَازِفِينَ الَّذِينَ يُخَاطِرُونَ بِدَعْوَى النَّسْخِ فَتَنْبِذُ مَا كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَمَا أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) أَيْ: حَقَّ ذَلِكَ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْوَصِيَّةِ أَوْ حَقَّقْتُهُ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ لِي، الْمُطِيعِينَ لِكِتَابِي. وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّ مَعْنَى الْمَكْتُوبِ: الْمَفْرُوضُ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ هُنَا، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ لِلنَّدْبِ، وَيُؤَيِّدُ الْفَرْضِيَّةَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي وَعِيدِ الْمُبَدِّلِينَ لَهُ: (فَمَنْ بَدَّلَهُ) أَيْ: بَدَّلَ مَا أَوْصَى بِهِ الْمُوصِي (بَعْدَمَا سَمِعَهُ) مِنَ الْمُوصِي أَوْ عَلِمَ بِهِ عِلْمًا صَحِيحًا مِنْ كِتَابَةِ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ كَمَا سَيَأْتِي وَمِنَ الْحُكْمِ بِهَا (فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) مِنْ وَلِيٍّ وَوَصِيٍّ وَشَاهِدٍ وَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ الْمُوصِي وَثَبَتَ أَجْرُهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى (إِنِ اللهَ سَمِيعٌ) لِمَا يَقُولُهُ الْمُبَدِّلُونَ فِي ذَلِكَ (عَلِيمٌ)
بِأَعْمَالِهِمْ فِيهِ فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهَا، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ تَأْكِيدَ الْوَعِيدِ، وَالضَّمِيرُ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ رَاجِعٌ إِلَى الْحَقِّ أَوِ الْإِيصَاءِ ; أَيْ: أَثَرِهِ وَمُتَعَلَّقِهِ.
وَقَدْ قَالَ بِوُجُوبِ الْوَصِيَّةِ بَعْضُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِالْآيَةِ وَبِحَدِيثِ ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ)) رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَمِنْهُمْ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ. وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَدَاوُدُ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عَوَانَةَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَآخَرُونَ اهـ. مِنْ فَتْحِ الْبَارِي، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: مَنْدُوبَةٌ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُمْ فِي الْآيَةِ.
ثُمَّ قَالَ: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) الْجَنَفُ - بِالتَّحْرِيكِ - الْخَطَأُ، وَالْإِثْمُ يُرَادُ بِهِ تَعَمُّدُ الْإِجْحَافِ وَالظُّلْمِ، وَالْمُوصِي فَاعِلُ الْإِيصَاءِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ (مُوَصٍّ) بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّوْصِيَةِ. وَالْمَعْنَى إِنْ خَرَجَ الْمُوصِي فِي وَصِيَّتِهِ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَالْعَدْلِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا فَتَنَازَعَ الْمُوصَى لَهُمْ فِيهِ أَوْ تَنَازَعُوا مَعَ الْوَرَثَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُمْ مَنْ يَعْلَمُ بِذَلِكَ وَيُصْلِحُ بَيْنَهُمْ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْإِصْلَاحِ إِذَا وَجَدَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيلِ الْجَنَفِ وَالْحَيْفِ ; لِأَنَّهُ تَبْدِيلُ بَاطِلٍ إِلَى حَقٍّ وَإِزَالَةُ مَفْسَدَةٍ بِمَصْلَحَةٍ، فَقَلَّمَا يَكُونُ إِصْلَاحٌ إِلَّا بِتَرْكِ بَعْضِ الْخُصُومِ شَيْئًا مِمَّا يَرَاهُ حَقًّا لَهُ لِلْآخَرِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْآيَةُ اسْتِثْنَاءٌ مِمَّا قَبْلَهَا ; أَيْ: إِنَّ الْمُبَدِّلَ لِلْوَصِيَّةِ آثِمٌ إِلَّا مَنْ رَأَى إِجْحَافًا أَوْ جَنَفًا فِي الْوَصِيَّةِ فَبَدَّلَ فِيهَا لِأَجْلِ الْإِصْلَاحِ وَإِزَالَةِ التَّخَاصُمِ وَالتَّنَازُعِ وَالتَّعَادِي بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ، فَعَبَّرَ بِـ (خَافَ)
стр. 516
بَدَلًا عَنْ (رَأَى) أَوْ (عَلِمَ) تَبْرِئَةً لِلْمُوصِي مِنَ الْقَطْعِ بِجَنَفِهِ وَإِثْمِهِ وَاحْتِمَاءً مِنْ تَقْيِيدِ التَّصَدِّي لِلْإِصْلَاحِ بِالْعِلْمِ بِذَلِكَ يَقِينًا، يَعْنِي إِنَّ مَنْ يَتَوَقَّعُ النِّزَاعَ لِلْجَنَفِ أَوِ الْإِثْمِ فَلَهُ أَنْ يَتَصَدَّى لِلْإِصْلَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوقِنًا بِذَلِكَ، وَلِلتَّعْبِيرِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْعِلْمِ بِالْخَوْفِ شَوَاهِدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَالْمُصْلِحُ مُثَابٌ مَأْجُورٌ، وَنَفْيُ الْإِثْمِ عَنْ تَبْدِيلِ الْوَصِيَّةِ الْمُحَرَّمِ تَبْدِيلُهَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ ; إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّبْدِيلُ لِلْإِصْلَاحِ مَطْلُوبًا لَمْ يَنْفِ الْإِثْمَ عَنْهُ. وَخَتَمَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لِلْإِشْعَارِ بِمَا فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَبِأَنَّ مَنْ خَالَفَ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ مَعَ الْإِخْلَاصِ فَهُوَ مَغْفُورٌ لَهُ.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
الْكَلَامُ فِي سَرْدِ الْأَحْكَامِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّنَاسُبِ بَيْنَ كُلِّ حُكْمٍ وَمَا يَلِيهِ، وَالصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ: الْإِمْسَاكُ وَالْكَفُّ عَنِ الشَّيْءِ، وَفِي الشَّرْعِ: الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَشَيَانِ النِّسَاءِ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ احْتِسَابًا لِلَّهِ، وَإِعْدَادًا لِلنَّفْسِ وَتَهْيِئَةً لَهَا لِتَقْوَى اللهِ بِالْمُرَاقَبَةِ لَهُ وَتَرْبِيَةِ الْإِرَادَةِ عَلَى كَبْحِ جِمَاحِ الشَّهَوَاتِ، لِيَقْوَى صَاحِبُهَا عَلَى تَرْكِ الْمَضَارِّ وَالْمُحَرَّمَاتِ، وَقَدْ كُتِبَ عَلَى أَهْلِ الْمِلَلِ السَّابِقَةِ فَكَانَ رُكْنًا مَنْ كُلِّ دِينٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَقْوَى الْعِبَادَاتِ وَأَعْظَمِ
стр. 517
ذَرَائِعِ التَّهْذِيبِ، وَفِي إِعْلَامِ اللهِ تَعَالَى لَنَا بِأَنَّهُ فَرَضَهُ عَلَيْنَا كَمَا فَرَضَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا إِشْعَارٌ بِوَحْدَةِ الدِّينِ أُصُولِهِ وَمَقْصِدِهِ، وَتَأْكِيدٌ لِأَمْرِ هَذِهِ الْفَرْضِيَّةِ وَتَرْغِيبٌ فِيهَا.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَبْهَمَ اللهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الصَّوْمَ مَشْرُوعٌ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ حَتَّى الْوَثَنِيَّةِ، فَهُوَ مَعْرُوفٌ عَنْ قُدَمَاءِ الْمِصْرِيِّينَ فِي أَيَّامِ وَثَنِيَّتِهِمْ، وَانْتَقَلَ مِنْهُمْ
إِلَى الْيُونَانِ فَكَانُوا يَفْرِضُونَهُ لَا سِيَّمَا عَلَى النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ الرُّومَانِيُّونَ كَانُوا يُعْنَوْنَ بِالصِّيَامِ، وَلَا يَزَالُ وَثَنِيُّو الْهِنْدِ وَغَيْرُهُمْ يَصُومُونَ إِلَى الْآنِ، وَلَيْسَ فِي أَسْفَارِ التَّوْرَاةِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَرْضِيَّةِ الصِّيَامِ، وَإِنَّمَا فِيهَا مَدْحُهُ وَمَدْحُ الصَّائِمِينَ، وَثَبَتَ أَنَّ مُوسَى ﵇ صَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ كَانَ مَعْرُوفًا مَشْرُوعًا وَمَعْدُودًا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَالْيَهُودُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ يَصُومُونَ أُسْبُوعًا تِذْكَارًا لِخَرَابِ أُورْشَلِيمَ وَأَخْذِهَا، وَيَصُومُونَ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ آبَ. أَقُولُ: وَيُنْقَلُ أَنَّ التَّوْرَاةَ فَرَضَتْ عَلَيْهِمْ صَوْمَ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنَ الشَّهْرِ السَّابِعِ وَأَنَّهُمْ يَصُومُونَهُ بِلَيْلَتِهِ وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَهُ عَاشُورَاءَ، وَلَهُمْ أَيَّامٌ أُخَرُ يَصُومُونَهَا نَهَارًا.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَلَيْسَ فِي أَنَاجِيلِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ نَصٌّ فِي فَرِيضَةِ الصَّوْمِ، وَإِنَّمَا فِيهَا ذِكْرُهُ وَمَدْحُهُ وَاعْتِبَارُهُ عِبَادَةً كَالنَّهْيِ عَنِ الرِّيَاءِ وَإِظْهَارِ الْكَآبَةِ فِيهِ، بَلْ تَأْمُرُ الصَّائِمَ بِدَهْنِ الرَّأْسِ وَغَسْلِ الْوَجْهِ حَتَّى لَا تَظْهَرَ عَلَيْهِ أَمَارَةُ الصِّيَامِ فَيَكُونُ مُرَائِيًا كَالْفُرِيسِيِّينَ، وَأَشْهَرُ صَوْمِهِمْ وَأَقْدَمُهُ الصَّوْمُ الْكَبِيرُ الَّذِي قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ الَّذِي صَامَهُ مُوسَى وَكَانَ يَصُومُهُ عِيسَى ﵉ وَالْحَوَارِيُّونَ ﵃، ثُمَّ وَضَعَ رُؤَسَاءُ الْكَنِيسَةِ ضُرُوبًا أُخْرَى مِنَ الصِّيَامِ وَفِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ وَالطَّوَائِفِ، وَمِنْهَا صَوْمٌ عَنِ اللَّحْمِ وَصَوْمٌ عَنِ السَّمَكِ وَصَوْمٌ عَنِ الْبَيْضِ وَاللَّبَنِ، وَكَانَ الصَّوْمُ الْمَشْرُوعُ عِنْدَ الْأَوَّلِينَ مِنْهُمْ - كَصَوْمِ الْيَهُودِ - يَأْكُلُونَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَغَيَّرُوهُ وَصَارُوا يَصُومُونَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، وَلَا نُطِيلُ فِي تَفْصِيلِ صِيَامِهِمْ، بَلْ نَكْتَفِي بِهَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أَيْ فُرِضِ عَلَيْكُمْ كَمَا فُرِضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ قَبْلِكُمْ. فَهُوَ تَشْبِيهُ الْفَرْضِيَّةِ بِالْفَرْضِيَّةِ وَلَا تَدْخُلُ فِيهِ صِفَتُهُ وَلَا عِدَّةُ أَيَّامِهِ، وَفِي قِصَّتَيْ زَكَرِيَّا وَمَرْيَمَ ﵉ أَنَّهُمْ كَانُوا يَصُومُونَ عَنِ الْكَلَامِ ; أَيْ: مَعَ الصِّيَامِ عَنْ شَهَوَاتِ الزَّوْجِيَّةِ وَالشَّرَابِ وَالطَّعَامِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: إِنَّ الصَّوْمَ فِي اللُّغَةِ: الْإِمْسَاكُ عَمَّا تُنَازِعُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، لَا مُطْلَقُ الْإِمْسَاكِ كَمَا يَقُولُ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ رُوَاةِ اللُّغَةِ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعَامٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ سَيْرٍ فَهُوَ صَائِمٌ. ثُمَّ قَالَ:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ
أَيْ: قِيَامٌ بِلَا اعْتِلَافٍ اهـ.
(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) هَذَا تَعْلِيلٌ لِكِتَابَةِ الصِّيَامِ بِبَيَانِ فَائِدَتِهِ الْكُبْرَى وَحِكْمَتِهِ الْعُلْيَا، وَهُوَ أَنَّهُ يُعِدُّ نَفْسَ الصَّائِمِ لِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى بِتَرْكِ شَهَوَاتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ الْمُبَاحَةِ الْمَيْسُورَةِ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ وَاحْتِسَابًا
стр. 518
لِلْأَجْرِ عِنْدَهُ، فَتَتَرَبَّى بِذَلِكَ إِرَادَتُهُ عَلَى مَلَكَةِ تَرْكِ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَالصَّبْرِ عَنْهَا فَيَكُونُ اجْتِنَابُهَا أَيْسَرَ عَلَيْهِ، وَتَقْوَى عَلَى النُّهُوضِ بِالطَّاعَاتِ وَالْمَصَالِحِ وَالِاصْطِبَارِ عَلَيْهَا فَيَكُونُ الثَّبَاتُ عَلَيْهَا أَهْوَنَ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ : ((الصِّيَامُ نِصْفُ الصَّبْرِ)) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَهَذَا مَعْنَى دَلَالَةِ ((لَعَلَّ)) عَلَى التَّرَجِّي ; فَالرَّجَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا وَقَعَتْ أَسْبَابُهُ، وَمَوْضِعُهُ هُنَا الْمُخَاطَبُونَ لَا الْمُتَكَلِّمُ، وَمَنْ لَمْ يَصُمْ بِالنِّيَّةِ وَقَصْدِ الْقُرْبَةِ لَا تُرَجَّى لَهُ هَذِهِ الْمَلَكَةُ فِي التَّقْوَى. فَلَيْسَ الصِّيَامُ فِي الْإِسْلَامِ لِتَعْذِيبِ النَّفْسِ لِذَاتِهِ بَلْ لِتَرْبِيَتِهَا وَتَزْكِيَتِهَا.
قَالَ شَيْخُنَا: إِنَّ الْوَثَنِيِّينَ كَانُوا يَصُومُونَ لِتَسْكِينِ غَضَبِ آلِهَتِهِمْ إِذَا عَمِلُوا مَا يُغْضِبُهَا، أَوْ لِإِرْضَائِهَا وَاسْتِمَالَتِهَا إِلَى مُسَاعَدَتِهِمْ فِي بَعْضِ الشُّئُونِ وَالْأَغْرَاضِ، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ إِرْضَاءَ الْآلِهَةِ وَالتَّزَلُّفَ إِلَيْهَا يَكُونُ بِتَعْذِيبِ النَّفْسِ وَإِمَاتَةِ حُظُوظِ الْجَسَدِ، وَانْتَشَرَ هَذَا الِاعْتِقَادُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الصَّوْمَ وَنَحْوَهُ إِنَّمَا فُرِضَ ; لِأَنَّهُ يُعِدُّنَا لِلسَّعَادَةِ بِالتَّقْوَى، وَأَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنَّا وَعَنْ عَمَلِنَا، وَمَا كَتَبَ عَلَيْنَا الصِّيَامَ إِلَّا لِمَنْفَعَتِنَا.
(ثُمَّ قَالَ مَا مَعْنَاهُ مَبْسُوطًا) قُلْنَا: إِنَّ مَعْنَى ((لَعَلَّ)) الْإِعْدَادُ وَالتَّهْيِئَةُ، وَإِعْدَادُ الصِّيَامِ نُفُوسَ الصَّائِمِينَ لِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى يَظْهَرُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أَعْظَمُهَا شَأْنًا، وَأَنْصَعُهَا بُرْهَانًا وَأَظْهَرُهَا أَثَرًا، وَأَعْلَاهَا خَطَرًا - شَرَفًا - أَنَّهُ أَمْرٌ مَوْكُولٌ إِلَى نَفْسِ الصَّائِمِ لَا رَقِيبَ عَلَيْهِ فِيهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، وَسِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ لَا يُشْرِفُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ سُبْحَانَهُ، فَإِذَا تَرَكَ الْإِنْسَانُ شَهَوَاتِهِ وَلَذَّاتِهِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُ فِي عَامَّةِ الْأَوْقَاتِ لِمُجَرَّدِ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ رَبِّهِ وَالْخُضُوعِ لِإِرْشَادِ دِينِهِ مُدَّةَ شَهْرٍ كَامِلٍ فِي السَّنَةِ، مُلَاحِظًا عِنْدَ عُرُوضِ كُلِّ رَغِيبَةٍ لَهُ - مِنْ أَكْلِ نَفِيسٍ، وَشَرَابٍ عَذْبٍ، وَفَاكِهَةٍ يَانِعَةٍ، وَغَيْرٍ ذَلِكَ كَزِينَةِ زَوْجَةٍ أَوْ جَمَالِهَا الدَّاعِي إِلَى مُلَابَسَتِهَا - أَنَّهُ لَوْلَا اطِّلَاعُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَمُرَاقَبَتُهُ لَهُ لَمَا صَبَرَ عَنْ تَنَاوُلِهَا وَهُوَ فِي أَشَدِّ التَّوْقِ لَهَا، لَا جَرَمَ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ تَكْرَارِ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةِ
الْمُصَاحِبَةِ لِلْعَمَلِ مَلَكَةُ الْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْحَيَاءِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَرَاهُ حَيْثُ نَهَاهُ، وَفِي هَذِهِ الْمُرَاقَبَةِ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي تَعْظِيمِهِ وَتَقْدِيسِهِ أَكْبَرُ مُعِدِّ لِلنُّفُوسِ وَمُؤَهِّلٍ لَهَا لِضَبْطِ النَّفْسِ وَنَزَاهَتِهَا فِي الدُّنْيَا، وَلِسَعَادَتِهَا فِي الْآخِرَةِ.
وَكَمَا تُؤَهِّلُ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةُ النُّفُوسَ الْمُتَحَلِّيَةَ بِهَا لِسَعَادَةِ الْآخِرَةِ تُؤَهِّلُهَا لِسَعَادَةِ الدُّنْيَا أَيْضًا، انْظُرْ هَلْ يُقْدِمُ مَنْ تُلَابِسُ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةُ قَلْبَهُ عَلَى غِشِّ النَّاسِ وَمُخَادَعَتِهِمْ؟ هَلْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَرَاهُ اللهُ آكِلًا لِأَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ؟ هَلْ يَحْتَالُ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ وَهَدْمِ هَذَا الرُّكْنِ الرَّكِينِ مِنْ أَرْكَانِ دِينِهِ؟ هَلْ يَحْتَالُ عَلَى أَكْلِ الرِّبَا؟ هَلْ يَقْتَرِفُ الْمُنْكَرَاتِ جِهَارًا؟ هَلْ يَجْتَرِحُ السَّيِّئَاتِ وَيَسْدُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ سِتَارًا؟ كَلَّا. إِنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةِ لَا يَسْتَرْسِلُ
стр. 519
فِي الْمَعَاصِي ; إِذْ لَا يَطُولُ أَمَدُ غَفْلَتِهِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَإِذَا نَسِيَ وَأَلَمَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا يَكُونُ سَرِيعَ التَّذَكُّرِ قَرِيبَ الْفَيْءِ وَالرُّجُوعِ بِالتَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (٧: ٢٠١) فَالصِّيَامُ أَعْظَمُ مُرَبٍّ لِلْإِرَادَةِ، وَكَابِحٍ لِجِمَاحِ الْأَهْوَاءِ، فَأَجْدَرُ بِالصَّائِمِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا يَعْمَلُ مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ خَيْرٌ، لَا عَبْدًا لِلشَّهَوَاتِ.
إِنَّمَا رُوحُ الصَّوْمِ وَسِرُّهُ فِي هَذَا الْقَصْدِ وَالْمُلَاحَظَةِ الَّتِي تُحْدِثُ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةَ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى كَوْنِ الْعَمَلِ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ لَاحَظَهُ مَنْ أَوْجَبَ مِنَ الْأَئِمَّةِ تَبْيِيتَ النِّيَّةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ ﷺ : ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ - قَالُوا: أَيْ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَقَدْ يَكُونُ الْغُفْرَانُ لِلْكَبَائِرِ مَعَ التَّوْبَةِ مِنْهَا ; لِأَنَّ الصَّائِمَ احْتِسَابًا وَإِيمَانًا عَلَى مَا بَيَّنَّا يَكُونُ مِنَ التَّائِبِينَ عَمَّا اقْتَرَفَهُ فِيمَا قَبْلَ الصَّوْمِ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمُ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ((يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي)) رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَقَدْ شَرَحَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ حَالَ أُولَئِكَ الْغَافِلِينَ عَنِ اللهِ وَعَنْ أَنْفُسِهِمُ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ فِي رَمَضَانَ عَمْدًا، وَذَكَرَ بَعْضَ حِيَلِ الَّذِينَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ كَالْأَدْنِيَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ وَلَوْ فِي بُيُوتِ الْأَخْيِلَةِ حَيْثُ تَأْكُلُ الْجُرُذُ، وَالَّذِينَ يَغْطِسُونَ فِي الْجَدَاوِلِ وَالْأَنْهَارِ وَيَشْرَبُونَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ،
وَمَا قَذَفَ بِهَؤُلَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ وَمَنْ هُمْ شَرٌّ مِنْهُمْ - كَالْمُجَاهِرِينَ بِالْفِطْرِ - إِلَّا تَلْقِينُهُمُ الْعِبَادَةَ جَافَّةً خَالِيَةً مِنَ الرُّوحِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَالسِّرِّ الَّذِي أَفْشَيْنَاهُ، فَحَسِبُوهَا عُقُوبَةً كَمَا كَانَ يَحْسَبُهَا الْوَثَنِيُّونَ مِنْ قَبْلُ، وَمَا كُلُّ إِنْسَانٍ يَتَحَمَّلُ الْعُقُوبَةَ رَاضِيًا مُخْتَارًا. ثُمَّ قَالَ مَا مِثَالُهُ:
وَهَاهُنَا شَيْءٌ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَيَشْمَئِزُّ الْإِنْسَانُ مِنْ شَرْحِهِ وَبَيَانِهِ، وَهُوَ أَنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ بِطَبْعِهِ فَتَضْعُفُ النُّفُوسُ وَيَعْجَزُ الْإِنْسَانُ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَالْمَعَاصِي. وَفِيهِ مِنْ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَالْإِعْنَاتِ مَا كَانَ يَفْهَمُهُ الْكَثِيرُ مِنْ جَمِيعِ مَطَالِبِ الدِّينِ وِرَاثَةً عَنْ آبَائِهِمُ الْأَوَّلِينَ مِنْ أَهْلِ الدِّيَانَاتِ الْأُخْرَى، وَإِذَا طَبَّقْنَا هَذَا الْقَوْلَ عَلَى مَا نَعْهَدُهُ وُجُودًا وَوُقُوعًا لَا نَجِدُهُ وَاقِعًا ; لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا جَاعَ يَضْرِي بِالشَّهَوَاتِ وَتَقْوَى نَهْمَتُهُ وَيَشْتَدُّ قَرْمُهُ، وَآثَارُ هَذَا ظَاهِرَةٌ فِي صَوْمِ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ فِي رَمَضَانَ أَكْثَرُ تَمَتُّعًا بِالشَّهَوَاتِ مِنْهُمْ فِي عَامَّةِ السَّنَةِ، فَمَا سَبَبُ هَذَا وَمَا مَثَارُهُ؟ أَلَيْسَ هُوَ الضَّرَاوَةُ بِالشَّهَوَاتِ؟ بَلَى. وَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ تَشْبِيهُ النَّبِيِّ ﷺ الصَّوْمَ بِالْوِجَاءِ فِي كَسْرِ سَوْرَةِ الشَّهْوَةِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ تَأْثِيرَهُ فِي تَرْبِيَةِ النَّفْسِ وَتَقْوِيَةِ الْإِيمَانِ يَجْعَلُ صَاحِبَهُ مَالِكًا لِنَفْسِهِ يَصْرِفُهَا حَسَبَ الشَّرْعِ لَا حَسَبَ الشَّهْوَةِ.
стр. 520
هَذَا مَا كَتَبْتُهُ وَنُشِرَ فِي الطَّبْعَةِ الْأُولَى وَرَآهُ شَيْخُنَا ثُمَّ بَدَا لِي فِيهِ ; فَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَفْظُهُ ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)) وَالْوِجَاءُ - بِالْكَسْرِ - رَضُّ الْأُنْثَيَيْنِ وَهُوَ يُضْعِفُ الشَّهْوَةَ الزَّوْجِيَّةَ إِنْ لَمْ يَذْهَبْ بِهَا كَالْخِصَاءِ، وَالصِّيَامُ يُضْعِفُ هَذِهِ الشَّهْوَةَ إِذَا طَالَ وَاقْتَصَرَ الصَّائِمُ فِي اللَّيْلِ عَلَى قَلِيلٍ مِنَ الطَّعَامِ، قَالَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِهِ - وَاسْتُشْكِلَ - بِأَنَّ الصَّوْمَ يَزِيدُ فِي تَهْيِيجِ الْحَرَارَةِ وَذَلِكَ مِمَّا يُثِيرُ الشَّهْوَةَ، لَكِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي مَبْدَأِ الْأَمْرِ، فَإِذَا تَمَادَى عَلَيْهِ وَاعْتَادَهُ سَكَنَ ذَلِكَ وَاللهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَمِنْ وُجُوهِ إِعْدَادِ الصَّوْمِ لِلتَّقْوَى أَنَّ الصَّائِمَ عِنْدَمَا يَجُوعُ يَتَذَكَّرُ مَنْ لَا يَجِدُ قُوتًا فَيَحْمِلُهُ التَّذَكُّرُ عَلَى الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ الدَّاعِيَتَيْنِ إِلَى الْبَذْلِ وَالصَّدَقَةِ، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِأَنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَيَرْتَضِي لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا ارْتَضَاهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ ; وَلِذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِالتَّأَسِّي بِهِ وَوَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ: (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (٤٨: ٢٩) . وَمِنْ فَوَائِدِ عِبَادَةِ الصِّيَامِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْمُسَاوَاةُ فِيهِ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ
وَالْمُلُوكِ وَالسُّوقَةِ، وَمِنْهَا تَعْلِيمُ الْأُمَّةِ النِّظَامَ فِي الْمَعِيشَةِ، فَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ يُفْطِرُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَا يَتَقَدَّمُ أَحَدٌ عَلَى آخَرَ دَقِيقَةً وَاحِدَةً وَقَلَّمَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ دَقِيقَةً وَاحِدَةً.
وَمِنْ فَوَائِدِهِ الصِّحِّيَّةِ أَنَّهُ يُفْنِي الْمَوَادَّ الرَّاسِبَةَ فِي الْبَدَنِ وَلَا سِيَّمَا أَبْدَانِ الْمُتْرَفِينَ أُولِي النَّهَمِ وَقَلِيلِي الْعَمَلِ، وَيُجَفِّفُ الرُّطُوبَاتِ الضَّارَّةَ، وَيُطَهِّرُ الْأَمْعَاءَ مِنْ فَسَادِ الذِّرْبِ وَالسُّمُومِ الَّتِي تُحْدِثُهَا الْبِطْنَةُ، وَيُذِيبُ الشَّحْمَ أَوْ يَحُولُ دُونَ كَثْرَتِهِ فِي الْجَوْفِ وَهِيَ شَدِيدَةُ الْخَطَرِ عَلَى الْقَلْبِ، فَهُوَ كَتَضْمِيرِ الْخَيْلِ الَّذِي يَزِيدُهَا قُوَّةً عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ. قَالَ ﷺ : ((صُومُوا تَصِحُّوا)) رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَشَارَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى حُسْنِهِ وَيُؤَيِّدُهُ ((اغْزُوا تَغْتَنِمُوا وَصُومُوا تَصِحُّوا وَسَافِرُوا تَسْتَغْنُوا)) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَطِبَّاءِ الْإِفْرِنْجِ: إِنَّ صِيَامَ شَهْرٍ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ يَذْهَبُ بِالْفَضَلَاتِ الْمَيِّتَةِ فِي الْبَدَنِ مُدَّةَ سَنَةٍ.
وَأَعْظَمُ فَوَائِدِهِ كُلِّهَا الْفَائِدَةُ الرُّوحِيَّةُ التَّعَبُّدِيَّةُ الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ، وَهِيَ أَنْ يَصُومَ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ الْمُلَاحَظُ فِي النِّيَّةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَمَنْ صَامَ لِأَجْلِ الصِّحَّةِ فَقَطْ فَهُوَ غَيْرُ عَابِدٍ لِلَّهِ فِي صِيَامِهِ، فَإِذَا نَوَى الصِّحَّةَ مَعَ التَّعَبُّدِ كَانَ مُثَابًا كَمَنْ يَنْوِي التِّجَارَةَ مَعَ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ لَوْلَا الْعِبَادَةُ لَاكْتَفَى بِالْجُوعِ وَالْحَمِيَّةِ، وَآيَةُ الصِّيَامِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ وَالْمُلَاحَظَةِ التَّحَلِّي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ أَحَاسِنِ الصِّفَاتِ وَالْخِلَالِ، وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ: لَا أَشُكُّ فِي أَنَّ مَنْ يَصُومُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ رَاضِيًا مَرْضِيًّا، مُطَمْئِنًا بِحَيْثُ لَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ اضْطِرَابًا وَلَا انْزِعَاجًا. نَعَمْ ; رُبَّمَا يُوجَدُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْفُتُورِ
стр. 521
الْجُسْمَانِيِّ، وَأَمَّا الرُّوحَانِيُّ فَلَا، وَأَعْرِفُ رَجُلًا لَا يَغْضَبُ فِي رَمَضَانَ مِمَّا يَغْضَبُ لَهُ فِي غَيْرِهِ، وَلَا يَمَلَّ مِنْ حَدِيثِ النَّاسِ مَا كَانَ يَمَلُّهُ فِي أَيَّامِ الْفِطْرِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ صَائِمٌ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى: (وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعْنِي نَفْسَهُ) وَيُؤَيِّدُ قَوْلَهُ مَا وَرَدَ فِي عَلَامَاتِ الصَّائِمِ مِنْ تَرْكِ الْمَعَاصِي وَالْمَآتِمِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ إِلَّا النِّسَائِيِّ مَرْفُوعًا ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)) .
أَيْنَ هَذَا كُلُّهُ مِنَ الصَّوْمِ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَهُوَ مَا تَرَاهُمْ مُتَّفِقِينَ عَلَيْهِ مِنْ إِثَارَتِهِ لِسُرْعَةِ السُّخْطِ وَالْحُمْقِ وَشِدَّةِ الْغَضَبِ لِأَدْنَى سَبَبٍ، وَاشْتُهِرَ هَذَا بَيْنَهُمْ
وَأَخَذُوهُ بِالتَّسْلِيمِ حَتَّى صَارُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ أَثَرٌ طَبِيعِيٌّ لِلصَّوْمِ، فَهُمْ إِذَا أَفْحَشَ أَحَدُهُمْ قَالَ الْآخَرُ: لَا عَتَبَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ صَائِمٌ. وَهُوَ وَهْمٌ اسْتَحْوَذَ عَلَى النُّفُوسِ فَحَلَّ مِنْهَا مَحَلَّ الْحَقِيقَةِ وَكَانَ لَهُ أَثَرُهَا، وَمَتَى رَسَخَ الْوَهْمُ فِي النَّفْسِ يَصْعُبُ انْتِزَاعُهُ عَلَى الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ يَتَعَاهَدُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالتَّرْبِيَةِ الْحَقِيقِيَّةِ دَائِمًا، فَكَيْفَ حَالُ الْغَافِلِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمِ، الْمُنْحَدِرِينَ فِي تَيَّارِ الْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ الشَّائِعَةِ، لَا يَتَفَكَّرُونَ فِي مَصِيرِهِمْ، وَلَا يَشْعُرُونَ فِي أَيِّ لُجَّةٍ يُقْذَفُونَ، فَتَأْثِيرُ الصَّوْمِ فِي أَنْفُسِهِمْ مُنَافٍ لِلتَّقْوَى الَّتِي شُرِعَ لِأَجْلِهَا، وَمُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا أَهْلَهَا، وَمِنْ أَشْهَرِهَا حَدِيثُ ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ)) وَهِيَ - بِضَمِّ الْجِيمِ - الْوِقَايَةُ وَالسِّتْرُ، فَهُوَ يَقِي صَاحِبَهُ مِنَ الْمَعَاصِي وَالْآثَامِ، وَمِنْ عِقَابِهَا وَغَايَتِهِ دُخُولُ النَّارِ، وَلِلْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ وَفِيهِ زِيَادَةٌ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِهِ مِنَ الْفَتْحِ لَفْظَ أَبِي عُبَيْدَةَ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا)) زَادَ الدَّارِمِيُّ ((بِالْغِيبَةِ)) وَقَالَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ: إِنَّ الْغِيبَةَ تَضُرُّ بِالصِّيَامِ، وَحَكَى عَنْ عَائِشَةَ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنَّ الْغِيبَةَ تُفْطِرُ الصَّائِمَ وَتُوجِبُ قَضَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَفْرَطَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ يُبْطِلُهُ كُلُّ مَعْصِيَةٍ مِنْ مُتَعَمِّدٍ لَهَا ذَاكِرٍ لِصَوْمِهِ إِلَخْ. وَقَالَ الْغَزَّالِيُّ فِيمَنْ يَعْصِي اللهَ وَهُوَ صَائِمٌ: إِنَّهُ كَمَنْ يَبْنِي قَصْرًا وَيَهْدِمُ مِصْرًا.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يُلَاحِظُونَ فِي صَوْمِهِمْ حِفْظَ رَسْمِ الدِّينِ الظَّاهِرِ وَمُوَافَقَةَ النَّاسِ فِيمَا هُمْ فِيهِ، حَتَّى إِنَّ الْحَائِضَ تَصُومُ وَتَرَى الْفِطْرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَارًا وَمَأْثَمًا، وَلَا بَأْسَ بِهَذَا الصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ الْحَائِضِ لِحِفْظِ ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ، وَإِقَامَةِ هَيْكَلِ شَعَائِرِهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ الْأَفْرَادَ شَيْئًا فِي دِينِهِمْ وَلَا فِي دُنْيَاهُمْ لِخُلُوِّهِ مِنَ الرُّوحِ الَّذِي يُعِدُّهُمْ لِلتَّقْوَى، وَيُؤَهِّلُهُمْ لِسَعَادَةِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَذَكَرَ فِي الدَّرْسِ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِمَآكِلِ رَمَضَانَ وَشَرَابِهِ بِحَيْثُ يُنْفِقُونَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ مَا يَكَادُ يُسَاوِي نَفَقَةَ سَائِرِ السَّنَةِ. حَتَّى كَأَنَّهُ مَوْسِمُ أَكْلٍ، وَكَأَنَّ الْإِمْسَاكَ عَنِ الطَّعَامِ فِي النَّهَارِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ فِي اللَّيْلِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوْمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﷺ : ((كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صَوْمِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ)) رَوَاهُ النِّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَلَا نُطِيلُ بِشَرْحِ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فَهُمْ يَعْلَمُونَهُ عِلْمًا تَامًّا، وَفِيمَا كُتِبَ كِفَايَةٌ لِمَنْ يُرِيدُ مَعْرِفَةَ حَقِّهِ مِنْ بَاطِلِهِ.
стр. 522
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الصِّيَامَ الَّذِي كَتَبَهُ عَلَيْنَا مُعَيَّنٌ مَحْدُودٌ فَقَالَ: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) أَيْ: مُعَيَّنَاتٍ بِالْعَدَدِ، أَوْ قَلِيلَاتٍ وَهِيَ أَيَّامُ رَمَضَانَ كَمَا سَيَأْتِي، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ، وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ غَيْرُ رَمَضَانَ، وَهِيَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَعَيَّنَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا الْأَيَّامُ الْبِيضُ أَيِ الثَّالِثَ عَشَرَ وَمَا بَعْدَهُ ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ (شَهْرُ رَمَضَانَ) الْآتِيَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي السُّنَّةِ أَنَّ الصَّوْمَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ، وَلَوْ وَقَعَ لِنُقِلَ بِالتَّوَاتُرِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْعَمَلِيَّةِ الْعَامَّةِ. نَعَمْ ; وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ الْآحَادِيِّ أَحَادِيثُ مُتَعَارِضَةٌ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَبَعْدَ الْإِسْلَامِ، بَعْضُهَا بِالْأَمْرِ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ وَبَعْضُهَا بِالتَّخْيِيرِ، وَلَكِنْ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فَرْضًا عَامًّا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَلَا عَلَى أَنَّهُ نُسِخَ، فَهُمْ لَا يَزَالُونَ يَصُومُونَهُ اسْتِحْبَابًا مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، بَلْ يَدُلُّ حَدِيثُ ((لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ مِنَ التَّاسِعِ)) مَعَ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ ﷺ مَاتَ مِنْ سَنَتِهِ تِلْكَ، عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ كَانَ فِي آخِرِ زَمَنِ الْبَعْثَةِ، وَلَيْسَ هَذَا مَحَلُّ تَمْحِيصِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهَا، وَلَكِنْ كَانَ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَلَعٌ بِتَكْثِيرِ اسْتِخْرَاجِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنَ الْقُرْآنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى سِعَةِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَ عِلْمًا بِإِبْطَالِ الْقُرْآنِ بَادِي الرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ تُضَاهِي حُجَّةَ الْقُرْآنِ فِي الْقَطْعِ وَالْقُوَّةِ. وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْسَبَ هَذَا هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدُ اللهِ عَظِيمٌ.
(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أَيْ: مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ صِيَامُ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غَيْرِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ ; أَيْ: فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِذَا أَفْطَرَ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ الَّتِي لَمْ يَصُمْهَا، وَكُلٌّ مِنَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ عُرْضَةٌ لِاحْتِمَالِ الْمَشَقَّةِ بِالصِّيَامِ، وَإِطْلَاقِ كَلِمَةِ (مَرِيضًا) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ لَا تَتَقَيَّدُ بِالْمَرَضِ الشَّدِيدِ الَّذِي يَعْسُرُ مَعَهُ الصَّوْمُ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَعَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ ; لِأَنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ تُقْرَنُ بِمَظِنَّةِ الْمَشَقَّةِ تَحْقِيقًا لِلرُّخْصَةِ، فَرُبَّ مَرَضٍ لَا يَشُقُّ مَعَهُ الصَّوْمُ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ ضَارًّا بِالْمَرِيضِ وَسَبَبًا فِي زِيَادَةِ مَرَضِهِ وَطُولِ مُدَّتِهِ، وَتَحْقِيقُ الْمَشَقَّةِ عُسْرٌ، وَعِرْفَانُ الضَّرَرِ أَعْسَرُ. وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى
تَقْيِيدِهِ بِالْمَرَضِ الَّذِي يَعْسُرُ الصَّوْمُ مَعَهُ بِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وَلَا دَلِيلَ فَإِنَّهُ تَعْلِيلٌ لِأَصْلِ الرُّخْصَةِ، وَكَمَالُهَا أَلَّا يَكُونَ فِيهَا تَضْيِيقٌ.
وَكَذَلِكَ السَّفَرُ يَشْمَلُ إِطْلَاقُهُ وَتَنْكِيرُهُ الطَّوِيلَ وَالْقَصِيرَ وَسَفَرَ الْمَعْصِيَةِ. فَالْعُمْدَةُ فِيهِ مَا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ سَفَرًا كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ فِي الشَّرْعِ. وَالْعُرْفُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِ الْمَعِيشَةِ وَوَسَائِلِ النَّقْلِ، فَالَّذِي يَرْكَبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ سَيَّارَةً بُخَارِيَّةً أَوْ طَيَّارَةً هَوَائِيَّةً مَسَافَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ فَرَاسِخَ أَوْ مَسَافَةَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ بِتَقْدِيرِ سَيْرِ الْأَثْقَالِ لِيَمْكُثَ مُدَّةً قَصِيرَةً ثُمَّ يَعُودُ إِلَى بَلَدِهِ وَدَارِهِ، وَلَا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ مُسَافِرًا بَلْ مُتَنَزِّهًا. وَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الْإِطْلَاقَ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 523
إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ)) وَيُرَجِّحُ كَوْنَ الرِّوَايَةِ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ ; حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ فَرْسَخًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ)) وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ. بَلْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ فِي الْمِيلِ الْوَاحِدِ، وَمَا رُوِيَ فِي قَصْرِهِ ﷺ فِي مَسَافَةٍ أَطْوَلَ لَا يُنَافِي هَذَا ; فَإِنَّ الْقَصْرَ فِيهَا أَوْلَى، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ السَّفَرَ الَّذِي يُبَاحُ فِيهِ الْقَصْرُ يُبَاحُ فِيهِ الْفِطْرُ، وَأَمَّا الْعَاصِي بِالسَّفَرِ فَهُوَ عَلَى دُخُولِهِ فِي الْإِطْلَاقِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُخَاطَبِينَ بِالشَّرِيعَةِ كُلِّهَا كَغَيْرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) .
وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ الْمُقَلِّدِينَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (أَوْ عَلَى سَفَرٍ) يُومِئُ إِلَى أَنَّ مَنْ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِيهِ بَلْ يُفْطِرُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ; لِأَنَّ الْكَلِمَةَ تَدُلُّ عَلَى التَّمَكُّنِ مِنَ السَّفَرِ بِجَعْلِهِ كَالْمَرْكُوبِ، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ جَرَتْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحَتِهِ أَوْ رَاحِلَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ: أَفْطِرُوا)) وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَبِي بُصْرَةَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ وَتَسْمِيَتُهُ سُنَّةٌ.
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيدَ - بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ - أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ)) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (الْبُخَارِيُّ) : وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عَسْفَانَ وَقُدَيْدٍ - بِالتَّصْغِيرِ - وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ((حَتَّى بَلَغَ عَسْفَانَ)) وَالْكَدِيدُ تَابِعَةٌ لِعَسْفَانَ وَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُفْطِرَ، وَلَوْ نَوَى الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَصْبَحَ صَائِمًا فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَخْ.
وَذَهَبَتِ الظَّاهِرِيَّةُ أَوْ بَعْضُهُمْ إِلَى وُجُوبِ الْإِفْطَارِ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ، وَالْآيَةُ لَا تَقْتَضِيهِ، وَقَدْ مَضَتِ السُّنَّةُ الْعَمَلِيَّةُ بِخِلَافِهِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِ هَذِهِ الْعُدَّةِ عَلَيْهِمَا وَإِنْ صَامَا، وَمُقْتَضَاهَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى ضَيَّقَ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَشَدَّدَ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ يُشَدِّدْ عَلَى غَيْرِهِمَا وَهُوَ كَمَا تَرَى. وَالصَّوَابُ أَنَّ مَنْ صَامَ فَقَدْ أَدَّى فَرْضَهُ وَمَنْ أَفْطَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَبِذَلِكَ مَضَتِ السُّنَّةُ الْعَمَلِيَّةُ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَافِرُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمُ الْمُفْطِرُ وَمِنْهُمُ الصَّائِمُ لَا يَعِيبُ أَحَدٌ عَلَى الْآخَرِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالْإِفْطَارِ عِنْدَ تَوَقُّعِ الْمَشَقَّةِ فَيُفْطِرُونَ جَمِيعًا كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ قَالَ:
стр. 524
سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ)) فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا)) فَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا - الْحَدِيثَ. ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ. وَرَوَى الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَقَالَ: ((إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ)) وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: ((هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ)) فَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ صِيَامِ رَمَضَانَ ; لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا تُطْلَقَ فِي مُقَابِلِ الْوَاجِبِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ (الصَّادِقِ) عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ (الْبَاقِرِ) ابْنِ عَلِيٍّ (زَيْنِ الْعَابِدِينَ) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ
إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ - كُرَاعُ بِالضَّمِّ وَالْغَمِيمِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ وَادٍ أَمَامَ عَسْفَانَ - وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ وَصَامَ بَعْضُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا فَقَالَ: ((أُولَئِكَ الْعُصَاةُ)) أَيْ: لِأَنَّهُمْ أَبَوُا الِاقْتِدَاءَ بِهِ ﷺ فِي قَبُولِ الرُّخْصَةِ وَالْحَالُ حَالُ مَشَقَّةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَقَدَّمَتْ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا لِلِاسْتِعَانَةِ عَلَى لِقَاءِ عَدُوِّهِمْ فَالْعِصْيَانُ ظَاهِرٌ.
وَرَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ. فَقَالَ ((مَا هَذَا؟)) فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: ((لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ)) وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِهِ مِنَ الْفَتْحِ الْخِلَافَ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ الصِّيَامِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَقَالَ: الْحَاصِلُ أَنَّ الصَّوْمَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنَ الْفِطْرِ، وَالْفِطْرُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ أَعْرَضَ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمَشَقَّةُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ عَنِ الْفَرْضِ بَلْ مَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي الْحَضَرِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) وَلِقَوْلِهِ ﷺ : ((لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ)) وَمُقَابَلَةُ الْبِرِّ الْإِثْمُ، وَإِذَا كَانَ آثِمًا بِصَوْمِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ
стр. 525
تَعَالَى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) قَالُوا: ظَاهِرُهُ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ أَوْ فَالْوَاجِبُ عِدَّةٌ، وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ، وَمُقَابِلُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ لَا يَجُوزُ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ أَوِ الْمَشَقَّةَ الشَّدِيدَةَ. حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَشُقَّ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمُ: الْفِطْرُ أَفْضَلُ عَمَلًا بِالرُّخْصَةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مُخَيَّرٌ مُطْلَقًا، وَقَالَ آخَرُونَ:
أَفْضَلُهُمَا أَيْسَرُهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) فَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ أَيْسَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الصِّيَامُ أَيْسَرَ - كَمَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بَعْدُ - فَالصَّوْمُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ أَفْضَلَ لِمَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَتَضَرَّرَ بِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ ظُنَّ بِهِ الْإِعْرَاضُ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَسَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي طُعْمَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: إِنِّي أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ لَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ اللهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ جِبَالِ عَرَفَةَ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ رَغِبَ عَنِ الرُّخْصَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : ((مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) وَكَذَلِكَ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُجْبَ أَوِ الرِّيَاءَ إِذَا صَامَ فِي السَّفَرِ، فَقَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ أَفْضَلَ لَهُ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِذَا سَافَرْتَ فَلَا تَصُمْ فَإِنَّكَ إِنْ تَصُمْ قَالَ أَصْحَابُكَ: اكْفُوا الصَّائِمَ، وَارْفَعُوا لِلصَّائِمِ. وَقَامُوا بِأَمْرِكَ، وَقَالُوا: فُلَانٌ صَائِمٌ. فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَذْهَبَ أَجْرُكَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوُ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ ((الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ)) فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ مَرْفُوعًا أَيْضًا وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَذَكَرَ أَنَّ مَا عَدَا هَذَيْنِ فِي مَعْنَاهُمَا فَهُوَ مَوْقُوفٌ وَمُنْقَطِعُ الْإِسْنَادِ. ثُمَّ قَالَ:
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ : ((لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ)) فَسَلَكَ الْمُجِيزُونَ فِيهِ طُرُقًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ فَيُقْصَرُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَلِذَا قَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ أَنْ سَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ وَلَفْظُهُ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ قَدْ دَخَلَ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ كَضَجْعَةِ الْوَجِعِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَا لِصَاحِبِكُمْ، أَيُّ وَجَعٍ بِهِ)) ؟ قَالُوا: لَيْسَ بِهِ وَجَعٌ، وَلَكِنَّهُ صَائِمٌ وَقَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَئِذٍ:
((لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَصُومُوا
стр. 526
فِي السَّفَرِ، عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ)) فَكَانَ قَوْلُهُ ﷺ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْحَالِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: أُخِذَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ كَرَاهَةَ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ هُوَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ مِمَّنْ يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ أَوْ يُؤَدِّي بِهِ إِلَى تَرْكِ مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنِ الصَّوْمِ مِنْ وُجُوهِ الْقُرْبِ، فَيَنْزِلُ قَوْلُهُ: ((لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ)) عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ قَالَ: وَالْمَانِعُونَ فِي السَّفَرِ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّفْظَ عَامُّ وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِهِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَنَبَّهَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ دَلَالَةِ السَّبَبِ وَالسِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَامِّ وَعَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ وَبَيْنَ مُجَرَّدِ وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ ; فَإِنَّ بَيْنَ الْعَامَّيْنِ فَرْقًا وَاضِحًا، وَمَنْ أَجْرَاهُمَا وَاحِدًا لَمْ يُصِبْ ; فَإِنَّ مُجَرَّدَ وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِهِ كَنُزُولِ آيَةِ السَّرِقَةِ فِي قِصَّةِ سَرِقَةِ رِدَاءِ صَفْوَانَ. وَأَمَّا السِّيَاقُ وَالْقَرَائِنُ الدَّالَّةُ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ فَهِيَ الْمُرْشِدَةُ لِبَيَانِ الْمُجْمَلَاتِ وَتَعْيِينِ الْمُحْتَمَلَاتِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: هَذِهِ الْقِصَّةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ مَنِ اتَّفَقَ لَهُ مِثْلُ مَا اتَّفَقَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَنَّهُ يُسَاوِيهِ فِي الْحُكْمِ، وَأَمَّا مَنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ فَهُوَ فِي جَوَازِ الصَّوْمِ عَلَى أَصْلِهِ - وَاللهُ أَعْلَمُ - وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ نَفْيَ الْبِرِّ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ أَبَى قَبُولَ الرُّخْصَةِ، فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ يَبْلُغَ رَجُلٌ هَذَا بِنَفْسِهِ فِي فَرِيضَةِ صَوْمٍ وَلَا نَافِلَةٍ، وَقَدْ أَرْخَصَ اللهُ تَعَالَى لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَهُوَ صَحِيحٌ.
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الْمَفْرُوضِ الَّذِي مَنْ خَالَفَهُ أَثِمَ، وَجَزَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: الْمُرَادُ هُنَا بِالْبِرِّ الْكَامِلُ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْبِرِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ إِخْرَاجَ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ عَنْ أَنْ يَكُونَ بِرًّا ; لِأَنَّ الْإِفْطَارَ قَدْ يَكُونُ أَبَرَّ مِنَ الصَّوْمِ إِذَا كَانَ لِلتَّقْوَى عَلَى لِقَاءِ الْعَدُوِّ مَثَلًا. قَالَ: وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ ﷺ : ((لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَافِ)) الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِخْرَاجَهُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَسْكَنَةِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْمِسْكِينَ الْكَامِلُ الْمَسْكَنَةِ الَّذِي لَا يَجِدُ غَنِيًّا يُغْنِيهِ وَيَسْتَحِي أَنْ يَسْأَلَ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ.
(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْمُسْتَثْنَى، وَهُوَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ; أَيْ: وَعَلَى الَّذِينَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ
الصِّيَامُ فِعْلًا فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يُفْطِرُونَ فِيهِ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُونَ مِنْهُ أَهْلِيهِمْ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ لَا أَعْلَاهُ وَلَا أَدْنَاهُ، وَيُطْعِمُ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ أَكْلَةً وَاحِدَةً أَوْ بِقَدْرِ شِبَعِ الْمُعْتَدِلِ الْأَكْلَةِ، وَكَانُوا يُقَدِّرُونَهَا بِمُدٍّ وَهُوَ - بِالضَّمِّ - رُبُعُ الصَّاعِ، وَقَدَّرُوهُ بِالْحَفْنَةِ وَهِيَ مِلْءُ الْكَفَّيْنِ مِنَ الْقَمْحِ أَوِ التَّمْرِ، وَتَرَتُّبُ الْفِدْيَةِ عَلَى الْإِفْطَارِ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ يُعْرَفُ بِالْقَرِينَةِ كَقَوْلِهِ: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) يَعْنِي: إِذَا أَفْطَرَ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْإِطَاقَةُ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْمُكْنَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الشَّيْءِ، فَلَا تَقُولُ الْعَرَبُ أَطَاقَ الشَّيْءَ إِلَّا إِذَا كَانَتْ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِ فِي نِهَايَةِ الضَّعْفِ بِحَيْثُ يَتَحَمَّلُ بِهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ يُطِيقُونَهُ هُنَا الشُّيُوخُ الضُّعَفَاءُ، وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا يُرْجَى بُرْءُ أَمْرَاضِهِمْ وَنَحْوُهُمْ، كَالْفَعَلَةِ الَّذِينَ جَعَلَ اللهُ مَعَاشَهُمُ الدَّائِمَ
стр. 527
بِالْأَشْغَالِ الشَّاقَّةِ كَاسْتِخْرَاجِ الْفَحْمِ الْحَجَرِيِّ مِنْ مَنَاجِمِهِ، وَمِنْهُمُ الْمُجْرِمُونَ الَّذِينَ يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِالْأَشْغَالِ الشَّاقَّةِ الْمُؤَبَّدَةِ إِذَا كَانَ الصِّيَامُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ بِالْفِعْلِ وَكَانُوا يَمْلِكُونَ الْفِدْيَةَ. أَقُولُ: وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ طَاقَةِ الْحَبْلِ أَوِ الْخَيْطِ أَوِ الْفَتْلَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ فِتَلِهِ الَّتِي يُبْرَمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ وَتُسَمَّى الْقُوَّةَ، أَوْ مِنَ الطَّوْقِ وَعَلَيْهِ قَوْلُ الرَّاغِبِ: الطَّاقَةُ اسْمٌ لِمِقْدَارِ مَا يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَهُ بِمَشَقَّةٍ، وَذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالطَّوْقِ الْمُحِيطِ بِالشَّيْءِ فَقَوْلُهُ: (وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (٢: ٢٨٦) أَيْ: مَا يَصْعُبُ عَلَيْنَا مُزَاوَلَتُهُ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا قُدْرَةَ لَنَا بِهِ. . وَقَوْلُهُ: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُطِيقَ لَهُ يَلْزَمُهُ فِدْيَةٌ أَفْطَرَ أَوْ لَمْ يُفْطِرْ، لَكِنْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا مَعَ شَرْطٍ آخَرَ اهـ. أَيْ: وَهُوَ الْإِفْطَارُ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ. وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هِيَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَعَ زِيَادَةِ ((وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا - يَعْنِي - عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا)) وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا وَزَادَ فِي آخِرِهِ ((وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ لِأُمِّ وَلَدٍ لَهُ حُبْلَى: أَنْتِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي لَا يُطِيقُهُ فَعَلَيْكِ الْفِدَاءُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْكِ)) وَلَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ يُوجِبُونَ عَلَى الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ الْفِدْيَةَ وَالْقَضَاءَ مَعًا. وَفِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْكَعْبِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ
وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ وَعَنِ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ)) وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ((رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ)) وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الشُّيُوخِ وَالْعَجَائِزِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ.
قَالَ شَيْخُنَا: ذَهَبَ كَثِيرُونَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ إِذْ فَهِمُوا أَنَّ الْإِطَاقَةَ بِمَعْنَى الِاسْتِطَاعَةِ، وَقَدَّرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ كَالْجَلَالِ حَرْفَ نَفْيٍ فَقَالَ: وَعَلَى الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ، لِيُوَافِقَ مَذْهَبَهُ، وَالْآيَةُ مُوَافَقَةٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى جَعْلِ الْإِثْبَاتِ نَفْيًا كَمَا قُلْنَا آنِفًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْهَمْزَةَ فِي الْإِطَاقَةِ لِلسَّلْبِ فَمَعْنَاهَا الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَرْفِ النَّفْيِ. وَهُوَ قَوْلٌ مَنْقُولٌ مَعْقُولٌ، وَيَظْهَرُ بِإِرَادَةِ سَلْبِ الطَّاقَةِ ; أَيِ: الْقُوَّةِ بِهِ لَا قَبْلَهُ. وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِالنَّسْخِ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُ الْقَوْلِ عَلَى الْإِحْكَامِ.
أَقُولُ: وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَقْسَامٍ فِي الصِّيَامِ:
الْأَوَّلُ: الْمُقِيمُ الصَّحِيحُ الْقَادِرُ عَلَى الصِّيَامِ بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ وَلَا مَشَقَّةٍ تُرْهِقُهُ، وَالصَّوْمُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ حَتْمًا، وَتَرْكُهُ مِنَ الْكَبَائِرِ. وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مُتَعَمِّدَهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَضَاءُ مِثْلِهِ وَلَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ.
الثَّانِي: الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ، وَيُبَاحُ لَهُمَا الْإِفْطَارُ مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرَ التَّعَرُّضُ لِلْمَشَقَّةِ، فَإِذَا تَعَرَّضَا لِلضَّرَرِ بِالْفِعْلِ بِأَنْ عَلِمَا أَوْ ظَنَّا ظَنًّا قَوِيًّا أَنَّ الصَّوْمَ يَضُرُّهُمَا
стр. 528
وَجَبَ الْإِفْطَارُ، وَقَدْ فَصَّلْنَا مَسْأَلَةَ الْخِلَافِ فِي الْأَفْضَلِ لِلْمُسَافِرِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ الصِّيَامَ أَفْضَلُ إِذَا كَانَ أَيْسَرَ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَحْظُورٌ آخَرُ كَحَمْلِ رِفَاقِهِ فِي السَّفَرِ عَلَى خِدْمَتِهِ، أَوْ عَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ بِبَعْضِ الْمَنْدُوبَاتِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْمُسَافِرِ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ رِفَاقُهُ، فَإِنْ كَانَ يُعْجِزُهُ عَنْ عَمَلٍ وَاجِبٍ وَجَبَ الْفِطْرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي مَسْأَلَةِ الْقُوَّةِ عَلَى الْقِتَالِ، وَالْمَرِيضُ كَالْمُسَافِرِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَفْضَلِ لَهُ وَأَنَّهُ الْأَيْسَرُ، وَمِنَ الْأَمْرَاضِ مَا يَكُونُ الصِّيَامُ عِلَاجًا لَهُ أَوْ مُسَاعِدًا عَلَى زَوَالِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ فَوَائِدِهِ الصِّحِّيَّةِ.
الثَّالِثُ: مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ لِسَبَبٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْهَرَمِ وَضَعْفِ الْبِنْيَةِ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُهُ وَالْأَشْغَالِ الشَّاقَّةِ الدَّائِمَةِ وَالْمَرَضِ الزَّمِنِ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ،
وَكَذَلِكَ مَنْ يَتَكَرَّرُ سَبَبُ مَشَقَّتِهِ كَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ، وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَيُطْعِمُوا بَدَلًا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مَا يُشْبِعُ الرَّجُلَ الْمُعْتَدِلَ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ بَيَانِ الْوَاجِبِ الْحَتْمِ وَالرُّخَصِ فِيهِ: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) بِأَنْ زَادَ عَلَى تِلْكَ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) لِأَنَّ فَائِدَتَهُ وَثَوَابَهُ لَهُ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فَمَنْ تَطَوَّعَ) تَدُلُّ عَلَى هَذَا لِأَنَّهَا تَفْرِيعٌ عَلَى حَصْرِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ، وَلَا يَصْلُحُ تَفْرِيعًا عَلَى حُكْمِ الْفِدْيَةِ ; لِأَنَّ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ دَائِمًا مَعَ الْفِدْيَةِ عَنْهُ لَا يُعْقَلُ أَنْ يُنْدَبَ لِلتَّطَوُّعِ الَّذِي هُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْفَرْضِ. وَجَعَلَ (الْجَلَالُ) التَّطَوُّعَ مُتَعَلِّقًا بِالْكَفَّارَةِ بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى إِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، وَاسْتَبْعَدَهُ شَيْخُنَا. وَأَقْرَبُ مِنْهُ شُمُولُهُ لَهُمَا.
(وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أَيْ: وَالصِّيَامُ خَيْرٌ لَكُمْ كَمَا قَرَأَهَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ وَإِنَّمَا هِيَ تَفْسِيرٌ ; أَيْ: خَيْرٌ عَظِيمٌ لِمَا فِيهِ مِنْ رِيَاضَةِ الْجَسَدِ وَالنَّفْسِ وَتَرْبِيَةِ الْإِرَادَةِ وَتَغْذِيَةِ الْإِيمَانِ بِالتَّقْوَى وَتَقْوِيَتِهِ بِمُرَاقَبَةِ اللهِ تَعَالَى. قَالَ أَبُو أُمَامَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مُرْنِي بِأَمْرٍ آخُذُهُ عَنْكَ قَالَ: ((عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ)) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وَجْهَ الْخَيْرِيَّةِ فِيهِ، لَا إِنْ كُنْتُمْ تَصُومُونَ تَقْلِيدًا مِنْ غَيْرِ فِقْهٍ وَلَا عِلْمٍ بِسِرِّ الْحُكْمِ وَحِكْمَةِ التَّشْرِيعِ، وَكَوْنِهِ لِمَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِينَ ; لِأَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، أَوِ اتِّبَاعًا لِعَادَاتِ الْخُلَطَاءِ وَالْمُعَاشِرِينَ. هَذَا مَا يَظْهَرُ مِنَ الْآيَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْخِطَابَ فِيهَا لِأَهْلِ الرُّخَصِ وَأَنَّ الصِّيَامَ فِي رَمَضَانَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ التَّرَخُّصِ بِالْإِفْطَارِ، وَهَذَا غَيْرُ مُطَّرِدٍ وَلَا مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وَتُنَافِيهِ أَحَادِيثُ وَرَدَتْ، وَيُبْعِدُهُ التَّفْرِيعُ بِالْفَاءِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَبَيَّنَّا مَا هُوَ الْأَفْضَلُ مِنْهُ وَمِنَ الْفِطْرِ.
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أَنْزِلُ فِيهِ الْقُرْآنُ) هَذِهِ الْآيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْنَا وَأَنَّهَا أَيَّامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَخْصِيصِ هَذَا الشَّهْرِ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ هِيَ أَنَّهُ الشَّهْرُ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، وَأُفِيضَتْ عَلَى الْبَشَرِ فِيهِ هِدَايَةُ الرَّحْمَنِ، بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ
стр. 529
خَاتَمِ النَّبِيِّينَ ﵊، بِالرِّسَالَةِ الْعَامَّةِ لِلْأَنَامِ، الدَّائِمَةِ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ ; فَالْمُرَادُ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ فِيهِ بَدْؤُهُ وَأَوَّلُهُ (هُدًى لِلنَّاسِ) أَيْ: أُنْزِلَ حَالَ كَوْنِهِ هُدًى كَامِلًا لِلنَّاسِ كَافَّةً (وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى) أَيْ: وَآيَاتٍ بَيِّنَاتٍ
وَاضِحَاتٍ لَا لَبْسَ فِي حَقِّيَّتِهَا، وَلَا خَفَاءَ فِي حُكْمِهَا وَأَحْكَامِهَا، مِنْ جِنْسِ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلُ، وَلَكِنَّهُ أَبْيَنُهُ وَأَكْمَلُهُ (وَالْفُرْقَانِ) الَّذِي يُفَرِّقُ لِلْمُهْتَدِي بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَيَفْصِلُ بَيْنَ الْفَضَائِلِ وَالرَّذَائِلِ، فَحُقَّ أَنْ يُعْبَدَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ مَا لَا يُعْبَدُ فِي غَيْرِهِ تَذَّكُّرًا لِإِنْعَامِهِ بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ وَشُكْرًا عَلَيْهَا. وَالْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ الْأَيَّامِ مُبْهَمَةً أَوَّلًا وَتَعْيِينِهَا بَعْدَ ذَلِكَ: أَنَّ ذَلِكَ الْإِبْهَامَ الَّذِي يُشْعِرُ بِالْقِلَّةِ يُخَفِّفُ وَقْعَ التَّكْلِيفِ بِالصِّيَامِ الشَّاقِّ عَلَى النُّفُوسِ وَهُوَ الْأَصْلُ ; إِذْ لَيْسَ رَمَضَانُ عَامًّا فِي الْأَرْضِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّعْيِينَ وَالْبَيَانَ بَعْدَ ذِكْرِ حِكْمَةِ الصِّيَامِ وَفَائِدَتِهِ وَذِكْرِ الرُّخَصِ لِمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَذِكْرِ خَيْرِيَّةِ الصِّيَامِ فِي نَفْسِهِ وَاسْتِحْبَابِ التَّطَوُّعِ فِيهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُعِدُّ النَّفْسَ لِأَنْ تَتَلَقَّى بِالْقَبُولِ وَالرِّضَى جَعْلَ تِلْكَ الْأَيَّامِ شَهْرًا كَامِلًا.
وَانْظُرْ كَيْفَ ابْتَدَأَ هُنَا بِذِكْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَإِنْزَالِ الْقُرْآنِ فِيهِ، وَوَصْفِ الْقُرْآنِ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَحْكِي عَنْهُ لَذَّاتِهِ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنْ حُكْمِ الصَّوْمِ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْأَمْرِ فَلَمْ يُفَاجِئِ النُّفُوسَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ التَّمْهِيدِ لَهُ حَتَّى قَدَّمَ الْعِلَّةَ عَلَى الْمَعْلُولِ، وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ حِكْمَةِ حَذْفِ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ كَلِمَةَ (شَهْرُ رَمَضَانَ) مُبْتَدَأٌ، أَوْ حُذِفَ الْمُبْتَدَأُ إِذَا قُلْنَا إِنَّهَا خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ حَذْفَ الْخَبَرِ جَارٍ عَلَى مَا نَعْهَدُهُ مِنْ إِيجَازِ الْقُرْآنِ بِحَذْفِ مَا لَا يَقَعُ الِاشْتِبَاهُ بِحَذْفِهِ، وَإِنَّ الْبَيَانَ بَعْدَ الْإِبْهَامِ جَاءَ عَلَى أُسْلُوبِهِ فِي ذِكْرِ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّتَهَا وَحِكْمَتَهَا، وَهِيَ هُنَا إِنْزَالُ الْقُرْآنِ الَّذِي هَدَانَا اللهُ تَعَالَى بِهِ وَجَعَلَهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى ; أَيْ: مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، وَالْفُرْقَانُ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ هُدًى فِي نَفْسِهِ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ الْجِنْسُ الْعَالِي عَلَى جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ، فَإِنَّهُ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مِنْ ذَلِكَ الْهُدَى السَّمَاوِيِّ، وَكُتُبُ اللهِ كُلُّهَا هُدًى وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ فِي بَيَانِهَا كَالْقُرْآنِ، وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا كِتَابَ دَانْيَالَ النَّبِيِّ فَإِنَّ اللهَ مَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ إِلَّا لِيَهْتَدِيَ بِهِ مَنْ يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمْ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، بَلْ هُوَ كَالْأَلْغَازِ وَالرُّمُوزِ لَا يُفْهَمُ إِلَّا بِعَنَاءٍ، وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ الَّتِي سَمَّاهَا اللهُ تَعَالَى (نُورًا وَهُدًى) (٦: ٩١) فِيهَا غَوَامِضُ وَمُشْكِلَاتٌ وَقَعَ الِاشْتِبَاهُ فِيهَا، فَلَمْ يَكُنْ ضِيَاءُ الْحَقِّ وَالْهِدَايَةِ مُتَبَلِّجًا
وَسَاطِعًا مِنْ سُطُورِهَا سُطُوعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ. وَالَّذِي نَرَاهُ فِي الْأَنَاجِيلِ أَنَّ تَلَامِيذَ الْمَسِيحِ أَنْفُسَهُمْ مَا كَانُوا يَفْهَمُونَ كُلَّ مَا يُخَاطِبُهُمْ بِهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْأَحْكَامِ وَالْبَشَائِرِ وَهِيَ الْإِنْجِيلُ الْحَقِيقِيُّ فِي اعْتِقَادِنَا.
أَقُولُ: بَلْ فِيهَا أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لَهُمْ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّ ثَمَّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً يَنْبَغِي أَنْ تُقَالَ لَهُمْ ; أَيْ: لَوْلَا الْمَوَانِعُ مِنْهَا فِي عَهْدِهِ، وَبَشَّرَهُمْ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي بَعْدَهُ الْفَارِقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ
стр. 530
الَّذِي يَقُولُ لَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ - يَعْنِي مُحَمَّدًا خَاتَمَ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَسَيَرَى الْقَارِئُ تَفْصِيلَ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَلَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ عَمِيَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ فَلَمْ يَفْهَمُوهَا، وَلَا أَنَّ عُلَمَاءَ السَّلَفِ حَارُوا فِي شَيْءٍ مِنْهَا، فَالْقُرْآنُ يَمْتَازُ عَلَى سَائِرِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ بِأَنَّهُ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مِنَ الْهُدَى الَّذِي تُوصَفُ بِهِ كُلُّهَا، وَبَيِّنَاتٌ مِنَ الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ الْفَارِقِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، بَيْدَ أَنَّ الْمُقَلِّدِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرْضَوْا كَافَّةً بِأَنْ يَمْتَازَ الْقُرْآنُ بِالْبَيَانِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ بَيَانٌ وَالْهُدَى لِجَمِيعِ النَّاسِ - كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ - فَحَاوَلَ بَعْضُهُمْ تَغْمِيضَهُ، وَسَلَّمَ لَهُمْ مُقَلِّدَتُهُمْ أَنَّهُ غَامِضٌ لَا يَفْهَمُهُ إِلَّا أَفْرَادٌ مِنَ النَّاسِ أُوتُوا عِلْمًا جَمًّا، وَفَاقُوا سَائِرَ الْبَشَرِ بِعُقُولِهِمْ وَأَفْهَامِهِمْ، كَمَا فَاقُوهُمْ بِعُلُومِهِمْ وَمَعَارِفِهِمْ، ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَفْرَادَ كَانُوا فِي بَعْضِ الْقُرُونِ الْأُولَى وَهُمُ الْمُجْتَهِدُونَ، وَأَنَّهُمْ قَدِ انْقَرَضُوا وَلَمْ يَأْتِ بَعْدَهُمْ وَلَنْ يَأْتِيَ مَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْهَمَ الْقُرْآنَ وَلَوْ أَحْكَامَهُ فَقَطْ، وَتَجِدُ هَذَا الْقَوْلَ الْمُنَاقِضَ لِلْقُرْآنِ وَالنَّاقِضَ لَهُ مُسَلَّمًا بَيْنَ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ الْمُقَلِّدِينَ، حَتَّى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ عُلَمَاءُ الدِّينِ، وَمَنْ نَبَذَهُ اهْتِدَاءً بِالْقُرْآنِ، رُبَّمَا نَبَذُوهُ بِلَقَبِ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِصِدْقِ الْإِيمَانِ؟ أَمَا وَسِرِّ الْحَقِّ لَوْلَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَبَّسُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ مَا يَلْبَسُونَ، وَحَكَّمُوا فِيهِ آرَاءَ مَنْ يُقَلِّدُونَ لَكَانَ نُورُ بَيَانِهِ مُشْرِقًا عَلَيْهِمْ وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ، كَالشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ، وَلَكِنَّهُمْ أَبَوْا إِلَّا أَنْ يَتَّبِعُوا سَنَنَ مَنْ قَبْلَهُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَيَضَعُوا كُتُبًا فِي الدِّينِ يَزْعُمُونَ أَنَّ بَيَانَهَا أَجْلَى، وَالِاهْتِدَاءَ بِهَا أَوْلَى ; لِأَنَّهَا بِزَعْمِهِمْ أَبْيَنُ حُكْمًا، وَأَقْرَبُ إِلَى الْأَذْهَانِ فَهْمًا.
قُلْنَا: إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيْنَا صِيَامَ هَذَا الشَّهْرِ بِخُصُوصِهِ، تَذْكِيرًا بِنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ فِيهِ لِنَصُومَهُ شُكْرًا لَهُ عَلَيْهَا، وَمِنَ الشُّكْرِ أَنْ تَكُونَ هِدَايَتُنَا بِالْقُرْآنِ فِي مِثْلِ وَقْتِ نُزُولِهِ أَكْمَلَ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الصِّيَامُ مُوَصِّلًا إِلَى حَقِيقَةِ التَّقْوَى، فَإِذَا لَمْ نَنْتَفِعْ بِالصِّيَامِ فِي أَخْلَاقِنَا وَأَعْمَالِنَا، وَلَمْ نَهْتَدِ بِالْقُرْآنِ فِي عَامَّةِ أَحْوَالِنَا، فَأَيْنَ الِانْتِفَاعُ بِالنِّعْمَةِ وَأَيْنَ الشُّكْرُ عَلَيْهَا؟ كَانَ جِبْرِيلُ يُدَارِسُ النَّبِيَّ ﷺ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ، وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ يَتَدَارَسُونَهُ فِيهِ وَيَقُومُونَ لَيْلَهُ بِهِ لِزِيَادَةِ الِاهْتِدَاءِ وَالِاعْتِبَارِ، فَمَاذَا كَانَ مِنِ اقْتِدَاءِ الْخَلَفِ بِهِمْ؟ كَانَ أَنَّ بَعْضَ الْوُجَهَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ يَسْتَحْضِرُونَ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ مَنْ كَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى لَهُمْ بِالْقُرْآنِ فِي حُجُرَاتِ الْخَدَمِ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ مَعَ أَمْثَالِهِمْ وَأَقْتَالِهِمْ لَاهُونَ لَاعِبُونَ، وَمَنْ عَسَاهُ يُصْغِي مِنْهُمْ أَحْيَانًا إِلَى الْقَارِئِ ; فَإِنَّمَا يُرِيدُ التَّلَذُّذَ بِسَمَاعِ صَوْتِهِ الْحَسَنِ وَتَوْقِيعِهِ الْغِنَائِيِّ، فَقَدْ جَعَلُوا الْقُرْآنَ إِمَّا مَهْجُورًا، وَإِمَّا لَذَّةً نَفْسِيَّةً فَصَدَقَ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ: (اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا) (٦: ٧٠) .
следующие страницы →