Полный текст (5 061 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
فَلَا يَكُونُ لَهُ حَظٌّ مِنْ نَفَقَتِهِ يُقَرِّبُهُ إِلَى رَبِّهِ زُلْفَى، بَلْ يَكُونُ كُلُّ جَزَائِهِ تِلْكَ السُّمْعَةَ الْحَسَنَةَ ((فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُنْفِقُ فِي الْمَصَالِحِ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ، وَلَكِنْ بِغَيْرِ بَصِيرَةٍ تُرِيهِ مَوَاطِنَ الْمَنْفَعَةِ بِنَفَقَتِهِ، فَيَبْنِي مَسْجِدًا حَيْثُ تَكْثُرُ الْمَسَاجِدُ; فَيَكُونُ سَبَبًا فِي زِيَادَةِ تَفَرُّقِ الْجَمَاعَةِ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِحِكْمَةِ الشَّرْعِ، أَوْ يَبْنِي مَدْرَسَةً وَلَا يُحْسِنُ اخْتِيَارَ الْمُعَلِّمِينَ لَهَا، أَوْ يَفْرِضُ لَهَا مِنَ النَّفَقَةِ مَا لَا يَكْفِي لِدَوَامِهَا، فَيُسْرِعُ إِلَيْهَا الْخَرَابُ، أَوْ يَضَعُ فِيهَا مُعَلِّمِينَ فَاسِدِي الِاعْتِقَادِ أَوِ الْآدَابِ. فَيُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ، فَمِثْلُ هَذَا كُلِّهِ لَا يُقَالُ لَهُ قَرْضٌ حَسَنٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِنْفَاقُ قَرْضًا حَسَنًا مُسْتَحِقًّا لِلْمُضَاعَفَةِ الْكَثِيرَةِ إِذَا وُضِعَ مَوْضِعَهُ مَعَ الْبَصِيرَةِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ; لِيَكُونَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ مِنْ إِقَامَةِ الدِّينِ وَحِفْظِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مَنْفَعَةِ جَمِيعِ الْأَنَامِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي شَرَعَهُ الْإِسْلَامُ.
وَأَمَّا هَذِهِ الْمُضَاعَفَةُ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ - وَسَيَأْتِي فِي آيَةٍ أُخْرَى بُلُوغُهَا سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالْمُرَادُ الْكَثْرَةُ - فَهِيَ تَكُونُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ; ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُنْفِقَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ وَلِتَعْزِيزِ الْأُمَّةِ وَلِلْمُدَافَعَةِ عَنِ الْحَقِّ وَالْحَقِيقَةِ يَكُونُ مُدَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ وَمُعَزِّزًا لَهَا وَحَافِظًا لِحُقُوقِهَا; لِأَنَّ اعْتِدَاءَ الْمُعْتَدِينَ عَلَى الْأُمَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَى أَفْرَادِهَا، فَضَعْفُ الْأُمَّةِ وَإِذْلَالُهَا وَضَيَاعُ حُقُوقِهَا لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِمَا يَقَعُ عَلَى أَفْرَادِهَا وَهُوَ مِنْهُمْ، وَالْبَلَاءُ يَكُونُ عَامًّا (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (٨: ٢٥) ثُمَّ إِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي تَبْذُلُ أَغْنِيَاؤُهَا الْمَالَ وَتَقُومُ بِفَرِيضَةِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْأَعْمَالِ، فَيَكْفُلُ غَنِيُّهَا فَقِيرَهَا، وَيَحْمِي قَوِيُّهَا ضَعِيفَهَا، تَتَّسِعُ دَائِرَةُ مَصَالِحِهَا وَمَنَافِعِهَا، وَتَكْثُرُ مَرَافِقُهَا وَتَتَوَفَّرُ سَعَادَتُهَا، وَتَدُومُ عَلَى أَفْرَادِهَا النِّعْمَةُ، مَا اسْتَقَامُوا عَلَى الْبَذْلِ وَالتَّعَاوُنِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ يَكُونُونَ بِذَلِكَ مُسْتَحِقِّينَ لِسَعَادَةِ الْآخِرَةِ وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ فِيهَا.
وَأَقُولُ: لَوْ سِرْنَا فِي الْأَرْضِ وَسَبَرْنَا أَحْوَالَ الْأُمَمِ الْحَاضِرَةِ وَعَرَفْنَا تَارِيخَ الْأُمَمِ الْغَابِرَةِ لَرَأْينَا كَيْفَ مَاتَتِ الْأُمَمُ الَّتِي قَصَّرَتْ فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ أَوِ اسْتُعْبِدَتْ، وَكَيْفَ عَزَّتِ الْأُمَمُ الَّتِي شَمَّرَتْ فِيهَا وَسَعِدَتْ، وَهَذِهِ الْمُضَاعَفَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ تَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَقَامَتْ هَذِهِ السُّنَّةَ الْإِلَهِيَّةَ فِي حِفْظِ بَيْضَتِهَا، وَإِعْزَازِ سُلْطَانِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُنْفِقُونَ فِيهَا يَبْتَغُونَ الْأَجْرَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى أَمْ لَا، وَإِنَّهَا لَمُضَاعَفَةٌ كَثِيرَةٌ لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهَا، فَمَا أَجْهَلَ الْأُمَمَ الْغَافِلَةَ عَنْهَا وَعَنْ حَالِ أَهْلِهَا إِذْ يَرَوْنَ أَهْلَهَا قَدْ وَرِثُوا الْأَرْضَ وَسَادُوا الشُّعُوبَ فَيَتَمَنَّوْنَ لَوْ كَانُوا مِثْلَهُمْ، وَلَا يَدْرُونَ كَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ!
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ الْيَوْمَ أَجْهَلَ الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ بِهَذِهِ السُّنَّةِ الْإِلَهِيَّةِ وَهُمْ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ وَلَا تَتَحَرَّكُ قُلُوبُهُمْ، وَلَا تَنْبَسِطُ أَيْدِيهِمْ عِنْدَ تِلَاوَةِ آيَاتِهِ الْحَاثَّةِ عَلَى بَذْلِ الْمَالِ فِي سَبِيلِهِ، وَلَا سِيَّمَا هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي لَوْ أُنْزِلَتْ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا
стр. 772
مُتَصَدِّعًا مِنْ هَيْبَةِ اللهِ تَعَالَى وَالْحَيَاءِ مِنْهُ، عَمِلَ بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ قَوْمٌ فَسَعِدُوا، وَتَرَكَهَا آخَرُونَ فَشَقُوا، فَإِنْ كَانَ قَدْ فَاتَ الْأَوَّلِينَ قَصَدُ مَرْضَاةِ اللهِ بِإِقَامَةِ سُنَّتِهِ فَحُرِمُوا ثَوَابَ الْآخِرَةِ، فَقَدْ خَسِرَ الْآخِرُونَ بِتَرْكِهَا السَّعَادَتَيْنِ، وَذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.
وَمِنَ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ فِي الْآيَةِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: ((الْقَرْضُ الْحَسَنُ: الْمُجَاهَدَةُ وَالْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللهِ)) وَهُوَ إِجْمَالٌ لِمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ، وَمِنْ مَحَاسِنِ عِبَارَاتِ الْمُفَسِّرِينَ هُنَا: أَنَّ لَفْظَ الْمُضَاعَفَةِ هُنَا لِلْمُبَالَغَةِ بِمَا فِي الصِّيغَةِ مِنْ مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَنَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ (فَيُضَاعِفُهُ) بِالضَّمِّ بِتَقْدِيرِ: فَهُوَ يُضَاعِفُهُ، وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ بِالنَّصْبِ لِوُقُوعِهِ فِي حَيِّزِ الِاسْتِفْهَامِ الْمَعْرُوفِ فِي قَوَاعِدِ النَّحْوِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ (فَيُضَعِّفُهُ) بِالرَّفْعِ وَالتَّشْدِيدِ، وَابْنُ يَعْقُوبَ وَابْنُ عَامِرٍ بِالنَّصْبِ وَالتَّضْعِيفِ يَدُلُّ عَلَى التَّكْثِيرِ وَالتَّكْرَارِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ) وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ وَالْبَزِّيُّ وَأَبُو بَكْرٍ (يَبْصُطُ) بِالصَّادِ، وَهِيَ لُغَةٌ، كَأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا تَفْخِيمُ السِّينِ لِمُجَاوِرَةِ الطَّاءِ، يَقْبِضُ الرِّزْقَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ فَيَجْهَلُونَ طُرُقَهُ الَّتِي هِيَ سُنَنُ اللهِ تَعَالَى فِيهِ، أَوْ يَضْعُفُونَ
فِي سُلُوكِهَا، وَيَبْسُطُهُ لِمَنْ يَشَاءُ بِمَا يَهْدِيهِمْ إِلَى تِلْكَ السُّنَنِ، وَيَفْتَحُ لَهُمُ الْأَبْوَابَ وَيُسَهِّلُ لَهُمُ الْأَسْبَابَ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُغْنِيَ فَقِيرًا وَيُفْقِرَ غَنِيًّا لَفَعَلَ، فَإِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لَهُ وَبِيَدِهِ الْقَبْضُ وَالْبَسْطُ، وَهُوَ وَاضِعُ السُّنَنِ الْهَادِي إِلَيْهَا، وَالْمُوَفِّقُ لِلسَّيْرِ عَلَيْهَا، فَلَيْسَ حَضُّهُ الْأَغْنِيَاءَ عَلَى مُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ وَالْإِنْفَاقِ فِي الْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ أَوِ الْخَاصَّةِ مِنْ حَاجَةٍ بِهِ أَوْ عَجْزٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، كَلَّا، بَلْ هِيَ هِدَايَتُهُ الْإِنْسَانَ إِلَى طَرِيقِ الشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ بِمَا يَحْفَظُهَا وَيُفْضِي إِلَى الْمَزِيدِ فِيهَا، حَتَّى يَبْلُغَ كَمَالَهُ الِاجْتِمَاعِيَّ الَّذِي أَعَدَّهُ لَهُ بِحِكْمَتِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: يَقْبِضُ بَعْضَ الْأَيْدِي عَنِ الْبَذْلِ، وَيَبْسُطُ بَعْضَهَا بِالْفَضْلِ، قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهُوَ لَا يَتَّفِقُ مَعَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْآيَةِ وَلَا يَظْهَرُ بَعْدَهُ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ; أَيْ: لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَى عَمَلٍ لَنَا فِيهِ كَسْبٌ وَاخْتِيَارٌ، لَا عَلَى مَا تُصَرِّفُهُ الْأَقْدَارُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ هَذَا التَّعْقِيبَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَذْلَ وَاجِبٌ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. أَقُولُ يُرِيدُ عِقَابَ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا عِقَابَ الدُّنْيَا فَهُوَ أَظْهَرُ; لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ لِأَرْبَابِ الْبَصَائِرِ الْبَاحِثِينَ فِي شُئُونِ الْأُمَمِ، إِذْ لَا يَبْحَثُونَ فِي حَالِ أُمَّةٍ عَزِيزَةٍ إِلَّا وَيَرَوْنَ بَذْلَ أَغْنِيَائِهَا الْمَالَ لِنَشْرِ الْعُلُومِ وَإِتْقَانِ الْأَعْمَالِ، وَتَعَاوُنِ أَفْرَادِهَا عَلَى مَصْلَحَتِهَا هِيَ أَسْبَابُ عِزَّتِهَا وَرِفْعَتِهَا، وَلَا يَبْحَثُونَ فِي حَالِ أُمَّةٍ ذَلِيلَةٍ مَقْهُورَةٍ إِلَّا وَيَرَوْنَ أَغْنِيَاءَهَا مُمْسِكِينَ وَأَفْرَادَهَا غَيْرَ مُتَعَاوِنِينَ، فَعَلِمْنَا بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ) إِلَخْ. بَيَانٌ لِطَرِيقِ الْمُضَاعَفَةِ وَدَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَتَذْكِيرٌ بِاللهِ وَبِتَدْبِيرِهِ لِخَلْقِهِ وَبِمَصِيرِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ; أَيْ: فَهُوَ يُضَاعِفُ لَهُمْ فِي الدَّارَيْنِ. وَقَدْ عَهِدْنَا فِي الْقُرْآنِ خَتْمَ آيَاتِ الْأَحْكَامِ بِمِثْلِ هَذَا، وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَبْلَغُ آيَاتِهِ.
стр. 773
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الرُّجُوعُ إِلَى اللهِ تَعَالَى رُجُوعَانِ: -
رُجُوعٌ فِي هَذَا الْعَالَمِ إِلَى سُنَّتِهِ الْحَكِيمَةِ وَنِظَامِ خَلِيقَتِهِ الثَّابِتِ كَكَوْنِ تَحْصِيلِ الْغَنِيِّ يَكُونُ بِكَذَا مِنْ عَمَلِ الْعَامِلِ وَكَذَا مِنْ تَوْفِيقِ اللهِ تَعَالَى وَتَسْخِيرِهِ، وَكَوْنِ الْفَقْرِ يَكُونُ بِكَذَا وَكَذَا مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَكَكَوْنِ الْبَذْلِ مِنْ فَضْلِ الْمَالِ يَأْتِي بِكَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَنَافِعِ الْخَاصَّةِ بِالْبَاذِلِ وَالْعَامَّةِ لِقَوْمِهِ الَّذِينَ يَعْتَزُّ بِعِزَّتِهِمْ وَيَسْعَدُ بِسَعَادَتِهِمْ، وَكَوْنِ تَرْكِ الْبَذْلِ يَأْتِي بِكَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَفَاسِدِ وَالْمَضَارِّ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَلَا يَسْتَقِلُّ الْإِنْسَانُ بِعَمَلٍ
مِنْ ذَلِكَ تَمَامَ الِاسْتِقْلَالِ بِحَيْثُ يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ الرُّجُوعِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالْحَاجَةِ إِلَى مَعُونَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَسْخِيرِ الْأَسْبَابِ لَهُ. أَقُولُ: وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ بَعْضَ أَعْمَالِهِ يَتِمُّ بِكَسْبِهِ وَسَعْيِهِ وَجِدِّهُ لَمَا كَانَ رَاجِعًا إِلَّا إِلَى اللهِ تَعَالَى فِيهِ; لِأَنَّهُ مَا عَمِلَ وَلَا وَصَلَ إِلَّا بِالسَّيْرِ عَلَى سُنَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ اللهِ تَعَالَى إِنْ قَدَّرَ أَنْ يُغَيِّرَ سُنَنَهُ وَنِظَامَ خَلْقِهِ وَيَنْفُذَ بِعَمَلِهِ مِنْ مُحِيطِ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ (إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (٥٥: ٣٣، ٣٤) .
قَالَ: وَأَمَّا الرُّجُوعُ الْآخِرُ فَهُوَ الرُّجُوعُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ حَيْثُ تَظْهَرُ نَتَائِجُ الْأَعْمَالِ وَآثَارُهَا (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (٨٣: ١٩) .
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) .
стр. 774
تَمْهِيدٌ فِي نِسْبَةِ قَصَصِ الْقُرْآنِ إِلَى التَّارِيخِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَبَيَانُ حَالِ الْأُمَمِ قَبْلَ الْقُرْآنِ وَبَعْدَهُ.
بَدَأَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ بِمُقَدَّمَةٍ فِي قِصَصِ الْقُرْآنِ جَعَلَهَا كَالتَّمْهِيدِ لِتَفْسِيرِهَا، فَقَالَ مَا مِثَالُهُ مَعَ إِيضَاحٍ: تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ (أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) (٢: ٢٤٣) الْآيَةَ. أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُعَيِّنْ أُولَئِكَ الْقَوْمَ وَلَا الزَّمَانَ وَلَا الْمَكَانَ اللَّذَيْنِ كَانُوا فِيهِمَا (يَعْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا قِصَّةٌ وَاقِعَةٌ لَا ضَرْبُ مَثَلٍ كَمَا قَالَ عَطَاءٌ) ثُمَّ ذَكَرَ هَاهُنَا قِصَّةً أُخْرَى عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَيَّنَ الْقَوْمَ وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ نَبِيٌّ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ وَلَا الزَّمَانَ وَلَا الْمَكَانَ اللَّذَيْنِ حَدَثَتْ فِيهِمَا الْقِصَّةُ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْمَ طَالُوتَ وَجَالُوتَ وَدَاوُدَ.
يَظُنُّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْآنَ - كَمَا ظَنَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ - أَنَّ الْقِصَصَ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ يَجِبُ أَنْ تَتَّفِقَ مَعَ مَا جَاءَ فِي كُتُبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ النَّصَارَى بِالْعَهْدِ الْعَتِيقِ أَوْ كُتُبِ التَّارِيخِ الْقَدِيمَةِ، وَلَيْسَ الْقُرْآنُ تَارِيخًا وَلَا قَصَصًا وَإِنَّمَا هُوَ هِدَايَةٌ وَمَوْعِظَةٌ، فَلَا يَذْكُرُ قِصَّةً لِبَيَانِ تَارِيخِ حُدُوثِهَا، وَلَا لِأَجْلِ التَّفَكُّهِ بِهَا أَوِ الْإِحَاطَةِ بِتَفْصِيلِهَا، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ مَا يَذْكُرُهُ لِأَجْلِ الْعِبْرَةِ كَمَا قَالَ: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (١٢: ١١١) وَبَيَانُ سُنَنِ الِاجْتِمَاعِ كَمَا قَالَ: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (٣: ١٣٧) وَقَالَ: (سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) (٤٠: ٨٥) وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَالْحَوَادِثُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنْهَا مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَاللهُ تَعَالَى يَذْكُرُ مِنْ هَذَا وَذَاكَ مَا شَاءَ أَنْ يَذْكُرَ لِأَجْلِ الْعِبْرَةِ وَالْمَوْعِظَةِ، فَيَكْتَفِي مِنَ الْقِصَّةِ بِمَوْضِعِ الْعِبْرَةِ وَمَحَلِّ الْفَائِدَةِ، وَلَا يَأْتِي بِهَا مُفَصَّلَةً بِجُزْئِيَّاتِهَا الَّتِي لَا تَزِيدُ فِي الْعِبْرَةِ بَلْ رُبَّمَا تُشْغَلُ عَنْهَا، فَلَا غَرْوَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الْقِصَصِ الَّتِي يَعِظُنَا اللهُ بِهَا وَيُعَلِّمُنَا سُنَنَهُ مَا لَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ; لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ وَلَمْ يُدَوَّنْ بِالْكِتَابِ. وَقَدِ اهْتَدَى بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ الرَّاقِينَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهَذَا، فَصَارَ أَهْلُ الْمَنْزِلَةِ الْعَالِيَةِ مِنْهُمْ يَذْكُرُونَ مِنْ وَقَائِعِ التَّارِيخِ مَا يَسْتَنْبِطُونَ مِنْهُ الْأَحْكَامَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ وَهُوَ الْأُمُورُ الْكُلِّيَّةُ، وَلَا يَحْفِلُونَ بِالْجُزْئِيَّاتِ لِمَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ الْخِلَافِ الَّذِي يَذْهَبُ بِالثِّقَةِ، وَلِمَا فِي قِرَاءَتِهَا مِنَ الْإِسْرَافِ فِي الزَّمَنِ وَالْإِضَاعَةِ لِلْعُمُرِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ تُوَازِيهِ، وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُمْكِنُ إِيدَاعُ مَا عُرِفَ مِنْ تَارِيخِ الْعَالَمِ فِي مُجَلَّدٍ وَاحِدٍ يُوثَقُ بِهِ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ، فَلَا يَكُونُ عُرْضَةً لِلتَّكْذِيبِ وَالطَّعْنِ، كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الْمُصَنَّفَاتِ الَّتِي تَسْتَقْصِي الْوَقَائِعَ الْجُزْئِيَّةَ مُفَصَّلَةً تَفْصِيلًا.
إِنَّ مُحَاوَلَةَ جَعْلِ قَصَصِ الْقُرْآنِ كَكُتُبِ التَّارِيخِ بِإِدْخَالِ مَا يَرْوُونَ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ
بَيَانٌ لَهَا هِيَ مُخَالَفَةٌ لِسُنَّتِهِ، وَصَرْفٌ لِلْقُلُوبِ عَنْ مَوْعِظَتِهِ، وَإِضَاعَةٌ لِمَقْصِدِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ نَفْهَمَ
стр. 775
مَا فِيهِ، وَنُعْمِلَ أَفْكَارَنَا فِي اسْتِخْرَاجِ الْعِبَرِ مِنْهُ، وَنَزْعِ نُفُوسِنَا عَمَّا ذَمَّهُ وَقَبَّحَهُ، وَنَحْمِلَهَا عَلَى التَّحَلِّي بِمَا اسْتَحْسَنَهُ وَمَدَحَهُ، وَإِذَا وَرَدَ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْمِلَلِ أَوِ الْمُؤَرِّخِينَ مَا يُخَالِفُ بَعْضَ هَذِهِ الْقِصَصِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَجْزِمَ بِأَنَّ مَا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَى نَبِيِّهِ وَنُقِلَ إِلَيْنَا بِالتَّوَاتُرِ الصَّحِيحِ هُوَ الْحَقُّ وَخَبَرُهُ هُوَ الصَّادِقُ، وَمَا خَالَفَهُ هُوَ الْبَاطِلُ، وَنَاقِلُهُ مُخْطِئٌ أَوْ كَاذِبٌ، فَلَا نَعُدُّهُ شُبْهَةً عَلَى الْقُرْآنِ، وَلَا نُكَلِّفُ أَنْفُسَنَا الْجَوَابَ عَنْهُ، فَإِنَّ حَالَ التَّارِيخِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ كَانَتْ مُشْتَبِهَةَ الْأَعْلَامِ حَالِكَةَ الظَّلَامِ، فَلَا رِوَايَةَ يُوثَقُ بِهَا لِلْمَعْرِفَةِ التَّامَّةِ بِسِيرَةِ رِجَالِ سَنَدِهَا، وَلَا تَوَاتُرَ يُعْتَدُّ بِهِ بِالْأَوْلَى، وَإِنَّمَا انْتَقَلَ الْعَالَمُ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ مَنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، فَكَانَ بِدَايَةَ تَارِيخٍ جَدِيدٍ لِلْبَشَرِ، كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ - لَوْ أَنْصَفُوا - أَنْ يُؤَرِّخُوا بِهِ أَجْمَعِينَ اهـ.
أَقُولُ: إِنَّ الَّذِي يَسْبِقُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ شُئُونِ الْأُمَمِ وَسِيَرِ الْعَالَمِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَنْطَمِسْ وَلَمْ تَذْهَبِ الثِّقَةُ بِهِ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ سَنَدُ رُوَاتِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالْإِجْمَالِ: أَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ جَاءَ الْبَشَرَ بِهِدَايَةٍ جَدِيدَةٍ كَامِلَةٍ، كَانُوا قَدِ اسْتَعَدُّوا لِلِاهْتِدَاءِ بِهَا بِالتَّدْرِيجِ الَّذِي هُوَ سُنَّةُ اللهِ تَعَالَى فِيهِمْ، فَكَانَ مِنْ عَمَلِ الْمُسْلِمِينَ فِي حِفْظِ الْعِلْمِ وَالتَّارِيخِ الْعِنَايَةُ التَّامَّةُ بِالرِّوَايَةِ مَا يُقْبَلُ مِنْهَا وَمَا لَا يُقْبَلُ; وَلِذَلِكَ أَلَّفُوا الْكُتُبَ فِي تَارِيخِ الرُّوَاةِ لِتُعْرَفَ سِيرَتُهُمْ، وَيَتَبَيَّنَ الصَّادِقُ وَالْكَاذِبُ مِنْهُمْ، وَتُعْرَفَ الرِّوَايَةُ الْمُتَّصِلَةُ وَالْمُنْقَطِعَةُ، وَبَحَثُوا فِي الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ مَتَى يُوثَقُ بِنِسْبَتِهَا إِلَى مُؤَلِّفِيهَا، وَبَيَّنُوا حَقِيقَةَ التَّوَاتُرِ الَّذِي يُفِيدُ الْيَقِينَ، وَالْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهِرُ مِنْ رِوَايَاتِ الْآحَادِ، فَبِهَذِهِ الْعِنَايَةِ لَمْ يَنْقَطِعْ سَنَدٌ لِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ الَّتِي وُجِدَتْ فِي الْمُسْلِمِينَ، عَلَى أَنَّ الْعِنَايَةَ بِعُلُومِ الدِّينِ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا كَانَتْ أَتَمَّ، ثُمَّ كَانَ شَأْنُ مَنْ قَفَّى عَلَى آثَارِهِمْ فِي الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ بَعْدَ ضَعْفِ حَضَارَتِهِمْ عَلَى نَحْوٍ مِنْ شَأْنِهِمْ فِي التَّصْنِيفِ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُمْ فِي ضَبْطِ الرِّوَايَةِ وَنَقْدِهَا وَالْأَمَانَةِ فِيهَا، فَلَمْ يَضِعْ شَيْءٌ مِنَ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَلَا مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْوَقَائِعِ الَّتِي جَرَتَ فِي الْعَالَمِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَمَا اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ وَالْمُصَنِّفُونَ فِي جُزْئِيَّاتِهِ مِنْ تَارِيخِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ يَسْهُلُ تَصْفِيَتُهُ فِي جُمْلَتِهِ، وَأَخْذُ الْمُصَفَّى مِنْهُ; لِأَجْلِ الِاعْتِبَارِ بِهِ، وَعِرْفَانِ سُنَنِ الِاجْتِمَاعِ مِنْهُ جَرْيًا عَلَى هَدْيِ الْقُرْآنِ فِيهِ.
لَقَدْ وَصَلَ الرَّاقُونَ فِي مَدَارِجِ الْعُمْرَانِ الْيَوْمَ إِلَى دَرَجَةٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ فِيهَا مِنْ ضَبْطِ جُزْئِيَّاتِ الْوَقَائِعِ مَا لَمْ يَكُنْ يَسْهُلُ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ، كَاسْتِخْدَامِ الْكَهْرَبَاءِ فِي نَقْلِ الْأَخْبَارِ لِمَنْ يُدَوِّنُهَا فِي الصُّحُفِ، وَتَصْوِيرِ الْوَقَائِعِ وَالْمَعَاهِدِ بِمَا يُسَمُّونَهُ التَّصْوِيرَ الشَّمْسِيَّ (فُوتُغْرَافِيَا) وَسُهُولَةِ الِانْتِقَالِ - عَلَى الْكَاتِبِينَ - مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَتَأْمِينِ الْحُكَّامِ لَهُمْ مِنَ الْمَخَاوِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ مِنْ هَذِهِ الْوَسَائِلِ فِي الْحَرْبِ الَّتِي كَانَتْ فِي هَذَيْنِ الْعَامَيْنِ بَيْنَ دَوْلَتَيِ الْيَابَانِ وَرُوسْيَا مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لِمُدَوِّنِي التَّارِيخِ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْحُرُوبِ وَلَا غَيْرِ الْحُرُوبِ مِنْ حَوَادِثِ الزَّمَانِ. قَدْ كَانَ لِأَشْهَرِ الْجَرَائِدِ الْغَرْبِيَّةِ مُكَاتِبُونَ فِي مَوَاقِعِ الْحَرْبِ يَتَبَارَوْنَ فِي السَّبْقِ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى جُزْئِيَّاتِ الْحَوَادِثِ
стр. 776
وَإِيصَالِهَا إِلَى جَرَائِدِهِمْ، كَمَا تَفْعَلُ شَرِكَاتُ الْبَرْقِيَّاتِ (التِّلِغْرَافَاتِ) فِي إِنْبَاءِ الْمُشْتَرِكِينَ فِيهَا، وَكُنَّا نَرَى وَسَائِلَ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْخِلَافِ وَالتَّنَاقُضِ مَا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْعِلْمُ بِالْحَقِيقَةِ، وَكَمْ مِنْ رِسَالَةٍ لِلشَّرِكَاتِ الْبَرْقِيَّةِ وَلِمُكَاتِبِي الْجَرَائِدِ كَانَتْ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا فَتَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ كَذِبُهَا.
فَهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الثِّقَةِ بِجُزْئِيَّاتِ الْوَقَائِعِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي عَصْرِنَا وَيُعْنَى الْمُؤَرِّخُونَ أَشَدَّ الْعِنَايَةِ بِضَبْطِهَا، إِلَّا مَا يَبْلُغُ رُوَاتُهُ الْمُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ الصَّحِيحِ وَقَلِيلٌ مَا هُوَ، فَمَا بَالُكَ بِمَا كَانَ فِي الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ؟
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ فِي قَصَصِ الَّذِينَ خَلَوْا هِيَ مُنْتَهَى الْحِكْمَةِ، وَمَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ الْأُمِّيِّ النَّاشِئِ فِي تِلْكَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُمِّيَّةِ أَنْ يَرْتَقِيَ إِلَيْهَا بِفِكْرِهِ وَقَدْ جَهِلَهَا الْحُكَمَاءُ فِي عَصْرِهِ وَقَبْلَ عَصْرِهِ، وَلَكِنَّهَا هِدَايَةُ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ أَوْحَاهَا إِلَى صَفْوَتِهِ مِنْهُمْ ﷺ (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ) (٧: ٤٣) فَعَلَيْنَا وَقَدْ ظَهَرَتِ الْآيَةُ وَوَضَحَتِ السَّبِيلُ أَلَّا نَلْتَفِتَ إِلَى رِوَايَاتِ الْغَابِرِينَ فِي تِلْكَ الْقِصَصِ، وَلَا نَعُدَّ مُخَالَفَتَهَا
لِلْقُرْآنِ شُبْهَةً نُبَالِي بِكَشْفِهَا كَمَا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رَوَّحَ اللهُ رُوحَهُ فِي مَقَامِ الرِّضْوَانِ.
(فَإِنْ قِيلَ) : إِنَّ قِصَصَ الْعَهْدَيْنِ الْعَتِيقِ وَالْجَدِيدِ الَّتِي يُسَمَّى مَجْمُوعُهَا (الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ) هِيَ وَحْيٌ مِنَ اللهِ شَهِدَ لَهَا الْقُرْآنُ وَهِيَ تُعَارِضُ بَعْضَ قِصَصِهِ.
(قُلْنَا) أَوَّلًا: إِنَّ تِلْكَ الْكُتُبَ لَيْسَ لَهَا أَسَانِيدُ مُتَّصِلَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ. ثَانِيًا: إِنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا أَثْبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَى مُوسَى ﵇ التَّوْرَاةَ وَهِيَ الشَّرِيعَةُ، وَأَنَّ أَتْبَاعَهُ قَدْ حَفِظُوا مِنْهَا نَصِيبًا وَنَسُوا نَصِيبًا، وَأَنَّهُمْ حَرَّفُوا النَّصِيبَ الَّذِي أُوتُوهُ، وَأَنَّهُ أَعْطَى عِيسَى ﵇ الْإِنْجِيلَ - وَهُوَ مَوَاعِظُ وَبِشَارَةٌ - وَقَالَ فِي أَتْبَاعِهِ مِثْلَ مَا قَالَ فِي الْيَهُودِ: (فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) (٥: ١٤) .
وَيَجِدُ الْقَارِئُ تَفْصِيلَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَالْمَائِدَةِ وَالْأَعْرَافِ بِالنُّقُولِ مِنْ تَارِيخِ الْفَرِيقَيْنِ.
بَعْدَ هَذَا نَقُولُ: إِنَّ وَجْهَ الِاتِّصَالِ بَيْنَ آيَاتِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَمَا قَبْلَهَا هُوَ أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا نَزَلَتْ فِي شَرْعِ الْقِتَالِ لِحِمَايَةِ الْحَقِيقَةِ وَإِعْلَاءِ شَأْنِ الْحَقِّ، وَبَذْلِ الْمَالِ فِي هَذِهِ السَّبِيلِ، سَبِيلِ اللهِ
стр. 777
لِعِزَّةِ الْأُمَمِ وَمَنَعَتِهَا وَحَيَاتِهَا الطَّيِّبَةِ الَّتِي يَقَعُ مَنْ يَنْحَرِفُ عَنْهَا مِنَ الْأَقْوَامِ فِي الْهَلَاكِ وَالْمَوْتِ، كَمَا عُلِمَ مِنْ قِصَّةِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فَارِّينَ مِنْ عَدُوِّهِمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ - قِصَّةُ قَوْمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - تُؤَيِّدُ مَا قَبْلَهَا مِنْ حَاجَةِ الْأُمَمِ إِلَى دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْهَا، فَهِيَ تُمَثِّلُ لَنَا حَالَ قَوْمٍ لَهُمْ نَبِيٌّ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، وَعِنْدَهُمْ شَرِيعَةٌ تَهْدِيهِمْ إِذَا اسْتَهْدَوْا، وَقَدْ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ بِالْقَهْرِ - كَمَا خَرَجَ أَصْحَابُ الْقِصَّةِ الْأَوْلَى بِالْجُبْنِ - فَعَلِمُوا أَنَّ الْقِتَالَ ضَرُورَةٌ لَا بُدَّ مِنِ ارْتِكَابِهَا مَا دَامَ الْعُدْوَانُ فِي الْبَشَرِ، وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ جَبُنُوا وَضَعُفُوا عَنِ الْقِتَالِ فَاسْتَحَقُّوا الْخِزْيَ وَالنَّكَالَ، فَهَذِهِ الْقِصَّةُ الْمُفَصِّلَةُ فِيهَا بَيَانٌ لِمَا فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ الْمُجْمَلَةِ: فَرَّ أُولَئِكَ مِنْ دِيَارِهِمْ فَمَاتُوا بِذَهَابِ اسْتِقْلَالِهِمْ وَاسْتِيلَاءِ الْعَدُوِّ عَلَى دِيَارِهِمْ.
فَالْآيَةُ هُنَاكَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مَوْتَهُمْ هَذَا سَبَبٌ عَنْ خُرُوجِهِمْ فَارِّينَ بِجُبْنِهِمْ، وَلَمْ تُصَرِّحْ بِسَبَبِ إِحْيَائِهِمُ الَّذِي تَرَاخَتْ مُدَّتُهُ، وَلَكِنْ مَا جَاءَ بَعْدَهَا مِنَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ وَبَذْلِ الْمَالِ الَّذِي يُضَاعِفُهُ اللهُ تَعَالَى أَضْعَافًا كَثِيرَةً قَدْ هَدَانَا إِلَى سُنَّتِهِ فِي حَيَاةِ الْأُمَمِ.
وَجَاءَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ تُمَثِّلُ الْعِبْرَةَ فِيهِ، وَتُفَصِّلُ كَيْفِيَّةَ احْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَيْهِ; إِذْ بَيَّنَتْ أَنَّ هَؤُلَاءِ النَّاسَ احْتَاجُوا إِلَى مُدَافَعَةِ الْعَادِينَ عَلَيْهِمْ وَاسْتِرْجَاعِ دِيَارِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ مِنْ
أَيْدِيهِمْ، وَاشْتَدَّ الشُّعُورُ بِالْحَاجَةِ حَتَّى طَلَبُوا مِنْ نَبِيِّهِمُ الزَّعِيمِ الَّذِي يَقُودُهُمْ فِي مَيْدَانِ الْجِلَادِ، وَقَامُوا بِمَا قَامُوا بِهِ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ، وَلَكِنَّ الضَّعْفَ كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنْ نُفُوسِهِمْ مَبْلَغًا لَمْ تَنْفَعْ مَعَهُ تِلْكَ الْعُدَّةُ، فَتَوَلَّوْا وَأَعْرَضُوا لِلْأَسْبَابِ الَّتِي أُشِيرُ إِلَيْهَا، وَأُلْهِمُ الْقَلِيلُ مِنْهُمْ رُشْدَهُمْ وَاعْتَبَرُوا فَانْتَصَرُوا.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ فِي تَفْسِيرِ الْقِصَّةِ السَّابِقَةِ لِهَذِهِ، وَالْمَلَأُ: الْقَوْمُ يَجْتَمِعُونَ لِلتَّشَاوُرِ، لَا وَاحِدَ لَهُ، قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: الْمَلَأُ الْأَشْرَافُ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ اسْمٌ لِلْجَمَاعَةِ، كَالْقَوْمِ وَالرَّهْطِ وَالْجَيْشِ، وَجَمْعُهُ أَمْلَاءٌ، سُمُّوا مَلَأً لِأَنَّهُمْ يَمْلَئُونَ الْعُيُونَ رِوَاءَ الْقُلُوبِ هَيْبَةً (إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ) وَهَذَا النَّبِيُّ لَمْ يُسَمِّهِ الْقُرْآنُ، وَقَالَ (الْجَلَالُ) : هُوَ شَمْوِيلُ، وَهَذَا أَقْوَى أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ مُعَرَّبُ صَمْوِيلَ، أَوْ صَمْوَئِيل، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُوشَعُ، وَهَذَا مِنَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ; فَإِنْ يُوشَعَ هُوَ فَتَى مُوسَى، وَالْقِصَّةُ حَدَثَتْ فِي زَمَنِ دَاوُدَ وَالزَّمَنُ بَيْنَهُمَا بَعِيدٌ، وَبَعْثُ الْمَلِكِ عِبَارَةٌ عَنْ إِقَامَتِهِ وَتَوْلِيَتِهِ عَلَيْهِمْ (قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا) قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ (عَسِيتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ لُغَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ، وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَهِيَ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَالْمَعْنَى هَلْ قَارَبْتُمْ أَنْ تُحْجِمُوا عَنِ الْقِتَالِ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ كَمَا أَتَوَقَّعُ - أَوْ أَتَوَقَّعُ مِنْكُمُ الْجُبْنَ عَنِ الْقِتَالِ إِنْ هُوَ كُتِبَ عَلَيْكُمْ؟ فَعَسَى لِلْمُقَارَبَةِ أَوْ لِلتَّوَقُّعِ (قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا)
стр. 778
أَيْ: أَيُّ دَاعٍ لَنَا يَدْعُونَا إِلَى أَلَّا نُقَاتِلَ وَقَدْ وُجِدَ سَبَبُ الْقِتَالِ، وَهُوَ إِخْرَاجُنَا مِنْ دِيَارِنَا بِإِجْلَاءِ الْعَدُوِّ إِيَّانَا عَنْهَا، وَإِفْرَادِنَا عَنْ أَوْلَادِنَا بِسَبْيِهِ إِيَّاهُمْ وَاسْتِعْبَادِهِ لَهُمْ؟ (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) ذَلِكَ أَنَّ الْأُمَمَ إِذَا قَهَرَهَا الْعَدُوُّ وَنَكَّلَ بِهَا يَفْسُدُ بَأْسُهَا، وَيَغْلِبُ عَلَيْهَاالْجُبْنُ وَالْمَهَانَةُ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى إِحْيَاءَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا يَنْفُخُ رُوحَ الشَّجَاعَةِ وَالْإِقْدَامِ فِي خِيَارِهَا - وَهُمُ الْأَقَلُّونَ - فَيَعْمَلُونَ مَا لَا يَعْمَلُ الْأَكْثَرُونَ، كَمَا عَلِمْتَ مِنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) وَمَا هُوَ مِنْكَ بِبَعِيدٍ، وَلَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ قَدِ اسْتَعَدَّ مِنْهُمْ لِلْحَيَاةِ إِلَّا الْقَلِيلُ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَفِي الْآيَةِ
مِنَ الْفَوَائِدِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ أَنَّ الْأُمَمَ الَّتِي تَفْسُدُ أَخْلَاقُهَا وَتَضْعُفُ، قَدْ تُفَكِّرُ فِي الْمُدَافَعَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا وَتَعْزِمُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا إِذَا تَوَفَّرَتْ شَرَائِطُهَا الَّتِي يَتَخَيَّلُونَهَا عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَإِذَا مَا خَلَا الْجَبَانُ بِأَرْضٍ ... طَلَبَ الطَّعْنَ وَحْدَهُ وَالنِّزَّالَا
ثُمَّ إِذَا تَوَفَّرَتِ الشُّرُوطُ يَضْعُفُونَ وَيَجْبُنُونَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا غَيْرُ كَافِيَةٍ لِيَعْذُرُوا أَنْفُسَهُمْ وَمَا هُمْ بِمَعْذُورِينَ (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) الَّذِينَ يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأُمَّتَهُمْ بِتَرْكِ الْجِهَادِ دِفَاعًا عَنْهَا وَحِفْظًا لِحَقِّهَا، فَهُوَ يَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ فَيَكُونُونَ فِي الدُّنْيَا أَذِلَّاءَ مُسْتَضْعَفِينَ، وَفِي الْآخِرَةِ أَشْقِيَاءَ مُعَذَّبِينَ.
أَقُولُ: وَفِي تَارِيخِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا يُفِيدُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا فِي الزَّمَنِ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ صَمْوَئِيل نَبِيًّا مُلْهَمًا قَدِ انْحَرَفُوا عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى وَنَسُوهَا، فَعَبَدُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى، فَضَعُفَتْ رَابِطَتُهُمُ الْمِلِّيَّةُ، وَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْفِلَسْطِينِيِّينَ فَحَارَبُوهُمْ حَتَّى أَثْخَنُوهُمْ فَانْكَسَرُوا، وَسَقَطَ مِنْهُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَأَخَذُوا تَابُوتَ عَهْدِ الرَّبِّ مِنْهُمْ، وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَسْتَفْتِحُونَ - أَيْ: يَسْتَنْصِرُونَ وَيَطْلُبُونَ الْفَتْحَ - بِهِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، فَلَمَّا أَخَذَهُ أَهْلُ فِلَسْطِينَ انْكَسَرَتْ قُلُوبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَنْهَضْ هِمَّتُهُمْ لِاسْتِرْدَادِهِ، وَكَانُوا إِلَى ذَلِكَ الْعَهْدِ لَا مُلُوكَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ رُؤَسَاؤُهُمُ الْقُضَاةَ بِالشَّرِيعَةِ، وَمِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَمِنْهُمْ صَمْوَئِيل كَانَ قَاضِيًا، فَلَمَّا شَاخَ جَعَلَ بَنِيهِ قُضَاةً وَكَانَ وَلَدُهُ الْبِكْرُ وَوَلَدُهُ الثَّانِي مِنْ قُضَاةِ الْجَوْرِ وَأَكَلَةِ الرِّشْوَةِ، فَاجْتَمَعَ كُلُّ شُيُوخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ - وَهُمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُمْ فِي الْقُرْآنِ بِالْمَلَأِ - وَطَلَبُوا مِنْ صَمْوَئِيلَ أَنْ يَخْتَارَ لَهُمْ مَلِكًا يَحْكُمُ فِيهِمْ كَسَائِرِ الشُّعُوبِ، فَحَذَّرَهُمْ وَأَنْذَرَهُمْ ظُلْمَ الْمُلُوكِ وَاسْتِعْبَادَهُمْ لِلْأُمَمِ، فَأَلَحُّوا فَأَلْهَمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَخْتَارَ لَهُمْ طَالُوتَ مَلِكًا، وَاسْمُهُ عِنْدَهُمْ شَاوِلُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ)
стр. 779
الظَّاهِرُ أَنَّ طَالُوتَ تَعْرِيبٌ لِشَاوِلَ - وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ فِي اللَّفْظِ - وَقِيلَ: إِنَّهُ لَقَبٌ لَهُ مِنَ الطُّولِ، كَمَلَكُوتٍ مِنَ الْمُلْكِ وَأَمْثَالِهَا; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ طَوِيلًا مُشَذَّبًا، فَفِي سِفْرِ صَمْوَئِيلَ الْأَوَّلِ مِنَ الْعَهْدِ الْعَتِيقِ ((مِنْ كَتِفِهِ فَمَا فَوْقُ كَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ الشَّعْبِ)) وَفِيهِ ((فَوَقَفَ بَيْنَ
الشَّعْبِ فَكَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ الشَّعْبِ مِنْ كَتِفِهِ فَمَا فَوْقُ)) - وَاعْتَرَضَ بِمَنْعِ صَرْفِهِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عِنْدَ ذِكْرِ طَالُوتَ: هُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ ((شَاوِلَ)) وَقَدْ سَمَّاهُ اللهُ طَالُوتَ فَهُوَ طَالُوتُ، أَيْ أَنَّنَا لَا نَعْبَأُ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ لِمَا قَدَّمْنَا، وَإِذَا عَلِمَ الْقَارِئُ أَنَّ الْقَوْمَ لَا يَعْرِفُونَ كَاتِبَ سِفْرَيْ صَمْوَئِيلَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَنْ هُوَ، وَلَا فِي أَيِّ زَمَنٍ كُتِبَا، فَإِنَّهُ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَلَّا يُعْتَدَّ بِتَسْمِيَتِهِمْ، وَأَمَّا اسْتِنْكَارُهُمْ جَعْلَهُ مَلِكًا فَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ وَقَالُوا: إِنَّ مِنْهُمْ مَنِ احْتَقَرَهُ، وَلَكِنَّ أَخْبَارَهُمْ لَا تَتَّصِلُ بِأَسْبَابِهَا، وَلَا تُقْرَنُ بِعِلَلِهَا. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي اسْتِنْكَارِهِمْ لِمُلْكِهِ وَزَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ: إِنَّهُ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ بِنْيَامِينَ لَا مِنْ بَيْتِ يَهُوذَا، وَهُوَ بَيْتُ الْمُلْكِ، وَلَا مِنْ بَيْتِ لَاوِي، وَهُوَ بَيْتُ النُّبُوَّةِ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، وَقَالُوا: كَانَ رَاعِيًا أَوْ دَبَّاغًا أَوْ سَقَّاءً، وَلَا يَصِحُّ كَلَامُهُمْ فِي بَيْتِ الْمُلْكِ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُلُوكٌ قَبْلَهُ، وَنَفْيُهُمْ سَعَةَ الْمَالِ الَّتِي تُؤَهِّلُهُ لِلْمُلْكِ فِي رَأْيِ الْقَائِلِينَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، وَإِنَّمَا الْعَبْرَةُ فِي الْعِبَارَةِ هِيَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ طِبَاعِ النَّاسِ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْمَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْمُلْكِ، أَوْ ذَا نَسَبٍ عَظِيمٍ يَسْهُلُ عَلَى شُرَفَاءِ النَّاسِ وَعُظَمَائِهِمُ الْخُضُوعُ لَهُ، وَذَا مَالٍ عَظِيمٍ يُدَبِّرُ بِهِ الْمُلْكَ، وَالسَّبَبُ فِي هَذَا أَنَّهُمْ قَدِ اعْتَادُوا الْخُضُوعَ لِلشُّرَفَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَازُوا عَلَيْهِمْ بِمَعَارِفِهِمْ وَصِفَاتِهِمُ الذَّاتِيَّةِ، فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ عَنْ نَبِيِّهِ فِي أُولَئِكَ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمُلْكِ يَكُونُ بِالنَّسَبِ وَسَعَةِ الْمَالِ بِقَوْلِهِ:
(قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) فَسَّرُوا اصْطِفَاءَ اللهِ تَعَالَى هُنَا بِوَحْيهِ لِذَلِكَ النَّبِيِّ أَنْ يَجْعَلَ طَالُوتَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، وَلَعَلَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ لَقَالَ: اصْطَفَاهُ لَكُمْ كَمَا قَالَ: (اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ) (٢: ١٣٢) وَالْمُتَبَادَرُ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ فَضَّلَهُ وَاخْتَارَهُ عَلَيْكُمْ بِمَا أَوْدَعَ فِيهِ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ الْفِطْرِيِّ لِلْمُلْكِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا كَوْنَ اخْتِيَارِهِ كَانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ هِيَ بَيَانٌ لِأَسْبَابِ الِاخْتِيَارِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: (١) الِاسْتِعْدَادُ الْفِطْرِيُّ (٢) السَّعَةُ فِي الْعِلْمِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّدْبِيرُ (٣) بَسْطَةُ الْجِسْمِ
стр. 780
الْمُعَبَّرُ بِهَا عَنْ صِحَّتِهِ وَكَمَالِ قُوَاهُ الْمُسْتَلْزِمِ ذَلِكَ لِصِحَّةِ الْفِكْرِ عَلَى قَاعِدَةِ ((الْعَقْلُ السَّلِيمُ فِي الْجِسْمِ السَّلِيمِ)) وَلِلشَّجَاعَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمُدَافَعَةِ وَلِلْهَيْبَةِ وَالْوَقَارِ
(٤) تَوْفِيقُ اللهِ تَعَالَى الْأَسْبَابَ لَهُ وَهُوَ مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَالِاسْتِعْدَادُ هُوَ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي الْمَرْتَبَةِ فَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ، وَالْعِلْمُ بِحَالِ الْأُمَّةِ وَمَوَاضِعِ قُوَّتِهَا وَضَعْفِهَا وَجَوْدَةِ الْفِكْرِ فِي تَدْبِيرِ شُئُونِهَا، هُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي فِي الْمَرْتَبَةِ، فَكَمْ مِنْ عَالِمٍ بِحَالِ زَمَانِهِ غَيْرُ مُسْتَعِدٍّ لِلسُّلْطَةِ اتَّخَذَهُ مَنْ هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهَا سِرَاجًا يَسْتَضِيءُ بِرَأْيهِ فِي تَأْسِيسِ مَمْلَكَةٍ أَوْ سِيَاسَتِهَا، وَلَمْ يَنْهَضْ بِهِ رَأْيُهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّيِّدُ الزَّعِيمُ فِيهَا، وَكَمَالُ الْجِسْمِ فِي قُوَاهُ وَرِوَائِهِ هُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَهُوَ فِي النَّاسِ أَكْثَرُ مِنْ سَابِقِيهِ.
وَأَمَّا الْمَالُ فَلَيْسَ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ تَأْسِيسِ الْمُلْكِ; لِأَنَّ الْمَزَايَا الثَّلَاثَ إِذَا وُجِدَتْ سَهُلَ عَلَى صَاحِبِهَا الْإِتْيَانُ بِالْمَالِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ فِي النَّاسِ مَنْ أَسَّسَ دَوْلَةً وَهُوَ فَقِيرٌ أُمِّيٌّ، وَلَكِنَّ اسْتِعْدَادَهُ وَمَعْرِفَتَهُ بِحَالِ الْأُمَّةِ الَّتِي سَادَهَا، وَشَجَاعَتَهُ كَانَتْ كَافِيَةً لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا وَالِاسْتِعَانَةِ بِأَهْلِ الْعِلْمِ بِالْإِدَارَةِ وَالشُّجْعَانِ عَلَى تَمْكِينِ سُلْطَتِهِ فِيهَا، وَقَدْ قَدَّمَ الْأَرْكَانَ الثَّلَاثَةَ عَلَى الرَّابِعِ; لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِمَوَاهِبِ الرَّجُلِ الَّذِي اخْتِيرَ مَلِكًا فَأَنْكَرَ الْقَوْمُ اخْتِيَارَهُ فَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْجَوَابِ، وَأَمَّا تَوْفِيقُ اللهِ تَعَالَى بِتَسْخِيرِ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا عَمَلَ لَهُ فِيهَا لِسَعْيهِ فَلَيْسَ مِنْ مَوَاهِبِهِ وَمَزَايَاهُ فَتَقَدَّمَ فِي أَسْبَابِ اخْتِيَارِهِ، وَإِنَّمَا تُذْكَرُ تَتِمَّةً لِلْفَائِدَةِ وَبَيَانًا لِلْحَقِيقَةِ; وَلِذَلِكَ ذُكِرَتْ قَاعِدَةً عَامَّةً لَا وَصْفًا لَهُ.
وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّاعِرِ الْعَرَبِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي صِفَاتِ الْجَدِيرِ بِالِاخْتِيَارِ لِزَعَامَةِ الْأُمَّةِ وَقِيَادَتِهَا:
فَقَلِّدُوا أَمْرَكُمْ لِلَّهِ دَرُّكُمُو رَحْبَ ... الذِّرَاعِ بِأَمْرِ الْحَرْبِ مُضْطَلِعَا
لَا مُتْرَفًا إِنْ رَخَاءُ الْعَيْشِ سَاعَدَهُ ... وَلَا إِذَا عُضَّ مَكْرُوهٌ بِهِ خَشَعَا
(وَمِنْهَا) وَلَيْسَ يَشْغَلُهُ مَالٌ يُثَمِّرُهُ عَنْكُمْ، وَلَا وَلَدٌ يَبْغِي لَهُ الرَّفْعَا
وَأَقُولُ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَى إِسْنَادِ الشَّيْءِ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى هُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَفْعَلُهُ بِلَا سَبَبٍ وَلَا جَرَيَانٍ عَلَى سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِهِ فِي نِظَامِ خَلْقِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) (١٣: ٨) أَيْ: بِنِظَامٍ وَتَقْدِيرٍ مُوَافِقٍ لِلْحِكْمَةِ لَيْسَ فِيهِ جُزَافٌ وَلَا خَلَلٌ، فَإِيتَاؤُهُ الْمُلْكَ لِمَنْ يَشَاءُ بِمُقْتَضَى سُنَّتِهِ إِنَّمَا يَكُونُ بِجَعْلِهِ مُسْتَعِدًّا لِلْمُلْكِ فِي نَفْسِهِ، وَبِتَوْفِيقِ الْأَسْبَابِ لِسَعْيهِ فِي ذَلِكَ; أَيْ: هُوَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي نَفْسِ
стр. 781
الْمَلِكِ، وَالْآخَرُ فِي حَالِ الْأُمَّةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا، وَفِي الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ ((كَمَا تَكُونُونَ يُوَلَّى عَلَيْكُمْ)) قَالَ فِي الدُّرَرِ الْمُنْتَثِرَةِ
رَوَاهُ ابْنُ جُمَيْعٍ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، والْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا ثُمَّ قَالَ: هَذَا مُنْقَطِعٌ. وَفِي كَنْزِ الْعُمَّالِ أَخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ والْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ مُرْسَلًا.
نَعَمْ إِذَا أَرَادَ اللهُ إِسْعَادَ أُمَّةٍ جَعَلَ مَلِكَهَا مُقَوِّيًا لِمَا فِيهَا مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْخَيْرِ، حَتَّى يَغْلِبَ خَيْرُهَا عَلَى شَرِّهَا، فَتَكُونُ سَعِيدَةً، وَإِذَا أَرَادَ إِهْلَاكَ أُمَّةٍ جَعَلَ مَلِكَهَا مُقَوِّيًا لِدَوَاعِي الشَّرِّ فِيهَا حَتَّى يَتَغَلَّبَ شَرُّهًا عَلَى خَيْرِهَا، فَتَكُونُ شَقِيَّةً ذَلِيلَةً، فَتَعْدُوا عَلَيْهَا أُمَّةٌ قَوِيَّةٌ، فَلَا تَزَالُ تَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا، وَتَفْتَاتُ عَلَيْهَا فِي أُمُورِهَا، أَوْ تُنَاجِزُهَا الْحَرْبَ حَتَّى تُزِيلَ سُلْطَانَهَا مِنَ الْأَرْضِ، يُرِيدُ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ فَيَكُونُ بِمُقْتَضَى سُنَنِهِ فِي نِظَامِ الِاجْتِمَاعِ، فَهُوَ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشَاءُ. بِعَدْلٍ وَحِكْمَةٍ، لَا بِظُلْمٍ وَلَا عَبَثٍ; وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (٢١: ١٠٥) وَقَالَ: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (٧: ١٢٨) فَالْمُتَّقُونَ فِي هَذَا الْمَقَامِ - مَقَامِ اسْتِعْمَارِ الْأَرْضِ وَالسِّيَادَةِ فِي الْمَمَالِكِ - هُمُ الَّذِينَ يَتَّقُونَ أَسْبَابَ خَرَابِ الْبِلَادِ وَضَعْفِ الْأُمَمِ، وَهِيَ الظُّلْمُ فِي الْحُكَّامِ، وَالْجَهْلُ وَفَسَادُ الْأَخْلَاقِ فِي الدَّوْلَةِ وَالْأُمَّةِ، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالتَّنَازُعِ وَالتَّخَاذُلِ، وَالصَّالِحُونَ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُمُ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِاسْتِعْمَارِ الْأَرْضِ وَسِيَاسَةِ الْأُمَمِ بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِهَا الِاجْتِمَاعِيِّ.
أَطَلْتُ فِي بَيَانِ مَعْنَى مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى فِي إِتْيَانِ الْمُلْكِ ; لِأَنَّنِي أَرَى عَامَّةَ الْمُسْلِمِينَ يَفْهَمُونَ مِنْ مِثْلِ عِبَارَةِ الْآيَةِ فِي إِيجَازِهَا أَنَّ الْمُلْكَ يَكُونُ لِلْمُلُوكِ بِقُوَّةٍ إِلَهِيَّةٍ هِيَ وَرَاءَ الْأَسْبَابِ وَالسُّنَنِ الَّتِي يَجْرِي عَلَيْهَا الْبَشَرُ فِي أَعْمَالِهِمُ الْكَسْبِيَّةِ، وَهَذَا الِاعْتِقَادُ قَدِيمٌ فِي الْأُمَمِ الْوَثَنِيَّةِ، وَفِي مَعْنَاهُ عِبَارَةٌ فِي كُتُبِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَبِهِ اسْتَعْبَدَ الْمُلُوكُ النَّاسَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ سُلْطَتَهُمْ شُعْبَةٌ مِنَ السُّلْطَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَأَنَّ مُحَاوَلَةَ مُقَاوَمَتِهِمْ هِيَ كَمُحَاوَلَةِ مُقَاوَمَةِ الْبَارِي وَالْخُرُوجِ عَنْ مَشِيئَتِهِ.
وَكَانَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ أَوْجَزَ فِي الدَّرْسِ بِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) إِذْ جَاءَ فِي آخِرِهِ، وَقَدْ كَتَبْتُ فِي مُذَكِّرَتِي عَنْهُ ((أَيْ: أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي تَهْيِئَةِ مَنْ يَشَاءُ لِلْمُلْكِ)) وَمِثْلُ هَذَا الْإِجْمَالِ لَا يَعْقِلُهُ إِلَّا مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ
فِي إِرْثِ الْأَرْضِ وَفِي هَلَاكِ الْأُمَمِ وَتَكَوُّنِهَا، وَالْآيَاتُ الْوَارِدَةُ فِي أَنَّ لَهُ تَعَالى فِي الْبَشَرِ سُنَنًا لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَحَوَّلُ وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (١٣: ١١) فَحَالَةُ الْأُمَمِ فِي صِفَاتِ أَنْفُسِهَا - وَهِيَ عَقَائِدُهَا وَمَعَارِفُهَا وَأَخْلَاقُهَا وَعَادَاتُهَا - هِيَ الْأَصْلُ
стр. 782
فِي تَغَيُّرِ مَا بِهَا مِنْ سِيَادَةٍ أَوْ عُبُودِيَّةٍ وَثَرْوَةٍ أَوْ فَقْرٍ، وَقُوَّةٍ أَوْ ضَعْفٍ، وَهِيَ هِيَ الَّتِي تُمَكِّنُ الظَّالِمَ مِنْ إِهْلَاكِهَا. وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْبَيَانِ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَنَا الِاعْتِذَارُ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَنِ التَّقْصِيرِ فِي إِصْلَاحِ شُئُونِنَا اتِّكَالًا عَلَى مُلُوكِنَا ; فَإِنَّ مَشِيئَتَهُ تَعَالَى لَا تَتَعَلَّقُ بِإِبْطَالِ سُنَّتِهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ فِي نِظَامِ خَلْقِهِ، وَلَا دَلِيلَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا فِي الْعَقْلِ وَلَا فِي الْوُجُودِ عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُلُوكِ فِي الْأُمَمِ هُوَ بِقُوَّةٍ إِلَهِيَّةٍ خَارِقَةٍ لِلْعَادَةِ، بَلْ شَرِيعَةُ اللهِ تَعَالَى وَخَلِيقَتُهُ شَاهِدَتَانِ بِضِدِّ ذَلِكَ (فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ) (٥٩: ٢) .
ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) عَلَى طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الدَّلِيلِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَالتَّذْكِيرِ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَآثَارِهَا; أَيْ: وَاسْعُ التَّصَرُّفِ وَالْقُدْرَةِ، إِذَا شَاءَ أَمْرًا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ فِي نِظَامِ الْخَلِيقَةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ لَا مَحَالَةَ، عَلِيمٌ بِوُجُوهِ الْحِكْمَةِ فَلَا يَضَعُ سُنَنَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُلْكِ عَبَثًا، وَلَا يَتْرُكُ أَمْرَ الْعِبَادِ فِي اجْتِمَاعِهِمْ سُدًى، بَلْ وَضَعَ لَهُمْ مِنَ السُّنَنِ الْحَكِيمَةِ مَا هُوَ مُنْتَهَى الْإِبْدَاعِ وَالْإِتْقَانِ، وَلَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ مِمَّا كَانَ.
هَذَا وَقَدْ جَرَى الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ وُجُوهَ الرَّدِّ عَلَى مُنْكِرِي جَعْلِ طَالُوتَ مَلِكًا أَرْبَعَةٌ، وَأَحْسَنُ عِبَارَةٍ لَهُمْ عَلَى اخْتِصَارِهَا عِبَارَةُ الْبَيْضَاوِيِّ قَالَ: لَمَّا اسْتَبْعَدُوا تَمَلُّكَهُ لِفَقْرِهِ وَسُقُوطِ نَسَبِهِ رُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ:
(أَوَّلًا) بِأَنَّ الْعُمْدَةَ فِيهِ اصْطِفَاءُ اللهِ تَعَالَى، وَقَدِ اخْتَارَهُ عَلَيْكُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمَصَالِحِ مِنْكُمْ.
(ثَانِيًا) بِأَنَّ الشُّرُوطَ فِيهِ؛ وُفُورُ الْعِلْمِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ السِّيَاسِيَّةِ، وَجَسَامَةِ الْبَدَنِ لِيَكُونَ أَعْظَمَ خَطَرًا فِي الْقُلُوبِ، وَأَقْوَى عَلَى مُقَاوَمَةِ الْعَدُوِّ وَمُكَابَدَةِ الْحُرُوبِ لَا مَا ذَكَرْتُمْ، وَقَدْ زَادَهُ اللهُ فِيهَا، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ الْقَائِمُ يَمُدُّ يَدَهُ فَيَنَالُ رَأْسَهُ.
(ثَالِثًا) بِأَنَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْمُلْكِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ مَنْ يَشَاءُ.
(رَابِعًا) بِأَنَّهُ (وَاسِعٌ) الْفَضْلَ يُوَسِّعُ الْفَضْلَ عَلَى الْفَقِيرِ وَيُغْنِيهِ (عَلِيمٌ) بِمَنْ يَلِيقُ بِالْمُلْكِ وَغَيْرِهِ اهـ. فَجَعَلُوا الْأَوَّلَ بِمَعْنَى الثَّالِثِ
وَجَعَلُوا مَزِيَّةَ الْعَقْلِ وَمَزِيَّةَ الْبَدَنِ شَيْئًا وَاحِدًا وَهُمَا شَيْئَانِ، وَأَجْمَلُوا الْقَوْلَ فِي الْمَشِيئَةِ حَتَّى إِنَّ الْمُتَوَهِّمَ لَيَتَوَهَّمُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِعِنَايَةٍ غَيْبِيَّةٍ لَا بِسُنَّةٍ إِلَهِيَّةٍ، وَجَعَلُوا كَوْنَهُ تَعَالَى وَاسِعًا عَلِيمًا وَجْهًا خَاصًّا. وَلَا أَحْفَظُ عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي الْأَوَّلِ شَيْئًا، وَرَأْيُهُ فِي مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى هُنَا مَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَقَدْ فَسَّرَ ((الْوَاسِعَ)) بِوَاسِعِ التَّصَرُّفِ وَالْقُدْرَةِ، وَهُوَ يَتَّفِقُ مَعَ قَوْلِهِمْ وَاسْعُ الْفَضْلِ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ (عَلِيمٌ) عَلِيمٌ بِوُجُوهِ الِاخْتِيَارِ وَمَنْ يَسْتَحِقُّ الْمُلْكَ.
стр. 783
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلَمَا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمَيْنِ تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِمَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمْ مِنِ اسْتِحْقَاقِ طَالُوتَ الْمُلْكَ بِمَا اخْتَارَهُ اللهُ وَأَعَدَّهُ لَهُ بِاصْطِفَائِهِ، وَإِيتَائِهِ مِنْ سَعَةِ الْعِلْمِ وَبَسْطَةِ الْجِسْمِ مَا يُمَكِّنُهُ مِنَ الْقِيَامِ بِأَعْبَائِهِ، حَتَّى جَعَلَ لِذَلِكَ آيَةً تَدُلُّهُمْ عَلَى الْعِنَايَةِ بِهِ، وَهِيَ عَوْدُ التَّابُوتِ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا التَّابُوتُ الْمُعَرَّفُ: صُنْدُوقٌ لَهُ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْيَهُودِ، فَفِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ مَا نَصُّهُ:
стр. 784
((وَكَلَّمَّ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَأْخُذُوا لِي تَقْدِمَةً مِنْ كُلِّ مَنْ بَحَثَهُ قَلْبُهُ تَأْخُذُونَ تَقْدِمَتِي، وَهَذِهِ هِيَ التَّقْدِمَةُ الَّتِي تَأْخُذُونَهَا مِنْهُمْ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَنُحَاسٌ وَأَسْمَانْجُونِي وَأُرْجُونَ وَقِرْمِزٌ وَبُوصٍ وَشَعْرِ مِعْزَى وَجُلُودِ كِبَاشٍ مُحَمَّرَةٍ وَجُلُودِ تَخْسٍ وَخَشَبِ سَنْطٍ وَزَيْتٍ لِلْمَنَارَةِ وَأَطْيَابٍ لِدَهْنِ الْمَسْحَةِ، وَلِلْبَخُورِ الْعِطْرُ، وَحِجَارَةِ جِزْعٍ وَحِجَارَةِ تَرْصِيعٍ لِلرِّدَاءِ وَالصُّدْرَةِ، فَيَصْنَعُونَ لِي مُقَدَّسًا لِأَسْكُنَ فِي وَسَطِهِمْ بِحَسَبِ جَمِيعِ مَا أَنَا أُرِيكَ مِنْ مِثَالِ الْمَسْكَنِ وَمِثَالِ جَمِيعِ آنِيَتِهِ، هَكَذَا تَصْنَعُونَ فَيَصْنَعُونَ تَابُوتًا مِنْ خَشَبِ السَّنْطِ طُولُهُ ذِرَاعَانِ وَنِصْفٌ، وَعَرْضُهُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ، وَارْتِفَاعُهُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ. وَتُغَشِّيهِ بِذَهَبٍ نَقِيٍّ، مِنْ دَاخِلٍ وَخَارِجٍ تُغَشِّيهِ، وَتَصْنَعُ عَلَيْهِ إِكْلِيلًا مِنْ ذَهَبٍ حَوَالَيْهِ، وَتَسْبِكُ لَهُ أَرْبَعَ حَلَقَاتٍ مِنْ ذَهَبٍ وَتَجْعَلُهَا عَلَى قَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ، عَلَى جَانِبِهِ الْوَاحِدِ حَلْقَتَانِ وَعَلَى جَانِبِهِ الثَّانِي حَلْقَتَانِ، وَتَصْنَعُ عَصَوَيْنِ مِنْ خَشَبِ السَّنْطِ وَتُغَشِّيهِمَا بِذَهَبٍ، وَتُدْخِلُ الْعَصَوَيْنِ فِي الْحَلَقَاتِ عَلَى جَانِبَيِ التَّابُوتِ لِيُحْمَلَ التَّابُوتُ بِهِمَا، تَبْقَى الْعَصَوَانِ فِي حَلْقَةِ التَّابُوتِ لَا تُنْزَعَانِ مِنْهَا، وَتَضَعُ فِي التَّابُوتِ وَالشَّهَادَةِ الَّتِي أُعْطِيكَ، وَتَصْنَعُ غِطَاءً مَنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ طُولُهُ ذِرَاعَانِ وَنِصْفٌ وَعَرْضُهُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ، وَتَصْنَعُ كَرُوبَيْنِ مَنْ ذَهَبٍ صَنْعَةَ خِرَاطَةٍ تَصْنَعُهُمَا عَلَى طَرَفَيِ الْغِطَاءِ، فَاصْنَعْ كَرُوبًا وَاحِدًا عَلَى الطَّرَفِ مِنْ هُنَا، وَكَرُوبًا آخَرَ عَلَى الطَّرَفِ مِنْ هُنَاكَ، مِنَ الْغِطَاءِ تَصْنَعُونَ الْكَرُوبَيْنِ عَلَى طَرَفَيْهِ، وَيَكُونُ
الْكَرُوبَانِ بَاسِطَيْنِ أَجْنِحَتَهُمَا إِلَى فَوْقُ، مُظَلِّلَيْنِ بِأَجْنِحَتِهِمَا عَلَى الْغِطَاءِ وَوَجْهَاهُمَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى الْآخَرِ نَحْوَ الْغِطَاءِ يَكُونُ وَجْهَا الْكَرُوبَيْنِ، وَتَجْعَلُ الْغِطَاءَ عَلَى التَّابُوتِ مِنْ فَوْقُ، وَفِي التَّابُوتِ تَضَعُ الشَّهَادَةَ الَّتِي أَنَا أُعْطِيكَ)) اهـ.
هَذَا مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ الْأَمْرِ بِصُنْعِ ذَلِكَ التَّابُوتِ الدِّينِيِّ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ كَيْفِيَّةَ صُنْعِ الْمَائِدَةِ الدِّينِيَّةِ وَآنِيَتَهَا وَالْمَسْكَنَ وَالْمَذْبَحَ وَخَيْمَةَ الْعَهْدِ وَمَنَارَةِ السِّرَاجِ وَالثِّيَابِ الْمُقَدَّسَةِ، ثُمَّ فَصَّلَ فِي الْفَصْلِ ٢٧ مِنْهُ كَيْفَ كَانَ صُنْعُ هَذَا التَّابُوتِ وَالْمَائِدَةِ وَالْمَنَارِ وَمَذْبَحِ الْبَخُورِ، وَهِيَ غَرَائِبُ يَعُدُّهَا عُقَلَاءُ هَذِهِ الْعُصُورِ أَلَاعِيبَ، وَالْحِكْمَةُ فِيهَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا - وَقَدِ اسْتَعْبَدَهُمْ وَثَنِيُّو الْمِصْرِيِّينَ أَحْقَابًا - قَدْ مَلَكَتْ قُلُوبُهُمْ عَظَمَةُ تِلْكَ الْهَيَاكِلِ الْوَثَنِيَّةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزِّينَةِ وَالصَّنْعَةِ الَّتِي تُدْهِشُ النَّاظِرَ، وَتَشْغَلُ الْخَاطِرَ، فَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَشْغَلَ قُلُوبَهُمْ عَنْهَا بِمَحْسُوسَاتٍ مِنْ جِنْسِهَا تُنْسَبُ إِلَيْهِ وَتُذْكَرُ بِهِ، فَالتَّابُوتُ سُمِّيَ أَوَّلًا تَابُوتَ الشَّهَادَةِ; أَيْ: شَهَادَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ تَابُوتَ الرَّبِّ وَتَابُوتَ اللهِ، كَذَلِكَ أُضِيفَ إِلَى اللهِ تَعَالَى كُلُّ شَيْءٍ صُنِعَ لِلْعِبَادَةِ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الدِّيَانَةَ لَيْسَتْ دَائِمَةً، فَلَا غَرْوَ إِذَا نَسَخَ الْإِسْلَامُ كُلَّ هَذَا الزُّخْرُفِ وَالصَّنْعَةِ مِنَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي يُعْبَدُ فِيهَا اللهُ تَعَالَى حَتَّى لَا يَشْتَغِلَ الْمُصَلِّي عَنْ مُنَاجَاةِ اللهِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَمَا كَلَّفَهُ ذَلِكَ الشَّعْبُ الَّذِي وَصَفَتْهُ كُتُبُهُ
стр. 785
الْمُقَدَّسَةُ بِأَنَّهُ صُلْبُ الرَّقَبَةِ أَوْ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ ((عَرِيضُ الْقَفَا)) عَلَى قُرْبِ عَهْدِهِ بِالْوَثَنِيَّةِ وَإِحَاطَةِ الشُّعُوبِ الْوَثَنِيَّةِ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْبَشَرِ فِي طَوْرِ ارْتِقَائِهِمْ; إِذْ لَا يُرَبَّى الرَّجُلُ الْعَاقِلُ بِمِثْلِ مَا يُرَبَّى بِهِ الطِّفْلُ أَوِ الْيَافِعُ، وَفِي سَائِرِ فَصُولِ سِفْرِ الْخُرُوجِ الثَّلَاثَةِ تَفْصِيلٌ لِمَا قَدَّمَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِصُنْعِ تِلْكَ الدَّارِ الَّتِي يُقَدَّسُ فِيهَا اللهُ، وَلِصُنْعِ الْخَيْمَةِ وَالتَّابُوتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَغَرَضُنَا مِنْهَا مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ التَّابُوتِ عِنْدَهُمْ، فَإِنَّكَ لَتَجِدُ فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَكُتُبِ الْقَصَصِ عِنْدَنَا أَقْوَالًا غَرِيبَةً عَنْهُ، مِنْهَا أَنَّهُ نَزَلَ مَعَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَنْشَأُ تِلْكَ الْأَقْوَالِ مَا كَانَ يَنْبِذُ بِهِ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ مِنَ الْقِصَصِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُخَادَعَةً لَهُمْ، لِيَكْثُرَ الْكَذِبُ فِي تَفْسِيرِهِمْ لِلْقُرْآنِ فَيَضِلُّوا بِهِ، وَيَجِدُ رُؤَسَاءُ الْيَهُودِ مَجَالًا وَاسِعًا لِلطَّعْنِ فِي الْقُرْآنِ يَصُدُّونَ بِهِ قَوْمَهُمْ عَنْهُ.
وَفِي آخِرِ فَصُولِ سِفْرِ الْخُرُوجِ أَنَّ مُوسَى ﵊ وَضَعَ اللَّوْحَيْنِ اللَّذَيْنِ فِيهِمَا شَهَادَةُ اللهِ - أَيْ: وَصَايَاهُ - لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّابُوتِ، وَفِي كُتُبِهِمُ الْأُخْرَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَهُ عِنْدَ فَتَاهُ يَشُوعَ - أَيْ: يُوشَعَ - وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِهَذَا التَّابُوتِ، فَإِذَا ضَعُفُوا فِي الْقِتَالِ وَجِيءَ بِهِ وَقَدَّمُوهُ تَثُوبُ إِلَيْهِمْ شَجَاعَتُهُمْ، وَيَنْصُرُهُمُ اللهُ تَعَالَى، أَيْ يَنْصُرُهُمْ بِتِلْكَ الشَّجَاعَةِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ لَهُمْ بِإِحْضَارِ التَّابُوتِ لَا بِالتَّابُوتِ نَفْسِهِ وَلِذَلِكَ غُلِبُوا عَلَى التَّابُوتِ فَأُخِذَ مِنْهُمْ عِنْدَمَا ضَعُفَ يَقِينُهُمْ وَفَسَدَتْ أَخْلَاقُهُمْ، فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُمُ التَّابُوتُ شَيْئًا كَمَا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
أَقُولُ: وَفِي سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ (٣١: ٢٤ - ٣٠) ((أَنَّ مُوسَى لَمَّا كَمَّلَ كِتَابَةَ هَذِهِ التَّوْرَاةِ أَمَرَ اللَّاوِيِّينَ حَامِلِي تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ قَائِلًا: خُذُوا كِتَابَ التَّوْرَاةِ هَذَا وَضَعُوهُ بِجَانِبِ تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ إِلَهِكُمْ لِيَكُونَ شَاهِدًا عَلَيْكُمْ)) .
ثُمَّ كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ الْفِلَسْطِينِيِّينَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ عَالِيَا أَوْ عَالِيَ الْكَاهِنِ، فَانْتَصَرَ الْفِلَسْطِينِيُّونَ وَأَخَذُوا التَّابُوتَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ أَنْ نَكَّلُوا بِهِمْ تَنْكِيلًا فَمَاتَ عَالِي قَهْرًا، وَكَانَ صَمْوَئِيل - الَّذِي يُدْعَى فِي الْكُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ شمويلَ - قَاضِيًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ نَبِيُّهُمُ الَّذِي طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا فَفَعَلَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَجَعَلَ رُجُوعَ التَّابُوتِ إِلَيْهِمْ آيَةً لِمُلْكِ طَالُوتَ الَّذِي أَقَامَهُ لَهُمْ، وَقَالُوا فِي سَبَبِ إِتْيَانِ التَّابُوتِ: إِنَّ أَهْلَ فِلَسْطِينَ ابْتُلُوا بَعْدَ أَخْذِ التَّابُوتِ بِالْفِيرَانِ فِي زَرْعِهِمْ وَالْبَوَاسِيرِ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَتَشَاءَمُوا مِنْهُ، وَظَنُّوا أَنَّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ انْتَقَمَ مِنْهُمْ فَأَعَادُوهُ عَلَى عَجَلَةٍ تَجُرُّهَا بَقَرَتَانِ، وَوَضَعُوا فِيهِ صُوَرَ فِيرَانٍ وَصُوَرَ بَوَاسِيرَ مِنَ الذَّهَبِ جَعَلُوا كَفَّارَةً لِذَنْبِهِمْ.
وَمِنَ الْمُدَوَّنِ فِي التَّارِيخِ الْمُقَدَّسِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَمَّا أَحْرَقَ الْبَابِلِيُّونَ هَيْكَلَ سُلَيْمَانَ فُقِدَتِ التَّوْرَاةُ وَتَابُوتُ الْعَهْدِ مَعًا لِأَنَّهُمَا قَدْ أُحْرِقَا فِيهِ.
стр. 786
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي التَّابُوتِ: (فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ) فَقَدْ كَثُرَتْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ، وَمِنْهَا مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَقْلٌ وَلَا يَقْبَلُهُ عَقْلٌ، عَلَى أَنَّهَا مُتَعَارِضَةٌ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا كَمَا تَرَى فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ وَهُوَ أُمُّ التَّفَاسِيرِ.
وَقَدْ أَوْرَدْنَا مَا أَوْرَدْنَا مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ لِيُعْلَمَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا ذُكِرَ عَنِ التَّابُوتِ وَعَمَّا فِيهِ مِنَ الْغَرَائِبِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، وَإِنَّمَا وَحْيُ اللهِ تَعَالَى نَاطِقٌ بِأَنَّ فِيهِ سَكِينَةٌ، وَالسَّكِينَةُ فِي اللُّغَةِ مَا تَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَيَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ، وَفِي إِتْيَانِ الصُّنْدُوقِ سَكِينَةٌ لَا تَخْفَى لِمَا كَانَ لَهُ مِنَ الشَّأْنِ الدِّينِيِّ عِنْدَ الْقَوْمِ، أَوْ فِيهِ مَا يُحْدِثُ لَهُمْ سَكِينَةً وَهِيَ الْفِيرَانُ وَالْبَوَاسِيرُ الذَّهَبُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى خَوْفِ الْعَدُوِّ، أَوِ الْأَلْوَاحُ أَوْ رَضَاضَتُهَا، وَهِيَ هِيَ الْبَقِيَّةُ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ نَحْوُ مَا قُلْنَاهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالْحَقِّ فِي مَعْنَى السَّكِينَةِ مَا قَالَهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ مِنْ أَنَّهَا الشَّيْءُ تَسْكُنُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَوْلُهُ: (تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَلَائِكَةِ صُوَرُ الْكَرُوبَيْنِ وَقَدْ حَمَلَ التَّابُوتَ; أَيْ: وُضِعَ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقُولُ فِي وَصْفِ الْقُصُورِ وَالتَّمَاثِيلِ الْمَصْنُوعَةِ: فِيهَا فُلَانٌ عَلَى فَرَسٍ مِنْ نُحَاسٍ، تُرِيدُ تِمْثَالَ الْمَلِكِ وَتِمْثَالَ الْفَرَسِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْبَقَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ حَمَلَتَا التَّابُوتَ مِنْ بَعْضِ بِلَادِ الْفِلَسْطِينِيِّينَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتَا تَسِيرَانِ مُسَخَّرَتَيْنِ بِإِلْهَامِ الْمَلَائِكَةِ، وَفِي كُتُبِ الْقَوْمِ أَنَّ الْبَقَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ جَرَّتَا عَجَلَةَ التَّابُوتِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا قَائِدٌ وَلَا سَائِقٌ، وَمَا يَجْرِي بِإِلْهَامٍ لَا كَسْبَ فِيهِ لِلْبَشَرِ وَهُوَ مِنَ الْخَيْرِ يُسْنَدُ إِلَى إِلْهَامِ الْمَلَائِكَةِ. رَوَى نَحْوَ هَذَا ابْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ: وَكَلَ بِالْبَقَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَارَتَا بِالتَّابُوتِ أَرْبَعَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَسُوقُونَهُمَا إِلَخْ، وَخَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) قَالُوا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَتِمَّةَ كَلَامِ نَبِيِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهُمْ، أَيْ إِنَّ فِي مَجِيءِ التَّابُوتِ عَلَامَةٌ أَوْ حُجَّةٌ لَكُمْ تَدُلُّ عَلَى عِنَايَةِ اللهِ بِكُمْ، وَاصْطِفَائِهِ لَكُمْ هَذَا الْمَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بشُئُونِكِمْ وَيُنَكِّلُ بِأَعْدَائِكُمْ، فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَرْضَوْا بِمُلْكِهِ وَلَا تَفَرَّقُوا عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ كَلَامٍ مِنْهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، مَعْنَاهُ أَنَّ فِيمَا أَوْحَاهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى ثُبُوتِهِ; إِذْ لَوْلَا الْوَحْيُ لَمَا كَانَ يَعْرِفُهَا وَهُوَ الْأُمِّيُّ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يَتَعَلَّمْ شَيْئًا، وَلَا كَانَ يَعْرِفُ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعِبْرَةِ وَالْفَائِدَةِ، وَلَا سِيَّمَا مَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُلُوكِ
مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي تُؤَهِّلُهُمْ لِلْقِيَامِ بِأَعْبَاءِ السِّيَاسَةِ وَأَعْمَالِ الرِّيَاسَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ آيَةً بَيِّنَةً وَعِبْرَةً نَافِعَةً لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَآيَاتِهِ الَّتِي تُؤَيِّدُ بِهَا أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ ﵈; لِذَلِكَ قَيَّدَهَا بِالشَّرْطِ الَّذِي حُذِفَ جَوَابُهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
عُلِمَ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ الْغَرَضَ الْأَوَّلَ مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ نَصْبَ الْمَلِكِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَوَلَّى قِيَادَتَهُمْ لِلْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيَثْأَرَ مِنْ أُولَئِكَ الْوَثَنِيِّينَ الَّذِينَ أَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَكَانَ الْمُتَوَقَّعُ بَعْدَ بَيَانِ نَصْبِ الْمَلِكِ أَنْ يَذْكُرَ مَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ فِي الْقِتَالِ وَذَلِكَ مَا بَيَّنَهُ تَعَالَى،
стр. 787
ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) فَصَلَ بِالْجُنُودِ: انْفَصَلَ بِهِمْ مِنْ مَقَامِهِمْ وَقَادَهُمْ لِقِتَالِ أَعْدَائِهِمْ، وَأَصْلُهُ: فَصَلَ نَفْسَهُ عَنْهُ مُصَاحِبًا لَهُمْ، وَالْجُنُودُ: جَمْعُ جُنْدٍ بِالضَّمِّ وَهُوَ الْعَسْكَرُ وَأَصْلُهُ الْأَرْضُ الْغَلِيظَةُ ذَاتُ الْحِجَارَةِ ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مُجْتَمَعٍ قَوِيٍّ جُنْدٌ، وَالشُّرْبُ: تَنَاوُلُ الْمَائِعِ بِالْفَمِ وَابْتِلَاعُهُ، وَطَعِمَ الشَّيْءَ مِنْ غِذَاءٍ وَشَرَابٍ ذَاقَهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنْ شِئْتَ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخًا وَلَا بَرَدًا
وَالْغَرْفَةُ - بِالْفَتْحِ: الْمَرَّةُ، مِنْ غَرَفَ الشَّيْءَ إِذَا رَفَعَهُ مِنْ مَحَلِّهِ وَتَنَاوَلَهُ، وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْحِجَازِيُّونَ. وَالْغُرْفَةُ - بِالضَّمِّ: مَا يُغْتَرَفُ، وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكُوفِيُّونَ.
لَمَّا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبْلُ كَارِهِينَ لِمُلْكِ طَالُوتَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أَذْعَنُوا مِنْ بَعْدُ، وَكَانَ إِذْعَانُ الْجَمِيعِ وَرِضَاهُمْ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهِ إِلَّا بِالِاخْتِبَارِ وَالِابْتِلَاءِ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَ هَذَا الْقَائِدُ جُنْدَهُ لِيَعْلَمَ الْمُطِيعَ وَالْعَاصِيَ وَالرَّاضِيَ وَالسَّاخِطَ، فَيَخْتَارَ الْمُطِيعَ الَّذِي يُرْجَى بَلَاؤُهُ فِي الْقِتَالِ، وَثَبَاتُهُ فِي مَعَامِعِ النِّزَالِ، وَيَنْفِيَ مَنْ يَظْهَرُ عِصْيَانُهُ، وَيُخْشَى فِي الْوَغَى خِذْلَانُهُ، فَإِنَّ طَاعَةَ الْجَيْشِ لِلْقَائِدِ وَثِقَتَهُ بِهِ مِنْ شُرُوطِ الظَّفْرِ، وَأَحْوَجُ الْقُوَّادِ إِلَى اخْتِبَارِ الْجَيْشِ مَنْ وَلِيَ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَكْرَهُهُ، فَإِذَا وُجِدَ فِي الْجَيْشِ مَنْ لَيْسَ مُتَّحِدًا مَعَهُ يُخْشَى أَنْ يُوضِعُوا خِلَالَهُ يَبْغُونَهُ الْفِتْنَةَ وَيَسِمُونَهُ بِالْفَشَلِ. أَخْبَرَ طَالُوتُ جُنُودَهُ بِأَنْ سَيَمُرُّونَ عَلَى نَهَرٍ يَمْتَحِنُهُمْ بِهِ بِإِذْنِ اللهِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يُعَدُّ مِنْ أَشْيَاعِهِ الْمُتَّحِدِينَ مَعَهُ فِي أَمْرِ الْقِتَالِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَا يَشْرَبُهُ قَلِيلًا وَهُوَ غُرْفَةٌ تُؤْخَذُ بِالْيَدِ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يُتَسَامَحُ فِيهِ وَلَا يَرَاهُ مَانِعًا مِنَ الِاتِّحَادِ بِهِ وَالِاعْتِصَامِ
بِحَبْلِهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ أَيْ يَذُقْهُ بِالْمَرَّةِ فَإِنَّهُ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي يَرْكَنُ إِلَيْهِ وَيُوثَقُ بِهِ تَمَامَ الثِّقَةِ، فَالِابْتِلَاءُ سَيَكُونُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: مَرْتَبَةُ مَنْ يَشْرَبُ فَيُرْوَى لَا يُبَالِي بِالْأَمْرِ، وَحُكْمُهُ أَنْ يُتَبَرَّأَ مِنْهُ، وَمَرْتَبَةُ مَنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ غُرْفَةً يَبُلُّ بِهَا رِيقَهُ وَهُوَ مَقْبُولٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَرْتَبَةُ مَنْ لَا يَذُوقُهُ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ الْوَلِيُّ النَّصِيرُ الَّذِي يُوثَقُ بِاتِّحَادِهِ، وَيُعَوَّلُ عَلَى جِهَادِهِ، قَالَ تَعَالَى: (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا قَدْ فَسَدَ بَأْسُهُمْ وَتَزَلْزَلَ إِيمَانُهُمْ، وَاعْتَادُوا الْعِصْيَانَ فَسَهُلَ عَلَيْهِمْ عِصْيَانُهُمْ، وَشَقَّ عَلَيْهِمْ مُخَالَفَةُ الشَّهْوَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا هَوَانُهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ فِي الْإِيمَانِ وَالْغَيْرَةِ عَلَى الْمِلَّةِ وَالْأُمَّةِ إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (٣٤: ١٣) وَالْعَدَدُ الْقَلِيلُ مِنْ أَهْلِ الْعَزَائِمِ يَفْعَلُ مَا لَا يَفْعَلُ الْكَثِيرُ مِنْ ذَوِي الْمَآثِمِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)
стр. 788
أَيْ فَلَمَّا جَاوَزَ النَّهْرَ طَالُوتُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ (قَالُوا) وَهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) الطَّاقَةُ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْقُوَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الصِّيَامِ. وَجَالُوتُ هُوَ أَشْهَرُ أَبْطَالِ أَعْدَائِهِمُ الْفِلَسْطِينِيِّنَ، وَعَرَّبَهُ النَّصَارَى الَّذِينَ تَرْجَمُوا سِفْرَ صَمْوَئِيلَ الَّذِي فِيهِ الْقِصَّةُ ((جِلْيَاتُ)) وَلَا اعْتِدَادَ بِتَعْرِيبِهِمْ، وَالْعِبَارَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ جُنُودَ الْفِلَسْطِينِيِّينَ كَانُوا أَكْثَرَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ; أَيْ: قَالَ جُمْهُورُ الْجُنُودِ: لَيْسَ لَنَا أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ جِنْسِ الطَّاقَةِ بِلِقَاءِ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ.
(قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وَجَاوَزُوا النَّهَرَ مَعَ طَالُوتَ، وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْآخَرِينَ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنَ النَّهَرِ لَمْ يُجَاوِزُوهُ; لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْهُمْ، وَظَنُّوا أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَاوَزُوا النَّهَرَ، قَالَ ضِعَافُهُمْ: لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، وَقَالَ أَقْوِيَاؤُهُمْ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ إِلَخْ. ثُمَّ اشْتَدَّ بَعْضُهُمْ بِعَزِيمَةِ بَعْضٍ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ انْتِصَارِهِمْ مَا يَأْتِي فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ، وَالْعِبَارَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنَ النَّهَرِ لَمْ يُجَاوِزُوهُ، وَإِنَّمَا خَصَّ بِالذِّكْرِ الَّذِينَ لَمْ يَشْرَبُوا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ طَالُوتَ لِأَجْلِ الشُّرْبِ، فَهُمُ الَّذِينَ جَاوَزُوهُ
مَعَهُ مُقْتَرِنِينَ وَهُمُ الَّذِينَ يَعْتَدُّهُمْ مِنْهُ، وَيَتَبَرَّأُ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ الْعَاصِينَ كَمَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الِابْتِلَاءِ.
سِيَاقُ الْكَلَامِ فِيمَنْ فَصَلَ بِهِمْ مِنَ الْجُنُودِ وَابْتُلُوا بِالنَّهَرِ، وَقَدْ قَالَ فِيهِمْ: إِنَّهُمْ شَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا، ثُمَّ أَعْلَمَنَا أَنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ وَصَفَهُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ جَاوَزُوا النَّهَرَ مَعَ طَالُوتَ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ أَطَاعُوا وَلَمْ يَشْرَبُوا، ثُمَّ أَخْبَرَنَا بِقَوْلَيْنِ يَصْلُحُ أَحَدُهُمَا لِمُعَارَضَةِ الْآخَرِ وَرَدِّهِ (الْأَوَّلُ) أَسْنَدَهُ إِلَى ضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُمُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: إِنَّهُمْ شَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَمِثْلُهُ يَصْدُرُ مِمَّنْ خَالَفَ الْقَائِدَ وَجَبُنَ عَنِ الْقِتَالِ، وَ (الثَّانِي) أَسْنَدَهُ إِلَى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مَلَّاقُو اللهِ وَهُوَ يَنْطَبِقُ عَلَى الَّذِينَ أَطَاعُوا الْقَائِدَ وَاتَّحَدُوا مَعَهُ فَلَمْ يَعْصُوا، وَيَتَّفِقُ مَعَ وَصْفِ الْإِيمَانِ الَّذِي سَبَقَهُ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْجَمِيعَ جَاوَزُوا النَّهَرَ، وَأَنَّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ كَانَا بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ، وَأَنَّ التَّصْرِيحَ بِمُجَاوَزَةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ لَا يَجْعَلُ الْمُجَاوَزَةَ لِلْحَصْرِ وَإِنَّمَا هِيَ لِبَيَانِ الْمَعِيَّةِ وَالْمُصَاحَبَةِ، فَإِنَّ الْقَوْمَ افْتَرَقُوا عِنْدَ النَّهَرِ فَسَبَقَ مَنْ لَمْ يَشْرَبْ وَالْتَفَّ حَوْلَ الْقَائِدِ وَجَاوَزُوا النَّهَرَ مَعَهُ، وَتَخَلَّفَ الْآخَرُونَ قَلِيلًا لِلشُّرْبِ وَالِارْتِفَاقِ بِالْمَاءِ، ثُمَّ جَاوَزُوا وَلَحِقُوا بِالْآخَرِينَ كَمَا عُلِمَ مِنْ مُحَاوَرَتِهِمْ مَعَهُمْ بِمَا ظَهَرَ بِهِ أَثَرُ مَا فِي نَفْسِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمَا عَلَى لِسَانِهِ. وَمِنْ بَدِيعِ إِيجَازِ الْقُرْآنِ أَنْ يَحْذِفَ الشَّيْءَ وَيَأْتِيَ فِي السِّيَاقِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَذْكُرَ الْقَوْمَ بِوَصْفٍ غَيْرِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ أَوْ يَجْعَلُهُ فِي مَكَانِ الضَّمِيرِ لِإِفَادَةِ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ هُوَ السَّبَبُ فِي الْفِعْلِ أَوِ الْوَصْفِ الَّذِي سِيقَ الْكَلَامُ لِتَقْرِيرِهِ، كَمَا وَصَفَ الَّذِينَ لَمْ يَشْرَبُوا بِالْإِيمَانِ مَرَّةً وَبِاعْتِقَادِ لِقَاءِ
стр. 789
اللهِ تَعَالَى مَرَّةً أُخْرَى، فَأَعْلَمَنَا أَنَّ هَذَا الْإِيمَانَ وَالِاعْتِقَادَ هُمَا سَبَبُ طَاعَةِ الْقَائِدِ وَتَرْكِ الشُّرْبِ، وَسَبَبُ الشَّجَاعَةِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى لِقَاءِ الْعَدُوِّ الَّذِي يَفُوقُهُمْ عَدَدًا.
هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي بَيَانِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالَ الَّذِينَ شَرِبُوا: لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ (قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ) : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَهُ السُّدِّيُّ وَهُوَ أَنَّهُ جَاوَزَ النَّهَرَ مَعَ طَالُوتَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي لَمْ يَشْرَبْ مِنَ النَّهَرِ إِلَّا الْغَرْفَةَ، وَالْكَافِرُ الَّذِي شَرِبَ مِنْهُ الْكَثِيرَ، ثُمَّ وَقَعَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِرُؤْيَةِ جَالُوتَ وَلِقَائِهِ وَانْخَذَلَ عَنْهُ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ إِلَخْ،
وَفِيهِ ذَكَرَ قَوْلَ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ وَوَسَمَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ مَعَ طَالُوتَ النَّهَرَ إِلَّا أَهْلُ الْإِيمَانِ بِالْغَفْلَةِ وَرَدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ.
وَفِي كُتُبِ الْيَهُودِ أَنَّ الِابْتِلَاءَ بِتَرْكِ شُرْبِ الْمَاءِ كَانَ عَلَى يَدِ جَدْعُونَ قَبْلَ قِصَّةِ طَالُوتَ، وَيُورِدُونَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّهُ يُوَافِقُ مَا بُنِيَتْ عَلَيْهِ حَوَادِثُ تَارِيخِهِمْ مِنْ كَوْنِهَا كُلِّهَا عَجَائِبُ وَخَوَارِقُ عَادَاتٍ لَا شَيْءَ مِنْهَا مَبْنِيٌّ عَلَى سُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ، فَفِي الْفَصْلِ السَّابِعِ مِنْ سِفْرِ الْقُضَاةِ مَا نَصُّهُ:
((وَقَالَ الرَّبُّ لِجَدْعُونَ: إِنَّ الشَّعْبَ الَّذِي مَعَكَ كَثِيرٌ عَلِيَّ لِأَدْفَعَ الْمَدْيَانِيِّينَ بِيَدِهِمْ لِئَلَّا يَفْتَخِرَ عَلَى إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: يَدِي خَلَّصَتْنِي، وَالْآنَ نَادِ فِي آذَانِ الشَّعْبِ قَائِلًا: مَنْ كَانَ خَائِفًا وَمُرْتَعِدًا فَلْيَرْجِعْ وَيَنْصَرِفْ مِنْ جَبَلِ جِلْعَادَ، فَرَجَعَ مِنَ الشَّعْبِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَبَقِيَ عَشْرَةُ آلَافٍ، وَقَالَ الرَّبُّ لِجَدْعُونَ: لَمْ يَزَلِ الشَّعْبُ كَثِيرًا، انْزِلْ بِهِمْ إِلَى الْمَاءِ فَأُنَقِّيهِمْ لَكَ هُنَاكَ، وَيَكُونُ أَنَّ الَّذِي أَقُولُ لَكَ عَنْهُ هَذَا يَذْهَبُ مَعَكَ فَهُوَ يَذْهَبُ مَعَكَ، وَكُلُّ مَنْ أَقُولُ لَكَ عَنْهُ لَا يَذْهَبُ مَعَكَ فَهُوَ لَا يَذْهَبُ، فَنَزَلَ بِالشَّعْبِ إِلَى الْمَاءِ، وَقَالَ الرَّبُّ لِجَدْعُونَ: كُلُّ مَنْ يَلَغُ بِلِسَانِهِ مِنَ الْمَاءِ كَمَا يَلَغُ الْكَلْبُ فَأَوْقِفْهُ وَحْدَهُ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ لِلشُّرْبِ.
وَكَانَ عَدَدُ الَّذِينَ وَلَغُوا بِيَدِهِمْ إِلَى فَمِهِمْ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، وَأَمَّا بَاقِي الشَّعْبِ جَمِيعًا فَجَثَوْا عَلَى رُكَبِهِمْ لِشُرْبِ الْمَاءِ; فَقَالَ الرَّبُّ لِجَدْعُونَ: بِالثَّلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ الَّذِينَ وَلَغُوا أُخَلِّصُكُمْ وَأَدْفَعُ الْمَدْيَانِيَّيْنِ لِيَدِكَ. وَأَمَّا سَائِرُ الشَّعْبِ فَلْيَذْهَبُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَكَانِهِ)) اهـ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْقَوْمَ خَلَطُوا فِي تَارِيخِهِمْ، وَأَنَّ أَكْثَرَهُ لَا يُعْرَفُ كَاتِبُوهُ، وَمِنْهُ سِفْرُ صَمْوَئِيل الَّذِي فِيهِ قِصَّةُ طَالُوتَ، وَعِبَارَتُهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كُتِبَ بَعْدَ حُدُوثِ وَقَائِعِهِ; فَإِنَّ الْكَاتِبَ يَذْكُرُ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ وَيَقُولُ: إِنَّهَا لَا تَزَالُ إِلَى الْآنِ كَأَنَّ الزَّمَنَ كَانَ كَافِيًا لِأَنْ تَنْدَرِسَ فِيهِ جَمِيعُ الرُّسُومِ وَالْمَعَالِمِ الَّتِي عُهِدَتْ عِنْدَ وُقُوعِ تِلْكَ الْوَقَائِعِ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ كَاتِبَهُ، وَإِنَّنَا نَرَى الْمُؤَرِّخِينَ فِي زَمَانِنَا يَغْلَطُونَ بِمَا يَقَعُ فِي عَهْدِهِمْ غَلَطًا أَبْعَدَ مِنْ هَذَا الْغَلَطِ فِي إِسْنَادِ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِ فَاعِلِهِ، وَتَقْدِيمِهِ أَوْ تَأْخِيرِهِ عَنْ زَمَنِهِ. وَكَمَا فَاتَ مُؤَرِّخِي بَنِي إِسْرَائِيلَ تَحْرِيرُ
стр. 790
الْوَقَائِعِ وَالْحَوَادِثِ بِالتَّدْقِيقِ فَاتَهُمْ مَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالْحِكَمِ، فَأَيْنَ مَا نَقَلْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْهُمْ مِمَّا تَجِدُهُ
فِي عِبَارَةِ الْقُرْآنِ مِنْ صُنُوفِ الْعِبْرَةِ؟ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَسْأَلَةِ النَّهَرِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا خَالَفَهُ مِنْ أَقْوَالِ سَائِرِ الْكُتُبِ مُعَارِضًا لَهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّوْفِيقِ أَوِ الْجَوَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ. وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(وَلَمَّا بَرَزُوا) أَيْ: لَمَّا ظَهَرَ طَالُوتُ وَجُنُودُهُ بِالْبَرَازِ، وَهِيَ بِالْفَتْحِ مَا اسْتَوَى مِنَ الْأَرْضِ (لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) وَهُمْ أَعْدَاؤُهُ الْفِلَسْطِينِيُّونَ (قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) أَيْ: لَجَأَ قَوْمُ طَالُوتَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى يَدْعُونَهُ بِأَنْ يُفْرِغَ عَلَى قُلُوبِهِمُ الصَّبْرَ، وَيُثَبِّتَ أَقْدَامَهُمْ فِي مَوَاقِعِ الْقِتَالِ بِثَبَاتِ قُلُوبِهِمْ وَاطْمِئْنَانِهَا بِالْإِيمَانِ وَالثِّقَةِ بِهِ، وَيَنْصُرَهُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، الَّذِينَ تَعَلَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِالْأَوْهَامِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ بَعْضُهَا مُرَتَّبٌ عَلَى بَعْضٍ بِحَسَبِ الْأَسْبَابِ الْغَالِبَةِ، فَالصَّبْرُ سَبَبٌ لِلثَّبَاتِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ، وَأَجْدَرُ النَّاسِ بِالصَّبْرِ الْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ الْغَالِبِ عَلَى أَمْرِهِ، كَمَا سَنُوَضِّحُهُ بَعْدَ تَمَامِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَاتِ.
(فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ) أَيْ: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ مَا سَأَلُوا بِبَرَكَةِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَتَذَكُّرِهِمْ مَا يُؤْمِنُونَ بِهِ مِنْ قُوَّتِهِ الَّتِي لَا تُغَالَبُ فَهَزَمُوهُمْ، أَيْ كَسَرُوهُمْ كَسْرَةً انْتَهَتْ بِدَفْعِهِمْ مِنَ الْمَعْرَكَةِ، وَهَرَبِهِمْ مِنْهَا بِإِرَادَتِهِ الْمُنْفِذَةِ لِسُنَّتِهِ فِي نَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّابِرِينَ الثَّابِتِينَ، عَلَى الْكَافِرِينَ (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ) قَالُوا: إِنَّ جَالُوتَ جَبَّارُ الْفِلَسْطِينِيِّينَ طَلَبَ الْبَرَازَ فَلَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مُبَارَزَتِهِ حَتَّى إِنَّ طَالُوتَ جَعَلَ لِمَنْ يَقْتُلُهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، وَيُحَكِّمَهُ فِي مُلْكِهِ، ثُمَّ بَرَزَ لَهُ دَاوُدُ بْنُ يَسَى، وَكَانَ غُلَامًا يَرْعَى الْغَنَمَ، وَلَمْ يَقْبَلْ أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا وَلَا أَنْ يَحْمِلَ سِلَاحًا، بَلْ حَمَلَ مِقْلَاعَهُ وَحِجَارَتَهُ، فَسَخِرَ مِنْهُ جَالُوتُ وَاحْتَمَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَسْتَعِدَّ لَهُ، وَقَالَ: هَلْ أَنَا كَلْبٌ فَتَخْرُجُ إِلَيَّ بِالْمِقْلَاعِ؟ فَرَمَاهُ دَاوُدُ بِمِقْلَاعِهِ فَأَصَابَ الْحَجَرُ رَأْسَهُ فَصَرَعَهُ فَدَنَا مِنْهُ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَجَاءَ بِهِ فَأَلْقَاهُ إِلَى طَالُوتَ فَعُرِفَ دَاوُدُ، وَكَانَ لَهُ الشَّأْنُ الَّذِي وَرِثَ بِهِ مُلْكَ إِسْرَائِيلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) فَسَّرُوا الْحِكْمَةَ هُنَا بِالنُّبُوَّةِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ تُفَسَّرَ بِالزَّبُورِ الَّذِي أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيْهِ،
كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: (وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) (٤: ١٦٣) وَبِهِ كَانَ نَبِيًّا، وَأَمَّا تَعْلِيمُهُ مِمَّا يَشَاءُ فَهُوَ صَنْعَةُ الدُّرُوعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (٢١: ٨٠) .
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى حِكْمَةَ الْإِذْنِ بِالْقِتَالِ الَّذِي قَرَّرَتْهُ الْآيَاتُ فَقَالَ: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) قَرَأَ نَافِعٌ ((دِفَاعُ اللهِ)) وَالْبَاقُونَ ((دَفْعُ اللهُ)) أَيْ: لَوْلَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَدْفَعُ أَهْلَ الْبَاطِلِ بِأَهْلِ الْحَقِّ، وَأَهْلَ الْفَسَادِ فِي
стр. 791
الْأَرْضِ بِأَهْلِ الْإِصْلَاحِ فِيهَا لَغَلَبَ أَهْلُ الْبَاطِلِ وَالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَبَغَوْا عَلَى الصَّالِحِينَ وَأَوْقَعُوا بِهِمْ حَتَّى يَكُونَ لَهُمُ السُّلْطَانُ وَحْدَهُمْ، فَتَفْسُدَ الْأَرْضُ بِفَسَادِهِمْ، فَكَانَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَى الْعَالَمَيْنِ وَإِحْسَانِهِ إِلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ أَنْ أَذِنَ لِأَهْلِ دِينِهِ الْحَقِّ الْمُصْلِحِينَ فِي الْأَرْضِ بِقِتَالِ الْمُفْسِدِينَ فِيهَا مِنَ الْكَافِرِينَ وَالْبُغَاةِ الْمُعْتَدِينَ، فَأَهْلُ الْحَقِّ حَرْبٌ لِأَهْلِ الْبَاطِلِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَاللهُ نَاصِرُهُمْ مَا نَصَرُوا الْحَقَّ وَأَرَادُوا الْإِصْلَاحَ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّى هَذَا دَفْعًا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، إِذْ كَانَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِهِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ، وَسَمَّاهُ دِفَاعًا فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلًّا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ الْمُصْلِحِينَ وَأَهْلِ الْبَاطِلِ الْمُفْسِدِينَ يُقَاوِمُ الْآخَرَ وَيُقَاتِلُهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ إِيتَاءَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْقِصَصِ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ فَقَالَ: (تِلْكَ آيَاتُ اللهِ) يُشِيرُ إِلَى قِصَّةِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَقِصَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي بَعْدَهَا (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ) فِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ مَا يَقُولُهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُخَالِفٌ لِهَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ (وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) إِذْ لَوْلَا الرِّسَالَةُ لَمَا عَرَفْتَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْقِصَصِ وَأَنْتَ لَمْ تَكُنْ فِي أَزْمِنَةِ وُقُوعِهَا وَلَا تَعَلَّمْتَ شَيْئًا مِنَ التَّارِيخِ، وَلَوْ تَعَلَّمْتَهُ لَجِئْتَ بِهَا عَلَى النَّحْوِ الَّذِي عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَصَّاصِينَ.
وَقَدْ قَرَّرَ تَعَالَى هَذِهِ الْحُجَّةَ عَلَى نُبُوَّتِهِ ﷺ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسَى فِي مَدْيَنَ، وَذِكْرِ نُبُوَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى
مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) (٢٨: ٤٤، ٤٥) .
(السُّنَنُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ فِي الْقُرْآنِ وَالْأُمَمِ وَالِاسْتِقْلَالِ)
أَذْكُرُ مَا يَظْهَرُ لِي مِنَ السُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ فِي آيَاتِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مُفَصَّلَةً مَعْدُودَةً لَعَلَّهَا تُوعَى وَتُحْفَظُ فَلَا تُنْسَى إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
(السُّنَّةُ الْأُولَى) أَنَّ الْأُمَمَ إِذَا اعْتُدِيَ عَلَى اسْتِقْلَالِهَا وَأَوْقَعَ الْأَعْدَاءُ بِهَا فَهَضَمُوا حُقُوقَهَا تَتَنَبَّهُ مَشَاعِرُهَا لِدَفْعِ الضَّيْمِ وَتُفَكِّرُ فِي سَبِيلِهِ، فَتَعْلَمُ أَنَّهَا الْوَحْدَةُ الَّتِي يُمَثِّلُهَا الزَّعِيمُ الْعَادِلُ وَالْقَائِدُ الْبَاسِلُ، فَتَتَوَجَّهُ إِلَى طَلَبِهِ حَتَّى تَجِدَهُ كَمَا وَقَعَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تَنْكِيلِ أَهْلِ فِلَسْطِينَ بِهِمْ.
(الثَّانِيَةُ) أَنَّ شُعُورَ الْأُمَّةِ بِوُجُوبِ حِفْظِ حُقُوقِهَا وَصِيَانَةِ اسْتِقْلَالِهَا إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَكَمَالِهِ فِي خَوَاصِّهَا، فَمَتَى كَثُرَ هَؤُلَاءِ الْخَوَاصُّ فِي أُمَّةٍ فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الرَّئِيسَ الَّذِي يُمَلَّكُ عَلَيْهِمْ، كَمَا عَلِمْتَ مِنْ إِسْنَادِ طَلَبِ الْمُلْكِ إِلَى الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ شُيُوخُهُمْ وَأَهْلُ الْفَضْلِ فِيهِمْ.
стр. 792
(الثَّالِثَةُ) مَتَى عَظُمَ الشُّعُورُ فِي نُفُوسِ خَوَاصِّ الْأُمَّةِ بِوُجُوبِ حِفْظِ اسْتِقْلَالِهَا وَدَفْعِ ضَيْمِ الْأَعْدَاءِ عَنْهَا فَإِنَّهُ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَسْرِيَ إِلَى عَامَّتِهَا، فَيَظُنُّ النَّاقِصُ أَنَّ عِنْدَهُ مِنَ النَّعْرَةِ وَالْحَمِيَّةِ لِلْأُمَّةِ مَا عِنْدَ الْكَامِلِ، حَتَّى إِذَا خَرَجَتْ مِنْ طَوْرِ الْفِكْرِ وَالشُّعُورِ إِلَى طَوْرِ الْعَمَلِ وَالظُّهُورِ انْكَشَفَ عَجْزُ الْأَدْعِيَاءِ الْمُدَّعِينَ، وَلَمْ يَنْفَعْ إِلَّا صِدْقُ الصَّادِقِينَ، كَمَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (٢: ٢٤٦) .
(الرَّابِعَةُ) أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْأُمَمِ الِاخْتِلَافَ فِي اخْتِيَارِ الرَّئِيسِ الَّذِي يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْهَا، وَالِاخْتِلَافُ مَدْعَاةُ التَّفَرُّقِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مُرَجِّحٌ يَقْبَلُهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الْأُمَّةِ; لِذَلِكَ لَجَأَ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى نَبِيِّهِمْ وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَخْتَارَ لَهُمْ رَجُلًا يَكُونُ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، وَقَدْ جَعَلَ الْإِسْلَامُ الْمُرَجِّحَ لِاخْتِيَارِ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ مُبَايَعَةَ أُولِي الْأَمْرِ لِمَنْ يَخْتَارُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَالْمَكَانَةِ فِي الْأُمَّةِ الَّذِينَ
هُمْ عَوْنُ السُّلْطَانِ وَقُوَّتُهُ بِاحْتِرَامِ الْأُمَّةِ لَهُمْ وَثِقَتِهَا بِهِمْ; وَلِذَلِكَ لَمْ يُنَصِّبِ النَّبِيُّ ﷺ إِمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَمْرِ الزَّعَامَةِ وَالْحُكْمِ، وَلَكِنِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْعُظَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِإِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ الدُّنْيَوِيَّةِ بِإِنَابَتِهِ عَنْهُ فِي الْإِمَامَةِ الدِّينِيَّةِ، وَهِيَ إِمَامَةُ الصَّلَاةِ، إِذْ أَمَرَ عِنْدَ مَا اشْتَدَّ مَرَضُهُ بِأَنْ يُصَلِّيَ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ مَكَانَهُ، وَمَعَ هَذَا قَالَ عُمَرُ: إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً وَقَى اللهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهَا. أَيْ إِنَّ الشُّورَى فِي انْتِخَابِهِ لَمْ تَكُنْ تَامَّةً، وَإِنَّمَا كَانَ هُوَ الَّذِي عَجَّلَ بِالْبَيْعَةِ خَوْفًا مِنْ عَاقِبَةِ طُولِ أَمَدِ الْخِلَافِ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى عَدَمِ دَفْنِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ نَصْبِ الْخَلِيفَةِ لَهُ، وَلَكِنَّ خِلَافَتَهُ وَإِمَامَتَهُ ﵁ لَمْ تَثْبُتْ بِالْفِعْلِ إِلَّا بِمُبَايَعَةِ الْأُمَّةِ لَهُ.
(الْخَامِسَةُ) أَنَّ النَّاسَ لَا يَتَّفِقُونَ عَلَى التَّقْلِيدِ أَوِ الِاتِّبَاعِ فِيمَا يَرَوْنَهُ مُخَالِفًا لِمَصْلَحَتِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ ; وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى نَبِيِّهِمْ فِي جَعْلِ طَالُوتَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا لَا يَنْهَضُ حُجَّةً إِلَّا فِي ظَنِّ الْمُنْكِرِينَ. وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِ النَّاسِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَحْسَبُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الصَّوَابَ فِي السِّيَاسَةِ وَنِظَامِ الِاجْتِمَاعِ فِي الْأُمَمِ وَالدُّوَلِ، فَلَا تَعْرِضُ مَسْأَلَةً عَلَى عَامِّيٍّ إِلَّا وَيُبْدِي فِيهَا رَأَيًا يُقِيمُ عَلَيْهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ هُوَ أَعْلَى مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ الَّتِي يَعْتَرِفُ الْجَاهِلُونَ بِهَا بِجَهْلِهِمْ، فَلَا يَحْكُمُونَ فِيهَا كَمَا يَحْكُمُونَ فِي عِلْمِ السِّيَاسَةِ وَالِاجْتِمَاعِ وَمَا يَعْقِلُهُ إِلَّا الْأَفْرَادُ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ عَامَّةَ الْمُسْلِمِينَ لِهَذَا الْعَهْدِ يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى جَعْلِ الْخِلَافَةِ مُوَافِقَةً لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَعْتَقِدُونَهَا مُخَالِفَةً لِمَصْلَحَتِهِمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَعُدُّ الدَّاعِيَ إِلَى ذَلِكَ عَدُوًّا لَهُمْ بَلْ لِلْإِسْلَامِ نَفْسِهِ.
стр. 793
(السَّادِسَةُ) أَنَّ الْأُمَمَ فِي طَوْرِ الْجَهْلِ تَرَى أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْمُلْكِ وَالزَّعَامَةِ أَصْحَابُ الثَّرْوَةِ الْوَاسِعَةِ كَمَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُنْكِرِينَ عَلَى مُلْكِ طَالُوتَ فِي تَأْيِيدِ إِنْكَارِهِمْ
(وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) وَأَصْحَابُ الْأَنْسَابِ الشَّرِيفَةِ، كَمَا عُلِمَ مِمَّا فَسَّرَ بِهِ الْعُلَمَاءُ قَوْلَهُمْ لَهُ: (وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ) فَهَذَا الِاعْتِقَادُ مِنَ السُّنَنِ الْعَامَّةِ فِي الْأُمَمِ الْجَاهِلَةِ خَاصَّةً، فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي تَخْضَعُ لِأَصْحَابِ الْعَظَمَةِ الْوَهْمِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي لَيْسَتْ صِفَةً لِنَفْسِ صَاحِبِهَا كَالْمَالِ وَالِانْتِسَابِ إِلَى بَعْضِ الْعُظَمَاءِ فِي عُرْفِهِمْ، سَوَاءً كَانَتْ عَظَمَتُهُمْ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ. هَذَا مَوْضِعُ الْخَطَأِ فِي تَعْظِيمِ ذِي النَّسَبِ، وَيَشْتَدُّ خَطَرُهُ إِذَا صَارَ الْأَنْسَابُ يَسْتَعْلُونَ عَلَى النَّاسِ بِأَنْسَابِهِمْ دُونَ عُلُومِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَالْقُرْآنُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ وَجْهُ قَوْلِهِمْ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ نَظَرٌ لَا مَحَلَّ هُنَا لِبَسْطِهِ، وَلَكِنْ نَقُولُ بِالْإِجْمَالِ: إِنَّ الِانْتِسَابَ إِلَى أَهْلِ الشَّرَفِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْمَعَارِفِ الصَّحِيحَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ وَالنُّفُوسِ الْكَرِيمَةِ الْعَزِيزَةِ، لَهُ أَثَرٌ فِي النَّفْسِ عَظِيمٌ; فَإِنَّ سَلِيلَ الشُّرَفَاءِ جَدِيرٌ بِأَنْ يُحَافِظَ عَلَى كَرَامَةِ نَفْسِهِ فَلَا يُدَنِّسُهَا بِالْخِيَانَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرِثَ شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِهِمُ النَّفْسِيَّةِ فَيَكُونُ اسْتِعْدَادُهُ لِلْخَيْرِ أَعْظَمَ فِي الْغَالِبِ.
وَإِنَّكَ لِتَجِدُ الْأُمَمَ الرَّاقِيَةَ فِي الْعِلْمِ وَالِاجْتِمَاعِ تَخْتَارُ مُلُوكَهَا مِنْ سُلَالَةِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ وَتُحَافِظُ عَلَى قَوَانِينِ الْوِرَاثَةِ فِي ذَلِكَ، وَمَا ارْتَقَى عَنْ هَذَا إِلَّا أَصْحَابُ الْحُكُومَةِ الْجُمْهُورِيَّةِ.
وَقَدْ جَاءَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَسَطًا فَلَمْ يُغْفِلْ أَمْرَ النَّسَبِ بِالْمَرَّةِ لِئَلَّا تَتَّسِعَ دَائِرَةُ الْخِلَافِ بِطَمَعِ كُلِّ قَبِيلَةٍ فِي الْإِمَامَةِ الْكُبْرَى، وَلَمْ يَجْعَلِ الْأَمْرَ فِي بَيْتٍ مُعَيَّنٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْغَوَائِلِ، بَلْ جَعَلَهُ فِي قَبِيلَةٍ عَظِيمَةٍ كَثِيرَةِ الْعَدَدِ لَا تَخْلُو مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْإِمَامَةِ - وَهِيَ مُحْتَرَمَةٌ فِي نَفْسِهَا - كَانَتْ مُحْتَرَمَةً فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَيُرْجَى أَنْ يَدُومَ احْتِرَامُهَا مَا دَامَ الْإِسْلَامُ الَّذِي أَتَمَّ اللهُ نِعْمَتَهُ عَلَى الْبَشَرِ بِجَعْلِ رَسُولِ اللهِ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ مِنْهَا أَلَا وَهِيَ قُرَيْشٌ. فَمِنَ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ أَنْ تَظَلَّ الرِّيَاسَةُ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ مُرْتَبِطَةً بِتَارِيخِ مَاضِيهَا وَقَوْمِ مُؤَسِّسِهَا كَارْتِبَاطِ دِينِهَا بِوَطَنِهِ فِي عِبَادَتِهَا الشَّخْصِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَهُمَا الصَّلَاةُ وَالْحَجُّ.
(السَّابِعَةُ) أَنَّ الشُّرُوطَ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِي اخْتِيَارِ الرَّجُلِ فِي الْمُلْكِ هِيَ مَا اسْتَفَدْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) الْآيَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ.
(الثَّامِنَةُ) هِيَ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) كَمَا بَيَّنَاهُ مُعَزَّزًا بِالشَّوَاهِدِ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، عَلَى أَنَّ مَشِيئَتَهُ تَعَالَى إِنَّمَا تَنْفُذُ بِمُقْتَضَى سُنَنِهِ الْعَامَّةِ فِي
تَغْيِيرِ أَحْوَالِ الْأُمَمِ
стр. 794
بِتَغْيِيرِهِمْ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَفِي سَلْبِ مُلْكِ الظَّالِمِينَ وَإِيرَاثِ الْأَرْضِ لِلصَّالِحِينَ، وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَاتِ وَأَمْثَالِهَا مُشَاهَدٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَأَيْنَ الْمُبْصِرُونَ؟ ! (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) (٢١: ٤٤) أَوْ لَمْ يَسْمَعُوا دَعْوَةَ الْأَنْبِيَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) (٢٦: ١٥٠ - ١٥٢) أَيَظُنُّ الْمُسْلِمُ الْغَافِلُ أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: (قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) (٣: ٢٦) هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مُخَالَفَةِ سُنَنِهِ الَّتِي بَيَّنَتْهَا الْآيَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ؟ بَلْ أَقُولُ وَلَا أَخْشَى فِي الْحَقِّ لَوْمَةَ لَائِمٍ: أَيَظُنُّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ تَنَازُعَ الْأُمَمِ وَالدُّوَلِ عَلَى مَمَالِكِهِمْ وَسَلْبِهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ مُخَالِفٌ لِعَدْلِ اللهِ الْعَامِّ وَسُنَنِهِ الْحَكِيمَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ؟ كَلَّا إِنَّهُ تَعَالَى مَا فَرَّطَ فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، وَلَكِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ فَرَّطُوا فَذَاقُوا جَزَاءَ تَفْرِيطِهِمْ، فَإِنْ تَابُوا وَأَصْلَحُوا تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَقَدَ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ.
(التَّاسِعَةُ) أَنَّ طَاعَةَ الْجُنُودِ لِلْقَائِدِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ شَرْطٌ فِي الظَّفْرِ وَاسْتِقَامَةِ الْأَمْرِ، وَقَوَانِينُ الْجُنْدِيَّةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى طَاعَةِ الْجَيْشِ لِقُوَّادِهِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَالْمَعْقُولِ وَغَيْرِ الْمَعْقُولِ، فَإِذَا أَمَرَ الْقَائِدُ بِتَسْلِيمِ الدِّيَارِ أَوِ الْأَمْوَالِ أَوِ الْأَنْفُسِ لِلْأَعْدَاءِ وَجَبَ تَسْلِيمُهَا فِي قَانُونِ كُلِّ دَوْلَةٍ، نَعَمْ; إِنَّهُمْ قَرَنُوا بِهَذَا الْحَقِّ لِلْقَائِدِ إِيجَابَهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يُبْرِمَ الْأُمُورَ بِاسْتِشَارَةِ أَهْلِ الرَّأْيِ فِي الْفُنُونِ الْعَسْكَرِيَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُسَمُّونَهُمْ أَرْكَانَ الْحَرْبِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ وَرَئِيسَهُمُ مُقَيَّدُونَ بِدُسْتُورِ الدَّوْلَةِ الْعَامِّ، وَبِمُوَافَقَةِ مَجْلِسِ نُوَّابِ الْأُمَّةِ عَلَى مَا نَصَّ الدُّسْتُورُ عَلَى وُجُوبِ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ يُحَاكَمُ وَيُعَاقَبُ.
(الْعَاشِرَةُ) أَنَّ الْفِئَةَ الْقَلِيلَةَ قَدْ تَغْلِبُ - بِالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَطَاعَةِ الْقُوَّادِ - الْفِئَةَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي أَعْوَزَهَا الصَّبْرُ وَالِاتِّحَادُ، مَعَ طَاعَةِ الْقُوَّادِ; لِأَنَّ نَصْرَ اللهِ مَعَ الصَّابِرِينَ; أَيْ جَرَتْ سُنَّتُهُ بِأَنْ يَكُونَ النَّصْرُ أَثَرًا لِلثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ، وَأَنَّ أَهْلَ الْجَزَعِ وَالْجُبْنِ هُمْ أَعْوَانٌ لِعَدُوِّهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ كَثِيرٌ لَا مُطَّرِدٌ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
(الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللهِ تَعَالَى وَالتَّصْدِيقَ بِلِقَائِهِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ فِي مَوَاقِفِ الْجِلَادِ; فَإِنَّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِأَنَّ لَهُ إِلَهًا غَالِبًا عَلَى أَمْرِهِ يَمُدُّهُ بِمَعُونَتِهِ الْإِلَهِيَّةِ كَمَا أَمَدَّهُ بِالْقُوَى الرُّوحِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ، فَإِذَا ظَفَرَ بِإِذْنِهِ كَانَ مُصْلِحًا فِي الْأَرْضِ مُسْتَعْمِرًا فِيهَا، وَإِذَا قَبَضَهُ إِلَيْهِ بِانْتِهَاءِ أَجَلِهِ الْمُسَمَّى كَانَ فِي رَحْمَتِهِ نَاعِمًا فِيهَا، لَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَسْتَخِفَّ بِالْأَهْوَالِ، وَيَثْبُتَ فِي الْقِتَالِ ثَبَاتَ الْأَجْبَالِ، وَقَدْ وَافَقْنَا كِتَابَ الْإِفْرِنْجِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَصَرَّحُوا بِأَنَّ مِنْ أَسْبَابِ ثَبَاتِ الْبُوَيْرِ وَبَلَائِهِمْ فِي حَرْبِهِمْ لِلْإِنْجِلِيزِ كَوْنَهُمْ أَقْوَى إِيمَانًا وَأَرْسُخَ عَقِيدَةً، وَجَمِيعُ
стр. 795
الْأُمَمِ تَشْهَدُ بِأَنَّ الْجَيْشَ الْعُثْمَانِيَّ أَثْبَتُ جُيُوشِ الْعَالَمِ وَأَصْبَرَهُ وَأَشْجَعَهُ. وَقَدْ تَمَنَّى قَائِدٌ أَلْمَانِيٌّ يُعَدُّ مِنْ أَشْهَرِ قُوَّادِ الْأَرْضِ لَوْ أَنَّ لَهُ مِائَةَ أَلْفٍ مِنْ هَذَا الْجَيْشِ لِيَمْلِكَ بِهَا الْعَالَمَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُ جَيْشٌ يُؤْمِنُ بِلِقَاءِ اللهِ تَعَالَى إِيمَانًا قَوِيًّا يَقِلُّ فِي قُوَّادِهِ مَنْ يُسَاوِيهِ فِيهِ.
(الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) أَنَّ التَّوَجُّهَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ مُفِيدٌ فِي الْقِتَالِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ) إِذْ عَطَفَهَا بِالْفَاءِ عَلَى آيَةِ الدُّعَاءِ، وَذَلِكَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى; فَإِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ آيَةُ ذَلِكَ الْإِيمَانِ الَّذِي بَيَّنَّا فَائِدَتَهُ آنِفًا; وَلِذَلِكَ قَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٨: ٤٥) فَيُرَاجَعُ تَفْسِيرُهَا فِي الْجُزْءِ الْعَاشِرِ.
(الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ مِنَ السُّنَنِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ عُلَمَاءُ الْحِكْمَةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ بِتَنَازُعِ الْبَقَاءِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْحَرْبَ طَبِيعِيَّةٌ فِي الْبَشَرِ; لِأَنَّهَا مِنْ فُرُوعِ سُنَّةِ تَنَازُعِ الْبَقَاءِ الْعَامَّةِ. وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ لَيْسَ نَصًّا فِيمَا يَكُونُ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ
خَاصَّةً، بَلْ هُوَ عَامٌّ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّنَازُعِ بَيْنَ النَّاسِ الَّذِي يَقْتَضِي الْمُدَافَعَةَ وَالْمُغَالَبَةَ. وَيَظُنُّ بَعْضُ الْمُتَطَفِّلِينَ عَلَى عِلْمِ السُّنَنِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ أَنَّ تَنَازُعَ الْبَقَاءِ الَّذِي يَقُولُونَ إِنَّهُ سُنَّةٌ عَامَّةٌ هُوَ مِنْ أَثَرَةِ الْمَادِّيِّينَ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَأَنَّهُ جَوْرٌ وَظُلْمٌ، هُمُ الْوَاضِعُونَ لَهُ وَالْحَاكِمُونَ بِهِ، وَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِهَدْيِ الدِّينِ، وَلَوْ عَرَفَ مَنْ يَقُولُونَ هَذَا مَعْنَى الْإِنْسَانِ أَوْ لَوْ عَرَفُوا أَنْفُسَهُمْ، أَوْ لَوْ فَهِمُوا هَذِهِ الْآيَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ سُورَةِ الْحَجِّ لَمَا قَالُوا مَا قَالُوا.
(الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) يُؤَيِّدُ السُّنَّةَ الَّتِي يُعَبِّرُ عَنْهَا عُلَمَاءُ الِاجْتِمَاعِ بِالِانْتِخَابِ الطَّبِيعِيِّ أَوْ بَقَاءِ الْأَمْثَلِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ جَعْلُ هَذَا مِنْ لَوَازِمِ مَا قَبْلَهُ; فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ مُدَافَعَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنِ الْحَقِّ وَالْمَصْلَحَةِ هُوَ الْمَانِعُ مِنْ فَسَادِ الْأَرْضِ، أَيْ: هُوَ سَبَبُ بَقَاءِ الْحَقِّ وَبَقَاءِ الصَّلَاحِ. وَيُعَزِّزُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ حِكْمَةِ الْإِذْنِ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)
стр. 796
(٢٢: ٣٩ - ٤١) فَهَذَا إِرْشَادٌ إِلَى تَنَازُعِ الْبَقَاءِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ، وَأَنَّهُ يَنْتَهِي بِبَقَاءِ الْأَمْثَلِ وَحِفْظِ الْأَفْضَلِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ) (١٣: ١٧) فَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ سُيُولَ الْحَوَادِثِ وَنِيرَانَ التَّنَازُعِ تَقْذِفُ زَبَدَ الْبَاطِلِ الضَّارَّ فِي الِاجْتِمَاعِ وَتَدْفَعُهُ، وَتُبْقِي إِبْلِيزَ الْحَقِّ النَّافِعَ الَّذِي يَنْمُو فِيهِ
الْعُمْرَانُ، وَإِبْرِيزَ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا الْإِنْسَانُ، وَهُنَاكَ آيَاتٌ أُخْرَى فِي أَنَّ الْحَقَّ يُزْهِقُ الْبَاطِلَ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَدَفْعُ الشُّبَهِ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِهَا إِنْ أَمْهَلَنَا الزَّمَانُ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ. اهـ.
стр. 797
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - مَا مِثَالُهُ مُفَصَّلًا: كَانَ الْكَلَامُ إِلَى هُنَا فِي طَلَبِ بَذْلِ الْمَالِ وَالنَّفْسِ فِي سَبِيلِ اللهِ - تَعَالَى -، وَقَدْ ضُرِبَ لَهُ مَثَلُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ فَمَاتُوا بِجُبْنِهِمْ وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ كَثْرَتُهُمْ، ثُمَّ أَحْيَاهُمُ اللهُ - تَعَالَى - ; أَيْ أَحْيَا أُمَّتَهُمْ بِنَفَرٍ مِنْهُمْ غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَمَثَلُ الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ أَنْ غَلَبَ الْفِلَسْطِينِيُّونَ أَمَّتَهُمْ عَلَى أَمْرِهَا وَأَخْرَجُوهَا مِنْ دِيَارِهَا وَأَبْنَائِهَا، ثُمَّ نَصَرَهَا اللهُ - تَعَالَى - بِفِئَةٍ قَلِيلَةٍ مُؤْمِنَةٍ بِلِقَائِهِ، صَابِرَةٍ فِي بَلَائِهِ، بَعْدَ هَذَا أَرَادَ - سُبْحَانَهُ - أَنْ يُقَوِّيَ النُّفُوسَ
عَلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ، فَذَكَرَ الْأَنْبِيَاءَ الْمُرْسَلِينَ الَّذِينَ كَانُوا أَقْطَابَ الْهِدَايَةِ، وَمَحَلَّ التَّوْفِيقِ مِنْهُ وَالْعِنَايَةِ، الَّذِينَ بَيَّنَ الدَّلِيلُ فِي آخِرِ السِّيَاقِ الْمَاضِي عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي فِيهِ سِيرَتُهُمْ مِنْهُمْ، وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ دَاوُدَ وَمَا آتَاهُ اللهُ مِنَ الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ، ذَكَرَهُمْ مُبَيِّنًا تَفْضِيلَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَخَصَّ بِالذِّكْرِ أَوِ الْوَصْفِ مَنْ بَقِيَ لَهُمْ أَتْبَاعٌ، وَذَكَرَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَتْبَاعِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ فِي الِاخْتِلَافِ وَالِاقْتِتَالِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَوْضُوعِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْإِنْفَاقُ وَبَذْلُ الْمَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ، لَكِنْ بِأُسْلُوبٍ آخَرَ كَمَا تَرَى فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ تَعَالَى:
стр. 798
تِلْكَ الرُّسُلُ أَيِ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فِي آخِرِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَمِنْهُمْ دَاوُدُ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِمْ: الْمُرَادُ بِالرُّسُلِ مَنْ ذُكِرُوا فِي هَذِهِ السُّورَةِ، أَوْ مَنْ قَصَّ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ قَبْلَ هَذَا مِنْ أَنْبَائِهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ جَمَاعَةُ الرُّسُلِ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مَعَ اسْتِوَائِهِمْ فِي اخْتِيَارِ اللهِ - تَعَالَى - إِيَّاهُمْ لِلتَّبْلِيغِ عَنْهُ وَهِدَايَةِ خَلْقِهِ إِلَى مَا فِيهِ سَعَادَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا التَّفْضِيلِ وَذِكْرُ بَعْضِ الْمُفَضَّلِينَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اسْتِدْرَاكًا مَعَ مَا ذُكِرَ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ مِنْ إِيتَائِهِ - تَعَالَى - دَاوُدَ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَتَعْلِيمِهِ مِمَّا يَشَاءُ، فَهُوَ يَقُولُ: إِنَّهُمْ كُلُّهُمْ رُسُلُ اللهِ، فَهُمْ حَقِيقُونَ بِأَنْ يُتَّبَعُوا وَيُقْتَدَى بِهُدَاهُمْ وَإِنِ امْتَازَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا شَاءَ اللهُ مِنَ الْخَصَائِصِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي شَرَائِعِهِمْ وَأُمَمِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَ هَذَا التَّفْضِيلَ فِي بَعْضِ الْمُفَضَّلِينَ فَقَالَ: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ بِصِيغَةِ الِالْتِفَاتِ عَنِ الضَّمِيرِ إِلَى التَّعْبِيرِ بِالظَّاهِرِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ هَذِهِ الْمَنْقَبَةِ، وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الِالْتِفَاتِ إِلْفَاتُ الْأَذْهَانِ إِلَى هَذِهِ الْمَنْقَبَةِ تَفْخِيمًا لَهَا وَتَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا، وَهَذَا التَّكْلِيمُ كَانَ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - لِسَيِّدِنَا مُوسَى ﵊ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [٤: ١٦٤] وَفِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [٧: ١٤٣] وَفِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي [٧: ١٤٤] فَهَذِهِ الْآيَاتُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوسَى قَدْ خُصَّ بِتَكْلِيمٍ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَإِنْ كَانَ وَحْيُ اللهِ - تَعَالَى - عَامًّا لِكُلِّ الرُّسُلِ، وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلَامُ اللهِ - تَعَالَى -، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الشُّورَى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ
مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [٤٢: ٥١] فَجَعَلَ كَلَامَهُ لِرُسُلِهِ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَكْلِيمَ مُوسَى كَانَ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي فِي الْآيَةِ، وَكُلُّهَا تُسَمَّى وَحْيَ اللهِ وَكَلَامَ اللهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ التَّكْلِيمِ كَانَ لِنَبِيِّنَا ﵊ فِي تَجَلِّي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ، فَهُوَ الْمُرَادُ بِمَنْ كَلَّمَ اللهُ هُنَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ " مَنْ " يَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ.
أَقُولُ: وَقَدْ خَاضَ عُلَمَاءُ الْعَقَائِدِ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ الْإِلَهِيِّ وَالتَّكْلِيمِ وَتَبِعَهُمُ الْمُفَسِّرُونَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَالْمُعْتَزِلَةِ: إِنَّ التَّكْلِيمَ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ اللهِ - تَعَالَى - كَالتَّعْلِيمِ وَالْكَلَامُ مَا يَكُونُ بِهِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّ كَلَامَ اللهِ - تَعَالَى - صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ تَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ مَا فِي عِلْمِهِ، وَتَكْلِيمُهُ الرُّسُلَ عِبَارَةٌ عَنْ إِعْلَامِهِمْ بِمَا شَاءَ مِنْ عِلْمِهِ، وَمَا بِهِ الْإِعْلَامُ هُوَ كَلَامُ اللهِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي رِسَالَةِ التَّوْحِيدِ: شَأْنٌ مِنْ شُئُونِهِ قَدِيمٌ بِقِدَمِهِ، أَيْ: إِنَّهُ - تَعَالَى - مُتَّصِفٌ فِي الْأَزَلِ بِالْكَلَامِ، أَيْ بِالصِّفَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا التَّكْلِيمُ مَتَى شَاءَ، كَمَا أَنَّهُ مُتَّصِفٌ فِي الْأَزَلِ بِالْقُدْرَةِ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الْخَلْقُ وَالتَّقْدِيرُ مَتَى شَاءَ، هَذَا أَوْضَحُ مَا يُبَيَّنُ بِهِ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كَلَامِ اللهِ - تَعَالَى - النَّفْسِيِّ، وَهُوَ أَنَّ لَهُ صِفَةً ذَاتِيَّةً، بِهَا يُعَلِّمُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ عِلْمِهِ
стр. 799
مَتَى شَاءَ، وَهَذَا الْإِعْلَامُ هُوَ التَّكْلِيمُ وَالْوَحْيُ، وَلَا يَجُوزُ لَنَا الْبَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ كَلَامِهِ الْقَدِيمِ، وَلَا عَنْ كَيْفِيَّةِ تَكْلِيمِهِ رُسُلَهُ وَإِيحَائِهِ إِلَيْهِمْ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ: إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَهُ إِلَّا النَّبِيُّ الْمُكَلَّمُ، فَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَبْحَثَ فِيهِ وَنُحَاوِلَ الْوُقُوفَ عَلَى كُنْهِهِ، حَتَّى إِنَّ النَّبِيَّ الْمُكَلَّمَ نَفْسَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُفْهِمَهُ لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِبَارَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ: يَعْنِي أَنَّ مَا كَانَ لِلرُّسُلِ ﵈ مِنْ تَكْلِيمِ اللهِ وَمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْوِجْدَانِ وَالشُّعُورِ النَّفْسِيِّ، كَالشُّعُورِ بِالسُّرُورِ وَاللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ، فَلَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّصَوُّرَاتِ وَالْخَوَاطِرِ، وَلَا نَزِيدُ عَلَى هَذَا الْبَيَانِ فِي هَذَا الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ مِنْ مَزَالِّ الْأَقْدَامِ وَالْأَقْلَامِ، فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَلَامِ اللهِ - تَعَالَى - وَوَحْيِهِ مَعَ تَنْزِيهِهِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِهِ، فَإِنْ وَقَعَ فِي كَلَامِنَا مَا يُوهِمُ خِلَافَ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ فَهُوَ مِنْ عَثَرَاتِ الْقَلَمِ الضَّعِيفِ فِي الْبَيَانِ، لَا مِنْ شُذُوذٍ عَنْ صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيمِ فِي الْإِيمَانِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ فَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ
الْمُرَادَ بِهِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَيَّدَهُ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ الْأُسْلُوبَ يُؤَيِّدُهُ وَيَقْتَضِيهِ ; أَيْ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي بَيَانِ الْعِبْرَةِ لِلْأُمَمِ الَّتِي تَتَّبِعُ الرُّسُلَ، وَالتَّشْنِيعِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ وَاقْتِتَالِهِمْ مَعَ أَنَّ دِينَهُمْ وَاحِدٌ فِي جَوْهَرِهِ، وَالْمَوْجُودُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمُسْلِمُونَ، فَالْمُنَاسِبُ تَخْصِيصُ رُسُلِهِمْ بِالذِّكْرِ، وَلَعَلَّ ذِكْرَ آخِرِهِمْ فِي الْوَسَطِ لِلْإِشْعَارِ بِكَوْنِ شَرِيعَتِهِ وَكَذَا أُمَّتِهِ وَسَطًا.
أَقُولُ: وَمِنْ هَذِهِ الدَّرَجَاتِ مَا هُوَ خُصُوصِيَّةٌ فِي نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي كِتَابِهِ وَشَرِيعَتِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي أُمَّتِهِ، وَآيَاتُ الْقُرْآنِ تُنْبِئُ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الْقَلَمِ:
وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [٦٨: ٤] وَقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ نِعَمَهُ عَلَى أَشْهَرِهِمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [٢١: ١٠٧] وَلَمْ يَقُلْ مِثْلَ هَذَا فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ سَبَأٍ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [٣٤: ٢٨] وَقَالَ - تَعَالَى - فِي فَضْلِ الْقُرْآنِ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [١٧: ٩] الْآيَاتِ. وَقَالَ فِيهَا: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [١٧: ٨٨] وَقَالَ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ [٣٩: ٢٣] الْآيَةَ. وَقَالَ فِيهَا: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [٣٩: ٥٥] الْآيَةَ. وَقَالَ: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [١٦: ٨٩] وَقَالَ:
стр. 800
مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [٦: ٣٨] وَوَصَفَهُ بِالْحَكِيمِ وَبِالْمَجِيدِ وَبِالْعَظِيمِ وَبِالْمُبِينِ وَبِالْفُرْقَانِ، وَحَفِظَهُ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، وَوَصَفَ الشَّرِيعَةَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الْأَعْلَى: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [٨٧: ٨] وَقَالَ فِي أُمَّتِهِ، أَيْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ حَقَّ الِاتِّبَاعِ دُونَ الَّذِينَ لَقَّبُوا أَنْفُسَهُمْ بِلَقَبِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَهْتَدُوا بِهَدْيِ الْقُرْآنِ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [٢: ١٤٣] وَقَالَ فِيهَا مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [٣: ١١٠] وَلَوْ أَرَدْتُ اسْتِقْصَاءَ الْآيَاتِ فِي وُجُوهِ دَرَجَاتِهِ - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لَأَتَيْتُ بِكَثِيرٍ،
وَهَذَا الْقَلِيلُ لَا يُقَالُ لَهُ قَلِيلٌ، وَفِي الْأَحَادِيثِ مِنْ ذِكْرِ خَصَائِصِهِ مَا أُفْرِدَ بِالتَّأْلِيفِ وَهِيَ مِمَّا يَصِحُّ أَنَّ تُعَدَّ مِنْ دَرَجَاتِهِ، وَإِنَّكَ لَتَرَى الْعُلَمَاءَ مَعَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ، بَلْ جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا إِدْرِيسَ ﵇ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [١٩: ٥٧] عَلَى أَنَّ الْمَكَانَ لَيْسَ بِمَعْنَى الدَّرَجَاتِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِمَعْنَى رَفْعِ اللهِ دَرَجَاتِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ وَهُوَ بِمَعْنَى التَّفْضِيلِ الْمُطْلَقِ فِي قَوْلِهِ: فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَجَعَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ حَمْلَ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ مِنَ التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ، وَبَالَغَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْهُ، وَكَيْفَ يُقْبَلُ هَذَا مِنْهُ وَالْآيَةُ جَاءَتْ بَعْدَ مُطْلَقِ التَّفْضِيلِ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا بِالدَّلَائِلِ عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا، وَتَفْسِيرُ الْمُبْهَمِ بِالدَّلِيلِ لَيْسَ مِنَ التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ، لَا سِيَّمَا إِذَا أَيَّدَهُ السِّيَاقُ وَرَضِيَ بِهِ الْأُسْلُوبُ، إِنَّمَا التَّفْسِيرُ بِالرَّأْيِ هُوَ مَا يَكُونُ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ يَنْتَحِلُونَ مَذْهَبًا يَجْعَلُونَهُ أَصْلًا فِي الدِّينِ، ثُمَّ يُحَاوِلُونَ حَمْلَ الْآيَاتِ عَلَيْهِ، وَلَوْ بِالتَّأْوِيلِ وَالتَّحْرِيفِ وَالْأَخْذِ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَرْكِ بَعْضٍ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ الْبَيِّنَاتُ: هِيَ مَا تَبَيَّنَ بِهِ الْحَقُّ مِنَ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ كَمَا قَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [٢: ٩٢] وَرُوحِ الْقُدُسِ: هُوَ رُوحُ الْوَحْيِ الَّذِي يُؤَيِّدُ اللهُ بِهِ رُسُلَهُ كَمَا قَالَ لِنَبِيِّنَا: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [٤٢: ٥٢] الْآيَةَ. وَقَالَ لَهُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [١٦: ١٠٢] وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ عِبَارَةٌ عَنِ الرُّوحِ الطَّيِّبَةِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي أُيِّدَ بِهَا عِيسَى ﵇، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي آيَةِ (٨٧) مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ فَلَا نُطِيلُ فِي إِعَادَةِ تَفْسِيرِهَا، وَلَعَلَّ النُّكْتَةَ فِي ذِكْرِ اسْمِ عِيسَى ﵊: أَنَّ مَا آتَاهُ لَمَّا كَانَ مُشْتَرَكًا كَانَ ذِكْرُهُ بِالْإِبْهَامِ غَيْرَ صَرِيحٍ فِي كَوْنِهِ مِمَّنْ فُضِّلَ بِهِ، أَوِ الرَّدُّ عَلَى الَّذِينَ غَلَوْا فِيهِ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ إِلَهٌ
стр. 801
لَا رَسُولٌ مُؤَيَّدٌ بِآيَاتِ اللهِ، ظَهَرَ لِي هَذَا عِنْدَ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ رَاجَعْتُ تَفْسِيرَ أَبِي السُّعُودِ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: وَإِفْرَادُهُ
﵇ بِمَا ذُكِرَ لِرَدِّ مَا بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ فِي شَأْنِهِ ﵇ مِنَ التَّفْرِيطِ وَالْإِفْرَاطِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مِثَالُهُ مَبْسُوطًا: إِذْ جَرَيْنَا فِي فَهْمِ الْآيَةِ عَلَى تَفْسِيرِ مُفَسِّرِنَا " الْجَلَالِ " وَأَضْرَابِهِ نَكُونُ جَبْرِيَّةً لَا نَقْبَلُ دِينًا وَلَا شَرْعًا، وَلَا يَكُونُ لَنَا فِي الْكَلَامِ عِبْرَةٌ ; لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا قُصَارَاهُ: إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي غَرَسَ فِي قُلُوبِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِ الْأَنْبِيَاءِ بُذُورَ الْخِلَافِ وَالشِّقَاقِ، وَقَضَى عَلَيْهِمْ بِمَا أَلْزَمَهُمُ الْعُدْوَانَ وَالِاقْتِتَالَ، فَإِنَّهُ شَاءَ أَنْ يَكُونُوا هَكَذَا، فَكَانُوا مُضْطَرِّينَ فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ كَانَ لَهُمُ اخْتِيَارٌ مَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، فَلْنَدَعْ هَذَا وَلْنَنْظُرْ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْقَلِيلَةُ مِنِ اتِّفَاقِ حِكْمَةِ اللهِ - تَعَالَى - مَعَ مَشِيئَتِهِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَسُنَنِهِ فِي شُئُونِهِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، لَمْ يَخْلُقِ اللهُ النَّاسَ بِقُوًى مَحْدُودَةٍ مُتَسَاوِيَةٍ فِي أَفْرَادِهِمْ لَا تَتَجَاوَزُ طَلَبَ مَا بِهِ قِوَامُ الْحَسْمِ بِالْإِلْهَامِ الْفِطْرِيِّ وَالْإِدْرَاكِ الْجُزْئِيِّ، كَالْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ وَالطُّيُورِ الْحَائِمَةِ، بَلْ خَلَقَ الْإِنْسَانَ كَمَا نَعْرِفُهُ الْآنَ، جَعَلَ لَهُ عَقْلًا يَتَصَرَّفُ فِي أَنْوَاعِ شُعُورِهِ، وَفِكْرًا يَجُولُ فِي طُرُقِ حَاجَاتِهِ الْبَدَنِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ، وَجَعَلَ ارْتِقَاءَهُ فِي إِدْرَاكِهِ وَأَفْكَارِهِ كَسْبِيًّا، يَنْشَأُ ضَعِيفًا فَيَقْوَى بِالتَّدْرِيجِ حَسَبَ التَّرْبِيَةِ الَّتِي يُحَاطُ بِهَا، وَالتَّعْلِيمِ الَّذِي يَتَلَقَّاهُ، وَتَأْثِيرِ حَوَادِثِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَالْأُسْوَةِ وَالتَّجَارِبِ فِيهِ، وَجَعَلَ هِدَايَةَ الدِّينِ لَهُ أَمْرًا اخْتِيَارِيًّا لَا وَصْفًا اضْطِرَارِيًّا، فَهِيَ مَعْرُوضَةٌ أَمَامَهُ يَأْخُذُ مِنْهَا بِقَدْرِ اسْتِعْدَادِهِ وَفِكْرِهِ، كَمَا هُوَ شَأْنُهُ فِي الْأَخْذِ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْ مَنَافِعِ الْكَوْنِ. هَذِهِ هِيَ سُنَّتُهُ - تَعَالَى - فِي الْإِنْسَانِ وَهِيَ مَنْشَأُ الِاخْتِلَافِ، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ شَاءَ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ سُنَّتَهُ فِي تَبْلِيغِ الدِّينِ وَعَرْضِهِ عَلَى النَّاسِ هَكَذَا - بِأَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ إِلْهَامَاتِهِمُ الْعَامَّةِ وَشُعُورِهِمُ الْفِطْرِيِّ، كَشُعُورِ الْحَيَوَانِ وَإِلْهَامِهِ مَا فِيهِ مَنْفَعَتُهُ - لَكَانُوا فِي هِدَايَةِ الدِّينِ سَوَاءٌ ; يَسْعَدُونَ بِهِ أَجْمَعِينَ فَتَمْنَعُهُمْ بَيِّنَاتُهُ أَنْ يَخْتَلِفُوا فَيَقْتَتِلُوا، وَلَكِنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَى غَيْرِ مَا خَلَقَ عَلَيْهِ الْحَيَوَانَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ إِيمَانًا صَحِيحًا فَأَخَذَ الدِّينَ عَلَى وَجْهِهِ ; إِذْ فَهِمَهُ حَقَّ فَهْمِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَبِسَهُ مَقْلُوبًا وَحَكَّمَ هَوَاهُ فِي تَأْوِيلِهِ فَكَانَ كَافِرًا بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ -
وَإِنْ كَانَ غَالِيًا فِيمَا أَحْدَثَ فِيهِ مِنْ مَذْهَبٍ أَوْ طَرِيقَةٍ - وَكَانَ ذَلِكَ مَدْعَاةَ التَّخَاصُمِ وَسَبَبَ التَّنَازُعِ وَالتَّقَاتُلِ. اخْتَلَفَ الْيَهُودُ فِي دِينِهِمْ فَاقْتَتَلُوا، وَأَمَّا النَّصَارَى فَلَمْ تَخْتَلِفْ أُمَّةٌ اخْتِلَافَهُمْ، وَلَمْ يَقْتَتِلْ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ فِي دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ اقْتِتَالَهُمْ، بَلْ كَانَ الْمَذْهَبُ الْوَاحِدُ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ يَتَشَعَّبُ إِلَى شُعَبٍ يُقَاتِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَحْذَرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَشَدَّ الْحَذَرِ لِكَثْرَةِ مَا نَهَاهُمُ اللهُ عَنِ الِاخْتِلَافِ وَأَنْذَرَهُمُ الْعَذَابَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَدِ امْتَثَلُوا أَمْرَهُ - تَعَالَى -
стр. 802
بِالِاتِّحَادِ وَالِاعْتِصَامِ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ فِي عَصْرِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الزَّمَنِ بَعْدَهُ، فَكَانُوا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُوا أَنْ ذَهَبُوا فِي الدِّينِ مَذَاهِبَ، وَفَرَّقُوا دِينَهُمْ فَكَانُوا فِي شَرِيعَتِهِ مَشَارِبَ، فَاقْتَتَلُوا فِي الدِّينِ قَلِيلًا وَفِي السِّيَاسَةِ الَّتِي صَبَغُوهَا بِصِبْغَةِ الدِّينِ كَثِيرًا، وَقَدْ تَمَادَوْا فِي هَذَا الشِّقَاقِ وَالِاخْتِلَافِ فَانْتَهَوْا إِلَى زَمَنٍ صَارُوا فِيهِ أَبْعَدَ الْأُمَمِ عَنِ الِاتِّفَاقِ وَالِائْتِلَافِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِمِثْلِ مَا فُسِّرَتْ بِهِ الْجُمْلَةُ الْأُولَى، وَالْأَوْلَى أَنْ تُفَسَّرَ بِوَجْهٍ آخَرَ أَخَصَّ، كَأَنْ يُقَالَ: لَوْ شَاءَ اللهُ - تَعَالَى ـ أَنْ تَكُونَ سُنَّتُهُ فِي الْإِنْسَانِ - عَلَى مَا فُطِرَ عَلَيْهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ - أَنْ يَعْذُرَ الْمُخْتَلِفُونَ مِنْ أَفْرَادِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيُوَطِّنَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يَنْتَصِرَ لِرَأْيِهِ بِالْحُجَّةِ، وَيَسْعَى إِلَى مَصْلَحَتِهِ بِالْفِطْنَةِ لَمَا اقْتَتَلُوا عَلَى مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَهُمْ دَرَجَاتٍ فِي الْفَهْمِ وَالْحَزْمِ، وَأَوْدَعَ فِي غَرَائِزِهِمُ الْمُدَافَعَةَ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ وَالنِّضَالَ دُونَ مَصْلَحَتِهِمْ بِكُلِّ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، فَالْقَوِيُّ بِالرَّأْيِ يُحَارِبُ بِالرَّأْيِ وَالْقَوِيُّ بِالسَّيْفِ يُقَاوِمُ بِالسَّيْفِ، فَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الرَّأْيِ وَالْمَصَالِحِ مَعًا مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ مُؤَدِّيًا إِلَى الِاقْتِتَالِ لَا مَحَالَةَ. قَالَ: هَكَذَا خَلَقَ الْإِنْسَانَ، فَلَا يُقَالُ: لِمَ خَلَقَهُ هَكَذَا؟ لِأَنَّ هَذَا بَحْثٌ عَنْ أَسْرَارِ الْخِلْقَةِ كَكِبَرِ أُذُنَيِ الْحِمَارِ وَصِغَرِ أُذُنَيِ الْجَمَلِ وَلِذَلِكَ قَالَ: وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ أَيْ إِنَّ اخْتِصَاصَ النَّاسِ بِهَذِهِ الْمَزَايَا هُوَ أَثَرُ إِرَادَتِهِ وَتَخْصِيصِهَا فَلَا مَرَدَّ لَهُ.
فَعُلِمَ بِهَذَا أَنْ لَا تَكْرَارَ فِي الْآيَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي اخْتِلَافِ الْبَشَرِ وَأَسْبَابِهِ مُفَصَّلًا تَفْصِيلًا فِيمَا كَتَبَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [٢: ٢١٣] وَقَدْ عَنَّ لِي الْآنَ أَنْ أَخْتِمَ تَفْسِيرَ الْآيَةِ بِسَرْدِ بَعْضِ الْآيَاتِ
النَّاهِيَةِ عَنِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّفَرُّقِ فِي الدِّينِ، النَّاعِيَةِ عَلَى الْمُتَفَرِّقِينَ وَالْمُخْتَلِفِينَ، قَالَ تَعَالَى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [٣: ١٠٣] إِلَى أَنْ قَالَ: -
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينِ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [٣: ١٠٥] .
إِنِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [٦: ١٥٩] الْآيَةَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [٣٠: ٣١: ٣٢] .
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يُلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [٦: ٦٥] .
стр. 803
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [٤٢: ١٣ - ١٥] إِلَخْ.
فَهَذِهِ الْآيَاتُ وَأَمْثَالُهَا نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ دِينَ اللهِ - تَعَالَى - الَّذِي شَرَعَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ يُنَافِي الِاخْتِلَافَ وَالتَّفَرُّقَ، وَأَنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ بَرِيءٌ مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ، وَقَدْ أَرْشَدَنَا إِلَى الْمَخْرَجِ مِمَّا فُطِرَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي الْفَهْمِ وَالتَّنَازُعِ فِي الْأَمْرِ إِذْ قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [٤: ٥٩] .
فَإِطَاعَةُ اللهِ هِيَ الْأَخْذُ بِكِتَابِهِ كُلِّهِ، وَفِيهِ مَا رَأَيْتَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّفَرُّقِ فِي الدِّينِ. وَإِطَاعَةُ رَسُولِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ هِيَ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ، وَإِطَاعَةُ أُولِي الْأَمْرِ
هِيَ الْعَمَلُ بِمَا يَتَّفِقُ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَأُولُو الشَّأْنِ مِنْ عُلَمَائِنَا وَرُؤَسَائِنَا بَعْدَ الْمُشَاوَرَةِ بَيْنَهُمْ فِي أَمْرٍ اجْتِهَادِيٍّ، عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْأَصْلَحُ لَنَا الَّذِي يَسْتَقِيمُ بِهِ أَمْرُنَا، فَإِنْ وَقَعَ التَّنَازُعُ وَالِاخْتِلَافُ وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَتَحْكِيمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَمَادَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ بِحَالٍ.
هَذَا حُكْمُ اللهِ الَّذِي أَبْطَلَهُ التَّقْلِيدُ بِمَا جَعَلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَاجْتِمَاعِ رَأْيِ أُولِي الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ مِنَ الْحُجُبِ حَتَّى صَارَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ شِيَعًا فِي أَمْرِ الدِّينِ، هَذَا خَارِجِيٌّ وَهَذَا شِيعِيٌّ، وَهَذَا كَذَا وَهَذَا كَذَا، وَشِيَعًا فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، هَذَا يَتَّبِعُ سُلْطَانَهُ وَيُحَارِبُ لِأَجْلِ هَوَاهُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا يَتَّبِعُ سُلْطَانًا يَعْصِي فِي طَاعَتِهِ نُصُوصَ الدِّينِ، وَقَدْ أَفْضَى الْخِلَافُ إِلَى غَايَةٍ هِيَ شَرُّ الْغَايَاتِ، وَخَاتِمَةٍ هِيَ سُوأَى الْخَوَاتِمِ ; وَهِيَ السُّكُوتُ لِكُلِّ مُبْتَدِعٍ عَلَى بِدْعَتِهِ، وَالرِّضَا مَنْ كُلِّ مُقَلِّدٍ بِجَهَالَتِهِ، وَاتِّفَاقُ سَوَادِ الشِّيَعِ كُلِّهَا عَلَى الْإِنْكَارِ وَالتَّشْنِيعِ عَلَى مَنْ يَدْعُو إِلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ، بَلْ إِنَّكَ لَتَجِدُ فِي حَمَلَةِ الْعَمَائِمِ، وَسَكَنَةِ الْأَثْوَابِ الْعَبَاعِبِ مَنْ لَا يُنْكِرُ عَلَى التِّلْمِيذِ الْمُبْتَدِئِ أَنْ يَقْرَأَ الْكُتُبَ وَالصُّحُفَ الَّتِي تَطْعَنُ كَبِدَ الدِّينِ، وَتُحَاوِلُ هَدْمَ بِنَائِهِ الْمَتِينِ، وَيُنْكِرُ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ قِرَاءَةَ كِتَابٍ أَوْ صَحِيفَةٍ تَدْعُوهُ إِلَى كِتَابِ رَبِّهِ وَهَدْيِ نَبِيِّهِ ﷺ . وَيَعُدُّ هَذَا الْإِنْكَارَ غَيْرَةً عَلَى الدِّينِ وَخِدْمَةً لَهُ! ! فَأَيُّ بُعْدٍ عَنْهُ أَشَدُّ مِنْ هَذَا الْبُعْدِ، وَأَيُّ أَثَرٍ لِلتَّقْلِيدِ شَرٌّ مِنْ هَذَا الْأَثَرِ؟
أَمَّا الِاقْتِتَالُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ الِاخْتِلَافِ: فَأَوَّلُهُ مَا كَانَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَكَانَتْ فِئَةُ الثَّانِي هِيَ الْبَاغِيَةُ، وَاللهُ يَقُولُ فِيمَنْ سَبَقَهُمْ: وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [٤٢: ١٤]
стр. 804
ثُمَّ كَانَ مَا كَانَ مِنْ حُرُوبِ الْخَوَارِجِ ثُمَّ الشِّيعَةِ، وَآخِرُهَا الِاقْتِتَالُ بَيْنَ الْمَصْرِيِّينَ وَالْوَهَّابِيِّينَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.
وَمَنْ أَرَادَ تَمَامَ الْعِبْرَةِ فِي ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى كُتُبِ التَّارِيخِ لَا سِيِّمَا تَارِيخِ بَغْدَادَ وَحَادِثَةِ خُرُوجِ التَّتَرِ الَّتِي كَانَتْ أَوَّلَ حَادِثَةٍ زَلْزَلَتْ سُلْطَانَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَرْضِ، وَدَمَّرَتْ بِلَادَهُمْ تَدْمِيرًا، فَقَدْ كَانَ الْخِلَافُ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَسْبَابِهَا، وَابْنُ الْعَلْقَمِيِّ الشِّيعِيُّ الْوَزِيرُ هُوَ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى بَغْدَادَ سَنَةَ ٦٥٦هـ فَخَرَّبُوهَا وَقَتَلُوا فِيمَنْ قَتَلُوا الشُّرَفَاءَ شِيعَةً وَغَيْرَ شِيعَةٍ، وَوَبَّخَهُ هُولَاكُو عَلَى خِيَانَتِهِ فَمَاتَ غَمًّا، وَالْفِتَنُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ أَهْلِ
السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ كَثِيرَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ قَتْلُ الْأَوَّلِينَ لِلْآخِرِينَ فِي جَمِيعِ بِلَادِ أَفْرِيقِيَّةَ أَوَّلَ سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّقُونَهُمْ بِالنَّارِ وَيَنْهَبُونَ دُورَهُمْ، وَتَارِيخُ بَغْدَادَ مَمْلُوءٌ بِالْفِتَنِ بَيْنَ الشِّيعَةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ، وَبَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَكَانَ أَشَدُّ الْخِلَافِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ عَلَى الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ يَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ لِذَلِكَ، وَلَا يَنْسَيَنَّ الرَّاجِعُ إِلَى التَّارِيخِ الْفِتْنَةَ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، إِذْ تَقَلَّدَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ خَرَابِ مَرْوَ عَاصِمَةِ خُرَاسَانَ.
أَقُولُ: إِنَّ الْوُجُودَ قَدْ كَانَ وَمَا زَالَ مُصَدِّقًا لِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ مِنْ إِهْلَاكِ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ لِلْأُمَمِ وَإِفْسَادِهِ لِلدِّينِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ كِتَابُ اللهِ هَذَا الْمَرَضَ الِاجْتِمَاعِيَّ إِلَّا وَقَدْ بَيَّنَ عِلَاجَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ تَحْكِيمُ اللهِ - تَعَالَى - فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَرَدُّ مَا كَانَ مِنَ الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُمُورِ السِّيَاسِيَّةِ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ، كَمَا قَالَ فِي الْأُمُورِ الْحَرْبِيَّةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا [٤: ٨٣] وَلَكِنَّ هَذَا الْعِلَاجَ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْعَصْرِ ; لِأَنَّ الِاسْتِبْدَادَ ذَهَبَ بِأُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَعَ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ رَأْيٌ وَلَا مَشُورَةٌ، بَلْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أُولِي الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا هُمُ الْأُمَرَاءُ وَالسَّلَاطِينُ، مَعَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أُولِي الْأَمْرِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَمِيرٌ وَلَا سُلْطَانٌ، مَا كَانَ هُنَاكَ إِلَّا أَهْلُ الرَّأْيِ مِنْ كُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ، الَّذِينَ يَعْرِفُونَ وُجُوهَ الْمَصْلَحَةِ مَعَ فَهْمِ الْقُرْآنِ، وَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأُمَّةِ رِجَالٌ أَهْلُ بَصِيرَةٍ وَرَأْيٍ فِي سِيَاسَتِهَا وَمَصَالِحِهَا الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَقُدْرَةٍ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ يُرَدُّ إِلَيْهِمْ أَمْرُ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ وَسَائِرِ الْأُمُورِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ فِي عُرْفِ الْإِسْلَامِ أَهْلُ الشُّورَى، وَأَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَمِنْ أَحْكَامِهِمْ أَنَّ بَيْعَةَ الْخِلَافَةِ لَا تَكُونُ صَحِيحَةً إِلَّا إِذَا كَانُوا هُمُ الَّذِينَ يَخْتَارُونَ الْخَلِيفَةَ وَيُبَايِعُونَهُ بِرِضَاهُمْ وَهُمُ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ عِنْدَ الْأُمَمِ الْأُخْرَى بِنُوَّابِ الْأُمَّةِ.
стр. 805
لَوْ وُجِدَ هَؤُلَاءِ فِي بِلَادٍ إِسْلَامِيَّةٍ لَتَيَسَّرَ لَهُ إِخْرَاجُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ظُلْمَةِ الْخِلَافِ وَإِنْجَائِهِمْ مِنْ شُرُورِهِ، أَمَّا فِي الْأُمُورِ الْقَضَائِيَّةِ وَالْإِدَارِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ فَبِإِقَامَتِهَا عَلَى
الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ فِي حِفْظِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ بِحَسَبِ حَالِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَأَمَّا فِي الْأُمُورِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَالتَّعَبُّدِيَّةِ فَبِإِرْجَاعِهِمْ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، وَاعْتِبَارُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ هُوَ الدِّينُ الَّذِي يُدْعَى إِلَيْهِ، وَيُحْمَلُ كُلُّ مُسْلِمٍ عَلَيْهِ. وَمَا عَدَاهُ مِنَ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ مِمَّا يَعْمَلُ فِيهِ صَاحِبُ الدَّلِيلِ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَادِيَ أَوْ يُمَارِيَ فِيهِ مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ دَلِيلُهُ مِنْ إِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ الْمُوَافِقِينَ لَهُ فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا الْعَامِّيُّ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ فَلَا يُذْكَرُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْخِلَافِ، فَإِنْ عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ اسْتَفْتَى فِيهِ مَنْ يَثِقُ بِوَرَعِهِ وَعِلْمِهِ مِنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ، وَذَلِكَ الْعَالِمُ يُبَيِّنُ لَهُ حُكْمَ اللهِ فِيهِ بِأَنْ يَذْكُرَ لَهُ مَا عِنْدَهُ فِيهِ مِنْ آيَةٍ كَرِيمَةٍ أَوْ سُنَّةٍ قَوِيمَةٍ، وَيُبَيِّنُ لَهُ الْمَعْنَى بِالِاخْتِصَارِ. هَكَذَا كَانَ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَعَامَّتُهُمْ، وَأَنَّى لِلْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ أَنْ يَسْتَقِيمُوا عَلَى طَرِيقَتِهِمْ وَهُمْ فَاقِدُو أُولِي الْأَمْرِ الَّذِينَ تُفَوِّضُ الْأُمَّةُ إِلَيْهِمْ أُمُورَهَا الْعَامَّةَ وَتَجْعَلُهُمْ مُسَيْطِرِينَ عَلَى حُكَّامِهَا وَأَحْكَامِهَا؟
قَدِ اهْتَدَى الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي آخِرِ عُمْرِهِ إِلَى مَضَارِّ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَإِلَى أَنَّهُ لَا نَجَاةَ لَهُمْ مِنْهُ إِلَّا بِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِمَّا قُلْنَا، فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ " الْقِسْطَاسُ الْمُسْتَقِيمُ " مُنَاظَرَةً دَارَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِ الْبَاطِنِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ زَمَنٍ مِنْ إِمَامٍ مَعْصُومٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ وَيُطَاعُ طَاعَةً عَمْيَاءَ، وَإِنَّنَا نُورِدُ بَعْضَ كَلَامِهِ فِي ذَلِكَ قَالَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - بَعْدَ كَلَامٍ فِي الِاخْتِلَافِ:
فَقَالَ - أَيْ مُنَاظِرُهُ الْبَاطِنِيُّ -: كَيْفَ نَجَاةُ الْخَلْقِ مِنْ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ؟ قُلْتُ: إِنْ أَصْغَوْا إِلَيَّ رَفَعْتُ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ بِكِتَابِ اللهِ - تَعَالَى -، وَلَكِنْ لَا حِيلَةَ فِي إِصْغَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُصْغُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَلَا إِلَى إِمَامِكَ فَكَيْفَ يُصْغُونَ إِلَيَّ؟ وَكَيْفَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى الْإِصْغَاءِ وَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ فِي الْأَزَلِ بِأَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ
رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ، وَكَوْنُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ ضَرُورِيًّا تَعْرِفُهُ مِنْ كِتَابِ: " جَوَابُ مُفَصَّلِ الْخِلَافِ وَهُوَ الْفُصُولُ الِاثْنَا عَشَرَ ".
" فَقَالَ: فَلَوْ أَصْغَوْا إِلَيْكَ كَيْفَ كُنْتَ تَفْعَلُ؟ قُلْتُ: كُنْتُ أُعَامِلُهُمْ بِآيَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ - تَعَالَى - وَأَنْزَلَنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [٥٧: ٢٥]
стр. 806
الْآيَةَ وَإِنَّمَا أَنْزَلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ لِأَنَّ النَّاسَ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: عَوَامٌّ: وَهُمْ أَهْلُ السَّلَامَةِ الْبُلْهُ: وَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَخَوَاصٌّ: وَهُمْ أَهْلُ الذَّكَاءِ وَالْبَصِيرَةِ. وَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمْ طَائِفَةٌ هُمْ أَهْلُ الْجَدَلِ وَالشَّغَبِ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنَ الْكِتَابِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ.
" أَمَّا الْخَوَاصُّ فَإِنِّي أُعَالِجُهُمْ بِأَنْ أُعَلِّمَهُمُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ، وَكَيْفِيَّةَ الْوَزْنِ بِهَا فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ عَلَى قُرْبٍ، وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ اجْتَمَعَ فِيهِمْ ثَلَاثُ خِصَالٍ: " أَحَدُهَا " الْقَرِيحَةُ النَّافِذَةُ وَالْفَطِنَةُ الْقَوِيَّةُ، وَهَذِهِ فِطْرِيَّةٌ وَغَرِيزَةٌ جِبِلِّيَّةٌ لَا يُمْكِنُ كَسْبُهَا " الثَّانِيَةُ " خُلُوُّ بَاطِنِهِمْ مِنْ تَقْلِيدٍ وَتَعَصُّبٍ لِمَذْهَبٍ مَوْرُوثٍ مَسْمُوعٍ، فَإِنَّ الْمُقَلِّدَ لَا يُصْغِي وَالْبَلِيدَ وَإِنْ أَصْغَى لَا يَفْهَمُ " الثَّالِثَةُ " أَنْ يَعْتَقِدَ أَنِّي مِنْ أَهْلِ الْبَصِيرَةِ بِالْمِيزَانِ وَمَنْ لَا يُؤْمِنُ بِأَنَّكَ تَعْرِفُ الْحِسَابَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ مِنْكَ ".
" وَالصِّنْفُ الثَّانِي: الْبُلْهُ. وَهُمْ جَمِيعُ الْعَوَامِّ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِطْنَةٌ لِفَهْمِ الْحَقَائِقِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِطْنَةٌ فِطْرِيَّةٌ فَلَيْسَ لَهُمْ دَاعِيَةُ الطَّلَبِ، بَلْ شَغَلَتْهُمُ الصِّنَاعَاتُ وَالْحِرَفُ. وَلَيْسَ فِيهِمْ أَيْضًا دَاعِيَةُ الْجَدَلِ بِخِلَافِ الْمُتَكَايِسِينَ فِي الْعِلْمِ مَعَ قُصُورِ الْفَهْمِ عَنْهُ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَخْتَلِفُونَ وَلَا يَتَخَيَّرُونَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْمُخْتَلِفِينَ. فَأَدْعُو هَؤُلَاءِ إِلَى اللهِ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا أَدْعُو أَهْلَ الْبَصِيرَةِ بِالْحِكْمَةِ، وَأَدْعُو أَهْلَ الشَّغَبِ بِالْمُجَادَلَةِ، وَقَدْ جَمَعَ اللهُ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكَ أَوَّلًا، فَأَقُولُ لَهُمْ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَعْرَابِيٍّ جَاءَهُ فَقَالَ: عَلِّمْنِي مِنْ غَرَائِبِ الْعِلْمِ. فَعَلِمَ الرَّسُولُ ﷺ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ: وَمَاذَا عَمِلْتَ فِي رَأْسِ الْعِلْمِ؟ أَيِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى
وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْآخِرَةِ اذْهَبْ فَأَحْكِمْ رَأْسَ الْعِلْمِ ثُمَّ ارْجِعْ لِأُعَلِّمَكَ مِنْ غَرَائِبِهِ فَأَقُولُ لِلْعَامِّيِّ لَيْسَ الْخَوْضُ فِي الِاخْتِلَافَاتِ مِنْ عُشِّكَ فَادْرُجْ فَإِيَّاكَ أَنْ تَخُوضَ فِيهِ أَوْ تُصْغِيَ إِلَيْهِ فَتَهْلَكَ، فَإِنَّكَ إِذَا صَرَفْتَ عُمُرَكَ فِي صِنَاعَةِ الصِّيَاغَةِ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحِيَاكَةِ، وَقَدْ صَرَفْتَ عُمُرَكَ فِي غَيْرِ الْعِلْمِ فَكَيْفَ تَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِنْ أَهْلِ الْخَوْضِ فِيهِ؟ فَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تُهْلِكَ نَفْسَكَ، فَكُلُّ كَبِيرَةٍ تَجْرِي عَلَى الْعَامِّيِّ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ الْخَوْضِ فِي الْعِلْمِ، فَيَكْفُرُ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي ".
" فَإِنْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ دِينٍ أَعْتَقِدُهُ وَأَعْمَلُ بِهِ لِأَصِلَ إِلَى الْمَغْفِرَةِ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي الْأَدْيَانِ، فَبِأَيِّ دِينٍ تَأْمُرُنِي أَنْ آخُذَ أَوْ أُعَوِّلَ عَلَيْهِ؟ فَأَقُولُ لَهُ: لِلدِّينِ أُصُولٌ وَفُرُوعٌ، وَالِاخْتِلَافُ إِنَّمَا يَقَعُ فِيهِمَا، أَمَّا الْأُصُولُ فَلَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَعْتَقِدَ فِيهَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَسْتُرْ عَنْ عِبَادِهِ صِفَاتِهِ وَأَسْمَاءَهُ فَعَلَيْكَ أَنْ تَعْتَقِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ اللهَ حَيٌّ عَالِمٌ قَادِرٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ جَبَّارٌ مُتَكَبِّرٌ قُدُّوسٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ - إِلَى جَمِيعِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ
стр. 807
الْأَئِمَّةُ، فَذَلِكَ كَافٍ فِي صِحَّةِ الدِّينِ وَإِنْ تَشَابَهَ عَلَيْكَ شَيْءٌ فَقُلْ: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [٣: ٧] وَاعْتَقِدْ كُلَّ مَا وَرَدَ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَنَفْيِهَا عَلَى غَايَةِ التَّعْظِيمِ وَالتَّقْدِيسِ، مَعَ نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ وَاعْتِقَادِ أَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَبَعْدَ هَذَا لَا تَلْتَفِتْ إِلَى الْقِيلِ وَالْقَالِ، فَإِنَّكَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ وَلَا هُوَ عَلَى حَدِّ طَاقَتِكَ، فَإِنْ أَخَذَ يَتَحَذْلَقُ وَيَقُولُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ عَالِمٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالذَّاتِ أَوْ بِعِلْمٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَشْعَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ، فَقَدْ خَرَجَ بِهَذَا عَنْ حَدِّ الْعَوَامِّ; إِذِ الْعَامِّيُّ لَا يَلْتَفِتُ قَلْبُهُ إِلَى هَذَا مَا لَمْ يُحَرِّكْهُ شَيْطَانُ الْجَدَلِ فَإِنَّ اللهَ لَا يُهْلِكُ قَوْمًا إِلَّا يُؤْتِهِمُ الْجَدَلَ، كَذَلِكَ وَرَدَ الْخَبَرُ وَإِذَا الْتَحَقَ بِأَهْلِ الْجَدَلِ فَأَذْكُرُ عِلَاجَهُمْ:
" هَذَا مَا أَعِظُ بِهِ فِي الْأُصُولِ وَهُوَ الْحَوَالَةُ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ وَالْحَدِيدَ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَهَمُّ الْحَوَالَةِ عَلَى الْكِتَابِ، وَأَمَّا الْفُرُوعُ فَأَقُولُ: لَا تَشْغَلْ
قَلْبَكَ بِمَوَاقِعِ الْخِلَافِ مَا لَمْ تَفْرُغْ عَنْ جَمِيعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَقَدِ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ زَادَ الْآخِرَةِ هُوَ التَّقْوَى وَالْوَرَعُ، وَأَنَّ الْكَسْبَ الْحَرَامَ وَالْمَالَ الْحَرَامَ وَالنَّمِيمَةَ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةَ وَالْخِيَانَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ حَرَامٌ، وَالْفَرَائِضُ كُلُّهَا وَاجِبَةٌ، فَإِنْ فَرَغْتَ مِنْ جَمِيعِهَا عَلَّمْتُكَ طَرِيقَ الْخَلَاصِ مِنَ الْخِلَافِ، فَإِنْ هُوَ طَالَبَنِي بِهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ هَذَا فَهُوَ جَدَلِيٌّ وَلَيْسَ بِعَامِّيٍّ، أَفَرَأَيْتَ رُفَقَاءَكَ قَدْ فَرَغُوا مِنْ جَمِيعِ هَذَا ثُمَّ أَخَذَ إِشْكَالُ الْخِلَافُ بِمَخْنَقِهِمْ؟ هَيْهَاتَ مَا أَشْبَهَ ضَعْفَ عُقُولِهِمْ فِي خِلَافِهِمْ إِلَّا بِعَقْلٍ مَرِيضٍ بِهِ مَرَضٌ أَشْرَفَ بِهِ عَلَى الْمَوْتِ وَلَهُ عِلَاجٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَطِبَّاءِ، وَهُوَ يَقُولُ: قَدِ اخْتَلَفَ الْأَطِبَّاءُ فِي بَعْضِ الْأَدْوِيَةِ أَنَّهَا حَارَّةٌ أَوْ بَارِدَةٌ وَرُبَّمَا افْتَقَرْتُ إِلَيْهِ يَوْمًا، فَأَنَا لَا أُعَالِجُ نَفْسِي حَتَّى أَجِدَ مَنْ يُعَلِّمُنِي رَفْعَ الْخِلَافِ فِيهِ " إِلَى آخَرِ مَا أَطَالَ بِهِ، وَقَدْ فُهِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا رَأْيُهُ فِي الْخَوَاصِّ وَكَيْفَ يُعَالِجُهُمْ بِمَوَازِينِ الْبَرَاهِينِ، وَفِي أَهْلِ الْجَدَلِ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ جِدَالَهُمْ يَكُونُ بِمِثْلِ مَا فِي كُتُبِ الْكَلَامِ، وَأَنَّ الْمُتَعَنِّتَ الَّذِي يَبْغِي بِجَدَلِهِ فِتْنَةَ الْعَوَامِ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْحَدِيدُ ; أَيْ قُوَّةُ السُّلْطَانِ الَّذِي يَمْنَعُ بَعْضَ النَّاسِ مِنْ فِتْنَةِ بَعْضٍ.
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
стр. 808
بَعْدَ أَنْ ذَكَّرَنَا اللهُ - تَعَالَى - بِالرُّسُلِ وَمَا كَانَ مِنْ أَقْوَامِهِمْ بَعْدَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالِاقْتِتَالِ، عَادَ إِلَى أَمْرِنَا بِالْإِنْفَاقِ بِأُسْلُوبٍ آخَرَ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ. هُنَالِكَ يَقُولُ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ [٢: ٢٤٥] وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى مَا فِي هَذَا الْخِطَابِ مِنَ اللُّطْفِ وَالْبَلَاغَةِ، وَأَزِيدُ هُنَا أَنَّ هَذَا اللُّطْفَ إِنَّمَا يَفْعَلُ فِعْلَهُ وَيَبْلُغُ نِهَايَةَ تَأْثِيرِهِ فِيمَنْ بَلَغَ فِي الْإِيمَانِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ، وَعَرَّجَ فِي الْكَمَالِ إِلَى مَنَازِلِ الصِّدِّيقِينَ، وَلَطُفَ وِجْدَانُهُ وَشُعُورُهُ، وَتَأَلَّقَ ضِيَاؤُهُ وَنُورُهُ، وَمَا كُلُّ الْمُؤْمِنِينَ يُدْرِجُونَ فِي هَذِهِ الْمَدَارِجِ، أَوْ يَرْتَقُونَ عَلَى هَذِهِ الْمَعَارِجِ؛، فَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ يَفْعَلُ فِي نُفُوسِهِمُ التَّرْهِيبُ مَا لَا يَفْعَلُ التَّرْغِيبُ، فَهُمْ لَا يَتَّفِقُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا خَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ أَوْ طَمَعًا فِي ثَوَابِهِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لِلضُّعَفَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْغُرُورُ بِشَفَاعَةٍ تُغْنِي هُنَالِكَ عَنِ الْعَمَلِ، أَوْ فِدْيَةٍ تَقِي صَاحِبَهَا عَاقِبَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّلَلِ، فَأَمْثَالُ
هَؤُلَاءِ يُعَالَجُونَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ وَيَعْقُوبُ: " لَا بَيْعَ " وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِالْفَتْحِ وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ.
قَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْفَاقِ هُنَا الْإِنْفَاقُ الْوَاجِبُ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ يَتَضَمَّنُ الْوَعِيدَ عَلَى التَّرْكِ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَشْتَمِلُ الْمَنْدُوبَ، وَمِنَ الْوَاجِبِ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا وَقَعَ الْفَسَادُ فِي الْأُمَّةِ وَتَوَقَّفَتْ إِزَالَتُهُ عَلَى الْمَالِ أَنْ يَبْذُلُوهُ لِدَفْعِ الْمَفَاسِدِ الْفَاشِيَةِ وَالْغَوَائِلِ الْغَاشِيَةِ، وَحِفْظِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
أَقُولُ: وَفِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَطْلُبُ مِنْهُمْ إِلَّا بَعْضَ مَا جَعَلَهُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ مَنْ رِزْقِهِ وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، فَأَيْنَ هَذَا مِنَ الطَّلَبِ بِصِيغَةِ الْإِقْرَاضِ؟
كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّنَا مَا رَزَقْنَاكُمُ الرِّزْقَ الْحَسَنَ وَاسْتَخْلَفْنَاكُمْ فِيهِ إِلَّا وَقَدْ نَقَلْنَاهُ مِنْ أَيْدِي قَوْمٍ أَسَاءُوا التَّصَرُّفَ فَحَبَسُوا الْمَالَ وَأَمْسَكُوهُ عَنِ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ الَّتِي يَرْتَقِي بِهَا شَأْنُ الْبَشَرِ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالْخَيْرِ، فَلَا تَكُونُوا مِثْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَقَوْمَهُمْ بِبُخْلِهِمْ، فَكَانُوا كَافِرِينَ بِنِعَمِ اللهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِمْ، إِذْ لَمْ يَضَعُوهَا فِي مَوَاضِعِهَا ; وَلِذَلِكَ خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.
أَمَّا الْبَيْعُ وَالْخُلَّةُ وَالشَّفَاعَةُ فَلِلْمُفَسِّرِينَ فِي بَيَانِ الْمُرَادِ بِنَفْيِهَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيْعِ الْكَسْبُ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُبَادَلَةِ وَالْمُعَارَضَةِ. وَالْمُرَادُ بِالْخُلَّةِ - وَهِيَ الصَّدَاقَةُ وَالْمَحَبَّةُ لِلْقَرَابَةِ وَغَيْرِهَا - لَازِمُهَا، وَهُوَ مَا يَكُونُ وَرَاءَهَا مِنَ الْكَسْبِ كَالصِّلَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِرْثِ. وَبِالشَّفَاعَةِ - وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ - لَازِمُهَا فِي الْكَسْبِ وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ إِقْطَاعَاتِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ لِبَعْضِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا بِالتَّوَسُّلِ إِلَيْهِمْ وَالشَّفَاعَةِ عِنْدَهُمْ، فَهَذِهِ الثَّلَاثُ مِنْ طَرَائِقِ جَمْعِ الْمَالِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ يَقُولُ - مَا مَعْنَاهُ -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بَادِرُوا إِلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ مِمَّا تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَأَنْتُمْ مُتَمَكِّنُونَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ
стр. 809
يَوْمُ الْجَزَاءِ الَّذِي لَا تَجِدُونَ فِيهِ مَا تَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَيْهِ مِمَّا يُكْسَبُ بِبَيْعٍ وَتِجَارَةٍ، وَلَا مِمَّا يُنَالُ بِخُلَّةٍ أَوْ شَفَاعَةٍ، فَإِنَّهُ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ فَقْرُ الْعِبَادِ وَكَوْنُ الْمُلْكِ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
وَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّانِي: فَقَدْ فَسَّرُوا فِيهِ الْبَيْعَ بِالِافْتِدَاءِ وَجَعَلُوا فِيهِ الْخُلَّةَ وَالشَّفَاعَةَ عَلَى
ظَاهِرِهِمَا، أَيْ أَنْفِقُوا فَإِنَّ الْإِنْفَاقَ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ - وَهِيَ سَبِيلُ اللهِ - هُوَ الَّذِي يُنْجِيكُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي لَا يُنْجِي الْأَشِحَّةَ الْبَاخِلِينَ فِيهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ - تَعَالَى - فِدَاءٌ فَيَفْتَدُوا مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ، وَلَا خُلَّةٌ يَحْمِلُ فِيهَا خَلِيلٌ شَيْئًا مِنْ أَوْزَارِ خَلِيلِهِ، أَوْ يَهَبُهُ شَيْئًا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَلَا شَفَاعَةٌ يُؤْثِرُ بِهَا الشَّفِيعُ فِي إِرَادَةِ اللهِ - تَعَالَى -، فَيُحَوِّلُهَا عَنْ مُجَازَاةِ الْكَافِرِ بِالنِّعْمَةِ الْبَاخِلِ بِالصَّدَقَةِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْمَقْتِ وَالْعُقُوبَةِ بِتَدْنِيسِ نَفْسِهِ وَتَدْسِيَتِهَا فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، فَالْآيَةُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي هَذِهِ السُّورَةِ: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [٢: ٤٨] فَقَوْلُهُ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا بِمَعْنَى نَفْيِ الْخُلَّةِ هُنَا، وَالْعَدْلُ: هُوَ الْفِدَاءُ بِالْعِوَضِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْبَيْعِ الْمَنْفِيِّ هُنَا، وَمِثْلُهَا آيَةُ (١٢٣) ، وَالْخِطَابُ فِي تَيْنَكَ الْآيَتَيْنِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ يَقِيسُونَ أُمُورَ الدُّنْيَا عَلَى أُمُورِ الْآخِرَةِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْوَثَنِيِّينَ، فَيَظُنُّونَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْجُوَ فِي الْآخِرَةِ بِفِدَاءٍ يَفْتَدِي بِهِ أَوْ شَفَاعَةٍ تَنَالُهُ مِنْ سَلَفِهِ النَّبِيِّينَ وَالرَّبَّانِيِّينَ، كَدَأْبِ الْأُمَرَاءِ، وَالسَّلَاطِينِ، وَإِنْ كَانَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ فَاسِقًا ظَالِمًا فَاسِدَ الْأَخْلَاقِ مَنَّاعًا لِلْخَيْرِ مُعْتَدِيًا أَثِيمًا. وَقُصَارَى هَذَا الِاعْتِقَادِ أَنَّ سَعَادَةَ الْآخِرَةِ هِيَ كَالْمَعْرُوفِ لِلْعَامَّةِ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا لَيْسَتْ جَزَاءً لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ وَالْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ، أَيْ لَيْسَتْ أَثَرًا لِشَيْءٍ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ، إِنَّمَا الْغَالِبُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ بِإِسْعَادِ غَيْرِهِ لَهُ، وَخَيْرُ ضُرُوبِ هَذَا الْإِسْعَادِ وَأَعْلَاهَا مَا يَكُونُ بِالشَّفَاعَةِ عِنْدَ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الْمَرْءَ مِنْ أَعْظَمِ أَرْبَابِ الْمَالِ وَالْجَاهِ بِكَلِمَةٍ يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهَا الشَّافِعُ، فَمَنْ كَانَ يَطْلُبُ فِي الْآخِرَةِ مُنْتَهَى السَّعَادَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى أَحَدِ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللهِ لِيَشْفَعَ لَهُ هُنَاكَ وَلَا يُكَلِّفَنَّ نَفْسَهُ عَنَاءَ التَّهْذِيبِ وَأَعْمَالِ الْبِرِّ، وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ - تَعَالَى - لِبَنِي إِسْرَائِيلَ خَطَأَهُمْ فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ بِمَا فِيهِ عِبْرَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، ثُمَّ خَاطَبَ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وَأَنْذَرَهُمْ مَا أَنْذَرَ بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ يُحَرِّفُونَ الْكَلَامَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، كَمَا فَعَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَافِرِينَ بِأَصْلِ الدِّينِ هُمُ الَّذِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْعٌ وَلَا خَلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ; أَيْ هَذَا النَّفْيُ الْعَامُّ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَنْفَعَةِ الْفِدَاءِ، وَالْخُلَّةُ
وَالشَّفَاعَةُ خَاصٌّ بِمَنْ لَا يُسَمِّي نَفْسَهُ مُسْلِمًا، وَأَمَّا مَنْ قَبِلَ هَذَا الِاسْمَ فَإِنَّ الْآيَةَ لَا تَتَنَاوَلُهُمْ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ فِيهَا لِلَّذِينِ آمَنُوا، وَسَتَعْلَمُ أَنَّ لَفْظَ الْكَافِرِينَ لَا يُرَادُ بِهِ هُنَا مُنْكِرُو الْأُلُوهِيَّةِ وَالنُّبُوَّةِ أَوْ رَافِضُو لَقَبِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ هَذَا اصْطِلَاحٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ الْقُرْآنُ.
стр. 810
سَبَقَ الْقَوْلُ فِي الشَّفَاعَةِ وَالْجَزَاءِ وَالْفِدَاءِ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ وَاتَّقُوا يَوْمًا [٢: ٤٨] الَّتِي اسْتَشْهَدْنَا بِهَا آنِفًا فَلَا نُعِيدُهُ، وَلَكِنْ بَدَا لِي أَنْ أَكْتُبَ جُمْلَةً وَجِيزَةً فِي مَسْأَلَةِ قِيَاسِ عَالَمِ الْغَيْبِ عَلَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ فِي الْتِمَاسِ السَّعَادَةِ بِالْإِسْعَادِ وَالشَّفَاعَةِ، فَأَقُولُ: تَقَدَّمَ أَنَّ الْقِيَاسَ بَاطِلٌ عَلَى تَقْدِيرِ صِدْقِ ظَنِّهِمْ فِي سَعَادَةِ الدُّنْيَا ; لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ الْمَعْرُوفَةَ عِنْدَ الْمُلُوكِ وَالْحُكَّامِ - وَهِيَ أَكْبَرُ الشَّهَادَاتِ فِي هَذَا الْمَقَامِ - مِمَّا يَسْتَحِيلُ عَلَى اللهِ ; لِأَنَّ الشَّفِيعَ هُنَا يُحْدِثُ فِي ذِهْنِ الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ مِنَ الرَّأْيِ وَالْعِلْمِ بِالْمَصْلَحَةِ وَفِي قَلْبِهِ مِنَ الْمَيْلِ وَالْأَثَرِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا، فَيَعْفُو وَيَصْفَحُ أَوْ يَهَبُ وَيَمْنَحُ، إِمَّا بِهَذِهِ الْعَاطِفَةِ وَإِمَّا بِتِلْكَ الْمَعْرِفَةِ ; لِأَنَّ عَمَلَ الْإِنْسَانِ فِي الدُّنْيَا يَصْدُرُ عَنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَصْدَرَيْنِ فِي النَّفْسِ أَوْ عَنْ كِلَيْهِمَا، وَأَمَّا أَفْعَالُ اللهِ - تَعَالَى - فَهِيَ تَابِعَةٌ لِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِهِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهَا تَغْيِيرٌ مَا، وَهَذِهِ هِيَ الشَّفَاعَةُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا السُّفَهَاءُ الْمَغْرُورُونَ وَقَدْ نَفَاهَا اللهُ - تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَبَيَّنَ فِيهَا وَفِي آيَاتٍ أُخْرَى كَثِيرَةٍ جِدًّا أَنَّ سَعَادَةَ الْآخِرَةِ إِنَّمَا تُنَالُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَعَ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْوِجْدَانِ، الْمُصَرِّفِ لِلْإِرَادَةِ فِي الْأَعْمَالِ.
وَإِنَّمَا الَّذِي أُرِيدَ: أَنَّ قَوْلَهُ هُنَا: هُوَ أَنَّ السَّعَادَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ الَّتِي يَعْرِفُهَا الشَّرْعُ وَيُؤَيِّدُهُ الِاخْتِبَارُ وَالْعَقْلُ، هِيَ فِي الْأَنْفُسِ لَا فِي الْآفَاقِ ; أَعْنِي أَنَّهَا لَا تُنَالُ بِإِسْعَادِ الْأَخِلَّاءِ، وَلَا بِشَفَاعَةِ الشُّفَعَاءِ، إِنَّمَا الْعُمْدَةُ فِيهَا عَلَى اعْتِدَالِ النَّفْسِ فِي أَخْلَاقِهَا وَأَعْمَالِهَا، وَصِحَّةِ عَقَائِدِهَا وَمَعَارِفِهَا، وَيَتْبَعُ هَذَا فِي الْغَالِبِ صِحَّةُ الْجِسْمِ، وَسُهُولَةُ طُرُقِ الرِّزْقِ، وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْخُرَافَاتِ وَالْأَوْهَامِ الَّتِي تَفْتِكُ بِالْعُقُولِ وَالْأَجْسَامِ، وَيَظْهَرُ صِدْقُ هَذَا الْقَوْلِ ظُهُورًا بَيِّنًا تَقِلُّ فِيهِ الشُّبَهَاتُ فِي الْبِلَادِ الَّتِي تُسَاسُ بِالْعَدْلِ وَيَكُونُ الْحُكَّامُ فِيهَا مُقَيَّدِينَ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تُكَلِّفُهَا الْأُمَّةُ، وَإِنَّمَا تُعْرَضُ الشُّبَهَاتُ عَلَى صِدْقِهِ فِي الْبِلَادِ الَّتِي يَحْكُمُ فِيهَا السَّلَاطِينُ بِإِرَادَتِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ
فَيُعْطُونَ مِنْ مَالِ الْأُمَّةِ مَا أَرَادُوا لِمَنْ أَرَادُوا، وَيَسْلُبُونَ مِنْ أَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ مَا أَحَبُّوا فَيُنْفِقُونَهُ عَلَى مَنْ أَحَبُّوا، وَيُحَكِّمُونَ مَنْ شَايَعَهُمْ - عَلَى ظُلْمِهِمْ - فِي أَنْفُسِ الْخَاضِعِينَ لِحُكْمِهِمْ، وَلَا يُشَايِعُهُمْ إِلَّا مَنْ كَانَ فَاسِدَ الْأَخْلَاقِ سَيِّئَ الْأَعْمَالِ يُؤْثِرُ هَوَاهُمْ عَلَى رِضْوَانِ اللهِ - إِنْ كَانَ يَكْفُرُ فِي رِضْوَانِ اللهِ أَوْ يُؤْمِنُ بِهِ - وَعَلَى مَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ، فَمَا يَتَمَتَّعُ بِهِ أَعْوَانُ الظَّالِمِينَ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ بِالْبَاطِلِ وَمَا يَنَالُهُ أَشْيَاعُهُمْ مِنْ مَنَافِعِ شَفَاعَتِهِمْ كُلُّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ اللهِ وَشَرْعِهِ مِنَ الشَّقَاءِ لَا مِنَ السَّعَادَةِ، أَفَعَلَى حُكْمِ هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ نَقِيسُ حُكْمَ رَبِّ الْعِزَّةِ فِي يَوْمِ الدِّينِ، أَيْنَ نَحْنُ إِذًا مِنْ قَوْلِهِ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [٢١: ٤٧] إِذَا خَفِيَ شَقَاءُ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ وَأَشْيَاعِهِمْ عَلَى الْجَاهِلِ فِي طَوْرِ الْإِمْلَاءِ وَالِاسْتِدْرَاجِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِسُنَنِ اللهِ فِي الْخَلْقِ وَيَعْرِفُ ذَلِكَ كُلُّ أَحَدٍ يَوْمَ يَأْخُذُهُمُ اللهُ بِظُلْمِهِمْ، وَيُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَسْلُبُ مُلْكَهُمْ، وَتَشْقَى
следующие страницы →