← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

كلامه أخبار البطاركة من لدن فتح الاسكندرية لأنّا رأيناه مستغنى عنه وقد صارت بطركيتهم الكبرى التي كانت بالإسكندرية بمدينة رومة، وهي هنالك للملكيّة ويسمّونه البابا ومعناه أبوا الآباء، وبقي ببلاد مصر بطرك اليعاقبة على المعاهدين من النصارى بتلك الجهات وعلى ملوك النوبة والحبشة. وأمّا المسعودي فذكر ترتيب هؤلاء القياصرة من بعد الهجرة والفتح كما ذكره ابن العميد، قال: والمشهور بين الناس أنّ الهجرة وأيام الشيخين كان ملك الروم فيها لهرقل، قال: وفي كتب أهل السير أن الهجرة كانت على عهد قيصر بن مورق، ثم كان بعده ابنه قيصر بن قيصر أيام أبي بكر، ثم هرقل بن قيصر أيام عمر، وعليه كان الفتح وهو المخرج من الشام أيام أبي عبيدة وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان فاستقرّ بالقسطنطينية. وبعده مورق بن هرقل أيام عثمان، وبعده مورق بن مورق أيام علي ومعاوية، وبعده قلفط بن مورق آخر أيام معاوية وأيام يزيد ومروان بن الحكم وكان معاوية يراسله ويراسل أباه مورق، وكانت تختلف إليه علامة نياق وبشّره مورق بالملك وأخبره أنّ عثمان يقتل وأنّ الأمر يرجع إلى معاوية، وهادي ابنه قلفط حين سار إلى حرب عليّ ﵁، ثم نزلت جيوش معاوية مع ابنه الزيد قسطنطينية وهلك عليها في حصاره أبو أيوب الأنصاري. ثم ملك من بعد قلفط بن مورق لاون بن قلفط أيام عبد الملك بن مروان، وبعده جيرون بن لاون أيام الوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز. ثم غشيهم المسلمون في ديارهم وغزوهم في البر والبحر، ونازل مسلمة القسطنطينية، واضطرب ملك الروم وملّك عليهم جرجيس بن مرعش وملك تسع عشرة سنة ولم يكن من بيت الملك. ولم يزل أمرهم مضطربا إلى أن ملك عليهم قسطنطين بن ألبون وكانت أمّه مستبدّة عليه لمكان صغره، ومن بعده نقفور بن استيراق أيام الرشيد وكانت له معه حروب وغزاه الرشيد فأعطاه الانقياد ودفع إليه الجزية، ثم نقض العهد فتجهّز الرشيد إلى غزوة ونزل هرقلة وافتتحها سنة تسعين ومائة وكانت من أعظم مدائن الروم، وانتقاد نقفور بعد ذلك وحمل الشروط. وملك بعده استيراق بن نقفور أيام الأمين، وغلب عليه قسطنطين ابن قلفط وملك أيام المأمون، وبعده نوفيل أيام المعتصم واستردّ زبطرة ونازل عمّورية وافتتحها وقتل من كان بها من أمم النصرانية. ثم ملك ميخايل بن نوفيل أيام الواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين، ثم تنازع الروم وملكوا عليهم نوفيل بن ميخاييل،

стр. 1087

ثم غلب على الملك بسيل الصقلبي ولم يكن من بيت الملك وكان ملكه أيام المعتز والمهتدي وبعضا من أيام المعتمد، ومن بعده إليون بن بسيل بقية أيام المعتمد وصدرا من أيام المعتضد. ومن بعده الإسكندروس ونقموا سيرته فخلعوه وملّكوا أخاه لاوي بن إليون بقية أيام المعتضد والمكتفي وصدرا من أيام المقتدر، ثم هلك وملك ابنه قسطنطين صغيرا وقام بأمره أرمنوس بطريق البحر وزوّجه ابنته ويسمى الدمستق وهو الّذي كان يحارب سيف الدولة ملك الشام من بني حمدان، واتصل ذلك أيام المقتدر والقاهر والراضي والمتّقي. وافترق أمر الروم وأقام بعض بطارقتهم ويعرف أستفانس في بعض النواحي وخوطب بالملك أرمنوس بطركا بكرسي القسطنطينية. إلى هنا انتهى كلام المسعودي. وقال عقبه: فجميع سني الروم المتنصرة من أيام قسطنطين بن هلانة إلى عصرنا وهو حدود الثلاثمائة والثلاثين للهجرة خمسمائة سنة وسبع سنين، وعدد ملوكهم أحد وأربعون ملكا، قال: فيكون ملكهم إلى الهجرة مائة وخمسا وسبعين سنة. أهـ كلام المسعودي. وفي تاريخ ابن الأثير: إنّ أرمانوس لما مات ترك ولدين صغيرين، وكان الدمستق على عهده قوقاش وملك ملطية من يد المسلمين بالأمان سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وكان أمر الثغور لسيف الدولة بن حمدان، وملك قوقاش مرعش وعرزرية وحصونهما وأوقع بجابية طرسوس مرارا، وسار سيف الدولة في بلادهم فبلغ خرشنة وصارخة ودوّخ البلاد وفتح حصونا عدّة ثم رجع. ثم ولّى أرمانوس نقفور دمستقا، واسم الدمستق عندهم على من يلي شرقي الخليج حيث ملك ابن عثمان لهذا العهد، فأقام نقفور دمستقا، وهلك أرمانوس وترك ولدين صغيرين، وكان نقفور غائبا في بلاد المسلمين فلمّا رجع اجتمع إليه زعماء الروم وقدّموه لتدبير أمر الولدين وألبسوه التاج، وسار إلى بلاد المسلمين سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة إلى حلب فهزم سيف الدولة وملك البلد وحاصر القلعة فامتنعت عليه، وقتل ابن أخت الملك في حصارها فقتل جميع الأسرى الذين عنده. ثم بنى سنة ست وخمسين مدينة بقيسارية ليجلب منها على بلاد الإسلام، فخافه أهل طرسوس واستأمنوا إليه فسار إليهم وملكها بالأمان وملك المصيصة عنوة. ثم بعث أخاه في العساكر سنة تسع وخمسين إلى حلب فملكها، وهرب أبو المعالي بن سيف الدولة إلى البرية، وصالحه مرعويه بعد أن امتنع بالقلعة ورجع. ثم أن أمّ

стр. 1088

الملكين ابني أرمانوس اللذين كانا مكفولين له، استوحشت منه وداخلت في قتله ابن الشميشق فقتله سنة ستين. وقام ابن أرمانوس الأكبر وهو بسيل بتدبير ملكه، وجعل ابن الشميشق دمستقا وقام على الأورق أخي نقفور، وعلى ابنه ورديس بن لاون واعتقلهما. وسار إلى الرّها وميافارقين، وعاث في نواحيهما، وصانعه أبو تغلب بن حمدان صاحب الموصل بالمال فرجع. ثم خرج سنة اثنتين وستين، فبعث أبو تغلب ابن عمه أبا عبد الله بن حمدان فهزمه وأسره وأطلقه. وكان لأمّ بسيل أخ قام بوزارتها فتحيّل في قتل ابن الشميشق بالسّمّ. ثم ولّى بسيل بن أرمانوس سقلاروس دمستقا، فعصى عليه سنة خمس وستين وطلب الملك لنفسه، وغلبه بسيل. ثم خرج على بسيل ورد بن منير من عظماء البطارقة، واستجاش بأبي تغلب بن حمدان وملكوا الأطراف، وهزم عساكر بسيل مرّة بعد مرّة، فأطلق ورديس لاون وهو ابن أخي نقفور من معقلة وبعثه في العساكر لقتاله فهزمه ورديس، ولحق ورد بن منير بميافارقين صريخا بعضد الدولة، وراسله بسيل في شأنه فجنح عضد الدولة إلى بسيل وقبض على ورديس واعتقله ببغداد، ثم أطلقه ابنه صمصام الدولة لخمس سنين من اعتقاله، وشرط عليه إطلاق أسرى المسلمين، والنزول عن حصون عدّة من معاقل الروم، وأن لا يغير على بلاد الإسلام. وسار فاستولى على ملطية ومضى إلى القسطنطينية فحاصرها وقتل ورديس بن لاون، واستنجد بسيل بملك الروم وزوّجه أخته ثم صالح وردا على ما بيده. ثم هلك ورد بعد ذلك بقليل واستولى بسيل على أمره وسار إلى قتال البلغار فهزمهم وملك بلادهم وعاث فيها أربعين سنة. واستمدّه صاحب حلب أبو الفضائل بن سيف الدولة، فلما زحف إليه منجوتكين صاحب دمشق من قبل الخليفة بمصر سنة إحدى وثمانين، فجاء بسيل لمدده وهزمه منجوتكين ورجع مهزوما ورجع منجوتكين الى دمشق، ثم عاود الحصار فجاء بسيل صريخا لأبي الفضائل فأجفل منجوتكين من مكانه على حلب، وسار إلى حمص وشيزر فملكها وحاصر طرابلس، وصالحه ابن مروان على ديار بكر. ثم بعث الدوقس الدمستق إلى أمامه فبعث إليه صاحب مصر أبا عبد الله بن ناصر الدولة بن حمدان في العساكر فهزمه وقتله. ثم هلك بسيل سنة عشر وأربعمائة لنيّف وسبعين من ملكه وملك بعده أخوه قسطنطين وأقام تسعا ثم هلك عن ثلاث بنات، وفملّك الروم عليهم الكبرى منهنّ وأقام بأمرها

стр. 1089

ابن خالها أرمانوس وتزوّجت به فاستولى على مملكة الروم. وكان خاله ميخاييل متحكما في دولته ومداخلا لأهله فمالت إليه الملكة وحملته على قتل أرمانوس، فقتله واستولى على الأمر. ثم أصابه الصرع وأذاه فعمد لابن أخته واسمه ميخاييل أيضا وكان أرمانوس قد خرج سنة إحدى وعشرين إلى حلب في ثلاثة آلاف مقاتل، ثم خار عن اللقاء فاضطرب ورجع واتبعه العرب فنهبوا عساكره، وكان معه ابن الدوقس من عظماء البطارقة فارتاب وقبض عليه. وخرج سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة في جموع الروم فملك الرّها وسروج وهزم عساكر ابن مروان. ولما ملك ميخاييل سار إلى بلاد الإسلام فلقيه الدربريّ صاحب الشام من قبل العلويّة فهزمه واقتصر الروم بعدها عن الخروج إلى بلاد الإسلام. وملّك ميخاييل ابن أخته كما قلناه وقبض على أخواله وقرابتهم وأحسن السيرة في المملكة، ثم طلب زوجته في الخلع فأبت، فنفاها إلى بعض الجزائر واستولى على المملكة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. ونكر عليه البترك ما وقع فيه فهمّ بقتله ودخل بعض حاشيته في ذلك، ونمى الخبر الى البترك فنادى في النصرانية بخلعه وحاصره في قصره واستدعى الملكة التي خلعها ميخاييل من مكانها وأعادوها إلى الملك فنفت ميخاييل كما نفاها أوّلا. ثم اتفق البترك والروم على خلع الملكة بنت قسطنطين وملّكوا أختها الأخرى تودورة وسلّموا ميخاييل لها، ثم وقعت الفتنة بين شيعة تودورة وشيعة ميخاييل واتصلت، وطلب الروم أن يملكوا عليهم من يمحو هذه الفتنة وأقرعوا على المرشحين فخرجت القرعة على قسطنطين منهم فملّكوه أمرهم، وتزوّج بالملكة الصغيرة تودورة وجعلت أختها الكبرى على ما بذلته لها وذلك سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. ثم توفي قسطنطين سنة ست وأربعين، وملك على الروم أرمانوس وقارن ذلك بظهور الدولة السّلجوقيّة واستيلاء طغرلبك على بغداد، فردّد الغزو إليهم من ناحية أذربيجان، ثم سار ابنه الملك آلب أرسلان وملك مدنا من بلاد الكرخ [١] منها مدينة آي وأثخن في بلادهم. ثم سار ملك الروم الى منبج وهزم ابن مرداس وابن حسّان وجموع العرب، فسار آلب أرسلان إليه سنة ثلاث وستين وخرج أرمانوس في مائتي ألف من الروم والعرب والدوس والكرخ ونزل على نواحي أرمينية، فزحف إليه آلب أرسلان من أذربيجان فهزمه وحصل في أسره ثم فاداه على مال يعطيه وأجروه عليه وعقد معه

стр. 1090

صلحا. وكان أرمانوس لمّا انهزم وثب ميخاييل بعده على مملكة الروم، فلما انطلق من الأسر ورجع دفعه ميخاييل عن الملك والتزم أحكام الصلح الّذي عقده مع آلب أرسلان وترهب أرمانوس إلى هنا انتهى كلام ابن الأثير. ثم استفحل ملك الافرنج بعد ذلك واستبدّوا بملك رومة وما وراءها، وكان الروم لما أخذوا بدين النصرانية حملوا عليه الأمم المجاورين لهم طوعا وكرها، فدخل فيه طوائف من الأمم منهم الأرمن وقد تقدّم نسبهم إلى ناحور أخي إبراهيم ﵇ وبلدهم أرمينيّة وقاعدتها خلاط، ومنهم الكرج وهم من شعوب الروم وبلادهم الخزر ما بين أرمينية والقسطنطينية شمالا في جبال ممتنعة، ومنه الجركس في جبال بالعدوة الشرقية من بحر نيطش وهم من شعوب الترك، ومنهم الروس في جزائر ببحر نيطش وفي عدوته الشمالية ومنه البلغار نسبة إلى مدينة لهم في العدوة الشمالية أيضا من بحر نيطش، ومنهم البرجان أمّة كبيرة متوغلون في الشمال لا تعرف أخبارهم لبعدها، وهؤلاء كلهم من شعوب الترك. وأعظم من أخذ به من الأمم الافرنج وقاعدة بلادهم فرنجة، ويقولون فرنسة بالسين وملكهم الفرنسيس، وهم في بسائط على عدوة البحر الرومي من شمالية وجزيرة الأندلس من ورائهم في المغرب تفصل بينهم وبينها جبال متوعرة ذات مسالك ضيقة يسمونها ألبون وساكنها الجلالقة من شعوب الافرنج، وهؤلاء فرنسة أعظم ملوك الافرنجة بالعدوة الشمالية من هذا البحر، واستولوا من الجزيرة البحرية منه على صقلّيّة وقبرص وأقريطش وجنوة، واستولوا أيضا على قطعة من بلاد الأندلس إلى برشلونه، واستفحل ملكهم بعد القياصرة الأول. ومن أمم الافرنجة البنادقة وبلادهم حفافي خليج يخرج من بحر الروم متضايقا إلى ناحية الشمال ومغربا بعض الشيء على سبعمائة ميل من البحر وهذا الخليج مقابل لخليج القسطنطينية، وفي القرب منه وعلى ثمان مراحل من بلاد جنوة، ومن ورائها مدينة رومة حاضرة الافرنجة ومدينة ملكهم وبها كرسي البطرك الأكبر الّذي يسمونه البابا. ومن أمم الافرنجة الجلالقة وبلادهم الأندلس وهؤلاء كلهم دخلوا في دين النصرانية تبعا للروم إلى من دخل فيه منهم من أمم السودان والحبشة والنوبة، ومن كان على ملكة الروم من برابرة العدوة بالمغرب مثل نغزاوة وهوارة بإفريقية والمصامدة بالمغرب الأقصى، واستفحل ملك الروم ودين النصرانية.

стр. 1091

ولما جاء الله بالإسلام وغلب دينه على الأديان وكانت مملكة الروم قد انتشرت في حفافي البحر الرومي من عدوتيه، فانتزعوا منهم لأوّل أمرهم عدوته الجنوبية كلّها من الشام ومصر وإفريقية والمغرب وأجازوا من خليج طنجة فملكوا الأندلس كلّها من يد القوط والجلالقة وضعف أمر الروم وملكهم بعد الانتهاء إلى غايته شأن كل أمّة. ثم شغل الافرنجة بما دهمهم من العرب في الأندلس والجزائر بما كانوا يتخيمونهم ويردّدون الصوائف إلى بسائطهم أيام عبد الرحمن الداخل وبنيه الأندلس، وعبد الله الشيعي وبنيه بإفريقية. وملكوا عليهم جزائر البحر الرومي التي كانت لهم مثل صقلّيّة وميورقة ودانية وأخواتها، إلى أن فشل ربح الدولتين وضعف ملك العرب، فاستفحل الافرنجة ورجعت لهم واسترجعوا ما ملكه المسلمون إلّا قليلا بسيف البحر الرومي مضايق العرض في طول أربع عشرة مرحلة واستولوا على جزائر البحر كلّها، ثم سموا إلى الشام وبيت المقدس مسجد أنبيائهم ومطلع دينهم فسربوا إليه آخر المائة الخامسة، وتواثبوا على الأمصار والحصون وسواحله. ويقال: إنّ المستنصر العبيديّ هو الّذي دعاهم لذلك وحرّضهم عليه لما رجى فيه من اشتغال ملوك السلجوقيّة بأمرهم، وإقامتهم سدا بينه وبينهم عند ما سموا إلى ملك الشام ومصر. وكان ملك الافرنجة يومئذ اسمه بردويل [١] وصهره زجار [٢] ملك صقلّيّة من أهل طاعته، فتظاهروا على ذلك وساروا إلى القسطنطينية سنة إحدى وتسعين ليجعلوها طريقا إلى الشام، فمنعهم ملك الروم يومئذ ثم أجازهم على أن يعطوه ملطية إذا ملوكها فقبلوا شرطه. ثم ساروا إلى بلاد ابن قلطمش، وقد استولى يومئذ على مرية وأعمالها وأرزن الروم وأقصر وسيواس، وافتتح تلك الأعمال كلّها عند هبوب ريح قومه على السلجوقيّة، ثم حدثت الفتنة بينهم وبين الروم بالقسطنطينية، واستنجد كل منهم بملوك المسلمين في ثغور الشام والجزيرة، وعظمت الفتن في تلك الآفاق ودامت الحال على ذلك نحوا من مائة سنة وملك الروم بالقسطنطينية في تناقص واضمحلال. وكان زجار صاحب صقلّيّة يغزو القسطنطينية من البحر ويأخذ ما يجد في مرساها من سفن التجار وشواني [٣] المدينة، ولقد دخل جرجي بن ميخاييل صاحب أسطوله الى

стр. 1092

مينا القسطنطينية سنة أربع وأربعين وخمسمائة ورمى قصر الملك بالسهام، فكانت تلك أنكى على الروم من كل ناحية. ثم كان استيلاء الإفرنج على القسطنطينية آخر المائة السادسة وكان من خبرها أنّ ملك الروم بالقسطنطينية أصهر إلى الفرنسيس عظيم ملوك الافرنج في أخته فزوّجها له الفرنسيس وكان له منها ابن ذكر، ثم وثب بملك الروم أخوه فسمله وملك القسطنطينية مكانه. ولحق الابن بخاله الفرنسيس صريخا [١] به على عمه فوجده قد جهز الأساطيل الارتجاع بيت المقدس، واجتمع فيها ثلاثة من ملوك الافرنجة بعساكرهم دوقس البنادقة صاحب المراكب البحرية وفي مراكبه كان ركوبهم، وكان شيخا أعمى نقّادا ذا ركب والمركس [٢] مقدّم الفرنسيس وكيدفليد وهو أكبرهم، فأمر الفرنسيس بالجواز على القسطنطينة ليصلحوا بين ابن أخته وبين عمّه ملك الروم، فلمّا وصلوا إلى مرسى القسطنطينية، خرج عمّه وحار بهم فهزموه ودخلوا البلد وهرب الى أطراف البلد وقتل حاضروه وأضرموا النار في البلد، فاشتغل الناس بها وأدخل الصبي بشيعته، فدخل الافرنج معه وملكوا البلد وأجلسوا الصبي في ملكه وساء أثرهم في البلد، وصادروا أهل النعم وأخذوا أموال الكنائس، وثقلت ووطأتهم على الروم فعقلوا الصبي وأخرجوهم واستدعوا ملكهم عمّ الصبيّ من مكان مقرّه وملّكوه عليهم. وحاصرهم الإفرنج فاستنجد بسليمان بن قليج أرسلان صاحب قونية وبلاد الروم شرقي الخليج، وكان في البلد خلق من الإفرنج، فقبل أن يصل سليمان ثاروا فيها وأضرموا النيران حتى شغل بها الناس، وفتحوا الأبواب فدخل الإفرنج واستباحوها ثمانية أيام حتى أقفرت، واعتصم الروم بالكنيسة العظمى منها وهي مموقيا [٣] . ثم خرجت جماعة القسيسين والأساقفة والرهبان، وفي أيديهم الإنجيل والصلبان فقتلوهم أجمعين، ولم يراعوا لهم ذمّة ولا عهدا، ثم خلعوا الصبي واقترعوا ثلاثتهم على الملك فخرجت القرعة على كيدفليد كبيرهم فملّكوه على القسطنطينية وما يجاورها، وجعلوا لدوقس البنادقة الجزائر البحرية مثل أقريطش ورودس وغيرهما، وللمركيس مقدم

стр. 1093

الفرنسيس البلاد التي في شرقي الخليج. ثم تغلّب عليها بطريق من بطارقة الروم اسمه لشكري ودفع عنها الإفرنج وبقيت بيده واستولى بعدها على القسطنطينية، وكان اسمه ميخاييل، وفي كتاب المؤيد صاحب حماة أنه أقام ببعض الحصون. ثم بنيت القسطنطينية وملكها وفّر الافرنج في مراكبهم وملك الروم وقتل الّذي كان ملكا قبله، وتوفي سنة إحدى وثمانين وستمائة وعقد معه الصلح المنصور قلاون صاحب مصر والشام لذلك العهد. قال: وملك بعده ابنه ماند ويلقّب الدوقس وشهرتهم جميعا اللشكري [١] ثم انقرضت دولة بني قليج أرسلان، وملك أعمالهم التتر كما نذكر في أخبارهم، وبقي بني اللشكري ملوكا على القسطنطينية إلى هذا العهد، وملك شرقي الخليج بعد انقضاء دولة التتر من بلاد الروم ابن عثمان جقّ أمير التركمان، وهو الآن متحكّم على صاحب القسطنطينية ومتغلب على نواحيه من سائر جهاته. هذا ما بلغنا من أخبار الروم من أوّل دولتهم منذ يونان والقياصرة لهذا العهد. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. الخبر عن القوط وما كان لهم من الملك بالأندلس الى حين الفتح الإسلامي وأوّلية ذلك ومصايره هذه الأمة من أمم أهل الدولة العظيمة المعاصرة لدول الطبقة الثانية من العرب وقد ذكرناهم عقب اللطينيين لأنّ الملك صار إليهم من بينهم كما ذكرناه، وسياقة الخبر عنهم أنهم كانوا يعرفون في الزمن القديم بالسيسيين [٢] نسبة إلى الأرض التي كانوا يعمّرونها بالمشرق فيما بين الفرس واليونان، وهم في نسبهم إخوة الصين من ولد ماغوغ بن يافث، وكانت لهم مع الملوك السريانيّين حروب موصوفة زحف إليهم فيها مومن مالي ملك سريان فدافعوه لعهد إبراهيم الخليل ﵇، ثم كانت لهم حروب مع الفرس عند تخريب بيت المقدس وبناء رومة، ثم غلبهم الإسكندر وصاروا في ملكته واندرجوا في قبائل الروم ويونان. ثم لما ضعف أمر الروم بعد الإسكندر وتغلبوا على بلاد الغريقيّين ومقدونية ونبطة أيام غلبنوش بن بارايان من ملوك القياصرة وكانت

стр. 1094

بينه [١] وبينه حروب سجال، ثم غلبهم القياصرة من بعده وظفروا بهم، حتى إذا انتقل القياصرة إلى القسطنطينية وفشل أمرهم برومة زحف إليها هؤلاء القوط واقتحموها عنوة فاستباحوها. ثم خرجوا عنها أيام طودوشيش بن أركاديش [٢] بعد حروب كثيرة، وكان أميرهم لذلك العهد أنطرك كما ذكرناه، ومات لعهد طودوشيش وأراد أن يجعل اسمه سمة الملوك برومة منهم مكان سمة قيصر، فاختلف عليه أصحابه في ذلك فرجع عنه، ثم صالح الرومانيين على أن يكون له ما يفتح من بلاد الأندلس لما كان امر الرومانيين قد ضعف عن الأندلس ولحق بها ثلاث طوائف من الغريقيّين فاقتسموا ملكها وهم الأبيون والشوانيّون والقندلش وباسم قندلس سميت الأندلس. وكان بالأندلس من قبلهم الأرباريّون من ولد طوال بن يافث وهم إخوة الأنطاليس، سكنوها من بعد الطوفان وصاروا إلى طاعة أهل رومة، حتى دخل إليهم هؤلاء الطوالع من الغريقيين عند ما اقتحم القوط مدينة رومة وغلبوا الأمم الذين كانوا بها من ولد طوال. وقد يقال: إنّ هؤلاء الطوالع كلهم من ولد طوال بن يافث وليسوا من الغريقيّين، واقتسم هؤلاء الطوالع ملكها وكانت جليقية لقندلش ولشبونة وماردة وطليطلة ومرسية لشوانش وكانوا أشرافهم. وكانت إشبيليّة وقرطبة وجيان وطالعة للأبيق وأميرهم عندريقش أخو لشيقش أربعين سنة حين زحف إليهم القوط من رومة، وكان قد ولي عليهم بعد أطفانش ملك آخر منهم اسمه طشريك وقتله الرومانيون، وولي مكانه منهم ماستة ثلاث سنين وزوّج أخته من طودوشيش ملك الرومانيين وصالحه على أن يكون له ما يفتحه من الأندلس. ثم مات وولي مكانه لزريق ثلاث عشرة سنة وهو الّذي زحف إلى الأندلس وقتل ملوكها وطرد الطوائف الذين كانوا بها فأجازوا إلى طنجة وتغلبوا على بلاد البربر وصرفوا البربر الذين كانوا بالعدوة عن طاعة القسطنطين إلى طاعتهم، فلم يزالوا على ذلك إلى دولة يشتيانش [٣] نحوا من ثمانين سنة، ثم هلك طورديق [٤] ملك القوط بالأندلس وولي مكانه [٥]

стр. 1095

سبع عشرة سنة، وانتقض عليه البسكتس إحدى طوائف القوط فزحف إليهم وردّهم إلى طاعته ثم هلك. وولي بعده الديك ثلاثا وعشرين سنة، وكانت الافرنج لعهده قد طمعوا في ملك الأندلس وأن يغلبوا عليها القوط، فجمعوا لهم وملكوا على أنفسهم منهم، فزحف إليهم الديك في أمم القوط إلى أن توغل في بلاد الافرنج فغلبوه وقتلوه وعامة أصحابه. وكانت القوط قبل دخولهم إلى الأندلس فرقتين كما ذكرنا في دولة بلنسيان بن قسطنطين من القياصرة المتنصّرة، وكانت إحدى الفرقتين قد أقامت بمكانها من نواحي رومة فلما بلغهم خبر الديك صاحب الأندلس منهم امتعضوا لذلك، وكان أميرهم طورديك منهم، فزحف إلى الافرنج وغلبهم على ما كانوا لملكونه من الأندلس، ودخل القوط الذين كانوا بالأندلس في طاعته فولّى عليهم ابنه أشتريك ورجع إلى مكانه من نواحي رومة، فزحف الافرنج إلى محاربة أشتريك حتى غلبوه على طلوسة من ناحيتهم. وهلك أشتريك بعد خمس سنين من ملكه وولي عليهم بعده بشليقش أربع سنين، ثم بعده طودريق إحدى وستين سنة وقتله بعض أصحابه بأشبيليّة، وولي بعده أبرليق خمس سنين، وبعده طودس ثلاث عشرة سنة، وبعده طودشكل سنتين، وبعده أيلة خمس سنين وانتقض عليه أهل قرطبة فحاربهم وتغلب عليهم. وبعده طنجاد خمس عشرة سنة، وبعده ليولة سنة واحدة، وبعده لوبليدة ثماني عشرة سنة وانتقضت عليه الأطراف فحاربهم وسكنهم ونكر عليه النصارى تثليث أريش وراودوه على الأخذ بتوحيدهم الذين [١] يزعمونه فأبى وحاربهم فقتل. وولي ابنه زدريق ست عشرة سنة ورجع إلى توحيد النصارى بزعمهم وهو الّذي بنى البلاد المنسوبة إليه بقرطبة. ولما هلك ولي بعده على القوط ليوبة سنتين، وبعده تبديقا عندمار سنتين، وبعده شيشوط ثماني سنين وعلى عهده كان هرقل ملك قسطنطينية والشام، ولعهده كانت الهجرة. وهلك شيشوط ملك القوط وولي بعده زدريق آخر منهم ثلاثة أشهر، وبعده شتلة ثلاث سنين، وبعده سنشادش خمس سنين، وبعده خنشوند سبع سنين، وبعده وجنشوند ثلاثا وعشرين سنة، ولهذه العصور ابتدأ ضعف الأحكام للقوط. وبعده

стр. 1096

مانيه ثمان سنين، وبعده لوري ثمان سنين، وبعده ايقه ست عشرة سنة، وبعده غطسة أربع عشرة سنة وهو الّذي وقع من قصته مع ابنه يليان عامل طنجة ما وقع. ثم بعده زدريق سنتين وهو الّذي دخل عليه المسلمون وغلبوه على ملك القوط وملكوا الأندلس، ولذلك العهد كان الوليد بن عبد الملك حسبما نذكره عند فتح الأندلس إن شاء الله تعالى. هذه سياقة الخبر عن هؤلاء القوط نقلته من كلام هروشيوش وهو أصح ما رأيناه في ذلك والله الموفق المعين بفضله وكرمه لا ربّ غيره ولا مأمول إلّا خيره. الطبقة الثالثة من العرب وهم العرب التابعة للعرب وذكر افاريقهم وأنسابهم وممالكهم وما كان لهم من الدول على اختلافها والبادية والرحالة منهم وملكها هذه الأمّة من العرب البادية أهل الخيام الذين لا إغلاق لهم لم يزالوا من أعظم أمم العالم وأكثر أجيال الخليقة، يكثرون الأمم تارة وينتهى إليهم العزّ والغلبة بالكثرة فيظفرون بالملك ويغلبون على الأقاليم والمدن والأمصار، ثم يهلكهم الترفه والتنعّم ويغلبون عليهم ويقتلون ويرجعون إلى باديتهم، وقد هلك المتصدّرون منهم للرئاسة بما باشروه من الترف ونضارة العيش وتصيير الأمر لغيرهم من أولئك المبعدين عنهم بعد عصور أخرى. هكذا سنّة الله في خلقه وللبادية منهم مع من يجاورهم من الأمم حروب ووقائع في كل عصر وجيل بما تركوا من طلب المعاش، وجعلوا طلب المعاش رزقهم في معاشهم بترصد السبيل وانتهاب متاع الناس. ولما استفحل الملك للعرب في الطبقة الأولى للعمالقة، وفي الثانية للتبابعة، وكان ذلك عن كثرتهم فكانوا منتشرين لذلك العهد باليمن والحجاز ثم بالعراق والشام، فلما تقلّص ملكهم وكانوا [١] بالعراق منهم بقيّة أقاموا ضاحين [٢] من ظل الملك. يقال في مبدإ كونهم هنالك أنّ بخت نصّر لمّا سلطه الله على العرب وعلى بني إسرائيل بما كانوا من بغيهم وقتلهم الأنبياء، قتل أهل الوبر بناحية عدن اليمن نبيّهم شعيب بن ذي

стр. 1097

مهدم على ما وقع في تفسير قوله تعالى: «فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ ٢١: ١٢» . فأوحى الله إلى إرمياء بن حزقيّا وبرخيا أن يسيّرا بخت نصّر إلى العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم أن يقتل ولا يستحيى ويستلحمهم أجمعين ولا يبقى منهم أثرا، وقال بخت نصّر: وأنا رأيت مثل ذلك. وسار إلى العرب، وقد نظم ما بين أيلة والأبلّة خيلا ورجلا، وتسامع العرب بأقطار جزيرتهم واجتمعوا للقائه، فهزم عدنان أولا ثم استلحم الباقين ورجع إلى بابل، وجمع السبايا فأنزلهم بالأنبار ثم خالطهم بعد ذلك النبطة. وقال ابن الكلبي: إنّ بخت نصّر لما نادى بغزو العرب افتتح أمره بالقبض على من كان في بلاده من تجّارهم للميرة وأنزلهم الحيرة، ثم خرج إليهم في العساكر فرجعت قبائل منهم إليه آثروا الإذعان والمسالمة، وأنزلهم بالسواد على شاطئ الفرات، وابتنوا موضع عسكرهم وسموه الأنبار، ثم أنزلهم الحيرة فسكنوها سائر أيامه ورجعوا إلى الأنبار بعد مهلكه. قال الطبري: إن تبّعا أبا كرب لما غزا العراق أيام أردشير بهمن كانت طريقه على جبل طيِّئ ومنه إلى الأنبار، وانتهى إلى موضع الحيرة ليلا، فتحير وأقام فسمّي المكان الحيرة. ثم سار لوجهه وخلّف هنالك قوما من الأزد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة، وطنوا وبنوا ولحق بهم ناس من طيِّئ وكلب والسكون وإياد والحرث بن كعب فكانوا معهم. وقيل وهو قريب من الأوّل: خرج تبّع في العرب حتى تحيروا بظاهر الكوفة فنزل بها ضعفاء الناس فسميت الحيرة، ولما رجع ووجدهم قد استوطنوا، تركهم هنالك وفيهم من كل قبائل العرب من هذيل ولخم وجعفي وطيِّئ وكلب وبني لحيان من جرهم. قال هشام بن محمد: لما مات بخت نصّر انتقل الذين أسكنهم بالحيرة إلى الأنبار ومعهم من انضم إليهم من بني إسماعيل وبني معدّ وانقطعت طوالع العرب من اليمن عنهم، ثم كثر أولاد معدّ وفرقتهم العرب، وخرجوا يطلبون المنسع والريف فيما يليهم من بلاد اليمن ومشارف الشام، ونزلت قبائل منهم البحرين وبها يومئذ قوم من الأزد نزلوها أيام خروج مزيقياء من اليمن، وكان الذين أقبلوا من تهامة من العرب مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم بن أسد بن وبرة بن قضاعة وابن أخيهما مالك بن زهير وابن عمرو

стр. 1098

بن فهم في جماعة من قومهم والخنفار بن الحيق بن عمرو بن معدّ بن عدنان في قفص كلها ولحق بهم غطفان بن عمرو بن لطمان بن عبد مناف بن بعدم بن دعمي بن أياد بن أرقص بن صبيح بن الحارث بن أفصى بن دعمي وزهير بن الحرث بن أليل بن زهير بن أياد، واجتمعوا بالبحرين وتحالفوا على المقام والتناصر وأنهم يد واحدة، وكان هذا الاجتماع والحلف أزمان الطوائف، وكان ملكهم قليلا ومفترقا وكان كل واحد منهم يغير على صاحبه ويرجع على أكثر من ذلك. فتطلعت نفوس العرب بالبحرين إلى ريف العراق، وطمعوا في غلب الأعاجم عليه أو مشاركتهم فيه، واهتبلوا الخلاف الّذي كان بين الطوائف وأجمع رؤساؤهم المسير إلى العراق. فسار منهم الأوّل الخنفار بن الحبق في أشلاء قفص بن معدّ ومن معهم من أخلاط الناس، فوجدوا بأرض بابل الى الموصل بني إرم بن سام الذين كانوا ملوكا بدمشق، وقيل لها من أجلهم دمشق إرم وهم من بقايا العرب الأولى، فوجدوهم يقاتلون ملوك الطوائف، فدفعوهم عن سواد العراق، فارتفعوا عنه إلى أشاء قفص، هؤلاء ينسبون إلى عمرو بن عديّ بن ربيعة جدّ بني المنذر عند نسابة مضر، وفي قول حمّاد الراوية كما يأتي ذكره. ثم طلع مالك وعمرو ابنا فهم وابن مالك بن زهير من قضاعة وغطفان بن عمرور وصبح بن صبيح وزهير بن الحرث من أياد فيمن معهم من غسّان وحلفائهم بالأنبار، وكلهم تنوخ كما قدمنا، فغلبوا بني إرم ودفعوهم عن جهات السواد. وجاء على أثرهم نمارة بن قيس ونمارة بن لخم نجدة من قبائل كندة، فنزلوا الحيرة وأوطنوها، وأقامت طالعة الأنبار وطالعة الحيرة لا يدينون للأعاجم ولا تدين لهم حتى مرّ بهم تبّع وترك فيهم ضعفة عساكره كما تقدّم، وأوطنوا فيهم من كل القبائل كما ذكرنا جعف وطيِّئ وتميم وبني لحيان من جرهم. ونزل كثير من تنوّخ ما بين الحيرة والأنبار بادين في الخيام لا يأوون إلى المدن ولا يخالطون أهلها، وكانوا يسمّون عرب الضاحية، وأوّل من ملكه منهم أزمان الطوائف مالك بن فهم، وبعده أخوه عمرو، وبعده ابن أخيه جذيمة الأبرش كما يأتي ذكر ذلك كله. وكان أيضا ولد عمرو مزيقياء بعد خروجه من اليمن بالأزد قومه عند خروجه أنذرهم بسيل العرم في القصة المشهورة، وقد انتشروا بالشام والعراق وتخلّف من تخلّف منهم بالحجاز وهم خزاعة، فنزلوا مرّ الظهران وقاتلوا جرهما بمكّة فغلبوهم عليها، ونزل نصر بن الأزد عمان، ونزلت غسّان جبال الشراة، وكانت لهم حروب مع بني معدّ

стр. 1099

إلى أن استقروا هنالك في التخوم بين الحجاز والشام، هذا شأن من أوطن العراق والشام من قبائل سبا، تشاءم منهم أربعة وبقي باليمن ستة وهم مذجح وكندة والأشعريّون وحمير وأنمار وهو أبو خثعم وبجيلة، فكان الملك لهؤلاء باليمن في حمير ثم التبابعة منهم، ويظهر من هذا أنّ خروج مزيقياء والأزد كان لأوّل ملك التبابعة أو قبله بيسير. وأمّا بنو معدّ بن عدنان فكان إرميا وبرخيا لما أوحي إليهما بغزو بخت نصّر العرب، وأمرهما الله أن يستخرجا معدّ بن عدنان لأنّ من ولده محمدا ﷺ ، أخرجه آخر الزمان أختم به النبيّين وأرفع به من الضعة، فأخرجاه على البراق وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وذهبا به إلى حرّان فربي عندهما. وغزا بخت نصّر العرب واستلحمهم وهلك عدنان وبقيت بلاد العرب خرابا، ثم هلك بخت نصّر فخرج معدّ بن عدنان مع أنبياء بني إسرائيل، فحجّوا جميعا وطفق يسأل عمن بقي من ولد الحرث بن مضاض الجرهميّ. وكانت قبائل دوس [١] أكثر جرهم على يده فقيل له بقي جرهم بن جلهة [٢] ، فتزوّج ابنته معانة وولدت له نزار بن معدّ. قال السهيليّ، وكان رجوع معدّ إلى الحجاز بعد ما رفع الله بأسه عن العرب، ورجعت بقاياهم التي كانت بالشواهق إلى مجالاتهم بعد أن دوّخ بخت نصّر بلادهم وخرّب معمورهم واستأصل حضورا وأهل الرسّ التي كانت سطوة الله بالعرب من أجلهم. أهـ. كلام السهيليّ. ثم كثر نسل معدّ في ربيعة ومضر وأياد، وتدافعوا إلى العراق والشام، وتقدّم منهم أشاء قفص- كما ذكرنا- وجاءوا على أثرهم، فنزلوا مع أحياء اليمنيّة الذين ذكرناهم قبل، وكانت لهم مع تبّع حروب وهو الّذي يقول: لست بالتّبع اليماني إن لم ... تركض الخيل في سواد العراق أو تؤدّي ربيعة الخرج قسرا ... لم تعقها موانع العوّاق ثم كان بالعراق والشام والحجاز أيام الطوائف ومن بعدهم في أعقاب ملك التبابعة اليمنية والعدنانية ملك ودول بعد أن درست الأجيال قبلهم وتبدّلت الأحوال السابقة

стр. 1100

لعصرهم، فاستحق بذلك أن يكون جيلا منفردا عن الأوّل، وطبقة مباينة للطباق السالفة. ولما لم يكن لهم أثر في إنشاء العروبيّة كما للعرب العاربة، ولا في لغتها عنهم كما في المستعربة، وكانوا تبعا لمن تبعهم في سائر أحوالهم استحقوا التسمية بالعرب التابعة للعرب. واستمرت الرئاسة والملك في هذه الطبقة اليمانية أزمنة وآمادا بما كانت صبغتها لهم من قبل وأحياء مضر وربيعة تبعا لهم، فكان الملك بالحيرة للخم في بني المنذر، وبالشام لغسّان في بني جفنة، وبيثرب كذلك في الأوس والخزرج ابني قيلة. وما سوى هؤلاء من العرب فكانوا ظواعن بادية وأحياء ناجعة، وكانت في بعضهم رياسة بدوية وراجعة في الغالب إلى أحد هؤلاء، ثم نبضت عروق الملك في مضر وظهرت قريش على مكة ونواحي الحجاز أزمنة عرف فيها منهم ودانت الدول بتعظيمهم. ثم صبح الإسلام أهل هذا الجيل وأمرهم على ما ذكرناه فاستحالت صبغة الملك إليهم، وعادت الدول لمضر من بينهم، واختصت كرامة الله بالنّبوّة بهم، فكانت فيهم الدول الإسلامية كلّها، إلّا بعضا من دولها قام بها العجم اقتداء بالملّة وتمهيدا للدّعوة حسبما نذكر ذلك كله. فلنأت الآن بذكر قبائل هذه الطبقة من قحطان وعدنان وقضاعة، وما كان لكل واحدة منها من الملك قبل الإسلام وبعده: ومن كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني في أخبار خزيمة بن نهد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة قال: كان بدء تفرّق بني إسماعيل من تهامة ونزوعهم عنها إلى الآفاق وخروج من خرج منهم عن نسبه، أنّ قضاعة كانوا مجاورين لنزار وكان خزيمة بن نهد فاسقا متعرّضا للنساء، فشبب بفاطمة بنت يذكر وهو عامر بن عنزة، وذكرها في شعره حيث يقول: إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا وحالت دون ذلك من هموم ... هموم تخرج الشجر الربينا أري ابنة يذكر ظعنت فحلّت ... جنوب الحزن يا شحطا مبينا وسخط ذلك يذكر خشية خزيمة على نفسه فاغتاله وقتله، وانطفت نار يذكر ولم يصح على خزيمة شيء تتوجه به المطالبة على قضاعة حتى قال في شعره: فاه كان عند رضاب العصير ... ففيها يعلّ به الزنجبيل قتلت أباها على حبّها ... فتبخل إن بخلت أو تقيل

стр. 1101

فلما سمعت نزار شعر خزيمة بن نهد وقتله يذكر بن عنزة، ثاروا مع قضاعة وتساندوا مع أحياء العرب الذين كانوا معهم، وكانت هذه مع نزار ونسبها يومئذ كندة بن جنادة بن معدّ، وجيرانهم يومئذ أجأ بن عمرو بن أدّ بن أدد ابن أخي عدنان بن أدد. وكانت قضاعة تنتسب إلى معدّ ومعدّ إلى عدنان، والأشعريون إلى الأشعر بن أدد أخي عدنان، وكانوا يظعنون من تهامة إلى الشام ومنازلهم بالصفاع. وكانت عسقلان من ولد ربيعة، وكانت قضاعة ما بين مكة والطائف، وكندة من العمد إلى ذات عرق، ومنازل أجأ والأشعر ومعدّ ما بين جدّة والبحر. فلما اقتتلوا هزمت نزار قضاعة وقتل خزيمة وخرجوا مفترقين، فسارت تيم اللات من قضاعة وبعض بني رفيدة منهم وفرقة من الأشعريين نحو البحرين، ونزلوا هجر وأجلوا من كان بها من النبط وملوكها. وكانت الزرقاء بنت زهير كاهنة منهم فتكهنت لهم بنزول ذلك المكان والخروج عن تهامة وقالت في شعرها: ودّع تهامة لا وداع مخالف ... بذمامه لكن قليّ وملام لا تنكري هجرا مقام غريبة ... لن تعدمي من ظاعنين تهام ثم تكهنت لهم في سجع بأنهم يقيمون بهجر حتى ينعق غراب أبقع عليه خلخال ذهبا ويقع على نخلة وصفتها فيسيرون إلى الحيرة، وكان في سجعها مقام وتنوخ فسمّيت تلك القبائل تنوخ من أجل هذه اللفظة. ولحق بهم قوم من الأزد فدخلوا في تنوخ وأصاب بقية قضاعة الموتان، وسارت فرقة من بني حلوان فنزلوا عبقرة من أرض الجزيرة ونسج نساؤهم البرود العبقرية من الصوف والبرود التزيدية إليهم لأنهم بنو تزيد، وأغارت عليهم الترك فأصابوا منهم، وأقبل الحرث بن قراد البهراني ليستجيش بني حلوان فعرض له أبان بن سليح صاحب العين فقتله الحرث ولحقت بهرا بالترك، فاستنقذوا ما أخذوه من بني تزيد وهزموهم وقال الحرث: كأنّ الدهر جمّع في ليال ... ثلاث بينهنّ بشهرزور صففنا للأعاجم من معدّ ... صفوفا بالجزيرة كالسعير وسارت سليح بن عمرو [١] بن الحاف وعليهم الهدرجان بن مسلمة، حتى نزلوا فلسطين على بني أدينة بن السميدع بن عاملة، وسارت أسلم بن الحاف وهي عذرة ونهد وحويكة وجهينة حتى نزلوا بين الحجر ووادي القرى، وأقامت تنوخ بالبحرين

стр. 1102

سنين. ثم أقبل الغراب بحلقتي الذهب ووقع على النخلة ونعق كما قالت الزرقاء فذكروا قولها وارتحلوا إلى الحيرة فنزلوها وهم أوّل من اختطها، وكان رئيسهم مالك بن زهير واجتمع إليه ناس كثيرة من بسائط القرى، وبنوا بها المنازل وأقاموا زمانا ثم أغار عليهم سابور الأكبر وقاتلوه، وكان شعارهم يا لعباد الله فسموا العبّاد. وهرمهم سابور فافترقوا، وسار أهل المهبط منهم مع الضيزن بن معاوية التنوخي فنزل بالحضر الّذي بناه الساطرون الجرمقاني، فأقاموا عليه. وأغارت حمير على قضاعة فأجلوهم وهم كلب. وخرج بنو زبّان بن تغلب بن حلوان فلحقوا بالشام، ثم أغارت عليهم كنانة بعد ذلك بحين واستباحوهم فلحقوا بالسماوة وهي إلى اليوم منازلهم. أهـ كلام صاحب الأغاني (قلت) : وأحياء جدّهم لهذا العهد ما بين عنزة وقلتة وفلسطين إلى معان من أرض الحجاز. الخبر عن أنساب العرب من هذه الطبقة الثالثة واحدة واحدة وذكر مواطنهم ومن كان له الملك منهم اعلم أنّ جميع العرب يرجعون إلى ثلاثة أنساب وهي عدنان وقحطان وقضاعة: فأمّا عدنان: فهو من ولد إسماعيل بالاتفاق، إلّا ذكر الآباء الذين بينه وبين إسماعيل فليس فيه شيء يرجع إلى يقينه، وغير عدنان من ولد إسماعيل قد انقرضوا فليس على وجه الأرض منهم أحد. وأمّا قحطان: فقيل من ولد إسماعيل وهو ظاهر كلام البخاري في قوله، باب نسبة اليمن إلى إسماعيل، وساق في الباب قوله ﷺ لقوم من أسلم يناضلون: «ارموا يا بني إسماعيل فإنّ أباكم كان راميا» . ثم قال: وأسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة يعني وخزاعة من سبإ والأوس والخزرج منهم، وأصحاب هذا المذهب على أنّ قحطان ابن الهميسع بن أبين بن قيذار بن نبت بن إسماعيل. والجمهور على أنّ قحطان هو يقطن [١] المذكور في التوراة في ولد عابر وأن حضرموت من شعوب قحطان.

стр. 1103

وأمّا قضاعة: فقيل إنّها حمير قاله ابن إسحاق والكلبي وطائفة. وقد يحتج لذلك بما رواه ابن لهيعة عن عقبة بن عامر الجهنيّ قال: يا رسول الله ممن نحن؟ قال: أنتم من قضاعة بن مالك. وقال عمرو بن مرّة وهو من الصحابة: نحن بن والشيخ العجاز الأزهري ... قضاعة بن مالك بن حمير النسب المعروف غير المنكر وقال زهير: قضاعية وأختها مضريّة، فجعلهما أخوين. وقال: إنهما من حمير بن معدّ بن عدنان. وقال ابن عبد البر: وعليه الأكثرون، ويروي عن ابن عبّاس وابن عمرو وجبير بن مطعم وهو اختيار الزبير بن بكّار وابن مصعب الزبيريّ وابن هشام. قال السهيليّ: والصحيح أنّ أمّ قضاعة وهي عبكرة مات عنها مالك بن حمير وهي حامل بقضاعة فتزوّجها معدّ وولدت قضاعة فتكنى به ونسب إليه وهو قول الزبير. أهـ كلام السهيليّ. وفي كتب الحكماء الأقدمين من يونان مثل بطليموس وهروشيوش ذكر القضاعيّين والخبر عن حروبهم، فلا يعلم أهم أوائل قضاعة هؤلاء وأسلافهم أو غيرهم، وربّما يشهد للقول بأنهم من عدنان وأنّ بلادهم لا تتصل ببلاد اليمن وإنما هي ببلاد الشام وبلاد بني عدنان. والنسب البعيد يحيل الظنون ولا يرجع فيه إلى يقين. ولنبدأ بقحطان وبطونها: لما أنّ الملك الأقدم للعرب كان في نسب سبإ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان ومنه تشعب بطون حمير بن سبإ وكهلان بن سبإ وينفرد بنو حمير بالملك وكان منهم التبابعة أهل الدولة المشهورة وغيرهم كما نذكر. فلنبدأ بذكر حمير أولا من القحطانية، ونذكر بعدهم قضاعة لانتسابهم في المشهور إلى حمير، ثم نتبعهم بذكر كهلان إخوان حمير من القضاعيّة، ثم نرجع إلى ذكر عدنان. الخبر عن حمير من القحطانية وبطونها وتفرع شعوبها قد تقدّم لنا ذكر الشعوب من حمير الذين كان لهم الملك قبل التبابعة فلا حاجة لنا إلى إعادة ذكرهم. وتقدّم لنا أنّ حمير بن سبإ كان له من الولد تسعة وهم: الهميسع ومالك وزيد وعريب وواثل ومشروح ومعديكرب وأوس ومرّة، فبنو مرّةُ دخلوا إلى حضرموت، وكان من حمير أبين بن زهير بن الغوث بن أبين بن الهميسع ابن حمير وإليهم تنسب عدن أبين، ومنهم بنو الأملوك وبنو عبد شمس وهما ابنا وائل ابن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير، وعريب وأبين أخوان. ومن بني عبد

стр. 1104

شمس بنو شرعب بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس، وقد تقدّم قول من ذهب إلى أنّ جشم وعبد شمس أخوان وهما ابنا وائل، والصحيح ما ذكرناه هنا فلنرجع وبنو خيران وشعبان وهما ابنا عمرو أخي شرعب بن قيس وزيد الجمهور بن سهل أخي خيران وشعبان، ورابعهم حسّان القيل بن عمرو وقد مرّ ذكره، ومن زيد الجمهور ذو رعين واسمه يريم بن زيد بن سهيل وإليه ينسب عبد كلال الّذي تقدّم ذكره في ملوك التبابعة. والحارث وعريب ابنا عبد كلال بن عريب بن يشرح بن مدان بن ذي رعين وهما اللذان كتب لهما النبيّ ﷺ ، ومنهم كعب بن زيد الجمهور ويلقّب كعب الظلم وأبناء سبإ الأصغر بن كعب وإليه ينتهي نسب ملوك التبابعة. ومن زيد الجمهور بنو حضور بن عديّ بن مالك بن زيد وقد مرّ ذكرهم. وتقول اليمن إن منهم كان شعيب بن ذي مهدم النبي الّذي قتله قومه، فغزاهم بخت نصّر فقتلهم. وقيل بل هو من حضور بن قحطان الّذي اسمه في التوراة يقطن. ومنهم أيضا بنو ميثم وبنو حالة ابني سعد بن عوف بن عدي بن مالك أخي ذي رعين، وعوف هذا أخو حضور وأخوه أحاظة وميثم بنو حراز بن سعد، فمن ميثم كعب الأحبار وقد مرّ ذكره، وهو كعب بن ماتع بن هلسوع لن ذي هجري بن ميثم. ومن أحاظة رهط ذي الكلاع وهو السميقع بن ناكور بن عمرو بن يعفر بن يزيد وهو ذو الكلاع الأكبر بن النعمان بن أحاظة، ومن عمرو بن سعيد الخبائر والسحول بنو سوادة بن عمرو بن الغوث بن سعيد يحصب، وذو أصبح أبرهة بن الصبّاح، وكان من ملوك اليمن لعهد الإسلام وقد مرّ ذكره ونسبه، ومنهم مالك بن أنس إمام دار الهجرة وكبير فقهاء السلف وهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر وهو نافع بن عمرو بن الحرث بن عثمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث وهو ذو أصبح وابناه يحيى ومحمد وأعمامه أويس، وأبو سهل والربيع، وكانوا حلفاء لبني تيم من قريش. ومن زيد الجمهور مرثد بن علس بن ذي جدن بن الحرث ابن زيد وهو الّذي استجاشه امرؤ القيس على بني أسد قاتلي أبيه. ومن بني سبإ الأصغر الأوزاع وهم بنو مرثد بن زيد بن شدد بن زرعة بن سبإ الأصغر، ومن إخوان هؤلاء الأوزاع بنو يعفر الذين استبدوا بملك اليمن كما يأتي عند ذكر ملوك اليمن في الدولة العبّاسيّة، وهو يعفر بن عبد الرحمن بن كريب بن عثمان بن الوضّاح بن إبراهيم بن مانع بن عون بن تدرص بن عامر بن ذي مغار البطين بن

стр. 1105

ذي مرايش بن مالك بن زيد بن غوث بن سعد بن عوف بن عديّ بن مالك بن شدد بن زرعة. وكان آخر ملوك بني يعفر هؤلاء باليمن أبو حسّان أسعد بن أبي يعفر إبراهيم بن محمد بن يعفر ملك أبو إبراهيم صنعاء وبنى قلعة كحلان باليمن، وورث ملكه بنوه من بعده إلى أن غلب عليهم الصليحيّون من همدان بعدوة العبيديّين من الشيعة كما نذكر في أخبارهم. ومن زيد الجمهور ملوك التبابعة وملوك حمير من ولد صيفي بن سبإ الأصغر بن كعب بن زيد. قال ابن حزم: فمن ولد صيفي هذا تبّع وهو تبان وهو أيضا أسعد أبو كرب بن كليكرب وهو تبّع بن زيد وهو تبّع بن عمرو وهو تبّع ذو الأذعار بن أبرهة وهو تبّع ذو المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي، قال: فولد تبّع أسعد أبو كرب حسّان ذو معاهر وتبّع زرعة وهو ذو نواس الّذي تهوّد وهوّد أهل اليمن، ويسمى يوسف، وقتل أهل نجران من النصارى. وعمرو بن سعد وهو موثبان، فقال: ومن هؤلاء التبابعة شمّر يرعش بن ياسر ينعم بن عمرو ذي الأذعار، وأفريقش بن قيس بن صيفي، وبلقيس بنت إيلي أشرح بن ذي جدن بن إيلي أشرح بن الحرث بن قيس بن صيفي. قال: وفي أنساب التبابعة تخليط واختلاف ولا يصحّ منها ومن أخبارهم إلا القليل. أهـ. ومن زيد الجمهور ذو يزن بن عامر بن أسلم بن زيد. وقال ابن حزم: إنّ عامر هو ذو يزن، قال ومن ولده: سيف بن النعمان بن عفير بن زرعة بن عفير بن الحرث بن النعمان بن قيس بن عبيد بن سيف بن ذي يزن، الّذي استجاش كسرى على الحبشة وأدخل الفرس إلى اليمن. هذه بطون حمير وأنسابها وديارهم باليمن من صنعاء إلى ظفار إلى عدن، وأخبار دولهم قد تقدّمت والله وارث الأرض ومن عليها وهو غير الوارثين. ونلحق بالكلام في أنساب حمير بن سبإ أنساب حضرموت وجرهم وما ذكره النسّابون من شعوبهما: فإنّهم يذكرونهما مع حمير لأن حضرموت وجرهم إخوة سبإ كما وقع في التوراة وقد ذكرناه ولم يبق من ولد قحطان بعد سبإ معروف العقب غير هذين. فأمّا حضرموت فقد تقدّم ذكرهم في العرب البائدة ومن كان منهم من الملوك يومئذ، ونبّهنا هنالك أنّ منهم بقية في الأجيال المتأخرة اندرجوا في غيرهم فلذلك ذكرناهم في هذه الطبقة الثالثة. قال ابن حزم: ويقال إن حضرموت هو ابن يقطن أخي قحطان والله أعلم. وكان فيهم رياسة إلى الإسلام، منهم وائل بن حجر له

стр. 1106

صحبة وهو وائل بن حجر بن سعيد بن مسروق بن وائل بن النعمان بن ربيعة بن الحارث بن عوف بن سعد بن عوف بن عديّ بن شرحبيل بن الحرث بن مالك بن مرّة بن حمير بن زيد بن لابي بن مالك بن قدامة بن أعجب بن مالك بن لابي بن قحطان، وابنه علقمة بن وائل. وسقط عنده بين حجر أبي وائل وسعيد ابن مسروق أب اسمه سعد وهو ابن سعيد. ثم قال ابن حزم: ويذكر بنو خلدون الإشبيليّون فيقال إنّهم من ولد الجبّار بن علقمة بن وائل ومنهم علي المنذر بن محمد وابنه بقرمونة وإشبيليّة، اللذين قتلهما إبراهيم بن حجّاج اللخميّ غيلة، وهما ابنا عثمان أبي بكر بن خالد بن عثمان أبي بكر بن مخلوف المعروف بخلدون الداخل المشرق. وقال غيره في خلدون الأوّل: إنه ابن عمرو بن خلدون. وقال ابن حزم في خلدون: إنه ابن عثمان بن هانئ بن الخطّاب بن كريب بن معديكرب بن الحرث بن وائل بن حجر. وقال غيره: خلدون بن مسلم بن عمر بن الخطّاب بن هانئ بن كريب بن معديكرب بن الحرث بن وائل. قال ابن حزم: والصدف من بني حضرموت وهو الصدف [١] بن أسلم بن زيد بن مالك بن زيد بن حضرموت الأكبر، قال: ومن حضرموت العلاء بن الحضرميّ الّذي ولّاه رسول الله ﷺ البحرين وأبو بكر وعمر بن بعده إلى أن توفي سنة إحدى وعشرين، وهو العلاء بن عبد الله بن عبدة بن حمّاد بن مالك حليف بني أميّة بن عبد شمس وأخوه ميمون بن الحضرميّ ابن الصّدف. فيقال عبد الله بن حمّاد بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن أكبر بن عريب بن مالك بن الخزرج بن الصدف، قال وأخت العلاء الصعبة بنت الحضرميّ أمّ طلحة بن عبد الله أهـ. وأمّا جرهم فقال ابن سعيد: إنهم أمّتان أمة على عهد عاد وأمة من ولد جرهم بن قحطان، ولمّا ملك يعرب بن قحطان اليمن ملك أخوه جرهم الحجاز، ثم ملك من بعده ابنه عبد ياليل بن جرهم، ثم ابنه جرشم بن عبد ياليل، ثم ملك من بعده ابنه عبد المدان بن جرشم، ثم ابنه نفيلة بن عبد المدان، ثم ابنه عبد المسيح بن نفيلة، ثم ابنه مضاض بن عبد المسيح، ثم ابنه عمرو بن مضاض، ثم أخوه الحرث بن مضاض، ثم ابنه عمرو بن الحرث، ثم أخوه بشر بن الحرث، ثم مضاض بن عمرو بن مضاض. قال وهذه الأمة الثانية هم الذين بعث إليهم إسماعيل وتزوّج فيهم أهـ.

стр. 1107

الخبر عن قضاعة وبطونها والإلمام ببعض الملك الّذي كان فيها قد تقدّم آنفا ذكر الخلاف الّذي في قضاعة هل هم لحمير أو لعدنان ونقلنا الحجاج لكلا المذهبين وأتينا بذكر أنسابهم تالية حمير ترجيحا للقول بأنهم منهم، وعلى هذا فقيل هو قضاعة بن مالك بن حمير. وقال ابن الكلبي: قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرّة بن زيد بن مالك بن حمير. وكان قضاعة فيما قال ابن سعيد ملكا على بلاد الشحر، وصارت بعده لابنه الحاف ثم لابنه مالك. ولم يذكر ابن حزم في ولد الحاف مالكا. قال ابن سعيد وكانت بين قضاعة وبين وائل بن حمير حروب، ثم استقل ببلاد الشحر مهرة بن حيدان بن الحاف بن قضاعة وعرفت به، قال وملك بنو قضاعة أيضا نجران ثم غلبهم عليها بنو الحرث بن كعب بن الأزد وساروا إلى الحجاز فدخلوا في قبائل معدّ، ومن هنا غلط من نسبهم إلى معدّ أهـ. ولنذكر الآن تشعّب البطون من قضاعة: اتفق النسّابون على أنّ قضاعة لم يكن له من الولد إلّا الحافي ومنه سائر بطونهم، وللحافي ثلاثة من الولد: عمرو وعمران وأسلم بضم اللام قاله ابن حزم. فمن عمرو بن الحافي حيدان وبلى وبهرا، فمن حيدان مهرة، ومن بلى جماعة من مشاهير الصحابة: منهم كعب بن عجرة وخديج بن سلامة وسهل بن رافع وأبو بردة ابن نيار، ومن بهرا جماعة من الصحابة أيضا منهم: المقداد بن عمرو وينسب إلى الأسود بن عبد يغوث بن وهب خال رسول الله ﷺ أخي أمّه وتبنّاه فنسب إليه. ويقال إنّ خالد بن برمك مولى بني بهرا. ومن أسلم سعد هذيم وجهينة ونهد بنو زيد بن ليث بن سود بن أسلم، فجهينة ما بين الينبع ويثرب إلى الآن في متّسع من برية الحجاز وفي شماليهم الى عقبة ايلة مواطن بلى وكلاهما على العدوة الشرقية من بحر القلزم وأجاز منهم أمم إلى العدوة الغربية وانتشروا ما بين صعيد مصر وبلاد الحبشة وكثروا هنالك سائر الأمم وغلبوا على بلاد النوبة وفرّقوا كلمتهم وأزالوا ملكهم وحاربوا الحبشة فأرهقوهم إلى هذا العهد. ومن سعد هذيم بنو عذرة المشهورون بين العرب في المحبة، كان منهم جميل بن عبد الله بن

стр. 1108

معمر وصاحبته بثينة بنت حبابا. قال ابن حزم: كان لأبيها صحبة ومنهم عروة بن حزام وصاحبته عفرا. ومن بني عذرة كان رزاح بن ربيعة أخو قصيّ بن كلاب لأمّه وهو الّذي استظهر قصي به وبقومه على بني سعد بن زيد بن مناة بن تميم فغلبهم على الاجازة بالناس من عرفة، وكانت مفتاح رياسته في قريش. ومن عمران بن الحافي بنو سليح وهو عمرو بن حلوان بن عمران، ومن بني سليح الضجاعم بنو ضجعم بن سعيد بن سليح كانوا ملوكا بالشام للروم قبل غسّان. ومن بني عمران بن الحافي بنو جرم بن زبّان بن حلوان بن عمران بطن كبير وفيهم كثير من الصحابة ومواطنهم ما بين غزة وجبال الشراة من الشام، وجبال الشراة من جبال الكرك. ومن تغلب بن حلوان بنو أسد وبنو النمر وبنو كلب قبائل ضخمة كلهم بنو وبرة بن تغلب، فمن النمر بن خشين بن النمر ومن بني أسد بن وبرة تنوخ وهم فهم بن تيم اللات بن أسد منهم مالك بن زهير بن عمرو بن عمرو بن فهم وعليه تنخت تنوخ، وعلى عهد أبيه مالك بن فهم كما مرّ وكانوا حلفاء لبني حزم. فتنوخ على ثلاثة أبطن: بطن اسمه فهم وهم هؤلاء، وبطن اسمه نزار وهم ليس نزار لهم بوالد لكنهم من بطون قضاعة كلها ومن بني تيم اللات ومن غيرهم بطون ثلاث يقال لهم الأحلاف من جميع قبائل العرب من كندة ولخم وجذام وعبد القيس أهـ كلام ابن حزم. ومن بني أسد بن وبرة بنو القين واسمه النعمان بن جسر بن شيع اللات بن أسد ومن بني كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بنو كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، قبيلة ضخمة فيها ثلاثة بطون بنو عديّ وبنو زهير وبنو عليهم، وبنو جناب بن هبل ابن عبد الله بن كنانة بطون ضخمة ومنهم عبيدة بن هبيل شاعر قديم ويقول فيه بعض الناس ابن حرام، وهو الّذي عنى امرؤ القيس بقوله نبكي الديار كما بكى ابن حرام وقد قيل إنه من بكر بن وائل، وقال هشام بن السائب الكلبي: إذا سئلوا بم بكى ابن حرام الديار أنشدوا خمسة أبيات من كلمات امرئ القيس المشهورة قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ويقولون إن بقيتها لامرئ القيس بن حجر، وهذا امرؤ القيس بن حرام شاعر قديم دثر شعره لأنه لم يكن للعرب كتاب لبدأتها، وإنما بقي من أشعارهم ما ذكره رواة الإسلام وقيدوه من رواية الكتاب من محفوظ الرجال. ومن بني عديّ بنو حصين بن ضمضم بن عديّ، كانت منهم نائلة بنت الفرافصة بن

стр. 1109

الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن الحرث بن حصن امرأة عثمان بن عفّان، ومنهم أبو الخطّار الحسام بن ضرار بن سلامان بن جشم بن ربيعة بن حصن أمير الأندلس، ومنسبة بن شحيم بن منجاش بن مزغور بن منجاش بن هزيم بن عديّ بن زهير، وابن ابنه حسّان بن مالك بن بحدل الّذي قام بمروان يوم مرج راهط وكانت رياسة الإسلام في كلب لبني بحدل هؤلاء ومن عقبهم بنو منقذ ملوك شيزر. ومن بني زهير بن جناب حنظلة بن صفوان بن توبل بن بشر بن حنظلة بن علقمة بن شراحيل بن هرير بن أبي جابر بن زهير ولي إفريقية لهشام. ومن عليم بن جناب بنو معقل وربما يقال إنّ عرب المعقل الذين بالمغرب الأقصى لهذا العهد وفي زمانه ينتسبون فيهم. ومن بطون كلب بن عوف بن بكر بن عوف بن كعب بن عوف بن عامر بن عوف دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج بن عامر بن بكر بن عامر بن عوف صاحب رسول الله ﷺ الّذي أتاه جبريل ﵇ في صورته. ومنصور بن جهور بن حفر بن عمرو بن خالد بن حارثة بن العبيد بن عامر بن عوف القائم مع يزيد بن الوليد وولاه الكوفة، وحبّ رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزّى بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ودّ بن عوف سبي أبوه زيد في الجاهلية وصار إلى خديجة فوهبته إلى النبيّ ﷺ ، وجاءه أبوه وخيّره النبيّ ﷺ فاختاره على أبيه وأهله وأقام في كفالة النبيّ ﷺ ثم أعتقه، وربي ابنه أسامة في بيته ومع مواليه وأخباره مشهورة. ومن بني كلب ثم من بني كنانة بن بكر بن عوف النسّابة ابن الكلبي وهو أبو المنذر هشام بن محمّد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحرث بن عبد العزّى بن امرئ القيس. قال ابن حزم: هكذا ذكره ابن الكلبيّ في نسبه وأرى امرأ القيس هذا هو عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ودّ بن عوف بن كنانة بن عذرة وقد مرّ بقية نسبه، وكان لقضاعة هؤلاء ملك ما بين الشام والحجاز إلى العراق في أيلة وجبال الكرك إلى مشارف الشام واستعملهم الروم على بادية العرب هنالك، وكان أوّل الملك فيهم في تنوخ وتتابعت فيهم فيما ذكر المسعودي ثلاثة ملوك: النعمان بن عمر، وثم ابنه عمرو بن النعمان، ثم ابنه الحواري بن عمرو، ثم غلبهم على أمرهم سليح من بطون قضاعة

стр. 1110

وكانت رياستهم في ضجعم بن معدّ منهم. وقارن ذلك استيلاء طيطش من القياصرة على الشام فولاهم ملوكا على العرب من قبله يجبون له من ساحتهم إلى أن ولي منهم زيادة بن هبولة بن عمرو بن عوف ضجعم. وخرجت غسان من اليمن فغلبوهم على أمرهم وصار ملك العرب بالشام لبني جفنه وانقرض ملك الضجاعم حسبما نذكر. وقال ابن سعيد: سار زيادة بن هبولة بمن أبقى السيف منهم بعد غسّان إلى الحجاز فقتله حجر آكل المرار الكنديّ، كان على الحجاز من قبل التبابعة، وأفنى بقيتهم فلم ينج منهم إلّا القليل، قال: ومن الناس من يطلق تنوخ على الضجاعمة ودوس الذين تنخوا بالبحرين أي أقاموا، قال وكان لبني العبيد بن الأبرص بن عمر بن أشجع بن سليح ملك يتوارثونه بالحضر آثاره باقية في برية سنجار وكان آخرهم الضيزن بن معاوية بن العبيد المعروف عند الجرامقة بالساطرون وقصته مع سابور ذي الجنود من الأكاسرة معروفة، قال وكان لقضاعة ملك آخر في كلب بن وبرة يتداولونه مع السكون من كندة، فكانت لكلب دومة الجندل وتبوك ودخلوا في دين النصرانية وجاء الإسلام الدولة في دومة الجندل لأكيدر بن عبد الملك بن السكون، ويقال إنه كندي من ذرية الملوك الذين ولّاهم التبابعة على كلب، فأسره خالد بن الوليد وجاء به الى النبيّ ﷺ فصالح على دومة، وكان في أوّل من ملكها دجانة بن قنافة بن عديّ بن زهير بن جناب، قال: وبقيت بنو كلب الآن في خلق عظيم على خليج القسطنطينية منهم مسلمون ومنهم متنصّرون. أهـ الكلام في أنساب قضاعة. قال ابن حزم: وجميع قبائل العرب فهي راجعة إلى أب واحد حاش ثلاث قبائل: وهي تنوخ والعتقيّ وغسّان، فأما تنوخ فقد ذكرناهم، وأمّا العتقيّ فهم من حجر حمير ومن حجر من ذي رعين ومن سعد العشيرة ومن كنانة بن خزيمة ومنهم زبيد بن الحرث العتقيّ من حجر حمير وهو مولى عبد الرحمن بن القاسم وخالد بن جنادة المصريّ صاحب مالك بن أنس، وهو مولى زبيد المذكور من أسفل، وأما غسّان فإنّهم من بني أب لا يدخل بعضهم في هذا النسب ويدخل فيهم من غيرهم. وسموا العتقاء لأنهم اجتمعوا ليفتكوا برسول الله ﷺ فظفر بهم فأعتقهم، وكانوا جماعة من بطون شتّى. وسموا تنوخ لأنّ التنوخ الإقامة فتحالفوا على الإقامة بموضعهم

стр. 1111

بالشام وهم من بطون شتّى. وأمّا غسّان فإنّهم أيضا طوائف نزلوا بماء يقال له غسّان فنسبوا اليه أهـ كلام ابن حزم. الخبر عن بطون كهلان من القحطانية وشعوبهم واتصال بعضها مع بعض وانقضائها هؤلاء بنو كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان اخوة بني حمير بن سبا، وتداولوا معهم الملك أوّل أمرهم، ثم انفرد بنو حمير به وبقيت بطون بني كهلان تحت ملكتهم باليمن. ثم لما تقلص ملك حمير بقيت الرئاسة على العرب البادية لبني كهلان لما كانوا بادين لم يأخذ ترف الحضارة منهم ولا أدركهم الهرم الّذي أودى بحمير، إنّما كانوا أحياء ناجعة في البادية والرؤساء والأمراء في العرب إنّما كانوا منهم. وكان لكندة من بطونهم ملك باليمن والحجاز، ثم خرجت الأزد من شعوبهم أيضا من اليمن مع مزيقياء وافترقوا بالشام، وكان لهم ملك بالشام في بني جفنة، وملك بيثرب في الأوس والخزرج، وملك بالعراق في بني فهم. ثم خرجت لخم وطئ من شعوبهم أيضا من اليمن، وكان لهم ملك بالحيرة في آل المنذر حسبما نذكر ذلك كله. وأمّا شعوبهم فهي كلها تسعة من زيد بن كهلان في مالك بن زيد وعريب بن زيد، فمن مالك بطون همدان وديارهم لم تزل باليمن في شرقيه، وهم بنو أوسلة، وهو همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الجبّار بن مالك بن زيد بن نوف بن همدان. ومن شعوب حاشد بنو يام بن أصغى بن مانع بن مالك بن جشم بن حاشد ومنهم طلحة بن مصرف. ولما جاء الله بالإسلام افترق كثير من همدان في ممالكه، وبقي منهم من بقي باليمن، وكانوا شيعة لعليّ كرم الله وجهه ورضي عنه عند ما شجر بين الصحابة وهو المنشد فيهم متمثلا: فلو كانت بوّابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام ولم يزل التشيّع دينهم أيام الإسلام كلها، ومنهم كان علي بن محمد الصليحي من بني يام القائم بدعوة العبيديّين باليمن في حصن حرار من بني يام وهو من بطونهم وهو من بني يام من بطون حاشد، فاستولى عليه وورث ملكه لبنيه حسبما نذكره في أخبارهم. وكانت بعد ذلك وقبله دولة بني الرسي أيام الزيدية بصعدة فكانت على يدهم

стр. 1112

وبمظاهرتهم، ولم يزل التشيّع دينهم لهذا العهد. وقال البيهقي: وتفرّقوا في الإسلام فلم تبق لهم قبيلة وبرية إلا باليمن وهم أعظم قبائله وهم عصبة المعطي من الزيدية القائمين بدعوته باليمن، وملكوا جملة من حصون اليمن باليمن، ولهم بها إقليم بكيل وإقليم حاشد من بطونهم. قال ابن سعيد: ومن همدان بنو الزريع وهم أصحاب الدعوة والملك في عدن والحيرة وهم زيديّة وإخوة همدان إلهان بن مالك بن زيد بن أوسلة ومن مالك بن زيد أيضا الأزد وهو أزد بن الغوث بن نبت بن مالك وخثعم وبجيلة ابنا أنمار بن أراش أخي الأزد بن الغوث. وقد يقال أنمار هو ابن نزار بن معدّ وليس بصحيح، فأمّا الأزد فبطن عظيم متّسع وشعوب كثيرة، فمنهم بنو دوس من بني نصر بن الأزد وهو دوس بن عدثان بالثاء المثلثة ابن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحرث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد بطن كبير، ومنهم كان جذيمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس وديارهم بنواحي عمان، وكان بعد دوس وجذيمة ملك بعمّان في إخوانهم بني نصر بن زهران بن كعب، كان منهم قبيل الإسلام المستكبر بن مسعود بن الجرّار بن عبد الله بن مغولة بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران، والّذي أدرك الإسلام منهم جيفر بن الجلندي بن كركر بن المستكبر وأخوه عبد الله ملك عمان، كتب إليهما النبيّ ﷺ فأسلموا، واستعمل على نواحيهما عمرو بن العاص. ومن الأزد ثم من بني مازن بن الأزد بنو عمرو مزيقياء بن عامر ويلقب ماء السماء ابن حارثة الغطريف ابن امرئ القيس البهلول ابن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وعمرو هذا وآباؤه كانوا ملوكا على بادية كهلان باليمن مع حمير واستفحل لهم الملك من بعدهم. وكانت أرض سبإ باليمن لذلك العهد من أرفه البلاد وأخصبها وكانت مدافع للسيول المنحدرة بين جبلين هنالك فضرب بينهما سدّ بالصخر والقار يحبس سيول العيون والأمطار حتى يصرفوه من خروق في ذلك السدّ على مقدار ما يحتاجون إليه في سقيهم، ومكث كذلك ما شاء الله أيام حمير، فلما تقلّص ملكهم وانحلّ نظام دولتهم وتغلّب بادية كهلان على أرض سبإ وانطلقت عليها الأيدي بالعبث والفساد وذهب الحفظة القائمون بأمر السدّ نذروا بخرابه، وكان الّذي ندر به عمرو مزيقياء ملكهم لمّا رأى من اختلال أحواله. ويقال: إنّ أخاه عمران الكاهن أخبره، ويقال طريفة

стр. 1113

الكاهنة. وقال السهيليّ: طريفة الكاهنة امرأة عمرو بن عامر وهي طريفة بنت الخير الحميريّة لعهده. وقال ابن هشام: عن أبي زيد الأنصاري أنه رأى جرذا تحفر السدّ فعلم أنه لا بقاء للسدّ مع ذلك فأجمع النقلة من اليمن وكاد قومه بأن أمر أصغر بنيه أن يلطمه إذا أغلظ له ففعل فقال لا أقيم في بلد يلطمني فيها أصغر ولدي وعرض أمواله فقال أشراف اليمن اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا أمواله وانتقل في ولده وولد ولده فقال الأزد لا نتخلف عن عمرو فتجشموا للرحلة وباعوا أموالهم وخرجوا معه وكان رؤساءهم في رحلتهم بنو عمرو مزيقياء ومن إليهم من بني مازن ففصل الأزد من بلادهم باليمن إلى الحجاز. قال السهيليّ: كان فصولهم على عهد حسّان بن تبان أسعد من ملوك التبابعة ولعهده كان خراب السدّ. ولما فصل الأزد من اليمن كان أوّل نزولهم ببلاد عكّ ما بين زبيد وزمع، وقتلوا ملك عكّ من الأزد ثم افترقوا إلى البلاد، ونزل بنو نصر بن الأزد بالشراة وعمان، ونزل بنو ثعلبة بن عمرو مزيقياء بيثرب، وأقام بنو حارثة بن عمرو بمرّ الظهران بمكة وهم فيما يقال خزاعة، ومرّوا على ماء يقال له غسّان بين زبيد وزمع فكل من شبه منه من بني مزيقياء سمّي به، والذين شربوا منه بنو مالك وبنو الحرث وبنو جفنة وبنو كعب فكلهم يسمون غسّان، وبنو ثعلبة العتقاء لم يشربوا منه فلم يسمّوا به، فمن ولد جفنة ملوك الشام الذين يأتي ذكرهم ودولتهم بالشام. ومن ولد ثعلبة العتقاء الأوس والخزرج ملوك يثرب في الجاهلية وسنذكرهم، ومن بطن عمرو مزيقياء بنو أفصى بن حارثة بن عمرو ويقال إنه أفصى بن عامر بن قمعة بلا شك ابن إلياس بن مضر. قال ابن حزم: فإن كان أسلم بن أفصى منهم فمن بني أسلم بلا شك وبنو أبان وهو سعد بن عديّ بن حارثة بن عمرو، وبنو العتيك من الأزد عمران بن عمرو. وأمّا بجيلة فبلادهم في سروات البحرين والحجاز إلى تبالة وقد افترقوا على الآفاق أيام الفتح فلم يبق منهم بمواطنهم إلا القليل، ويقدم الحاج منهم على مكّة في كل عام عليهم أثر الشظف ويعرفون من أهل الموسم بالسرو [١] ، وأمّا حالهم لأوّل الفتح الإسلامي فمعروف ورجالاتهم مذكورة، فمن بطون بجيلة قسر وهو مالك بن عبقر بن

стр. 1114

أنمار وبنو أحمس بن الغوث بن أنمار. وأمّا بنو عريب بن زيد بن كهلان فمنهم طيِّئ والأشعريون ومذحج وبنو مرّة وأربعتهم بنو أدد بن زيد بن يشجب بن عريب، فأمّا الأشعريون فهم بنو أشعر وهو نبت بن أدد وبلادهم في ناحية الشمال من زبيد وكان لهم ظهور أوّل الإسلام ثم افترقوا في الفتوحات وكان لمن بقي منهم باليمن حروب مع ابن زياد لأول إمارته عليها أيام المأمون ثم ضعفوا عن ذلك وصاروا في عدد الرعايا. وأمّا بنو طيِّئ بن أدد فكانوا باليمن وخرجوا منه على أثر الأزد إلى الحجاز ونزلوا سميرا وفيد في جوار بني أسد، ثم غلبوهم على أجا وسلمى [١] وهما جبلان من بلادهم فاستقرّوا بهما وافترقوا لأوّل الإسلام في الفتوحات. قال ابن سعيد: ومنهم في بلادهم الآن أمم كثيرة ملئوا السهل والجبل حجازا وشاما وعراقا يعني قبائل طيِّئ هؤلاء وهم أصحاب الدولة في العرب لهذا العهد في العراق والشام وبمصر منهم سنبس والثعالب بطنان مشهوران، فسنبس بن معاوية بن شبل بن عمرو بن الغوث بن طيِّئ ومعهم بحتر بن ثعل، قال ابن سعيد ومنهم زبيد بن معن بن عمرو بن عسّ بن سلامان بن ثعل وهم في برّيّة سنجار، والثعالب بنو ثعلبة بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن قطرة بن طيِّئ، وثعلبة بن جدعا بن ذهل بن رومان. قال ابن سعيد: ومنهم بنو لام بن ثعلبة منازلهم من المدينة الى الجبلين وينزلون في أكثر أوقاتهم مدينة يثرب، والثعالب الذين بصعيد مصر من ثعلب بن عمرو بن الغوث بن طيِّئ. قال ابن حزم: لام بن طريف بن عمرو بن ثمامة بن مالك بن جدعا ومن الثعالب بنو ثعلبة بن ذهل بن رومان، وبجهة بنيامين والشام بنو صخر ومن بطونهم غزيّة المرهوب صولتهم بالشام والعراق. وهم بنو غزية بن أفلت بن معبد بن عمرو بن عسّ بن سلامان بن ثعل وبنو غزية كثيرون وهم في طريق الحاج بين العراق ونجد، وكانت الرئاسة على طيِّئ في الجاهلية لبني هني بن عمرو بن الغوث بن طيّ وهم رمليّون وإخوتهم جبليّون، ومن ولده إياس بن قبيصة الّذي أدال به كسرى أبرويز النعمان المنذر حين قتله وأنزل طيّا بالحيرة مكان لخم قوم النعمان وولّي على العرب من إياسا هذا، وهو إياس بن قبيصة بن أبي يعفر بن النعمان بن خبيب بن الحرث بن الحويرث بن ربيعة بن مالك بن سعد بن هني، فكانت

стр. 1115

لهم الرئاسة إلى حين انقراض ملك الفرس. ومن عقب إياس هذا بنو ربيعة بن عليّ بن مفرح بن بدر بن سالم بن قصّة بن بدر بن سميع، ومن ربيعة شعب آل مراد وشعب آل فضل، وآل فضل شعبان آل عليّ وآل مهنا فعلي ومهنّا ابنا فضل، وفضل ومراد ابنا ربيعة وسميع الذين ينسبون إليه من عقب قبيصة بن أبي يعفر، ويزعم كثير من جهلة البادية إنه الّذي جاءت به العبّاسة أخت الرشيد من جعفر بن يحيى زعما كاذبا لا أصل له. وكانت الرئاسة على طيِّئ أيام العبيديّين لبني المفرّح، ثم صارت لبني مراد بن ربيعة وكلهم ورثوا أرض غسّان بالشام وملكهم على العرب، ثم صارت الرئاسة لبني عليّ وبني مهنّا ابني فضل بن ربيعة اقتسموها مدّة، ثم انفرد بها لهذا العهد بنو مهنّا الملوك على العرب إلى هذا العهد بمشارف الشام والعراق وبريّة نجد، وكان ظهورهم لأمر الدولة الأيوبية ومن بعدهم من ملوك الترك بمصر والشام ويأتي ذكرهم، والله وارث الأرض ومن عليها. وأمّا مذحج واسمه مالك بن زيد بن أدد بن زيد بن كهلان، ومنهم مراد واسمه يخابر بن مذحج، ومنهم سعد العشيرة بن مذحج بطن عظيم لهم شعوب كثيرة، منهم جعفر بن سعد العشيرة وزبيد بن صعب بن سعيد العشيرة. ومن بطون مذحج النخع ورها ومسيلة وبنو الحرث بن كعب، فأمّا النخع فهو جسر بن عمرو بن علة بن جلد بن مذحج ومسيلة ابن عامر بن عمرو بن علة، وأمّارها فهو ابن منبّه بن حرب بن علة. وبقي من مذحج وبرية ينجعون مع أحياء طيِّئ في جملة أيام بني مهنّا مع العرب بالشام زمن أحلافهم وأكثرهم من زبيد. وأما بنو الحرث فالحرث أبوهم ابن كعب بن علة وديارهم بنواحي نجران يجاورون بها بني ذهل بن مزيقياء من الأزد وبني حارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد وكان نجران قبلهم لجرهم، ومنهم كان ملكها الأفعى الكاهن الّذي حكم بين ولد نزار بن معدّ لما تنافروا إليه بعد موت نزار واسمه الغلس بن غمر ماء بن همدان بن مالك بن منتاب بن زيد بن واثل بن حمير وكان داعية لسليمان ﵇ بعد أن كان واليا لبلقيس على نجران، وبعثته إلى سليمان فصدّق وآمن وأقام على دينه بعد موته. ثم نزل نجران بنو الحرث بن كعب بن علة بن جلد بن مذحج فغلبوا عليها بني الأفعى. ثم خرجت الأزد من اليمن فمروا بهم وكانت بينهم حروب، وأقام من أقام في جوارهم من بني نصر بن الأزد وبني ذهل بن مزيقياء واقتسموا الرئاسة فنجران معهم. وكان من بني الحرث

стр. 1116

كعب هؤلاء المذحجيين بنو الزياد واسمه يزيد بن قطن بن زياد بن الحرث بن مالك بن كعب بن الحرث وهم بيت مذحج وملوك نجران وكانت رياستهم في عبد المدان بن الديّان، وانتهت قبيل البعثة إلى يزيد بن عبد المدان، ووفد أخوه عبد الحجر بن عبد المدان على النبي ﷺ على يد خالد بن الوليد وكان ابن أخيهم زياد بن عبد الله بن عبد المدان خال السفّاح، وولّاه نجران واليمامة. وقال ابن سعيد: ولم يزل الملك بنجران في بني عبد المدان، ثم في بني أبي الجواد منهم، وكان منهم في المائة السادسة عبد القيس بن أبي الجواد، ثم صار الأمر لهذا العهد إلى الأعاجم شأن النواحي كلها بالمشرق، ثم من بطون الحرث بن كعب بنو معقل وهو ربيعة بن الحرث بن كعب، وقد يقال إنّ المعقل الذين هم بالمغرب الأقصى لهذا العهد إنما هم من هذا البطن وليسوا من معقل بن كعب القضّاعيين ويؤيد هذا أنّ هؤلاء المعقل جميعا ينتسبون إلى ربيعة، وربيعة اسم معقل هذا كما رأيت والله تعالى أعلم. وأمّا بنو مرّة بن أدد إخوة طيِّئ ومذحج والأشعريّين فهم أبطن كثيرة وتنتهي كلها إلى الحرث بن مرّة، مثل خولان ومعافر ولخم وجذام وعاملة وكندة. فأمّا معافر فهم بنو يعفر بن مالك بن الحرث بن مرّة وافترقوا في الفتوحات وكان منهم المنصور بن أبي عامر صاحب هشام بالأندلس. وأمّا خولان واسمه أفكل بن عمرو بن مالك وعمرو أخو يعفر وبلادهم في جبال اليمن من شرقيّه، وافترقوا في الفتوحات وليس منهم اليوم وبريّة إلّا باليمن وهم لهذا العهد، وهمدان أعظم قبائل العرب باليمن ولهم الغلب على أهله والكثير من حصونه. وأمّا لخم واسمه مالك بن عديّ بن الحرث بن مرّة فبطن كبير متّسع ذو شعوب وقبائل منهم الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم، ومن أكبرهم بنو نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحرث بن مسعود بن مالك بن عمم بن أنمارة بن لخم، ويقال نمارة وهم رهط آل المنذر وحافده عمرو بن عدي بن نصر هو ابن أخت جذيمة الوضّاح الّذي أخذ بثأره من الزبا قاتلته، وولي الملك على العرب للأكاسرة بعد خاله جذيمة وأنزلوه بالحيرة حسبما يأتي الخبر عن ملكه وملك بنيه ومن شعوب بني لخم هؤلاء كان بنو عبّاد ملوك إشبيليّة ويأتي ذكرهم. وأمّا جذام واسمه عمرو بن عديّ أخو لخم بن عدي فبطن متّسع له شعوب كثيرة مثل غطفان وأمصى وبنو حرام بن جذام وبنو ضبيب وبنو مخرمة وبنو بعجة بنو نفاثة وديارهم حوالي أيلة

стр. 1117

من أوّل أعمال الحجاز إلى الينبع بن أطراف يثرب، وكانت لهم رياسة في معان وما حولها من أرض الشام لبني النافرة من نفاثة ثم لفروة بن عمرو بن النافرة منهم، وكان عاملا للرّوم على قومه وعلى من كان حوالي معان من العرب، وهو الّذي بعث إلى رسول الله ﷺ بإسلامه وأهدى له بغلة بيضاء. وسمع بذلك قيصر فأغرى به الحارث بن أبي شمر الغسّاني ملك غسّان فأخذه وصلبه بفلسطين، وبقيتهم اليوم في مواطنهم الأولى في شعبين من شعوبهم يعرف أحدهما بنو عائد وهم ما بين بلبيس من أعمال مصر إلى عقبة أيلة إلى الكرك من ناحية فلسطين، وتعرف الثانية بنو عقبة وهم من الكرك إلى الأزلم من برية الحجاز. وضمان السابلة ما بين مصر والمدينة النبويّة إلى حدود غزّة من الشام عليهم، وغزّه من مواطن جرم إحدى بطون قضاعة كما مرّ، وبإفريقية لهذا العهد منهم وبريّة كبيرة ينتجعون مع ذياب بن سليم بنواحي طرابلس. وأمّا عاملة واسمه الحرث بن عدي وهم إخوة لخم وجذام وإنّما سمّي الحرث عاملة بأمّه القضاعية وهم بطن متّسع ومواطنهم ببرية الشام. وأمّا كندة واسمه ثور بن عفير بن عديّ وعفير أخو لخم وجذام، وتعرف كندة الملوك لأنّ الملك كان لهم على بادية الحجاز من بني عدنان كما نذكر، وبلادهم بجبال اليمن مما يلي حضرموت ومنها دمّون التي ذكرها امرؤ القيس في شعره، وبطونهم العظيمة ثلاثة: معاوية بن كندة ومنه الملوك بنو الحرث بن معاوية الأصغر ابن ثور بن مرتع بن معاوية والسكون وسكسك وابنهما أشرش بن كندة، ومن السكون بطن تجيب وهم بنو عدي وبنو سعد بن أشرش بن شبيب بن السكون وتجيب اسم أمّهما. وكان للسكون ملك بدومة الجندل وكان عليها عبد المغيث بن أكيدر بن عبد الملك بن عبد الحق بن أعمى بن معاوية ابن حلاوة بن أمامة بن شكامة بن شبيب بن السكون بعث إليه رسول الله ﷺ في غزوة تبوك خالد بن الوليد فجاء به أسيرا، وحقن ﷺ دمه وصالحه على الجزية وردّه إلى موضعه. ومن معاوية بن كندة بنو حجر ابن الحرث الأصغر ابن معاوية بن كندة منهم حجر آكل المرار ابن عمرو بن معاوية وهو حجر أبو الملوك ابن كندة الذين يأتي ذكرهم، والحرث الولادة أخو حجر وكان من عقبه الخارجين باليمن المسلمين طالب الحق وكان أباضيّا وسيأتي ذكره، ومنهم الأشعث بن قيس بن معديكرب بن معاوية وجبلّة بن عديّ بن ربيعة بن معاوية

стр. 1118

بن الحرث الأكبر جاهليّ إسلامي، وابنه محمد بن الأشعث وابنه عبد الرحمن بن الأشعث القائم على عبد الملك والحجاج وهو مشهور، وابن عمهم أيضا ابن عديّ وهو الأدمر بن عديّ بن جبلّة له صحبة فيما يقال، وهو الّذي قتله معاوية على الثورة بأخيه زياد وخبره معروف. هذه قبائل اليمن من قحطان استوفينا ذكر بطونهم وأنسابهم ونرجع الآن إلى ذكر من كان الملك منهم بالشام والحجاز والعراق حسبما نقصه، والله تعالى المعين بكرمه ومنه لا ربّ غيره ولا خير إلّا خيره. الخبر عن ملوك الحيرة من آل المنذر من هذه الطبقة وكيف انساق الملك اليهم ممن قبلهم وكيف صار إلى طيِّئ من بعدهم أمّا أخبار العرب بالعراق في الجيل الأول وهم العرب العاربة فلم يصل إلينا تفاصيلها وشرح حالها، إلّا أنّ قوم عاد والعمالقة ملكوا العراق، والمسند في بعض الأقوال أنّ الضحّاك بن سنان منهم كما مرّ. وأمّا في الجيل الثاني وهم العرب المستعربة فلم يكن لهم به مستبدّ وإنما كان ملكهم به بدويا ورياستهم في أهل الظواعن. وكان ملك العرب كما مرّ في التبابعة من أهل اليمن، وكانت بينهم وبين فارس حروب وربّما غلبوهم على العراق وملكوه أو بعضه كما مرّ، لكن اليمن لم يغلبوا ثانيا على ما ملكوا منه، وقد مرّ إيقاع بخت نصّر وإثخانه فيهم ما تقدّم. وكان في سواد العراق وأطراف الشام والجزيرة الأرمانيون من بني إرم بن سام، ومن كان من بقية عساكر ابن تبّع من جعفر طيِّئ وكلب وتميم وغيرهم من جرهم، ومن نزل معهم بعد ذلك من تنوخ ونمارة بن لخم وقنص بن معدّ ومن إليهم كما قدّمنا ذكر ذلك. وكان ما بين الحيرة والفرات إلى ناحية الأنبار موطن لهم وكانوا يسمّون عرب الضاحية، وكان أوّل من ملك منهم في زمن الطوائف مالك بن فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن قضاعة، وكان منزله مما يلي الأنبار. وملك من بعده أخوه عمرو بن فهم. ثم ملك من بعدهما جذيمة الأبرش اثنتي عشرة سنة، وقد تقدّم أنه صهرهما وأنّ مالك بن زهير بن عمرو بن فهم زوّجه أخته وصاروا حلفاء مع الأزد من قوم جذيمة

стр. 1119

ونسب جذيمة في الأزد إلى بني زهران، ثم إلى دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران، وهو جذيمة بن ملك بن فهم بن غنم بن دوس هكذا قال ابن الكبي. ويقال: إنه من وبار بن أميم بن لاوذ بن سام، وكان بنو زهران من الأزد خرجوا قبل خروج مزيقياء من اليمن ونزلوا بالعراق وقيل ساروا من اليمن مع أولاد جفنة بن مزيقياء، فلما تفرّق الأزد على المواطن نزل بنو زهران هؤلاء بالشراة وعمان وصار لهم مع الطوائف ملك، وكان مالك بن فهم هذا من ملوكهم. وكان بشاطئ الفرات من الجانب الشرقي عمرو بن الظرب بن حسّان بن أدينة من ولد السميدع بن هوثر من بقايا العمالقة، فكان عمرو بن الظرب على مشارف الشام والجزيرة، وكان منزله بالمضيق بين الخابور وقرقيساء فكانت بينه وبين مالك بن فهم حروب هلك عمرو في بعضها، وقامت بملكه من بعده ابنته الزبّاء بنت عمرو واسمها نائلة عند الطبري وميسون عند ابن دريد. قال السهيليّ: ويقال إنّا الزباء الملكة كانت من ذرية السميدع بن هوثر من بني قطورا أهل مكّة، وهو السميدع بن مرثد بالثاء المثلثة ابن لاي بن قطور بن كركي بن عملاق، وهي بنت عمرو بن أدينة بن الظرب بن حسّان. وبين حسّان هذا والسميدع آباء كثيرة ليست بصحيحة لبعد زمن الزباء من زمن السميدع انتهى كلام السهيليّ. ولم تزل الحرب بين مالك بن فهم وبين الزباء بنت عمرو إلى أن ألجأها إلى أطراف مملكتها، وكان يغير على ملوك الطوائف حتى غلبهم على كثير مما في أيديهم. قال أبو عبيدة: وهو أوّل ملك كان بالعراق من العرب وأوّل من نصب المجانيق وأوقد الشموع وملك ستين سنة. ولما هلك قام بأمره من بعده جذيمة الوضّاح ويقال له الأبرش، وكان يكنّى بأبي مالك وهو منادم الفرقدين. قال أبو عبيدة: كان جذيمة بعد عيسى بثلاثين سنة فملك أزمان الطوائف خمسا وسبعين سنة وأيام أردشير كلها خمسة عشر سنة وثماني سنين من أيام سابور، وكان بينه وبين الزّباء سلم وحرب، ولم تزل تحاول الثأر منه بأبيها حتى تحيلت عليه وأطمعته في نفسها فخطبها وأجابته، وأجمع المسير إليها وأبى عليه وزيره قيصر بن سعد، فعصاه ودخل إليها ولقيته بالجنود وأحس بالشر، فنجا قيصر ودخل جذيمة إلى قصرها فقطعت رواهشه [١] وأجرت دمه إلى أن

стр. 1120

هلك في حكاية منقولة في كتب الأخباريين. قال الطبري: وكان جذيمة من أفضل ملوك العرب رأيا وأبعدهم مغارا وأشدّهم حزما وأوّل من استجمع له الملك بأرض العراق وسرى بالجيوش، وكان به برص فكنوا عنه بالوضّاح إجلالا له، وكانت منازله بين الحيرة والأنبار وهيت ونواحيها وعين التمر [١] وأطراف البر إلى العمى والقطقطانيّة وجفنة، وكانت تجبى إليه الأموال وتفد إليه الوفود، وغزا في بعض الأيام طسما وجديسا في منازلهم باليمامة، ووجد حسّان بن تبّع قد أغار عليهم فانفكأ هو راجعا بمن معه، وأتت خيول حسّان على سرايا فأجاحوها. وكان أكثر غزو جذيمة للعرب العاربة، وكان قد تكهن وادعى النبوّة، وكانت منازل إياد بعين أباغ سميت باسم رجل من العمالقة نزل بها وكان جذيمة كثيرا ما يغزوهم حتى طلبوا مسالمته، وكان بينهم غلام من لخم من بني أختهم وكانوا أخوالا له وهو عديّ بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحرث بن مسعود بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم، وكان له جمال وضرب وطلبه منهم جذيمة فامتنعوا من تسليمه إليه، فألح عليهم بالغزو وبعثت إياد من سرق لهم صنمين كانا عند جذيمة يدعو بهما ويستسقى بهما وعرّفوه أنّ الصنمين عندهم وأنهم يردّونهما بشريطة رفع الغزو عنهم، فأجابهم إلى ذلك بشريطة أن يبعثوا مع الصنمين عديّ بن نصر فكان ذلك. ولما جاءه عديّ بن نصر استخلصه لنفسه وولّاه شرابه، وهويته رقاش أخته فراسلته فدافعها بالخشية من جذيمة، فقالت له اخطبني منه إذا أخذت الخمر منه وأشهد عليه القول ففعل، وأعرس بها من ليلته، وأصبح مضرجا بالخلوق. وراب جذيمة شأنه ثم أعلم بما كان منه فعض على يديه أسفا، وهرب عديّ فلم يظهر له أثر، ثم سألها في أبيات شعر معروفة فأخبرته بما كان منه فعرف عذرها وكف، وأقام عديّ في أخواله إياد إلى أن هلك، وولدت رقاش منه غلاما وسمته عمرا وربي عند خاله جذيمة وكان يستظرفه ثم استهوته الجن فغاب وضرب له جذيمة في الآفاق إلى أن ردّه عليه وافدان من العتقاء، ثم من قضاعة وهما مالك وعقيل ابنا فارج بن مالك بن العنس أهديا له طرفا ومتاعا، ولقيا عمرا بطريقهما وقد ساءت حاله وسألاه فأخبرهما باسمه ونسبه فأصلحا من شأنه وجاءا به إلى جذيمة بالحيرة فسرّ به وسرّت أمّه. وحكم الرجلين فطلبا منادمته فأسعفهما وكانا ينادمانه حتى ضرب المثل بهما وقيل ندماني

стр. 1121

جذيمة، والقصة مبسوطة في كتب الاخباريّين بأكثر من هذا. قال الطبري: وكان ملك العرب بأرض الحيرة ومشارف الشام عمرو بن ظرب بن حسّان بن أدينة بن السميدع بن هوثر العملاقي، فكانت بينه وبين جذيمة حرب قتل فيها عمرو بن الظرب وفضت جموعه. وملكت بعده ابنته الزبّاء واسمها نائلة وجنودها بقايا العمالقة من عاد الأولى ومن نهد وسليح ابني حلوان ومن كان معهم من قبائل قضاعة، وكانت تسكن على شاطئ الفرات وقد بنت هنالك قصرا وتربّع عند بطن المجاز وتصيّف بتدمر. ولما استحكم لها الملك أجمعت أخذ الثأر من جذيمة أبيها فبعثت إليه توهمه الخطبة وأنها امرأة لا يليق بها الملك فيجمع ملكها إلى ملكه، فطمع في ذلك ووافقه قومه، وأبى عليه منهم قصير بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن أربى بن نمارة بن لخم وكان حازما ناصحا، وحذره عاقبة ذلك، فعصاه واستشار ابن أخته عمرو بن عديّ فوافقه فاستخلفه على قومه، وجعل على خيوله عمرو بن عبد الجن، وسار هو على غربي الفرات إلى أن نزل رحبة مالك بن طوق وأتته الرسل منها بالألطاف والهدايا، ثم استقبلته الخيول فقال له قصير: إن أحاطت بك الخيول فهو الغدر فاركب فرسك العصا وكانت لا تجاري. فأحاطت به الخيول ودخل جذيمة على الزبّاء فقطعت رواهشه فسال دمه حتى نزف ومات، وقدم قصير على عمرو بن عديّ وقد اختلف عليه قومه ومال جماعة منهم إلى عمرو بن عبد الجنّ فأصلح أمرهم حتى انقادوا جميعا لعمرو بن عديّ، وأشار عليه بطلب الثأر من الزبّاء بخاله جذيمة. وكانت الكاهنة قد عرفتها بملكها وأعطتها علامات عمرو فحذرته وبعثت رجلا مصوّرا يصور لها عمرا في جميع حالاته، فسار إليه متنكرا واختلط بحشمه وجاء إليها بصورته فاستثبتته وتيقنت أنّ مهلكها منه، واتخذت نفقا في الأرض من مجلسها إلى حصن داخل مدينتها. وعمد عمرو إلى قصير فجدع أنفه بمواطأة منه على ذلك فلحق بالزباء يشكو ما أصابه من عمرو وأنه اتهمه بمداخلة الزبّاء في أمر خاله جذيمة، وما رأيت بعد ما فعل بي أنكى له من أن أكون معك. فأكرمته وقرّبته حتى إذا رضي منها من الوثوق به أشار عليها بالتجارة في طرف العراق وأمتعته فأعطته مالا وعيرا، وذهب إلى العراق ولقي عمرو بن عديّ بالحيرة فجهزه بالطرف والأمتعة كيما يرضيها، وأتاها بذلك فازدادت به وثوقا وجهّزته بأكثر من الأولى، ثم عاد الثالثة وحمل بغاة الجند من أصحاب عمرو في الغرائر على الجمال

стр. 1122

وعمرو فيهم، وتقدّم فبشّرها بالعير وبكثرة ما حمل إليها من الطرف، فخرجت تنظر فأنكرت ما رأته في الجمال من التكارد [١] ، ثم دخلت العير المدينة فلما توسطت أنيخت وخرج الرجال، وبادر عمرو إلى النفق فوقف عنده، ووضع الرجال سيوفهم في أهل البلد. وبادرت الزبّاء إلى النفق فوجدت عمرا قائما عنده فلحمها بالسيف وماتت، وأصاب ما أصاب من المدينة وانكفأ راجعا. قال الطبري: وعمرو بن عديّ أوّل من اتخذ الحيرة منزلا من ملوك العرب، وأوّل من تجده أهل الحيرة في كتبهم من ملوك العرب بالعراق، وإليه ينسبون وهم ملوك آل نصر. ولم يزل عمرو بن عدي ملكا حتى مات وهو ابن مائة وعشرين سنة مستبدا منفردا يغزوهم ويغنم، وتفد عليه الوفود ولا يدين لملوك الطوائف ولا يدينون له حتى قدم أردشير بن بابك في أهل فارس. قال الطبري: وإنما ذكرنا في هذا الموضع أمر جذيمة وابن أخته عمرو بن عدي لما قدّمناه عند ذكر ملوك اليمن، وأنهم لم يكن لهم ملك مستفحل وإنما كانوا طوائف على المخاليف يغير كل واحد على صاحبه إذا استغفله، ويرجع خوف الطلب حتى كان عمرو بن عديّ فاتصل له ولعقبه الملك على من كان بنواحي العراق وبادية الحجاز بالعرب، فاستعمله ملوك فارس على ذلك إلى آخر أمرهم. وكان أمر آل نصر هؤلاء ومن كان من ولاة الفرس وعمالهم على العرب معروفا مثبتا عندهم في كنائسهم وأشعارهم. وقال هشام بن الكلبي: كنت أستخرج أخبار العرب وأنسابهم وأنساب آل نصر بن ربيعة ومبالغ أعمار من ولي منهم لآل كسرى وتاريخ نسبهم من كتبهم بالحيرة. وأمّا ابن إسحاق فذكر في آل نصر ومصيرهم إلى العراق أنّ ذلك كان بسبب الرؤيا التي رآها ربيعة بن نصر وعبرها الكاهنان شقّ وسطيح، وفيها أن الحبشة يغلبون على ملكهم باليمن، قال: فجهّز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرّزاذ فأسكنهم الحيرة، ومن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر. وقد يقال إنّ المنذر من أعقاب ساطرون ملك الحضر من تنوخ قضاعة، رواه ابن إسحاق من علماء الكوفة ورواه عن جبير بن مطعم قال: لما أتى عمر ﵁ بسيف النعمان دعا بجبير بن مطعم،

стр. 1123

وكان أنسب قريش لقريش والعرب، تعلمه من أبي بكر ﵁ فسلّمه إياه، ثم قال: ممن كان النعمان يا جبير؟ قال: كان من أسلاف قنص بن معدّة. قال السهيليّ: كان ولد قنص بن معد انتشروا بالحجاز فوقعت بينهم وبين بني أبيهم حرب وتضايق بالبلاد وأجدبت الأرض، فساروا نحو سواد العراق وذلك في أيام ملوك الطوائف قاتلهم الأردوانيّون وبعض ملوك الطوائف وأجلوهم عن السواد وقتلوهم، إلا أشلاء لحقت بقبائل العرب ودخلوا فيهم فانتسبوا إليهم. قال الطبري: حين سأله عمر عن النعمان قال: كانت العرب تقول من أشلاء قنص بن معدوهم من ولد عجم بن قنص إلا أنّ الناس صحّفوا عجم وجعلوا مكانه لخم. قال ابن إسحاق: وأما سائر العرب فيقولون النعمان بن المنذر رجل من لخم ربي بين ولد ربيعة بن نصر أهـ. ولما هلك عمرو بن عديّ ولي بعده على العرب وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة إمرؤ القيس بن عمرو بن عدي، ويقال له البدء، وهو أوّل من تنصّر من ملوك آل نصر وعمّال الفرس، وعاش فيما ذكر هشام بن الكلبي مائة وأربعة عشر سنة، منها أيام سابور ثلاثا وعشرين سنة، وأيام هرمز بن سابور سنة واحدة، وأيام بهرام بن هرمز ثلاث سنين، وأيام بهرام بن بهرام ثماني عشرة سنة، ومن أيام سابور سبعون سنة. وهلك لعهده فولي مكانه ابنه عمرو بن امرئ القيس البدء، فأقام في ملكه ثلاثين سنة بقية أيام سابور بن سابور، ثم ولي مكانه أوس بن قلام العمليقي فيما قال هشام بن محمد، وهو من بني عمرو بن عملاق، فأقام في ولايته خمس سنين ثم سار به جحجبا بن عتيك بن لخم فقتله وولي مكانه. ثم هلك في عهد بهرام بن سابور، وولى من بعده إمرؤ القيس بن عمرو خمسا وعشرين سنة وهلك أيام يزدجرد الأثيم، فولي مكانه ابنه النعمان بن امرئ القيس وأمّه شقيقة بنت ربيعة بن ذهب بن شيبان وهو صاحب الخورنق، ويقال إنّ سبب بنائه إياه أنّ يزدجرد الأثيم دفع إليه ابنه بهرام جور ليربّيه وأمره ببناء هذا الخورنق مسكنا له وأسكنه إياه، ويقال: إنّ الصانع الّذي بناه كان اسمه سنمّار وإنه لما فرغ من بنائه ألقاه من أعلاه فمات من أجل محاورة وقعت اختلف الناس في نقلها والله أعلم بصحتها، وذهب ذلك مثلا بين العرب في قبح الجزاء ووقع في أشعارهم منه كثير. وكان النعمان هذا من أفحل ملوك آل نصر وكانت له سنانان إحداهما للعرب والأخرى للفرس، وكان يغزو بهما بلاد

стр. 1124

العرب بالشام ويدوّخها، وأقام في ملكه ثلاثين سنة ثم زهد وترك الملك ولبس المسوح وذهب فلم يوجد له أثر. قال الطبري: وأمّا العلماء بأخبار الفرس فيقولون إنّ الّذي تولّى تربية بهرام هو المنذر بن النعمان بن امرئ القيس، دفعه إليه يزدجرد الأثيم لإشارة كانت عنده فيه من المنجمين، فأحسن تربيته وتأديبه وجاءه بمن يلقنه الخلال من العلوم والآداب والفروسية والنقابة [١] حتى اشتمل على ذلك كله بما رضيه، ثم ردّه إلى أبيه فأقام عنده قليلا ولم يرض بحاله، ووفد على أبيه وافد قيصر وهو أخوه قياودس، فقصده بهرام أن يسأل له من أبيه الرجوع إلى بلاد العرب فرجع، ونزل على المنذر. ثم هلك يزدجرد فاجتمع أهل فارس وولوا عليهم شخصا من ولد أردشير وعدلوا عن بهرام لمرباه بين العرب وخلوة عن آداب العجم، وجهّز المنذر العساكر لبهرام لطلب ملكه، وقدّم ابنه النعمان فحاصر مدينة الملك ثم جاء على أثره بعساكر العرب وبهرام معه فأذعن له فارس وأطاعوه، واستوهب المنذر ذنوبهم من بهرام فعفا عنهم واجتمع أمره. ورجع المنذر إلى بلاده وشغل باللهو وطمع فيه الملوك حوله، وغزاه خاقان ملك الترك في خمسين ألفا من العساكر، وسار إليه بهرام فانتهى إلى أذربيجان ثم إلى أرمينية. ثم ذهب يتصيّد وخلف أخوه نرسي على العساكر فرماه أهل فارس بالجبن وأنه خار عن لقاء الترك، فراسلوا خاقان في الصلح على ما يرضاه فرجع عنهم. وانتهى الخبر بذلك إلى بهرام فسار في اتباعه وبيته فانفض بعسكره وقتله بيده، واستولى بهرام على ما في العساكر من الأثقال والذراري وظفر بتاج خاقان واكليله وسيفه بما كان فيه من الجواهر واليواقيت، وأسر زوجته، وغلب على ناحية من بلاده فولّى عليها بعض مرازبته وأذن له في الجلوس على سرير الفضة وأغزى ما وراء النهر فدانوا بالجزية، وانصرف إلى أذربيجان فجعل سيف خاقان واكليله معلقا ببيت النار وأخدمه خاتون امرأة خاقان، ورفع الخراج عن الناس ثلاث سنين شكرا للَّه تعالى على النصر، وتصدّق بعشرين ألف ألف درهم مكرّرة مرّتين، وكتب بالخبر إلى النواحي وولّى أخاه نرسي على خراسان واستوزر له بهر نرسي بن بدارة بن فرّخزاد، ووصل الطبريّ نسبه من هنا بعد أربعة فكان رابعهم أشك بن دارا وأغزى بهرام أرض الروم في أربعين ألفا فانتهى إلى القسطنطينية ورجع.

стр. 1125

قال هشام بن الكلبي: ثم جاء الحرث بن عمرو بن حجر الكندي في جيش إلى بلاد معدّ والحيرة وقد ولاه تبّع بن حسّان بن تبع، فسار إليه النعمان بن امرئ القيس بن الشقيقة وقاتله فقتل النعمان وعدة من أهل بيته وانهزم أصحابه، وأفلت المنذر بن النعمان الأكبر وأمه ماء السماء امرأة من اليمن، وتشتت ملك آل النعمان، وملك الحرث بن عمرو ما كانوا يملكونه. وقال غير هشام بن الكلبي: إنّ النعمان الّذي قتله الحرث هو ابن المنذر بن النعمان وأمه هند بنت زيد مناة بن زيد الله بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو الّذي أسرته فارس، ملك عشرين سنة منها في أيام فيروز بن يزدجرد عشر سنين وأيام يلاوش بن يزدجرد أربع سنين وفي أيام قباذ بن فيروز ست سنين. قال هشام بن محمد الكلبي: ولما ملك الحرث بن عمرو ملك آل النعمان بعث إليه قبّاذ يطلب لقاءه وكان مضعفا فجاءه الحرث وصالحه على أن لا يتجاوز بالعرب الفرات، ثم استضعفه فأطلق العرب للغارة في نواحي السواد وراء الفرات فسأله اللقاء بابنه، واعتذر إليه أشظاظ العرب وأنه لا يضبطهم إلّا المال فأقطعه جانبا من السواد، فبعث الحرث إلى ملك اليمن تبّع يستنهضه بغزو فارس في بلادهم ويخبره بضعف ملكهم، فجمع وسار حتى نزل الحيرة وبعث ابن أخيه شمرا ذا الجناح إلى قبّاذ فقاتله واتبع إلى الري فقتله، ثم سار شمر إلى خراسان وبعث تبّع ابنه حسّان إلى الصغد وأمرهما معا أن يدوّخا أرض الصين، وبعث ابن أخيه يعفر إلى الروم فحاصر القسطنطينية حتى أعطوا الطاعة والإتاوة، وتقدّم إلى رومة فحاصرها. ثم أصابهم الطاعون ووهنوا له فوثب عليهم فقتلوهم جميعا. وتقدّم شمر إلى سمرقند فحاصرها واستعمل الحيلة فيها فملكها، ثم سار إلى الصين وهزم الترك ووجد أخاه حسّان قد سبقه إلى الصين منذ ثلاث سنين فأقاما هنالك إحدى وعشرين سنة إلى أن هلك، قال: والصحيح المتفق عليه أنهما رجعا إلى بلادهما بما غنماه من الأموال والذخائر وصنوف الجواهر والطيوب. وسار تبّع حتى قدم مكّة ونزل شعب حجاز وكانت وفاته باليمن بعد أن ملك مائة وعشرين سنة، ولم يخرج أحد بعده من ملوك اليمن غازيا. ويقال: إنه دخل في دين اليهود للأحبار الذين خرجوا معه من يثرب. وأمّا ابن إسحاق فعنده أنّ الّذي سار إلى المشرق من التبابعة تبّع الأخير وهو تبان أسعد أبو كرب.
следующие страницы →