← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الألف آحادا وعشرات ومئين وألوفا فإذا حسبت الاسم وتحصّل لك منه عدد فاحسب اسم الآخر كذلك ثمّ اطرح من كلّ واحد منهما تسعة تسعة واحفظ بقيّة هذا وبقيّة هذا ثمّ انظر بين العددين الباقيين من حساب الاسمين فإن كان العددان مختلفين في الكمّيّة وكانا معا زوجين أو فردين معا فصاحب الأقلّ منهما هو الغالب وإن كان أحدهما زوجا والآخر فردا فصاحب الأكثر هو الغالب وإن كانا متساويين في الكميّة وهما معا زوجان فالمطلوب هو الغالب وإن كانا معا فردين فالطّالب هو الغالب ويقال هنالك بيتان في هذا العمل اشتهرا بين النّاس وهما: أرى الزّوج والأفراد يسمو أقلّها ... وأكثرها عند التّحالف غالب ويغلب مطلوب إذا الزّوج يستوي ... وعند استواء الفرد يغلب طالب ثمّ وضعوا لمعرفة ما بقي من الحروف بعد طرحها بتسعة قانونا معروفا عندهم في طرح تسعة وذلك أنّهم جمعوا الحروف الدّالّة على الواحد في المراتب الأربع وهي (أ) الدّالّة على الواحد وهي: (اي) الدّالّة على العشرة وهي واحد في مرتبة العشرات و (ق) الدّالّة على المائة لأنّها واحد في مرتبة المئين و (ش) الدّالّة على الألف لأنّها واحد في مرتبة الآلاف وليس بعد الألف عدد يدلّ عليه بالحروف لأنّ الشّين هي آخر حروف أبجد ثمّ رتّبوا هذه الأحرف الأربعة على نسق المراتب فكان منها كلمة رباعيّة وهي (ايقش) ثمّ فعلوا ذلك بالحروف الدّالّة على اثنين في المراتب الثّلاث وأسقطوا مرتبة الآلاف منها لأنّها كانت آخر حروف أبجد فكان مجموع حروف الاثنين في المراتب الثّلاث ثلاثة حروف وهي (ب) الدّالّة على اثنين في الآحاد و (ك) الدّالّة على اثنين في العشرات وهي عشرون و (ر) الدّالّة على اثنين في المئين وهي مائتان وصيّروها كلمة واحدة ثلاثيّة على نسق المراتب وهي بكر ثمّ فعلوا ذلك بالحروف الدّالّة على ثلاثة

стр. 142

فنشأت عنها كلمة جلس وكذلك إلى آخر حروف أبجد وصارت تسع كلمات نهاية عدد الآحاد وهي ايقش بكر جلس دمت هنث وصخ زعد حفظ طضغ مرتّبة على توالي الأعداد ولكلّ كلمة منها عددها الّذي هي في مرتبته فالواحد لكلمة ايقش والاثنان لكلمة بكر والثّلاثة لكلمة جلس وكذلك إلى التّاسعة الّتي هي طضغ فتكون لها التّسعة فإذا أرادوا طرح الاسم بتسعة نظروا كلّ حرف منه في أيّ كلمة هو من هذه الكلمات وأخذوا عددها مكانه ثمّ جمعوا الأعداد الّتي يأخذونها بدلا من حروف الاسم فإن كانت زائدة على التّسعة أخذوا ما فضل عنها وإلّا أخذوه كما هو ثمّ يفعلون كذلك بالاسم الآخر وينظرون بين الخارجين بما قدّمناه والسّرّ في هذا بيّن وذلك أنّ الباقي من كلّ عقد من عقود الأعداد بطرح تسعة إنّما هو واحد فكأنّه يجمع عدد العقود خاصّة من كلّ مرتبة فصارت أعداد العقود كأنّها آحاد فلا فرق بين الاثنين والعشرين والمائتين والألفين وكلّها اثنان وكذلك الثّلاثة والثّلاثون والثّلاثمائة والثّلاثة الآلاف كلّها ثلاثة ثلاثة فوضعت الأعداد على التّوالي دالّة على أعداد العقود لا غير وجعلت الحروف الدّالّة على أصناف العقود في كلّ كلمة من الآحاد والعشرات والمئين والألوف [١] وصار عدد الكلمة الموضوع عليها نائبا عن كلّ حرف فيها سواء دلّ على الآحاد أو العشرات أو المئين فيؤخذ عدد كلّ كلمة عوضا من الحروف الّتي فيها وتجمع كلّها إلى آخرها كما قلناه هذا هو العمل المتداول بين النّاس منذ الأمر القديم وكان بعض من لقيناه من شيوخنا يرى أنّ الصّحيح فيها كلمات أخرى تسعة مكان هذه ومتوالية كتواليها ويفعلون بها في الطّرح بتسعة مثل ما يفعلونه بالأخرى سواء وهي هذه ارب يستمك جزلط مدوص هف تحذن عش خع ثضظ تسع كلمات على توالي العدد ولكلّ كلمة منها

стр. 143

عددها الّذي في مرتبته فيها الثّلاثيّ والرّباعيّ والثّنائيّ وليست جارية على أصل مطّرد كما تراه لكن كان شيوخنا ينقلونها عن شيخ المغرب في هذه المعارف من السّيمياء وأسرار الحروف والنّجامة وهو أبو العبّاس بن البنّاء ويقولون عنه أنّ العمل بهذه الكلمات في طرح حساب النّيم أصحّ من العمل بكلمات ايقش والله يعلم كيف ذلك وهذه كلّها مدارك للغيب غير معزوّ إلى أرسطو عند المحقّقين لما فيه من الآراء البعيدة عن التّحقيق والبرهان يشهد لك بذلك تصفّحه إن كنت من أهل الرّسوخ ١ هـ-. ومن هذه القوانين الصّناعيّة لاستخراج الغيوب فيما يزعمون الزّايرجة المسمّاة «بزايرجة العالم» المعزوّة إلى أبي العبّاس سيّدي أحمد السّبتيّ من أعلام المتصوّفة بالمغرب كان في آخر المائة السّادسة بمراكش ولعهد أبي يعقوب المنصور من ملوك الموحّدين وهي غريبة العمل صناعة. وكثير من الخواصّ يولعون بإفادة الغيب منها بعملها المعروف الملغوز فيحرّضون بذلك على حلّ رمزه وكشف غامضه. وصورتها الّتي يقع العمل عندهم فيها دائرة عظيمة في داخلها دوائر متوازية للأفلاك والعناصر والمكوّنات والرّوحانيّات وغير ذلك من أصناف الكائنات والعلوم وكلّ دائرة مقسومة بأقسام فلكها إمّا البروج وإمّا العناصر أو غيرهما وخطوط كلّ قسم مارّة إلى المركز ويسمّونها الأوتار وعلى كلّ وتر حروف متتابعة موضوعة فمنها برشوم [١] الزّمام الّتي هي أشكال الأعداد عند أهل الدّواوين والحسّاب بالمغرب لهذا العهد ومنها برشوم الغبار المتعارفة في داخل الزّايرجة وبين الدّوائر أسماء العلوم ومواضع الأكوان وعلى ظاهر الدّوائر جدول متكثّر البيوت المتقاطعة طولا وعرضا يشتمل على خمسة وخمسين بيتا في العرض ومائة وواحد وثلاثين في الطّول جوانب منه معمورة البيوت تارة بالعدد

стр. 144

وأخرى بالحروف وجوانب خالية البيوت ولا تعلم نسبة تلك الأعداد في أوضاعها ولا القسمة الّتي عيّنت البيوت العامرة من الخالية وحافات الزّايرجة أبيات من عروض الطّويل على رويّ اللّام المنصوبة تتضمّن صورة العمل في استخراج المطلوب من تلك الزّايرجة إلّا أنّها من قبيل الإلغاز في عدم الوضوح والجلاء وفي بعض جوانب الزّايرجة بيت من الشّعر منسوب لبعض أكابر أهل الحدثان [١] بالمغرب وهو مالك بن وهيب من علماء إشبيليّة كان في الدّولة اللّمتونيّة ونصّ البيت. سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذن ... غرائب شكّ ضبطه الجدّ مثّلا وهو البيت المتداول عندهم في العمل لاستخراج الجواب من السّؤال في هذه الزّايرجة وغيرها فإذا أرادوا استخراج الجواب عمّا يسأل عنه من المسائل كتبوا ذلك السّؤال وقطّعوه حروفا ثمّ أخذوا الطّالع لذلك الوقت من بروج الفلك ودرجها وعمدوا إلى الزّايرجة ثمّ إلى الوتر المكتنف فيها بالبرج الطّالع من أوّله مارّا إلى المركز ثمّ إلى محيط الدّائرة قبالة الطّالع فيأخذون جميع الحروف المكتوبة عليه من أوّله إلى آخره والأعداد المرسومة بينهما ويصيّرونها حروفا بحساب الجمّل وقد ينقلون آحادها إلى العشرات وعشراتها إلى المئين وبالعكس فيهما كما يقتضيه قانون العمل عندهم ويضعونها مع حروف السّؤال ويضيفون إلى ذلك جميع ما على الوتر المكتنف بالبرج الثّالث من الطّالع من الحروف والأعداد من أوّله إلى المركز فقط لا يتجاوزونه إلى المحيط ويفعلون بالأعداد ما فعلوه بالأوّل ويضيفونها إلى الحروف الأخرى ثمّ يقطّعون حروف البيت الّذي هو أصل العمل وقانونه عندهم وهو بيت مالك بن وهيب المتقدّم ويضعونها ناحية ثمّ يضربون عدد درج الطّالع في أسّ البرج وأسّه عندهم هو بعد البرج عن آخر المراتب عكس ما عليه الأسّ عند أهل صناعة الحساب فإنّه عندهم البعد عن أوّل المراتب ثمّ

стр. 145

يضربونه في عدد آخر يسمّونه الأسّ الأكبر والدّور الأصليّ ويدخلون بما تجمّع لهم من ذلك في بيوت الجدول على قوانين معروفة وأعمال مذكورة وأدوار معدودة ويستخرجون منها حروفا ويسقطون أخرى ويقابلون بما معهم في حروف البيت وينقلون منه ما ينقلون إلى حروف السّؤال وما معها ثمّ يطرحون تلك الحروف بأعداد معلومة يسمّونها الأدوار ويخرجون في كلّ دور الحرف الّذي ينتهي عنده الدّور ويعاودون ذلك بعدد الأدوار المعيّنة عندهم لذلك فيخرج آخرها حروف متقطّعة وتؤلّف على التّوالي فتصير كلمات منظومة في بيت واحد على وزن البيت الّذي يقابل به العمل ورويّه وهو بيت مالك ابن وهيب المتقدّم حسبما نذكر ذلك كلّه في فصل العلوم عند كيفيّة العمل بهذه الزّايرجة وقد رأينا كثيرا من الخواصّ يتهافتون على استخراج الغيب منها بتلك الأعمال ويحسبون أنّ ما وقع من مطابقة الجواب للسّؤال في توافق الخطاب دليل على مطابقة الواقع وليس ذلك بصحيح لأنّه قد مرّ لك أنّ الغيب لا يدرك بأمر صناعيّ البتّة وإنّما المطابقة الّتي فيها بين الجواب والسّؤال من حيث الإفهام والتّوافق في الخطاب حتّى يكون الجواب مستقيما أو موافقا للسّؤال ووقوع ذلك في هذه الصّناعة في تكسير الحروف المجتمعة من السّؤال والأوتار والدّخول في الجدول بالأعداد المجتمعة من ضرب الأعداد المفروضة واستخراج الحروف من الجدول بذلك وطرح أخرى ومعاودة ذلك في الأدوار المعدودة ومقابلة ذلك كلّه بحروف البيت على التّوالي غير مستنكر وقد يقع الاطّلاع من بعض الأذكياء على تناسب بين هذه الأشياء فيقع له معرفة المجهول فالتّناسب بين الأشياء هو سبب الحصول على المجهول من المعلوم الحاصل للنّفس وطريق لحصوله سيّما من أهل الرّياضة فإنّها تفيد العقل قوّة على القياس وزيادة في الفكر وقد مرّ تعليل ذلك غير مرّة ومن أجل هذا المعنى ينسبون هذه الزّايرجة في الغالب لأهل الرّياضة فهي منسوبة للسّبتيّ ولقد وقفت على أخرى منسوبة لسهل بن عبد الله ولعمري إنّها من الأعمال الغريبة

стр. 146

والمعاناة [١] العجيبة والجواب الّذي يخرج منها فالسّرّ في خروجه منظوما يظهر لي إنّما هو المقابلة بحروف ذلك البيت ولهذا يكون النّظم على وزنه ورويّه ويدلّ عليه أنّا وجدنا أعمالا أخرى لهم في مثل ذلك أسقطوا فيها المقابلة بالبيت فلم يخرج الجواب منظوما كما تراه عند الكلام على ذلك في موضعه وكثير من النّاس تضيق مداركهم عن التّصديق بهذا العمل ونفوذه إلى المطلوب فينكر صحّتها ويحسب أنّها من التّخيّلات والإيهامات وأنّ صاحب العمل بها يثبت حروف البيت الّذي ينظمه كما يريد بين أثناء حروف السّؤال والأوتار ويفعل تلك الصّناعات على غير نسبة ولا قانون ثمّ يجيء بالبيت ويوهم أنّ العمل جاء على طريقة منضبطة وهذا الحسبان توهّم فاسد حمل عليه القصور عن فهم التّناسب بين الموجودات والمعدومات والتّفاوت بين المدارك والعقول ولكن من شأن كلّ مدرك إنكار ما ليس في طوقه إدراكه ويكفينا في ردّ ذلك مشاهدة العمل بهذه الصّناعة والحدس القطعيّ فإنّها جاءت بعمل مطّرد وقانون صحيح لا مرية فيه عند من يباشر ذلك ممّن له ذكاء وحدس وإذا كان كثير من المعاياة في العدد الّذي هو أوضح الواضحات يعسر على الفهم إدراكه لبعد النّسبة فيه وخفائها فما ظنّك بمثل هذا مع خفاء النّسبة فيه وغرابتها فلنذكر مسألة من المعاياة يتّضح لك بها شيء ممّا ذكرنا مثاله لو قيل لك خذ عددا من الدّراهم واجعل بإزاء كلّ درهم ثلاثة من الفلوس ثمّ اجمع الفلوس الّتي أخذت واشتر بها طائرا ثمّ اشتر بالدّراهم كلّها طيورا بسعر ذلك الطّائر فكم الطّيور المشتراة بالدّراهم فجوابه أن تقول هي تسعة لأنّك تعلم أنّ فلوس الدّراهم أربعة وعشرون وأنّ الثّلاثة ثمنها وأنّ عدّة أثمان الواحد ثمانية فإذا جمعت الثّمن من الدّراهم إلى الثّمن الآخر فكان كلّه ثمن طائر فهي ثمانية طيور عدّة أثمان الواحد وتزيد على الثّمانية طائرا آخر وهو المشترى بالفلوس المأخوذة أوّلا وعلى سعره اشتريت بالدّراهم فتكون تسعة فأنت ترى

стр. 147

كيف خرج لك الجواب المضمر بسرّ التّناسب الّذي بين أعداد المسألة والوهم أوّل ما يلقي إليك هذه وأمثالها إنّما يجعله من قبيل الغيب الّذي لا يمكن معرفته وظهر أنّ التّناسب بين الأمور هو الّذي يخرج مجهولها من معلومها وهذا إنّما هو في الواقعات الحاصلة في الوجود أو العلم وأمّا الكائنات المستقبلة إذا لم تعلم أسباب وقوعها ولا يثبت لها خبر صادق عنها فهو غيب لا يمكن معرفته وإذا تبيّن لك ذلك فالأعمال الواقعة في الزّايرجة كلّها إنّما هي في استخراج الجواب من ألفاظ السّؤال لأنّها كما رأيت استنباط حروف على ترتيب من تلك الحروف بعينها على ترتيب آخر وسرّ ذلك إنّما هو من تناسب بينهما يطّلع عليه بعض دون بعض فمن عرف ذلك التّناسب تيسّر عليه استخراج ذلك الجواب بتلك القوانين والجواب يدلّ في مقام آخر من حيث موضوع ألفاظه وتراكيبه على وقوع أحد طرفي السّؤال من نفي أو إثبات وليس هذا من المقام الأوّل بل إنّما يرجع لمطابقة الكلام لما في الخارج ولا سبيل إلى معرفة ذلك من هذه الأعمال بل البشر محجوبون عنه وقد استأثر الله بعلمه وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٢: ٢١٦. الباب الثاني في العمران البدويّ والأمم الوحشية والقبائل وما يعرض في ذلك من الأحوال وفيه فصول وتمهيدات الفصل الأول في أن أجيال البدو والحضر طبيعية اعلم أنّ اختلاف الأجيال في أحوالهم إنّما هو باختلاف نحلتهم من المعاش فإنّ اجتماعهم إنّما هو للتّعاون على تحصيله والابتداء بما هو ضروريّ منه ونشيط قبل الحاجيّ والكماليّ فمنهم من يستعمل الفلح من الغراسة والزّراعة ومنهم من

стр. 148

ينتحل القيام على الحيوان من الغنم والبقر والمعز والنّحل والدّود لنتاجها واستخراج فضلاتها وهؤلاء القائمون على الفلح والحيوان تدعوهم الضّرورة ولا بدّ إلى البدو لأنّه متّسع لما لا يتّسع له الحواضر من المزارع والفدن [١] والمسارح للحيوان وغير ذلك فكان اختصاص هؤلاء بالبدو أمرا ضروريا لهم وكان حينئذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم من القوت والكنّ والدّفء إنّما هو بالمقدار الّذي يحفظ الحياة ويحصّل بلغة العيش من غير مزيد عليه للعجز عمّا وراء ذلك ثمّ إذا اتّسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرّفه دعاهم ذلك إلى السّكون والدّعة وتعاونوا في الزّائد على الضّرورة واستكثروا من الأقوات والملابس والتّأنّق فيها وتوسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتّحضّر ثمّ تزيد أحوال الرّفه والدّعة فتجيء عوائد التّرف البالغة مبالغها في التّأنّق في علاج القوت واستجادة المطابخ وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والدّيباج وغير ذلك ومعالاة البيوت والصّروح وإحكام وضعها في تنجيدها [٢] والانتهاء في الصّنائع في الخروج من القوّة إلى الفعل إلى غايتها فيتّخذون القصور والمنازل ويجرون فيها المياه ويعالون في صرحها ويبالغون في تنجيدها ويختلفون في استجادة ما يتّخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آنية أو ماعون وهؤلاء هم الحضر ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان ومن هؤلاء من ينتحل في معاشه الصّنائع ومنهم من ينتحل التّجارة وتكون مكاسبهم أنمى وأرفه من أهل البدو لأنّ أحوالهم زائدة على الضّروريّ ومعاشهم على نسبة وجدهم فقد تبيّن أنّ أجيال البدو والحضر طبيعيّة لا بدّ منها كما قلناه.

стр. 149

الفصل الثاني في أن جيل العرب في الخلقة طبيعيّ قد قدّمنا في الفصل قبله أنّ أهل البدو هم المنتخلون للمعاش الطّبيعيّ من الفلح والقيام على الأنعام وأنّهم مقتصرون على الضّروريّ من الأقوات والملابس والمساكن وسائر الأحوال والعوائد ومقصّرون عمّا فوق ذلك من حاجيّ أو كماليّ يتّخذون البيوت من الشّعر والوبر أو الشّجر أو من الطّين والحجارة غير منجّدة إنّما هو قصد الاستظلال والكنّ لا ما وراءه وقد يأوون إلى الغيران [١] والكهوف وأمّا أقواتهم فيتناولون بها يسيرا بعلاج أو بغير علاج البتّة إلّا ما مسّته النّار فمن كان معاشه منهم في الزّراعة والقيام بالفلح كان المقام به أولى من الظّعن وهؤلاء سكّان المدر والقرى والجبال وهم عامّة البربر والأعاجم ومن كان معاشه في السّائمة مثل الغنم والبقر فهم ظعّن في الأغلب لارتياد المسارح والمياه لحيواناتهم فالتّقلّب في الأرض أصلح بهم ويسمّون شاوية ومعناه القائمون على الشّاء والبقر ولا يبعدون في القفر لفقدان المسارح الطّيّبة وهؤلاء مثل البربر والتّرك وإخوانهم من التّركمان والصّقالبة وأمّا من كان معاشهم في الإبل فهم أكثر ظعنا وأبعد في القفر مجالا لأنّ مسارح التّلول ونباتها وشجرها لا يستغني بها الإبل في قوام حياتها عن مراعي الشّجر بالقفر وورود مياهه الملحة [٢] والتّقلّب فصل الشّتاء في نواحيه فرارا من أذى البرد إلى دفء هوائه وطلبا لماخض النتاج في رماله إذ الإبل أصعب الحيوان فصالا

стр. 150

ومخاضا وأحوجها في ذلك إلى الدّفء فاضطرّوا إلى إبعاد النّجعة وربّما زادتهم الحامية عن التلول أيضا فأوغلوا في القفار نفرة عن الضّعة منهم فكانوا لذلك أشدّ النّاس توحّشا وينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش غير المقدور عليه والمفترس من الحيوان العجم وهؤلاء هم العرب وفي معناهم ظعون البربر وزناتة بالمغرب والأكراد والتّركمان والتّرك بالمشرق إلّا أنّ العرب أبعد نجعة وأشدّ بداوة لأنّهم مختصّون بالقيام على الإبل فقط وهؤلاء يقومون عليها وعلى الشّياه والبقر معها فقد تبيّن لك أنّ جيل العرب طبيعيّ لا بدّ منه في العمران والله أعلم. الفصل الثالث في أن البدو أقدم من الحضر وسابق عليه وان البادية أصل العمران والأمصار مدد لها قد ذكرنا أنّ البدو هم المقتصرون على الضّروريّ في أحوالهم العاجزون عمّا فوقه وأنّ الحضر المعتنون بحاجات التّرف والكمال في أحوالهم وعوائدهم ولا شكّ أنّ الضّروريّ أقدم من الحاجيّ والكماليّ وسابق عليه ولأنّ الضّروريّ أصل والكماليّ فرع ناشئ عنه فالبدو أصل للمدن والحضر، وسابق عليهما لأنّ أوّل مطالب الإنسان الضّروريّ ولا ينتهي إلى الكمال والتّرف إلّا إذا كان الضّروريّ حاصلا فخشونة البداوة قبل رقّة الحضارة ولهذا نجد التّمدّن غاية للبدويّ يجري إليها وينتهي بسعيه إلى مقترحة منها ومتى حصل على الرّياش الّذي يحصل له به أحوال التّرف وعوائده عاج إلى الدّعة وأمكن نفسه إلى قياد المدينة وهكذا شأن القبائل المتبدّية كلّهم والحضريّ لا يتشوّف إلى أحوال البادية إلّا لضرورة تدعوه إليها أو لتقصير عن أحوال أهل مدينته وممّا يشهد لنا أنّ البدو أصل للحضر

стр. 151

ومتقدّم عليه أنّا إذا فتّشنا أهل مصر من الأمصار وجدنا أوّليّة أكثرهم من أهل البدو الّذين بناحية ذلك المصر وعدلوا إلى الدّعة والتّرف الّذي في الحضر وذلك يدلّ على أنّ أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة وأنّها أصل لها فتفهّمه. ثمّ إنّ كلّ واحد من البدو والحضر متفاوت الأحوال من جنسه فربّ حيّ أعظم من حيّ وقبيلة أعظم من قبيلة ومصر أوسع من مصر ومدينة أكثر عمرانا من مدينة فقد تبيّن أنّ وجود البدو متقدّم على وجود المدن والأمصار وأصل لها بما أنّ وجود المدن والأمصار من عوائد التّرف والدّعة الّتي هي متأخرة عن عوائد الضّرورة المعاشيّة والله أعلم. الفصل الرابع في أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر وسببه أنّ النّفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شرّ قال ﷺ «كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» وبقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر ويصعب عليها اكتسابه فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير وحصلت لها ملكته بعد عن الشّرّ وصعب عليه طريقه وكذا صاحب الشّرّ إذا سبقت إليه أيضا عوائده وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذّ وعوائد التّرف والإقبال على الدّنيا والعكوف على شهواتهم منها وقد تلوّنت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشّرّ وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك حتّى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم لا يصدّهم عنه وازع الحشمة لما أخذتهم به عوائد السّوء في التّظاهر بالفواحش قولا وعملا وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدّنيا مثلهم إلّا أنّه في المقدار الضّروريّ لا في

стр. 152

التّرف ولا في شيء من أسباب الشّهوات واللّذّات ودواعيها فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها وما يحصل فيهم من مذاهب السّوء ومذمومات الخلق بالنّسبة إلى أهل الحضر أقلّ بكثير فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد عمّا ينطبع في النّفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها فيسهل علاجهم عن علاج الحضر وهو ظاهر وقد يتوضّح فيما بعد أنّ الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشّرّ والبعد عن الخير فقد تبيّن أنّ أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر والله يحبّ المتّقين ولا يعترض على ذلك بما ورد في صحيح البخاريّ من قول الحجّاج لسلمة بن الأكوع وقد بلغه أنّه خرج إلى سكنى البادية فقال له ارتددت على عقبيك تعرّبت فقال لا ولكنّ رسول الله ﷺ أذن لي في البدو فاعلم أنّ الهجرة افترضت أوّل الإسلام على أهل مكّة ليكونوا مع النّبيّ ﷺ في المظاهرة والحراسة ما لا يمسّ غيرهم من بادية الأعراب وقد كان المهاجرون يستعيذون باللَّه من التّعرّب وهو سكنى البادية حيث لا تجب الهجرة وقال ﷺ في حديث سعد بن أبي وقّاص عند مرضه بمكّة «اللَّهمّ أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردّهم على أعقابهم» ومعناه أن يوفّقهم لملازمة المدينة وعدم التّحوّل عنها فلا يرجعوا عن هجرتهم الّتي ابتدءوا بها وهو من باب الرّجوع على العقب في السّعي إلى وجه من الوجوه وقيل أنّ ذلك كان خاصّا بما قبل الفتح حين كانت الحاجة داعية إلى الهجرة لقلّة المسلمين وأمّا بعد الفتح وحين كثر المسلمون واعتزّوا وتكفّل الله لنبيّه بالعصمة من النّاس فإنّ الهجرة ساقطة حينئذ لقوله ﷺ «لا هجرة بعد الفتح» وقيل سقط إنشاؤها عمّن يسلم بعد الفتح وقيل سقط وجوبها عمّن أسلم وهاجر قبل الفتح والكلّ مجمعون على أنّها بعد الوفاة ساقطة لأنّ الصّحابة افترقوا من يومئذ في الآفاق وانتشروا ولم

стр. 153

يبق إلّا فضل السّكنى بالمدينة وهو هجرة فقول الحجّاج لسلمة حين سكن البادية ارتددت على عقبيك تعرّبت نعى عليه في ترك السّكنى بالمدينة بالإشارة إلى الدّعاء المأثور الّذي قدمناه وهو قوله لا تردّهم على أعقابهم وقوله تعرّبت إشارة إلى أنّه صار من الأعراب الّذين لا يهاجرون وأجاب سلمة بإنكار ما ألزمه من الأمرين وأنّ النّبيّ ﷺ أذن له في البدو ويكون ذلك خاصّا به كشهادة خزيمة [١] وعناق أبي بردة [٢] أو يكون الحجّاج إنّما نعى عليه ترك السّكنى بالمدينة فقط لعلمه بسقوط الهجرة بعد الوفاة وأجابه سلمة بأنّ اغتنامه لإذن النّبيّ ﷺ أولى وأفضل فما آثره به واختصّه إلّا لمعنى علمه فيه وعلى كلّ تقدير فليس دليلا على مذمّة البدو الّذي عبّر عنه بالتّعرّب لأنّ مشروعيّة الهجرة إنّما كانت كما علمت لمظاهرة النّبيّ ﷺ وحراسته لا لمذمّة البدو فليس في النّعي على ترك هذا الواجب دليل على مذمّة التّعرّب والله سبحانه أعلم وبه التّوفيق. الفصل الخامس في أن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر والسّبب في ذلك أنّ أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدّعة وانغمسوا في النّعيم والتّرف ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الّذي يسوسهم والحامية الّتي تولّت حراستهم واستناموا إلى الأسوار الّتي تحوطهم والحرز الّذي يحول دونهم فلا تهيجهم هيعة [٣] ولا ينفر لهم صيد فهم غارّون [٤] آمنون، قد ألقوا السّلاح وتوالت على ذلك منهم الأجيال وتنزّلوا منزلة

стр. 154

النّساء والولدان الّذين هم عيال على أبي مثواهم حتّى صار ذلك خلقا يتنزّل منزلة الطّبيعة وأهل البدو لتفرّدهم عن المجتمع وتوحّشهم في الضّواحي وبعدهم عن الحامية وانتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم ولا يثقون فيها بغيرهم فهم دائما يحملون السّلاح ويتلفّتون عن كلّ جانب في الطّرق ويتجافون عن الهجوع إلّا غرارا في المجالس وعلى الرّجال وفوق الأقتاب ويتوجّسون للنّبئات [١] والهيعات ويتفرّدون في القفر والبيداء مدلين بيأسهم واثقين بأنفسهم قد صار لهم البأس خلقا والشّجاعة سجيّة يرجعون إليها متى دعاهم داع أو استنفرهم صارخ وأهل الحضر مهما خالطوهم في البادية أو صاحبوهم في السّفر عيال عليهم لا يملكون معهم شيئا من أمر أنفسهم وذلك مشاهد بالعيان حتّى في معرفة النّواحي والجهات وموارد المياه ومشارع السّبل وسبب ذلك ما شرحناه وأصله أنّ الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه فالّذي ألفه في الأحوال حتّى صار خلقا وملكة وعادة تنزّل منزلة الطّبيعة والجبلة واعتبر ذلك في الآدميّين تجده كثيرا صحيحا والله يخلق ما يشاء.

стр. 155

الفصل السادس في أن معاناة أهل الحضر للأحكام مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة منهم وذلك أنّه ليس كلّ أحد مالك أمر نفسه إذ الرّؤساء والأمراء المالكون لأمر النّاس قليل بالنّسبة إلى غيرهم فمن الغالب أن يكون الإنسان في ملكة غيره، ولا بدّ فإن كانت الملكة رفيقة وعادلة لا يعاني منها حكم ولا منع وصدّ كان النّاس من تحت يدها مدلين بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن واثقين بعدم الوازع حتّى صار لهم الإذلال جبلّة لا يعرفون سواها وأمّا إذا كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسّطوة والإخافة فتكسر حينئذ من سورة بأسهم وتذهب المنعة عنهم لما يكون من التّكاسل في النّفوس المضطهدة كما نبيّنه وقد نهى عمر سعدا ﵄ عن مثلها لمّا أخذ زهرة بن حوبة سلب الجالنوس وكانت قيمته خمسة وسبعين ألفا من الذّهب وكان اتّبع الجالنوس يوم القادسيّة فقتله وأخذ سلبه فانتزعه منه سعد وقال له هلّا انتظرت في اتّباعه إذني وكتب إلى عمر يستأذنه فكتب إليه عمر تعمد إلى مثل زهرة وقد صلّى بما صلّى به [١] وبقي عليك ما بقي من حربك وتكسر فوقه [٢] وتفسد قلبه وأمضى له عمر سلبه وأمّا إذا كانت الأحكام بالعقاب فمذهبة للبأس بالكلّيّة لأنّ وقوع العقاب به ولم يدافع عن نفسه يكسبه المذلّة الّتي تكسر من سورة بأسه بلا شكّ وأمّا إذا كانت الأحكام تأديبيّة وتعليميّة وأخذت من عهد الصّبا أثّرت في ذلك بعض الشّيء لمرباه على المخافة والانقياد

стр. 156

فلا يكون مدلّا ببأسه ولهذا نجد المتوحّشين من العرب [١] أهل البدو أشدّ بأسا ممّن تأخذه الأحكام ونجد أيضا الّذين يعانون الأحكام وملكتها من لدن مرباهم في التّأديب والتّعليم في الصّنائع والعلوم والدّيانات ينقص ذلك من بأسهم كثيرا ولا يكادون يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة والأخذ عن المشايخ والأئمّة الممارسين للتّعليم والتّأديب في مجالس الوقار والهيبة فيهم هذه الأحوال وذهابها بالمنعة والبأس. ولا تستنكر ذلك بما وقع في الصّحابة من أخذهم بأحكام الدّين والشّريعة ولم ينقص ذلك من بأسهم بل كانوا أشدّ النّاس بأسا لأنّ الشّارع صلوات الله عليه لمّا أخذ المسلمون عنه دينهم كان وازعهم فيه من أنفسهم لما تلي عليهم من التّرغيب والتّرهيب ولم يكن بتعليم صناعيّ ولا تأديب تعليميّ إنّما هي أحكام الدّين وآدابه المتلقّاة نقلا يأخذون أنفسهم بها بما رسخ فيهم من عقائد الإيمان والتّصديق فلم تزل سورة بأسهم مستحكمة كما كانت ولم تخدشها أظفار التّأديب والحكم قال عمر ﵁ «من لم يؤدّ به الشّرع لا أدّبه الله» حرصا على أن يكون الوازع لكلّ أحد من نفسه ويقينا بأنّ الشّارع أعلم بمصالح العباد ولمّا تناقص الدّين في النّاس وأخذوا بالأحكام الوازعة ثمّ صار الشّرع علما وصناعة يؤخذ بالتّعليم والتّأديب ورجع النّاس إلى الحضارة وخلق الانقياد إلى الأحكام نقصت بذلك سورة البأس فيهم فقد تبيّن أنّ الأحكام السّلطانيّة والتّعليميّة مفسدة للبأس لأنّ الوازع فيها ذاتيّ ولهذا كانت هذه الأحكام السّلطانيّة والتّعليميّة ممّا تؤثّر في أهل الحواضر في ضعف نفوسهم وخضد [٢] الشّوكة منهم بمعاناتهم في وليدهم وكهولهم والبدو بمعزل من هذه المنزلة لبعدهم عن أحكام السّلطان والتّعليم والآداب ولهذا قال محمّد بن أبي زيد في كتابه في أحكام المعلّمين والمتعلّمين «أنّه لا ينبغي للمؤدّب أن يضرب أحدا من الصّبيان في التّعليم فوق ثلاثة أسواط» نقله عن شريح القاضي

стр. 157

واحتجّ له بعضهم بما وقع في حديث بدء الوحي من شأن الغطّ وأنّه كان ثلاث مرّات وهو ضعيف ولا يصلح شأن الغطّ أن يكون دليلا على ذلك لبعده عن التّعليم المتعارف والله الحكيم الخبير. الفصل السابع في أن سكنى البدو لا تكون إلا للقبائل أهل العصبية اعلم أنّ الله سبحانه ركّب في طبائع البشر الخير والشّرّ كما قال تعالى «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ٩٠: ١٠» وقال «فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ٩١: ٨» والشّرّ أقرب الخلال إليه إذا أهمل في مرعى عوائده ولم يهذّبه الاقتداء بالدّين وعلى ذلك الجمّ الغفير إلّا من وفّقه الله ومن أخلاق البشر فيهم الظّلم والعدوان بعض على بعض فمن امتدّت عينه إلى متاع أخيه فقد امتدّت يده إلى أخذه إلّا أن يصدّه وازع كما قال: والظّلم من شيم النّفوس فإن تجد ... ذا عفّة فلعلّة لا يظلم فأمّا المدن والأمصار فعدوان بعضهم على بعض تدفعه الحكّام والدّولة بما قبضوا على أيدي من تحتهم من الكافّة أن يمتدّ بعضهم على بعض أو يعدو عليه فهم مكبوحون بحكمة القهر والسّلطان عن التّظالم إلّا إذا كان من الحاكم بنفسه وأمّا العدوان الّذي من خارج المدينة فيدفعه سياج الأسوار عند الغفلة أو الغرّة ليلا أو العجز عن المقاومة نهارا أو يدفعه ازدياد الحامية من أعوان الدّولة عند الاستعداد والمقاومة وأمّا أحياء البدو فيزغ بعضهم عن بعض مشايخهم وكبراؤهم بما وفر في نفوس الكافّة لهم من الوقار والتّجلّة وأمّا حللهم فإنّما يذود عنها من خارج حامية الحيّ من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشّجاعة فيهم ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلّا إذا كانوا عصبيّة وأهل نسب واحد لأنّهم بذلك تشتدّ شوكتهم ويخشى جانبهم إذ نعرة كلّ أحد على نسبه وعصبيّته أهمّ وما جعل الله في قلوب

стр. 158

عباده من الشّفقة والنّعرة [١] على ذوي أرحامهم وقرباهم موجودة في الطّبائع البشريّة وبها يكون التّعاضد والتّناصر وتعظم رهبة العدوّ لهم واعتبر ذلك فيما حكاه القرآن عن إخوة يوسف ﵇ حين قالوا لأبيه لئن أكله الذّئب ونحن عصبة إنّا إذا لخاسرون والمعنى أنّه لا يتوهّم العدوان على أحد مع وجود العصبة له وأمّا المتفرّدون في أنسابهم فقلّ أن تصيب أحدا منهم نعرة على صاحبه فإذا أظلم الجوّ بالشّرّ يوم الحرب تسلّل كلّ واحد منهم يبغي النّجاة لنفسه خيفة واستيحاشا من التّخاذل فلا يقدرون من أجل ذلك على سكنى القفر لما أنّهم حينئذ طعمة لمن يلتهمهم من الأمم سواهم وإذا تبيّن ذلك في السّكنى الّتي تحتاج للمدافعة والحماية فبمثله يتبيّن لك في كلّ أمر يحمل النّاس عليه من نبوة أو إقامة ملك أو دعوة إذ بلوغ الغرض من ذلك كلّه إنّما يتمّ بالقتال عليه لما في طبائع البشر من الاستعصاء ولا بدّ في القتال من العصبيّة كما ذكرناه آنفا فاتّخذه إماما تقتدي به فيما نورده عليك بعد والله الموفّق للصّواب. الفصل الثامن في أن العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب أو ما في معناه وذلك أنّ صلة الرّحم طبيعيّ في البشر إلّا في الأقلّ ومن صلتها النّعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة فإنّ القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه ويودّ لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك نزعة طبيعيّة في البشر مذ كانوا فإذا كان النّسب المتواصل بين المتناصرين قريبا جدّا بحيث حصل به الاتّحاد والالتحام كانت الوصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بمجرّدها ووضوحها وإذا بعد النّسب بعض الشّيء فربّما

стр. 159

تنوسي بعضها ويبقى منها شهرة فتحمل على النّصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور منه فرارا من الغضاضة الّتي يتوهّمها في نفسه من ظلم من هو منسوب إليه بوجه ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نعرة كلّ أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة الّتي تلحق النّفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النّسب وذلك لأجل اللّحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النّسب أو قريبا منها ومن هذا تفهم معنى قوله ﷺ «تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» بمعنى أنّ النّسب إنّما فائدته هذا الالتحام الّذي يوجب صلة الأرحام حتّى تقع المناصرة والنّعرة وما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النّسب أمر وهميّ لا حقيقة له ونفعه إنّما هو في هذه الوصلة والالتحام فإذا كان ظاهرا واضحا حمل النّفوس على طبيعتها من النّعرة كما قلناه وإذا كان إنّما يستفاد من الخبر البعيد ضعف فيه الوهم وذهبت فائدته وصار الشّغل به مجّانا [١] ومن أعمال اللهو المنهيّ عنه ومن هذا الاعتبار معنى قولهم النّسب علم لا ينفع وجهالة لا تضرّ بمعنى أنّ النّسب إذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن النّفس وانتفت النّعرة الّتي تحمل عليها العصبيّة فلا منفعة فيه حينئذ والله أعلم. الفصل التاسع في أن الصريح من النسب إنما يوجد للمتوحشين في القفر من العرب ومن في معناهم وذلك لما اختصّوا به من نكد العيش وشظف الأحوال وسوء المواطن حملتهم عليها الضّرورة الّتي عيّنت لهم تلك القسمة وهي لمّا كان معاشهم من القيام على الإبل ونتاجها ورعايتها والإبل تدعوهم إلى التّوحّش في القفر لرعيها من شجره

стр. 160

ونتاجها في رماله كما تقدّم والقفر مكان الشّظف والسّغب [١] فصار لهم إلفا وعادة وربيت فيه أجيالهم حتّى تمكّنت خلقا وجبلّة فلا ينزع إليهم أحد من الأمم أن يساهمهم في حالهم ولا يأنس بهم أحد من الأجيال بل لو وجد واحد منهم السّبيل إلى الفرار من حاله وأمكنه ذلك لما تركه فيؤمن عليهم لأجل ذلك من اختلاط أنسابهم وفسادها ولا تزال بينهم محفوظة صريحة واعتبر ذلك في مضر من قريش وكنانة وثقيف وبني أسد وهذيل ومن جاورهم من خزاعة لمّا كانوا أهل شظف ومواطن غير ذات زرع ولا ضرع وبعدوا من أرياف الشّام والعراق ومعادن الأدم والحبوب كيف كانت أنسابهم صريحة محفوظة لم يدخلها اختلاط ولا عرف فيها شوب. وأمّا العرب الّذين كانوا بالتّلول وفي معادن الخصب للمراعي والعيش من حمير وكهلان مثل لخم وجذام وغسّان وطيّ وقضاعة وإياد فاختلطت أنسابهم وتداخلت شعوبهم ففي كلّ واحد من بيوتهم من الخلاف عند النّاس ما تعرف وإنّما جاءهم ذلك من قبل العجم ومخالطتهم وهم لا يعتبرون المحافظة على النّسب في بيوتهم وشعوبهم وإنّما هذا للعرب [٢] فقط. قال عمر رضى الله تعالى عنه «تعلّموا النّسب ولا تكونوا كنبط السّواد» إذا سئل أحدهم عن أصله قال من قرية كذا هذا أي ما لحق هؤلاء العرب أهل الأرياف من الازدحام مع النّاس على البلد الطّيّب والمراعي الخصيبة فكثر الاختلاط وتداخلت الأنساب وقد كان وقع في صدر الإسلام الانتماء إلى المواطن فيقال جند قنّسرين جند دمشق جند العواصم وانتقل ذلك إلى الأندلس ولم يكن لاطّراح العرب أمر النّسب وإنّما كان لاختصاصهم بالمواطن بعد الفتح حتّى عرفوا بها وصارت لهم علامة زائدة على النّسب يتميّزون بها عند أمرائهم ثمّ وقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم

стр. 161

وفسدت الأنساب بالجملة وفقدت ثمرتها من العصبيّة فاطرحت ثمّ تلاشت القبائل ودثرت فدثرت العصبيّة بدثورها وبقي ذلك في البدو كما كان والله وارث الأرض ومن عليها. الفصل العاشر في اختلاط الأنساب كيف يقع اعلم أنّه من البيّن أنّ بعضا من أهل الأنساب يسقط إلى أهل نسب آخر بقرابة إليهم أو حلف أو ولاء أو لفرار من قومه بجناية أصابها فيدّعي بنسب هؤلاء ويعدّ منهم في ثمراته من النّعرة والقود [١] وحمل الدّيات وسائر الأحوال وإذا وجدت ثمرات النّسب فكأنّه وجد لأنّه لا معنى لكونه من هؤلاء ومن هؤلاء إلّا جريان أحكامهم وأحوالهم عليه وكأنّه التحم بهم ثمّ إنّه قد يتناسى النّسب الأوّل بطول الزّمان ويذهب أهل العلم به فيخفى على الأكثر وما زالت الأنساب تسقط من شعب إلى شعب ويلتحم قوم بآخرين في الجاهليّة والإسلام والعرب والعجم. وانظر خلاف النّاس في نسب آل المنذر وغيرهم يتبيّن لك شيء من ذلك ومنه شأن بجيلة في عرفجة بن هرثمة لمّا ولّاه عمر عليهم فسألوه الإعفاء منه وقالوا هو فينا لزيق أي دخيل ولصيق وطلبوا أن يولّي عليهم جريرا فسأله عمر عن ذلك فقال عرفجة صدقوا يا أمير المؤمنين أنا رجل من الأزد أصبت دما في قومي ولحقت بهم وانظر منه كيف اختلط عرفجة ببجيلة ولبس جلدتهم ودعي بنسبهم حتّى ترشّح للرّئاسة عليهم لولا علم بعضهم بوشائجه ولو غفلوا عن ذلك وامتدّ الزّمن لتنوسي بالجملة وعدّ منهم بكلّ وجه ومذهب فافهمه واعتبر سرّ الله في خليقته ومثل هذا كثير لهذا العهد ولما قبله من العهود والله الموفّق للصّواب بمنّه وفضله وكرمه.

стр. 162

الفصل الحادي عشر [١] في أن الرئاسة لا تزال في نصابها المخصوص من أهل العصبية اعلم أنّ كلّ حيّ أو بطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العامّ ففيهم أيضا عصبيّات أخرى لأنساب خاصّة هي أشدّ التحاما من النّسب العامّ لهم مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو إخوة بني أب واحد لا مثل بني العمّ الأقربين أو الأبعدين فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص ويشاركون من سواهم من العصائب في النّسب العامّ والنّعرة تقع من أهل نسبهم المخصوص ومن أهل النّسب العامّ إلّا أنّها في النّسب الخاصّ أشدّ لقرب اللّحمة والرّئاسة فيهم إنّما تكون في نصاب واحد منهم ولا تكون في الكلّ ولمّا كانت الرّئاسة إنّما تكون بالغلب وجب أن تكون عصبيّة ذلك النّصاب أقوى من سائر العصائب ليقع الغلب بها وتتمّ الرّئاسة لأهلها فإذا وجب ذلك تعيّن أنّ الرّئاسة عليهم لا تزال في ذلك النّصاب المخصوص بأهل الغلب عليهم إذ لو خرجت عنهم وصارت في العصائب الأخرى النّازلة عن عصابتهم في الغلب لما تمّت لهم الرّئاسة فلا تزال في ذلك النّصاب متناقلة من فرع منهم إلى فرع ولا تنتقل إلّا إلى الأقوى من فروعه لما قلناه من سرّ الغلب لأنّ الاجتماع والعصبيّة بمثابة المزاج للمتكوّن والمزاج في المتكوّن لا يصلح إذا تكافأت العناصر فلا بدّ من غلبة أحدها وإلّا لم يتمّ التّكوين فهذا هو سرّ اشتراط الغلب في العصبيّة ومنه تعيّن استمرار الرّئاسة في النّصاب المخصوص بها كما قرّرناه.

стр. 163

الفصل الثاني عشر في ان الرئاسة على أهل العصبية لا تكون في غير نسبهم وذلك أنّ الرّئاسة لا تكون إلّا بالغلب والغلب إنّما يكون بالعصبيّة كما قدّمناه فلا بدّ في الرّئاسة على القوم أن تكون من عصبيّة غالبة لعصبياتهم واحدة واحدة لأنّ كلّ عصبيّة منهم إذا أحسّت بغلب عصبيّة الرّئيس لهم أقرّوا بالإذعان والاتّباع والسّاقط في نسبهم بالجملة لا تكون له عصبيّة فيهم بالنّسب إنّما هو ملصق لزيق وغاية التّعصّب له بالولاء والحلف وذلك لا يوجب له غلبا عليهم البتّة وإذا فرضنا أنّه قد التحم بهم واختلط وتنوسي عهده الأوّل من الالتصاق ولبس جلدتهم ودعي بنسبهم فكيف له الرّئاسة قبل هذا الالتحام أو لأحد من سلفه والرّئاسة على القوم إنّما تكون متناقلة في منبت واحد تعيّن له الغلب بالعصبيّة فالأوّليّة الّتي كانت لهذا الملصق قد عرف فيها التصاقه من غير شكّ ومنعه ذلك الالتصاق من الرّئاسة حينئذ فكيف تنوقلت عنه وهو على حال الإلصاق والرّئاسة لا بدّ وأن تكون موروثة عن مستحقها لما قلناه من التّغلّب بالعصبيّة وقد يتشوّف كثير من الرّؤساء على القبائل والعصائب إلى أنساب يلهجون بها إمّا لخصوصيّة فضيلة كانت في أهل ذلك النّسب من شجاعة أو كرم أو ذكر كيف اتّفق فينزعون إلى ذلك النّسب ويتورّطون بالدّعوى في شعوبه ولا يعلمون ما يوقعون فيه أنفسهم من القدح في رئاستهم والطّعن في شرفهم وهذا كثير في النّاس لهذا العهد فمن ذلك ما يدّعيه زناتة جملة أنّهم من العرب ومنه ادّعاء أولاد ربّاب المعروفين بالحجازيّين من بني عامر أحد شعوب زغبة أنّهم من بني سليم ثمّ من الشّريد

стр. 164

منهم لحق جدّهم ببني عامر نجّارا يصنع الحرجان [١] واختلط بهم والتحم بنسبهم حتّى رأس عليهم ويسمّونه الحجازيّ. ومن ذلك ادّعاء بني عبد القويّ بن العبّاس بن توجين أنّهم من ولد العبّاس بن عبد المطّلب رغبة في هذا النّسب الشّريف وغلطا باسم العبّاس بن عطيّة أبي عبد القويّ ولم يعلم دخول أحد من العبّاسيّين إلى المغرب لأنّه كان منذ أوّل دولتهم على دعوة العلويّين أعدائهم من الأدارسة والعبيديّين فكيف يكون من سبط العبّاس أحد من شيعة العلويّين؟ وكذلك ما يدّعيه أبناء زيّان ملوك تلمسان من بني عبد الواحد أنّهم من ولد القاسم بن إدريس ذهابا إلى ما اشتهر في نسبهم أنّهم من ولد القاسم فيقولون بلسانهم الزّناتيّ أنت القاسم أي بنو القاسم ثمّ يدّعون أنّ القاسم هذا هو القاسم بن إدريس أو القاسم بن محمّد بن إدريس ولو كان ذلك صحيحا فغاية القاسم هذا أنّه فرّ من مكان سلطانه مستجيرا بهم فكيف تتمّ له الرّئاسة عليهم في باديتهم وإنّما هو غلط من قبل اسم القاسم فإنّه كثير الوجود في الأدارسة فتوهّموا أنّ قاسمهم من ذلك النّسب وهم غير محتاجين لذلك فإنّ منالهم للملك والعزّة إنّما كان بعصبيّتهم ولم يكن بادّعاء علويّة ولا عبّاسيّة ولا شيء من الأنساب وإنّما يحمل على هذا المتقرّبون إلى الملوك بمنازعهم ومذاهبهم ويشتهر حتّى يبعد عن الرّدّ ولقد بلغني عن يغمراسن بن زيّان مؤثّل سلطانهم أنّه لمّا قيل له ذلك أنكره وقال بلغته الزّناتيّة ما معناه أمّا الدّنيا والملك فنلناهما بسيوفنا لا بهذا النّسب وأمّا نفعهما في الآخرة فمردود إلى الله وأعرض عن التّقرّب إليهما بذلك. ومن هذا الباب ما يدّعيه بنو سعد شيوخ بني يزيد من زغبة أنّهم من ولد أبي بكر الصّدّيق ﵁ وبنو سلامة شيوخ بني يدللتن من توجين أنّهم من سليم والزّواودة شيوخ رياح أنّهم من أعقاب البرامكة وكذا بنو مهنّا أمراء طيِّئ بالمشرق يدّعون فيما بلغنا أنّهم من أعقابهم وأمثال ذلك كثير ورئاستهم في قومهم مانعة من ادّعاء هذه الأنساب كما ذكرناه بل تعيّن أن يكونوا من صريح ذلك

стр. 165

النّسب وأقوى عصبيّاته فاعتبره واجتنب المغالط فيه ولا تجعل من هذا الباب إلحاق مهديّ الموحّدين بنسب العلويّة فإنّ المهديّ لم يكن من منبت الرّئاسة في هرثمة قومه، وإنّما رأس عليهم بعد اشتهاره بالعلم والدّين ودخول قبائل المصامدة في دعوته وكان مع ذلك من أهل المنابت المتوسّطة فيهم والله عالم الغيب والشّهادة. الفصل الثالث عشر في أن البيت والشرف بالاصالة والحقيقة لأهل العصبية ويكون لغيرهم بالمجاز والشبه وذلك أنّ الشّرف والحسب إنّما هو بالخلال ومعنى البيت أن يعدّ الرّجل في آبائه أشرافا مذكورين يكون له بولادتهم إيّاه والانتساب إليهم تجلّة في أهل جلدته لما وقر في نفوسهم من تجلّة سلفه وشرفهم بخلالهم والنّاس في نشأتهم وتناسلهم معادن قال ﷺ «النّاس معادن خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» فمعنى الحسب راجع إلى الأنساب وقد بيّنا أنّ ثمرة الأنساب وفائدتها إنّما هي العصبيّة للنّعرة والتّناصر فحيث تكون العصبيّة مرهوبة والمنبت فيها زكيّ محميّ تكون فائدة النّسب أوضح وثمرتها أقوى وتعديد الأشراف من الآباء زائد في فائدتها فيكون الحسب والشّرف أصليّين في أهل العصبيّة لوجود ثمرة النّسب وتفاوت البيوت في هذا الشّرف بتفاوت العصبيّة لأنّه سرّها ولا يكون للمنفردين من أهل الأمصار بيت إلّا بالمجاز وإن توهّموه فزخرف من الدّعاوى وإذا اعتبرت الحسب في أهل الأمصار وجدت معناه أنّ الرّجل منهم يعدّ سلفا في خلال الخير ومخالطة أهله مع الرّكون إلى العافية ما استطاع وهذا مغاير لسرّ العصبيّة الّتي هي ثمرة النّسب وتعديد الآباء لكنّه يطلق عليه حسب وبيت

стр. 166

بالمجاز لعلاقة ما فيه من تعديد الآباء المتعاقبين على طريقة واحدة من الخير ومسالكه وليس حسبا بالحقيقة وعلى الإطلاق وإن ثبت أنّه حقيقة فيهما بالوضع اللّغويّ فيكون من المشكّك الّذي هو في بعض مواضعه أولى وقد يكون للبيت شرف أوّل بالعصبيّة والخلال ثمّ ينسلخون منه لذهابها بالحضارة كما تقدّم ويختلطون بالغمار ويبقى في نفوسهم وسواس ذلك الحسب يعدّون به أنفسهم من أشراف البيوتات أهل العصائب وليسوا منها في شيء لذهاب العصبيّة جملة وكثير من أهل الأمصار النّاشئين في بيوت العرب أو العجم لأوّل عهدهم موسوسون بذلك وأكثر ما رسخ الوسواس في ذلك لبني إسرائيل فإنّه كان لهم بيت من أعظم بيوت العالم بالمنبت أوّلا لما تعدّد في سلفهم من الأنبياء والرّسل من لدن إبراهيم ﵇ إلى موسى صاحب ملّتهم وشريعتهم ثمّ بالعصبيّة ثانيا وما أتاهم الله بها من الملك الّذي وعدهم به ثمّ انسلخوا من ذلك أجمع وضربت عليهم الذّلّة والمسكنة وكتب عليهم الجلاء في الأرض وانفردوا بالاستعباد للكفر آلافا من السّنين وما زال هذا الوسواس مصاحبا لهم فتجدهم يقولون هذا هارونيّ هذا من نسل يوشع هذا من عقب كالب هذا من سبط يهوذا مع ذهاب العصبيّة ورسوخ الذّلّ فيهم منذ أحقاب متطاولة وكثير من أهل الأمصار وغيرهم المنقطعين في أنسابهم عن العصبيّة يذهب إلى هذا الهذيان. وقد غلط أبو الوليد بن رشد في هذا لمّا ذكر الحسب في كتاب الخطابة من تلخيص كتاب المعلّم الأوّل [١] والحسب هو أن يكون من قوم قديم نزلهم بالمدينة ولم يتعرّض لما ذكرناه وليت شعري ما الّذي ينفعه قدم نزلهم بالمدينة إن لم تكن له عصابة يرهب بها جانبه وتحمل غيرهم على القبول منه فكأنّه أطلق الحسب على تعديد الآباء فقط مع أنّ الخطابة إنّما هي استمالة من تؤثّر استمالته وهم أهل الحلّ والعقد وأمّا من لا قدرة له البتّة فلا يلتفت إليه ولا يقدر على استمالة أحد ولا يستمال هو وأهل الأمصار من الحضر بهذه المثابة إلّا أنّ ابن رشد ربا في جبل وبلد ولم يمارسوا العصبيّة ولا أنسوا أحوالها فبقي في

стр. 167

أمر البيت والحسب على الأمر المشهور من تعديد الآباء على الإطلاق ولم يراجع فيه حقيقة العصبيّة وسرّها في الخليفة وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٢: ٢٨٢. الفصل الرابع عشر في أن البيت والشرف للموالي وأهل الاصطناع إنما هو بمواليهم لا بأنسابهم وذلك أنّا قدّمنا أنّ الشّرف بالأصالة والحقيقة إنّما هو لأهل العصبيّة فإذا اصطنع أهل العصبيّة قوما من غير نسبهم أو استرقّوا العبدان والموالي والتحموا به كما قلناه ضرب معهم أولئك الموالي والمصطنعون بنسبهم في تلك العصبيّة ولبسوا جلدتها كأنّها عصبتهم وحصل لهم من الانتظام في العصبيّة مساهمة في نسبها كما قال صلّى الله تعالى عليه وسلّم مولى القوم منهم وسواء كان مولى رقّ أو مولى اصطناع وحلف [١] وليس نسب ولادته بنافع له في تلك العصبيّة إذ هي مباينة لذلك النّسب وعصبيّة ذلك النّسب مفقودة لذهاب سرّها عند التحامه بهذا النّسب الآخر وفقدانه أهل عصبيّتها فيصير من هؤلاء ويندرج فيهم فإذا تعدّدت له الآباء في هذه العصبيّة كان له بينهم شرف وبيت على نسبته في ولائهم واصطناعهم لا يتجاوزه إلى شرفهم بل يكون أدون منهم على كلّ حال وهذا شأن الموالي في الدّول والخدمة كلّهم فإنّهم إنّما يشرفون بالرّسوخ في ولاء الدّولة وخدمتها وتعدّد الآباء في ولايتها ألا ترى إلى موالي الأتراك في دولة بني العبّاس وإلى بني برمك من قبلهم وبني نوبخت كيف أدركوا البيت والشّرف وبنوا المجد والأصالة بالرّسوخ في ولاء الدّولة فكان جعفر بن يحيى بن خالد من أعظم النّاس بيتا وشرفا بالانتساب إلى ولاء الرّشيد وقومه لا بالانتساب في الفرس وكذا موالي كلّ

стр. 168

دولة وخدمها إنّما يكون لهم البيت والحسب بالرّسوخ في ولائها والأصالة في اصطناعها ويضمحلّ نسبه الأقدم من غير نسبها ويبقى ملغى لا عبرة به في أصالته ومجده وإنّما المعتبر نسبة ولائه واصطناعه إذ فيه سرّ العصبيّة الّتي بها البيت والشّرف فكان شرفه مشتقا من شرف مواليه وبناؤه من بنائهم فلم ينفعه نسب ولادته وإنّما بنى مجده نسب الولاء في الدّولة ولحمة الاصطناع فيها والتّربية وقد يكون نسبه الأوّل في لحمة عصبيّته ودولته فإذا ذهبت وصار ولاؤه واصطناعه في أخرى لم تنفعه الأولى لذهاب عصبيّتها وانتفع بالثّانية لوجودها وهذا حال بني برمك إذ المنقول أنّهم كانوا أهل بيت في الفرس من سدنة بيوت النّار عندهم ولمّا صاروا إلى ولاء بني العبّاس لم يكن بالأوّل اعتبار وإنّما كان شرفهم من حيث ولايتهم في الدّولة واصطناعهم وما سوى هذا فوهم توسوس به النّفوس الجامحة ولا حقيقة له والوجود شاهد بما قلناه «وإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ ٤٩: ١٣» والله ورسوله أعلم. الفصل الخامس عشر في أن نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة اباء اعلم أنّ العالم العنصريّ بما فيه كائن فاسد لا من ذواته ولا من أحواله والمكوّنات من المعدن والنّبات وجميع الحيوانات الإنسان وغيره كائنة فاسدة بالمعاينة وكذلك ما يعرض لها من الأحوال وخصوصا الإنسانيّة فالعلوم تنشأ ثمّ تدرس وكذا الصّنائع وأمثالها والحسب من العوارض الّتي تعرض للآدميّين فهو كائن فاسد لا محالة وليس يوجد لأحد من أهل الخليقة شرف متصل في آبائه من لدن آدم إليه إلّا ما كان من ذلك للنّبيّ ﷺ كرامة به وحياطة على السّرّ فيه وأوّل كلّ شرف خارجيّة كما قيل، وهي الخروج عن الرّئاسة والشّرف إلى الضّعة

стр. 169

والابتذال وعدم الحسب ومعناه أنّ كلّ شرف وحسب فعدمه سابق عليه شأن كلّ محدث ثمّ إنّ نهايته في أربعة آباء وذلك أنّ باني المجد عالم بما عاناه في بنائه ومحافظ على الخلال الّتي هي أسباب كونه وبقائه وابنه من بعده مباشر لأبيه فقد سمع منه ذلك وأخذه عنه إلّا أنّه مقصّر في ذلك تقصير السّامع بالشّيء عن المعاني له ثمّ إذا جاء الثّالث كان حظّه الاقتفاء والتّقليد خاصّة فقصّر عن الثّاني تقصير المقلّد عن المجتهد ثمّ إذا جاء الرّابع قصّر عن طريقتهم جملة وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها وتوهّم أنّ ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولا تكلّف وإنّما هو أمر وجب لهم منذ أوّل النّشأة بمجرّد انتسابهم وليس بعصابة ولا بخلال لما يرى من التّجلّة بين النّاس ولا يعلم كيف كان حدوثها ولا سببها ويتوهّم أنّه النّسب فقط فيربأ بنفسه عن أهل عصبيّته ويرى الفضل له عليهم وثوقا بما ربّي فيه من استتباعهم وجهلا بما أوجب ذلك الاستتباع من الخلال الّتي منها التّواضع لهم والأخذ بمجامع قلوبهم فيحتقرهم بذلك فينغّصون عليه ويحتقرونه ويديلون منه سواه من أهل ذلك المنبت ومن فروعه في غير ذلك العقب للإذعان لعصبيّتهم كما قلناه بعد الوثوق بما يرضونه من خلاله فتنمو فروع هذا وتذوي فروع الأوّل وينهدم بناء بيته هذا في الملوك وهكذا في بيوت القبائل والأمراء وأهل العصبيّة أجمع ثمّ في بيوت أهل الأمصار إذا انحطّت بيوت نشأت بيوت أخرى من ذلك النّسب «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ ١٤: ١٩- ٢٠» [١] واشتراط الأربعة في الأحساب إنّما هو في الغالب وإلّا فقد يدّثر البيت من دون الأربعة ويتلاشى وينهدم وقد يتّصل أمرها إلى الخامس والسّادس إلّا أنّه في انحطاط وذهاب واعتبار الأربعة من قبل الأجيال الأربعة بان ومباشر له ومقلّد وهادم وهو أقلّ ما يمكن وقد اعتبرت الأربعة في نهاية الحسب في باب المدح والثّناء قال ﷺ «إنّما الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن

стр. 170

يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» إشارة إلى أنّه بلغ الغاية من المجد وفي التّوراة ما معناه إنّ الله ربّك طائق [١] غيور مطالب بذنوب الآباء للبنين على الثّوالث والرّوابع وهذا يدلّ على أنّ الأربعة الأعقاب غاية في الأنساب والحسب. وفي كتاب الأغاني في أخبار عزيف الغواني أنّ كسرى قال للنّعمان هل في العرب قبيلة تتشرّف على قبيلة قال نعم قال بأيّ شيء قال من كان له ثلاثة آباء متوالية رؤساء ثمّ اتّصل ذلك بكمال الرّابع فالبيت من قبيلته وطلب ذلك فلم يجده إلّا في آل حذيفة بن بدر الفزاريّ وهم بيت قيس وآل ذي الجدّين بيت شيبان وآل الأشعث بن قيس من كندة وآل حاجب بن زرارة وآل قيس بن عاصم المنقريّ من بني تميم فجمع هؤلاء الرّهط ومن تبعهم من عشائرهم وأقعد لهم الحكّام والعدول فقام حذيفة بن بدر ثمّ الأشعث بن قيس لقرابته من النّعمان ثمّ بسطام بن قيس بن شيبان ثمّ حاجب بن زرارة ثمّ قيس بن عاصم وخطبوا ونثروا فقال كسرى كلّهم سيّد يصلح لموضعه وكانت هذه البيوتات هي المذكورة في العرب بعد بني هاشم ومعهم بيت بني الذّبيان من بني الحرث بن كعب اليمنيّ وهذا كلّه يدلّ على أنّ الأربعة الآباء نهاية في الحسب والله أعلم. الفصل السادس عشر في أن الأمم الوحشية أقدر على التغلب ممن سواها اعلم أنّه لمّا كانت البداوة سببا في الشّجاعة كما قلناه في المقدّمة الثّالثة [٢] لا جرم كان هذا الجيل الوحشيّ أشدّ شجاعة من الجيل الآخر فهم أقدر على التّغلّب وانتزاع ما في أيدي سواهم من الأمم بل الجيل الواحد تختلف أحواله في ذلك

стр. 171

باختلاف الأعصار فكلّما نزلوا الأرياف وتفنّقوا [١] النّعيم وألفوا عوائد الخصب في المعاش والنّعيم، نقص من شجاعتهم بمقدار ما نقص من توحّشهم وبداوتهم واعتبر ذلك في الحيوانات العجم بدواجن الظّباء والبقر الوحشيّة والحمر إذا زال توحّشها بمخالطة الآدميّين وأخصب عيشها كيف يختلف حالها في الانتهاض [٢] والشّدّة حتّى في مشيتها وحسن أديمها وكذلك الآدميّ المتوحّش إذا أنس وألف وسببه أنّ تكوّن السّجايا والطّبائع إنّما هو عن المألوفات والعوائد وإذا كان الغلب للأمم إنّما يكون بالإقدام والبسالة فمن كان من هذه الأجيال أعرق في البداوة وأكثر توحّشا كان أقرب إلى التّغلّب على سواه إذا تقاربا في العدد وتكافئا في القوّة العصبيّة وانظر في ذلك شأن مضر مع من قبلهم من حمير وكهلان السّابقين إلى الملك والنّعيم ومع ربيعة المتوطّنين أرياف العراق ونعيمه لمّا بقي مضر في بداوتهم وتقدّمهم الآخرون إلى خصب العيش وغضارة [٣] النّعيم كيف أرهفت البداوة حدّهم في التّغلّب فغلبوهم على ما في أيديهم وانتزعوه منهم وهذا حال بني طيِّئ وبني عامر بن صعصعة وبني سليم بن منصور ومن بعدهم لمّا تأخّروا في باديتهم عن سائر قبائل مضر واليمن ولم يتلبّسوا بشيء من دنياهم كيف أمسكت حال البداوة عليهم قوّة عصبيّتهم ولم تخلفها مذاهب التّرف حتّى صاروا أغلب على الأمر منهم وكذا كلّ حيّ من العرب يلي نعيما وعيشا خصبا دون الحيّ الآخر فإنّ الحيّ المتبدّي [٤] يكون أغلب له وأقدر عليه إذا تكافئا في القوّة والعدد. سنة الله في خلقه.

стр. 172

الفصل السابع عشر في ان الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك وذلك لأنّا قدّمنا أنّ العصبيّة بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكلّ أمر يجتمع عليه وقدّمنا أنّ الآدميّين بالطّبيعة الإنسانيّة يحتاجون في كلّ اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض فلا بدّ أن يكون متغلبا عليهم بتلك العصبيّة وإلّا لم تتمّ قدرته على ذلك وهذا التّغلب هو الملك وهو أمر زائد على الرّئاسة لأن الرّئاسة إنّما هي سؤدد وصاحبها متبوع وليس له عليهم قهر في أحكامه وأمّا الملك فهو التّغلّب والحكم بالقهر وصاحب العصبيّة إذا بلغ إلى رتبة طلب ما فوقها فإذا بلغ رتبة السّؤدد والاتّباع ووجد السّبيل إلى التّغلّب والقهر لا يتركه لأنّه مطلوب للنّفس ولا يتمّ اقتدارها عليه إلّا بالعصبيّة الّتي يكون بها متبوعا فالتّغلّب الملكيّ غاية للعصبيّة كما رأيت ثمّ إنّ القبيل الواحد وإن كانت فيه بيوتات مفترقة وعصبيّات متعدّدة فلا بدّ من عصبيّة تكون أقوى من جميعها تغلبها وتستتبعها وتلتحم جميع العصبيّات فيها وتصير كأنّها عصبيّة واحدة كبرى وإلّا وقع الافتراق المفضي إلى الاختلاف والتّنازع «وَلَوْلا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ٢: ٢٥١» [١] ثمّ إذا حصل التّغلّب بتلك العصبيّة على قومها طلبت بطبعها التّغلّب على أهل عصبيّة أخرى بعيدة عنها فإن كافأتها أو مانعتها كانوا أقتالا وأنظارا ولكلّ واحدة منهما التّغلّب على حوزتها وقومها شأن القبائل والأمم المفترقة في العالم وإن غلبتها واستتبعتها التحمت بها أيضا وزادت قوّة في التّغلّب

стр. 173

إلى قوّتها وطلبت غاية من التّغلّب والتّحكّم أعلى من الغاية الأولى وأبعد وهكذا دائما حتّى تكافئ بقوّتها قوّة الدّولة في هرمها ولم يكن لها ممانع من أولياء الدّولة أهل العصبيّات استولت عليها وانتزعت الأمر من يدها وصار الملك أجمع لها وإن انتهت قوّتها ولم يقارن ذلك هرم الدّولة وإنّما قارن حاجتها إلى الاستظهار بأهل العصبيّات انتظمتها الدّولة في أوليائها تستظهر بها على ما يعنّ من مقاصدها وذلك ملك آخر دون الملك المستبدّ وهو كما وقع للتّرك في دولة بني العبّاس ولصنهاجة وزناتة مع كتامة ولبني حمدان مع ملوك الشّيعة من العلويّة والعبّاسيّة فقد ظهر أنّ الملك هو غاية العصبيّة وأنّها إذا بلغت إلى غايتها حصل للقبيلة الملك إمّا بالاستبداد أو بالمظاهرة على حسب ما يسعه الوقت المقارن لذلك وإن عاقها عن بلوغ الغاية عوائق كما نبيّنه وقفت في مقامها إلى أن يقضي الله بأمره. الفصل الثامن عشر في أن من عوائق الملك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم وسبب ذلك أنّ القبيل إذا غلبت بعصبيّتها بعض الغلب استولت على النّعمة بمقداره وشاركت أهل النّعم والخصب في نعمتهم وخصبهم وضربت معهم في ذلك بسهم وحصّة بمقدار غلبها واستظهار الدّولة بها فإن كانت الدّولة من القوّة بحيث لا يطمع أحد في انتزاع أمرها ولا مشاركتها فيه أذعن ذلك القبيل لولايتها والقنوع بما يسوّغون من نعمتها ويشركون [١] فيه من جبايتها ولم تسم آمالهم إلى شيء من منازع الملك ولا أسبابه إنّما همّتهم النّعيم والكسب وخصب العيش والسّكون في ظلّ الدّولة إلى الدّعة والرّاحة والأخذ بمذاهب الملك في المباني

стр. 174

والملابس والاستكثار من ذلك والتّأنّق فيه بمقدار ما حصل من الرّياش والتّرف وما يدعو إليه من توابع ذلك فتذهب خشونة البداوة وتضعف العصبيّة والبسالة ويتنعّمون فيما أتاهم الله من البسطة وتنشأ بنوهم وأعقابهم في مثل ذلك من التّرفّع عن خدمة أنفسهم وولاية حاجاتهم ويستنكفون عن سائر الأمور الضّروريّة في العصبيّة حتّى يصير ذلك خلقا لهم وسجيّة فتنقص عصبيّتهم وبسالتهم في الأجيال بعدهم يتعاقبها إلى أن تنقرض العصبيّة فيأذنون بالانقراض وعلى قدر ترفهم ونعمتهم يكون إشرافهم على الفناء فضلا عن الملك فإنّ عوارض التّرف والغرق في النّعيم كاسر من سورة العصبيّة الّتي بها التّغلّب وإذا انقرضت العصبيّة قصّر القبيل عن المدافعة والحماية فضلا عن المطالبة والتهمتهم الأمم سواهم فقد تبيّن أنّ التّرف من عوائق الملك وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ من يَشاءُ ٢: ٢٤٧. الفصل التاسع عشر في أن من عوائق الملك المذلة للقبيل والانقياد إلى سواهم وسبب ذلك أنّ المذلّة والانقياد كاسران لسورة العصبيّة وشدّتها فإنّ انقيادهم ومذلّتهم دليل على فقدانها فما رئموا للمذلّة حتّى عجزوا عن المدافعة فأولى أن يكون عاجزا عن المقاومة والمطالبة واعتبر ذلك في بني إسرائيل لمّا دعاهم موسى ﵇ إلى ملك الشّام وأخبرهم بأنّ الله قد كتب لهم ملكها كيف عجزوا عن ذلك وقالوا: «إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها ٥: ٢٢» [١] أي يخرجهم الله تعالى منها بضرب من قدرته غير عصبيّتنا وتكون من معجزاتك يا موسى ولمّا عزم عليهم لجّوا وارتكبوا العصيان وقالوا له: «فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ٥: ٢٤» [٢] وما ذلك إلّا لما أنسوا من أنفسهم من العجز عن المقاومة

стр. 175

والمطالبة كما تقتضيه الآية [١] وما يؤثّر في تفسيرها وذلك بما حصل فيهم من خلق الانقياد وما رئموا من الذّلّ للقبط أحقابا حتّى ذهبت العصبيّة منهم جملة مع أنّهم لم يؤمنوا حقّ الإيمان بما أخبرهم به موسى من أنّ الشّام لهم وأنّ العمالقة الّذين كانوا بأريحا فريستهم بحكم من الله قدّره لهم فأقصروا عن ذلك وعجزوا تعويلا على ما في أنفسهم من العجز عن المطالبة لما حصل لهم من خلق المذلّة وطعنوا فيما أخبرهم به نبيّهم من ذلك وما أمرهم به فعاقبهم الله بالتّيه وهو أنّهم تاهوا في قفر من الأرض ما بين الشّام ومصر أربعين سنة لم يأووا فيها العمران ولا نزلوا مصرا ولا خالطوا بشرا كما قصّه القرآن لغلظة العمالقة بالشّام والقبط بمصر عليهم لعجزهم عن مقاومتهم كما زعموه ويظهر من مساق الآية ومفهومها أنّ حكمة ذلك التّيه مقصودة وهي فناء الجيل الّذين خرجوا من قبضة الذّلّ والقهر والقوّة وتخلقوا به وأفسدوا من عصبيّتهم حتّى نشأ في ذلك التّيه جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام والقهر ولا يسأم بالمذلّة فنشأت بذلك عصبيّة أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتّغلّب ويظهر لك من ذلك أنّ الأربعين سنة أقلّ ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر سبحان الحكيم العليم وفي هذا أوضح دليل على شأن العصبيّة وأنّها هي الّتي تكون بها المدافعة والمقاومة والحماية والمطالبة وأنّ من فقدها عجز عن جميع ذلك كلّه ويلحق بهذا الفصل فيما يوجب المذلّة للقبيل شأن المغارم والضّرائب فإنّ القبيل الغارمين ما أعطوا اليد من ذلك حتّى رضوا بالمذلّة فيه لأنّ في المغارم والضّرائب ضيما ومذلّة لا تحتملها النّفوس الأبيّة إلّا إذا استهونته عن القتل والتّلف وأنّ عصبيّتهم حينئذ ضعيفة عن المدافعة والحماية ومن كانت عصبيّته لا تدفع عنه الضّيم فكيف له بالمقاومة والمطالبة وقد حصل له الانقياد للذّلّ والمذلّة عائقة كما قدّمناه. ومنه قوله ﷺ في شأن الحرث لمّا رأى سكّة المحراث في بعض دور الأنصار «ما دخلت هذه دار قوم إلّا دخلهم الذّلّ»

стр. 176

فهو دليل صريح على أنّ المغرم موجب للذّلّة [١] هذا إلى ما يصحب ذلّ المغارم من خلق المكر والخديعة بسبب ملكة القهر فإذا رأيت القبيل بالمغارم في ربقة من الذّلّ فلا تطمعنّ لها بملك آخر الدّهر ومن هنا يتبيّن لك غلط من يزعم أنّ زناتة بالمغرب كانوا شاوية يؤدّون المغارم لمن كان على عهدهم من الملوك وهو غلط فاحش كما رأيت إذ لو وقع ذلك لما استتبّ لهم ملك ولا تمّت لهم دولة وانظر فيما قاله شهربراز ملك الباب لعبد الرّحمن بن ربيعة لمّا أطلّ عليه وسأل شهربراز أمانه على أن يكون له فقال أنا اليوم منكم يدي في أيديكم وصعري [٢] معكم فمرحبا بكم وبارك الله لنا ولكم وجزيتنا إليكم النّصر لكم والقيام بما تحبّون ولا تذلّونا بالجزية فتوهنونا لعدوّكم فاعتبر هذا فيما قلناه فإنّه كاف. الفصل العشرون في أن من علامات الملك التنافس في الخلال الحميدة وبالعكس لمّا كان الملك طبيعيّا للإنسان لما فيه من طبيعة الاجتماع كما قلناه وكان الإنسان أقرب إلى خلال الخير من خلال الشّرّ بأصل فطرته وقوّته النّاطقة العاقلة لأنّ الشّرّ إنّما جاءه من قبل القوى الحيوانيّة الّتي فيه وأمّا من حيث هو إنسان فهو إلى الخير وخلاله أقرب والملك والسّياسة إنّما كانا له من حيث هو إنسان لأنّهما للإنسان خاصّة لا للحيوان فإذا خلال الخير فيه هي الّتي تناسب السّياسة والملك إذ الخير هو المناسب للسّياسة وقد ذكرنا أنّ المجد له أصل يبنى عليه وتتحقّق به حقيقته وهو العصبيّة والعشير وفرع يتمّم وجوده ويكمله وهو الخلال وإذا كان الملك غاية للعصبيّة فهو غاية لفروعها ومتمّماتها وهي الخلال لأنّ وجوده دون

стр. 177

متمّماته كوجود شخص مقطوع الأعضاء أو ظهوره عريانا بين النّاس وإذا كان وجود العصبيّة فقط من غير انتحال الخلال الحميدة نقصا في أهل البيوت والأحساب فما ظنّك بأهل الملك الّذي هو غاية لكلّ مجد ونهاية لكلّ حسب وأيضا فالسّياسة والملك هي كفالة للخلق وخلافة للَّه في العباد لتنفيذ أحكامه فيهم وأحكام الله في خلقه وعباده إنّما هي بالخير ومراعاة المصالح كما تشهد به الشّرائع وأحكام البشر إنّما هي من الجهل والشّيطان بخلاف قدرة الله سبحانه وقدره فإنّه فاعل للخير والشّرّ معا ومقدّرهما إذ لا فاعل سواه فمن حصلت له العصبيّة الكفيلة بالقدرة وأونست منه خلال الخير المناسبة لتنفيذ أحكام الله في خلقه فقد تهيّأ للخلافة في العباد وكفالة الخلق ووجدت فيه الصّلاحيّة لذلك. وهذا البرهان أوثق من الأوّل وأصحّ مبنى فقد تبيّن أنّ خلال الخير شاهدة بوجود الملك لمن وجدت له العصبيّة فإذا نظرنا في أهل العصبيّة ومن حصل لهم من الغلب على كثير من النّواحي والأمم فوجدناهم يتنافسون في الخير وخلاله من الكرم والعفو عن الزّلّات والاحتمال من غير القادر والقرى للضّيوف وحمل الكلّ [١] وكسب المعدم والصّبر على المكاره والوفاء بالعهد وبذل الأموال في صون الأعراض وتعظيم الشّريعة وإجلال العلماء الحاملين لها والوقوف عند ما يحدّدونه لهم من فعل أو ترك وحسن الظّنّ بهم واعتقاد أهل الدّين والتّبرّك بهم ورغبة الدّعاء منهم والحياء من الأكابر والمشايخ وتوقيرهم وإجلالهم والانقياد إلى الحقّ مع الدّاعي إليه وإنصاف المستضعفين من أنفسهم والتّبذّل [٢] في أحوالهم والانقياد للحقّ والتّواضع للمسكين واستماع شكوى المستغيثين والتّديّن بالشّرائع والعبادات والقيام عليها وعلى أسبابها والتجافي عن الغدر والمكر والخديعة ونقض العهد وأمثال ذلك علمنا أنّ هذه خلق السّياسة قد حصلت لديهم واستحقّوا بها أن يكونوا ساسة لمن تحت أيديهم أو على العموم وأنّه خير ساقه الله تعالى إليهم مناسب

стр. 178

لعصبيّتهم وغلبهم وليس ذلك سدى فيهم ولا وجد عبثا منهم والملك أنسب المراتب والخيرات لعصبيّتهم فعلمنا بذلك أنّ الله تأذّن لهم بالملك وساقه إليهم وبالعكس من ذلك إذا تأذّن الله بانقراض الملك من أمّة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرّذائل وسلوك طرقها فتفقد الفضائل السّياسيّة منهم جملة ولا تزال في انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم ويتبدّل به سواهم ليكون نعيا عليهم في سلب ما كان الله قد أتاهم من الملك وجعل في أيديهم من الخير «وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ١٧: ١٦» [١] واستقرئ ذلك وتتبّعه في الأمم السّابقة تجد كثيرا ممّا قلناه ورسمناه والله يخلق ما يشاء ويختار واعلم أنّ من خلال الكمال الّتي يتنافس فيها القبائل أولو العصبيّة وتكون شاهدة لهم بالملك إكرام العلماء والصّالحين والأشراف وأهل الأحساب وأصناف التّجار والغرباء وإنزال النّاس منازلهم وذلك أنّ إكرام القبائل وأهل العصبيات والعشائر لمن يناهضهم في الشّرف ويجاذ بهم حبل العشير والعصبيّة ويشاركهم في اتّساع الجاه أمر طبيعيّ يحمل عليه في الأكثر الرّغبة في الجاه أو المخافة من قوم المكرم أو التماس مثلها منه وأمّا أمثال هؤلاء ممّن ليس لهم عصبيّة تتّقى ولا جاه يرتجى فيندفع الشّكّ في شأن كرامتهم ويتمحّض القصد فيهم أنّه للمجد وانتحال الكمال في الخلال والإقبال على السّياسة بالكلّيّة لأنّ إكرام أقتاله [٢] وأمثاله ضروريّ في السّياسة الخاصّة بين قبيله ونظرائه وإكرام الطّارئين من أهل الفضائل والخصوصيّات كمال في السّياسة العامّة فالصّالحون للدّين والعلماء للجائي إليهم في إقامة مراسم الشّريعة والتّجّار للتّرغيب حتّى تعمّ المنفعة بما في أيديهم والغرباء من مكارم الأخلاق وإنزال النّاس منازلهم من الإنصاف وهو من العدل فيعلم بوجود ذلك من أهل عصبيّته انتماؤهم للسّياسة العامّة وهي الملك وأنّ الله قد تأذّن بوجودها فيهم لوجود علاماتها ولهذا كان أوّل ما يذهب

стр. 179

من القبيل أهل الملك إذا تأذّن الله تعالى بسلب ملكهم وسلطانهم إكرام هذا الصّنف من الخلق فإذا رأيته قد ذهب من أمّة من الأمم فاعلم أنّ الفضائل قد أخذت في الذّهاب عنهم وارتقب زوال الملك منهم «وَإِذا أَرادَ الله بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ ١٣: ١١» والله تعالى أعلم. الفصل الحادي والعشرون في أنه إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع وذلك لأنّهم أقدر على التّغلب والاستبداد كما قلناه واستعباد الطّوائف لقدرتهم على محاربة الأمم سواهم ولأنّهم يتنزّلون من الأهلين منزلة المفترس من الحيوانات العجم وهؤلاء مثل العرب [١] وزناتة ومن في معناهم من الأكراد والتّركمان وأهل اللّثام من صنهاجة وأيضا فهؤلاء المتوحّشون ليس لهم وطن يرتافون [٢] منه ولا بلد يجنحون إليه فنسبة الأقطار والمواطن إليهم على السّواء فلهذا لا يقتصرون على ملكة قطرهم وما جاورهم من البلاد ولا يقفون عند حدود أفقهم بل يظفرون إلى الأقاليم البعيدة ويتغلّبون على الأمم النّائية وانظر ما يحكى في ذلك عن عمر ﵁ لمّا بويع وقام يحرّض النّاس على العراق فقال: إنّ الحجاز ليس لكم بدار إلّا على النّجعة ولا يقوى عليه أهله إلّا بذلك أين القرّاء المهاجرون عن موعد الله سيروا في الأرض الّتي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها، فقال: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ٩: ٣٣» [٣] واعتبر ذلك أيضا بحال العرب السّالفة من قبل مثل التّبابعة وحمير كيف كانوا يخطون من اليمن إلى المغرب مرّة وإلى العراق والهند أخرى ولم يكن ذلك لغير

стр. 180

العرب من الأمم وكذا حال الملثّمين من المغرب لمّا نزعوا إلى الملك طفروا من الإقليم الأوّل ومجالاتهم منه في جوار السّودان إلى الإقليم الرّابع والخامس في ممالك الأندلس من غير واسطة وهذا شأن هذه الأمم الوحشيّة فلذلك تكون دولتهم أوسع نطاقا وأبعد من مراكزها نهاية «وَالله يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ٧٣: ٢٠» [١] وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ١٣: ١٦ لا شريك له. الفصل الثاني والعشرون في أن الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من أمة فلا بد من عوده إلى شعب آخر منها ما دامت لهم العصبية والسّبب في ذلك أنّ الملك إنّما حصل لهم بعد سورة الغلب والإذعان لهم من سائر الأمم سواهم فيتعيّن منهم المباشرون للأمر الحاملون سرير الملك ولا يكون ذلك لجميعهم لما هم عليه من الكثرة الّتي يضيق عنها نطاق المزاحمة والغيرة الّتي تجدع أنوف كثير من المتطاولين للرّتبة فإذا تعيّن أولئك القائمون بالدّولة انغمسوا في النّعيم وغرقوا في بحر التّرف والخصب واستعبدوا إخوانهم من ذلك الجيل وأنفقوهم في وجوه الدّولة ومذاهبها وبقي الّذين بعدوا عن الأمر وكبحوا عن المشاركة في ظلّ من عزّ الدّولة الّتي شاركوها بنسبهم وبمنجاة من الهرم لبعدهم عن التّرف وأسبابه فإذا استولت على الأوّلين الأيّام وأباد غضراءهم الهرم فطبختهم الدّولة وأكل الدّهر عليهم وشرب بما أرهف النّعيم من حدّهم واستقت غريزة التّرف من مائهم وبلغوا غايتهم من طبيعة التّمدّن الإنسانيّ والتّغلّب السّياسيّ (شعر) : كدود القزّ ينسج ثمّ يفنى ... بمركز نسجه في الانعكاس
следующие страницы →