← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وأراد أصحابه ولاية محمد بن حرداد [١] بشهرزور فامتنع، وبايعوا أيوب بن حيّان المعروف بالغلام فقتل، فبايعوا هارون بن عبد الله البجلي وكثر أتباعه واستولى على بلد الموصل، وخرج عليه من أصحابه محمد بن حرداد، وكان كثير العبادة والزهد يجلس على الأرض ويلبس الصوف الغليظ ويركب البقر لئلا يفرّ في الحرب، فنزل واسط وجاء وجوه أهل الموصل، فسار إليهم وهارون غائب في الأحشاد، فبادر إليه واقتتلا، وانهزم هارون وقتل من أصحابه نحو مائتين، وقصد بني ثعلب [٢] مستنجدا بهم فأنجدوه وسار معه حمدان بن حمدون ودخل معه الموصل، ودخل ابن حرداد، واستمال هارون أصحابه، ورجع إلى الحديثة، ولم يبق مع ابن حرداد إلا قليل من الأكراد فمالوا إلى هارون بالموصل، فخرج وأوقع بابن حرداد فقتله وأوقع بالأكراد الجلاليّة وكثر أتباعه، وغلب على القرى والرساتيق، وجعل على دجلة من يأخذ الزكاة من الأموال المصعّدة والمنحدرة، ووضع في الرساتيق من يقبض اعتبار الغلّات، واستقام أمره. ثم جاء بنو ساسان لقتاله سنة ست وسبعين واستنجد بحمدان بن حمدون فجاءه بنفسه، وسار إلى نهر الخازن وانهزمت طليعتهم، وانهزموا بانهزامها، وجاء بنو شيبان إلى فسا فانجفل أهلها وأقام هارون وأصحابه بالحديثة. أخبار رافع بن هرثمة من بعد الخجستاني لما قتل أحمد الخجستاني سنة ثمان وستين كما قدّمناه اجتمع أصحابه على رافع بن هرثمة من قوّاد محمد بن طاهر، وكان رافع هذا لما استولى يعقوب الصفّار على نيسابور، وزال بنو طاهر، صار رافع في جملته، وصحبه إلى سجستان. ثم أقصاه عن خدمته وعاد إلى منزله بنواحي جيّ حتى استخدمه الخجستانيّ وجعله صاحب جيشه. فلما قتل الخجستانيّ اجتمع الجيش عليه بهراة وأمّروه وسار إلى نيسابور فحاصر بها أبا طلحة بن شركب وقد كان وصل إليها من جرجان، فضيّق عليه المخنق ففارقها أبو طلحة إلى مرو، وولّى على هراة ابن المهدي وخطب لمحمد بن طاهر بمرو وهراة وزحف إليه عمرو بن الليث فهزمه وغلبه على ما بيده. واستخلف على

стр. 1857

مرو محمد بن سهل بن هاشم، وخرج أبو طلحة إلى مكمد [١] واستعان بإسماعيل بن أحمد السامانيّ، فأمدّه بعسكر وأخرج محمد بن سهل، وخطب بها لعمرو بن الليث سنة إحدى وسبعين. ثم قلّد الموفّق تلك السنة أعمال خراسان لمحمد ابن طاهر، وهو ببغداد، فاستخلف عليها رافع بن الليث وأقرّ على ما وراء النهر نصر بن أحمد. ووردت كتب الموفّق بعزل عمرو بن الليث ولعنه، فسار رافع إلى هراة وقد كان بها محمد بن المهدي خليفة أبي طلحة، فثار عليه يوسف بن معبد. فلما جاء رافع استأمن إليه فأمّنه واستعمل على هراة مهدي بن محسن. ثم سار رافع إلى أبي طلحة بمرو بعد أن استمدّ إسماعيل بن أحمد وأمدّه بنفسه في أربعة آلاف فارس، واستقدم عليّ بن محسن المروروذيّ فقدم عليه في عسكره، وساروا جميعا إلى أبي طلحة بمرو سنة اثنتين وسبعين، فهزموه وعاد إسماعيل إلى بخارى ولحق بأبي طلحة وبها مهدي، فاجتمع معه على مخالفة رافع فهزمهما رافع، ولحق أبو طلحة بعمرو بن الليث وقبض على مهدي سنة اثنتين وسبعين ثم خلّى سبيله وسار رافع إلى خوارزم فجبى أموالها ورجع إلى نيسابور. مغاضبة المعتمد للموفّق ومسيرة ابن طولون وما نشأ من الفتنة لأجل ذلك كان الموفّق حدثت بينه وبين ابن طولون وحشة وأراد عزله، وبعث موسى بن بغا في العساكر إليه سنة اثنتين وستين فأقام بالرقّة عشرة أشهر، واختلف عليه العسكر فرجع، وكان الموفق مستبدّا على أخيه المعتمد منذ قيامه بأمر دولته مع ما كان من الكفاية والغناء، إلّا أنه كان المعتمد يتأفّف من الحجر، وكتب إلى أحمد بن طولون في السرّ يشكو ذلك وأشار عليه باللحاق إليه بمصر لينصره، وبعث عسكرا إلى الرقّة في انتظاره، وكان الموفّق مشغولا بحرب الزنج، فسار المعتمد منتصف سنة تسع وستين في القوّاد مظهرا أنه يتصيّد، ثم سار إلى أعمال الموصل وعليها يومئذ وعلى سائر الجزيرة أصحاب كنداج [٢] وكتب صاعد بن مخلّد وزير الموفّق عن الموفّق إلى

стр. 1858

إسحاق بردّه عن طريقه، والقبض على من معه من القوّاد. فلمّا وصل المعتمد إلى عمله أظهر إسحاق طاعته، فارتحل في خدمته إلى أوّل عمل ابن طولون. ثم اجتمع بالمعتمد والقوّاد وفيهم نيزك وأحمد بن خاقان وغيرهم فعذلهم في المسير إلى ابن طولون والمقام تحت يده، وطال الكلام بينهم مليّا ثم دعاهم إلى خيمته للمناظرة في ذلك أدبا مع المعتمد، وقيّدهم وجاء إلى المعتمد فعذله في المسير عن دار خلافته ومغاضبة أخيه، وهو في دفاع عدوّه ومن يريد خراب ملكه، وحمل الجميع إلى سامرّا. وقطع ابن طولون الدعاء للموفق على منابره وأسقط اسمه من الطرز [١] وغضب الموفّق بسبب ذلك على أحمد بن طولون، وحمل المعتمد على أن يشار بلعنه على المنابر. وولّى إسحاق بن كنداج على أعماله وفوّض إليه من باب الشماسية إلى إفريقية، وكان لؤلؤ مولى ابن طولون عاملا على حمص وحلب وقنّسرين وديار مصر من الجزيرة. وكان منزله بالرقّة فانتقض عليه في هذه السنة، وسار إلى بالس فنهبها، وكتب إلى الموفّق فمرّ بقرقيسياء وبها ابن صفوان العقيليّ فحاربه وغلبه عليها وسلّمها إلى أحمد بن مالك بن طوق. ووصل إلى الموفّق في عسكر عظيم وهو يقاتل صاحب الزنج فأكرمه الموفّق وأحسن هو الغناء في تلك الحرب. ثم بعث ابن طولون في تلك السنة جيشه إلى مكة لإقامة الموسم، وعامل مكة هارون بن محمد ففارقها خوفا منهم، وبعث الموفّق جعفرا في عسكر فقوي بهم هارون ولقوا أصحاب ابن طولون فهزموهم وصادروا القائد على ألف دينار. وقرئ الكتاب في المسجد بلعن ابن طولون وانقلب أهل مصر إلى بلدهم آمنين. ولم يزل لؤلؤ في خدمة الموفّق إلى أن قبض عليه سنة ثلاث وسبعين وصادره على أربعمائة ألف وأدبر أمره ثمّ، ثم عاد إلى مصر آخر أيام هارون بن حماديه [٢] . وفاة ابن طولون ومسير ابن كنداج إلى الشام وفي سنة سبعين انتقض بازمان [٣] الخادم بطرسوس وقبض على نائبة، وسار إليه أحمد بن طولون في العساكر وحاصروه فامتنع عليه، فرجع إلى أنطاكية فمرض هنالك ومات لست وعشرين سنة من ولايته على مصر وولي بعده ابنه خمارويه،

стр. 1859

وانتقضت عليه دمشق فبعث إليها العساكر وعادت إلى طاعته. وكان يومئذ بالموصل والجزيرة إسحاق بن كنداج وعلى الأنبار والرحبة وطريق الفرات محمد بن أبي الساج، فكاتبا الموفّق في المسير إلى الشام واستمدّاه، فأذن لهما ووعدهما بالمدد، فسارا وملكا ما يجاورهما من بلاده، واستولى إسحاق على أنطاكية وحلب وحمص، وكاتبه نائب دمشق واجتمع الخلاف على خمارويه فسار إليه فهرب إلى شيزر وهي في طاعة خمارويه، ودمشق. وجاء أبو العبّاس بن الموفّق وهو المعتضد من بغداد بالعساكر فكبس شيزر وقتل من جند ابن طولون مقتله عظيمة، ولحق فلّهم بدمشق وأبو العبّاس في اتباعهم، فجلوا عنها، وملكها في شعبان سنة إحدى وسبعين. ورجعت عساكر خمارويه إلى الرّملة فأقاموا بها. وزحف إسحاق بن كنداج إلى الرقّة وعليها وعلى الثغور والعواصم ابن دعاص [١] من قبل خمارويه فقاتله وكان الظهور لإسحاق. ثم زحف أبو العبّاس المعتضد من دمشق إلى الرملة، وسار خمارويه من مصر واجتمع بعساكره في الرملة على ماء الطواحين، وكان المعتضد قد استفسد لابن كنداج وابن أبي الساج ونسبهما إلى الجبن في انتظارهما إياه في محاربة خمارويه. وعبّى المعتضد عساكره ولقي خمارويه وقد أكمن له، فانهزم خمارويه أولا وملك المعتضد خيامه، وشغل أصحابه بالنهب فخرج عليهم الكمين فانهزم المعتضد إلى دمشق، فلم يفتح له أهلها، فراح إلى طرسوس وأقام العسكران يقتتلان دون أمير، وأقام أصحاب خمارويه عليهم أخاه سعدا مكانه، وذهبوا إلى الشام فملكوه أجمع، وأذهبوا منه دعوة الموفّق وابنه. وبلغ الخبر إلى خمارويه فسرّ وأطلق الأسرى الذين كانوا معه. ثم ثار أهل طرسوس بأبي العبّاس فأخرجوه، وسار إلى بغداد وولّوا عليهم مازيار، فاستبدّ بها ثم دعا لخمارويه بعد أن وصله بمال جليل يقال أنفذ إليه ثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب وخمسمائة مطرف وسلاحا كثيرا، فدعا له ثم بعث إليه بخمسين ألف دينار. وفاة صاحب طبرستان وولاية أخيه ثم توفي الحسن بن زيد العلويّ صاحب طبرستان في رجب سنة سبعين لعشرين سنة من ولايته وولّي مكانه أخوه وكان على قزوين أتكوتكين [٢] فسار إلى الريّ في أربعة

стр. 1860

آلاف فارس، وسار إليه محمد بن زيد في عالم كثير من الديلم والخراسانيّة، والتقوا فانهزم محمد بن زيد وقتل من عسكره نحو من ستة آلاف وأسر ألفان، وغنم أتكوتكين عسكرا وملك الريّ وأغرم أهلها مائة ألف دينار، وفرّق عمّاله عليها، وسار محمد بن زيد إلى جرجان، ثم عزل عمرو بن الليث عن خراسان وولّى عليها محمد بن طاهر، واستخلف محمد بن رافع بن هرثمة، وسار سنة خمس وسبعين إلى جرجان وهرب عنها ليلا إلى استرياد [١] فحاصره رافع فيها سنتين حتى أجهده الحصار، ففرّ عنها ليلا إلى سارية، فاتبعه فهرب عن طبرستان سنة سبع وسبعين، واستأمن رستم بن قارن إلى رافع بطبرستان فأمنه، وبعث إلى سالوس محمد بن هارون نائبا عنه وأتاه بها عليّ ابن كاني مستأمنا. ثم جاءه محمد وحاصرهما بسالوس، وانقطعت أخبارهما عن نافع. ثم جاءه الخبر بحصارهما فسار إليهما فارتحل محمد بن زيد إلى أرض الديلم، فدخل رافع خلفه وأثخن فيها نهبا وتخريبا إلى حدود قزوين، وعاد إلى الريّ إلى أن توفي المعتمد سنة تسع وتسعين. [٢] فتنة ابن كنداج وابن أبي الساج وابن طولون كان ابن أبي الساج في أعماله بقنّسرين والفرات والرحبة ينافس إسحاق وهو على الجزيرة، ويريد التقدّم عليه، فحدثت لذلك منهما فتنة. فخطب ابن أبي الساج لخمارويه بن طولون [٣] . وبعث ابنه ديواداد رهينة إليه، فبعث إليه خمارويه أموالا جمّة وسار إلى الشام، واجتمع بابن أبي الساج ببالس، ثم عبر ابن أبي الساج الفرات إلى الرقّة، وهزم إسحاق بن كنداج، واستولى على أعماله. وعبر خمارويه ونزل الرقّة ومضى إسحاق إلى قلعة ماردين وحاصره ابن أبي الساج بها، ثم أفرج عنها وسار إلى سنجار لقتال بعض الأعراب فسار ابن كنداج من ماردين إلى الموصل، فاعترضه ابن أبي الساج، وهزمه فعاد إلى ماردين، واستولى ابن أبي الساج على الجزيرة والموصل، وخطب فيهما لخمارويه ثم لنفسه بعد، وبعث غلامه فتحا إلى أعمال الموصل لجباية الخراج. وكان اليعقوبيّة من السّراة قريبا منه، فهادنهم، ثم

стр. 1861

غدر بهم فكسبهم، وجاءهم أصحابهم من غير شعور بالواقعة، فحملوا على أصحاب فتح فاستلحموهم. ثم انتقض ابن أبي الساج واستبيح عسكره. وكان له بحمص مخلف من أثقاله، فقدّم خمارويه طائفة من العسكر إليها، فاستولوا على ما فيها، ومنعوا ابن أبي الساج من دخولها، فسار إلى حلب، ثم إلى الرقة وخمارويه في اتباعه، فعبر الفرات إلى الموصل، وجاء خمارويه إلى بلد وأقام بها وسار ابن أبي الساج إلى الحديثة وكان إسحاق بن كنداج قد لحق بخمارويه من ماردين فبعث معه جيشا وجماعة من القوّاد، وسار في طلب ابن أبي الساج، وقد عبر دجلة فجمع ابن كنداج السفن ليوطئ جسرا للعبور. وبينما هو في ذلك أسرى ابن أبي الساج من تكريت إلى الموصل، فوصلها لرابعة وسار ابن كنداج في اتّباعه، فاقتتلوا بظاهر الموصل وابن أبي الساج في ألفين، فصبر واشتدّ القتال، وانهزم ابن كنداج وهو في عشرين ألفا. فخلص إلى الرقة ومحمد بن أبي الساج في اتباعه. وكتب إلى الموفّق يستأذنه في عبور الفرات إلى بلاد خمارويه بالشام، فأمره بالتوقّف إلى وصول المدد من عنده، ومضى ابن كنداج إلى خمارويه فجاء بجيوشه إلى الفرات، وتوافق مع ابن أبي الساج والفرات بينهما. ثم عبرت طائفة من عسكر ابن كنداج فأوقعوا بطائفة من عسكر ابن أبي الساج فانهزموا إلى الرقّة، فسار ابن أبي الساج عن الرقّة إلى بغداد سنة ست وسبعين في ربيع منها، فأكرمه الموفّق ووصله واستولى ابن كنداج على ديار ربيعة من أعمال الجزيرة، وأقام بها وولّى الموفق محمد بن أبي الساج على أذربيجان، فسار إليها فخرج إليه عبد الله بن الحسين الهمذاني عامل مراغة ليصدّه فهزمه ابن أبي الساج فحاصره وأخذ منه مراغة سنة ثمان وسبعين وقتله. واستقرّ ابن أبي الساج في عمله بأذربيجان. أخبار عمرو بن الليث كان عمرو بن الليث بعد مهلك أخيه يعقوب قد ولّاه الموفّق خراسان وأصبهان وسجستان والسند وكرمان والشرطة ببغداد كما كان أخوه، وقد ذكرنا ذلك قبل. وكان عامله على فارس ابن الليث فانتقض عليه سنة ثمان وستين فسار عمر ولحربه فهزمه واستباح عسكره ونهب إصطخر ثم ظفرت جيوشه بمحمّد وأسره وحبسه بكرمان، فأقام بها ثم بعث إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف وهو بأصبهان يطلبه

стр. 1862

بالمال. فبعث إليه بالأموال، وبعث عمرو إلى الموفق بثلاثمائة ألف دينار، وبخمسين منّا من المسك ومثلها من العنبر ومائتين من العود، وثلاثمائة ثوب من الوشي ومن آنية الذّهب والفضّة والدواب والغلمان قيمة مائة ألف دينار. واستأذنه في غزو محمد ابن عبيد الكرديّ في رامهرمز فأذن له، فبعث قائدا من جيشه إليه فأسره وجاء به إلى عمرو، ثم عزل المعتمد سنة إحدى وستين عمرو بن الليث عما كان قلّده من الأعمال، وأدخل إليه الحاج من أهلها عند منصرفهم من مكة، فأعلمهم بعزله، وأنه قد ولّى على خراسان محمد بن طاهر، وأمر بلعن عمرو على المنابر. وجهّز مخلّد ابن صاعد إلى فارس لحرب عمرو، واستخلف محمد بن طاهر على خراسان رافع بن هرثمة، وكتب المعتمد إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف يأمره بقتاله، وبعث إليه الجيوش فاقتتلوا مع عمرو، وكان في خمسة عشر ألف مقاتل، فانهزم عمرو وخرج قائده الديلميّ وقتل مائة من أعيانهم وأسر ثلاثة آلاف، فاستأمن منهم وغنموا من عسكره ما لا يحصى. ثم زحف الموفّق سنة أربع وسبعين إلى فارس لحرب عمرو فأنفذ عمرو ابنه محمدا إلى أرّجان في العساكر، وعلى مقدّمته أبو طلحة بن شركب وعبّاس بن إسحاق إلى سيراف، واستأمن أبو طلحة إلى الموفّق ففتّ ذلك في عضد عمرو، وعاد إلى كرمان واستراب الموفّق بأبي طلحة فقبض عليه قريبا من شيراز، وجعل ماله لابنه أبي العبّاس المعتضد، وسار في طلب عمرو، فخرج من كرمان إلى سجستان ومات ابنه محمد بالمفازة، ورجع عنه الموفّق وسار رافع بن الليث من خراسان وغلب محمد بن زيد على طبرستان كما قدّمناه، (وقدم عليه هنالك عليّ بن الليث هو وابناه المعدّل والليث بن حسن أخيه عليّ بكرمان ثم قتله رافع سنة ثمان وستين) [١] . مسير الموفق إلى أصبهان والجبل كان كاتب أتوتكين [٢] أنهى إلى المعتضد أن له مالا عظيما ببلاد الجبل فتوجّه لذلك فلم يجد شيئا ثم سار إلى الكرخ ثم إلى أصبهان يريد أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف

стр. 1863

فتنحّى أحمد عن البلد بعسكره، وترك داره بفرشها لنزل الموفّق عند قدومه، ثم رجع الموفّق إلى بغداد. قبض الموفق على ابنه أبي العبّاس المعتضد ثم وفاته وقيام ابنه أبي العباس بالأمر بعده كان الموفّق بعد رجوعه من أصبهان نزل واسط، ثم عاد إلى بغداد وترك المعتمد بالمدائن، وأمر ابنه أبا العبّاس وهو المعتضد بالمسير إلى بعض الوجوه فأبى، فأمر بحبسه، ووكّل به. وركب القوّاد من أصحابه واضطربت بغداد فركب الموفّق إلى الميدان وسكّن الناس، وقال: إني احتجت إلى تقويم ابني فقوّمته، فانصرف الناس وذلك سنة ست وسبعين. وكان عند منصرفه من الجبل قد اشتدّ به وجع النّقرس ولم يقدر على الركوب، فكان يحمل في المحفّة، ووصل إلى داره في صفر من سنة سبع، وطال مرضه وبعث كاتبه أبا الصقر ابن بلبل إلى الميدان، فجاء بالمعتمد وأولاده وأنزله بداره، ولم يأت دار الموفّق، فارتاب الأولياء لذلك، وعمد غلمان أبي العبّاس فكسروا الأقفال المغلقة عليه وأخرجوه وأقعدوه عند رأس أبيه وهو يجود بنفسه، فلما فتح عينه قرّبه وأدناه وجمع أبو الصقر عنده القواد والجند. ثم تسامع الناس أنّ الموفّق حيّ، فتسلّلوا عن أبي الصقر وأوّلهم محمد بن أبي الساج، فلم يسع أبا الصقر إلا الحضور بدار الموفّق، فحضر هو وابنه وأشاع أعداء أبي الصقر أنه هرب بمال الموفّق إلى المعتمد، فنهبوا داره، وأخرجت نساؤه حفاة عراة، ونهب ما يجاوره من الدور، وفتقت السجون، ثم خلع الموفق على ابنه أبي العبّاس وأبي الصقر، وركب إلى منزلهما وولّى أبو العبّاس غلامه بدار الشرطة. ثم مات لثمان بقين من صفر سنة ثمان وسبعين ودفن بالرصافة. واجتمع القوّاد فبايعوا ابنه أبا العبّاس المعتضد باللَّه، واجتمع عليه أصحاب أبيه، ثم قبض المعتضد على أبي الصقر ابن بلبل وأصحابه، وانتهبت منازلهم، وولّى عبد الله بن سليمان بن وهب الوزارة، وبعث محمد بن أبي الساج إلى واسط ليردّ غلامه وصيفا إلى بغداد فأبى وصيف وسار إلى السوس فأقام بها.

стр. 1864

ابتداء أمر القرامطة كان ابتداء أمرهم فيما زعموا أنّ رجلا ظهر بسواد الكوفة سنة ثمان وسبعين ومائتين يتّسم بالزهد، وكان يدعى قرمط يقال لركوبه على ثور كان صاحبه يدعى كرميطة فعرب وقيل بل اسمه حمدان ولقبه قرمط. يقال وزعم أنه داعية لأهل البيت للمنتظر منهم واتّبعه العبّاس فقبض عليه الهيصم عامل الكوفة وحبسه، ففرّ من حبسه وزعم أنّ الإغلاق لا يمنعه. ثم زعم أنه الّذي بشّر به أحمد بن محمد ابن الحنفية، وجاء بكتاب تناقله القرامطة فيه بعد البسملة: يقول الفرح بن عثمان من قرية نصرانه أنه داعية المسيح وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهديّ، وهو أحمد بن محمد بن الحنفيّة، وهو جبريل. وإنّ المسيح تصوّر له في جسم إنسان فقال له إنك الداعية وإنك الحجة وإنك الناقة وإنك الدابة وإنك يحيى بن زكريا وإنك روح القدس، وعرّفه أنّ الصلاة أربع ركعات قبل طلوع الشمس وركعتان قبل غروبها، وأنّ الأذان بالتكبير في افتتاحه وشهادة التوحيد مرّتين، ثم شهادة بالرسالة لآدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم عيسى ثم محمّد صلوات الله عليهم، ثم لأحمد بن محمد بن الحنفية ويقرأ الاستفتاح في كل ركعة وهو من المنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية، والقبلة بيت المقدس والجمعة يوم الإثنين، ولا يعمل فيه شيء. والسورة التي تقرأ فيها: الحمد للَّه بكلمته وتعالى باسمه المنجد لأوليائه، قل إنّ الأهلّة مواقيت للناس، ظاهرها ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها أوليائي الذين عرّفوا عبادي سبيلي، اتقوني يا أولى الألباب، وأنا الّذي لا أسأل عما أفعل وأنا العليم الحكيم، وأنا الّذي أبلو عبادي وأمتحن خلقي، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنّتي وفي نعمتي، ومن زال عن أمري وكذّب رسلي أخلدته مهانا في عذابي وأتممت أجلي وأظهرت على ألسنة رسلي. فأنا الّذي لم يعل جبار إلا وضعته وأذللته، فبئس الّذي أصرّ على أمره، ودام على جهالته. وقال: لن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين أولئك هم الكافرون. ثم يركع ويقول في ركوعه: مرتين سبحان ربي وربّ العزة وتعالى عما يصف الظالمون، وفي سجوده الله أعلى مرّتين، الله أعظم مرّة، والصوم مشروع يوم المهرجان، والنّيروز. والنبيذ حرام والخمر حلال، والغسل من الجنابة كالوضوء. ولا يؤكل ذو ناب ولا ذو مخالب، ومن خالفهم

стр. 1865

وحارب وجب قتله، وإن لم يحارب أخذت منه الجزية انتهى إلى غير ذلك من دعاوى شنيعة متعارضة يهدم بعضها بعضا، وتشهد عليهم بالكذب، وهذا الفرح ابن يحيى الّذي ذكر هذا أوّل الكتاب أنه داعية القرامطة يلقّب عندهم ذكرويه بن مهرويه. ويقال إنّ ظهور هذا الرجل كان قبل مقتل صاحب الزنج، وإنه سار إليه على الأمان، وقال له: إنّ ورائي مائة سيف، فتعال نتناظر فلعلّنا نتفق ونتعاون. ثم تناظرا فاختلفا وانصرف قرمط عنه، وكان يسمّي نفسه القائم بالحق. وزعم بعض الناس أنه كان يرى رأي الأزارقة من الخوارج. فتنة طرسوس قد تقدّم لنا انتقاض بازمان [١] بطرسوس على مولاه أحمد بن طولون، وأنه حاصره فامتنع عليه، وأنه راجع بعد طاعة ابنه خمارويه مما حمل إليه من الأموال والأمتعة والسلاح، فاستقام أمره بطرسوس مدّة، وغزا سنة ثمان وسبعين بالصائفة مع أحمد الجعفيّ [٢] وحاصروا اسكندا فأصيب بحجر منجنيق، فرجع وهلك في طريقه ودفن بطرسوس. وكان استخلف ابن عجيف فأقرّه خمارويه وأمدّه بالخيل والسلاح والمال، ثم عزله واستعمل عليها ابن عمه ابن محمد بن موسى بن طولون. ولما توفي الموفّق نزع خادم من خواصه اسمه راغب إلى الشكّ، وطلب المقام بالثغر للجهاد، فأذن له المعتضد، فسار إلى طرسوس وحطّ أثقاله بها وسار إلى لقاء خمارويه بدمشق فأكرمه واستجلب أنسه، فطال مقامه وألهم أصحابه بطرسوس أنه قبض عليه، فأوصلوا أهل البلد في ذلك، فوثبوا بأميرهم محمد بن موسى حتى يطلق لهم راغب، وبلغ الخبر إلى خمارويه فأطلقه فجاء إليهم ووبّخهم على فعلهم، فأطلقوا محمد بن موسى وسار عنهم إلى بيت المقدس فأعادوا ابن عجيف إلى ولايته. فتنة أهل الموصل مع الخوارج قد تقدّم لنا أنّ هارون بن سليمان كان على الشراة من الخوارج، وكان بنو شيبان يقاتلونهم ويغيرون على الموصل. فلما كانت سنة تسع وسبعين جاء بنو شيبان لذلك وأغاروا على نينوى وغيرها من الأعمال، فاجتمع هارون الشاربي في الخوارج وحمدان

стр. 1866

ابن حمدون الثعلبي على مدافعتهم. وكان مع بني شيبان هارون بن سيما مولى أحمد بن عيسى بن الشيخ الشيبانيّ، بعثه محمد بن إسحاق بن كنداجق واليا على الموصل عند ما مات أبوه إسحاق، وولّى مكانه على أعماله بالموصل وديار ربيعة فلم يرضه أهل الموصل وطردوه، فسار إلى بني شيبان مستنجدا بهم، فلما التقى الجمعان انهزم بنو شيبان أوّلا واشتغل أصحاب حمدان والخوارج بالنهب، فكرّ عليهم بنو شيبان وظفروا بهم. وكتب هارون بن سيما إلى محمد بن إسحاق بن كنداجق يستمدّه فسار بنفسه، وخشيه أهل الموصل فسار بعضهم إلى بغداد يطلبون عاملا يكفيهم أمر ابن كنداجق، ومرّوا في طريقهم بمحمد بن يحيى المجروح الموكّل بحفظ الطريق فألفوه وقد وصل إليه بولاية العهد الموصل، فبادر وملكها، وتواثق ابن كنداجق في مكانه، وبعث إلى خمارويه بالهدية، ويسأل إمارة الموصل كما كان من قبل، فلم يجبه إلى ذلك، ثم عزل المجروح وولّى بعده عليّ بن داود الكردي. الصوائف أيام المعتمد وصل الخبر في سنة سبع وخمسين بأنّ ملك الروم بالقسطنطينية ميخاييل بن روفيل وثب عليه قريبه مسك، ويعرف بالصقلي [١] فقتله لأربع وعشرين سنة من ملكه، وملك مكانه. وفي سنة تسع وخمسين خرجت عساكر الروم فنازلوا سميساط ثم نازلوا مليطة [٢] وقاتلهم أهلها فانهزموا، وقتل بطريق من بطارقتهم. وفي سنة ثلاث وستين استولى الروم على قلعة الصقالبة، وكانت ثغرا لطرسوس وتسمّى قلعة كركرة [٣] فردّ المعتمد ولاية ثغر طرسوس لابن طولون، وكان أحمد بن طولون قد خطب ولايتها من الموفّق يريد أن يجعلها ركابا لجهاده لخبرته بأحوالها. وكان يردّد الغزو من طرسوس إلى بلاد الروم قبل ولاية مصر، فلم يجبه الموفّق، وولّى عليها الموفّق محمد بن هارون الثعلبيّ، واعترضه الشراة أصحاب مساور وهو مسافر في دجلة فقتلوه، فولّى مكانه أماجور بن أولغ بن طرخان من الترك، فسار إليها وكان غرّا جاهلا، فأساء السيرة ومنع أقران أهل كركرة ميرتهم، وكتبوا إلى أهل طرسوس يشكون فجمعوا لهم خمسة عشر ألف دينار فأخذها أماجور لنفسه، وأبطأ على أهل القلعة شأنها. فنزلوا

стр. 1867

عنها وأعطوها الروم، وكثر أسف أهل طرسوس لذلك بما كانت ثغرهم وعينا لهم على العدوّ، وبلغ ذلك المعتمد، فكتب لأحمد بن طولون بولايتها وفوّض إليه أمر الثغور، فوليها واستعمل فيها من يحفظ الثغر ويقيم الجهاد، وقارن ذلك وفاة أماجور عامل دمشق، وملك ابن طولون الشام جميعها كما ذكرناه قبل. وفي سنة أربع وستين غزا بالصائفة عبد الله بن رشيد بن كاوس في أربعين ألفا من أهل الثغور الشامية، فأثخن فيهم وغنم ورجع، فلما رحل عن البدندون خرج عليه بطريق سلوقية، وقرّة كوكب وحرسيه [١] ، وأحاطوا بالمسلمين فاستمات المسلمون واستلحمهم الروم بالقتل، ونجا فلّهم إلى الثغر، وأسر عبد الله بن كاوس وحمل إلى القسطنطينية وفي سنة خمس وستين خرج خمسة من بطارقة الروم إلى أذنة فقتلوا وأسروا والي الثغور أوخرد [٢] فعزل عنها وأقام مرابطا، وبعث ملك الروم بعبد الله بن كاوس ومن معه من الأسرى إلى أحمد بن طولون، وأهدى إليه عدّة مصاحف. وفي سنة ست وستين لقي أسطول المسلمين أسطول الروم عند صقيلة [٣] فظفر الروم بهم، ولحق من سلم منهم بصقيلة، وفيها خرجت الروم على ديار ربيعة، واستنفر الناس ففرّوا ولم يطيقوا دخول الدرب لشدّة البرد فيها. وغزا عامل ابن طولون على الثغور الشامية في ثلاثمائة من أهل طرسوس واعترضهم أربعة آلاف من الروم من بلاد هرقل، فنال المسلمون منهم أعظم النيل. وفي سنة ثمان وستين خرج ملك الروم، وفيها غزا بالصائفة خلف الفرغانيّ عامل ابن طولون على الثغور الشامية فأثخن ورجع. وفي سنة سبعين زحف الروم في مائة ألف ونزلوا قلمية على ستة أميال من طرسوس، فخرج إليهم بازيار [٤] فهزمهم وقتل منهم سبعين ألفا وجماعة من البطارقة، وقتل مقدّمهم بطريق البطارقة، وغنم منهم سبع صلبان ذهبا وفضّة، وكان أعظمها مكلّلا بالجواهر. وغنم خمسة عشر ألف دابة، ومن السروج والسيوف مثل ذلك، وأربع كراسي من ذهب، ومائتين من فضّة وعشرين علما من الديباج وآنية كثيرة. وفي سنة ثلاث وسبعين غزا بالصائفة بازيار وتوغّل في أرض الروم وقتل وغنم وأسر وسبى وعاد إلى طرسوس. وفي سنة ثمان وسبعين دخل أحمد الجعفي [٥] طرسوس وغزا مع بازيار

стр. 1868

بالصائفة ونازلوا إسكندا [١] فأصيب بازيار عليها بحجر منجنيق فرجع ومات في طريقه ودفن بطرسوس. الولايات بالنواحي أيام المعتز كانت الفتنة قد ملأت نواحي الدولة من أطرافها وأوساطها واستولى بنو سامان على ما وراء النهر، والصفّار على سجستان وكرمان وملك فارس من يد عمّال الخليفة، وانتزع خراسان من بني طاهر وكلّهم مع ذلك يقيمون دعوة الخليفة. وغلب الحسن بن زيد على طبرستان وجرجان منازعا بالدعوة ومحاربا بالديلم لابن سامان والصفّار، وعساكر الخليفة بأصبهان، واستولى صاحب الزنج على البصرة والأبلّة إلى واسط وكور دجلة منازعا للدعوة ومشاققا، وأضرم تلك النواحي فتنة. ولم يزل الموفّق في محاربته حتى حسم علّته وقطع أثره واضطرمت بلاد الموصل والجزيرة فتنة بخوارج السراة [٢] وبالقرب من بني شيبان وتغلب بالأكراد، واستولى ابن طولون على مصر والشام مقيما لدعوة الخلافة العبّاسيّة، وابن الأغلب بإفريقية كذلك. وأمّا المغرب الأقصى والأندلس فاقتطعا عن المملكة العبّاسيّة منذ أزمان كما قلنا، ولم يكن للمعتمد مدّة خلافته كلّها حكم ولا أمر ونهي، إنما كان مغلبا لأخيه الموفّق وتحت استبداده، ولم يكن لهما جميعا كبير ولاية في النواحي باستيلاء من استولى عليها ممن ذكرناه إلّا بعض الأجناس، فلنذكر ما وصل إلينا من هذه الولايات أيام المعتمد، فلأوّل ولايته استوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان وبعث جعلان لحرب الزنج بالبصرة فكان أمره معهم كما مرّ. ثم ولّى عيسى بن الشيخ من بني شيبان على دمشق فاستأثر بها ومنع الخراج، وجاءه حسين الخادم من بغداد يطلب المال فاعتذر بأنه أنفقه على الجند، فكتب له المعتمد عهده في أرمينية ليقيم بها دعوته وقلّد أماجور دمشق وأعمالها فسار إليها، وأنفذ عيسى بن الشيخ ابنه منصورا لقتال أماجور في عشرين ألفا، فانهزموا وقتل منصور وسار عيسى إلى أرمينية على طريق الساحل ودخل أماجور دمشق. وفي سنة ست وخمسين سار موسى بن بغا لحرب مساور الخارجي فلقيه (ساحة جائعين) [٣] فنال الخوارج منهم. وفيها كان وثوب محمد بن واصل بن

стр. 1869

إبراهيم التميميّ على الحرث بن سيما عامل فارس، فقتله وغلب عليها كما مرّ. وفيها غلب الحسن بن زيد الطالبيّ على الريّ فسار إليها موسى بن بغا وغلب على عساكر الحسن، وظهر عليّ بن زيد بالكوفة وملكها، وبعث المعتمد لمحاربته كيجور التركيّ فخرج عنها إلى القادسية، ثم إلى ختان [١] ثم إلى بلاد بني أسد. وغزاه كيجور من الكوفة فأوقع به وعاد إلى الكوفة، ثم إلى سرّ من رأى. وفي سنة سبع وخمسين عقد المعتمد لأخيه الموفق على الكوفة والحرمين واليمن ثم على بغداد والسواد إلى البصرة والأهواز وأمره أن يعقد ليارجوج [٢] على البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين مكان سعيد الحاجب. وعقد يارجوج على ذلك لمنصور بن جعفر الخيّاط ونزل الأهواز ثم عقد المعتمد حرب الزنج بالبصرة لأحمد بن المولّد، فسار إليها وقاتل الزنج. وكان بالبطائح سعيد بن أحمد الباهليّ متغلّبا عليها فأخذه ابن المولّد وبعث به إلى سامرّا. وفيها تغلّب يعقوب الصفّار على فارس وبعض أعمال خراسان، وولّاه المعتمد ما غلب عليها [٣] وفيها غلب الحسن بن زيد على خراسان، وانتقضت على ابن طاهر أعمال خراسان، وفيها اقتطع المعتمد مصر وأعمالها ليارجوج التركي فولّى عليها أحمد بن طولون، ومات يارجوج لسنة بعدها فاستبدّ ابن طولون بها، وكان عبد العزيز بن أبي دلف على الريّ، فخرج عليها خوفا من جيوش ابن زيد صاحب طبرستان، فبعث الحسن من قرابته القاسم بن عليّ القاسم، فأساء فيها السيرة. وفي سنة ثمان وخمسين قتل منصور بن جعفر الخيّاط في حرب الزنج، وولي يارجوج على أعمال منصور، فولّى عليها أصطيخور، وهلك في حرب الزنج، وعقد المعتمد للموفّق على ديار مصر وقنّسرين والعواصم. وبعثه لحرب الزنج ومعه مفلح فهلك في تلك الحرب. وعقد المعتمد على الموصل والجزيرة لمسرور البلخيّ فكانت بينه وبين مساور الشيبانيّ حروب وكذلك بين الأكراد واليعقوبية، وأوقع بهم كما مرّ. وفيها رجع أحمد بن واصل إلى طاعة السلطان وسلّم فارس للحسن بن الفيّاض. وفي سنة تسع وخمسين كان مهلك أصطيخور بالأهواز، فأمر المعتمد موسى بن بغا بالمسير

стр. 1870

لحرب الزنج كما مرّ. وفيها ملك يعقوب الصفّار خراسان وقبض على محمد بن طاهر، وكان لمنكجور على الكوفة، فسار عنها إلى سامرّا بغير إذن، وأمر بالرجوع فأبى، فبعث المعتمد عدّة من القوّاد فلقوه بعكبر فقتلوه وحملوا رأسه. وفيها غلب الحسن بن زيد على قومس وملكها، وكانت وقعة بين محمد بن الفضل بن نيسان وبين دهشودان ابن حسّان الديليّ فهزمه محمد، وفيها غلب شركب الحمّال على مرو ونواحيها. وفي سنة ستين أقام يعقوب بن الصفّار الحسن بن زيد فهزمه وملك طبرستان كما مرّ. وأخرج أهل الموصل عاملهم أتكوتكين بن أساتكين، فبعث عليهم أساتكين إسحاق ابن أيّوب في عشرين ألفا ومعه حمدان بن حمدون الثعلبي فامتنع أهل الموصل منهم وولّوا عليهم يحيى بن سليمان، فاستولى عليها، وفيها قتلت الأعراب منجور وإلى حمص فولّى بكتر، وولّى على أذربيجان الرذيني عمر بن عليّ لما بلغه أنّ عاملها العلاء بن أحمد الأزدي فلج، فلما أتى الرذيني حاربه العلاء فانهزم وقتل، واستولى الرذيني على مخلّفه قريبا من ألفي ألف وسبعمائة ألف درهم. وفيها سار عليّ بن زيد القائد بالكوفة إلى صاحب الزنج فقتله. وفي سنة إحدى وستين عقد المعتمد لموسى بن بغا على الأهواز والبصرة والبحرين واليمامة، مضافا لما بيده. فولّاها موسى عبد الرحمن بن مفلح وبعثه لحرب ابن واصل، فهزمه ابن واصل وأسره كما مرّ، ورأى موسى بن بغا اضطراب تلك الناحية، فاستعفى منها ووليها أبو الساج، وملك الزنج الأهواز من يده، فصرف عن ولايتها ووليها إبراهيم بن سيما وولي محمد بن أوس البلخيّ طريق خراسان. ثم جاء الصفّار إلى فارس، فغلب عليها ابن واصل كما مرّ، فجهّز المعتمد أخاه الموفّق إلى البصرة بعد أن ولّاه المعتمد عهده بعد ابنه جعفر كما ذكرناه. وبعث الموفّق ابنه أبا العبّاس لحرب الزنج فتقدّما بين يديه، وفيها فارق محمد بن زيد ولاية يعقوب الصفّار، وسار ابن أبي الساج إلى الأهواز وطلب أن يوجّه الحسين بن طاهر بن عبد الله بن طاهر إلى خراسان، وفيها استبدّ نصر بن أحمد بن سامان بسمرقند وما وراء النهر، وولّى أخاه إسماعيل بخارى وفيها ولّى المعتمد على الموصل الخضر بن أحمد بن عمر بن الخطّاب، وفيها رجع الحسين بن زيد إلى طبرستان وأخرج منها أصحاب الصفّار، وأحرق سالوس لممالأة أهلها الصفّار وأقطع ضياعهم للديلم، وفيها نادى المعتمد في حاج خراسان والريّ وطبرستان وجرجان بالنكير على ما فعله الصفّار في خراسان وابن طاهر، وانه لم يكن عن أمره ولا ولّاه.

стр. 1871

وفيها قتل مساور الشاربي يحيى ابن جعفر من ولاة خراسان، فسار مسرور البلخيّ في طلبه والموفّق من ورائه. وفي سنة اثنتين وستين كانت الحرب بين الموفّق والصفّار، واستولى الزنج على البطيحة ودسيميسان [١] وولّى على الأهواز كما ذكرنا، وبعث مسرور البلخي أحمد بن ليتونة [٢] لحربهم كما مرّ. وفيها ثار أحمد بن عبد الله الخجستاني في خراسان بدعوة بني طاهر، وغلب عليها الصفّار إلى أن قتل كما مرّ ذكره. وفيها وقعت مغاضبة بين الموفّق وابن طولون فبعث إليه الموفق موسى بن بغا فأقام بالرقّة حولا، وعجز عن المسير لقلّة الأموال فرجع إلى العراق. وفيها انصرف عامل الموصل وهو القطّان صاحب مفلح فقتله الأعراب بالبريّة. وفي سنة ثلاث وستين استولى الصفّار على الأهواز، ومات مساور الشاربي [٣] وهو قاصد لقاء العساكر السلطانية بالتواريخ [٤] . فولّى الخوارج مكانه هارون بن عبد الله البلخيّ، فاستولى على الموصل. وفيها ظفر أصحاب الصفّار بابن واصل. وفيها هزم ابن أوس من طريق خراسان وعاد إلى الموصل. وفيها ظفر أصحاب الصفّار بابن واصل وأسروه، ومات عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المعتمد فاستوزر مكانه الحسن بن مخلّد، وكان موسى بن بغا غائبا في غزو العرب، فلما قدم خافه الحسين [٥] وتغيّب، فاستوزر مكانه سليمان بن وهب وفيها غلب أخو شركب الحمّال على نيسابور وخرج عنها الحسين بن طاهر إلى مرو وبها خوارزم شاه يدعو لأخيه محمد. وفيها ملك صاحب الزنج مدينة واسط وقاتله دونها محمد بن المولّد فهزمه ودخلها واستباحها. وفيها قبض المعتمد على وزيره سليمان بن وهب وولّى مكانه الحسن بن مخلّد، وجاء الموفّق مع عبد الله بن سليمان شفيعا فلم يشفعه، فتحوّل إلى الجانب الغربي مغاضبا واختلفت الرسل بينه وبين المعتمد، وكان مع الموفّق مسرور كيغلغ وأحمد بن موسى بن بغا. ثم أطلق سليمان ودعا إلى الجوسق وهرب محمد بن صالح ابن شيرزاده والقوّاد الذين كانوا بسامرّا مع المعتمد خوفا من الموفّق، فوصلوا إلى الموصل وكتب الموفّق لأحمد بن أبي الأصبغ في قبض أموالهم. وفيها مات أماجور

стр. 1872

عامل دمشق وملك ابن طولون الشام وطرسوس وقتل عاملها سيما. وفي سنة خمس وستين ولي مسرور البلخيّ على الأهواز، وهزم الزنج. وفيها مات يعقوب الصفّار وقام بأمره أخوه عمر، ولّاه الموفّق مكان أخيه بخراسان وأصبهان وسجستان والسّند وكرمان والشّرطة ببغداد. وفيها وثب القاسم بن مهان [١] بدلف ابن عبد العزيز بن أبي دلف بأصبهان، فوثب جماعة من أصحاب دلف بالقاسم فقتلوه. فولي أصبهان أحمد بن عبد العزيز أخو دلف، وفيها لحق محمد بن المولّد بيعقوب الصفّار وقبضت أمواله وعقاره ببغداد. وفيها حبس الموفّق سليمان بن وهب وابنه عبد الله وصادرهما على تسعمائة ألف دينار، وفيها ذهب موسى بن أتامشّ وإسحاق بن كنداجق والفضل بن موسى بن بغا مغاضبين، وبعث الموفّق في أثرهم صاعد بن مخلّد فردّهم من صرصر وفيها استوزر الموفّق أبا الصقر إسماعيل بن بلبل. وفي سنة ست وستين ملك الزنج رامهرمز وغلب أساتكين على الريّ وأخرج عنها عاملها فطلقت [٢] . ثم مضى إلى قزوين وبها أخوه كيغلغ فصالحه ملكها. وفيها ولّى عليّ بن الليث على الشرطة ببغداد عبيد الله بن عبد الله طاهر، وعلى أصبهان أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، وعلى الحرمين وطريق مكة محمد بن أبي الساج، وولّى الموفق على الجزيرة أحمد بن موسى بن بغا فولّى من قبله على ديار ربيعة موسى بن أتامش، فغضب لذلك إسحاق ابن كنداجق وفارق عسكر موسى، وسار إلى بلد، وأوقع بالأكراد اليعقوبيّة، ثم لقي ابن مساور الخارجيّ فقاتله وسار إلى الموصل، وطلب من أهلها المال، وخرج على ابن داود لقتاله مع إسحاق بن أيّوب وحمدان بن حمدون، وكانت بينهم حروب أخّرها المعتمد لإسحاق بن كنداجق على الموصل، وقد مرّ ذلك من قبل، وفيها قتل أهل حمص عاملها عيسى الكرخيّ. وفيها كانت بين لؤلؤ غلام ابن طولون وبين موسى بن أتامش وقعة برأس عين، وأسره لؤلؤ وبعث به إلى الرقّة، ثم لقيه أحمد بن موسى فاقتتلوا، وغلب أحمد أوّلا ثم كرّ لؤلؤ فغلبهم وانتهوا إلى قرقيسيا. ثم ساروا إلى بغداد وسامرّا. وفيها أوقع أحمد بن عبد العزيز ببكتم [٣] فانهزم ولحق ببغداد وأوقع الخجستاني بالحسن بن زيد بجرجان فلحق بآمد، وملك الخجستاني جرجان وأقطعه من طبرستان واستخلف على سارية الحسن ابن محمد بن جعفر بن عبد الله العقيقي بن

стр. 1873

حسين الأصفر بن زين العابدين، فلما انهزم الحسن بن زيد أظهر الحسن بن محمد أنه قتل، ودعا لنفسه وحاربه الحسن بن زيد فظفر به وقتله. وفيها ملك الخجستاني نيسابور من يد عامل ابن عمرو بن الليث، وفيها في صفر زحف الموفّق لقتال صاحب الزنج، فلم يزل يحاصره حتى اقتحم عليه مدينته وقتله منتصف سنة سبعين. وفيها كانت الحرب بالمدينة بين بني حسن وبني جعفر. وفي سنة سبع وستين كانت الفتنة بالموصل بين الخوارج. وفيها حبس السلطان محمد بن عبد الله بن طاهر وجماعة من بيته، اتهمه عمرو بن الليث بممالأة الخجستاني والحسين بن طاهر أخيه، فكتب إلى المعتمد وحبسه. وفيها كانت بين كيقلغ [١] التركي وأحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، وانهزم أحمد وملك كيقلغ همذان، فزحف إليه أحمد بن عبد العزيز فهزمه، وملك همذان. وسار كيقلغ إلى الصحيرة [٢] . وفيها أزال الخجستاني ذكر محمد بن طاهر من المنابر ودعا لنفسه بعد المعتمد، وضرب السكة باسمه، وجاء يريد العراق فانتهى إلى الريّ. ثم رجع وفيها أوقع أصحاب أبي الساج بالهيثم العجليّ صاحب الكوفة، وغنموا عسكره. وفيها أوقع أبو العباس بن الموفّق بالأعراب الذين كانوا يجلبون الميرة بالزنج من بين تميم وغيرهم. وفي سنة ثمان وستين كان مقتل الخجستاني و [٣] أصحابه بعده على رافع بن هرثمة من قوّاد بني طاهر وملك بلاد خراسان وخوارزم، وفيها انتقض محمد بن الليث بفارس على أخيه عمرو، فسار إليه وهزمه واستباح عسكره، وملك أصطيخور [٤] وشيراز وظفر به، فحبسه كما مرّ. وفيها كانت وقعة بين أتكوتكين [٥] بن أساتكين وبين أحمد بن عبد العزيز ابن أبي دلف فهزمه اتكوتكين وغلبه على قمّ. وفيها بعث عمرو بن الليث عسكرا إلى محمد بن عبد الله الكرديّ. وفيها انتقض لؤلؤ على مولاه أحمد بن طولون، وسار إلى الموفّق وقاتل معه الزنج. وفيها سار المعتمد إلى ابن طولون بمصر مغاضبا لأخيه الموفّق، وكتب الموفّق إلى إسحاق بن كنداجق بالموصل بردّه، فسار معه إلى آخر عمله، ثم

стр. 1874

قبض على القوّاد الذين معه، وردّه إلى سامرّا. وفيها وثب العامة ببغداد بأميرهم الخلنجيّ وكان كاتب عبيد الله بن طاهر، وقتل غلام له امرأة بسهم، فلم يعدهم عليه، فوثبوا به وقتلوا من أصحابه ونهبوا منزله وخرج هاربا، فركب محمد بن عبد الله واستردّ من العامة ما نهبوه. وفيها وثب بطرسوس خلق من أصحاب ابن طولون وعامله على الثغور الشامية، فاستنقذه أهل طرسوس من يده، وزحف إليهم ابن طولون فامتنعوا عليه، ورجع إلى حمص، ثم إلى دمشق، وفيها كانت وقعة بين العلويّين والجعفريّين بالحجاز، فقتل ثمانية من الجعفريين وخلّصوا عامل المدينة من أيديهم. وفيها عقد هارون بن الموفّق لأبي الساج على الأنبار والرحبة وطريق الفرات، وولّى محمد بن أحمد على الكوفة وسوادها ودافعه عنها محمد بن الهيثم فهزمه محمد ودخلها. وفيها مات عيسى بن الشيخ الشيبانيّ عامل أرمينية وديار بكر. وفيها عظمت الفتنة بين الموفّق وابن طولون، فحمل المعتمد على لعنه وعزله، وولّى إسحاق بن كنداجق على أعماله إلى إفريقية، وعلى شرطة الخاصّة. وقطع ابن طولون الخطبة للموفّق واسمه من الطرر [١] وفيها ملك ابن طولون الرحبة بعد مقاتلة أهلها، وهرب أحمد بن مالك بن طوق إلى الشام، ثم سار إلى ابن الشمّاخ بقرقيسياء. وفي سنة سبعين كان مقتل صاحب الزنج وانقراض دعوته، ووفاة الحسن بن زيد العلويّ صاحب طبرستان، وقيام أخيه محمّد بأمره، ووفاة أحمد بن طولون صاحب مصر وولاية ابنه خمارويه ومسير إسحاق بن كنداجق بابن دعامس عامل الرقّة والثغور والعواصم لابن طولون. وفي سنة إحدى وسبعين ثار بالمدينة محمد وعليّ ابنا الحسن بن جعفر بن موسى الكاظم وقتلا جماعة من أهلها، ونهبا أموال الناس، ومنعا الجمعة بمسجد رسول الله ﷺ شهرا. وفيها عزل المعتمد عمرو بن الليث من خراسان فقاتله أحمد بن عبد الله بن أبي دلف بأصبهان وهزمه. وفيها استعاد خمارويه الشام من يد أبي العبّاس بن الموفّق، وفرّ إلى طرسوس كما تقدّم. وفيها عقد المعتمد لأحمد بن محمد الطائي على المدينة وطريق مكة، وكان يوسف بن أبي الساج والي مكة. وجاء بدر غلام الطائي أميرا على الحاج فحاربه يوسف على باب المسجد الحرام وأسره، فسار الجند والحاج بيوسف وأطلقوا بدرا من يده وحملوا يوسف أميرا إلى بغداد. وفي منتصف سنة اثنتين وسبعين غلب أتكوتكين على الريّ من يد محمد بن

стр. 1875

زيد العلويّ. سار هو من قزوين في أربعة آلاف، ومحمد بن زيد من طبرستان في الديلم، وأهل خراسان، فانهزموا وقتل منهم ستة آلاف. وفيها ثار أهل طرسوس بأبي العبّاس بن الموفّق وأخرجوه إلى بغداد وولّوا عليهم بازيار [١] . وفيها توفي سليمان ابن وهب في حبس الموفق. وفيها دخل حمدان بن حمدون وهارون مدينة الموصل. وفيها قدم صاعد بن مخلّد الوزير من فارس، وقد كان بعثه الموفّق إليها لحرب [٢] فرجع إلى واسط وركب القوّاد لاستقباله فترجّلوا إليه وقبّلوا يده، ولم يكلّمهم. ثم قبض الموفّق على جميع أصحابه وأهله ونهب منازلهم، وكتب إلى بغداد بقبض ابنه أبي عيسى وصالح وأخيه عبدون، واستكتب مكانه أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، واقتصر به على الكتابة. وفيها جاء بنو شيبان إلى الموصل فعاثوا في نواحيها وأجمع هارون الشاربي وأصحابه على قصدهم، وكتب إلى أحمد بن حمدون الثعلبي فجاءه وساروا إلى الموصل وعبروا الجانب الشرقي من دجلة، ثم ساروا إلى نهر الحادر [٣] فلما تراءى الجمعان انهزم هارون وأصحابه وانجلى سوى [٤] عنها. وفي سنة ثلاث وسبعين وقعت الفتنة بين ابن كنداجق وبين ابن أبي الساج وسار ابن أبي الساج إلى ابن طولون واستولى على الجزيرة والموصل، وخطب له فيها. وقاتل الشراة كما ذكرنا. وفيها قبض الموفّق على لؤلؤ غلام ابن طولون وصادره على أربعمائة ألف دينار وبقي في إدبار إلى أن عاد إلى مصر أيام هارون بن خمارويه. وفي سنة أربع وسبعين سار الموفّق إلى فارس فاستولى عليها من يد عمرو بن الليث ورجع عمرو إلى كرمان وسجستان، وعاد الموفّق إلى بغداد. وفي سنة خمس وسبعين نقض ابن أبي الساج طاعة خمارويه وقاتله خمارويه فهزمه، وملك الشام من يده وسار إلى الموصل، وخمارويه في اتباعه إلى بغداد. ولحق ابن أبي الساج بالحديثة فأقام بها إلى أن رجع خمارويه. وكان إسحاق ابن كنداج قد جاء إلى خمارويه فبعث معه جيشا وقوّاد في طلب ابن أبي الساج. واشتغل بعمل السفن للعبور إليه فسار ابن أبي الساج عنها إلى الموصل، وأتبعه ابن

стр. 1876

كنداج وسار إلى الرقّة فاتبعه ابن أبي الساج، وكتب إلى الموفّق يستأذنه في اتباعه إلى الشام. وجاء ابن كنداج بالعساكر من عند خمارويه وأقام على حدود الشام ثم هزم ابن أبي الساج فسار إلى الموفّق وملك ابن كنداج ديار ربيعة وديار مضر، وقد تقدّم ذكر ذلك. وفيها خرج أحمد بن محمد الطائي من الكوفة لحرب فارس العبديّ وكان يخيف السابلة فهزمه العبديّ، وكان الطائي على الكوفة وسوادها وطريق خراسان وسامرّا وشرطة بغداد، وخراج بادر دباد قطربُّل [١] وفيها قبض الموفّق على ابنه أبي العبّاس وحبسه. وفيها ملك رافع بن هرثمة جرجان من يد محمد بن زيد وحاصره في أستراباذ نحوا من سنتين، ثم فارقها الجيش لحربه فسار عن سارية وعن طبرستان سنة سبع وسبعين. واستأمن رستم بن قارن إلى رافع وقدم عليه عليّ بن الليث من حبس أخيه بكرمان هو وابناه العدل والليث. رافع على سالوس محمد بن هارون وجاء إليه علي بن كاني مستأمنا فحصرهما محمد بن زيد، وسار إليه رافع ففرّ إلى أرض الديلم ورافع في اتباعه إلى حدود قزوين فسار فيها وأحرقها وعاد إلى الريّ. وفي سنة ست وسبعين رضي المعتمد عن عمرو بن الليث وولّاه وكتب اسمه على الأعلام، وولّى على الشرطة ببغداد من قبله عبيد الله ابن عبد الله بن طاهر. ثم انتقض فأزيل. وفيها كان مسير الموفّق إلى الجبل لأتكوتكين ومحاربة أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، وقد تقدّم ذلك. وفيها ولّى الموفّق ابن أبي الساج على أذربيجان فسار إليها ودافعه عبد الله ابن حسن الهمذاني صاحب مراغة فهزمه ابن أبي الساج، واستقرّ في عمله. وفيها زحف هارون الشاري من الحديثة إلى الموصل يريد حربها، ثم صانعه أهل الموصل ورحل عنهم. وفي سنة سبع وسبعين دعا مازيار بطرسوس لخمارويه بن أحمد بن طولون، وكان أنفذ إليه ثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب وخمسمائة مطرف وسلاحا كثيرا. وبعث إليه بعد الدعاء بخمسين ألف دينار. وفي سنة ثمان وسبعين كانت وفاة الموفّق وبيعة المعتضد بالعهد كما مرّ. وفيها كان ابتداء أمر القرامطة وقد تقدّم. وفي سنة تسع وسبعين خلع جعفر بن المعتمد وقدّم عليه المعتضد وكانت الحرب بين الخوارج وأهل الموصل، وبين بني شيبان وعلى بني شيبان هارون بن سيما من قبل محمد ابن إسحاق بن كنداج، ولّاه عليها فطرده أهلها، فزحف إليهم مع بني شيبان ودافع عن أهل الموصل هارون الشاري وحمدان بن حمدون فهزمهم بنو شيبان، وخاف أهل

стр. 1877

الموصل من ابن سيما وبعثوا إلى بغداد يطلبون واليا، فولّى المعتمد عليهم محمد بن يحيى المجروح الموكّل بحفظ الطريق، وكان ينزل الحديثة فأقام بها أياما ثم استبدل منه بعليّ بن داود الكردي. وفاة المعتمد وبيعة المعتضد توفى المعتمد على الله أبو العبّاس أحمد بن المتوكّل لعشر بقين من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين لثلاث وعشرين سنة من ولايته، ودفن بسامرّا، وهو أوّل من انتقل إلى بغداد وكان في خلافته مغلبا عاجزا وكان أخوه الموفّق مستبدّا عليه، ولم يكن له معه حكم في شيء. ولما مات الموفّق سنة ثمان وسبعين كما قدّمناه أقام مكانه ابنه أبا العبّاس أحمد المعتضد وحجر المعتمد كما كان أبوه يحجره، وولّاه عهده كما كان أبوه. ثم قدّمه في العهد على ابنه جعفر، ثم هلك فبايع الناس للمعتضد بالخلافة صبيحة موته، فولّى غلامه بدرا الشرطة وعبيد الله بن سليمان بن وهب الوزارة، ومحمد بن الشاري بن ملك الحرس. ووفد عليه لأوّل خلافته رسول عمرو بن الليث بالهدايا وسأل ولاية خراسان فعقد له عليها، وبعث إليه بالخلع واللواء، ولأوّل خلافته مات نصر بن أحمد الساماني ملك ما وراء النهر، وقام مكانه أخوه إسماعيل. مقتل رافع بن الليث [١] كان رافع بن الليث قد وضع يده على قرى السلطان بالريّ، وكتب إليه المعتضد برفع يده عنها، فكتب إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف بإخراجه عن الريّ فقاتله وأخرجه، وسار إلى جرجان ودخل نيسابور سنة ثلاث وثمانين، فوقعت بينه وبين عمرو حرب وانهزم رافع إلى أبيورد وخلص عمرو ابني أخيه من حبسه، وهما العدل والليث ابنا عليّ بن الليث، وقد تقدّم خبرهما. ثم سار رافع إلى هراة ورصده عمرو بسرخس فشعر به ورجع إلى نيسابور في مسالك صعبة، وطرق ضيّقة، واتبعه عمرو فحاصره في نيسابور. ثم تلاقيا وهرب عن رافع بعض قوّاده إلى عمرو فانهزم رافع، وبعث أخاه محمد بن هرثمة إلى محمد بن زيد يستمدّه كما شرط له فلم يفعل. وافترق عن رافع أصحابه وغلمانه، وفارقه محمد بن هارون إلى أحمد بن إسماعيل في

стр. 1878

بخارى، ولحق رافع بخوارزم في فلّ من العسكر ومعه بقية أمواله وآلته، ومرّ في طريقه بأبي سعيد الدرعاني ببلد فاستغفله وغدر به وحمل رأسه إلى عمرو بن الليث بنيسابور وذلك في شوّال سنة ثلاث وثمانين. خبر الخوارج بالموصل قد تقدّم لنا أنّ خوارج الموصل من الشراة استفدر عليهم بعد مساور هارون الشاري وذكرنا شيئا من أخبارهم. ثم خرج عليه سنة ثمانين محمد بن عبادة ويعرف بأبي جوزة من بني زهير من البقعاء، وكان فقيرا ومعاشه ومعاش بنيه في التقاط الكمأة وغيرها وأمثال ذلك، وكان يتديّن ويظهر الزهد، ثم جمع الجموع وحكم واستجمع إليه الأعراب من تلك النواحي، وقبض الزكوات والأعشار من تلك الأعمال، وبنى عند سنجار حصنا ووضع فيه أمتعته وما عونه، وأنزل به ابنه أبا هلال في مائة وخمسين، فجمع هارون الشاري أصحابه وبدأ بحصار الحصن فأحاط به ومحمد بن عبادة في داخله. وجدّ في حصاره حتى أشرف على فتحه وقيّد أبا هلال ابنه ونفرا معه وبعث بنو ثعلب وهم مع هارون إلى من كان بالحصن من بني زهير فأمّنوهم، وملك هارون الحصن. ثم ساروا إلى محمد فلقيهم وهزمهم أوّلا ثم كرّوا عليه مستميتين فهزموه، وقتلوا من أصحابه ألفا وأربعمائة، وقسّم هارون ماله ولحق محمد بآمد، فحاربه صاحبها أحمد بن عيسى بن الشيخ فظفر به وبعثه إلى المعتضد فسلخه حيّا. إيقاع المعتضد ببني شيبان واستيلاؤه على ماردين وفي سنة ثمانين سار المعتضد إلى بني شيبان بأرض الجزيرة ففرّوا أمامه، وأثار على طوائف من العرب عند السّند فاستباحهم، وسار إلى الموصل فجاءه بنو شيبان وأعطوه رهنهم على الطاعة، فغلبهم وعاد إلى بغداد. وبعث إلى أحمد بن عيسى بن الشيخ في أموال ابن كنداج التي أخذها بأحمد، فبعث بها وبهل أياما كثيرة معها [١] . ثم بلغه أنّ أحمد بن حمدون ممالئ لهارون الشاري، وداخل في دعوته، فسار المعتضد إليه سنة إحدى وثمانين واجتمع الأعراب من بني ثعلب وغيرهم للقائه، وقتل منهم

стр. 1879

وغرق في الزاب كثيرا، وسار إلى الموصل. ثم بلغه أنّ أحمد هرب عن ماردين وخلف بها ابنه، فسار المعتضد إليه ونازلة وقاتله يوما، ثم صعد من الغد إلى باب القلعة، وصاح بابن حمدان واستفتح الباب ففتح له دهشا وأمر بنقل ما في القلعة وهدمها، وبعث في طلب حمدان وأخذ أمواله. الولاية على الجبل وأصبهان عقد المعتضد سنة إحدى وثمانين لابنه عليّ وهو المكتفي على الريّ وقزوين وزنجان وأبهر وقمّ وهمذان والدينور فاستأمن إليه عامل الريّ لرافع بن الليث، وهو الحسن بن عليّ كورة فأمّنه وبعث به إلى أبيه. عود حمدان إلى الطاعة وفي سنة اثنتين وثمانين سار المعتضد إلى الموصل واستقدم إسحاق بن أيّوب وحمدان ابن حمدون، فبادر إسحاق بقلاعه وأودع حرمه وأمواله، فبعث إليه المعتضد العساكر مع وصيف ونصر القسوريّ [١] ، فمرّوا بذيل الزعفران من أرض الموصل وبه الحسن ابن علي كورة، ومعه الحسين بن حمدان. فاستأمن الحسين وبعثوا له إلى المعتضد فأمر بهدم القلعة. وسار وصيف في اتباع حمدان. فواقعه وهزمه وعبر إلى الجانب الغربي من دجلة وسار في ديار ربيعة، وعبرت إليه العساكر وحبسوه فأخذوا ماله، وهرب وضاقت عليه الأرض فقصد خيمة إسحاق بن أيّوب في عسكر المعتضد مستجيرا به فأحضره عند المعتضد فوكّل به وحبسه. هزيمة هارون الشاري ومهلكه كان المعتضد قد ترك بالموصل نصر القسرويّ لإعادته العمّال على الجباية، وخرج بعض العمّال لذلك فأغارت عليهم طائفة من أصحاب هارون الشاري وقتل بعضهم، فكثر عيث الخوارج. وكتب نصر القسروي إلى هارون يهدّده، فأجابه وأساء في الردّ وعرّض بذكر الخليفة فبعث نصر بالكتاب إلى المعتضد فأمره بالجدّ في طلب هارون، وكان على الموصل يكتم طاتشمر من مواليهم فقبض عليه وقيّده، وولّى على الموصل الحسن كورة، وأمر ولاة الأعمال بطاعته، فجمعهم وعسكر بالموصل،

стр. 1880

وخندق على عسكره إلى أن أوقع بالناس غلاتهم. ثم سار إلى الخوارج وعبر الزاب إليهم فقاتلهم قتالا شديدا فهزمهم وقتل منهم وافترقوا، وسار الكثير منهم إلى أذربيجان ودخل هارون البريّة واستأمن وجوه أصحابه إلى المعتضد فأمّنهم. ثم سار المعتضد سنة ثلاث وثمانين في طلب هارون فانتهى إلى تكريت، وبعث الحسين بن حمدون في عسكر نحو من ثلاثمائة فارس، واشترط إن جاء به إطلاق ابنه حمدان! وسار معه وصيف وانتهى إلى بعض مخايض دجلة فأرصد بها وصيفا وقال: لا تفارقوها حتى تروني! ومضى في طلبه فواقعه وهزمه، وقتل من أصحابه. وأقام وصيف ثلاثة أيام فأبطأ عليه الأمر فسار في اتباع ابن حمدان، وجاء هارون منهزما إلى تلك المخاضة فعبر، وابن حمدان في أثره إلى حيّ من أحياء العرب قد اجتاز بهم هارون، فدلّوا ابن حمدان عليه فلحقه وأسره وجاء به إلى المعتضد. فرجع المعتضد آخر ربيع الأوّل وخلع على الحسين وإخوته وطوقه، وأدخل هارون على الفيل وهو ينادي: لا حكم إلا للَّه ولو كره المشركون، وكان صغديّا [١] . ثم أمر المعتضد بحلّ القيود عن حمدان ابن حمدون والإحسان إليه وبإطلاقه. وفي سنة اثنتين وثمانين سار المعتضد من الموصل إلى الجبل فبلغ الكرخ فهرب عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف بين يديه فأخذ أمواله وبعث إليه في طلب جدّ كان عنده فوجهه إليه. ثم بعث المعتضد وزيره عبيد الله بن سليمان إلى ابنه بالريّ ليسير من هناك إلى عمر بن عبد العزيز بالأمان، فسار وأمّنه ورجع إلى الطاعة فخلع عليه وعلى أهل بيته، وكان أخوه بكر بن عبد العزيز قد استأمن قبل ذلك إلى عبيد الله بن سليمان وبدر فولّاه عمله، على أن يسير إلى حربه. فلما وصل عمر في الأمان قال لبكر: إنما ولّيناك وأخوك عاص فامضيا إلى أمير المؤمنين المعتضد وولى عيسى النوشريّ على أصبهان من قبل عمرو هرب بكر إلى الأهواز وسار عبيد الله بن سليمان الوزير إلى عليّ بن المعتضد بالريّ. ولما بلغ الخبر إلى المعتضد بعث وصيفا موسكين [٢] إلى بكر بن عبد العزيز بالأهواز فلحقه بحدود فارس، فمضى بكر إلى أصبهان ليلا ورجع وصيف إلى بغداد، وكتب المعتضد إلى بدر مولاه بطلب بكر بن عبد العزيز وحربه، فأمر بذلك عيسى النوشريّ فقام به ولقي بكرا بنواحي أصبهان فهزمه بكر، ثم عاد النوشريّ لقتاله سنة أربع وثمانين فهزمه بنواحي أصبهان

стр. 1881

واستباح عسكره ولجأ بكر إلى محمد بن زيد العلويّ بطبرستان وهلك بها سنة خمس وثمانين، وكان عمر لما مات أبوه قبض على أخيه الحرث ويكنّى أبا ليلى، وحبسه في قلعة ردّ، ووكل به شفيعا الخادم. فلما جاء المعتضد واستأمن عمر وهرب بكر وبقيت القلعة بيد شفيع بأموالها، رغب إليه الحرث في إطلاقه فلم يفعل، وكان شفيع يسامره كل ليلة وينصرف فحادثه ليلة ونادمه وقام شفيع لبعض حاجته فجعل الحرث في فراشه تمثالا وغطّاه وقال لجاريته: قولي لشفيع إذا عاد هو نائم، ومضى فاختفى في الدار وفكّ القيد عن رجله بمبرد أدخل إليه وبرد به مسماره. ولما أخبر شفيع بنومه مضى إلى مرقده وقصده أبو ليلى على فراشه فقتله، وأمر أهل الدار واجتمع عليه الناس فاستحلفهم ووعدهم، وجمع الأكراد وغيرهم وخرج من القلعة ناقضا للطاعة. فسار إلى عيسى النوشريّ وحاربه فأصاب أبا ليلى سهم فمات، وحمل رأسه إلى أصبهان ثم إلى بغداد. خبر ابن الشيخ بآمد وفي سنة خمس وثمانين توفي أحمد بن عيسى بن الشيخ وقام بأمره في آمد وأعمالها ابنه محمد فسار المعتضد إليه في العساكر ومعه ابنه أبو محمد علي المكتفي، ومرّ بالموصل وحاصر المعتمد إلى ربيع الآخر من سنة ست وثمانين ونصب عليها المجانيق حتى استأمن لنفسه ولأهل آمد، وخرج إلى المعتمد فخلع عليه وهدم سورها ثم بلغه أنه يروم الهرب فقبض عليه وعلى أهله. خبر ابن أبي الساج قد تقدّم لنا ولاية محمد بن أبي الساج على أذربيجان ومدافعة الحسين إياه عن مراغة، ثم فتحها واستيلاؤه على أعمال أذربيجان، وبعث المعتضد سنة اثنتين وثمانين أخاه يوسف بن أبي الساج إلى الصّيمرة مددا لفتح القلانسي [١] غلام الموفّق، فخرج يوسف فيمن أطاعه فولّاه المعتضد على أعماله، وبعث إليه بالخلع وأعطاه الرهن بما ضمن من الطاعة والمناصحة وبعث بالهدايا.

стр. 1882

ابتداء أمر القرامطة بالبحرين والشام كان في سنة احدى وثمانين قد جاء إلى القطيف بالبحرين رجل تسمّى بيحيى بن المهدي وزعم أنه رسول من المهدي، وأنه قد قرب خروجه، وقصد من أهل القطيف علي بن المعلّى بن حمدان الرباديني، وكان متغاليا في التشيع، فجمع الشيعة وأقرأهم كتاب المهدي ليشيع الخبر في سائر قرى البحرين، فأجابوا كلّهم وفيهم أبو سعيد الجنابي وكان من عظمائهم. ثم غاب عنهم يحيى بن المهدي مدّة ورجع بكتاب المهدي يشكرهم على إجابتهم وأمرهم أن يدفعوا ليحيى ستة دنانير وثلاثين عن كل رجل منهم ففعلوا. ثم غاب وجاء بكتاب آخر بأن يدفعوا إليه خمس أموالهم فدفعوا، وأقام يتردّد في قبائل قيس، ثم أظهر أبو سعيد الجنابي الدعوة بالبحرين سنة ست وثمانين واجتمع إليه القرامطة والأعراب، وقتل واستباح وسار إلى القطيف طالبا البصرة، وبلغت النفقة فيه أربعة عشر ألف دينار. ثم قرب أبو سعيد من نواحي البصرة، وبعث المعتضد إليهم المدد مع عبّاس بن عمر الغنويّ وعزله عن فارس وأقطعه اليمامة والبحرين، وضمّ إليه ألفين من المقاتلة، وسار إلى البصرة وأكثر من الحشد جندا ومتطوّعة. فسار ولقي أبا سعيد الجنابي، ورجع من كان معه بني ضبّة إلى البصرة. ثم كان اللقاء فهزمه الجنابي وأسره واحتوى على معسكره وحرق الأسرى بالنار وذلك في شعبان من هذه السنة. وسار إلى هجر فملكها وأمّن أهلها ورجع إلى أهل البصرة، وبعثوا إليهم بالرواحل عليها الطعام والماء، فاعترضهم بنو أسد وأخذوا الرواحل وقتلوا الفلّ، واضطربت البصرة وتشوف أهلها إلى الانتقال فمنعهم الواثقي. ثم أطلق الجنابي العبّاس الغنويّ فركب إلى الأبلّة وسار منها إلى بغداد، فخلع عليه المعتضد. وأمّا ظهورهم بالشام فان داعيتهم ذكرويه بن مهرويه الّذي جاء بكتاب المهدي إلى العراق لما رأى الجيوش متتابعة إلى القرامطة بالسواد، وأبادهم القتل، لحق بأعراب أسد وطيِّئ، فلم يجبه فبعث أولاده في كلب بن وبرة فلم يجبه منهم إلّا بنو القليظي بن ضمضم بن عديّ بن جناب، فبايعوا ذكرويه ويسمّى بيحيى ويكنّى بأبي القاسم، ولقّبوه الشيخ، وأنه من ولد إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق. وأنه يحيى بن عبد الله بن يحيى بن إسماعيل، وزعم أنّ له مائة ألف تابع، وانّ ناقته التي يركبها مأمورة فمن تبعها كان منصورا. فقصدهم شبل مولى

стр. 1883

المعتضد في العساكر من ناحية الرصافة فقتلوه. فسار إليهم شبل مولى أحمد بن محمد الطائي فأوقع بهم. وجاء ببعض رؤسائهم أسيرا فأحضره المعتضد وقال له هل تزعمون أنّ روح الله وأنبيائه تحل في أجسادكم فتعصمكم من الزلل، وتوفّقكم لصالح العمل؟ فقال له: يا هذا أرأيت إن حلّت روح إبليس فما ينفعك؟ فاترك ما لا يعنيك إلى ما يعنيك. قال له: فقل فيما يعنيني! فقال له: قبض رسول الله ﷺ وأبوكم العبّاس حيّ فلم يطلب الأمر ولا بايعه. ثم مات أبو بكر واستخلف عمر وهو يرى العبّاس ولم يعهد إليه عمر ولا جعله من أهل الشورى، وكانوا ستة وفيهم الأقرب والأبعد، وهذا إجماع منهم على دفع جدّك عنها. فبماذا تستحقون أنتم الخلافة؟ فأمر به المعتضد فعذب وخلعت عظامه، ثم قطع مرّتين ثم قتل. ولما أوقع شبل بالقرامطة بسواد الكوفة ساروا إلى الشام فانتهوا إلى دمشق وعليها طغج بن جفّ مولى أحمد بن طولون من قبل ابنه هارون، فخرج إليهم فقاتلهم مرارا، هزموه في كلها. هذه أخبار بدايتهم ونقبض العنان عنها إلى أن نذكر سياقتها عند ما نعدّد أخبارهم على شريطتنا في هذا الكتاب كما تقدّم. استيلاء ابن ماسان على خراسان من يد عمرو بن الليث وأسره ثم مقتله لما تغلب عمرو بن الليث الصفّار على خراسان من يد رافع بن الليث، وقتله وبعث برأسه إلى المعتضد، وطلب منه أن يولّيه ما وراء النهر مضافا إلى ولاية خراسان، كتب له بذلك فجهّز الجيوش لمحاربة إسماعيل بن أحمد صاحب ما وراء النهر، وجعل عليهم محمد بن بشير من أخصّ أصحابه. وبعث معه القوّاد فانتهوا إلى آمد من شطّ جيحون، وعبر إليهم إسماعيل فهزمهم وقتل محمد بن بشير في ستة آلاف، ولحق الفلّ بعمرو في نيسابور، فتجهّز وسار إلى بلخ، وكتب إليه إسماعيل يستعطفه ويقول: أنا في ثغر وأنت في دنيا عريضة فاتركني واستفد ألفتي فأبى. وصعب على أصحابه عبور النهر لشدّته فعبر إسماعيل وأخذ الطرق على بلخ وصار عمرو محصورا. واقتتلوا فانهزم عمرو وتسرّب من بعض المسالك عن أصحابه فوجد في أجمة وأخذ أسيرا، وبعث به إسماعيل إلى سمرقند ومن هناك إلى المعتضد سنة ثمان وثمانين، فحبسه إلى أن مات المعتضد سنة تسع بعدها فقتله ابنه المكتفي وعقد لإسماعيل على

стр. 1884

خراسان كما كانت لعمرو، وكان عمرو عظيم السياسة، وكان يستكثر من المماليك ويجرى علي الأرزاق ويفرّقهم على قوّاد ليطالعوه بأخبارهم. وكان شديد الهيبة، ولم يكن أحد يتجاسر أن يعاقب غلاما ولا خادما إلا أن يرفعه إلى حجّابه. استيلاء ابن سامان على طبرستان من يد العلويّ ومقتله ولما بلغ محمد بن زيد العلويّ صاحب طبرستان والديلم ما وقع بعمر وبن الليث وأنه أسر طمع هو في خراسان وظنّ أنّ ابن إسماعيل لا يتجاوز عمله، فسار إلى جرجان وبعث إليه إسماعيل بالكف فأبى، فجهّز لحربه محمد بن هارون، وكان من قوّاد رافع بن الليث. واستأمن إلى عمرو ثم إلى إسماعيل فنظّمه في قوّاده وندبه الآن لحرب محمد بن زيد، فسار لذلك. ولقيه على باب خراسان، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم محمد بن هارون أوّلا وافترقت عساكر محمد بن زيد على النهب ثم رجع هو وأصحابه، وانهزم محمد بن زيد وجرح جراحات فاحشة هلك منها لأيام، وأسر ابنه زيد، وبعث به إسماعيل إلى بخارى واجترأ عليه وغنم ابن هارون معسكرهم، ثم سار إلى طبرستان فملكها وصار خراسان وطبرستان لبني سامان، واتصلت لهم دولة نذكر سياقة أخبارها عند إفراد دولتهم بالذكر كما شرطناه في تأليفنا. ولاية علي بن المعتضد على الجزيرة والثغور ولما ملك المعتضد آمد من يد ابن الشيخ كما قدّمناه، سار إلى الرقّة وتسلّم قنّسرين والعواصم من يد عمّال هارون بن خمارويه لأنه كان كتب إليه أن يقاطعه على الشام ومصر ويسلّم إليه أعمال قنّسرين، ويحمل إليه أربعمائة ألف دينار وخمسين ألفا فأجابوه وسار من آمد إلى الرقّة فأنزل ابنه عليّا الّذي لقّبه بعد ذلك بالمكتفي وعقد له على الجزيرة وقنّسرين والعواصم سنة ست وثمانين. واستكتب له الحسن بن عمر النصراني واستقدم وهو بالرقّة راغبا مولى الموفّق من طرسوس، فقدم عليه وحبسه وحبس ملنون غلامه، واستصفى أموالهما، ومات راغب لأيام من حبسه وقد كان راغب استبدّ بطرسوس وترك الدعاء لهارون بن خمارويه، ودعا لبدر مولى المعتضد. ولما جاء أحمد بن طبان للغزّ سنة ثلاث وثمانين تنازع معه راغب، فركب أحمد البحر في

стр. 1885

رجوعه ولم يعرّج على طرسوس وترك بها دميانة غلام بازيار [١] وأمدّه فقوي وأنكر على راغب أفعاله بحمل دميانة إلى بغداد، واستبدّ راغب إلى استدعاء المعتضد ونكبه كما قلناه، وولّى ابن الأخشاء على طرسوس فمات لسنة. واستخلف أبا ثابت وخرج سنة سبع وثمانين غازيا فأسر وولّى الناس عليهم مكانه علي بن الأعرابيّ، ولحق بملطية في هذه السنة وصيف مولى محمد بن أبي الساج صاحب بردعة، وكتب إلى المعتمد يسأله ولاية الثغور وقد وطأ صاحبه أن يسير إليه إذا وليها فيقصدان ابن طولون ويملكان مصر من يده، وظهر المعتضد على ذلك فسار لاعتراضه، وقدّم العساكر بين يديه، فأخذوه بعين زربة وجاءوا به إلى المعتضد فحبسه، وأمّن عسكره ورحل إلى قرب طرسوس، واستدعى رؤساءها وقبض عليهم بمكاتبتهم وصيفا، وأمر بإحراق مراكب طرسوس بإشارة دميانة، واستعمل على أهل الثغور الحسن بن علي كورة وسار إلى أنطاكية وحلب ورجع منها إلى بغداد وقتل وصيفا وصلبه. واستقدم المكتفي بعد وفاة المعتضد الحسن بن عليّ، وولّى على الثغور مظفّر بن حاج. ثم شكا أهل الثغر منه فعزله وولّى أبا العشائر بن أحمد بن نصر سنة تسعين. حرب الأعراب وفي سنة ست وثمانين اعترضت طيِّئ ركب الحاج بالاجيعر، وقاتلوه ونهبوا أموال التجّار ما قيمته ألف ألف دينار، ثم اعترضوا الحاج كذلك سنة تسع وثمانين بالقرن فهزمهم الحاج وسلموا. تغلب ابن الليث على فارس وإخراج بدر إياه وفي فاتح ثمان وثمانين جاء طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث في العساكر إلى بلاد فارس، وأخرج منها عامل المعتضد وهو عيسى النوشريّ كان على أصبهان فولّاه المعتضد فارس، فسار إليها فجاءه طاهر وملكها. وكتب إليه إسماعيل صاحب ما وراء النهر بأن المعتضد ولّاه سجستان لذلك، وعقد المعتضد لبدر مولاه على فارس، وهرب عمّال طاهر عنها وملكها بدر وجبى خراجها. ثم مات المعتضد وسار مغرّبا عن فارس فقتل بواسط وقاطع طاهر بلاد فارس على مال يحمله، فقلّده المكتفي ولايتها سنة تسعين.

стр. 1886

الولايات في النواحي كان أكثر النواحي في دولة المعتضد مغلبا عليها كخراسان وما وراء النهر لابن سامان، والبحرين للقرامطة ومصر لابن طولون وإفريقية لابن الأغلب، وقد ذكرنا من ولي الموصل. وفي سنة خمس وثمانين ولّى المعتضد عليها وعلى الجزيرة والثغور الشامية [١] مولاه، ثم ملك آمد من يد ابن الشيخ وجعلها لابنه عليّ المكتفي وأنزله الرقّة كما ذكرناه وعقد له على الثغور. ثم عقد بعده للحسن بن عليّ كورة وولّى على فارس بدرا مولاه. ومات إسحاق بن أيّوب بن عمر بن الخطّاب الثعلبي العدويّ أمير ديار ربيعة، فولّى المعتضد مكانه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعمر. وفي سنة ثمان وثمانين ظهر باليمن بعض العلويّين وتغلّب على صنعاء، فجمع له بنو يعفر وقاتلوه فهزموه وأسروا ابنه، وتجافى نحو خمسين فارسا، وملك بنو يعفر صنعاء وخطبوا فيها للمعتضد، وهلك ابن أبي الساج في هذه السنة، فولّى أصحابه ابنه ديوداد. ونازعه عمّه يوسف بن رافع بابن أخيه وهزمه ومضى إلى بغداد على طريق الموصل، واستقل يوسف بملك أذربيجان، وعرض على ابن أخيه المقام عنده فأبى، وقلّد المعتضد لأول خلافته ديوان المشرق لمحمد بن داود بن الجرّاح، عوضا عن أحمد بن محمد بن الفرات، وديوان المغرب عليّ بن عيسى بن داود بن الجرّاح، ومات وزيره عبيد الله بن سليمان بن وهب فولى ابنه أبا القاسم مكانه. الصوائف وفي سنة خمس وثمانين غزا راغب مولى الموفّق من طرسوس في البحر، فغنم مراكب الروم، قتل فيها نحوا من ثلاثة آلاف وأحرقها. وخرج الروم سنة سبع وثمانين ونازلوا طرسوس فقاتلهم أميرها واتبعهم إلى نهر الرحال فأسروه. وفي سنة ثمان وثمانين بعث الحسن بن علي كورة صاحب الثغور بالصائفة، فغزا وفتح حصونا كثيرة وعاد بالأسرى، فخرج الروم في أثره برا وبحرا إلى كيسوم من نواحي حلب فأسروا نحوا من خمسة عشر ألفا ورجعوا.

стр. 1887

وفاة المعتضد وبيعة ابنه كان بدر مولى المعتضد عظيم دولته، وكان القاسم بن عبيد الله الوزير يروم نقل الخلافة في غير بني المعتضد، وفاوض في ذلك بدرا أيام المعتضد فأبى، ولم يمكن القاسم مخالفته. فلما مات المعتضد كان بدر بفارس بعثه إليها المعتضد لما بلغه أن طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث غلب عليها فبعث بدرا وولّاه. فلما مات عقد الوزير البيعة لابنه المكتفي وخشي من بدر فيما اطلع عليه منه، فأعمل الحيلة في أمره. وكان المكتفي أيضا يحقد لبدر كثيرا من منازعة معه أيام أبيه، فدسّ الوزير إلى القوّاد الذين مع بدر بمفارقته، ففارقه العبّاس بن عمر الغنويّ ومحمد بن إسحاق بن كنداج وخاقان العلجى [١] وغيرهم، فأحسن الملتقى إليهم وسار بدر إلى واسط، فوكّل المكتفي بداره وقبض على أصحابه وأمر بمحو اسمه من الفراش [٢] والأعلام وبعث الحسن بن علي كورة في جيش إلى واسط، وعرض على بدر ما شاء من النواحي، فقال: لا بدّ لي أن أشافه مولاي بالقول! فخوف الوزير المكتفي خائنته ومنعه من ذلك، وشعر أن بدرا بعث عن ابنه هلال فوكّل به. ثم بعث الوزير عن القاضي أبي عمر المالكيّ وحمّله الأمان إلى بدر، فجاء بأمانه وبعث الوزير من اعترضه بالطريق فقتله لست خلون من رمضان، وحمل أهله شلوه إلى مكّة فدفن بها لوصيته بذلك، وحزن القاضي أبو عمر لاخفار ذمّته. استيلاء محمد بن هارون على الري ثم أسره وقتله قد تقدّم لنا ذكر محمد بن هارون وأنه كان من قوّاد رافع بن هرثمة، ونظّمه إسماعيل بن أحمد صاحب ما وراء النهر في قوّاده وبعثه لحرب محمد بن زيد فهزمه واستولى على طبرستان، وولّاه إسماعيل عليها. ثم انتقض ودعا بدعوة العلويّة وبيّض [٣] وساعده ابن حسّان الديلميّ. وبعث إسماعيل العساكر لقتال ابن حسّان فهزموه. وكان على الري من قبل المكتفي أغرتمش التركيّ، فأساء السيرة فبعث أهل الريّ إلى محمّد بن هارون أن يسير إليهم ويولّوه، فسار وحارب أغرتمش فهزمه وقتله، وقتل ابنيه وأخاه

стр. 1888

كيغلغ من القوّاد واستولى على الريّ وبعث المكتفي مولاه خاقان المفلحيّ لولاية الريّ في جيش كثيف فلم يصلها، وبعث المكتفي إلى إسماعيل بولايته ومحاربة محمد بن هارون فسار إسماعيل إليه وهزمه، فخرج عن الريّ إلى قزوين وزنجان. ثم لحق بطبرستان واستقرّ مع ابنه مستجيزا، ولما ملك إسماعيل الريّ ولّى على جرجان مولاه نارس الكبير [١] ، والزمه إحضار محمد بن هارون فكاتبه نارس وضمن له صلاح الحال، فقبل وانصرف عن الديلم إلى بخارى، فبعث إسماعيل من اعترضه وحمل إلى بخارى مقيّدا فمات في الحبس بعد شهر وذلك في شعبان سنة تسعين. استيلاء المكتفي على مصر وانقراض دولة ابن طولون كان محمد بن سليمان من قوّاد بني طولون وكاتب جيشهم واستوحش منهم، فلحق بالمعتضد وصرفوه في الخدم، وكانت القرامطة عاثوا في بلاد الشام وحاصروا عامل بني طولون بدمشق وهو طغج بن جفّ، وقتلوا قوّاده. وسار المكتفي إليهم فنزل الرقّة وبعث محمد بن سليمان لحربهم ومعه الحسن بن حمدان والعساكر وبنو شيبان، فلقيهم قرب حماة فهزمهم واتبعهم إلى الكوفة، وقبض في طريقه على أميرهم صاحب الشامة فبعث به إلى المكتفي، فرجع إلى بغداد وخلّف محمد بن سليمان في العساكر فتبعهم وأسر جماعة منهم. وبينما هو يروم العود إلى بغداد جاءه كتاب بدر الحماميّ مولى هارون بن خمارويه ومحمد فائق صاحب دمشق يستقدمانه إلى البلاد لعجز هارون عنها، فأنهى ذلك محمد بن سليمان عند عوده إلى المكتفي فأعاده وأمدّه بالجنود والأموال، وبعث دميانة غلام بازيار في الأسطول ليدخل من فوهة النيل ويحاصر مصر، ولما وصل ودنا من مصر كاتب القوّاد، وخرج إليه رئيسهم بدر الحماميّ وتتابع منهم جماعة، وبرز هارون لقتاله فحاربه أياما. ثم وقعت بعض الأيام في عسكره هيعة ركب لها ليسكنها فأصابته حربة مات منها، واجتمع أصحابه على عمّه شيبان وبذل الأموال فقاتلوا معه. ثم جاءهم كتاب محمد بن سليمان بالأمان فأجابوه، وخالف شيبان إلى مصر فاستولى عليها واستأمن إليه شيبان سرّا فأمّنه ولحق به. ثم قبض على بني طولون وحبسهم واستصفى أموالهم وذلك في صفر سنة اثنتين وتسعين، وأمره المكتفي بإزالة آل طولون وأشياعهم من مصر والشام ففعل.

стр. 1889

وسار بهم إلى بغداد وولّى المكتفي على مصر عيسى النوشريّ وخرج عليه إبراهيم الخليجي من قوّاد بني طولون يخلف عن محمد بن سليمان، فخلّفه وكثر جمعه وسار النوشريّ إلى الإسكندرية عجزا عن مدافعته، واستولى الخليجي على مصر وبعث المكتفي بالجنود مع فاتك مولى المعتضد وأحمد بن كيغلغ وبدر الحمامي من قوّاد بني طولون، فوصلوا سنة ثلاث وتسعين، وتقدّم أحمد بن كيغلغ وجماعة من القوّاد، فلقيهم قرب العريش فهزمهم وقوي الأمر، وبلغ الخبر إلى المكتفي فعسكر ظاهر بغداد، وانتهى مدّه إلى تكريت فلقيه كتاب فاتك في شعبان يذكر أنهم هزموا الخليجي بعد حروب متّصلة، وغنموا عسكره. ثم هرب واختفى بفسطاط مصر وجاء من دلّ عليه فأمر المكتفي بحمله ومن معه إلى بغداد فبعثوا بهم وحبسوا. ابتداء دولة بني حمدان وفي سنة اثنتين وتسعين عقد المكتفي على الموصل وأعمالها لأبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون العدويّ الثعلبيّ فقدمها أوّل المحرّم وجاء الصريخ من نينوى بأن الأكراد الهدبانيّة ومقدّمهم محمد بن سلّال [١] قد أغاروا على البلاد وعانوا، فخرج في العساكر وعبر الجسر إلى الجانب الشرقيّ، ولقيهم على الحارد [٢] فقاتلهم وقتل من قوّاد سليمان الحمداني [٣] ورجع عنهم، وبعث إلى الخليفة يستمدّه، فأبطأ عليه المدد إلى ربيع من سنة أربع [٤] ، فلما جاءه المدد سار إلى الهدبانيّة وهم مجتمعون في خمسة آلاف بيت، فارتحلوا أمامه واعتصموا بجبل السّلق المشرف على الزاب، فحاصرهم وعرفوا حقّه فخذله أميرهم محمد بن سلال بالمراسلة في الطاعة والرهن، وحثّ أصحابه خلال ذلك في المسير إلى أذربيجان، واتّبعهم أبو الهيجاء فلحقهم صاعدا إلى جبل القنديل فنال منهم، وامتنعوا بذروته. ورجع أبو الهيجاء عنهم فلحقوا بأذربيجان، ووفد أبو الهيجاء على المكتفي فأنجده بالعسكر وعاد إلى الموصل. ثم سار إلى الأكراد بجبل السّلق فدخله وحاصرهم بقنّته، وطال حصارهم واشتدّ البرد وعدمت الأقوات، وطلب محمد بن سلال النجاة بأهله

стр. 1890

وولده، فنجا واستولى ابن حمدان على أموالهم وأهليهم وأمّنهم. ثم استأمن محمد بن سلال فأمّنه وحضر عنده وأقام بالموصل وتتابع الأكراد الحميديّة مستأمنين، واستقام أمر أبي الهيجاء بالموصل. ثم انتقض سنة إحدى وثلاثمائة فبعث إليه المقتدر مؤنسا الخادم فجاء بنفسه مستأمنا ورجع إلى بغداد، فقبله المقتدر وأكرمه. وبقي ببغداد إلى أن انتقض أخوه الحسين بديار ربيعة سنة ثلاث وثلاثمائة. وسارت العساكر فجاءوا به أسيرا. فحبس المقتدر عند ذلك أبا الهيجاء وأولاده، وجمع إخوته بداره ثم أطلقهم سنة خمس وثلاثمائة. أخبار ابن الليث بفارس قد تقدّم لنا استقلال طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث ببلاد فارس وأن المكتفي عقد له عليها سنة تسعين، ثم أنه تشاغل باللهو والصيد، وأعرض عن أمور ملكه. ومضى في بعض الأيام إلى سجستان فوثب على فارس الليث بن عليّ بن الليث، وسيكرى مولى عمرو بن الليث، فاستوحش منها بعض قوّادهما يعرف بأبي قابوس، وفارقهما إلى بغداد وأحسن المكتفي إليه. ثم كتب إليه طاهر في ردّ أبي قابوس إليه، ويحتسب له ما معه من أموال الجباية فأعرض الخليفة عن ذلك. الصوائف وفي سنة إحدى وتسعين خرج الروم إلى الثغور في مائة ألف، وقصد جماعة منهم الحدث. ثم غزا بالصائفة من طرسوس القائد المعروف غلام زرافة، ففتح مدينة أنطاكية وفتحها عنوة فقتل خمسة آلاف من مقاتلتهم وأسر مثلها. واستنقذ من أسرى المسلمين مثلها، وغنم ستين من مراكب الروم بما فيها من المال والمتاع والرقيق، فقسّمها مع غنائم أنطاكية، فكان السهم ألف دينار. وفي سنة اثنتين وتسعين أغار الروم على مرعش ونواحيها، فخرج أهل المصيصة وأهل طرسوس فأصيب منهم جماعة، فعزل المكتفي أبا العشائر عن الثغور وولّى رستم بن برد، فكان على يديه الفداء، وفودي ألف من المسلمين. ثم أغارت الروم سنة ثلاث وتسعين على موارس من أعمال حلب، وقاتلهم أهلها فانهزموا وقتل منهم خلق، ودخلها الروم فأحرقوا جامعها وأخذوا من بقي فيها. وفي سنة أربع وتسعين غزا ابن كيغلغ من طرسوس فأصاب من الروم أربعة آلاف سبيا، واستأمن بطريق من الروم فأسلم. ثم عاود ابن

стр. 1891

كيغلغ الغزو وبلغ سكند [١] وافتتحها، وسار إلى الليس فبلغ خمسين ألف رأس. وقتل من الروم خلقا ثم استأمن البطريق المتولي الثغور من جهة الروم إلى المكتفي، وخرج بمائتي أسير من المسلمين. وكان ملك الروم قد شعر بأمره وبعث من يقبض عليه، فقتل الأسرى المسلمون من جاء للقبض عليه وغنموا عسكرهم. واجتمع الروم على محاربة البطريق انذوقس [٢] وزحف المسلمون لخلاصه وخلاص من معه من الأسرى، فبلغوا قونية وخرّبوها وانصرف الروم، ومرّ المسلمون في طريقهم بحصن أندوس فخرج معهم بأهله وسار إلى بغداد. وفي سنة إحدى وتسعين خرج الترك إلى ما وراء النهر في خلق لا يحصون، فبعث إليهم إسماعيل عسكرا عظيما من الجند والمطوّعة فكبسوهم واستباحوهم. وفي سنة ثلاث وتسعين افتتح إسماعيل مدائن كثيرة من بلاد الترك والديلم. الولايات بالنواحي قد ذكرنا ولايات خاقان المفلحيّ على الريّ، ثم إسماعيل بن أحمد بن سامان بعده، وولاية عيسى النوشريّ على مصر بعد انتزاعها من بني طولون، وولاية أبي العشائر أحمد بن نصر على طرسوس وعزل مظفّر بن حاج عنها سنة تسعين، ثم عزل أبي العشائر وولاية رستم بن برد، وسنة اثنتين وتسعين. وانتزاع الليث بن عليّ بن الليث بلاد فارس من يد طاهر بن محمد سنة ثلاث وتسعين بعد أن كان المكتفي عقد له عليها سنة تسعين، وولاية أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان على الموصل سنة ثلاث وتسعين. وفي هذه السنة ثار داعية القرامطة باليمن إلى صنعاء فملكها واستباحها وتغلب على كثير من مدن اليمن وبعث المكتفي المظفّر بن الحاج في شوّال من هذه السنة إلى عمله باليمن فأقام به وفي سنة إحدى وتسعين توفي الوزير أبو القاسم بن عبيد الله واستوزر مكانه العبّاس بن الحسن. وفاة المكتفي وبيعة المقتدر ثم توفي المكتفي باللَّه أبو محمد علي بن المعتضد في شهر جمادى سنة خمس وتسعين لست سنين ونصف من ولايته، ودفن بدار محمد بن طاهر من بغداد بعد أن عهد

стр. 1892

بالأمر إلى أخيه جعفر. وكان الوزير العبّاس بن الحسن قد استشار أصحابه فيمن يولّيه، فأشار محمد بن داود بن الجرّاح بعبد الله بن المعتز، ووصفه بالعقل والرأي والأدب، وأشار أبو الحسين بن محمد بن الفرات بجعفر بن المعتضد بعد أن أطال في مفاوضته وقال له: اتّق الله ولا توال إلّا من خبرته ولا تولّ البخيل فيضيق على الناس في الأرزاق، ولا الطمّاع فيشره إلى أموال الناس، ولا المتهاون بالدين فلا يجتنب المآثم ولا يطلب الثواب. ولا تولّ من خبر الناس وعاملهم واطلع على أحوالهم، فيستكثر على الناس نعمهم، وأصلح الموجودين مع ذلك جعفر بن المعتضد. قال: ويحك وهو صبيّ! فقال: وما حاجتنا بمن لا يحتاج إلينا ويستبد علينا؟ ثم استشار عليّ بن عيسى فقال: اتّق الله وانظر من يصلح. فمالت نفس الوزير إلى جعفر كما أشار ابن الفرات، وكما أوصى أخوه، فبعث صائفا الخدمي [١] فأتى به من داره بالجانب الغربي، ثم خشي عليه غائلة الوزير فتركه في الحرّاقة، وجاء إلى دار الخلافة فأخذ له البيعة على الحاشية. ثم جاء به من الحرّاقة وجاء إلى دار الخلافة فأخذ له البيعة على الحاشية. ثم جاء به من الحرّاقة وأقعده على الأريكة وجاء الوزير والقوّاد فبايعوه، ولقّب المقتدر باللَّه وأطلق يد الوزير في المال وكان خمسة عشر ألف ألف دينار فأخرج منه حق البيعة واستقام الأمر. خلع المقتدر بابن المعتز وإعادته ولما بويع المقتدر وكان عمره ثلاث عشرة سنة استصغره الناس وأجمع الوزير خلعه والبيعة لأبي عبد الله محمد بن المعتز وراسله في ذلك، فأجاب وانتظر قدوم نارس حاجب إسماعيل بن سامان، كان قد انتقض إلى مولاه وسار عنه، فاستأذن في القدوم إلى بغداد وأذن له. وقصد الاستعانة به على موالي المعتضد. وأبطأ نارس عليه، وهلك أبو عبد الله بن المقتدر خلال ذلك فصرف الوزير وجهة لأبي الحسين بن الموكّل فمات، فأقرّ المقتدر، ثم بدا له وأجمع عزله، واجتمع لذلك مع القوّاد والقضاة والكتّاب وراسلوا عبد الله بن المعتز فأجابهم على أن لا يكون قتال. فأخبروه باتفاقهم وأن لا منازع لهم. وكان المتولّون لذلك الوزير العبّاس بن الحسين ومحمد بن داود بن الجرّاح وأبا المثنّى أحمد بن يعقوب القاضي، ومن القوّاد الحسين بن حمدان

стр. 1893

وبدر الأعجمي ووصيف بن صوارتكين. ثم رأى الوزير أمره صالحا المقتدر فبدا له في ذلك فأجمع الآخرون أمرهم، واعترضه الحسين بن حمدان وبدر الأعجمي ووصيف في طريق لستانة فقتلوه لعشر بقين من ربيع الأوّل سنة ست وتسعين، وخلعوا المقتدر من الغد وبايعوا لابن المعتز، وكان المقتدر في الحلبة يلعب الأكرة، فلما بلغه قتل الوزير دخل الدار وأغلق الأبواب، وجاء الحسين بن حمدان إلى الحلبة ليفتك به فلم يجده، فقدم وأحضروا ابن المعتز فبايعوه، وحضر الناس والقوّاد وأرباب الدواوين سوى أبي الحسن بن الفرات وخواص المقتدر فلم يحضروا. ولقّب ابن المعتز المرتضى باللَّه، واستوزر محمد بن داود بن الجرّاح، وقلّد عليّ بن موسى الدواوين، وبعث إلى المقتدر بالخروج من دار الخلافة، فطلب الإمهال إلى الليل، وقال مؤنس الخادم ومؤنس الخازن: وعربت الحال وسائر الحاشية لا بد أن يبدي عذرا فيما أصابنا. وباكر الحسين بن حمدان من الغد دار الخلافة فقاتله الغلمان والخدم من وراء السور وانصرف. فلما جاء الليل سار إلى الموصل بأهله، وأجمع رأي أصحاب المقتدر على قصد ابن المعتز في داره فتسلّحوا وركبوا في دجلة، فلما رآهم أصحاب ابن المعتز اضطربوا وهربوا واتهموا الحسين بن حمدان أنه قد واطأ المقتدر عليهم، وركب ابن المعتز ووزيره محمد بن داود بن الجرّاح وخرجوا إلى الصحراء ظنّا منهم أن الجند الذين بايعوهم يخرجون معهم، وأنهم يلحقون بسامرّا فيمتنعون، فلما تفرّدوا بالصحراء رجعوا إلى البلد وتسرّبوا في الدور، واختفى ابن الجرّاح في داره، ودخل ابن المعتز ومولاه دار أبي عبد الله بن الجصّاص مستجيرا به. وثار العيّارون والسفل [١] ينتهبون. وفشا القتل وركب ابن عمرويه صاحب الشرطة، وكان ممن بايع ابن المعتز، فنادى بثأر المقتدر مغالطا، فقاتله فهرب واستتر، وأمر المقتدر مؤنسا الخازن فزحف في العسكر وقبض على وصيف بن صوارتكين فقتله، وقبض على القاضي أبي عمر عليّ بن عيسى والقاضي محمد بن خلف، ثم أطلقهم وقبض على القاضي أبي المثنّى أحمد بن يعقوب، قال له: بايع المقتدر! قال: هو صبي! فقتله وبعث المقتدر إلى أبي الحسن بن الفرات كان مختفيا فأحضره واستوزره. وجاء سوسن خادم ابن الجصّاص فأخبر صافيا الخرّميّ مولى المقتدر بمكانه عندهم، فكبست الدار وأخذ ابن المعتز وحبس إلى الليل، ثم خصيت خصيتاه فمات وسلّم إلى أهله وأخذ

стр. 1894

ابن الجصّاص وصودر على مال كثير، وأخذ محمد بن داود وزير ابن المعتز وكان مستترا فقتل. ونفى عليّ بن عيسى بن عليّ إلى واسط، واستأذن من ابن الفرات في المسير إلى مكة فسار إليها على طريق البصرة واقام بها، وصودر القاضي أبو عمر على مائة ألف دينار، وسارت العساكر في طلب الحسين بن حمدان إلى الموصل فلم يظفروا به، وشفع الوزير ابن الفرات في ابن عمرويه صاحب الشرطة وإبراهيم بن كيغلغ وغيرهم. وبسط ابن الفرات الإحسان وأدرّ الأرزاق للعبّاسيين والطالبيّين وأرضى القوّاد بالأموال، ففرّق معظم ما كان في بيت المال، وبعث المقتدر القاسم بن سيما وجماعة من القوّاد في طلب الحسين بن حمدان، فبلغوا قرقيسيا والرحبة ولم يظفروا به، وكتب المقتدر إلى أخيه أبي الهيجاء وهو عامل الموصل بطلبه، فسار مع القاسم بن سيما والقوّاد ولقوة عند تكريت فهزموه، وبعث مع أخيه إبراهيم يستأمن فأمّنوه وجاءوا به إلى بغداد، فخلع عليه المقتدر وعقد له على قمّ وقاشان، وعزل عنها العبّاس بن عمر الغنويّ فسار إليها الحسين، ووصل نارس مولى إسماعيل بن سامان فقلّده المقتدر ديار ربيعة. ابتداء دولة العبيديّين من الشيعة بإفريقية نسبة هؤلاء العبيديّين إلى أوّل خلفائهم، وهو عبيد الله المهدي بن محمد الحبيب بن جعفر المصدّق بن محمد المكتوم بن إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق، ولا يلتفت لإنكار هذا النسب، فكتاب المعتضد إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسلجماسة يغريهم بالقبض عليه لمّا سار إلى المغرب شاهد بصحّة نسبهم وشعر الشريف الرضي في قوله: ألبس الذلّ في بلاد الأعادي ... وبمصر الخليفة العلويّ من أبوه أبي ومولاه مولاي ... إذا ضامني البعيد القصيّ لفّ عرقي بعرقه سيّدا لناس ... جميعا، محمّد وعليّ وأما المحضر الّذي ثبت ببغداد أيام القادر بالقدح في نسبهم، وشذّ فيه أعلام الأئمّة مثل القدوري والصهيريّ [١] وأبي العبّاس الأبيورديّ وأبي حامد الأسفراينيّ وأبي الفضل النسويّ وأبي جعفر النسفيّ، ومن العلويّة المرتضى وابن

стр. 1895

البطحاوي، وابن الأزرق، وزعيم الشيعة أبو عبد الله بن النعمان، فهي شهادة على السماع. وكان ذلك متّصلا في دولة العبّاسية منذ مائتين من السنين فاشيا في أمصارهم وأعصارهم. والشهادة على السماع في مثله جائزة على أنّها شهادة نفي، ولا تعارض ما ثبت في كتاب المعتضد مع أن طبيعة الوجود في الانقياد لهم، وظهور كلمتهم أدل شيء على صدق نسبهم. وأمّا من جعل نسبهم في اليهودية أو النصرانيّة لميمون القدّاح أو غيره فكفاه إثما تعرّضه لذلك. وأما دعوتهم التي كانوا يدعون لها فقد تقدّم ذكرها في مذاهب الشيعة من مقدّمة الكتاب، وانقسمت مذاهب الشيعة مع اتفاقهم على تفضيل عليّ على جميع الصحابة إلى الزيديّة القائلين بصحة إمامة الشيخين مع فضل عليّ، ويجوّزون إمامة المفضول وهو مذهب زيد الشهيد وأتباعه، والرافضة ويدعون بالإمامية المتبرّءين من الشيخين بإهمالهما وصية النبيّ ﷺ بخلافة عليّ. مع أنّ هذه الوصية لم تنقل من طريق صحيح، قال بها أحد من السلف الذين يقتض بهم، وإنما هي من أوضاع الرّافضة. وانقسم الرافضة بعد ذلك إلى اثني عشريّة نقلوا الخلافة من جعفر بعد الحسن والحسين وعليّ زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق إلى ابنه موسى الكاظم وولده على سلسلة واحدة إلى تمام الاثني عشر، وهو محمد المهدي وزعموا أنه دخل سردابا وهم في انتظاره إلى الآن. وإلى الإسماعيلية نقلوا الخلافة من جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل، ثم ساقوها في عقبة فمنهم من انتهى بها إلى عبيد الله هذا المهدي، وهم العبيديّون، ومنهم من ساقها إلى يحيى بن عبيد الله بن محمد المكتوم. وهؤلاء طائفة من القرامطة وهي من كذباتهم، ولا يعرف لمحمد بن إسماعيل ولد اسمه عبيد الله. وكان شيعة هؤلاء العبيديّين بالمشرق واليمن وإفريقية. وسار بها إلى إفريقية رجلان يعرف أحدهما بالحلوانيّ والآخر بالسفيانيّ أنفذهما الشيعة إلى هنالك وقالوا لهما: إنّ العرب أرض بور فاذهبا واحرثاها حتى يحيا صاحب البذر، وسارا لذلك ونزلا أرض كتامة، أحدهما ببلد يسمّى سوق حمار. وفشت هذه الدعوة منهما في أهل تلك النواحي من البربر وخصوصا في كتامة، وكانوا يزعمون أنّ النبيّ ﷺ أوصى إلى عليّ بالخلافة بالنصوص الجليّة وعدل عنها الصحابة إلى غيره فوجب البراءة ممن عدل عنها. ثم أوصى عليّ إلى ابنه الحسن ثم الحسن إلى أخيه الحسين، ثم الحسين إلى ابنه عليّ زين العابدين، ثم زين العابدين إلى ابنه محمد الباقر، ثم محمد
следующие страницы →