← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وكانت بينه وبين مجاهد حروب، وملك بعده ابنه أحمد عقد الدولة، وهلك سنة أربعين. وملك أخوه عبد الله جناح الدولة إلى أن خلعه المرابطون سنة خمس وثمانين. ولنرجع إلى ذكر بقية الملوك الأكابر من الطوائف والله أعلم بالصواب. (أخبار ابن جهور) كان رئيس الجماعة أيام الفتنة بقرطبة أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور بن عبد الله ابن محمد بن المعمر بن يحيى بن أبي المغافر بن أبي عبيدة الكلبيّ، هكذا نسبه ابن بشكوال وأبو عبيدة هو الداخل إلى الأندلس، وكانت لهم وزارة الدولة العامرية بقرطبة واستبد جهور هذا سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، لما خلع الجند المعتز آخر خلفاء بني أمية، ولم يدخل في أمور الفتنة، فاستولى على المملكة ورتب الأمور، ولم يتحول عن داره إلى قصر الخلافة. وكان على سنن أهل الفضل يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويؤذن عند مسجدهم بالربض الشرقي، ويصلي التراويح ولا يحتجب عن الناس فأسندوا أمرهم إليه إلى أن يوجد خليفة إلى أن خاطبهم محمد بن إسماعيل ابن عباد يعرّفهم أن هشاما المؤيد عنده بإشبيليّة، وأكثر في ذلك فخطب له بقرطبة بعد مراوضات [١] ، ثم أتي به إلى قرطبة فمنعوه الدخول وأضربوا عن ذكره في الخطبة وانفرد ابن جهور بأمرهم إلى أن هلك في محرم سنة خمس وثلاثين واربعمائة ودفن بداره وولي ابنه أبو الوليد محمد بن جهور باتفاق من الكافة فجرى على سنن أبيه. وكان قد قرأ على مكي بن أبي طالب المكيّ وغيره فكان مكرما لأهله. واستوزر ثقته إبراهيم بن يحيى فكفاه، وهلك كما هو معروف، ففوّض التدبير إلى ابنه عبد الملك فأساء السيرة، وتكرّه إلى الناس وحاصره ابن ذي النون بقرطبة، فاستغاث بمحمد ابن عباد فأمده بالجيش، ووصى عسكره بذلك فداخلوا أهل قرطبة وخلعوه سنة إحدى وستين وأخرجوه عن قرطبة. واعتقل بشلطليش إلى أن هلك سنة اثنتين وسبعين. وولى ابن عباد على قرطبة ابنه سراج الدولة، وقدمها من بلنسية ودخلها إلى

стр. 2312

أن قتل بها مسموما، وحمل إلى طليطلة فدفن بها، وزحف المعتمد بن عباد بعد مهلكه إلى قرطبة فملكها سنة تسع وستين وقتل ابن عكاشة واستخلف ابنه المأمون الفتح بن محمد، وصار غرب الأندلس كلّه في ملكه إلى أن دخل المرابطون الأندلس، وغلبوا عليهم سنة أربع وثمانين واربعمائة فقتل الفتح وحمل أباه المعتمد إلى أغمات كما ذكرناه ونذكره. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. (أخبار ابن الأفطس صاحب بطليوس من غرب الأندلس ومصاير أمره) ملك بطليوس من غرب الأندلس عند الفتنة واهتياجها أبو محمد عبد الله بن مسلمة التجيبي المعروف بابن الأفطس، واستبدّ بها سنة إحدى وستين وأربعمائة فهلك، وولي من بعده ابنه المظفر أبو بكر، واستفحل ملكه، وكان من أعاظم ملوك الطوائف. وكانت بينه وبين ابن ذي النون حروب مذكورة، وكذا مع ابن عباد بسبب ابن يحيى صاحب مليلة، أعانه ابن عباد عليه فاستولى بسبب ذلك على كثير من ثغوره ومعاقلة. واعتصم المظفر ببطليوس بعد هزيمتين هلك فيهما خلق كثير وذلك سنة ثلاث وأربعين. ثم أصلح بينهما ابن جهور وهلك المظفر سنة ستين وأربعمائة، وتولى بعده ابنه المتوكل أبو حفص عمر بن محمد المعروف بساجة ولم يزل سلطانا بها إلى أن قتله يوسف بن تاشفين أمير المرابطين سنة تسع وثمانين وأربعمائة. وقتل معه أولاده، أغراه به ابن عباد فلما تمكنت الاسترابة من المتوكل خاطب الطاغية واستراح إليه مما دهمه. وشعر به ابن عباد فكاتب يوسف بن تاشفين واستحثه لمعاجلته قبل أن يتصل بالطاغية، ويتصل بالثغر فاغذ إليه السير ووافاه سنة [١] فقبض عليه وعلى بنيه وقتلهم يوم الأضحى حسبما فذكر في أخبارهم. ورثاه ابن عبدون بقصيدته المشهورة وهي: الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور

стр. 2313

عدد فيها أهل النكبات ومن عثر به الزمان بما يبكي الجماد، وسنذكر قصتهم في أخبار لمتونة وفتحهم الأندلس، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. (أخبار باديس بن حسون ملك غرناطة والبيرة) كان عميد صنهاجة في الفتنة البربرية زاوي بن زيري بن مناد أجاز إلى الأندلس على عهد المنصور، فلما هاجت الفتنة البربرية، وانحل نظام الخلافة، كان فحل ذلك الشول وكبش تلك الكتائب، وعمد إلى البيرة، ونزل غرناطة واتخذها دارا لملكه، ولما بايع الموالي العامريّون للمرتضى المرواني وتولّى كبر ذلك مجاهد العامريّ ومنذر بن يحيى بن هاشم التجيبي وعمد إلى غرناطة فلقيهم زاوي بن زيري في جموع صنهاجة وهزمهم سنة عشرين وأربعمائة وقتل المرتضى. وأصاب زاوي من ذخائرهم وأموالهم وعددهم ما لم يقتنه ملك. ثم وقع في نفسه سوء آثار البربر بالأندلس أيام هذه الفتنة وحذّر مغبة ذلك فارتحل إلى سلطان قومه بالقيروان، واستخلف على غرناطة ابنه فدبّر القبض على ابن رصين ومشيخة غرناطة إذا رجعوا عن أبيه، وشعروا بذلك فبعثوا إلى ابن أخيه ماكس بن زيري من بعض الحصون فوصل وملك غرناطة، واستبدّ بها إلى أن هلك سنة تسع وعشرين واربعمائة وولي ابنه باديس، وكانت بينه وبين ذي النون وابن عبّاد حروب. واستولى على سلطانه كاتبه وكاتب أبيه إسماعيل بن نغزلة الذمّي، ثم نكبه وقتله سنة تسع وخمسين، وقتل معه خلقا من اليهود، وتوفي سنة سبع وستين واربعمائة وولي حافده المظفّر أبو محمد عبد الله بن بلكّين بن باديس، وولّى أخاه تميما بمالقة بعهد جده. وخلعهما المرابطون سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة وحملا إلى أغمات ووريكة، واستقرّا هنالك حسبما يذكر بعد في أخبارهم مع يوسف ابن تاشفين والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. الخبر عن بني ذي النون ملوك طليطلة من الثغر الجوفي وتصاريف أمورهم ومصاير أحوالهم جدّهم إسماعيل الظافر بن عبد الرحمن بن سليمان بن ذي النون أصله من قبائل هوارة

стр. 2314

ورأس سلفه في الدولة المروانية وكانت لهم رياسة في شنترية ثم تغلب على حصن أفلنتين أزمان الفتنة سنة تسع وأربعمائة. وكانت طليطلة ليعيش بن محمد بن يعيش، واليها منذ أوّل الفتنة، فلما هلك سنة سبع وعشرين استدعاه إسماعيل الظافر من حصن أفلنتين بعض أجناد طليطلة فمضى إليها وملكها. وامتدّ ملكه إلى جنجالة من عمل مرسية ولم يزل أميرا بها إلى أن هلك سنة تسع وعشرين. وولي ابنه المأمون أبو الحسن يحيى، واستفحل ملكه وعظم بين ملوك الطوائف سلطانه، وكانت بينه وبين الطاغية مواقف مشهورة. وفي سنة خمس وثلاثين غزي بلنسية وغلب على صاحبها المظفّر ذي السابقين من ولد المنصور بن أبي عامر. ثم غلب على قرطبة وملكها من يد ابن عبّاد وقتل ابنه أبا عمر بعد أن كان ملكها، وهلك الظافر بها مسموما سنة سبع وستين كما ذكرناه. وولي بعده على طليطلة حافده القادر يحيى بن إسماعيل بن المأمون يحيى بن ذي النون، وكان الطاغية بن أدفونش قد استفحل أمره لمّا خلا الجو من مكان الدولة الخلافية، وخفّ ما كان على كاهله من أمر العرب، فآلتهم البسائط وضايق ابن ذي النون حتى غلب على طليطلة فخرج له القادر عنها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وشرط عليه أن يظاهره على أخذ بلنسية، وعليها عثمان القاضي ابن أبي بكر بن عبد العزيز من وزراء ابن أبي عامر فخلعه أهلها خوفا من القادر أن يمكن منهم ألفنش فدخلها القادر وأقام بها سنتين، وقتل سنة إحدى وثمانين على ما نذكر بعد إن شاء الله تعالى. (الخبر عن ابن أبي عامر صاحب شرق الأندلس من بني ملوك الطوائف وأخبار الموالي العامريّين الذين كانوا قبله وابن صمادح قائده بالمريّة وتصاريف أحوالهم ومصايرها) بويع للمنصور عبد العزيز بن عبد الرحمن الناصر بن أبي عامر بشاطبة سنة إحدى عشرة وأربعمائة، أقامه الموالي العامريّون عند الفتنة البربرية فاستبدّ بها. ثم ثار عليه أهل شاطبة فأفلت ولحق ببلنسية فملكها وفوّض أمره للموالي. وكان من وزرائه ابن

стр. 2315

عبد العزيز وكان خيران العامريّ من مواليهم، تغلّب من قبل ذلك على أربولة سنة أربع. ثم ملك مرسية سنة سبع، ثم حيّان ثم المريّة سنة تسع، وبايعوا جميعا للمنصور عبد العزيز. ثم انتقض خيران على المنصور وسار من المريّة إلى مرسية وأقام بها ابن عمّه أبا عامر محمد بن المظفّر بن المنصور بن أبي عامر، خرج إليه من قرطبة من حجر القاسم بن حمّود، وخلص إلى خيران بأموال جليلة، فجمع الموالي فأخذوا ماله وطردوه. ثم ولّاه خيران وسمّاه المؤتمن ثم المعتصم. ثم تنكّر عليه وأخرجه من مرسية ولحق بالمريّة وأغرى به الموالي فأخذوا ماله وطردوه، ولحق بغرب الأندلس إلى أن مات. ثم هلك خيران بالمريّة سنة تسع عشرة، وقام بالأمر بعده الأمير عميد الدولة أبو القاسم زهير العامريّ، وزحف إلى غرناطة فبرز إليه باديس بن حبّوس وهزمه، وقتل بظاهرها سنة تسع وعشرين فصار ملكه للمنصور عبد العزيز صاحب بلنسية، وملكها من يده سنة سبع وخمسين. ولما هلك المأمون بن ذي النون وولي حافده القادر ولّى على بلنسية أبا بكر بن عبد العزيز بقية وزراء ابن أبي عامر، فداخله ابن هود في الانتقاض على القدر ففعل واستبدّ بها، وضبطها سنة ثمان وستين حين تغلّب المقتدر على دانية. ثم هلك سنة ثمان وسبعين لعشر سنين من ولايته. وولي ابنه القاضي عثمان، فلما سلم القادر بن ذي النون طليطلة زحف إلى بلنسية ومعه ألفنش كما قلناه، وخلع أهل بلنسية عثمان بن أبي بكر وأمكنوا منها القادر خوفا من استيلاء النصرانيّ وذلك سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ثم ثار على القادر سنة ثلاث وثمانين القاضي جعفر بن عبد الله بن حجاب وقتله واستبدّ بها. ثم تغلّب النصارى عليها سنة تسع وثمانين وقتلوه. ثم تغلّب المرابطون على الأندلس وزحف ابن ذي النون قائدهم الى بلنسية فاسترجعها من أيديهم سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وأمّا معن بن صالح قائد الوزير ابن أبي عامر فأقام بالمريّة لما ولّاه المنصور سنة ثمان وثمانين، وتسمّى ذا الوزارتين. ثم خلعه وولّى ابنه المعتصم أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح، واستبدّ بها أربعا وأربعين سنة، وثار عليه صاحب لورقة ابن شبيب، وكان أبوه معزولا عليها، فجهّز إليه المعتصم جيشا واستمد ابن شبيب المنصور بن أبي عامر صاحب بلنسية ومرسية بالعدوّ، واستمدّ المعتصم بباديس، ونهض عمّه صمادح بن باديس ابن صمادح فقاتلوا حصونا من حصون لورقة واستولوا عليها، ورجعوا ولم يزل المعتصم أميرا بالمريّة إلى أن هلك سنة ثمانين. وولي ابنه وخلعه يوسف بن تاشفين أمير

стр. 2316

المرابطين سنة أربع وثمانين، وأجاز إلى العدوة ونزل على آل حمّاد بالقلعة، وبها مات ولده والله وارث الأرض ومن عليها. الخبر عن بني هود ملوك سرقسطة من الطوائف صارت اليهم من بني هاشم وما كان من أوليتهم ومصاير أمورهم كان منذر بن مطرف بن يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن هاشم التجيبي صاحب الثغر الأعلى، وكان بين المنصور وعبد الرحمن منافسة على الإمارة والرئاسة، وكانت دار إمارته سرقسطة، ولما بويع المهدي بن عبد الجبّار وانقرض أمر العامريّين، وجاءت فتنة البربر كان مع المستعين حتى قتل هشام مولاه، فامتعض لذلك وفارقه وبايع المرواني للمرتضى مع مجاهد ومن اجتمع إليه من الموالي والعامريّين، وزحفوا الى غرناطة فلقيهم زاوي بن زيري وهزمهم. ثم ارتابوا بالمرتضى ووضعوا عليه من قتله مع خيران بالمريّة، واستبدّ منذر هذا بسرقسطة والثغر وتلقّب بالمنصور، وعقد ما بين طاغية جليقة وبرشلونة وبنيه، وهلك سنة أربع عشرة، وولي ابنه وتلقّب المظفّر وكان أبو أيوب سليمان بن محمد بن هود الجذامي من أهل نسبهم مستبدا بمدينة تطيلة، ولّاها منذ أوّل الفتنة، وجدّهم هود هو الداخل للأندلس ونسبه الأزد إلى سالم مولى أبي حذيفة. قال هود بن عبد الله بن موسى بن سالم: وقيل هود من ولد روح بن زنباع، فتغلّب سليمان على المظفّر يحيى بن المنذر وقتله سنة إحدى وثلاثين، وملك سرقسطة والثغر الأعلى، وابنه يوسف المظفّر لاردة. ثم نشأت الفتنة بينهما وانتصر المقتدر بالإفرنج والبشكنس فجاءوا لميعاده فوقعت الفتنة بين المسلمين وبينهم ثائره، وانصرفوا إلى يوسف صاحب لاردة فحاصرهم بسرقسطة، وذلك سنة ثلاث وأربعين. وهلك أحمد المقتدر سنة أربع وسبعين لتسع وثلاثين سنة من ملكه، فولي بعده ابنه يوسف المؤتمن، وكان قائما على العلوم الرياضيّة، وله فيها تآليف مثل الاستهلال والمناظر ومات سنة ثمان وسبعين، وهي السنة التي استولى فيها النصارى على طليطلة من يد القادر بن ذي النون. وولي بعده المستعين وعلى يده كانت وقعة وشقه، زحف سنة تسع وثمانين في آلاف لا تحصى من المسلمين، وهلك فيها خلق نحو عشرة آلاف، ولم يزل أميرا بسرقسطة إلى أن هلك شهيدا سنة ثلاث وخمسمائة ابن خبدون م ١٤ ج ٤

стр. 2317

بظاهر سرقسطة في زحف الطاغية إليها. وولي بعده ابنه عبد الملك وتلقّب عماد الدولة، وأخرجه الطاغية من سرقسطة سنة اثنتي عشرة فنزل روطة من حصونها وأقام بها إلى أن هلك سنة ثلاث عشرة. وولي ابنه أحمد وتلقّب سيف الدولة والمستنصر، وبالغ النكاية في الطاغية، ثم سلّم له روطة [١] على أن يملّكه بلاد الأندلس، فانتقل معه إلى طليطلة بحشمه وآلته، وهنالك هلك سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وكان من ممالك بني هود هؤلاء مدينة طرطوشة [٢] ، وقد كان بقايا من الموالي العامريّين فملكها سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. ثم هلك سنة خمس وأربعين وملكها بعده يعلى العامريّ ولم تطل مدّته. وملكها بعده شبيل إلى أن نزل عنها لعماد الدولة أحمد بن المستعين سنة ثلاث وخمسين، فلم تزل في يده وفي يد بنيه من بعده إلى أن غلب عليها العدوّ فيما غلب عليه من شرق الأندلس. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. (الخبر عن مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية وأخبار بنيه ومواليهم من بعدهم ومصاير أمورهم) كان فتح ميورقة سنة تسعين ومائتين على يد عصام الخولانيّ، وذلك أنه خرج حاجّا في سفينة اتخذها لنفسه فعصفت بهم الريح فأرسوا بجزيرة ميورقة، وطال مقامهم هنالك واختبروا من أحوالهم ما أطمعهم في فتحها، فلما رجع بعد فرضه أخبر الأمير بما رأى فيها، وكان من أهل الغناء عنده في مثلها، فبعث معه القطائع في البحر، ونفر الناس معه إلى الجهاد، فحاصرها أياما وفتحوها حصنا حصنا إلى أن كمل فتحها. وكتب عصام بالفتح إلى الأمير عبد الله، فكتب له بولايتها فوليها عشر سنين، وبنى فيها المساجد والفنادق والحمامات. ولما هلك قدّم أهل الجزيرة عليهم ابنه عبد الله، وكتب له الأمير بالولاية. ثم زهد وترهّب وركب إلى الشرق حاجّا وانقطع خبره، وذلك سنة خمسين وثلاثمائة. وبعث الناصر المرواني إليها الموفّق من

стр. 2318

الموالي فأنشأ الأساطيل وغزا بلاد الإفرنج، وهلك سنة تسع وخمسين أيام الحكم المستنصر، وولي بعده كوثر من مواليه فجرى على سنن الموفّق في جهاده. وهلك سنة تسع وثمانين أيام المنصور فولّى عليها مقاتل من مواليه، وكان كثير الغزو والجهاد. وكان المنصور وابنه المؤيد يمدّانه في جهاده. وهلك سنة ثلاث وأربعمائة أزمان الفتنة. وكان مجاهد بن يوسف بن عليّ من فحول الموالي العامريّين. وكان المنصور قد ربّاه وعلّمه مع مواليه القراءات والحديث والعربية فكان مجيدا في ذلك. وخرج من قرطبة يوم قتل المهدي سنة أربعمائة، وبايع هو والموالي العامريّين وكثير من جند الأندلس للمرتضى كما قدّمناه. ولقيهم زاوي بفحص غرناطة فهزمهم وبدّد شملهم. ثم قتل المرتضى كما تقدّم وسار مجاهد إلى طرطوشة فملكها. ثم تركها وانتقل إلى دانية واستقلّ بها. وملك ميورقة ومنورقة ويابسة واستبدّ سنة ثلاث عشرة. ونصّب العيطي كما مرّ فأراد الاستبداد، ومنع طاعة مجاهد ومنعه أهل ميورقة من ذلك، فبعث عنه مجاهد، وقدّم على ميورقة عبد الله ابن أخيه فولي خمس عشرة سنة. ثم هلك، وكان غزا سردانية في الأساطيل فاقتحمها، وأخرج النصارى منها وتقبضوا على ابنه أسيرا ففدّاه بعد حين، وولّى مجاهد على ميورقة بعد ابن أخيه مولاه الأغلب سنة ثمان وعشرين، وكان بين مجاهد صاحب دانية وبين خيران صاحب مرسية وابن أبي عامر صاحب بلنسية حروب إلى أن هلك مجاهد سنة ست وثلاثين. وولي ابنه عليّ وتسمى إقبال الدولة، وأصهر إلى المقتدر بن هود وأخرجه من دانية سنة ثمان وستين ونقله إلى سرقسطة، ولحق ابنه سراج الدولة بالإفرنجة، وأمدّوه على شروط شرطها لهم، فتغلّب على بعض حصونه. ثم مات فيما زعموا مسموما بحيلة من المقتدر سنة تسع. ومات عليّ قريبا من وفاة المقتدر سنة أربع وسبعين. ويقال بل فرّ أمام المقتدر إلى بجاية، ونزل على صاحبها يحيى بن حمّاد، ومات هنالك، وأمّا الأغلب مولى مجاهد صاحب ميورقة فكان صاحب غزو وجهاد في البحر. ولما هلك مجاهد استأذن ابنه عليّا في الزيارة فأذن له، وقدّم على الجزيرة صهره ابن سليمان بن مشكيان نائبا عنه، وبعث على آل الأغلب فاستعفاه وأقام سليمان خمس سنين. ثم مات فولّى عليّ مكانه مبشرا وتسمى ناصر الدولة، وكان أصله من شرق الأندلس أسر صغيرا وجبّه العدوّ وأقام بدانية محبوبا يجاهد في أسرى دانية وسردانية، واصطفاه فولّاه بعد مهلك سليمان فولي خمس سنين، وانقرض ملك عليّ وتغلّب عليه المقتدر بن هود

стр. 2319

فاستبد مبشر بميورقة، والفتنة يومئذ تموج بين ملوك الطوائف. وبعث إلى دانية في تسليم أهل سيده، فبعثوا إليه بهم وأولاهم جميلا. ولم يزل يردّد الغزو إلى أرض العدوّ إلى أن جمع طاغية برشلونة الجموع ونازلة بميورقة عشرة أشهر. ثم افتتحها واستباحها [١] سنة من ولايته. وكان بعث بالصريخ إلى عليّ بن يوسف صاحب المغرب من لمتونة فلم يوافهم الأسطول بالمدد إلا بعد استيلاء العدوّ. فلما وصل الأسطول دفعوا العدوّ عنها وولّى علي بن يوسف من قبله أنور بن أبي بكر اللمتوني فعسف بهم وأرادهم على بناء مدينة أخرى بعيدة من البحر فثاروا به وصفدوه، وبعثوا إلى عليّ بن يوسف فردّهم إلى ولاية محمد بن علي بن إسحاق بن غانية المستولي صاحب غرب الأندلس، فبعث إليها أخاه محمد بن علي من قرطبة، كان واليا عليها فوصل إلى ميورقة فصغد أنور وبعث به إلى مراكش، وأقام في ولايتها عشر سنين إلى أن هلك أخوه يحيى وسلطانهم عليّ بن يوسف. واستقرّت ميورقة في ملك بني غانية هؤلاء وسلطانهم. وكانت لهم في زمن علي بن يوسف بها دولة، وخرج منها علي ويحيى إلى بجاية وملكوها من الموحّدين، وكانت لهم معهم حروب بإفريقية كما نذكر في أخبارهم بعد أخبار لمتونة. وملك الإفرنج ميورقة من أيدي الموحّدين آخر دولتهم. والبقاء للَّه والملك يؤتيه من يشاء وهو العزيز الحكيم. (الخبر عن ثوّار الأندلس آخر الدولة اللمتونية واستبداد بني مردنيش ببلنسية ومزاحمتهم لدولة بني عبد المؤمن من أوّلها إلى آخرها ومصاير أحوالهم وتصاريفها) لما شغل لمتونة بالعدوّ، وبحرب الموحّدين بعد عليهم الأندلس، وعادت إلى الفرقة بعض الشيء فثار ببلنسية سنة سبع وثلاثين وخمسمائة القاضي مروان بن عبد الله بن مروان بن حضاب، وخلعوه لثلاثة أشهر من ملكه، ونزل بالمريّة. ثم حمل إلى ابن غانية بميورقة فسجن بها، وثار بمرسية أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن ظاهر.

стр. 2320

ثم خلع وقتل لأربعة أشهر من ولايته، وولي حافد المستعين بن هود شهرين. ثم ولي ابن عياض وبايع أهل بلنسية بعد ابن حضاب للأمير أبي محمد عبد الله بن سعيد بن مردنيش الجذاميّ. وأقام مجاهدا إلى أن استشهد في بعض أيامه مع النصارى سنة أربعين وخمسمائة، فبويع لعبد الله بن عياض كان ثائرا بمرسية كما قدمناه. وهلك سنة اثنتين وأربعين فبويع إلى ابن أخيه محمد بن أحمد بن سعيد بن مردنيش، وملك شاطبة [١] ومدينة شقر [٢] ومرسية. وكان إبراهيم بن همشك من قوّاده فعبث في أقطار الأندلس وأغار على قرطبة وتملّك بها. ثم استرجعت منه ثم غدر بغرناطة وملكها من أيدي الموحّدين وحصرهم بالقصبة هو وابن مردنيش. ثم استخلصها عبد المؤمن من أيديهم بعد حروب شديدة دارت بينهم بفحص غرناطة، لقيه فيها ابن همشك وابن مردنيش، وجيوش من أمم النصرانية استعانوا بهم في المدافعة عن غرناطة، فهزمهم عبد المؤمن وقتلهم أبرح قتل، وحاصر يوسف بلنسية فخطب للخليفة العبّاسيّ المستنجد، وكاتبه فكتب له بالعهد والولاية. ثم بايع للموحّدين سنة ست وستين. وكان المظفّر عيسى بن المنصور بن عبد العزيز الناصر بن أبي عامر عند ما انصرف إلى ملك شاطبة ومرسية تغلّب على بلنسية مدّة، ثم هلك سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ورجعت إلى ابن مردنيش. وكان أحمد بن عيسى تغلّب على حصن مزيلة ثائرا بالمرابطين من أتباعه فغلب منذر بن أبي وزير عليه، فأجاز سنة أربعين وخمسمائة إلى عبد المؤمن، ورغّبه في ملك الأندلس فبعث معه البعوث وتغلّبوا على بني غانية أمراء المرابطين بالأندلس. وكان بميورقة أيضا منذ اضطراب أمر لمتونة محمد بن علي بن غانية المستوفي، وليها سنة عشرين وخمسمائة، واستشهد بها. ورحل عنها سنة سبع وثلاثين إلى زيارة أخيه يحيى ببلنسية واستخلف على ميورقة عبد الله بن تيما فلما مكث ثار عليه ثوّار فرجع محمد بن غانية وأصلح شأنها إلى أن هلك سنة سبع وستين. وولي ابنه إبراهيم أبو إسحاق وتوفي سنة ثمانين وخمسمائة. وولي بعده أخوه طلحة وبايع للموحّدين سنة إحدى وثمانين، وأوفد عليهم أهل

стр. 2321

ميورقة، فبعثوا معهم علي بن الربرتبر، فلما وصل إلى ميورقة ثار على طلحة بنو أخيه أبي إسحاق وهم عليّ ويحيى ويعفر بن الربرتبر وخلعوا طلحة. ثم بلغهم موت يوسف بن عبد المؤمن فخرجوا إلى إفريقية حسبما نذكر في أخبار دولتهم، فانقرضت دولة المرابطين بالمغرب والأندلس وأدال الله منهم بالموحّدين وقتلوهم في كل وجه، واستفحل أمرهم بالأندلس واستعملوا فيها القرابة من بني عبد المؤمن وكانوا يسمّونهم السادة، واقتسموا ولايتها بينهم. وأجاز يعقوب المنصور منهم غازيا بعد أن استقرّ أهل العدوة كافة من زناتة، فأوقع العرب بابن أدفونش ملك الجلالقة بالأركه من نواحي بطليوس الوقعة المذكورة سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وأجاز ابنه الناصر من بعده سنة تسع فمحص الله المسلمين واستشهد منهم عدة. ثم تلاشت أمراء الموحّدين من بعده وانتزى بالسادة بنواحي الأندلس في كلّ عمله، وضعف بمراكش فصاروا إلى الاستجاشة بالطاغية بقص، واستسلام حصون المسلمين إليه في ذلك فسمت رجالات الأندلس وأعقاب العرب من دولة الأموية، وأجمعوا إخراجهم فثاروا بهم لحين وأخرجوهم. وتولى كبر ذلك محمد بن يوسف بن هود الجذامي الثائر بالأندلس. وقام ببلنسية زيّان بن أبي الحملات مدافع بن يوسف بن سعد، من أعقاب دولة بني مردنيش وثوار آخرون. ثم خرج عليّ بن هود في دولته من أعقاب دولة العرب أيضا، وأهل نسبهم محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر، وتلقّب محمد هذا بالشيخ فحاربه أهل الجبل، وكانت لكل منهما دولة أورثها بنيه. فأمّا زيد بن مردنيش فكان مع عشرة من بني مردنيش رؤساء بلنسية، واستظهر الموحّدون على إمارتها. ولما وليها السيد أبو زيد بن محمد بن أبي حفص بن عبد المؤمن بعد مهلك المستنصر كما نذكر في أخبارهم، وذلك سنة عشرين وستمائة، كان زيّان هذا بطانته وصاحب أمره. ثم انتقض عليه سنة ست وعشرين عند ما بويع ابن هود بمرسية وخرج إلى أبدة فخشيه السيد أبو زيد، وبعث إليه يلاطفه في الرجوع فامتنع، ولحق السيد أبو زيد بطاغية برشلونة ودخل في دين النصرانية أعاذنا الله من ذلك. وملك زيّان بلنسية واتصلت الفتنة بينه وبين ابن هود، وخالف عليه بنو عمّه عزيز بن يوسف بن سعد في جزيرة شقر، وصاروا إلى طاعة ابن هود وزحف زيّان للقائه على شريش فانهزم وتبعه ابن هود ونازلة في بلنسية أياما وامتنعت عليه فأقلع، وتكالب الطاغية على ثغور المسلمين، ونازل صاحب برشلونة أنيشة وملكها،

стр. 2322

وزحف زيّان إليها بجميع من معه من المسلمين سنة أربع وثلاثين ونفر معه أهل شاطبة وجزيرة شقر فكانت عليهم الواقعة العظيمة التي استشهد فيها أبو الربيع سليمان، وأخذ الناس في الانتقال عن بلنسية، فبعث إليهم يحيى بن أبي زكريا صاحب إفريقية بالمدد من الأموال والأسلحة والطعام مع قريبه يحيى عند ما نبذ دعوة بني عبد المؤمن وأوفد عليه أعيان بلنسية وهي محصورة فرجع إلى دانية. ثم أخذ الطاغية بلنسية سنة ست وثلاثين، وخرج زيّان إلى جزيرة شقر وأقام بدعوة الأمير أبي زكريا، وبعث إليه بيعتها مع كاتبه الحافظ أبي عبد الله محمد بن الأنباري فوصل إلى تونس، وأنشده قصيدته المشهورة على رويّ السين بلغ فيها من الإجادة حيث شاء، وهي معروفة وسيأتي ذكرها في دولة بني حفص بإفريقية من الموحدين. ثم هلك ابن هود وانتقض أهل مرسية على ابنه أبي بكر الواثق، وكان واليه بها أبو بكر بن خطّاب، فبعثوا إلى زيّان واستدعوه فدخلها وانتهب قصرها وحملهم على البيعة للأمير أبي زكريا على ولاية شرق الأندلس كله، وذلك سنة سبع وثلاثين. ثم انتقض عليه ابن عصام بأريولة ولحق به قرابة زيّان بمدينة لقنت فلم يزل بها إلى أن أخذها منه طاغية برشلونة سنة أربع وأربعين فأجاز إلى تونس، وبها مات سنة ثمان وستين. وأمّا ابن هود فسيأتي الخبر عن دولته، وأما ابن الأحمر فلم تزل الدولة في أعقابه لهذا العهد. ونحن ذاكرون أخبارهم لأنهم من بقايا دولة العرب والله خير الوارثين. (الخبر عن ثورة ابن هود على الموحدين بالأندلس ودولته وأولية أمره وتصاريف أحواله) هو محمد بن يوسف بن محمد بن عبد العظيم بن أحمد بن سليمان المستعين بن محمد بن هود ثار بالصخيرات من عمل مرسية مما يلي رقوط [١] عند فشل دولة الموحّدين، واختلاف السادة الذين كانوا أمراء ببلنسية، وذلك عند ما هلك المستنصر سنة عشرين. وبايع الموحدون بمراكش لعمّه المخلوع عبد الواحد بن أمير المؤمنين

стр. 2323

يوسف. ثار العادل ابن أخيه المنصور بمرسية ودخل في طاعة صاحب حيّان أبو محمد عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن، وخالفهما في ذلك السيد أبو زيد أخوه ابن محمد بن أبي حفص. وتفاقمت الفتنة واستظهر كل على أمره بالطاغية، ونزلوا له عن كثير من الثغور وقلقت من ذلك ضمائر أهل الأندلس، فتصدّر ابن هود هذا للثورة، وهو من أعقاب بني هود من ملوك الطوائف، وكان يؤمّل لها وربما امتحنه الموحّدون لذلك مرّات، فخرج في نفر من الأجناد سنة خمس وعشرين، وجهّز إليه والي مرسية يومئذ السيد أبو العبّاس بن أبي عمران موسى بن أمير المؤمنين يوسف ابن عبد المؤمن عسكرا فهزمهم. وزحف إلى مرسية فدخلها واعتقل السيد، وخطب للمستنصر صاحب بغداد لذلك العهد من بني العبّاس. وزحف إليه السيد أبو زيد ابن محمد بن أبي حفص بن عبد المؤمن من شاطبة، وكان واليه بها فهزمه ابن هود ورجع إلى شاطبة. واستجاش بالمأمون وهو يومئذ بإشبيليّة بعد أخيه العادل فخرج في العساكر، ولقيه ابن هود فانهزم واتبعه إلى مرسية فحاصره مدّة، وامتنعت عليه فأقلع عنه ورجع إلى إشبيلية. ثم انتقض على السيد أبي زيد ببلنسية زيّان بن أبي الحملات مدافع بن حجّاج بن سعد بن مردنيش، وخرج عنه إلى أبّدة [١] وذلك سنة ست وعشرين. وكان بنو مردنيش هؤلاء أهل عصابة وأولي بأس وقوة، فتوقّع أبو زيد اختلال أمره، وبعث إليه ولاطفه في الرجوع فامتنع فخرج أبو زيد من بلنسية. ولحق بطاغية برشلونة ودخل في دين النصرانية، نعوذ باللَّه. وبايعت أهل شاطبة لابن هود، ثم تابعه أهل جزيرة شقر حملهم عليها ولاتهم بنو عزيز بن يوسف عم زيّان بن مردنيش، ثم بايعه أهل خبيان [٢] وأهل قرطبة، وتسمّى بأمير المسلمين، وبايعه أهل إشبيلية عند رحيل المأمون عنها إلى مراكش، وولّى عليهم أخاه. ونازعه زيّان بن مردنيش، وكانت بينهما ملاقاة انهزم فيها زيّان سنة تسع وعشرين، وحاصره ابن هود ببلنسية. ثم أقلع ولقي الطاغية على ماردة فانهزم ومحص الله المسلمين، وانهزم بعدها أخرى على الكوس. ولم تزل غزواته متردّدة في بلاد العدوّ

стр. 2324

كل سنة وحربه معهم سجالا، والطاغية يلتقم الثغور والقواعد. ثم استولى ابن هود على الجزيرة الخضراء وجبل الفتح فرضتي المجاز على سبتة من يد السيد أبي عمران موسى لما انتقض على أخيه المأمون، ونازلة بسبتة فبايع هو لابن هود وأمكنه منها. ثم ثار بها اليناشتّي على ما يذكر. ثم بويع للسلطان محمد بن يوسف بن نصر سنة تسع وعشرين بأرجونة ودخلت قرطبة في طاعته، ثم قرمونة ثم انتقض أهل إشبيلية وأخرجوا سالم بن هود وبايعوا لابن مروان أحمد بن محمد الباجي وجهّز عسكرا للقاء ابن الأحمر فانهزموا وأسر قائده. ثم أصفق الباجي مع ابن الأحمر على فتنة ابن هود وصالح ابن هود ألفنش على فعلتهم على ألف دينار كل يوم. ثم صارت قرطبة إلى ابن هود وزحف إلى الباجي وابن الأحمر فانهزم، ونزل ابن الأحمر ظاهر إشبيلية. ثم غدر الباجي فقتله وتولّى ذلك صهره أشقيلولة، وزحف سالم بن هود إلى إشبيلية فنازلها وامتنعت عليه. ووصل خطاب الخليفة المستنصر العبّاسي إلى ابن هود من بغداد سنة إحدى وثلاثين، وفد به أبو علي حسن بن علي بن حسن بن الحسين الكرديّ الملقّب بالكمال. وجاء بالراية والخلع والعهد ولقبه المتوكل. وقدم عليه بذلك في غرناطة في يوم مشهود، وبايع له ابن الأحمر، وعند ما غدر ابن الأحمر بالباجي فرّ من إشبيلية شعيب بن محمد إلى البلد فاعتصم بها، وتسمّى المعتصم فحاصره ابن هود وأخذها من يده. ثم خرج العدوّ من كل جهة ونازلوا ثغور المسلمين وأحاطوا بهم، وانتهت محلاتهم على الثغور إلى سبع. ثم حاصر الطاغية مدينة قرطبة وغلب عليها سنة ثلاث وثلاثين وبايع أهل إشبيلية للرشيد من بني عبد المؤمن، ثم زحف ابن الأحمر إلى غرناطة وملكها كما يذكر، وبويع للرشيد سنة سبع وثلاثين. وكان عبد الله أبو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الملك الأموي الرميمي وزير ابن هود، وكان يدعوه ذا الوزارتين ولّاه المريّة من عمله، فلم يزل بها وقدم عليه المتوكل سنة خمس وثلاثين وستمائة فهلك بالحمام ودفن بمرسية. ويقال إنه قتله ثم استبدّ من بعده المؤيّد، واستنزله عنها ابن الأحمر سنة ثلاث وأربعين. ولما هلك المتوكّل ولي من بعده بمرسية ابنه أبو بكر محمد بعهده إليه وتلقّب بالواثق، وثار عليه عزيز بن عبد الملك بن خطاب سنة ست وثلاثين لأشهر من ولايته فاعتقله، وكان يلقّب ضياء الدولة. ثم تغلّب زيّان بن مردنيش على مرسية وقتل ابن خطاب لأشهر من ولايته. وأطلق الواثق بن هود من اعتقاله. ثم ثار عليه بمدينة مرسية محمد بن هود عمّ

стр. 2325

المتوكّل سنة ثمان وثلاثين، وأخرج منها زيّان بن مردنيش، وتلقّب بهاء الدولة، وهلك سنة سبع وخمسين وستمائة. وولي ابنه الأمير أبو جعفر، ثم ثار عليه سنة اثنتين وستين أبو بكر الواثق الّذي كان ابن خطّاب خلعه، وهو المتوكل أمير المسلمين، وبقي بها أميرا إلى أن ضايقه الفنش والبرشلونيّ، فبعث إليه عبد الله بن علي بن أشقيلولة، وتسلّم مرسية منه. وخطب بها لابن الأحمر. ثم خرج منها راجعا إلى ابن الأحمر فأوقع به البصريّ في طريقه، ورجع الواثق إلى مرسية ثالثة فلم يزل بها إلى أن ملكها العدوّ من يده سنة ثمان وستين، وعوّضه منها حصنا من عملها يسمّى يسّ إلى أن هلك، والله خير الوارثين. (الخبر عن دولة بني الأحمر ملوك الأندلس لهذا العهد ومبدإ أمورهم وتصاريف أحوالهم) أصلهم من أرجونة من حصون قرطبة ولهم فيها سلف في أبناء الجند ويعرفون ببني نصر، وينسبون إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج، وكان كبيرهم لآخر دولة الموحّدين محمد ابن يوسف بن نصر، ويعرف بالشيخ وأخوه إسماعيل. وكانت لهم وجاهة في ناحيتهم. ولما فشل ريح الموحّدين وضعف أمرهم وكثر الثوّار بالأندلس، وأعطى حصونها للطاغية، واستقل بأمر الجماعة محمد بن يوسف بن هود الثائر بمرسية، فأقام بدعوته العبّاسيّة، وتغلّب على شرق الأندلس أجمع فتصدّى محمد بن يوسف هذا للثورة على ابن هود وبويع له سنة تسع وعشرين وستمائة على الدعاء للأمير أبي زكريا صاحب إفريقية، وأطاعته حيّان [١] وشريش سنة ثلاثين بعدها، وكان يعرف بالشيخ ويلقّب بأبي دبوس. واستظهر على أمره أوّلا بقرابته من بني نصر وأصهاره بني أشقيلولة عبد الله وعلي. ثم بايع لابن هود سنة إحدى وثلاثين عند ما وصله خطاب الخليفة من بغداد. ثم ثار بإشبيليّة أبو مروان الباجي عند خروج ابن هود عنها، ورجوعه إلى مرسية فداخله محمد بن الأحمر في الصلح على أن يزوّجه ابنته فأطاعه، ودخل إشبيلية سنة اثنتين وثلاثين. ثم فتك بابن الباجي وقتله، وتناول

стр. 2326

الفتك به علي بن أشقيلولة. ثم راجع أهل إشبيلية بعدها لشهر دعوة ابن هود، وأخرجوا ابن الأحمر. ثم تغلّب على غرناطة سنة خمس وثلاثين بمداخلة أهلها ثم ثار ابن أبي خالد بدعوته في لحيان ووصلته بيعتها، فقدّم إليها أبا الحسن بن أشقيلولة. ثم جاء على أثره ونزلها واستقرّ بها بعد مهلك ابن هود، وبايع للرشيد سنة تسع وثلاثين ثم تناول المؤيد من يد محمد بن الرميمي فخلعه أهل البلد سنة ثلاث وستين وبايعوا لابن الأحمر. ثم ثار أبو عمرو بن الجدّ واسمه يحيى بن عبد الملك بن محمد الحافظ أبي بكر وملك إشبيلية، وبايع للأمير أبي زكريا بن حفص صاحب إفريقية سنة ثلاث وأربعين، وولي عليهم أبو زكريا أميرا، وقام بأمرهم القائد شغاف، والعدوّ أثناء ذلك يلتقم بلاد المسلمين وحصونهم من لدن عام عشرين أو قبله، وصاحب برشلونة من ولد البطريق الّذي استعمله الإفرنجة عليها الأوّل استرجاعهم لها من أيدي العرب فتغلّب عليها، وبعد عن الفرنجة، وضعف لعهده سلطانهم. ووصلوا وراء الدروب وعجزوا فكانوا عن برشلونة وجماعتها أعجز، فسما أهل طاغيتها منهم لذلك العهد، واسمه حاقمة إلى التغلّب على ثغور المسلمين. واستولى على ماردة سنة ست وعشرين وستمائة. ثم ميورقة سنة سبع وعشرين وستمائة، ثم أجاز إلى سرقسطة وشاطبة كان تملكها منذ مائة وخمسين من السنين قبلها. ثم بلنسية سنة ست وثلاثين وستمائة بعد حصار طويل وطوى ما بين ذلك من الحصون والقرى حتى انتهى إلى المريّة وحصونها، وابن أدفونش أيضا ملك الجلالقة هو ابن الادفونش- الملقب بالحكيم- وآباؤه من قبله يتقرّى الفرستيرة حصنا حصنا، ومدينة مدينة إلى أن طواها واستعبد ابن الأحمر هذا لأوّل أمره بما كان بينه وبين الثوّار بالأندلس من المنازعة فوصل يده بالطاغية في سبيل الاستظهار على أمره فوصله وشدّ عضده، وصار ابن الأحمر في جملته وأعطاه ابن هود ثلاثين من الحصون أو نحوها في كفّ غربة عن ابن الأحمر، وأن يعيّنه على ملك قرطبة فتسلّمها. ثم تغلّب على قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وأعاد إليها خيرة الله كلمة الكفر. ثم نازل إشبيلية سنة ست وأربعين وابن الأحمر معه مظهر الامتعاض لابن الجدّ وحاصرها سنتين ثم دخلها صلحا. وانتظم معها حصونها وثغورها وأخذ طليطلة من يد ابن كماشة، وغلب بعد ذلك ابن محفوظ على شلب وطليبرة سنة تسع وخمسين. ثم ملك مرسية سنة خمس وستين ولم يزل الطاغية يقتطع ممالك الأندلس كورة كورة

стр. 2327

وثغرا ثغرا إلى أن ألجأ المسلمين إلى سيف البحر ما بين رندة من الغرب والبيرة من شرق الأندلس. نحو عشر مراحل من الغرب الى الشرق وفي مقدار مرحلة أو ما دونها في العرض ما بين البحر والجوف ثم سخط بعد ذلك الشيخ ابن الأحمر وطمع في الاستيلاء على كافة الجزيرة فامتنعت عليه وتلاحق بالأندلس غزاة من زناتة الثائرين يومئذ من بني عبد الواد وتوجين ومغراوة وبني مرين. وكان أعلاهم كعبا في ذلك وأكثرهم غزي بنو مرين، فأجاز أوّلا أولاد إدريس بن عبد الحق وأولاد رحو بن عبد الله بن عبد الحق أعياص الملك منهم سنة ستين أو نحوها، فتقبل ابن الأحمر إجازتهم ودفع بهم في نحر عدوّه، ورجعوا ثم تهايلوا إليه من بعد ذلك من كل بيت من بيوت بني مرين ومعظمهم الأعياص من بني عبد الحق لما تزاحمهم مناكب السلطان في قومهم وتغص بهم الدولة فينزعون إلى الأندلس مغنين بها من بأسهم وشوكتهم في المدافعة عن المسلمين، ويخلصون من ذلك على حظ من الدولة بمكان. ولم يزل الشأن هذا إلى أن هلك محمد بن يوسف بن الأحمر سنة إحدى وسبعين وستمائة، وقام بأمره من بعده ابنه محمد وكان يعرف بالفقيه لما كان يقرأ الكتاب من بين أهل بيته، ويطالع كتب العلم. وكان أبوه الشيخ أوصاه باستصراخ ملوك زناتة من بني مرين الدائلين بالمغرب من الموحّدين وأن يوثق عهده بهم ويحكم أراضي سلطانه بمداخلتهم، فأجاز محمد الفقيه ابن الأحمر إلى يعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين سنة اثنتين وسبعين وستمائة عند ما تم استيلاؤه على بلاد المغرب، وتغلّبه على مراكش، وافتقاده سرير ملك الموحّدين بها فأجاب صريخه، وأجاز عساكر المسلمين من بني مرين وغيرهم إلى الجهاد مع ابنه منديل. ثم جاء على أثرهم وأمكنه ابن هشام من الجزيرة الخضراء، كان ثائرا بها فتسلّمها منه ونزل بها، وجعلها ركابا لجهاده وينزل بها جيش الغزو. ولما أجاز سنة اثنتين وسبعين كما قلناه هزم زعيم النصرانية، ثم حذره ابن الأحمر على ملكه فداخل الطاغية. ثم حذّر الطاغية فراجعه وهو مع ذلك يده في نحره بشوكة الأعياص الذين نزعوا إليه من بني مرين بما شاركوا صاحب المغرب من نسب ملكه وقاسموه في يعسوبية قبيلته، فكان له بذلك مدفع عن نفسه ومرض في طاعة قرابته من بني أشقيلولة، كان عبد الله منهم بمالقة وعلي بوادي آش وإبراهيم بحصن قمارش فالتاثوا عليه، وداخلوا يعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين في المظاهرة عليه فكان له معهم فتنة، وأمكنوا يعقوب من الثغور التي

стр. 2328

بأيديهم مالقة ووادي آش حتى استخلصها هذا السلطان الفقيه من بعد ذلك، كما نذكره في أخبار بني مرين مع بني الأحمر. وصار بنو أشقيلولة آخرا وقرابتهم بني الزرقاء إلى المغرب، ونزلوا على يعقوب بن عبد الحق وأكرم مثواهم وأقطعهم واستعملهم في كبير الخطط للدولة حسبما يذكر. واستبدّ السلطان الفقيه ابن الأحمر بملك ما بقي من الأندلس وأورثه عقبه من غير قبيل ولا كثير عصبة، ولا استكثار من الحامية إلا من يأخذه الجلاء من فحول زناتة وأعياص الملك فينزلون بهم غزي، ولهم عليهم عزّة وتغلّب وسبب ذلك ما قدّمناه في الكتاب الأوّل من إفقاد القبائل والعصائب بأرض الأندلس جملة فلا تحتاج الدولة هنالك إلى كبير عصبية، وكان للسلطان ابن الأحمر في أوّل أمره عصبية من قرابته بني نصر وأصهارهم بني أشقيلولة وبني المولى ومن تبعهم من الموالي والمصطنعين كانت كافية في الأمر من أوّله مع معاضدة الطاغية على ابن هود وثوّار الأندلس ومعاضدة ملك المغرب على الطاغية والاستظهار بالأعياص على ملك المغرب، فكان لهم بذلك كله اقتدار على بلوغ أمرهم وتمهيده، وربما يفهم في مدافعة الطاغية اجتماع الخاصّة والعامّة في عداوته، والرهب منه بما هو عدوّ للدين فتستوي القلوب في مدافعته ومخافته فينزل ذلك بعض الشيء منزلة العصبية. وكانت إجازة السلطان يعقوب بن عبد الحق إليه أربع مرات، وأجاز ابنه يوسف إليهم بعد أبيه. ثم شغلته الفتنة مع بني يغمر أسن إلى أن هلك السلطان الفقيه سنة إحدى وسبعمائة، وهو الّذي أعان الطاغية على منازلة طريف وأخذها، وكان يمير عسكره مدّة حصاره إياها إلى أن فتحها سنة [١] لما كانت ركابا لصاحب المغرب، متى همّ بالجواز لقرب مسافة الزقاق. فلما ملكها الطاغية صارت عينا على من يروم الجواز من الغزاة فغضب أمره عليهم، وولي من بعده ابنه محمد المخلوع، واستبدّ عليه وزيره محمد بن محمد بن الحكم اللخميّ، من مشيخة رندة ووزرائها فحجره واستولى على أمره، إلى أن ثار به أخوه أبو الجيّوش نصر بن محمد فقتل الوزير، واعتقل أخاه سنة ثمان وسبعمائة وكان أبوهما السلطان الفقيه استعمل على مالقة الرئيس أبا سعيد ابن عمه إسماعيل بن نصر، وطالت فيها إمارته، وهو الّذي تملّك سبتة وغدر بني الغرفي بها على عهد المخلوع

стр. 2329

وبدعوته كما يذكر في أخبار سبتة ودولة بني مرين. وكان أصهر إليه في ابنته وكان له منها ابنه أبو الوليد إسماعيل، فلما تملّك الجيوش نصر غرناطة واستولى على سلطانهم بها ساءت سيرته وسيرة وزيره ابن الحاج وأحقد الأعياص من بني مرين، واستظهر الرعية بالقهر والعسف. وكان بنو إدريس بن عبد الله بن عبد الحق أمراء على الغزاة بمالقة، وكان كبيرهم عثمان بن أبي المعلّى، فداخل أبا الوليد في الخروج على السلطان نصر، وتناول الأمر من يده لضعفه وسعفه بطانته وأقربائه فاعتزموا على ذلك، ولم يتم لهم إلا باعتقال أبيه أبي الجيوش فاعتقلوه، وبايعوا أبا الوليد. وثار بمالقة سنة سبع عشرة الرئيس أبو سعيد وزحفوا إلى غرناطة فهزموا عساكر أبي الجيّوش وثارت به الدهماء من أهل المدينة، وأحيط به. وصالحهم على الخروج إلى وادي آش فلحق بها، وجدّد بها ملكا إلى أن مات سنة اثنتين وعشرين، ودخل أبو الوليد إلى غرناطة فاضل بها لنفسه وبنيه ملكا جديدا، وسلطانا فسيحا. ونازلة ملك النصارى ألفنش بغرناطة سنة ثمان عشرة وأبلى فيها بني أبي العلا. ثم كان من تكييف الله تعالى في قتله وقتل رديفه، واستلحام جيوش النصرانية بظاهر غرناطة ما ظهرت فيه معجزة من معجزات الله. وتردّد إلى أرض النصرانية بنفسه، غازيا مرّات مع عساكر المسلمين من زناتة والأندلس، وكانت زناتة أعظم غناء في ذلك لقرب عهدهم بالتقشّف والبداوة التي ليست للناس. وبلغ أبو الوليد من العزّ والشوكة إلى أن غدر به بعض قرابته من بني نصر سنة سبع وعشرين وسبعمائة، طعنه غدرا عند ما انفض مجلسه بباب داره فأنفذه وحمل إلى فراشه، ولحق القادر بدار عثمان بن أبي العلى فقتله لحينه وقتل الموالي المجاهدين، فخرج عليهم ولحق بانديس فتملّكها واستدعى محمد ابن الرئيس أبي سعيد في معتقله بسلوباشة، ونصّبه للملك فلم يتمّ له مراده من ذلك. ورجعوا آخرا للمهادنة، وقتل السلطان محمد وزيره ابن المحروق بداره غدرا سنة تسع وعشرين، واستدعاه للحديث على لسان عمّته المتغلّبة عليه مع ابن المحروق، وتناوله مع علوجه طعنا بالخناجر إلى أن مات. وقام السلطان بأعباء ملكه، ورجع عثمان ابن أبي العلى إلى مكانه من يعسوبية الغزاة وزناتة، حتى إذا هلك قدّم عليهم مكانه ابنه أبا ثابت، وأجاز السلطان محمد إلى المغرب صريخا للسلطان أبي الحسن على الطاغية فوجده مشغولا بفتنة أخيه محمد. ومع ذلك جهّز له العساكر وعقد عليها سنة ثلاث وثلاثين. واستراب بنو أبي العلى بمداخلة

стр. 2330

السلطان أبي الحسن، فتشاوروا في أمره وغدروا به يوم رحيله عن الجبل إلى غرناطة، فتقاصفوه بالرماح، وقدّموا أخاه أبا الحجّاج يوسف، فقام بالأمر وشمّر عن ساعده في الأخذ بثأر أخيه، فنكب بني العلى وغرّبهم إلى تونس، وقدّم على الغزاة مكان أبي ثابت بن عثمان قرثية من بني رحو بن عبد الله بن عبد الحق، وهو يحيى بن عمر بن رحو، فقام بأمرهم وطال أمر رياسته. واستدعى السلطان أبو الحجّاج السلطان أبا الحسن صاحب المغرب فأجاز ابنه عند ما تمّ له الفتح بتلمسان، وعقد له على عساكر جمّة من زناتة والمطوّعة فغزاهم، وغنم وقفل راجعا. وتلاحقت به جموع النصارى وبيّتوه على حدود أرضهم، فاستشهد كثير من الغزاة، وأجاز السلطان أبو الحسن سنة إحدى وأربعين بكافة أهل المغرب من زناتة ومغراوة والمرتزقة والمتطوّعة فنازل طريف، وزحف إليه الطاغية فلقيه بظاهرها فانكشف المسلمون، واستشهد الكثير منهم، وهلك فيها نساء السلطان وحريمه وفسطاطه من معسكره، وكان يوم ابتلاء وتمحيص. وتغلّب الطاغية أثرها على القلعة ثغر غرناطة، ونازل الجزيرة الخضراء وأخذها صلحا سنة ثلاث وأربعين، ولم يزل أبو الحجّاج في سلطانه إلى أن هلك يوم الفطر سنة خمس وخمسين، طعنه في سجوده من صلاة العيد وغد من صفاعفة البلد كان مجتمعا. وتولّى ابنه واستبدّ عليه مولاهم رضوان حاجب أبيه وعمّه فقام بأمره وغلبه عليه وحجبه. وكان إسماعيل أخوه ببعض قصور الحمراء قلعة الملك، وكانت له ذمّة وصهر من محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن محمد ابن الرئيس أبي سعيد، بما كان أبوه أنكحه شقيقة إسماعيل هذا. وكان أبو يحيى هذا يدعى بالرئيس وجدّه محمد هذا هو الّذي قدّمنا أنّ عثمان بن أبي العلى دعاه من مكان اعتقاله للملك فداخل محمد هذا الرئيس بعض الزعالقة من الغوغاء، وبيت حصن الحمراء، وتسوّره وولج على الحاجب رضوان في داره فقتله، وأخرج صهره إسماعيل ونصّبه للملك ليلة سبع وعشرين من رمضان سنة ستين وسبعمائة. وكان السلطان محمد هذا المخلوع بروضة خارج الحمراء، فلحق بوادي آش وأجاز منها إلى العدوة، ونزل على ملك المغرب السلطان أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن فرعى له ذمّته، وأحمد نزوله وارتاب شيخ الغزاة يحيى بن عمرو بالدولة ففرّ إلى دار الحرب ولحق منها بالمغرب ونزل على السلطان أبي سالم فأحمد نزوله، وولي مكانه على الغزاة بغرناطة من جهة إدريس بن عثمان بن أبي العلى. وقام الرئيس بأمر

стр. 2331

إسماعيل أخيه ودبّر ملكه. ثم تردّدت السعايات ونذر الرئيس بالنكبة فغدر بإسماعيل، وقتله وإخوته جميعا سنة إحدى وستين. وقام بملك الأندلس ونبذ إلى الطاغية عهده ومنعه ما كان سلفه يعطونه من الجزية على بلاد المسلمين، فشمّر الطاغية لحربه، وجهّز العساكر إليه فأوقع المسلمون بهم بوادي آش وعليهم بعض الرؤساء من قرابة السلطان فعظمت النكاية. وأرسل ملك المغرب إلى الطاغية في شأن محمد المخلوع وردّه إلى ملكه، فأركب الأساطيل وأجازه إلى الطاغية فلقيه ووعده المظاهرة على أمره، وشرط له الاستئثار بما يفتح من حصون المسلمين. ثم نقض فيما افتتح منها ففارقه السلطان وأوى إلى الثغر المغربي في ملكة بني مرين، وأمكن من ثغور رندة، فزحف منها إلى مالقة سنة خمس وستين فافتتحها، وفرّ الرئيس محمد بن إسماعيل من غرناطة ولحق بالطاغية. وكان معه إدريس بن عثمان شيخ الغزاة بحبسه إلى أن فرّ من محبسه بعد حين، كما يذكر في أخبارهم. وزحف السلطان محمد فيمن معه وأتوه بحاجب الرئيس وقتله، واستلحم معه الرجال من الزعالقة الذين قتلوا الحاجب وتسوّروا قصور الملك. ودخل السلطان محمد غرناطة واستولى على ملكه، وقدّم على الغزاة شيخهم يحيى بن عمر، واختصّ ابنه عثمان، ثم نكبهما لسنة وحبسهما بالمطبق بالمرية، ثم غرّبهما بعد أعوام وقدّم على الغزاة قريبهما علي بن بدر الدين بن محمد بن رحو. ثم مات فقدّم مكانه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وترفّع على السلطان أبي علي ابن محمد ملك المغرب، وتملأ هذا السلطان محمد المخلوع أريكة ملكه بالحمراء ممتنعا بالظهور والترف والعزّة على الطاغية والجلالقة، وعلى ملوك المغرب بالعدوة بما نال دولتهم جميعا من الهرم الّذي يلحق الدول. وأمّا الجلالقة فانتقضوا على ملكهم بطرة ابن أدفونش سنة ثمان وستين من لدن مهلك أبيهما، ووقعت بين بطرة وبين ملك برشلونة بسبب إجارته عليه فتن وحروب حجر منها الجلالقة، وكانت سببا لانتقاضهم على بطرة واستدعائهم لأخيه ألفنش فجاء وبايعوه. وانحرفوا إليه جميعا عن بطرة، فتحيّز إلى ناحية بلاد المسلمين واستدعى هذا السلطان محمدا صاحب غرناطة لنصره من عدوّه، وأغزاه ببلاد ألفنش ففتح كثيرا من معاقلها وخرّبها مثل حيّان [١] وأبدّة وأثر وغيرها. وعاث في بسائطها ونزل قرطبة وخرّب نواحيها ورجع ظافرا غانما. ولحق

стр. 2332

ببطرة سلطان الإفرنجة الأعظم في ناحية الشمال من وراء جزيرة الأندلس، وهو صاحب جزيرة أركبلطرة وتسمّى بنسر غالس، وفد عليه صريخا وزوّجه بنته، فبعث ابنه لنصره في أمم الإفرنج. وانهزم ألفنش أمامهم، وارتجع بطرة البلاد حتى إذا رجعت عساكر الإفرنجة، رجع ألفنش فارتجع [١] البلاد ثانيا وحاصر أخاه بطرة في بعض حصون جلّيقة حتى أخذه وقتله واستولى على ملكهم. واغتنم السلطان صاحب غرناطة شغلهم بهذه الفتنة فاعتزّ عليهم، ومنع الجزية التي كانوا يأخذونها من المسلمين منذ عهد سلفه فأقاموا من لدن سنة اثنتين وسبعين لا يعطونهم شيئا. واستمرّ على ذلك وسما إلى مطالبتهم بنسر غالس ملك الفرنجة من ورائهم الّذي جاء لنصر بطرة، وأنكحه بطرة ابنته، وولدت له ولدا فزعم أبوه هذا الملك أنه أحق بالملك من ألفنش وغيره على عادة العجم في تمليك الأسباط من ولد البطن. وطالت الحرب بينهما ونزل بالجلالقة من ذلك شغل شاغل، واقتطع الكثير من ثغورهم وبلادهم، فمنعهم ابن الأحمر الجزية واعتزّ عليهم كما ذكرناه، والحال على ذلك لهذا العهد. وأمّا ملوك المغرب فإن السلطان عبد العزيز بن السلطان أبي الحسن لما استبدّ بملكه واستفحل أمره، وكان عبد الرحمن بن أبي يغلوسن مقدّما على الغزاة بالأندلس كما قلناه، وهو قسيمه في النسب ومرادفه في الترشيح للملك، فعثر السلطان عبد العزيز على مكاتبة بينه وبين أهل دولته، فارتاب وبعث إلى ابن الأحمر في حبسه فحبسه، وحبس معه الأمير مسعود بن ماسي لكثرة خوضه في الفتنة، ومكاتبته لأهل الدولة. فلما توفي السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين وبويع ابنه محمد السعيد يافعا وكفله وزير أبيه أبو بكر بن غازي الثائر أطلق ابن الأحمر عبد الرحمن بن أبي يغلوسن من محبسه فنقم ذلك عليه الوزير أبو بكر كافل الدولة بالمغرب، واعتزم على بعث الرؤساء من قرابة ابن الأحمر إلى الأندلس لمنازعته، ومدّه بالمال والجيش. وبلغ ذلك ابن الأحمر فعاجله عنه وسار في العساكر إلى فرضة المجاز، ونازل جبل الفتح، ومعه ابن يغلوسن وابن ماسي، وأركبهما السفن فنزلوا ببلاد بطرة فاضطرب المغرب، واشتدّ الحصار على أهل جبل الفتح، واستأمنوا لابن الأحمر وأطاعوه. وكان بسبتة محمد بن عثمان بن الكاس صهر أبي بكر بن غازي وقريبه بعثه

стр. 2333

لضبط المراسي عند ما نزل ابن الأحمر على الجبل، وبطنجة يومئذ جماعة من ولد السلطان أبي الحسن المرشحين محبوسون منذ عهد عبد العزيز، فوقعت المراسلة من السلطان ابن الأحمر ومحمد بن عثمان، ونكر عليه مبايعتهم لولد صغير لم يراهق. وأشار ببيعة واحد من أولئك المرشّحين المحبوسين بطنجة، ووعده بالمظاهرة والمدد بالمال والجيش، ووقع اختيار محمد بن عثمان على السلطان أبي العبّاس أحمد، فأخرجه وبايع له. وقد كان أولئك الفتية تعاهدوا في محبسهم أنّ من استولى منهم على الملك أطلق الباقين منهم، فوفّى لهم السلطان أبو العبّاس لأوّل بيعته، وأطلقهم من المحبس، وبعثهم إلى الأندلس، ونزلوا على السلطان ابن الأحمر فأكرمهم وجعلهم لنظره. وبعث بالأموال والعساكر للسلطان أبي العبّاس ولوزيره محمد بن عثمان، وكتب إلى عبد الرحمن بن أبي يغلوسن بموافقتهما واجتماعهما على الأمر، فساروا جميعا ونازلوا دار الملك بفاس حتى استأمن ابو بكر بن غازي للسلطان أبي العبّاس، وأمكنه من البلد الجديد دار الملك فدخلها في محرّم سنة ست وسبعين. وشيّع عبد الرحمن بن أبي يغلوسن إلى مراكش وأعمالها وسوّغ له ملكها كما كان الوفاق بينهما من قبل. وبعث بالسعيد بن عبد العزيز المنصوب، واتصلت الموالاة والمهاداة بينه وبين ابن الأحمر، وانتقض ما بينه وبين عبد الرحمن صاحب مراكش، ونهض مرارا، وحاصره وابن الأحمر يمدّه تارة ويسعى بينهما في الصلح أخرى، إلى أن نهض إليه سنة أربع وثمانين وحاصره شهرا، واقتحم عليه حصنه عنوة وقتله ورجع إلى فاس. ثم نهض. الى تلمسان، وهرب صاحبها أبو أحمد سلطان بني عبد الواد، ودخل السلطان أبو العبّاس تلمسان. وكان جماعة من سماسرة الفتن قد سعوا ما بينه وبين السلطان ابن الأحمر بالفساد حتى أوغروا صدره، وحملوه على نقض دولة السلطان أبي العبّاس ببعض الأعياص الذين عنده، فاختار من أولئك الفتية الذين نزلوا عليه من طنجة موسى ابن السلطان أبي عنّان، واستوزر له مسعود بن ماسي، وركب السفن معه إلى سبتة فبادر أهلها بطاعة موسى، وأتوه ببيعتهم، وارتحل عنهم إلى فاس وملك السلطان ابن الأحمر سبتة، وصارت في دعوته، وعمد السلطان موسى إلى دار الملك بفاس فوقف عليها يوما، واستأمنوا له آخر النهار فدخلها سنة ست وثمانين، وأصبح جالسا على سرير ملكه. وطار الخبر إلى السلطان أبي العبّاس، وقد ارتحل من تلمسان لقصد أبي حبو وبني عبد الواد بمكانهم من دار الملك فكرّ راجعا،

стр. 2334

وأغذّ السير إلى فاس، فلما تجاوز تازي وتوسّط ما بينهما وبين فاس، افترق عنه بنو مرين وسائر عساكره، وساروا على راياتهم إلى السلطان موسى، ونهب معسكره، ورجع هو إلى تازي فتوثّق منه عاملها حتى جاء يريد السلطان من فاس فتقبض عليه، وحمله إلى فاس وأزعجه السلطان موسى إلى الأندلس ونزل على ابن الأحمر كما كان هو. واستولى السلطان موسى على المغرب واستبد عليه وزيره مسعود، وطالب ابن الأحمر بالنزول على سبتة فامتنع، ونشأت بينهما الفتنة، ودسّ ابن ماسي لأهل بيته بالثورة على حامية السلطان ابن الأحمر عندهم فثاروا عليهم، وامتنعوا بالقصبة حتى جاءهم المدد في أساطيل ابن الأحمر، فسكن أهل بيته واطمأنت الحال، ونزع إلى السلطان ابن الأحمر جماعة من أهل الدولة، وسألوه أن يبعث لهم ملكا من الأعياص الذين عنده، فبعث إليهم الواثق محمد بن الأمير أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن وشيّعه في الاسطول إلى سبتة، وخرج إلى غمارة وبلغ الخبر إلى مسعود بن ماسي، فخرج إليه في العسكر وحاصره بتلك الجبال. ثم جاءه الخبر بموت سلطانه موسى ابن السلطان أبي عنّان بفاس فارتحل راجعا. ولما وصل إلى دار الملك نصّب على الكرسي صبيا من ولد السلطان أبي العبّاس كان تركه بفاس. وجاء السلطان أبو عنّان ابن الأمير أبي الفضل، ونزل بجبل زرهون قبالة فاس. وخرج ابن ماسي في العساكر فنزل قبالته. وكان متولي أمره أحمد بن يعقوب الصبيحي، وقد غصّ به أصحابه فذبوا [١] عليه وقتلوه أمام خيمة السلطان. وامتعض السلطان لذلك ووقعت المراسلة بينه وبين ابن ماسي على أن يبايع بشرط الاستبداد عليه، واتفقا على ذلك. ولحق السلطان بابن ماسي ورجع به إلى دار الملك فبايع له وأخذ له البيعة من الناس. وكانت معه حصة من جند السلطان ابن الأحمر مع مولى من مواليه فحبسهم جميعا. وامتعض لذلك السلطان فاركب ابا العبّاس البحر وجاء معه بنفسه إلى سبتة فدخلها وعساكر ابن ماسي عليها يحاصرونها، فبايعوا جميعا للسلطان أبي العبّاس. ورجع ابن الأحمر إلى غرناطة، وسار السلطان أبو العباس إلى فاس واعترضه ابن ماسي في العساكر فحاصره بالصفيحة من جبل غمارة، وتحدّث أهل عسكره في اللحاق بالسلطان أبي العبّاس ففزعوا إليه، وهرب ابن ماسي وحاصره السلطان شهرا حتى

стр. 2335

نزلوا على حكمه فقطع ابن ماسي بعد أن قتله ومثّل به. وقتل سلطانه، واستلحم سائر بني ماسي بالنكيل والقتل والعذاب. واستولى على المغرب واستبدّ بملكه وأفرج السلطان ابن الأحمر على سبتة وأعادها إليه. واتصلت الموالاة بينهما. وأقام ابن الأحمر في اعتزازه ولم تطرقه نكبة ولا حادثة سائر أيامه إلا ما بلغنا أنه نمي له عن ابنه وليّ عهده أبي الحجّاج يوسف أنه يروم التوثّب به، وكان على سفر في بعض نواحي الأندلس فقبض على ولده لحينه، ورجع إلى غرناطة. ثم استكشف حاله فظهرت براءته فأطلقه وأعاده إلى أحسن أحواله. وإلا ما بلغنا أيضا أنه لمّا سار من غرناطة إلى جبل الفتح شاربا [١] لأحوال السلطان أبي العبّاس وهو بالصفيحة من جبال غمارة، وابن ماسي يحاصره، فنمي إليه أن بعض حاشيته من أولاد الوزراء وهو ابن مسعود البلنسي [٢] ابن الوزير أبي القاسم بن حكيم قد اتفقوا على اغتياله، وأن ابن ماسي دسّ إليهم بذلك ونصبت له على ذلك العلامات التي عرفها فقبض عليهم لحينه، ولم يمهلهم وقتلهم وجميع من داخلهم في ذلك، ورجع إلى غرناطة وأقام ممتنعا بملكه إلى أن هلك سنة ثلاث وتسعين، فولي مكانه ابنه أبو الحجّاج وبايعه الناس، وقام بأمره خالد مولى أبيه وتقبّض على إخوته سعد ومحمد ونصر فهلكوا في محبسهم، ولم يوقف لهم على خبر. ثم سعى عنده في خالد القائم بدولته أنه أعد السمّ لقتله، وأن يحيى بن الصائغ اليهودي طبيب دارهم داخله في ذلك ففتك بخالد، وقتل بين يديه صبرا بالسيوف لسنة أو نحوها من ملكه. وحبس الطبيب فذبح في محبسه. ثم هلك سنة أربع وتسعين لسنتين أو نحوها من ملكه. وبويع ابنه محمد وقام بأمره محمد الخصاصي القائد من صنائع أبيه، والحال على ذلك لهذا العهد والله غالب على أمره. وقد انقضى ذكر الدولة الأموية المنازعين لبني العبّاس ومن تبعهم من الملوك بالأندلس، فلنذكر الآن شيئا من أخبار ملوك النصرانية الذين يجاورون المسلمين بجزيرة الأندلس من سائر نواحيهم، ونلمّ بطرف من أنسابهم ودولهم.

стр. 2336

(الخبر عن ملوك بني أدفونش من الجلالقة ملوك الأندلس بعد الغوط ولعهد المسلمين وأخبار من جاورهم من الفرنجة والبشكنس والبرتغال والإلمام ببعض أخبارهم) والملوك لهذا العهد من النصرانية أربعة في أربعة من العمالات محيطة بعمالة المسلمين، قد ظهر اعجاز الملة في مقامهم معهم وراء البحر بعد ما استرجعوا من أيديهم ما نظمه الفتح الإسلامي أوّل الأمر. وأعظم هؤلاء الملوك الأربعة: قشتالة وعمالاته عظيمة متسعة مشتملة على أعمال جليقية كلها، مثل قشتالة وغليسية. والقرنتيرة وهي بسيط قرطبة وإشبيلية وطليطلة وجيان، آخذة في جوف الجزيرة من المغرب إلى المشرق. ويليه من جانب الغرب ملك البرتغال وعمالته صغيرة وهي أشبونة [١] ، ولا أدري نسبه فيمن هو من الأمم. ويغلب على الظنّ أنه من أعقاب القواميس الذين تغلبوا على عمالات بني أدفونش في العصور الماضية كما نذكر بعد، ولعله من أسباطهم وأولي نسبهم والله أعلم. ويلي ملك قشتالة هذا من جهة الشرق ملك نبرة [٢] ، وهو ملك البشكنس وعمالته صغيرة فاصلة بين عمالات قشتالة وعمالة ملك برشلونة. وقاعدة ملك نبرة وهي مدينة ينبلونة. وملك برشلونة وما وراءها. ونحن الآن نذكر أخبار هذه الأمم من عهد الفتح بما يظهر لك منه تفصيل أخبارهم، وذلك أن النصرانية لما تغلّب عليهم المسلمون عند الفتح سنة تسعين من الهجرة، وقتلوا لزريق ملك الغوط [٣] وانساحوا في نواحي جزيرة الأندلس، وأجفلت أمم النصرانية كلها أمامهم إلى سيف البحر من الجوف، وتجاوزوا الدروب وراء قشتالة، واجتمعوا بجليقية وملكوا عليهم ثلاثة: ابن ناقله فأقام ملكا تسع عشرة سنة، وهلك سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وولي ابنه قافلة سنتين، ثم هلك فولوا عليهم بعدهما أدفونش بن بطرة، وهو الّذي اتصل ملكه في عقبه لهذا العهد. ونسبهم في الجلالقة من العجم كما تقدّم. ويزعم ابن حيان أنهم من أعقاب الغوط، وعندي أنّ ذلك ليس بصحيح فإنّ أمة الغوط قد دثرت وغبرت

стр. 2337

وهلكت، وقل أن يرجع أمر بعد إدباره. وإنما هو ملك مستجد في أمة أخرى والله أعلم. فجمعهم أدفونش بن بطرة على حماية ما بقي من أرضهم بعد أن ملك المسلمون عامتها، وانتهوا إلى جليقية وأقصروا عن الفتح بعدها حتى فشلت الدولة الإسلامية بالأندلس، وارتجع النصارى الكثير مما غلبوا عليه. وكان مهلك أدفونش بن بطرة سنة اثنتين وأربعين ومائة لثمان عشرة سنة من ملكه، وولي بعده ابنه فرويلة إحدى عشرة سنة قوى فيها سلطانه، وقارنه فيها شغل عبد الرحمن الداخل بتمهيد أمره فاسترجع مدينة بك، وبرتغال وسمورة، وسلمنقة، وشقرنية، وقشتالة بعد أن كانت انتظمت للمسلمين في الفتح وهلك سنة ثمان وخمسين، وولي ابنه شيلون عشر سنين. وهلك سنة ثمان وستين، فولوا مكانه أدفونش منهم، ووثب عليه سمول ماط فقتله وملك مكانه سبع سنين، وعلى عقب ذلك استفحل ملك عبد الرحمن بالأندلس، وأغزى جيوشه أرض جليقية ففتح وغنم وأسر. ثم ولي منهم أدفونش آخر سنة اثنتين وخمسين، وهلك سنة ثمان وستين فولوا مكانه أدفونش منهم، ووثب أحد ملوكهم المستبدين بأمرهم. قال ابن حيان كانت ولاية رذمير هذا عند ترهب أخيه أدفونش الملك قبله، وذلك سنة تسع عشرة وثلاثمائة على عهد الناصر، وتهيأ للناصر الظهور عليه إلى أن كان التمحيص على المسلمين في غزوة الخندق، وذلك سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وكانت الواقعة بالخندق وقريبا من مدينة شنت ماكس كما ذكر في أخباره. ثم هلك رذمير سنة تسع وثلاثين، وولي أخوه شانجة وكان تياها معجبا بطالا فانتقض سلطانه، ووهن ملك قومه، وانتزى عليه قوامس دولته فلم يتم لبني أدفونش بعدها ملك مستبد في الجلالقة إلّا من بعد أزمان الطوائف وملوكهم كما ذكرناه. وكان اضطراب ملكهم كما نقل ابن حيان على يد فردلند بن عبد شلب قومس ألبة والقلاع، فكان أعظم القوامس، وهم ولاة الأعمال من قبل الملك الأعظم فانتقض على شانجة ألبة وظاهرهم ملك البشكنس على شانجة، وورد شانجة على الناصر بقرطبة صريخا فأمده، واستولى بذلك الإمداد على سمورة فملكها، وأنزل المسلمين بها واتصلت الحرب بين شانجة وبين فردلند إلى أن أسر فردلند في بعض أيام حروبهم، وحصل في أسر ملك البشكنس على أن ينفذ إليه أسيره فردلند بن عبد شلب قومس ألبة والقلاع فأبى من ذلك، وأطلقه. ووفد على المستنصر أرذون [١] بن أدفونش

стр. 2338

المقارع لشانجة صريخا إحدى وخمسين فأجابه، وأنفذ غالبا مولاه في مدده. ثم هلك شانجة ملك بني أدفونش ببطليوس، وقام بأمرهم بعده ابنه رذمير، وهلك أيضا فردلند بن عبد شلب قومس ألبة، وولي بعده ابنه غرسية، ولقي رذمير المسلمين بالثغر في بعض صوائفهم وعظمت نكايته بعد مهلك الحكم المستنصر إلى أن قيض الله لهم المنصور بن أبي عامر حاجب ابنه هشام، فأثخن في عمل رذمير، وغزاه مرارا وحاصره في سمورة. ثم في ليون بعد أن زحف إلى غرسية بن فردلند صاحب ألبة، وظاهر معه ملك البشكنس فغلبهما. ثم ظاهروا مع رذمير وزحفوا جميعا للقائه بشنت ماكس فهزمهم، واقتحمها عليهم وخرّبها. وتشاءم الجلالقة برذمير وخرج عليهم عمه بزمند بن أرذون، وافترق أمرهم ثم رجع رذمير إلى طاعة المنصور سنة أربع وسبعين. وهلك على أثرها فأطاعت أمه، واتفقت الجلالقة على بزمند بن أرذون، وعقد له المنصور على سمورة والعيون وما اتصل بهما من أعمال غليسية إلى البحر الأخضر واشترط عليه فقبل. ثم امتعض بزمند لما نزل بالجلالقة عيث المنصور سنة ثمان وسبعين فافتتح حيون وحاصره في سمورة ففرّ عنها وأسلمها أهلها إلى المنصور فاستباحها ولم يبق لملك الجلالقة إلا حصون يسيرة بالجبل الحاجز بين بلدهم وبين البحر الأخضر. ثم اختلف حال بزمند في الطاعة والانتقاض والمنصور يردّد إليه الغزو حتى أذعن وأخفر ذمته [١] الخارج على المنصور فأسلمه إليه سنة خمس وثمانين، وضرب عليه الجزية وأوطن المسلمين مدينة سمورة سنة تسع وثمانين، وولى عليها أبا الأحوص معن بن عبد العزيز التجيبي. ثم سار إلى غرسية بن فردلند صاحب ألبة، وكان أعان المخالفين على المنصور وكان فيمن أعان عليه حين خرج عليه فنازل المنصور مدينة أشبونة، قاعدة غليسية فملكها وخرّبها. وهلك غرسية هذا فولي ابنه شانجة، وضرب المنصور عليهم الجزية وصار أهل جليقية جميعا في طاعته، وكانوا كالعمال له إلا بزمند بن أرذون ومسد بن عبد شلب قومس غليسية فإنّهما كانا أملك لأمرهما. على أنّ مسدا بعث بنته للمنصور سنة ثلاث وثمانين وصيّرها جارية له فأعتقها وتزوّجها. ثم انتقض بزمند وغزاه المنصور فبلغ شنت ياقب موضع حجّ النصرانية ومدفن يعقوب الحواري من أقصى غليسية، وأصابها خالية فهدمها ونقل

стр. 2339

أبوابها إلى قرطبة فجعلها في سمت الزيادة التي أضافها إلى المسجد الأعظم. ثم تطارح بزمند بن أرذون في السلم وأنفذ ابنه يلانة مع معن بن عبد العزيز صاحب جليقية فوصل به إلى قرطبة وعقد له السلم وانصرف إلى أبيه. وألح المنصور على أرغومس من القوامس وكانوا في طرف جليقية بين سمورة وقشتالة، وقاعدتهم شنت بريّة فافتتحها سنة خمس وثمانين. ثم هلك بزمند بن أرذون ملك بني أدفونش وولي ابنه أدفونش، وهو صاحب بسيط غرسية واحتكما إلى عبد الملك بن المنصور، فخرج أصبغ بن سلمة قاضي النصارى للفصل بينهما، فقضى به لمسد بن عبد شلب. فلم يزل أدفونش بزمند في كفالته إلى أن قتل غيلة سنة ثمان. فاستبد أدفونش بأمره وطلب القواميس المقتدرين على أبيه وعلى من سلف من قومه برسوم الملك فحاز ذلك منهم لنفسه وبعث على نواحيهم من عنده، وأذعنوا له وسقط ذكرهم في وقته مثل بني أرغومس وبني فردلند الذين قدّمنا ذكرهم، وقد كان قيامهم أيام شانجة بن رذمير من بني أدفونش كما قدّمناه. جمعهم أدفونش للقاء عبد الملك المظفر بن المنصور فظاهرهم ملك البشكنس ولقيهم بظاهر فلونية فهزمهم وافتتح الحصن صلحا. ثم انقرض أمر المنصور وبنيه وجاءت الفتنة البربرية على رأس المائة الرابعة فانتهز الفرصة في المسلمين صاحب ألبة، وهو شانجة بن غرسية وصار يظاهر الفرقة الخارجة على الأخرى إلى أن أدرك بعض الأمل، وقتله ملك البشكنس سنة ست وأربعمائة وتغلّب النصارى على ما كان غلب عليه بقشتالة وجليقية، ولم يزل أدفونش ملكا على جليقية وأعمالها. واتصل الملك في عقبه إلى أن كان شأن الطوائف. وتغلب المرابطون ملوك المغرب من لمتونة على ملوك الطوائف، واستولوا على الأندلس وانقرض منها ملك العرب أجمع. وفي تواريخ لمتونة وأخبارهم أن ملك قشتالة الّذي ضرب الجزية على ملوك الطوائف سنة خمسين وأربعمائة هو البيطبيين، ويظهر أنه كان متغلبا على شانجة ابن أبرك الملك يومئذ من بني أدفونش، وهو مذكور في أخبارهم، وأنه لما هلك قام بأمره بنوه فردلند وغرسية ورذمير، وولى أمرهم فردلند واحتوى على شنت بريّة وعلى كثير من عمل ابن الأفطس. ثم هلك وخلف شانجة وغرسية وألفنش فتنازعوا ثم خلص الملك لألفنش وعلى عهده مات الظاهر إسماعيل بن ذي النون سنة سبع وستين وأربعمائة، وهو المستولي على طليطلة سنة ثمان وسبعين وهو يومئذ اعتزاز النصرانية بجزيرة الأندلس، وكان من بطارقته وقواميس دولته البرهانس فكان يلقب

стр. 2340

الأنبنذور، ومعناه ملك الملوك. وهو الّذي لقي يوسف بن تاشفين بالزلاقة، وكانت الدائرة عليه، وذلك سنة إحدى وثمانين. وحاصر ابن هود في سرقسطة، وكان ابن عمه رذمير منازعا له فزحف إلى طليطلة وحاصرها فامتنعت عليه، وحاصر القسريلية وغرسية والمرية والبرهانس مرسية وقسطون شاطبة وسرقسطة. ثم استولى على بلنسية سنة تسع وثمانين، وارتجعها المرابطون من يده بعد أن غلبوا ملوك الطوائف على أمرهم. ثم مات ألفنش سنة إحدى وخمسمائة، وقام بأمر الجلالقة زوجته، وتزوجت رذمير ثم فارقته وتزوجت بعده قمطا من أقماطها، وجاءت منه بولد كانوا يسمونه السليطين، وأوقع ابن رذمير بابن هود سنة ثلاث وخمسمائة الواقعة المشهورة التي استشهد فيها. وملك ابن رذمير سرقسطة، وفرّ عماد الدولة وابنه إلى روطة فأقام إلى أن استنزله السليطين، ونقله إلى قشتالة. ثم كانت بين رذمير وأهل قشتالة حرب هلك فيها البرهانس سنة سبع وخمسمائة وذلك لآخر أيام المرابطين بلمتونة. ثم انقرض أمرهم على يد الموحّدين وكان أمر النصارى لعهد المنصور يعقوب ابن أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن، كان دائرا بين ثلاثة من ملوكهم ألفنش والبيبوح وابن الرند وكبيرهم ألفنش وهو أميرهم يوم الأرك الّذي كان للمنصور عليهم سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، والبيبوح صاحب ليون هو الّذي مكر بالناصر عام العقاب فداخله وقدم عليه وأظهر له التنصيح فبذل له أموالا. ثم غدر به وكرّ عليه الهزيمة يوم العقاب. ثم هلك الناصر وولي ابنه المستنصر وفشل ريح بني عبد المؤمن واستولى ألفنش على جميع ما افتتحه المسلمون من معاقل الأندلس وارتجعها. ثم هلك ألفنش وولي ابنه هراندة وكان أحول، وكان يلقب بذلك، وهو الّذي ارتجع قرطبة وإشبيلية من أيدي بني هود، وعلى عهده زحف ملك أرغون فارتجع شرق الأندلس كله شاطبة ودانية وبلنسية وسرقسطة، وسائر الثغور والقواعد الشرقية. وانحاز المسلمون إلى سيف البحر وملكوا عليهم ابن الأحمر بعد ولاية ابن هود. ثم هلك هراندة وولي ابنه ثم هلك ابنه وولي ابنه هراندة، وأجاز بنو مرين إلى الأندلس صريخا لابن الأحمر وسلطانهم يومئذ يعقوب بن عبد الحق، فلقيته جموع النصرانية بوادلك وعليهم ذنبة من أقماط بني أدفونش وزعمائهم فهزمهم يعقوب بن عبد الحق، وبقيت فتن متصلة، ولم يلقه يعقوب، وإنما كان يغزو بلادهم ويكثر فيها العبث إلى أن ألقوه بالسلم، وخالف على هراندة ملك قشتالة هذا ابنه شانجة فوفد هراندة على يعقوب بن عبد الحق صريخا،

стр. 2341

وقبل يده فقبل وفادته وأمده بالمال والجيش، ورهن في المال التاج المعروف من ذخائر سلفهم فلم يزل بدار بني عبد الحق من بني مرين لهذا العهد. ثم هلك هراندة سنة ثلاث وثمانين واستقل ابنه شانجة بالملك ووفد على يوسف بن يعقوب بالجزيرة الخضراء بعد مهلك أبيه يعقوب، وعقد معه السلم. ثم انتقض وحاصر طريف وملكها وهلك سنة ثلاث وتسعين فولي ابنه هراندة. ثم هلك سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، فولي ابنه بطرة صغيرا، وكفله عمه جران وكان نزلهما جميعا على غرناطة عند زحفهما إليها سنة ثمان عشرة وسبعمائة، فولي ابنه الهنشة بن بطرة صغيرا، وكفله زعماء دولتهم. ثم استبد بأمره وزحف إلى السلطان أبي الحسن، وهو محاصر لطريف سنة إحدى وخمسين وسبعمائة فهلك في الطاعون الجارف، وملك ابنه بطرة وقرابته القمط برشلونة فأجاره ملكها، وزحف إليه بطرة مرارا وتغلّب على كثير من أعماله، وحاصر بلنسية مرارا. ثم أتيح الغلب للقمط سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، فاستولى على بلاد قشتالة وزحف إليه أمم النصرانية لما كانوا سئموا من عنف بطرة وسوء ملكته، ولحق بطرة بأمم الفرنجة الذين وراء قشتالة في الجوف بجهات الليمانية وفرطانية إلى سيف البحر الأخضر، وجزيرة قدوج شنت مزين ملكهم الأعظم، وهو البلنس غالس وجاء معه مددا بأمم لا تحصى حتى ملك قشتالة والقرنتيرة ورجعوا عنه إلى بلادهم بعد أن أصابهم وباء هلك الكثير منهم. ثم اتصلت الحرب بين بطرة وأخيه القمط إلى أن غلبه القمط، واعتصم منه بطرة ببعض الحصون ونازلة القمط حتى إذا أشرف على أخذه، بعث بطرة إلى بعض الزعماء سرا لنيل النزول في جواره فأجابه، ووشى به لأخيه القمط فكبسه في بيت ذلك الزعيم وقتله سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة. واستولى القمط على ملك بني أدفونش أجمع واستنزل ابن أخيه بطرة من قرمونة وقد كان اعتصم بها بعد مهلك أبيه مع وزيره مرتين لبس هو. واستقام له ملك قشتالة ونازعه البلنس غالس ملك الإفرنجة بالابن الّذي هو من بنت بطرة على عادة العجم في تمليك ابن البنت محتجا بأن القمط لم يكن لرشدة. واتصلت الحرب بينهما وشغله ذلك عن المسلمين فامتنعوا من الجزية التي كانت عليهم لمن قبله. وهلك هذا القمط سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، فملك ابنه شانجة وفرّ ابنه الآخر غرمس إلى غرناطة، ثم رجع إلى نواحي قشتالة والأمر على ذلك لهذا العهد، وفتنتهم مع ألفنش ملك الفرنج موصولة وعاديتهم لذلك عن المسلمين مرفوعة، والله من ورائهم محيط. وأمّا ملك

стр. 2342

البرتغال بجهة أشبونة غرب الأندلس ومملكته صغيرة، وهي من أعمال جليقية، وصاحبها لهذا العهد متميز بسمته. وملكه مشارك لابن أدفونش في نسبه ولا أدري كيف يتصل نسبه معهم. وأمّا ملك برشلونة بجهة شرق الأندلس فعمالتهم واسعة، ومملكتهم كبيرة تشتمل على برشلونة بجهة وارغون وشاطبة وسرقسطة وبلنسية وجزيرة دانية وميورقة وبنورقة، ونسبهم في الفرنج، وسياق الخبر عن ملكهم ما نقل، ابن حيان أن الغوط الذين كانوا بالأندلس كانوا قديما في ملك الفرنج، ثم اعتزوا عليهم وامتنعوا ونبذوا إليهم عهدهم. وكانت برشلونة من ممالك الفرنج وعمالاتهم، فلما جاء الله بالإسلام وكان الفتح، قعد الفرنج عن نصر الغوط لتلك العداوة، فلما انقضى أمر الغوط زحف المسلمون إلى الفرنج فأزعجوهم [١] عن برشلونة وملكوها. ثم تجاوزوا الدروب من ورائها إلى البسائط بالبر الكبير فملكوا من قواعدها جزيرة أربونة وما إليها من تلك البسائط. ثم كانت فترة عند انقراض الدولة الأموية بالمشرق وبداية الدولة العباسية افتتن فيها العرب بالأندلس، وانتهز الفرنج فرصتهم فارتجعوا بلادهم إلى برشلونة فملكوها لهذا العهد مائتين من الهجرة، وولّوا عليهم من قبلهم، وصار أمرها راجعا إلى ملك رومة من الفرنجة، وهو قارله الأكبر، وكان من الجبابرة. ثم ركبهم من الخلاف والمنافسة في أوقات ضعفهم واختلاف ملوكهم كالذي ركبه المسلمون من ضعفت يده من الملوك، فاقتطع الأمراء نواحيهم بكل جهة، فكان ملوك برشلونة هؤلاء ممن اقتطع عمله، وكان ملوك بني أمية لأوّل دولتهم يتراضون بمهادنة هؤلاء الملوك أهل برشلونة حذرا من مدد صاحب رومة. ثم صاحب القسطنطينية من ورائه. فلما كانت دولة المنصور بن أبي عامر بين اقطاع برشلونة عن ملك الفرنج، شمر المنصور لغزوهم واستباح بلادهم وأثخن في أعمالهم، وافتتح برشلونة وخرّبها، وأنزل بهم النقمات وملكهم لعهده بردويل بن سير وكانت حالة الظهور عليه كحاله مع سائر الملوك النصارى. ولما هلك بردويل ترك من الولد فلبة وريند وأومنقود. ثم انتقض أومنقود على عبد الملك بن المنصور فغزاه وأخذه في بعض ثغوره صلحا. ثم كانت الفتنة البربرية وحضرها أومنقود فهلك في الوقعة مع البربر سنة أربعمائة، وانفرد بيمند بملك برشلونة إلى أن هلك بعد عشر وأربعمائة، وملك ابنه يلتنفير وكفلته أمه وحاربت

стр. 2343

يحيى بن منذر من ملوك الطوائف وهي التي تغلبت على ثغر طرشوشة، واتصل الملك في عقب بيمند. وكان الملك منهم لآخر دولة الموحدين جامعة بن بطرة بن أدفونش ابن ريند، وهو الّذي ارتجع بلنسية وملكهم بهذا العهد اسمه بطرة. ولم يبلغني كيف اتصال نسبه بقومه. وملك بعد العشرين من هذه المائة وهو حيّ لهذا العهد، وابنه غالب عليه لكبر سنه. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. (أخبار القائمين بالدولة العباسية من العرب المستبدين بالنواحي ونبدأ منهم ببني الأغلب ولاة افريقية وأولية أمرهم ومصاير أحوالهم) قد ذكرنا في خلافة عثمان بن عفان ﵁ شأن فتح إفريقية على يد عبد الله ابن أبي سرح، وكيف زحف إليها في عشرين ألفا من الصحابة وكبار العرب، ففض جموع النصرانية الذين كانوا بها من الفرنجة والروم والبربر، وهدم سبيطلة قاعدة ملكهم وخرّبها، واستبيحت أموالهم وسبيت نساؤهم وبناتهم، وافترق أمرهم وساخت خيول العرب في جهات إفريقية، وأثخنوا بها في أهل الكفر قتلا وأسرا حتى لقد طلب أهل إفريقية من ابن أبي سرح أن يرحل عنهم بالعرب إلى بلادهم، ويعطوه ثلاثمائة قنطار من الذهب ففعل وقفل إلى مصر سنة سبع وعشرين. (معاوية بن خديج) ثم اغزى معاوية بن أبي سفيان معاوية بن خديج السكونيّ. إفريقية سنة أربع وثلاثين، وكان عاملا على مصر فغزاها ونازل جلولاء، وقاتل مدد الروم الّذي جاءها من قسطنطينية لقيهم بقصر الأحمر فغلبهم، وأقلعوا إلى بلادهم، وافتتح جلولاء وغنم وأثخن وقفل .

стр. 2344

(عقبة بن نافع) ثم ولى معاوية سنة خمس وأربعين عقبة بن نافع بن عبد الله بن قيس الفهري على إفريقية واقتطعها عن معاوية بن خديج، فبنى القيروان وقاتل البربر وتوغّل في أرضهم. (أبو المهاجر) ثم استعمل معاوية على مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد، فعزل عقبة عن إفريقية، وولى مولاه أبا المهاجر دينارا سنة خمس وخمسين فغزا المغرب، وبلغ إلى تلمسان، وخرب قيروان عقبة وأساء عزله، وأسلم على يديه كسيلة الأوربي بعد حرب ظفر به فيها. (عقبة بن نافع ثانيا) ولما استقل يزيد بن معاوية بالخلافة، رجع عقبة بن نافع الى إفريقية سنة اثنتين وستين فدخل إفريقية، وقد نشأت الردّة في البرابرة فزحف إليهم، وجعل مقدمته زهير بن قيس البلوي وفرّ منه الروم والفرنجة فقاتلهم، وفتح حصونهم مثل لميس وباغاية، وفتح أذنه قاعدة الزاب بعد أن قاتله ملوكها من البربر فهزمهم، وأصاب من غنائمهم وحبس أبا المهاجر فلم يزل في اعتقاله. ثم رحل إلى طنجة فأطاعه بلبان ملك غمارة، وصاحب طنجة وهاداه وأتحفه، ودله على بلاد البربر وراءه بالمغرب، مثل وليلى [١] عند زرهون وبلاد المصامدة وبلاد السوس، وكانوا على دين المجوسية، ولم يدينوا بالنصرانية، فسار عقبة وفتح وغنم وسبى وأثخن فيهم وانتهى إلى السوس. وقاتل مسوفة من أهل اللثام وراء السوس، ووقف على البحر المحيط وقفل راجعا،

стр. 2345

وأذن لجيوشه في اللحاق بالقيروان. وكان كسيلة ملك أروبة والبرانس من البربر قد اضطغن عليه بما كان يعامله به من الاحتصار، يقال: إنه كان يحاصره في كل يوم ويأمره بسلخ الغنم إذا ذبحت لمطبخه فانتهز فيه الفرصة، وأرسل البربر فاعترضوا له في تهودا [١] وقتلوه في ثلاثمائة من كبار الصحابة والتابعين، واستشهدوا كلهم وأسر في تلك الوقعة محمد بن أوس الأنصاري في نفر فخلصهم صاحب قفصة، وبعث بهم إلى القيروان مع من كان بها من المخلفين والذراري. ورجع زهير بن قيس إلى القيروان واعتزم على القتال وخالفه حنش بن عبد الله الصنعاني وارتحل إلى مصر واتبعه الناس فاضطر زهير إلى الخروج معهم، وانتهى إلى برقة فأقام بها مرابطا، واستأمن من كان بالقيروان إلى كسيلة فأمنهم ودخل القيروان وأقاموا في عهده. (زهير بن قيس البلوي) ولما ولي عبد الملك بن مروان بعث إلى زهير بن قيس بمكانه من برقة بالمدد، وولّاه حرب البرابرة فزحف سنة سبع وستين ودخل إفريقية ولقيه كسيلة على ميس من نواحي القيروان فهزمه زهير بعد حروب صعبة، وقتله واستلحم في الوقعة كثير من أشراف البربر ورجالاتهم. ثم قفل زهير إلى المشرق زاهدا في الملك، وقال: إنما جئت للجهاد وأخاف أن نفسي تميل إلى الدنيا، وسار إلى مصر واعترضه بسواحل برقة أسطول صاحب قسطنطينية، جاءوا لقتاله فقاتلهم واستشهد رحمه الله تعالى. (حسان بن النعمان الغساني) ثم إن عبد الملك بن مروان بعد أن قتل عبد الله بن الزبير وصفا له الأمر، أمر حسان ابن النعمان الغساني بغزو إفريقية، وأمده بالعساكر، ودخل القيروان وافتتح قرطاجنة عنوة وخربها، وفر من كان بها من الروم والفرنجة إلى صقلّيّة والأندلس. ثم اجتمعوا

стр. 2346

في صطفورة وبنزرت وهزمهم ثانية. وانحاز الفل إلى باجة وبونة فتحصنوا بها. ثم سار حسان إلى الكاهنة ملكة جرارة بجبل أوراس، وهي يومئذ أعظم ملوك البربر، فحاربها، وانهزم المسلمون وأسر منهم جماعة، وأطلقتهم الكاهنة سوى خالد بن يزيد القيسي فإنّها أمسكته وأرضعته مع ولديها وصيرته أخا لهما. وأخرجت العرب من إفريقية وانتهى حسان إلى برقة، وجاءه كتاب عبد الملك بالمقام حتى يأتيه المدد. ثم بعث إليه المدد سنة أربع وسبعين فسار إلى إفريقية ودس إلى خالد بن يزيد يستعمله فأطلعه على خبرهم، واستحثه فلقي الكاهنة وقتلها وملك جبل أوراس وما إليه، ودوّخ نواحيه وانصرف إلى القيروان وأمن البربر. وكتب الخراج عليهم وعلى من معهم من الروم والفرنج على أن يكون معه اثنا عشر ألفا من البربر لا يفارقونه في مواطن جهاده ورجع إلى عبد الملك، واستخلف على إفريقية رجلا اسمه صالح من جنده. (موسى بن نصير) ولما ولي الوليد بن عبد الملك كتب إلى عمه عبد الله، وهو على مصر ويقال عبد العزيز، أن يبعث بموسى بن نصير إلى إفريقية، وكان أبوه نصير من حرس معاوية فبعثه عبد الله، وقدم القيروان وبها صالح خليفة حسان فعقد له، ورأى البربر قد طمعوا في البلاد فوجه البعوث في النواحي، وبعث ابنه عبد الله في البحر إلى جزيرة ميورقة فغنم منها وسبى وعاد. ثم بعثه إلى ناحية أخرى وابنه مروان كذلك، وتوجه هو إلى ناحية فغنم منها وسبى وعاد. وبلغ الخمس من المغنم سبعين ألف رأس من السبي. ثم غزا طنجة وافتتح درعه وصحراء تافيلالت. وأرسل ابنه إلى السوس وأذعن البربر لسلطانه ودولته وأخذ رهائن المصامدة وأنزلهم بطنجة، وذلك سنة ثمان وثمانين، وولى عليها طارق بن زياد الليثي. ثم أجاز طارق إلى الأندلس دعاه إليها بلبان ملك غمارة فكان فتح الأندلس سنة تسعين. وأجاز موسى بن نصير على أثره فكمل فتحها كما ذكرناه. ثم قفل موسى إلى الشرق واستخلف على إفريقية ابنه عبد الله وعلى الأندلس عبد العزيز. وهلك الوليد وولي سليمان سنة ست وتسعين فسخط موسى وحبسه .

стр. 2347

(محمد بن يزيد) ولما ولي سليمان وحبس موسى بن نصير عن [١] ابنه عبد الله عن إفريقية ولّى مكانه محمد بن يزيد مولى قريش فلم يزل عليها حتى مات سليمان. (إسماعيل بن أبي المهاجر) ولما مات سليمان استعمل عمر بن عبد العزيز على إفريقية إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر وكان حسن السيرة وأسلم جميع البربر في أيامه. (يزيد بن أبي مسلم) ولما تولى يزيد بن عبد الملك، ولى على إفريقية يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج وكاتبه فقدم سنة إحدى ومائة، وأساء السيرة في البربر، ووضع الجزية على من أسلم من أهل الذمة منهم تأسيا بما فعله الحجاج بالعراق فقتله البربر لشهر من ولايته. ورجعوا إلى محمد بن يزيد مولى من الأنصار الذين كان عليهم قبل إسماعيل، وكتبوا إلى يزيد بالطاعة والعذر عن قتل ابن أبي مسلم فأجابهم بالرضا وأقرّ محمد بن يزيد على عمله. (بشر بن صفوان الكلبي) ثم ولى يزيد على إفريقية بشر بن صفوان الكلبي فقدمها سنة ثلاث ومائة، فمهدها وسكن أرجاءها، وغزا بنفسه صقلّيّة سنة تسع ومائة وهلك مرجعه عنها.

стр. 2348

(عبيدة بن عبد الرحمن) ثم عزل هشام بن عبد الملك بشر بن صفوان عن إفريقية وولى مكانه عبيدة بن عبد الرحمن السلمي وهو ابن أخي أبي الأعور فقدمها سنة عشر ومائة (عبيد الله بن الحجاب) ثم عزل هشام عبيدة بن عبد الرحمن وولى مكانه عبيد الله بن الحجاب مولى بني سلول وكان واليا على مصر، فأمره أن يمضي إلى إفريقية، واستخلف على مصر ابنه أبا القاسم، وسار إلى إفريقية فقدمها سنة أربع عشرة، وبنى جامع تونس، واتخذ لها دار الصناعة لإنشاء المراكب البحرية. وبعث إلى طنجة ابنه إسماعيل وجعل معه عمر ابن عبيد الله المرادي وبعث على الأندلس عقبة بن حجاج القيسي. وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع غازيا إلى المغرب فبلغ السوس الأقصى وأرض السودان، وأصاب من مغانم الذهب والفضة والسبي كثيرا ودوخ بلاد المغرب وقبائل البربر ورجع. ثم أغزاه ثانية في البحر إلى صقلّيّة سنة اثنتين وعشرين، ومعه عبد الرحمن ابن حبيب فنازل سرقوسة أعظم مدائن صقلّيّة، وضرب عليهم الجزية وأثخن في سائر الجزيرة. وكان محمد بن عبيد الله بطنجة قد أساء السيرة في البربر، وأراد أن يخمس [١] من أسلم منهم، وزعم أنه الفيء، فاجمعوا الانتقاض، وبلغهم مسير العساكر مع حبيب بن أبي عبيدة إلى صقلّيّة فسار ميسرة المظفري بدعوة الصفرية من الخوارج، وزحف إلى طنجة فقتل عمر بن عبيد الله وملكها، واتبعه البربر وبايعوه بالخلافة، وخاطبوه بأمير المؤمنين، وفشت مقالته في سائر القبائل بإفريقية وبعث ابن الحجاب إليه خالد بن حبيب الفهري فيمن بقي معه من العساكر. واستقدم حبيب بن أبي عبيدة من صقلّيّة ومن معه من العساكر، وبعثه في أثر خالد، ولقيهم ميسرة والبربر بناحية طنجة فاقتتلا قتالا شديدا. ثم تحاجزوا ورجع

стр. 2349

ميسرة إلى طنجة فكره البربر سوء سيرته فقتلوه، وولّوا عليهم مكانه خالد بن حبيب الزناتي، واجتمع إليه البربر، ولقيه خالد بن حبيب في العرب وعساكر هشام فانهزموا، وقتل خالد بن حبيب وجماعة من العرب وسميت بهم غزوة الأشراف، وانتقضت إفريقية على ابن الحجاب وبلغ الخبر إلى الأندلس فعزلوا عامله عقبة بن الحجاج، وولوا عبد الملك بن قطن كما مرّ. (كلثوم بن عياض) ولما انتهى الخبر إلى هشام بن عبد الملك بهزيمة العساكر بالمغرب استنقص ابن الحجاب وكتب إليه يستقدمه، وولّى على إفريقية سنة ثلاث وعشرين ومائة كلثوم بن عيّاض، وعلى مقدّمته بلخ بن بشر القشيريّ، فأساء إلى أهل القيروان، فشكوا إلى حبيب بن أبي عبيدة وهو بتلمسان موافق للبربر، فكتب إلى كلثوم بن عيّاض ينهاه ويتهدّده، فاعتذر واغضى له عنها، ثم سار واستخلف على القيروان عبد الرحمن بن عقبة، ومرّ على طريق سبيبة، وانتهى إلى تلمسان ولقي حبيب بن أبي عبيدة واقتتلا، ثم اتفقا ورجعا جميعا. وزحف البرابرة إليهم على وادي طنجة، وهو وادي سوا فانهزم بلخ في الطلائع وانتهوا إلى كلثوم، فانكشف واشتد القتال وقتل كلثوم وحبيب بن أبي عبيدة وكثير من الجند، وتحيّز أهل الشام إلى سبتة مع بلخ بن بشر، فحاصرهم البرابرة وأرسلوا إلى عبد الملك بن قطن أمير الأندلس في أن يجيزوا إليه، فأجابهم إلى ذلك بشرط أن يقيموا سنة واحدة، وأخذ رهنهم على ذلك، وانقضت السنة وطالبهم بالشرط فقتلوه وملك بلخ الأندلس. وكان عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة ابن عقبة بن نافع لما قتل أبوه حبيب مع كلثوم بن عيّاض، وأجاز بلخ إلى الأندلس فملكها، فأجاز عبد الرحمن إلى الأندلس يحاول ملكها. فلما جاء أبو الخطّار إلى الأندلس من قبل حنظلة أيس عبد الرحمن من أمرها، ورجع إلى تونس سنة ست وعشرين ومائة وقد توفي هشام وولي الوليد بن يزيد فدعا لنفسه، وسار إلى القيروان ومنع حنظلة من قتاله، وبعث إليه وجوه الجند فانتهز عبد الرحمن الفرصة فيهم وأوثقهم لئلا يقاتله أصحابهم، وأغذ السير إلى القيروان فرحل حنظلة من إفريقية وقفل إلى المشرق سنة سبع وعشرين، واستقل عبد الرحمن بملك إفريقية وولّى مروان

стр. 2350

ابن محمد، فكتب له بولايتها، ثم ثارت عليه الخوارج في كلّ جهة فكان عمر بن عطاب الأزديّ بطبنياش، وعروة بن الوليد الصغريّ بتونس، وثابت الصّنهاجيّ بباجة، وعبد الجبّار بن الحرث بطرابلس على رأي الإباضيّة، فزحف عبد الرحمن إليهما سنة إحدى وثلاثين فظفر بهما، وقتلهما، وسرّح أخاه الياس لابن عطاب فهزمه وقتله، ثم زحف إلى عروة بتونس فقتله، وانقطع أمر الخوارج، وزحف سنة خمس وثلاثين إلى جموع من البربر بنواحي تلمسان فظفر بهم وقفل. ثم بعث جيشا في البحر إلى صقلّيّة وآخر إلى سردانية فاثخنوا في أمم الفرنج حتى استقرّوا بالجزاء. ثم دالت دولة بني العبّاس وبعث عبد الرحمن بطاعته إلى السفّاح. ثم إلى أبي جعفر من بعده. ولحق كثير من بني أمية إلى إفريقية. وكان ممن قدم عليه القاضي، وعبد المؤمن ابنا الوليد بن يزيد ومعهما ابنة عمّ لهما، فزوّجها عبد الرحمن من أخيه الياس. ثم بلغ عبد الرحمن عنهما السعي في الخلافة فقتلهما، وامتعضت لذلك ابنة عمهما، فأغرت زوجها بأخيه عبد الرحمن واستفسدته. وكان عبد الرحمن قد أرسل إلى أبي جعفر بهدية قليلة، وذهب يعتذر عنها فلم يحسن العذر، وأفحش في الخطاب فكتب إليه المنصور يتهدّده، وبعث إليه بالخلعة فانتقض هو ومزّق خلعته على المنبر فوجد أخوه الياس بذلك السبيل إلى ما كان يحاول عليه، وداخل وجوها من الجند في الفتك بعبد الرحمن وإعادة الدعوة للمنصور، ومالأه في ذلك أخوه عبد الوارث، وفطن عبد الرحمن لهما فأمر الياس بالمسير إلى تونس، وجاء ليودّعه ومعه أخوه عبد الوارث فقتلاه في آخر سبع وثلاثين لعشر سنين من إمارته. (حبيب بن عبد الرحمن) ولما قتل عبد الرحمن نجا ابنه حبيب إلى تونس فلحق به بعد أن طلبوه وضبطوا أبواب القصر ليأخذوه فلم يظفروا به. وكان عمّه عمران بن حبيب بتونس فلحق به، واتبعه الياس فاقتتلوا مليا ثم اصطلحوا على أن يكون لحبيب قفصة وقصطيلة ونفزاوة، ولعمران تونس وصطفورة، وهي تبرزو والجزيرة، ولإلياس سائر إفريقية. وتمّ هذا الصلح سنة ثمان وثلاثين. وسار حبيب إلى عمله ببلاد الجريد، وسار الياس مع أخيه
следующие страницы →