← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

بما وقع اتفاقهم معه عليه وحدّث نفسه بالقبض عليه واستخدام جنده لمدافعة الإفرنج ولم يتمّ له ذلك وشعر به أسد الدين فاعترضه صلاح الدين ابن أخيه وعز الدين خرديك مولاه عند قبر الإمام الشافعيّ رضي الله تعالى عنه وقتلاه وفوّض العاضد أمور دولته إلى أسد الدين وتقاصر الإفرنج عنها ومات أسد الدين واستولى صلاح الدين بعد ذلك على البلاد وارتجع البلاد الإسلامية من يد الإفرنج كما نذكر في أخبار دولته والله أعلم [١] .

стр. 3047

حصار الافرنج دمياط ولما ملك أسد الدين شيركوه مصر خشيه الافرنج على ما بأيديهم من مدن الشام وسواحله وكاتبوا أهل ملتهم ونسبهم بصقلية وافرنسة يستنجدونهم على مصر ليملكوها وبعثوا الأقسة والرهبان من بيت المقدس يستنفرونهم لحمايتها وواعدوهم بدمياط طمعا في أن يملكوها ويتخذوها ركابا للاستيلاء على مصر فاجتمعوا عليها وحاصروها لأوّل أيام صلاح الدين وأمدّهم صلاح الدين بالعساكر والأموال وجاء بنفسه وبعث الى نور الدين يستنجده ويخوفه على مصر فتابع اليه الامداد وسار بنفسه الى بلاد الافرنج بالشام واكتسحها وخربها

стр. 3048

فعاد الفرنج الى دمياط بعد حصار خمسين يوما نفس الله عليهم [١] ومن هذه القصة بقية أخبار الافرنج متعلقة بالدولتين دولة بني زنكي بالشام ودولة بني أيوب بمصر فأخرت بقية أخبارهم الى أن نسردها في الدولتين على مواقعها في مواضعها حسبما تراه ولم يبق الا استيلاؤهم على القسطنطينية من يد الروم فأوردناه هاهنا. استيلاء الافرنج على القسطنطينية كان هؤلاء الافرنج بعد ما ملكوه من بلاد الشام اختلف أحوالهم في الفتنة والمهادنة مع الروم بالقسطنطينية لاستيلائهم على الثغور من بلاد المسلمين التي تجاور الروم التي كانت بأيديهم من قبل وظاهرهم الروم على المسلمين في بعض المرّات ثم غلبوا عليهم آخرا وملكوا القسطنطينية من أيديهم فأقامت في أيديهم مدّة ثم ارتجعها الروم على يد شكري من بطارقتهم وكيفية الخبر عن ذلك أنّ ملوك الروم أصهروا الى ملوك الافرنج وتزوّجوا منهم بنتا لملك الروم فولدت ذكرا خاله الافرنسيس وثب عليه أخوه فانتزع الملك من يده وحبسه ولحق الولد بملك الافرنج خاله مستصرخا به فوصل اليه وقد تجهز الافرنج لاستنقاذ القدس من يد المسلمين وكان صلاح الدين قد ارتجعها منهم كما يأتي في أخباره ان شاء الله تعالى وانتدب لذلك ثلاثة من ملوكهم دموس البنادقة وهو صاحب الاسطول الّذي ركبوا فيه وكان

стр. 3049

شيخا أعمى لا يركب ولا يمشي الا بقائد ومقدّم الفرنسيس ويسمى المركيش والثالث يسمى كبد إقليد [١] وهو أكثرهم عددا فجعل الملك ابن أخته معهم وأوصاهم بمظاهرته على ملكه بالقسطنطينية ووصلوا اليه في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وخمسمائة فخرج عمّ الصبي وقاتلهم واضرم شيعة الصبي النار في نواحي البلاد فاضطرب العسكر ورجعوا وفتح شيعة الصبيّ باب المدينة وأدخلوا الافرنج وخرج عمه هاربا ونصب الافرنج الصبيّ في الملك وأطلقوا أباه من السجن واستبدّوا بالحكم وصادروا الناس وأخذوا مال البيع وما على الصلبان من الذهب وما على تماثيل المسيح والحواريين وما على الإنجيل فعظم ذلك على الروم ووثبوا بالصبيّ فقتلوه وأخرجوا الافرنج من البلد وذلك منتصف سنة ستمائة وأقام الافرنج بظاهرها محاصرين لهم وبعث الروم صريخا الى صاحب قونية ركن الدين سليمان بن قليج ارسلان فلم ينهض لذلك وكان بالمدينة متخلفون من الافرنج يناهزون ثلاثين ألفا فثاروا بالبلد عند شغل الروم بقتال أصحابهم وأضرموا النار ثانيا فاقتحم الافرنج وأفحشوا في النهب والقتل ونجا كثير من الروم الى الكنائس وأعظمها كنيسة سوميا فلم تغن عنهم وخرج القسيسون والأساقفة في أيديهم الإنجيل والصلبان فقتلوهم ثم تنازع الملوك الثلاثة على الملك بها وتقارعوا فخرجت القرعة على كبداقليد فملكها على أن يكون لدموس البنادقة الجزائر البحرية اقريطش ورودس وغيرهما ويكون لمركيش الافرنسيس شرقي الخليج ولم يحصل أحد منهم شيئا الا ملك القسطنطينية كبداقليد وتغلب على شرقي الخليج بطريق من بطارقة الروم اسمه شكري فلم يزل بيده الى أن مات ثم غلب بعد ذلك على القسطنطينية وملكها من يد الافرنج والله غالب على أمره [٢] . الخبر عن دولة بني ارتق وملكهم لماردين وديار بكر ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم كان ارتق بن اكسك ويقال اكست والأوّل أصح كلمة أوّلها همزة ثم كافان الاولى ساكنة بينهما سين من مماليك السلطان ملك شاه بن البارسلان ملك السلجوقية وله مقام محمود في

стр. 3050

دولتهم وكان على حلوان وما اليها من أعمال العراق ولما بعث السلطان ملك شاه عساكره الى حصار الموصل مع فخر الدولة بن جهير سنة سبع وسبعين وأربعمائة أردفه بعسكر آخر مع أرتق فهزمه مسلم بن قريش فحاصره بآمد ثم داخلة في الخروج من هذا الحصار على مال اشترطه ونجا الى الرقة ثم خشي ارتق من فعلته تلك فلحق بتتش حتى سار الى حلب طامعا في ملكها فلقيه تتش وهزمه وكان لارتق في تلك الواقعة المقام المحمود ثم سار تتش الى حلب وملكها واستجار مقدمها ابن الحسين بأرتق فأجاره من السلطان تتش ثم هلك ارتق سنة ثلاث وثمانين بالقدس وملكه من بعد ارتق ابناه أبو الغازي وسقمان وكان لهما معه الرها [١] وسروج [٢] ولما ملك الافرنج انطاكية سنة احدى وتسعين وأربعمائة اجتمعت الأمراء بالشام والجزيرة وديار بكر [٣] وحاصروها وكان لسقمان في ذلك المقام المحمود ثم تخاذلوا وافترقوا وطمع أهل مصر في ارتجاع القدس منهم وسار اليها الملك الأفضل المستولى على دولتهم فحاصرها أربعين يوما وملكها بالأمان وخرج سقمان وأبو الغازي ابنا ارتق وابن أخيهما ياقوتي وابن عمهما سونج وأحسن اليهم الأفضل وولىّ على بيت المقدس ورجع الى مصر وجاء الافرنج فملكوها كما تقدّم في أخبار الدولة السلجوقية ولحق أبو الغازي بالعراق فولّى شحنة بغداد وسار سقمان الى الرها فأقام بها وكان بينه وبين كربوقا صاحب الموصل فتن وحروب أسر في بعضها ياقوتي ابن أخيه ثم توفي كربوقا سنة خمس وتسعين وولىّ الموصل بعده موسى التركماني وكان نائبا بحصن كيفا فزحف اليه جكرمس صاحب جزيرة ابن عمر وحاصره بالموصل واستنجد موسى سقمان على أن يعطيه حصن كيفا [٤] فأنجده وسار اليه وأفرج عنه جكرمس وخرج موسى للقاء سقمان فقتله مواليه غدرا ورجع سقمان الى حصن كيفا فملكه ثم كانت الفتنة بين أبي الغازي وكمستكين القيصري لما بعثه بركيارق شحنة على بغداد وكان هو شحنة من قبل السلطان محمد فمنع القيصري من الدخول واستنجد أخاه سقمان فجاء اليه

стр. 3051

من حصن كيفا في عساكره ونهب تكريت [١] وخرج اليه أبو الغازي واجتمع معهم صدقة بن مزيد صاحب الحلة وعاثوا في نواحي بغداد وفتكوا بنفر من أهل البلد وبعث اليهم الخليفة في الصلح على أن يسير القيصري الى واسط [٢] فسار اليها ودخل أبو الغازي بغداد ورجع سقمان الى بلده وقد مرّ ذلك في أخبارهم ثم استولى مالك بن بهرام أخى سقمان على عامّة الخرمية سنة سبع وتسعين وكان له مدينة سروج فملكها منه الافرنج وسار الى غانة فملكها من بني يعيش بن عيسى بن خلاط واستصرخوا بصدقة بن مزيد وارتجعها لهم منه وعاد الى الحلة فعاد مالك فملكها واستقرّت في ملكه ثم اجتمع سقمان وجكرمس صاحب الموصل على جهاد الافرنج سنة سبع وتسعين وهم محاصرون حران [٣] فتركوا المنافسة بينهم وقصدوهم وسقمان في سبعة آلاف من التركمان فهزموا الافرنج وأسروا القمص بردويل صاحب الرها أسره أصحاب سقمان فتغلب عليهم أصحاب جكرمس وأخذوه وافترقوا بسبب ذلك وعادوا الى ما كان بينهم من الفتن والله أعلم. استيلاء سقمان بن ارتق على ماردين كان هذا الحصن ماردين [٤] من ديار بكر وأقطعه السلطان بركيارق بجميع أعماله لمغن كان عنده وكان في ولاية الموصل وكان ينجرّ اليه خلق كثير من الأكراد يفسدون السابلة واتفق ان كربوقا صاحب الموصل سار لحصار آمد [٥] وهي لبعض التركمان فاستنجد صاحبها بسقمان فسار لانجاده وقاتل كربوقا قتالا شديدا ثم هزمه وأسر ابن أخيه ياقوتي بن ارتق وحبسه بقلعة

стр. 3052

ماردين عند المغنى فبقي محبوسا مدّة طويلة وكثر ضرر الأكراد فبعث ياقوتي الى المغنى صاحب الحصن في أن يطلقه ويقيم عنده بالربض لدفاع الأكراد ففعل وصار يغير عليهم في سائر النواحي الى خلاط وصار بعض أجناد القلعة يخرجون للاغارة معه فلا يهيجهم ثم حدّثته نفسه بالتوثب على القلعة فقبض عليهم بعض الأيام مرجعه من الاغارة ودنا من القلعة وعرضهم على القتل ان لم يفتحوا له ففتحها أهلوهم وملكها وجمع الجموع وسار الى نصيبين [١] وأغار على جزيرة ابن عمر وهي لجكرمس فكبسه جكرمس وأصحابه في الحرب بينهم فقتله وبكاه جكرمس وكان تحت ياقوتي ابنة عمه سقمان فمضت الى أبيها وجمعت التركمان وجاء سقمان بهم الى نصيبين فترك طلب الثار فبعث اليه جكرمس ما أرضاه من المال في ديته ورجع وقدم بماردين بعد ياقوتي أخوه على بطاعة جكرمس وخرج منها لبعض المذاهب وكتب نائبة بها الى عمه سقمان بأنه يملك ماردين لجكرمس فسار اليها سقمان وعوض عليا ابن أخته جبل جور وأقامت ماردين في ملكه مع حصن كيفا واستضاف اليهما نصيبين والله أعلم. وفاة سقمان بن ارتق وولاية أخيه أبي الغازي مكانه بماردين ثم بعث فخر الدين بن عمار صاحب طرابلس يستنجد سقمان بن ارتق على الافرنج وكان استبدّ بها على الخلفاء العلويين أهل مصر ونازلة الافرنج عند ما ملكوا سواحل الشام فبعث بالصريخ الى سقمان بن ارتق سنة ثمان وتسعين وأجابه وبينما هو يتجهز للمسير وافاه كتاب طغركين صاحب دمشق المستبدّ بها من موالي بني تتش يستدعيه لحضور وفاته خوفا على دمشق من الافرنج فأسرع المسير اليه معتزما على قصد طرابلس وبعدها دمشق فانتهى الى القريتين [٢] وندم طغركين على استدعائه وجعل يدبر الرأي مع أصحابه في صرفه ومات هو بالقدس فكفاهم الله أمره وقد كان أصحابه عند ما أشفي على الموت أشاروا عليه بالرجوع الى كيفا فامتنع وقال هذا جهاد وان مت كان لي ثواب شهيد فلما مات حمله ابنه إبراهيم الى

стр. 3053

حصن كيفا فدفنه بها وكان أبو الغازي بن ارتق شحنة بغداد كما قدّمناه ولاه السلطان محمد أيام الفتنة بينه وبين أخيه بركيارق فلما اصطلح بركيارق وأخوه سنة تسع وتسعين على أن تكون بغداد له وممالك أخرى من الممالك الإسلامية ومن جملتها حلوان وهي أقطاع أبي الغازي فبادر وخطب لبركيارق ببغداد فنكر عليه ذلك صدقة بن مزيد وكان من شيعة السلطان محمد فجاء الى بغداد ليزعج [١] أبا الغازي عنها ففارقها الى يعقوب وبعث الى صدقة يعتذر بأنه صار في ولاية بركيارق ويحكم الصلح في اقطاعه وولايته فلم يمكنه غير ذلك ومات بركيارق على اثر ذلك فخطب أبو الغازي لابنه ملك شاه فنكر ذلك السلطان محمد منه فلما استولى على الأمر عز له عن شحنة بغداد فلحق بالشام وحمل رضوان بن تتش صاحب حلب على حصار نصيبين من بلاد جكرمس فحاصروها وبعث جكرمس الى رضوان وأغراه بأبي الغازي ففسد ما بينهما ورحلوا مفترقين على نصيبين وسار أبو الغازي الى ماردين وقد مات أخوه سقمان كما قلناه فاستولى عليها والله تعالى أعلم. اضطراب أبي الغازي في طاعته وأسره ثم خلاصه لما ولى السلطان محمد على الموصل والجزيرة وديار بكر سنة اثنتين وخمسمائة مودود بن افتكين مكان جاولي سكاوو الّذي ملكها من يد جكرمس كما مرّ في أخبارهم فوصل مودود الى الموصل وسار جاولي الى نصيبين وهي يومئذ لابي الغازي وراسله في المظاهرة والانجاد فوصل اليه بماردين على حين غفلة مستنجدا به فلم يسعه الا اسعافه وسار معه الى سنجار والرحبة وحاصرهما وشق عليهما فلما نزل الخابور هرب أبو الغازي راجعا الى نصيبين ثم الى بلده وبقي مضطربا ثم بعث السلطان محمد سنة خمس وخمسمائة الى الأمير مودود بالمسير الى قتال الافرنج وأن يسير الأمراء معه من كل جهة مثل سقمان القطبي صاحب ديار بكر وأحمد بك صاحب مراغة وأبي الهيجاء صاحب اربل وأبي الغازي صاحب ماردين فحضروا كلهم الا أبا الغازي فإنه بعث ولده أياز في عسكر فسارت العساكر الى الرها وحاصروها وامتنعت عليهم ثم ساروا سنة ست وخمسمائة الى سروج كذلك ثم ساروا سنة سبع الى بلاد الافرنج فهزموهم على طبرية ودوّخوا بلادهم وعاد مودود الى دمشق وافترقت العساكر ودخل دمشق ليشتي بها عند طغركين صاحبها فقتل غيلة بها واتهم طغركين في أمره وبعث السلطان مكانه

стр. 3054

على العساكر والموصل آقسنقر البرسقي وأمره بقصد الافرنج وقتالهم وكتب الى الأمراء بطاعته وبعث ابنه الملك مسعودا في عسكر كثيف ليكونوا معه فسار آقسنقر سنة ثمان وخمسمائة وفرّ أبو الغازي وحاصره بماردين حتى استقام وبعث معه ابنه أياز في عسكر فحاصروا الرها وعاثوا في نواحيها ثم سروج وشمشاط وأطاعه صاحب مرعش وكيسوم ورجع فقبض على أياز بن أبي الغازي ونهب سواد ماردين فسار أبو الغازي من وقته الى ركن الدولة داود ابن أخيه سقمان وهو بحصن كيفا مستنجدا به فأنجده وساروا الى البرسقي آخر ثمان وخمسمائة فهزموهم وخلصوا ابنه أياز من الأسر وأرسل السلطان الى أبي الغازي يتهدّده فلحق بطغركين صاحب دمشق صريخا وكان طغركين مستوحشا لاتهامه بأمر مودود فاتفقا على الاستنجاد وبعثا بذلك الى صاحب انطاكية فجاء اليهما قرب حمص وتحالفا وعاد الى انطاكية وسار أبو الغازي الى ديار بكر في خف من أصحابه فاعترضه قيرجان صاحب حمص فظفر به وأسره وبعث الى السلطان بخبره وأبطأ عليه وصول جوابه فيه وجاء طغركين الى حمص فدخل على قيرجان وألحّ عليه بقتل أبي الغازي ثم أطلقه قيرجان وأخذ عليه وسار أبو الغازي الى حلب وبعث السلطان العساكر مع يوسف بن برسق صاحب همذان وغيره من الأمراء لقتال أبي الغازي وقتال الافرنج بعده فساروا الى حلب وبها لؤلؤ الخادم مولى رضوان بن تتش كفل ابنه البارسلان بعد موته ومعه مقدم العساكر شمس الخواص فطالبوهما بتسليم حلب بكتاب السلطان اليهما في ذلك وبادر أبو الغازي وطغركين فدخلا اليهما فامتنعت عليهما فساروا الى حماة من أعمال طغركين وبها ذخائره ففتحوها عنوة ونهبوها وسلموها الى الأمير قيرجان صاحب حمص فأعطاهم أياز بن أبي الغازي وكان أبو الغازي وطغركين وشمس الخواص ساروا الى روجيل صاحب انطاكية يستنجدونه على حفظ حماة وجاءهم هنالك بقدوين صاحب القدس والقمص صاحب طرابلس وغيرهما واتفقوا على مطاولة العساكر ليتفرّقوا عند هجوم الشتاء واجتمعوا عند قلعة افامية فلم تبرح العساكر مكانها فافترقوا وعاد طغركين الى دمشق وأبو الغازي الى ماردين والافرنج الى بلادهم ثم كان اثر ذلك فتح كفرطاب على المسلمين واعتزموا على معاودة حلب فاعترضهم روجيل صاحب انطاكية وقد جاء في خمسمائة فارس مددا للافرنج في كفرطاب فانهزم المسلمون وكان تمحيصهم ورجع برسق أمير العساكر وأخوه منهزمين الى بلادهم وكان أياز بن أبي الغازي أسيرا عندهم فقتله الموكلون به يوم المعركة سنة تسع وخمسمائة والله تعالى أعلم.

стр. 3055

استيلاء أبي الغازي على حلب كان رضوان بن تتش صاحب حلب لما توفي سنة سبع وخمسمائة قام بأمر دولته لؤلؤ الخادم ونصب ابنه البارسلان في ملكه ثم استوحش منه ونصب مكانه أخاه سلطان شاه واستبدّ عليه ثم سار لؤلؤ الخادم الى قلعة جعفر سنة احدى عشرة [١] بينه وبين مالك ابن سالم بن مالك بن بدران فغدر به مماليك الأتراك وقتلوه عند خرت برت واستولوا على خزائنه واعترضهم أهل حلب واستنقذوا منهم ما أخذوه وولى شمس الخواص أتابك مكان لؤلؤ ثم عزل لشهر وولى أبو المعالي بن الملحي الدمشقيّ ثم عزل وصودر واضطربت الدولة وخشي أهل حلب على بلدهم من الافرنج فاستدعوا أبا الغازي بن ارتق من ماردين وسلموا له البلد وانقرض ملك آل رضوان بن تتش منها فلم يملكها بعد واحد منهم ولما ملكها لم يجد فيها مالا فصادر جماعة من الخدم وصانع الافرنج بما لهم ثم سار الى ماردين بنية العود الى حمايتها واستخلف عليها ابنه حسام الدين تمرتاش. واقعة أبي الغازي مع الافرنج ولما استولى أبو الغازي على حلب وسار عنها طمع فيها الافرنج وساروا اليها فملكوا مراغة وغيرها من أعمالها وحاصروها فلم يكن لأهلها بدّ من مدافعتهم بقتال أو بمال فقاسموهم أملاكهم التي بضاحيتها في سبيل المصانعة وبعثوا الى بغداد يستغيثون فلم يغاثوا وجمع أبو الغازي من العساكر والمتطوعة نحوا من عشرين ألفا وسار بهم الى الشام سنة ثلاث عشرة ومعه أسامة بن مبارك بن منقذ الكناني وطغان ارسلان بن اسكين بن جناح صاحب ارزن الروم ونزل الافرنج قريبا من حصون الاماري في ثلاثة آلاف فارس وتسعة آلاف راجل ونزلوا في تل عفرين حيث كان مقتل مسلم بن قريش وتحصنوا بالجبال من كل جهة الا ثلاث مسارب فقصدهم أبو الغازي ودخل عليهم من تلك المسارب وهم غارّون فركبوا وصدقوا الحملة فلقوا عساكر المسلمين متتابعة فولوا منهزمين وأخذهم السيف من كل جهة فلم يفلت الا القليل وأسر من زعمائهم سبعون فاداهم أهل حلب بثلاثمائة ألف دينار وقتل سرجان صاحب انطاكية ونجافلهم من المعركة فاجتمع جماعة من الافرنج وعاودوا اللقاء

стр. 3056

فهزمهم أبو الغازي وفتح حصن الاربات ورزدنا وعاد الى حلب فأصلح أمورها وعبر الفرات الى ماردين وولى على حلب ابنه سليمان ثم وصل دبيس بن صدقة الى أبي الغازي مستجيرا به فكتب اليه المسترشد مع سرير الدولة عبد أبي الغازي [١] بابعاد دبيس ثم وقع بينه وبين السلطان محمود الاتفاق ورهن ولده على الطاعة ورجع وسار أبو الغازي الى الافرنج عقب ذلك سنة أربع عشرة فقاتلهم بأعمال حلب وظفر بهم ثم سار هو وطغركين صاحب دمشق فحاصروا الافرنج بالمثيرة وخشوا من استماتتهم فأفرج لهم أبو الغازي حتى خرجوا من الحصن وكان لا يطيل المقام بدار الحرب لأنّ أكثر الغزاة معه التركمان يأتون بجراب دقيق وقديد شاه فيستعجل العودان فنيت ازوادهم والله أعلم. انتقاض سليمان بن أبي الغازي بحلب كان أبو الغازي قد ولى على حلب ابنه سليمان فحمله بطانته على الخلاف على أبيه وسار اليه أبوه [٢] تلقاه ابنه سليمان بالمعاذير فأمسك عنه وقبض على بطانته الذين داخلوه في ذلك وكان متولي كبرها أمير كان لقيطا لأبيه ونشأ في بيته فسمله وقطع لسانه وكان منهم آخر من أهل حماه قدّمه أبو الغازي على أهل حلب فقطعه وسمله فمات وأراد قتل ابنه ثم ثنته الشفقة عليه وهرب الى دمشق وشفع فيه طغركين فلم يشفعه ثم استخلف على حلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار ولقبه بدر الدولة وعاد الى ماردين وذلك سنة خمس عشرة ثم ابنه حسام الدين تمرتاش مع القاضي بهاء الدولة أبي الحسن الشهرزوريّ شافعا في دبيس وضامنا في طاعته فلم يتمّ ذلك فلما انصرف تمرتاش الى أبيه أقطع السلطان أباه أبا الغازي مدينة ميافارقين وكانت لسقمان القطبي صاحب خلاط فتسلمها أبو الغازي ولم تزل في يده الى أن ملكها صلاح الدين بن أيوب سنة ثمانين وخمسمائة والله تعالى أعلم. واقعة مالك بن بهرام مع جوسكين صاحب الرها قد تقدّم لنا أنّ جوسكين من الافرنج كان صاحب الرها وسروج وأنّ مالك بن بهرام كان قد

стр. 3057

ملك مدينة غانة فسار سنة خمس عشرة الى الرها وحاصرها أياما فامتنعت عليه وسار جوسكين في اتباعه بعد أن جمع الافرنج وقد تفرّق عن مالك أصحابه ولم يبق معه الا اربعمائة فلحقوه في أرض رخوة قد نضب عنها الماء فوحلت فيها خيولهم ولم يقدروا على التخلص فظفر بهم أصحاب مالك وأسروهم وجعل جوسكين في إهاب جمل وخيط عليه وطلبوا منه تسليم الرها فلم يفعل وحبسه في خرت برت بعد أن بذل في فديته أموالا فلم يفادوه والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده. وفاة أبي الغازي [١] وملك بنيه من بعده ثم توفي أبو الغازي بن ارتق صاحب ماردين في رمضان سنة ست عشرة وخمسمائة فولى بعده بماردين ابنه حسام الدين تمرتاش وملك سليمان ميافارقين وكان بحلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار فاستولى عليها ثم سار مالك بن بهرام بن ارتق الى مدينة حران فحاصرها وملكها وبلغه انّ سليمان ابن عمه بعد الجبار صاحب حلب قد عجز عن مدافعة الافرنج وأعطاهم حصن الاماري فطمع في ملك بلاده وسار اليها في ربيع سنة ست عشرة وملكها من يده على الأمان ثم سار سنة ثمان عشرة الى منبج وحاصرها وملك المدينة وحبس صاحبها حسان التغلبي وامتنع أهلها بالقلعة فحاصرها وسمع الافرنج بذلك فساروا اليه فترك على القلعة من يحاصرها ونهض اليهم فهزمهم وأثخن فيهم وعاد الى منبج فحاصرها وأصابه بعض الأيام سهم غرب فقتله فاضطرب العسكر وافترقوا وخلص حسان من محبسه وكان تمرتاش بن أبي الغازي صاحب ماردين معه على منبج فلما قتل حمل شلوه الى حلب ودفنه بها واستولى عليها ثم استخلف عليها وعاد الى ماردين وجاء الافرنج الى مدينة صور فملكوها وطمعوا في غيرها من بلاد المسلمين ولحق بهم دبيس بن صدقة ناجيا من واقعته مع المسترشد فأطمعهم في ملك حلب وساروا معه فحاصروها وبنوا عليها المساكن وطال الحصار وقلت الأقوات واضطرب أهل البلد وظهر لهم العجز من صاحبهم ولم يكن في الوقت أظهر من البرسقي صاحب الموصل ولا أكثر قوّة وجمعا منه فاستدعوه ليدافع عنهم ويملكوه وشرط عليهم أن يمكنوه من القلعة قبل وصوله ونزل فيها بوابه وسار فلما أشرف على الافرنج ارتحلوا عائدين الى بلادهم وخرج أهل حلب فتلقوا البرسقي فدخل واستولى على حلب وأعمالها ولم تزل بيده الى ان هلك وملكها ابنه عز الدين ثم هلك فولى السلطان محمود عليها أتابك زنكي حسبما يأتي

стр. 3058

في أخبار دولته ورجع تمرتاش الى ماردين واستمرّ ملكه بها وكان مستوليا على كثير من قلاع ديار بكر ثم استولى سنة اثنتين وثلاثين على قلعة الساج من ديار بكر وكانت بيد بعض بني مروان من بقايا ملوك الأوّلين وكان هذا آخرهم بهذه القلعة وكان ملك ميافارقين قد سار لحسام الدين تمرتاش وملكها من يد أخيه سليمان ولم يزل تمرتاش ملكا بماردين الى أن هلك سنة سبع وأربعين وخمسمائة لإحدى وثلاثين سنة من ملكه والله تعالى ولىّ التوفيق. وفاة تمرتاش وولاية ابنه البي بعده ثم توفي حسام الدين تمرتاش سنة سبع وأربعين وخمسمائة كما قلناه فملك بعده ابنه بماردين البي بن تمرتاش وبقي ملكا عليها الى أن مات وولى بعده ابنه أبو الغازي بن البي الى أن مات ولم يذكر ابن الأثير تاريخ وفاتهما وقال مؤرّخ حماة لم يقع اليّ تاريخ وفاتهما. ولاية حسام الدين بولق ارسلان بن أبي الغازي بن البي ولما توفي أبو الغازي بن البي قام بأمر ملكه نظام الملك النقش ونصب للملك مكانه ابنه بولق ارسلان طفلا واستبدّ عليه وكان النقش غالبا على هواه حيث صار أمر الطفل في يده ولم تزل حالهم على ذلك الى أن هلك حسام الدين في سنة خمس وتسعين وخمسمائة على عهد بولق هذا وكناه ابن الأثير حسام الدين ناصر الملك قصد العادل أبو بكر ابن أيوب ماردين وخشيت ملوك الجزيرة ولم يقدروا على منعه ثم توفي العزيز بن صلاح الدين صاحب مصر وولى أخوه الأفضل فاستنفر العادل أهل مصر ودمشق وأهل سنجار وبعثهم مع ابنه الكامل وحاصروا ماردين فبعث اليه النقش المستولي على بولق بالطاعة وتسليم القلعة لأجل معلوم على أن يدخل اليهم الأقوات ووضع العادل ابنه على بابها أن لا يدخلها زائد على القوت فصانعوا الولد بالمال وشحنوها بالأقوات وبينما هم في ذلك جاء نور الدين صاحب الموصل لانجادهم وقاتلهم فانهزمت عساكر العادل وخرج أهل القلعة فأوقعوا بعسكر الكامل ابنه فرحلوا جميعا منهزمين ونزل حسام الدين بولق الى نور الدين ولقيه وشكر وعاد ونزل نور الدين على دبيس ثم رحل عنها قاصدا حوران كما نذكره في أخبار دولته ان شاء الله تعالى والله أعلم .

стр. 3059

وفاة بولق [١] وولاية أخيه ارتق ولما هلك بولق ارسلان نصب لؤلؤ الخادم بعده للملك أخاه الأصغر ناصر الدين ارتق ارسلان بن قطب الدين أبي الغازي ولم يذكر ابن الأثير خبر وفاته أيضا وبقي مملكا في كفالة النقش الى سنة احدى وستمائة والله أعلم. مقتل النقش [٢] واستبداد ارتق المنصور واتصال الملك في عقبه ثم استنكف ارتق من المحر ومرض النقش سنة احدى وستمائة فجاء ارتق لعيادته وقتل لؤلؤا خادمه في بعض زوايا بيته ورجع الى النقش فقتله في فراشه واستقلّ بملك ماردين وتلقب المنصور وتوفي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة [٣] وملك بعده ابنه السعيد نجم الدين غازي بن ارتق وتوفي سنة ثمان أو ثلاث وخمسين وملك بعده أخوه المظفر قرا ارسلان بن ارتق فأقام سنة أو بعضها ثم هلك سنة ثلاث وتسعين وستمائة وملك بعده أخوه المنصور نجم الدين غازي بن قرا ارسلان الى أن توفي سنة اثنتي عشرة وسبعمائة لأربع وخمسين سنة من ولايته وملك بعده ابنه المنصور أحمد الى أن توفي سنة تسع وستين لثلاث سنين من ولايته ثم ملك بعده ابنه الصالح محمود اربعة أشهر وخلعه عمه المظفر فخر الدين داود بن المنصور أحمد الى أن توفي سنة ثمان وسبعين وسبعمائة وملك بعده ابنه مجد الدين عيسى وهو السلطان بماردين لهذا العهد والملك للَّه يؤتيه من يشاء من عباده (ولما) ملك هلاكو بن طلو خان بن جنكزخان مدينة بغداد واعمالها أعطاه المظفر قرا ارسلان طاعته وخطب له في أعماله ولم يزالوا يدينون بطاعة بنيه الى أن هلك أبو سعيد بن خربهرا آخر ملوك التتر ببغداد سنة سبع وثلاثين فقطعوا الخطبة لهم واستبدّ أحمد المنصور منهم وهو الثاني عشر من لدن أبي الغازي جدّهم الأوّل (وأمّا) داود بن سقمان فإنه ملك حصن كيفا من بعد سقمان أبيه وإبراهيم أخيه ولم أقف على خبر وفاته (وملك بعده) ابنه فخر الدين قرا ارسلان بن داود وملك أكثر ديار بكر مع حصن كيفا وتوفي سنة اثنتين وستين وخمسمائة (وملك بعده) ابنه نور الدين محمد بعهده

стр. 3060

اليه بذلك وكانت بينه وبين صلاح الدين مواصلة ومظاهرة ظاهر صلاح الدين على الموصل على أن يظاهره على آمد فظاهره صلاح الدين وحاصرها من صاحبها ابن سان سنة تسع وستين وصارت من أعمال نور الدين كما نذكر في دولة صلاح الدين ثم توفي نور الدين محمد سنة احدى وثمانين وخلف ولدين (فملك الأكبر) منهما قطب الدين سقمان وقام بتدبير دولته العوّام بن سماق الأسعد وزير أبيه وكان عماد الدين أخو نور الدين هو المرشح للامارة الا أنه سار في العساكر مددا لصلاح الدين على حصار الموصل فلما بلغه الخبر بوفاة أخيه سار لملك البلد لصغر أولاد أخيه نور الدين فلم يظفر واستولى على خرت برت فانتزعها منهم وملكها وأورثها بنيه فلما أفرج صلاح الدين عن الموصل لقيه قطب الدين سقمان وأقره على ملك أبيه بكيفا وأبقى بيده آمد التي كان ملكها لأبيه وشرط عليه مراجعته في أحواله والوقوف عند أوامره وأقام أميرا من أصحاب ابنه قرا ارسلان اسمه صلاح الدين فقام بأمور دولته واستقرّ ملكه بكيفا وآمد وما اليهما الى أن توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة تردّى من جوسق له بحصن كيفا فمات وكان أخوه محمود مرشحا لمكانه الا أن قطب الدين سقمان كان شديد البغضاء له وأشخصه الى حصن منصور من آخر عملهم واصطفي مملوكه اياسا وزوّجه بأخته وجعله ولى عهده (ولما توفي) ملك بعده مملوكه وشخص أهل الدولة فدسوا الى محمود فسار الى آمد وسبقه اياس اليها ليدافعه فلم يطق وملك محمود آمد واستولى على البلد كلها وحبس اياسا الى أن أطلقه بشفاعة صاحب بلاد الروم ولحق به وانتظم في أمرائه واستقلّ محمود بملك كيفا وآمد وأعمالهما ولقب ناصر الدين وكان ظالما قبيح السيرة وكان ينتحل العلوم الفلسفية وتوفي سنة تسعة عشر وستمائة وولىّ مكانه المسعود وحدثت بينه وبين الأفضل بن العادل فتنة واستنجد عليه أخاه الكامل فسار في العساكر من مصر ومعه داود صاحب الكرك والمظفر صاحب حماة فحاصروه بآمد الى أن نزل عنها وجاء الى الكامل فاعتقله فلم يزل عنده حبيسا الى أن مات الكامل فذهب الى التتر فمات عندهم (وأمّا) عماد الدين بن قرا ارسلان الّذي ملك خرت برت من يد قطب الدين سقمان ابن أخيه نور الدين فلم تزل في يده الى أن توفي سنة احدى وستمائة لعشرين سنة من ملكه إياها (وملكها بعده) ابنه نظام الدين أبو بكر وكانت بينه وبين ناصر الدين محمود ابن عمه نور الدين صاحب آمد وكيفا عداوة ودخل محمود في طاعة العادل بن أيوب وحضر مع ابنه الأشرف في حصار الموصل على أن يسير معه بعدها الى خرت برت فيملكها له وكان نظام الدين مستنجدا به [١]

стр. 3061

الدين قليج ارسلان صاحب بلاد الروم فمات وسار الأشرف مع محمود بعساكره وحاضروا خرت برت في شعبان سنة احدى وستين وملكوا ربضها وبعثوا غياث الدين صاحب الروم الى نظام الدين المدد بالعساكر مع الأفضل بن صلاح الدين صاحب سميساط فلما انتهوا الى ملطية أفرج الأشرف ومحمود عن خرت برت الى بعض حصون نظام الدين بالصحراء ببحيرة سهنين وفتحت في ذي الحجة سنة احدى وستين فلما وصل الأفضل بعساكر غياث الدين ووصل الأشرف عن البحيرة راجعا جاء نظام الدين بالعساكر الى الحصن فامتنع عليه وبقي لصاحب آمد ثم ملك كيقباد صاحب الروم حصن خرت برت من أيديهم سنة احدى وثلاثين وانقرض منها ملك بني سقمان والله وارث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون .

стр. 3062

دولة بني زنكي بن آقسنقر الخبر عن دولة بني زنكي بن آقسنقر من موالي السلجوقية بالجزيرة والشام ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم قد تقدّم لنا ذكر آقسنقر مولى السلطان ملك شاه وأنه كان يلقب قسيم الدولة وأن السلطان ملك شاه لما بعث الوزير فخر الدولة بن جهير سنة سبع وسبعين وأربعمائة بفتح ديار بكر من يد ابن مروان واستنجد ابن مروان صاحب الموصل شرف الدولة مسلم بن عقيل وهزمته العساكر وانحصر بآمد فبعث السلطان عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير ليخالف شرف الدولة الى السلطان فلقيه في الرحبة وأهدى له فرضي عنه ورده الى بلده الموصل واستولى بنو جهير بعد ذلك على ديار بكر كما مرّ في موضعه من دولة بني مروان ثم كان بعد ذلك شان حلب واستبدّ بها أهلها بعد انقراض دولة بني صالح بن مرداس الكلابي وطمع فيها شرف الدولة مسلم بن قريش وسليمان بن قطلمش صاحب بلاد الروم وتتش ابن السلطان البارسلان وقتل سليمان بن قطلمش مسلم بن قريش ثم قتل تتش سليمان بن قطلمش وجاء الى حلب فملكها وامتنعت عليه القلعة فحاصرها وقد كانوا بعثوا الى السلطان ملك شاه واستدعوه لملكها فوصل اليهم سنة تسع وسبعين ورحل تتش عن القلعة ودخل البرية واستولى السلطان على حلب وولىّ عليها قسيم الدولة آقسنقر وعاد الى العراق فعمرها آقسنقر وأحسن السيرة فيها وسار معه تتش حين عهد له أخوه السلطان ملك شاه بفتح بلاد العلوية بمصر والشام ففتح الكثير منها وهو معه كما مرّ وزحف قبل ذلك سنة ثمانين الى بني منقذ بشيرز فحاصره وضيق عليه ثم رجع عنه عن صلح وأقام بحلب ولم يزل واليا عليها الى أن هلك السلطان سنة خمس وثمانين واختلف ولده من بعده وكان أخوه تتش قد استولى على الشام منذ سنة احدى وسبعين فلما هلك أخوه طمع في ملك السلجوقية من بعده فجمع العساكر وسار لاقتضاء الطاعة من الأمراء معه بالشام وقصد حلب فأطاعه قسيم الدولة آقسنقر وحمل باغيسيان صاحب انطاكية وتيران صاحب الرها وحران على طاعته حتى يظهر مآل الأمر في ولد سيدهم ملك شاه وساروا مع تتش الى الرحبة فملكها وخطب لنفسه فيها ثم الى نصيبين ففتحها عنوة ثم الى الموصل فهزم صاحبها إبراهيم بن قريش بن بدران وتولى كبر هزيمته آقسنقر وقتل قريش بن إبراهيم وملك الموصل من يده وولىّ تتش عليها ابن عمته علي بن مسلم بن قريش وسار الى ديار بكر فملكها ثم الى أذربيجان وكان بركيارق بن ملك شاه قد

стр. 3063

استولى على الريّ وهمذان وكثير من البلاد فسار لمدافعته وجنح قسيم الدولة آقسنقر وبوزان صاحب الرها الى بركيارق ابن سيدهم فلحقوا به وتركوا تتش فانقلب عائدا الى الشام ساخطا على آقسنقر وبوزان ما فعلوه فجمع العساكر وسار الى حلب سنة سبع وثمانين لقتال قسيم الدولة وأمدّه بركيارق بالأمير كربوقا في العساكر فبرزوا الى لقائهم والتقوا على ست فراسخ من حلب ونزع بعض عساكر آقسنقر الى تتش فاختل مصافه وتمت الهزيمة عليه وجيء به أسيرا الى تتش فقتله صبرا ولحق كربوقا وبوزان بحلب وتبعهما فحاصرهما وملكها وأخذهما أسيرين كما مرّ في أخبار الدولة وكان قسيم الدولة حسن السياسة كثير العدل وكانت بلاده آمنة ولما مات نشأ ولده في ظلّ الدولة السلجوقية وكان أكبرهم زنكي فنشأ مرموقا بعين التحلة ولما ولي كربوقا الموصل من قبل بركيارق أيام الفتنة بين بركيارق وأخيه محمد كان زنكي في جملته لانه كان صاحب أبيه وسار كربوقا أيام ولايته لحصار آمد وصاحبها يومئذ بعض أمراء التركمان وأنجده سقمان بن ارتق وكان زنكي بن آقسنقر يومئذ صبيا وهو في جملة رجال كربوقا ومعه جماعة من أصحاب أبيه فجلا في تلك الحرب وانهزم سقمان وظهر كربوقا وفي هذه الحرب أسر ابن ياقوتي بن ارتق وسجنه كربوقا بقلعة ماردين فكان ذلك سببا لملك بني ارتق فيها كما مرّ في أخبار دولتهم ثم تتابعت الولاة على الموصل فوليها جكرمس بعد كربوقا وبعده جاولى سكاوو وبعده مودود بن ايتكين وبعده آقسنقر البرسقي كما تقدّم في أخبار السلجوقية وولاه السلطان محمد بن ملك شاه سنة ثمان وخمسين وبعث معه ابنه مسعودا وكتب الى سائر الأمراء هناك بطاعته ومنهم يومئذ عماد الدين زنكي بن آقسنقر فاختص به ولما ملك السلطان محمود بعد أبيه محمد سنة احدى عشرة كان أخوه مسعود بالموصل كما تقدّم أتابكه حيوس بك ونقل البرسقي من الموصل الى شحنة بغداد وانتقض دبيس بن صدقة صاحب الحلة على المسترشد والسلطان محمود وجمع البرسقي العساكر وقصد الحلة فكاتب دبيس السلطان مسعود وأتابكه حيوس بك بالموصل وأغراهما بالمسير الى بغداد فسار لذلك مع السلطان مسعود وزيره فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس وزنكي بن قسيم الدولة آقسنقر وجماعة من أمراء الجزيرة ووصلوا الى بغداد وصالحهم البرسقي وسار معهم ودخل مسعود الى بغداد وجاء منكبرس الى بغداد ونزع اليه دبيس بن صدقة ووقعت الحرب بينهما على بغداد كما تقدّم في أخبار الدولة وأقام منكبرس ببغداد ثم كان له في خدمة السلطان محمود عند حربه مع أخيه مسعود مقامات جليلة وغلب السلطان أخاه مسعودا وأخذه عنده واستنزل أتابكه حيوس بك من الموصل وأعاد اليها البرسقي سنة خمسة عشر

стр. 3064

فعاد زنكي الى الاختصاص به كما مرّ ثم أضاف اليه السلطان محمود شحنة بغداد وولاية واسط مضافة الى ولاية الموصل سنة ستة عشر فولّى عليها عماد الدين زنكي فحسن أثره في ولايتهما ولما كانت الحرب بين دبيس بن صدقة وبين الخليفة المسترشد وبرز المسترشد لقتاله من بغداد وحضر البرسقي من الموصل وعماد الدين زنكي فانهزم دبيس [١] عماد الدين في ذلك المقام ثم ذهب دبيس الى البصرة وجمع المنتفق من بني عقيل فدخلوا البصرة ونهبوها وقتلوا أميرها وبعث المسترشد الى البرسقي فعذله في إهماله أمر دبيس حتى فعل في البصرة ما فعل فبادر الى قصره وهرب دبيس واستولى [٢] على البصرة وولىّ عليها عماد الدين زنكي بن آقسنقر فأحسن حمايتها والدفاع عنها وكبس العرب في حللهم بضواحيها وأجفلوا ثم عزل البرسقي سنة ثمان عشرة عن شحنة بغداد وعاد الى الموصل فاستدعى عماد الدين زنكي من البصرة فضجر من ذلك وقال كلّ يوم للموصل جديد يستنجدنا وسار الى السلطان ليكون في جملته فلما قدم عليه بأصبهان أقطعه البصرة وأعاده عليها من قبله ثم ملك البرسقي مدينة حلب سنة ثمان عشرة وقتل بها سنة تسع عشرة وكان ابنه عز الدين مسعود بحلب فبادر الى الموصل وأقام ملك أبيه بها ووقع الخلاف بين المسترشد والسلطان محمود وبعث الخليفة عفيفا الخادم الى واسط ليمنع عنها نواب السلطان محمود فسار اليه عماد الدين زنكي من البصرة وقاتله فهزمه ونمي عفيف الى المسترشد [٣] وأقام عماد الدين في واسط وأمره أن يحضر بالعساكر في السفن وفي البر فجمع السفن من البصرة وشحنها بالمقاتلة شاكي السلاح وأصعد في البرّ وقدم على السلطان وقد تسلحت العساكر فهاله منظرهم ووهن المسترشد لما رأى فأجابه الى الصلح.

стр. 3065

ولاية زنكي شحنة بغداد والعراق ولما ظهر من عماد الدين زنكي من الكفاءة والغناء في ولاية البصرة وواسط ما ظهر ثم كان له المقام المحمود مع السلطان محمود على بغداد كما مرّ ولاه شحنة بغداد والعراق لما رأى انه يستقيم اليه في أمور الخليفة بعد أن شاور أصحابه فأشاروا به وذلك سنة احدى وعشرين وسار عن بغداد بعد أن ولاه على كرسي ملكه بأصبهان والله تعالى أعلم. ولاية عماد الدين زنكي على الموصل واعمالها قد قدّمنا أن عز الدين مسعود بن البرسقي لما قتل الباطنية أباه بالموصل وكان نائبة بحلب فبادر الى الموصل وضبط أمورها وخاطب السلطان محمودا فولاه مكان أبيه وكان شجاعا قرما فطمع في ملك الشام فسار وبدأ بالرحبة فحاصرها حتى استأمن اليه أهل القلعة وطرقه مرض فمات وتفرّقت عساكره ونهب بعضهم بعضا حتى شغلوا عن دفنه وكان جاولى مولى أبيه مقدّم العساكر عنده فنصب مكانه أخاه الأصغر وكاتب السلطان في تقرير ولايته وأرسل في ذلك الحاجب صلاح الدين محمد الباغيسياني والقاضي أبا الحسن علي بن القاسم الشهرزوريّ فأوصى صلاح الدين صهره جقري فيما جاء فيه وكان شيعة لعماد الدين زنكي فخوّف الحاجب وحذره مغبة حاله معه وأشار عليه وعلى القاضي بطلب عماد الدين زنكي وضمن لهما عنده الولايات والاقطاع وركب القاضي مع الحاجب الى الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد وذكر له حال الجزيرة والشام واستيلاء الافرنج على أكثرها من ماردين الى العريش وأنها تحتاج الى من يكف طغيانهم وابن البرسقي المنصوب بالموصل صغير لا يقوى على مدافعتهم وحماية البلاد منهم ونحن قد خرجنا عن العهدة وأنهينا الأمر إليكم فرفع الوزير قولهما الى السلطان فشكرهما واستدعاهما واستشارهما فيمن يصلح للولاية فذكرا جماعة وأدرجا فيهم عماد الدين زنكي وبذلا عنه مالا جزيلا لخزانة السلطان فأجابهما اليه لما يعلم من كيفياته وولاه البلاد كلها وكتب منشورة بها وشافهه بالولاية وسار الى ولايته فبدأ بالفوارع وملكها ثم سار الى الموصل وخرج جاولى والعساكر للقائه ودخل الموصل في رمضان سنة احدى وعشرين وبعث جاولى واليا على الرحبة وولى على القلعة نصير الدين جقري وولىّ على حجابته صلاح الدين الباغيسياني وعلى القضاء ببلاده جميعا بهاء الدين الشهرزوريّ وزاد في اقطاعه وكان لا يصدر الا عن رأيه ثم خرج الى جزيرة ابن عمر وبه موالي البرسقي

стр. 3066

فامتنعوا عليه وحاصرهم وكان بينه وبين البلد دجلة فعبرها وبين دجلة والبلد فسيح من الأرض فعبر دجلة وقاتلهم في ذلك الفسيح وهزمهم فتحصنوا بالاسوار ثم استأمنوا فدخل البلد وملكه وسار لنصيبين وكانت لحسام الدين تمرتاش بن أبي الغازي صاحب ماردين فاستنجد عليه ابن عمه ركن الدولة داود بن سقمان صاحب كيفا فوعده بالنجدة وبعث حسام الدين بذلك الى أهل نصيبين يأمرهم بالمصابرة عشرين يوما الى حين وصوله فسقط في أيديهم لعجزهم عن ذلك واستأمنوا لعماد الدين فأمنهم وملكها وسار عنها لسنجار فامتنعوا عليه أوّلا ثم استأمنوا وملكها وبعث منها الى الخابور فملك جميعه ثم سار الى حران وكانت الرها وسروج البيرة في جوارها للافرنج وكانوا معهم في ضيقة فبادر أهل حران الى طاعته وأرسل الى جوسكين وهادنه حتى يتفرغ له فاستقرّ بينهما لصلح والله تعالى أعلم. استيلاء الاتابك زنكي على مدينة حلب كان البرسقي قد ملك حلب وقلعتها سنة ثمانية عشر واستخلف عليها ابنه مسعودا ثم قتل الباطنية البرسقي بالموصل فبادر ابنه مسعود الى الموصل واستخلف على حلب الأمير قزمان ثم عزله وبعث بولايتها الى الأمير قطلغ آية فمنعه قزمان وقال بيني وبينه علامة لم أرها في التوقيع فرجع الى مسعود فوجده قد [١] الرحبة فعاد الى حلب مسرعا ومال اليه أهل البلد ورئيسها مضايل بن ربيع وأدخلوه وملكوه واستنزلوا قزمان من القلعة وأعطوه ألف دينار وبلغوه مأمنه وملك قطلغ القلعة والبلد منتصف احدى وعشرين ثم ساءت سيرته وفحش ظلمه واشتمل عليه الأشرار فاستوحش الناس منه وثاروا به في عيد الفطر من السنة وقبضوا على أصحابه وولوا عليهم بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن ارتق الّذي كان ملكها من قبل وحاصروا قطلغ بالقلعة ووصل حسان صاحب منبج وحسن صاحب مراغة لإصلاح الأمر فلم يتمّ وزحف جوسكين صاحب الرها من الافرنج الى حلب فصانعوه بالمال ورجع فزحف صاحب انطاكية وحاصر البلد وهم يحاصرون القلعة الى منتصف ذي القعدة من آخر السنة وانتهى عماد الدين زنكي الى صاحب حران كما ذكرناه فبعث الى أهل حلب أميرين من أصحابه بتوقيع السلطان له بالموصل والجزيرة والشام فبادروا الى الطاعة وسار اليه بدر الدولة ابن عبد الجبار وقطلغ آية وأقام أحد الأميرين بحلب ولما وصلا الى عماد الدين أصلح بينهما

стр. 3067

وأقاما عنده وبعث الحاجب صلاح الدين محمد الباغيسياني في عسكر اليهما فملك القلعة ورتب الأمور وولى ثم وصل عماد الدين بعده في محرّم سنة اثنتين وعشرين وملك في طريقه منبج من يد حسان ومراغة من يد حسن وتلقاه أهل حلب فاستولى وأقطع أعمالها للامراء والأجناد ثم قبض على قطلغ آية وأسلمه الى ابن بديع فكحله ومات واستوحش ابن بديع فلحق بقلعة جعفر مستنجدا بصاحبها وأقام عماد الدين مكانه في رياسة حلب علي بن عبد الرزاق وعاد الى الموصل والله أعلم. استيلاء الاتابك زنكي على مدينة حماة ثم سار عماد الدين زنكي لجهاد الافرنج وعبر الفرات الى الشام واستنجد تاج الملوك بوري بن طغركين صاحب دمشق فأنجده بعد التوثق باستحلافه وبعث عسكره من دمشق الى ابنه سونج وأمره بالمسير الى زنكي فلما وصلوا اليه أكرمهم ثم غدر بهم بعد أيام وقبض على سونج والأمراء الذين معه فاعتقلهم بحلب ونهب خيامهم وبادر الى حماة وهي خلو من الحامية فملكها وسار عنها الى حمص وصاحبها قيرجان بن قراجا معه في عساكره وهو الّذي أشار بحبس سونج وأصحابه فقبض عليه يظنّ أهل حمص يسلمون بلادهم اليه فامتنعوا وبعث اليهم قيرجان بذلك فلحق اليها فحاصرها مدّة وامتنعت عليه فعاد الى الموصل ومعه سونج بن بوري والله أعلم. فتح عماد الدين حصن الاثارب وهزيمة الافرنج [١] ولما عاد عماد الدين الى الموصل أراح عساكره أياما ثم تجهز سنة أربع وعشرين الى الغزو وعاد الى الشام فقصد حلب واعتزم على قصد حصن الاثارب وهو على ثلاثة فراسخ من حلب وكان الافرنج الذين به قد ضيقوا على حلب فسار اليه وحاصره وجاء الافرنج من انطاكية لدفاعه فاستغرغوا فتبعهم وترك الحصن وسار اليهم واستماتت المسلمون فانهزم الافرنج وأسر كثير من زعمائهم وقتل كثير حتى بقيت عظامهم ماثلة بذلك الموضع أكثر من ستين سنة ثم عاد الى حصن الاثارب فملكه عنوة وخرّبه وتقسم جميع من فيه بين القتل والأسر وسار الى

стр. 3068

قلعة حارم [١] قرب انطاكية وهي للافرنج فحاصرها حتى صالحوه على نصف خراجها فرجع عنها ومليء الافرنج رعبا منه ومن استبداد المسلمين به وذهب ما كان عندهم من الطمع. واقعة عماد الدين مع بني ارتق ولما فرغ عماد الدين من غزو الافرنج وفتح الاثارب وقلعة حارم عاد الى الجزيرة وحاصر مدينة سرخس وهي لصاحب ماردين بينها وبين نصيبين فاجتمع حسام الدين صاحب ماردين وركن الدولة صاحب آمد وهما لابي الغازي صاحب ماردين ابن حسام الدين تمرتاش بن أبي الغازي وصاحب كيفا ركن الدولة داود بن سقمان وتمرتاش بن ارتق وجمعوا من التركمان نحوا من عشرين ألفا وساروا لمدافعة زنكي فهزمهم وملك سرخس وسار ركن الدولة الى جزيرة ابن عمر لينهبها فاتبعه عماد الدين فرجع الى بلده فعاد عنه لضيق مسالكه وملك من قلاعه همرد ورجع الى الموصل الى آخره. حصول دبيس بن صدقة في أسر الاتابك زنكي قد تقدّم لنا أنّ دبيس بن صدقة لما فارق البصرة سار الى سرخد من قلاع الشام سنة خمس وعشرين باستدعاء الجارية التي خلفها الحسن هنالك ليتزوّج بها وأنه مرّ في الغوطة يجيّ من أحياء كلب فأسروه وحملوه الى تاج الملوك صاحب دمشق وبلغ الخبر الى الاتابك زنكي وكان عدوّا له فبعث فيه الى تاج الملوك بوري وفادى من ابنه سونج والأمراء الذين معه عنده فأطلقهم وبعث بوري اليه بدبيس وهو مستيقن الهلاك فلما وصله أكرمه وأحسن اليه وأزاح علله وبعث المسترشد فيه الى بوري بن طغركين صاحب دمشق فوجده قد فات بتسلمه الى زنكي فذمّ الرسل زنكي فيما فعله فأرصد لهم في طريقهم وسيقوا اليه وهم سديد الدولة بن الانباري وأبو بكر بن نشر الجزري فحبسهما حتى شفع فيهما المسترشد وبقي دبيس عنده حتى انحدر معه الى العراق.

стр. 3069

مسير الاتابك زنكي الى العراق لمظاهرة السلطان مسعود وانهزامه ولما توفي السلطان محمود سنة خمس وعشرين واختلف ولده داود وأخوه مسعود وسار داود الى مسعود وحاصره بتبريز في محرّم سنة ست وعشرين ثم صالحه وخرج مسعود من تبريز واجتمعت عليه العساكر وسار الى همذان وبعث يطلب الخطبة من المسترشد فمنعه وكتب الاتابك عماد الدين زنكي يستنجده وسار الى بغداد فحاصرها وكان قد سبق اليها أخوه سلجوق شاه صاحب فارس وخوزستان مع أتابك قراجا الشامي في عسكر كثير وأنزله المسترشد بدار السلطان فلما جاء مسعود ونزل عباسة وبرز عسكر المسترشد وعسكر سلجوق شاه وقراجا الشامي لمحاربة مسعود فأتاهم الخبر بوصول عماد الدين زنكي من ورائهم وأنه وصل الى المعشوب فرجع قراجا الشامي الى محاربته وسار سلجوق شاه بالعساكر الى محاربة أخيه مسعود وأغذ قراجا السير وصبح عماد الدين بعد يوم وليلة على المعشوب وقاتله وهزمه وأسر كثيرا من أصحابه وسار زنكي منهزما الى [١] والنائب بها نجم الدين أيوب بن شادي والد السلطان صلاح فتأخر ثم اصطلح مع الخليفة على أن يكون العراق له والسلطنة لمسعود وولاية العهد لسلجوق شاه وذلك منتصف سنة ست وعشرين. مسير الاتابك عماد الدين الى بغداد بابنه وانهزامه قد قدّمنا ما كان بعد وفاة السلطان محمود من الخلاف بين ابنه داود وأخويه مسعود وسلجوق شاه ثم استقرّ مسعود في السلطنة وصلحه مع أخيه سلجوق على أن يكون وليّ عهده ثم أنّ السلطان سنجر سار من خراسان يطلب السلطنة لطغرل ابن أخيه السلطان محمود وكان عنده مقيما فبلغ همذان وخرج السلطان مسعود وسلجوق شاه للقائه وساروا متباطئين ينتظرون لحاق المسترشد بهم وخرج المسترشد الى [٢] فجاءته الاخبار بوصول الاتابك زنكي ودبيس بن صدقة الى بغداد فذكر دبيس أنّ السلطان سنجر

стр. 3070

أقطعه الحلة وبعث يسترضي فلم يشفعه وذكر الاتابك زنكي ان السلطان سنجر ولاه شحنة بغداد واستمرّ السلطان مسعود وأخوه سلجوق على المسير للقاء سنجر وكانت الهزيمة على مسعود كما مرّ فعاد المسترشد الى بغداد ونزل العباسيّة من الجانب الغربي ولقي الاتابك زنكي ودبيس على حصن البرامكة فهزمهما آخر رجب سنة ست وعشرين ولحق الاتابك بالموصل. واقعة الافرنج على أهل حلب وفي غيبة الاتابك زنكي سار ملك الافرنج من القدس الى حلب فخرج نائبها عن الاتابك زنكي وهو الأمير أسوار وجمع التركمان مع عساكره وقاتل الافرنج عند قنسرين وصابرهم ومحص الله المسلمين وانهزموا الى حلب وسار ملك الافرنج في أعمال حلب ظافرا ثم سار بعض الافرنج من الرها للغارة في أعمال حلب فخرج اليهم الأمير أسوار ومعه حسان التغلبي الّذي كان صاحب منبج فأوقعوا بهم واستلحموهم وأسروا من بقي منهم وعادوا ظافرين. حصار المسترشد الموصل ولما وقع ما قدّمناه من وصول زنكي الى بغداد وانهزامه أمام المسترشد حقد عليه المسترشد ذلك وأقام يتربص ثم كثر الخلاف بين سلاطين السلجوقية واعتزلهم جماعة من أمرائهم فرارا من الفتنة ولحقوا بالخليفة وأقاموا في ظله فأراد الخليفة المسترشد أن ينتصف بهم من الاتابك زنكي فقدّم اليه بهاء الدين أبا الفتوح الاسقر ابن الواعظ وحمله عتابا أغلظ فيه وزاده الواعظ غلظة حفظا على ناموس الخلافة في معتقده فامتعض الاتابك لما شافهه به وأهانه وحبسه وأرسل المسترشد الى السلطان مسعود [١] على قصد الموصل وحاصرها لما وقع من زنكي ثم سار في شعبان سنة سبع وعشرين الى الموصل في ثلاثين ألف مقاتل فلما قارب الموصل فارقها الاتابك زنكي الى سنجار وترك نائبة بها نصر الدين جقري وجاء المسترشد فحاصرها والاتابك زنكي قد قطع الميرة عن معسكره فتعذرت الأقوات وضاقت عليهم الأحوال وأرادت جماعة من أهل البلد الوثوب بها وسعي بهم فأخذوا وصلبوا ودام الحصار ثلاثة أشهر وامتنعت عليه فأفرج عنها وعاد الى بغداد وقيل انّ مطر الخادم جاءه من بغداد وأخبره أنّ السلطان مسعودا عازم على قصد العراق فعاد مسرعا.

стр. 3071

ارتجاع صاحب دمشق مدينة حماة قد كنا قدّمنا أنّ الاتابك زنكي تغلب على حماة من يد تاج الملوك بوري بن طغركين صاحب دمشق سنة ثلاث وعشرين وأقامت في ملكه أربع سنين وتوفي تاج الملوك بوري في رجب سنة ست وعشرين وولىّ بعده ابنه شمس الملوك إسماعيل وملك بانياس من الافرنج في صفر سنة سبع وعشرين ثم بلغه أنّ المسترشد باللَّه حاصر الموصل فسار هو الى حماة وحاصرها وقاتلها يوم الفطر ويومين بعده فملكها عنوة واستأمنوا فأمنهم ثم حصر الوالي ومن معه بالقلعة فاستأمنوا أيضا واستولى على ما فيها من الذخائر والسلاح وسار منها الى قلعة شيرز فحاصرها ابن منقذ فحمل اليه مالا صانعه به وعاد الى دمشق في ذي الحجة من السنة. حصار الاتابك زنكي قلعة آمد واستيلاؤه على قلعة النسور ثم حصار قلاع الحميدية وفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة اجتمع الاتابك زنكي صاحب الموصل وصاحب ماردين على حصار آمد واستنجد صاحبها بداود بن سقمان صاحب كيفا فجمع العساكر وسار اليهما ليدافعهما عنه وقاتلاه فهزماه وقتل كثير من عسكره وأطالا حصار آمد وقطعا شجرها وكرومها وامتنعت عليهما فرحلا عنها وسار زنكي الى قلعة النسور من ديار بكر فحاصرها وملكها منتصف رجب من السنة ووفد عليه ضياء الدين أبو سعيد بن الكفرتوثيّ فاستوزره الاتابك وكان حسن الطريقة عظيم الرئاسة والكفاية محببا في الجند وتوفي سنة ست وثلاثين بعدها ثم استولى الاتابك على سائر قلاع الأكراد الحميدية مثل قلعة العقر وقلعة سوس وغيرهما وكان لما ملك الموصل أمر صاحب هذه القلاع الأمير عيسى الحميري على ولايتها فلما حاصر المسترشد الموصل قام في خدمته أحسن القيام وجمع له الأكراد فلما عاد المسترشد الى بغداد من قتال الاتابك زنكي فحاصر قلاعهم وحاصرتها العساكر وقاتلوها قتالا شديدا حتى ملكوها في هذه السنة ورفع الله شرّهم عن أهل السواد المحاربين لهم فقد كانوا منهم في ضيقة من كثرة عيثهم في البلاد وتخريبهم والله تعالى أعلم.

стр. 3072

استيلاء الاتابك على قلاع الهكارية وقلعة كواشي حدّث ابن الأثير عن الجنيبي أنّ الاتابك زنكي لما ملك قلاع الحميدية وأجلاهم عنها خاف أبو الهيجاء من عبد الله على قلعة أشب والجزيرة وكواشي فاستأمن الاتابك واستحلفه وحمل له مالا ثم وفد عليه بالموصل بعد أن اخرج ابنه أحمد من أشب خشية أن يغلب عليها وأعطاه قلعة كواشي وولى على أشب رجلا من الكرد واسمه باد الأرمني وابنه أحمد هذا هو أبو علي بن احمد المشطوب من أمراء السلطان صلاح الدين ولما مات أبو الهيجاء واسمه موسى وسار أحمد الى أشب ليملكها فامتنع عليه باد وأراد حفظها لعلىّ الصغير من بني أبي الهيجاء فسار الاتابك زنكي في عساكره ونزل على أشب وبرز أهلها لقتاله واستجرّهم حتى أبعدوا ثم كرّ عليهم فأفناهم قتلا وأسرا وملك القلعة في الحال وسيق اليه باد في جماعة من مقدّمي الأكراد وقتلهم وعاد الى الموصل ثم سار غازيا في بعض مذاهبه فبعث نائبة نصر الدين جقري عسكرا وخلى كنجاورسى وقلعة العماديّة وحاصروا قلعة الشغبان وفرح وكواشي والزعفرانيّ والغيّ وسرف وسفروه وهي حصون الهكارية فحصرها وملكها جميعا واستقام أمر الجبل والزوزن وأمنت الرعية من الأكراد وأمّا باقي قلاع الهكارية وهي حل وصورا وهزور والملايسي ويامرما ومانرحا وباكرا ونسر فإنّ قراجا صاحب العماديّة فتحها بعد قتل زنكي بمدّة طويلة كان أميرا على تلك الحصون الهكارية من قبل زين الدين علي على ما قال ابن الأثير ولم أعلم تاريخ فتح هذه القلاع فلهذا ذكرته هنا قال وحدّثني بخلاف هذا الحديث بعض فضلاء الأكراد أنّ أبا بكر زنكي لما فتح قلعة اسب وحرساني وقلعة العماديّة ولم يبق في الهكارية الا صاحب جبل صورا وصاحب هزور لم يكن لهما شوكة يخشى منهما ثم عاد الى الموصل وخافه أهل القلاع الجليلة ثم توفي عبد الله بن عيسى بن إبراهيم صاحب الريبة والغي وفرح وملكها بعده ابنه علي وكانت أمّه خديجة ابنة الحسن أخت إبراهيم وعيسى وهما من الأمراء مع زنكي بالموصل فأرسلها ابنها علي الى أخويها المذكورين وهما خالاه ليستأمنا له من الاتابك فاستحلفاه وقدم عليه فأقرّه على قلاعه واستقلّ بفتح قلاع الهكارية وكان الشغبان هذا الأمير من المهرانية اسمه الحسن بن عمر فأخذه منه وخرّبه لكبره وقلة أعماله وكان نصر الدين جقري يكره عليا صاحب الريبة والغي وفرح فسعى عند الاتابك في حبسه فأمره بحبسه ثم ندم وكتب اليه أن يطلقه فوجده قد مات فاتهم نصر الدين بقتله ثم بعث العساكر الى قلعة الرحبية فنازلوها بغتة وملكوها عنوة وأسروا ولد علي واخوته ونجت أمّه خديجة لمغيبها

стр. 3073

وجاء البشير الى الاتابك بفتح الريبة فسره ذلك وبعث العساكر الى ما بقي من قلاع علي فأبي الا أن يزيدوه قلعة كواشي فمضت خديجة أمّ علي الى صاحب كواشي من المهرانية واسمه جرك راهروا وسألته النزول عن كواشي لإطلاق اسراهم ففعل ذلك وتسلم زنكي القلاع وأطلق الأسرى واستقامت له جبال الأكراد والله تعالى أعلم. حصار الاتابك زنكي مدينة دمشق كان شمس الملوك إسماعيل بن بوري قد انحلّ أمره وضعفت دولته واستطال عليه الافرنج وخشي عاقبه أمرهم فاستدعى الاتابك زنكي سرّا ليملكه دمشق ويريح نفسه وشعر بذلك أهل دولته فشكوا الى أمّه فوعدتهم الراحة منه ثم اغتالته فقتلته وجاء الأتابك زنكي فقدم رسله من الفرات فألفوا شمس الملوك قد مات وولي مكانه أخوه محمود واشتمل أهل الدولة عليه ورجعوا الخبر الى الاتابك فلم يحفل به وسار حتى نزل بظاهر دمشق واشتدّ أهل الدولة على مدافعته ومقدمهم معين الدين أبربوه أتابك طغركين ثم بعث المسترشد أبا بكر بن بشر الجزري الى الاتابك زنكي فأمره بصلح صاحب دمشق فصالحه ورحل عنه منتصف السنة والله أعلم. فتنة الراشد مع السلطان مسعود ومسيره الى الموصل وخلعه كان كثير من أمراء السلجوقية قد اجتمعوا على الانتقاض على السلطان مسعود والخروج عليه ولحق داود ابن السلطان محمود من أذربيجان ببغداد في صفر سنة اثنين وثلاثين فأنزل بدار السلطنة وراسله أولئك الأمراء وقدم عليه بعضهم مثل صاحب قزوين وصاحب أصبهان وصاحب الأهواز وصاحب الجبلة وصاحب الموصل الاتابك زنكي وخرجت اليهم العساكر من بغداد وولى داود شحنية بغداد وخرج موكب الخليفة مع الوزير جلال الدين الرضي وكان الخليفة قد تغير عليه وعلى قاضي القضاة الزينبي فسمع بهم الاتابك ثم وقعت العزيمة من الراشد والسلطان داود والاتابك زنكي وحلف كل منهم لصاحبه وبعث الراشد الى الاتابك بمائتي ألف دينار ووصل سلجوق شاه الى واسط وقبض على الأمير بك آبه ونهب ماله فانحدر الاتابك زنكي لمدافعته فاصطلحا وعاد زنكي الى بغداد ومرّ على جميع العساكر لقتال السلطان مسعود وخرج على طريق خراسان وبلغهم أن السلطان مسعودا سار الى بغداد

стр. 3074

فعاد اليها ثم عاد الملك داود وجاء السلطان مسعود فنزل على بغداد وحاصرهم نيفا وخمسين يوما وارتحل الى النهروان ثم قدم عليه طرنطاي صاحب واسط بالسفن فرجع الى بغداد وعبر الى الجانب الغربي ثم اختلف العسكر ببغداد ورجع الملك داود الى ولايته بأذربيجان وافترق الأمراء الذين معه ولحق الراشد بالاتابك زنكي في نفر من أصحابه وهو بالجانب الغربي وسار معه الى الموصل ودخل السلطان مسعود الى بغداد منتصف ذي القعدة سنة ثلاثين واستقرّ بها وسكن الناس وجمع القضاة والفقهاء وعرض عليهم يمين الراشد بخطه بأنه متى جمع أو خرج لحرب السلطان فقد خلع نفسه فأفتوا بخلعه ثم وقعت الشهادات من أهل الدولة وغيرهم الى الراشد بموجبات العزل وكتبت وأفتى الفقهاء عقبها باستحقاق العزل وحكم به القاضي المعين حينئذ لغيبة قاضي القضاة بالموصل مع الراشد ونصب للخلافة [١] ابن المستظهر وجاء رسول الاتابك زنكي الى بغداد وهو القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوريّ وبايع [٢] بعد أن ثبت عنده الخلع وانصرف الى الاتابك باقطاع من خاص الخليفة ولم يكن ذلك لأحد قبله وعاد كمال الدين الى الاتابك وحمل كتب الخلع فحكم بها قاضي القضاة بالموصل وانصرف الراشد عن الموصل الى أذربيجان كما مرّ في أخبار الخلفاء والسلجوقية والله تعالى ولىّ التوفيق. غزاة العساكر حلب الى الافرنج ثم اجتمعت عساكر حلب [٣] مع الأمير أسوار نائب الاتابك زنكي بحلب في شعبان سنة ثلاثين وساروا غازين الى بلاد الافرنج وقصدوا اللاذقية على غرّة فنالوا منها وانساحوا في بسائطها واكتسحوها وامتلأت أيديهم من الغنائم وخربوا بلاد اللاذقية وما جاورها وخرجوا على شيرز وملئوا الشام بالاتراك والظهر ووهن الافرنج لذلك والله يؤيد بنصره من يشاء من عباده.

стр. 3075

حصار الاتابك زنكي مدينة حمص واستيلاؤه على بعدوين وهزيمة الافرنج واستيلاؤه على حمص ثم سار الاتابك في العساكر في شعبان سنة احدى وثلاثين الى مدينة حمص وبها يومئذ معين الدين ابن القائم بدولة صاحب دمشق وحمص من أقطاعه فقدم اليه صاحبه صلاح الدين الباغيسياني في تسليمها فاعتذر بأنّ ذلك ليس من الاصابة فحاصرها والرسل تردّد بينهما وامتنعت عليه فرحل عنها الى بغدوين من حصون الافرنج في شوّال من السنة فجمع الافرنج وأوعبوا وزحفوا اليه واشتدّ القتال بينهم ثم هزم الله العدوّ ونجا المسلمين منهم ودخل ملوكهم الى حصن بغدوين فامتنعوا به وشدّ الاتابك حصاره وذهب القسوس والرهبان الى بلاد النصرانية من الروم والافرنج يستنجدونهم على المسلمين ويخوّفونهم استيلاء الاتابك على قلعة بغدوين وما يخشى بعد ذلك من ارتجاعهم بيت المقدس وجدّ الاتابك بعد ذلك في حصارها والتضييق عليها حتى جهدهم الحصار ومنع عنهم الاخبار ثم استأمنوا على أن يحملوا اليه خمسين ألف دينار فأجابهم وملك القلعة ثم سمعوا بمسير الروم والافرنج لانجادهم وكان الاتابك خلال الحصار قد فتح المعرّة وكفرطاب [١] في الولايات التي بين حلب وحماة ووهن الافرنج ثم سار الاتابك زنكي في محرّم سنة اثنين وثلاثين الى بعلبكّ وملك حصن الممدل من أعمال صاحب دمشق وبعث اليه نائب باساس بالطاعة كذلك ثم كانت حادثة ملك الروم ومنازلته حلب كما نذكره فسار الى سلمية ولما انجلت حادثة الروم رجع إلى حصار حمص وبعث إلى محمود صاحب دمشق في خطبة أمّه مردخان بنت جاولي التي قتلت ابنها فتزوجها وملك حمص وقلعتها وحملت الخاتون إليه في رمضان وظنّ أنه يملك دمشق بزواجها فلم يحصل على شيء من ذلك والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده. مسير الروم الى الشام وملكهم مراغة [٢] ولما استنجد الافرنج ببغدوين ملك أمم النصرانية كما مرّ جمع ملك الروم بالقسطنطينية وركب البحر سنة احدى وثلاثين ولحقته أساطيله وسار الى مدينة قيقية فحاصرها وصالحوه

стр. 3076

بالمال وسار عنها الى ادنة والمصيصة وهما لابن ليون الارمني صاحب قلاع الدروب فحاصرهما وملكهما وسار الى عين زربة فملكها عنوة وملك تل حمدون ونقل أهله الى جزيرة قبرص ثم ملك مدينة انطاكية في ذي القعدة من السنة وبها رغيد من ملوك الافرنج فصالحه ورجع الى بفراس ودخل منها بلاد ابن ليون فصالحه بالأموال ودخل في طاعته ثم خرج الى الشام أوّل سنة اثنتين وثلاثين وحاصر مراغة على ستة فراسخ من حلب وبعثوا بالصريخ الى الاتابك زنكي فبعث بالعساكر الى حلب لحمايتها وقاتل ملك الروم مراغة فملكها بالأمان منتصف السنة ثم غدر بهم واستباحهم ورحل الى حلب فنزل بدابق ومعه الافرنج [١] ورجعوا من الغد الى حلب وحاصروها ثلاثا فامتنعت عليهم وقتل عليها بطريق كبير منهم ورحل عنها الى قلعة الاتاود في شعبان من السنة فهرب عنها أهلها ووضع الروم بها الأسرى والسبي وأنزلوا بها حامية وبعث اليهم أسوار نائب حلب عسكرا فقتلوا الحامية وخلصوا الأسرى والسبي ورحل الاتابك من حصن الاثارب بعد فتحه الى سلمية وقطع الفرات الى الرقة واتبع الروم فقطع عنهم الميرة وقصد الروم قلعة شيزر وبها سلطان ابن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني فحاصروها ونصبوا المجانيق عليها واستصرخ صاحبها بالاتابك زنكي فسار اليه ونزل نهر العاصي بين شيزر وحماة وبعث السرايا تختطف من حول معسكر الروم وبعث الى الروم يدعوهم الى المناجزة والنزول الى البسيط فخافوا عن ذلك فرجع الى التضريب بين الروم والإفرنج يحذر أحد الفريقين من الآخر حتى استراب كل بصاحبه فرحل ملك الروم في رمضان من السنة بعد حصار شيزر أربعين يوما وأتبعه الاتابك فلحقهم واستلحمهم واستباحهم ثم أرسل القاضي كما الدين محمد بن عبد الله الشهرزوريّ الى السلطان مسعود يستنجده على العدوّ ويحذره الروم واستيلاءهم على حلب وينحدرون من الفرات الى بغداد فوضع القاضي كمال الدين في جماع القصر من ينادي بصريخ المسلمين والخطيب على المنبر وكذا في جامع السلطان فعظم الصراخ والبكاء وتسايلت العوام من كلّ جانب وجاءوا الى دار السلطان في تلك الحالة وقد وقع العويل والصراخ فعظم الهول على السلطان مسعود وجهز عسكرا عظيما وخاف القاضي كمال الدين غائلته ثم وصل الخبر برحيل ملك الروم فأخبر القاضي السلطان مسعود بذلك و [٢] من مسير

стр. 3077

العساكر والله تعالى أعلم. استيلاء الاتابك زنكي على بعلبكّ ثم قتل محمود صاحب دمشق سنة ثلاث وثلاثين في شوّال كما مرّ في أخبار دولتهم وكانت أمّه زمرد خان متزوّجة بالاتابك كما مرّ فبعثت اليه وهو بالجزيرة تعرفه بالخبر وتطلب منه أن يسير الى دمشق ويثأر بولدها من أهل دولته فسار لذلك واستعدّ أهل دمشق للحصار ثم قصد الاتابك مدينة بعلبكّ ونزلها وكان ابن القائم بالدولة قد نصب كمال الدين محمد بن بوري بدمشق وتزوّج أمّه وبعث بجاريته الى بعلبكّ فلما سار الاتابك الى دمشق قدم رسله الى انز في تسليم البلد على أن يبذل له ما يريد فأبي من ذلك وسار الاتابك الى بعلبكّ فنازلها آخر ذي الحجة من السنة ونصب عليها المجانيق وشد حصارها حتى استأمنوا فملكها واعتصم الحامية بالقلعة حتى يئسوا من أنز فاستأمنوا الى الاتابك فلما ملكها قبض عليهم وصلهم وتزوّج جارية انز ونقلها الى حلب الى أن بعثها ابنه نور الدين محمود الى صاحبها بعد موت الاتابك والله تعالى أعلم. حصار الاتابك زنكي مدينة دمشق ثم سار الاتابك زنكي الى حصار دمشق في ربيع الأوّل من سنة أربع وثلاثين بعد الفراغ من بعلبكّ فنزل بالبقاع وأرسل الى جمال الدين محمد صاحبها في أن يسلمها اليه ويعوضه عنها بما شاء فلم يجب الى ذلك فزحف اليه ونزل داريا والتقت الطلائع فكان الظفر لأصحاب الاتابك ثم تقدم الى المصلي فنزل بها وقاتله أهل دمشق بالغوطة فظفر بهم وأثخن فيهم ثم أمسك عن القتال عشرا يراود فيها صاحب دمشق وبذل له بعلبكّ وحمص وما يختاره من البلاد فجنح الى ذلك ولم يوافقه أصحابه فعادت الحرب ثم توفي صاحب دمشق جمال الدين محمد في شعبان من السنة ونصب معين الدين انز مكانه ابنه محيي الدين أمو وقام بأمره وطمع زنكي في ملك البلد فامتنعت عليه وبعث معز الدين انز الى الافرنج يستدعيهم الى النصر على الاتابك ويبذل لهم ويخوّفهم غائلته ويشترط لهم اعانتهم على بانياس حتى يملكوها فأجاب الافرنج لذلك وأجفل زنكي الى حوران خامس رمضان من السنة معتزما على لقائهم فلم يصلوا فعاد الى حصار دمشق وأحرق قراها وارتحل الى بلاده ثم وصل الافرنج وارتحل معين الدين انز في عساكر دمشق الى بانياس وهي للاتابك زنكي ليوفي

стр. 3078

للافرنج بشرطه لهم فيها وقد كان نائبها سار للاغارة على مدينة صور ولقيه في طريقه صاحب انطاكية ذاهبا الى دمشق منجدا فهزم عسكر بانياس وقتلوا ولحق فلهم بالبلد وقد وهنوا وحاصرهم معين الدين انز والافرنج وملكها عنوة وسلمها للافرنج وأحفظه ذلك وفرّق العسكر في حوران وأعمال دمشق وسار هو فصابح دمشق ولم يعلموا بمكانه فبرزوا اليه وقاتلوه وقتل منهم جماعة ثم احجم عنهم لقلة من معه وارتحل الى مرج راهط في انتظار عساكره فلما توافوا عنده عاد الى بلاده. استيلاء الاتابك على شهرزور وأعمالها كان شهرزور بيد قفجاق بن ارسلان شاه أمير التركمان وصالحهم وكانت الملوك تتجافى عن أعماله لامتناعها ومضايقها فعظم شأنه واشتمل عليه التركمان وسار اليه الاتابك زنكي سنة أربع وثلاثين فجمع ولقيه فظفر به الاتابك واستباح معسكره وسار في اتباعه فحاصر قلاعه وحصونه وملك جميعها واستأمن اليه قفجاق فأمنه وسار في خدمته وخدمة بنيه بعده الى آخر المائة ثم كان في سنة خمس وثلاثين بين الاتابك زنكي وبين داود بن سقمان صاحب كيفا فتنة وحروب وانهزم داود وملك الاتابك من بلاده قلعة همرد وأدركه [١] فعاد الى الموصل ثم سار الاتابك الى مدينة الحرمية فملكها سنة ست وثلاثين ونقل آل مهارش الذين كانوا بها الى الموصل ورتب أصحابه مكانهم ثم خطب له صاحب آمد وصار في طاعته بعد أن كان مع داود عليه ثم بعث الاتابك لسنة سبع وثلاثين عسكرا الى قلعة أشهب وهي أعظم من حصون الأكراد الهكارية وأمنعها وفيها أهلوهم وذخائرهم فحاصرها وملكها وأمره الاتابك بتخريبها وبنى قلعة العماديّة عوضا عنها وكانت خربت قبل ذلك لاتساعها وعجزهم عن حمايتها فأعيدت الآن وكان نصير الدين نائب الموصل قد فتح أكثر القلاع الحربية والله تعالى أعلم. صلح الاتابك مع السلطان مسعود واستيلاؤه على أكثر ديار بكر كان السلطان مسعود ملك السلجوقية قد حقد على الاتابك زنكي شأن الخارجين على طاعته من أهل الاطراف وينسب ذلك اليه وكان يفعل ذلك مشغلة للسلطان عنه فلما فرغ

стр. 3079

السلطان مسعود من شواغله سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة سار الى بغداد عازما على قصد الاتابك وحصار الموصل فأرسل الاتابك يستعطفه ويستميله على أن يدفع اليه مائة ألف دينار ويعود عنه فشرع في ذلك وحمل منها عشرين ألفا ثم حدثت الفتنة على السلطان فاحتاج الى مداراته وترك له الباقي وبالغ هو في مخالصة السلطان بحيث ان ابنه غازي كان عند السلطان فهرب الى الموصل فبعث الى نائبها نصير الدين جقري يمنعه من دخولها وبعث الى ابنه بالرجوع الى خدمة السلطان وكتب الى السلطان بأن ابني هرب للخوف من تغيير السلطان عليه وقد أعدته الى الخدمة ولم ألفه وأنا مملوك والبلاد لك فوقع ذلك من السلطان أحسن المواقع ثم سار الاتابك الى ديار بكر ففتح طره واسعرد وحران وحصن الرزق وحصن تطليت وحصن ياسنه وحصن ذي القرنين وغير هذه وملك أيضا من بلاد ماردين [١] الافرنج حملين والمودن وتل موزر وغيرها من بلاد حصون سجستان وأنزل بها الحامية وقصد آمد فحصرها وسير عسكرا الى مدينة غانة من أعمال الفرات فملكها وللَّه تعالى أعلم. فتح الرها وغيرها من أعمال الافرنج كان الافرنج بالرها وسروج والبيرة قد أضروا بالمسلمين جوارهم مثل آمد ونصيبين ورأس عين والرقة وكان زعيمهم ومقدّمهم بتلك البلاد جوسكين الزعيم ورأى الاتابك أنه يوري عن قصدهم بغيره لئلا يجمعوا له فوري بغزو ديار بكر كما قلناه و [٢] جوسكين وعبر الفرات من الرها الى غزنة وجاء الخبر بذلك الى الاتابك فارتحل منتصف جمادى الاخيرة سنة تسع وثلاثين وحرّض المسلمين وحثهم على عدوّهم ووصل الى الرها وجوسكين غائب عنها فانحجز الإفرنج بالبلد وحاصرهم شهرا وشدّ في حصارهم وقتالهم ولج في ذلك قبل اجتماع الافرنج ومسيرهم اليه ثم ضعف سورها فسقطت ثلمة منه وملك البلد عنوة ثم حاصر القلعة وملكها كذلك ثم ردّ على أهل البلد ما أخذ منهم وأنزل فيه حامية وسار الى سروج وجميع البلاد التي بيد الافرنج شرقيا فملكها جميعا الا البيرة لامتناعها فأقام يحاصرها حتى امتنعت ورحل عنها والله أعلم.

стр. 3080

مقتل نصير الدين جقري نائب الموصل وولاية زين الدين على كجك مكانه بالقلعة كان استقرّ عند الاتابك زنكي بالموصل الملك البارسلان ابن السلطان محمد ويلقب الخمفاجي وكان شبيها به وتوهم [١] السلطان ان البلاد له وأنه نائبة وينتظر وفاة السلطان مسعود فيخطب له ويملك البلد باسمه وكان يتردّد له ويسعى في خدمته فداخله بعض المفسدين في غيبة الاتابك وزين له قتل نصير الدين النائب والاستيلاء على الموصل فلما دخل اليه أغرى به أجناد الاتابك ومواليه فوثبوا به وقتلوه في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين ثم ألقوا برأسه الى أصحابه يحسبون أنهم يفترقون فاعصوصبوا واقتحموا عليه الدار ودخل عليه القاضي تاج الدين يحي ابن الشهرزوريّ فأوهمه بطاعته وأشار عليه بالصعود الى القلعة ليستولي على المال والسلاح فركب وصعد معه وتقدّم الى حافظ القلعة وأشار عليه بأن يمكنه من الدخول ثم يقبض عليه فدخل ودخل معه الذين قتلوا نصير الدين فحبسهم والي القلعة وعاد القاضي الى البلد وطار الخبر الى الاتابك زنكي بحصار البيرة فخشي اختلاف البلد وعاد الى الموصل وقدم زين الدين على ابن كجك وولاه القلعة مكان نصير الدين وأقام ينتظر الخبر وخاف الافرنج الذين بالبيرة من عودته اليهم فبعثوا الى نجم الدين صاحب ماردين وسلموها له فملكها المسلمون. حصار زنكي حصن جعبر وفنك ثم سار الاتابك زنكي سنة احدى وأربعين في المحرّم الى حصن جعبر ويسمى دوس وهو مطل على الفرات وكان لسالم بن مالك العقيلي أقطعه السلطان ملك شاه لأبيه حين أخذ منه حلب وبعث جيشا الى قلعة فنك على فرسخين من جزيرة ابن عمر فحاصروها وصاحبها يومئذ حسام الدين الكردي فحاصر قلعة جعبر حتى توسط الحال بينهما حسان المنبجي ورغبه ورهبه وقال في كلامه من يمنعك منه فقال الّذي منعك أنت من مالك بن بهرام وقد حاصر حسان منبج فأصابه في بعض الأيام سهم فقتله وأفرج عن حسان وقدر قتل الاتابك كذلك والله تعالى أعلم.

стр. 3081

مقتل الاتابك عماد الدين زنكي كان الاتابك عماد الدين زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل والشام محاصرا لقلعة جعبر كما ذكرنا واجتمع جماعة من مواليه اغتالوه ليلا وقتلوه على فراشه ولحقوا بجعبر وأخبروا أهلها فنادوا من السور بقتله فدخل أصحابه اليه وألفوه بجود بنفسه وكان قتل لخمس من ربيع الآخر سنة احدى وأربعين عن ستين سنة من عمره ودفن بالرقة وكان يوم قتل أبوه ابن سبع سنين ولما قتل دفن بالرقة وكان حسن السياسة كثير العدل مهيبا عند جنده عمر البلاد وأمنها وأنصف المظلوم من الظالم وكان شجاعا شديد الغيرة كثير الجهاد ولما قتل رحل العسكر عن قلعة فنك وصاحبها غفار قال ابن الأثير سمعتهم يزعمون أن لهم فيها نحو ثلاثمائة سنة وفيهم رفادة وعصبية ويجيرون كل من يلجأ اليهم والله أعلم. استيلاء ابنه غازي على الموصل وابنه الآخر محمود على حلب ولما قتل الاتابك زنكي نزع ابنه نور الدين محمود خاتمه من يده وسار به الى حلب فاستولى عليها وخرج الملك البارسلان ابن السلطان محمود واجتمعت عليه العساكر وطمع في الاستقلال بملك الموصل وحضر ابنه جمال الدين محمد بن علي ابن متولي الديوان وصلاح الدين محمد بن الباغيسياني الحاجب وقد اتفقا فيما بينهما على حفظ الدولة لأصحابهما وحسنا لألب أرسلان ما هو فيه من الاشتغال بلذاته وأدخلاه الرقة فانغمس بها وهما يأخذان العهود على الأمراء لسيف الدين غازي ويبعثانهم الى الموصل وكان سيف الدين غازي في مدينة شهرزور وهي أقطاعه وبعث اليه زين الدين على كوجك نائب القلعة بالموصل يستدعيه ليحضر عنده وسار البارسلان الى سنجار والحاجب وصاحبه معه ودسوا الى نائبها بأن يعتذر للملك البارسلان بتأخره حتى يملك الموصل فساروا الى الموصل ومرّوا بمدينة [١] وقد وقف العسكر فأشاروا على البارسلان بعبور دجلة الى الشرق وبعثوا الى سيف الدين غازي بخبره وقلة عسكره فأرسل اليه عسكرا فقبضوه وجاءوا به فحسب بقلعة الموصل واستولى سيف الدين غازي على الموصل والجزيرة وأخوه نور الدين محمود على حلب ولحق به صلاح الدين الباغيسياني فقام بدولته والله يؤيد بنصره من يشاء من عباده.

стр. 3082

عصيان الرها ولما قتل الاتابك زنكي ملك الرها جوسكين كان جوسكين مقيما في ولايته بتل باشر وما جاورها فراسل أهل الرها وعامّتهم من الأرمن وحملهم على العصيان على المسلمين وتسليم البلد له فأجابوه وواعدوه ليوم عينوه فسار في عساكره وملك البلد وامتنعت القلعة وبلغ الخبر الى نور الدين محمود وهو بحلب فأغذ السير اليها وأجفل جوسكين الى بلده ونهب نور الدين المدينة وسبى أهلها وارتحلوا عنها وبعث سيف الدين غازي العساكر اليها فبلغهم في طريقهم ما فعله نور الدين فعادوا وذلك سنة احدى وأربعين ثم قصد صاحب دمشق بعد قتل الاتابك حصن بعلبكّ وبه نجم الدين أيوب بن شادي نائب الاتابك فأبطأ عليه انجاد بنيه فصالح صاحب دمشق وسلم له بعلبكّ على اقطاع ومال أعطاه إياه وعشر قرى من بلاد دمشق وانتقل معه إلى دمشق فسكنها وأقام بها ثم سار نور الدين محمود سنة اثنتين وأربعين من حلب الى الافرنج ففتح مدينة ارتاج عنوة وحاصر حصونا أخرى وكان الافرنج بعد قتل الاتابك يظنون أنهم يستردّون ما أخذه منهم فبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون ولما قتل الاتابك زنكي طمع صاحب ماردين وصاحب كيفا أن يستردّوا ما أخذ من بلادهم فلما تمكن سيف الدين غازي سار إلى أعمال ديار بكر فملك دارا وغيرها وتقدم الى ماردين وحاصرها وعاث في نواحيها حتى ترحم صاحبها حسام الدين تمرتاش على الاتابك مع عداوته ثم أرسل الى سيف الدين غازي وصالحه وزوّجه بنته فعاد الى الموصل وزفت اليه وهو مريض فهلك قبل زفافها وتزوّجها أخوه قطب الدين من بعده والله أعلم. مصاهرة سيف الدين غازي لصاحب دمشق وهزيمة نور الدين محمود للافرنج كان تقدّم لنا في دولة بني طغركين موالي دقاق بن تتش أنّ ملك اللمان من الافرنج سار سنة ثلاث وأربعين وحاصر دمشق بجموع الافرنج وبها محيي الدين ارتق بن بوري بن محمد بن طغركين في كفالة معين الدين أنز مولى [١] فبعث معين الدين الى سيف الدين غازي بن أتابك زنكي بالموصل يدعوه الى نصرة المسلمين فجمع عساكره وسار الى الشام

стр. 3083

واستدعى أخاه نور الدين من حلب ونزلوا على حمص فأخذوا بحجزة الافرنج عن الحصار وقوي المسلمون بدمشق عليهم وبعث معين الدين الى طائفتي الافرنج من سكان الشام واللمان الواردين فلم يزل يضرب بينهم وجعل لافرنج الشام حصن بانياس طعمة على أن يرحلوا بملك اللمانيين ففتلوا له في الذروة والغارب حتى رحل عن دمشق ورجع الى بلاده وراء قسطنطينية بالشمال وحسن أمر سيف الدين غازي وأخيه في الدفاع عن المسلمين وكان مع ملك اللمان حين خرج الى الشام ابن ادفونش ملك الجلالقة بالأندلس وكان جدّه هو الّذي ملك طرابلس الشام من المسلمين حين خروج الافرنج الى الشأم فلما جاء الآن مع ملك اللمان ملك حصن العريمة وأخذ في منازلة طرابلس ليملكها من القمص فأرسل القمص الى نور الدين محمود ومعين الدين أنز وهما مجتمعان ببعلبكّ بعد رحيل ملك اللمانيين عن دمشق وأغراهما بابن ادفونش ملك الجلالقة واستخلاص حصن العريمة من يده فسارا لذلك سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وبعث الى سيف الدين وهو بحمص فأمدّهما بعسكر مع الأمير عز الدين أبي بكر الديسي صاحب جزيرة ابن عمر وحاصروا حصن العريمة أياما ثم نقضوا سوره وملكوه على الافرنج وأسروا من كان به من الافرنج ومعهم ابن ادفونش وعاد الى سيف الدين عسكره ثم بلغ نور الدين ان الافرنج تجمعوا في بيقو من أرض الشام للاغارة على أعمال حلب فسار اليهم وقتلهم وهزمهم وأثخن فيهم قتلا وأسرا وبعث من غنائمهم وأسراهم الى أخيه سيف الدين غازي والى المقتفي الخليفة انتهى والله أعلم. وفاة سيف الدين غازي وملك أخيه قطب الدين مودود ثم توفي سيف الدين غازي بن الاتابك زنكي صاحب الموصل منتصف أربع وأربعين وخمسمائة لثلاث سنين وشهرين من ولايته وخلف ولدا صغيرا ربي عند عمه نور الدين محمود وهلك صغيرا فانقرض عقبه وكان كريما شجاعا متسع المائدة يطعم بكرة وعشية مائة رأس من الغنم في كل نوبة وهو أوّل من حمل الصنجق [١] على رأسه وأمر بتعليق السيوف بالمناطق وترك التوشح بها وحمل الدبوس في حلقة السرج وبني المدارس للفقهاء والربط للفقراء ولما أنشده حيص بيص الشاعر يمدحه

стр. 3084

الام يراك المجد في زي شاعر ... وقد نحلت شوقا إليك المنابر فوصله بألف مثقال سوى الخلع وغيرها ولما توفي سيف الدين غازي انتقض الوزير جمال الدين وأمير الجيوش زين الدين علي وجاءوا بقطب الدين مودود وبادروا الى تمليكه واستخلفوه وحلفوا له وركب الى دار السلطنة وزين الدين في ركابه فبايعوا له وأطاعه جميع من في أعمال أخيه بالموصل والجزيرة وتزوّج الخاتون بنت حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين التي هلك أخوه قبل زفافها فكان ولده كلهم منها والله أعلم. استيلاء السلطان محمود على سنجار ولما ملك قطب الدين مودود الموصل وكان أخوه نور الدين محمود بالشام وكان أكبر منه وله حلب وحماة كاتبه جماعة من الأمراء بعد أخيه غازي وفيمن كاتبه نائب سنجار المقدّم عبد الملك فبادر اليه في سبعين فارشا من أمرائه وسبق أصحابه في يوم مطير الى مساكن ودخل البلد ولم يعرفوا منه الا أنه أمير من جند التركمان ثم دخل على الشحنة بيته فقبل يده وأطاعه ولحق به أصحابه وساروا جميعا الى سنجار وأغذ السير فقطع عنه أصحابه وتوصل الى سنجار في فارسين ونزل بظاهر البلد وبعث الى المقدم فوصله وكان قد سار الى الموصل وترك ابنه شمس الدين محمد بالقلعة فبعث في أثر أبيه وعاد من طريقه وسلم سنجار الى نور الدين محمود فملكها واستدعى فخر الدين قرى ارسلان صاحب كيفا لمودة بينهما فوصل في عساكره وبلغ الخبر الى قطب الدين صاحب الموصل ووزيره جمال الدين وأمير جيشه زين الدين فساروا الى سنجار للقاء نور الدين محمود وانتهوا الى تل اعفر ثم خاموا عن لقائه وأشار الوزير جمال الدين بمصالحته وسار اليه بنفسه فعقد معه الصلح وأعاد سنجار على أخيه قطب الدين وسلم له أخوه مدينة حمص والرحبة والشام فانفرد بملك الشام وانفرد أخوه قطب الدين بالجزيرة واتفقا وعاد نور الدين الى حلب وحمل ما كان لأبيهم الاتابك زنكي من الذخيرة واتفقا وعاد نور الدين الى حلب وحمل ما كان لأبيهم الاتابك زنكي من الذخيرة لسنجار وكانت لا يعبر عنها والله تعالى أعلم. غزو نور الدين الى انطاكية وقتل صاحبها وفتح افاميا ثم غزا نور الدين سنة أربع وأربعين الى انطاكية فعاث فيها وخرّب كثيرا من حصونها وبينما

стр. 3085

هو يحاصر بعض الحصون اجتمع الافرنج وزحفوا اليه فلقيهم وحاربهم وأبلى في ذلك الموقف فهزم الافرنج وقتل البرنس صاحب انطاكية وكان من عتاة الافرنج وملك بعده ابنه سمند طفلا وتزوّجت أمّه برنس آخر يكفل ولدها ويدبر ملكها فغزاه نور الدين ولقوة فهزمهم وأسر ذلك البرنس الثاني وتمكن الطفل سمند من ملكه بأنطاكية ثم سار نور الدين سنة خمس وأربعين الى حصن افاميا بين شيزر وحماة وهو من أحسن القلاع فحاصروه وملكه وشحنه حامية وسلاحا واقواتا ولم يفرغ من أمره الا والإفرنج الّذي بالشام جمعوا وزحفوا اليه وبلغهم الخبر فخاموا عن اللقاء وصالحوه في للهادنة فعقد لهم انتهى. هزيمة نور الدين جوسكين وأسر جوسكين ثم جمع نور الدين بعد ذلك وسار غازيا إلى بلاد زعيم الإفرنج وهي تل باشر وعنتاب وعذار وغيرها من حصون شمالي حلب فجمع جوسكين لمدافعته عنها ولقيه فاقتتلوا ومحص الله المسلمين واستشهد كثير منهم وأسر آخرون وفيهم صاحب صلاح نور الدين فبعثه جوسكين إلى الملك مسعود بن قليج أرسلان يعيره به لمكان صهره نور الدين على ابنته فعظم ذلك عليه وأعمل الحيلة في جوسكين وبذل المال لأحياء التركمان البادين بضواحيه أن يحتالوا في القبض عليه ففعلوا وظفر به بعضهم فشاركهم في إطلاقه على مال وبعث من يأتي به وشعر بذلك وإلى حلب أبو بكر بن الرامة فبعث عسكرا ليسوا من ذلك الحيّ جاءوا بجوسكين أسيرا إلى حلب وثار نور الدين إلى القلاع فملكها وهي تل باشر وعنتاب وعذار وتل خالد وقورص وداوندار ومرج الرصاص وحصن النادة وكفرشود وكفرلات ودلوكا ومرعش ونهر الجود وشحنها بالأقوات وزحف إليه الإفرنج ليدافعوه فلقيهم على حصن جلدك وانهزم الإفرنج وأثخن المسلمون فيهم بالقتل والأسر ورجع نور الدين إلى دلوكا ففتحها وتأخر فتح تل باشر منها إلى أن ملك نور الدين دمشق واستأمنوا إليه وبعث إليهم حسان المنبجي فتسلمها منهم وحصنها وذلك في سنة تسع وأربعين وخمسمائة والله أعلم. استيلاء نور الدين على دمشق كان الإفرنج سنة ثمان وأربعين قد ملكوا عسقلان من يد العلوية خلفاء مصر واعترضت دمشق بين نور الدين وبينهما فلم يجد سبيلا إلى المدافعة عنها واستطال الإفرنج على دمشق
следующие страницы →