خلع الأشرف بن أطسز واستبداد أيبك وأمراء الترك بمصر
قد تقدّم لنا آنفا بيعة أمراء التركمان بمصر للأشرف موسى بن يوسف أطسز بن الكامل وأنهم خطبوا له وأجلسوه على التخت بعد أن نصبوا للملك أيبك وكان طموحا إلى الاستبداد وكان أقطاي الجامدار من أمراء البحرية يدافعه عن ذلك ويغض من عنانه منافسة وغيره فأرصد له أيبك ثلاثة من المماليك اغتالوه في بعض سكك القصر وقتلوه سنة اثنتين وخمسين وكانت جماعة البحرية ملتفة عليه فانفضوا ولحقوا بالناصر في دمشق واستبد أيبك بمصر.
وخلع الأشرف وقطع الخطبة له فكان آخر أمراء بني أيوب بمصر وخطب أيبك لنفسه ثم تزوّج شجرة الدر أم خليل الملكة قبله فلما وصل البحرية إلى الناصر بدمشق أطمعوه في ملك مصر واستحثوه فتجهز وسار إلى غزة وبرز أيبك بعساكره إلى العباسية فنزل بها وانتقض عليه [١] فتوهموا بالثورة به فارتاب بهم ولحقوا بالناصر ثم تردّدت الرسل بين الناصر وأيبك فاصطلحوا على أن يكون التخم بينهم العريش وبعث الناصر إلى المستعصم مع وزيره كمال الدين بن العديم في طلب الخلعة وكان أيبك قد بعث بالهدية والطاعة إلى المستعصم فمطل المستعصم الناصر بالخلعة حتى بعثها إليه سنة خمس وخمسين ثم قتل المعز أيبك قتلته شجرة الدرّ غيلة في الحمام سنة خمس وخمسين غيرة من خطبته بنت لؤلؤ صاحب الموصل فنصبوا مكانه ابنه عليا ولقبوه المنصور وثاروا به من شجرة الدرّ كما نذكره في أخبارهم إن شاء الله تعالى.
مسير المغيث بن العادل صاحب الكرك مع البحرية إلى مصر وانهزامهم
كان البحرية منذ لحقوا بالناصر بعد مقتل أقطاي الجامدار مقيمين عنده ثم ارتاب بهم وطردهم آخر سنة خمس وخمسين فلحقوا بغزة وكاتبوا المغيث فتح الدين عمر بن العادل بالكرك وقد كنا ذكرنا أن بدر الصوافي أخرجه من محبسه بالكرك بعده مقتل توران شاه بمصر وولاه الملك وقام بتدبير دولته وبعث إليه الآن بيبرس البند قداري مقدّم البحرية من غزة
стр. 3222
يدعوه إلى الملك وبلغ الخبر إلى الناصر بدمشق فجهز العساكر إلى غزة فقاتلوهم وانهزموا إلى الكرك فتلقاهم المغيث وقسم فيهم الأموال واستحثوه لملك مصر فسار معهم وبرزت عساكر مصر لقتالهم مع قطز مولى أيبك المعز ومواليه فالتقى الفريقان بالعباسية فانهزم المغيث والبحرية إلى الكرك ورجعت العساكر إلى مصر وفي خلال ذلك أخرج الناصر داود بن المعظم من دمشق حاجا ونادى في الموسم بتوسله إلى المستعصم في وديعته وانصرف مع الحاج إلى العراق فأكرهه المستعصم على براءته من وديعته فكتب وأشهد ولحق بالبرية وبعث إلى الناصر يوسف يستعطفه فأذن له وسكن دمشق ثم رجع مع رسول المستعصم الّذي جاء معه إلى الناصر بالخلعة والتقليد فأقام بقرقيسياء حتى يستأذن له الرسول فلم يأذن له فأقام عند أحياء العرب في التيه فقربوا في تقلبهم من الكرك فقبض عليه المغيث صاحب الكرك وحبسه حتى إذا زحف التتر لبغداد بحث عنه المستعصم ليبعثه مع العساكر لمدافعتهم وقد استولى التتر على بغداد فرجع ومات ببعض قرى دمشق بالطاعون سنة ست وخمسين انتهى والله تعالى أعلم.
زحف الناصر صاحب دمشق إلى الكرك وحصارها والقبض على البحرية
ولما كان من المغيث والبحرية ما قدّمناه ورجعوا منهزمين إلى الكرك بعث الناصر عساكره من دمشق إلى البحرية فالتقوا بغزة وانهزمت عساكر الناصر وظفرت البحرية بهم واستفحل أمرهم بالكرك فسار الناصر بنفسه إليهم بالعساكر من دمشق سنة سبع وخمسين وسار معه صاحب حماه المنصور بن المظفر محمود فنزلوا على الكرك وحاصروها وأرسل المغيث إلى الناصر في الصلح فشرط عليه أن يحبس البحرية فأجاب ونمي الخبر إلى بيبرس أميرهم البندقداري فهرب في جماعة منهم ولحق بالناصر وقبض المغيث على الباقين وبعث بهم إلى الناصر في القيود ورجع [١] الكرك ثم بعث إلى الأمراء بمصر وزيره كمال الدين بن العديم يدعوهم إلى الاتفاق إلى مدافعة التتر وفي أيام مقدم ابن العديم مصر خلع الأمراء على ابن المعز أيبك وقبض عليه أتابك عسكره وموالي أبيه وجلس على التخت وخطب لنفسه
стр. 3223
وقبض على الأمراء الذين يرتاب منازعتهم كما نذكره في أخبارهم وأعاد ابن العديم إلى مرسلة صاحب دمشق بالإجابة والوعد بالمظاهرة والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
استيلاء التتر على الشام وانقراض ملك بني أيوب وهلاك من هلك منهم
ثم زحف التتر وسلطانهم هلاكو إلى بغداد واستولى على كرسي الخلافة وقتلوا المستعصم وطمسوا معالم الملة وكادت تكون من أشراط الساعة وقد شرحناها في أخبار الخلفاء ونذكرها في أخبار التتر فبادر الناصر صاحب دمشق بمصانعته وبعث ابنه العزيز محمدا إلى السلطان هلاكو بالهدايا والالطاف فلم يغن وردّه بالوعد ثم بعث هلاكو عساكره إلى ميافارقين وبها الكامل محمد بن المظفر شهاب الدين غازي بن العادل الكبير فحاصروها سنتين ثم ملكوها عنوة سنة ثمان وخمسين وقتلوه وبعث العساكر إلى إربل فحاصروها ستة أشهر وفتحوها وسار ملوك بلاد الروم كيكاوس وقليج أرسلان ابنا كنجسرو إلى هلاكو أثر ما ملك بغداد فدخلوا في طاعته ورجعوا إلى بلادهم وسار هلاكو إلى بلاد أذربيجان ووفد عليه هنالك لؤلؤ صاحب الموصل سنة سبع وخمسين ودخل في طاعته وردّه إلى بلده وهلك أثر ذلك وملك الموصل مكانه ابنه الصالح وسنجار ابنه علاء الدين ثم أوفد الناصر ابنه على هلاكو بالهدايا والتحف على سبيل المصانعة واعتذر عن لقائه بالتخوّف على سواحل الشام من الإفرنج فتلقى ولده بالقبول وعذره وأرجعه إلى بلده بالمهادنة والمواعدة الجميلة ثم سار هلاكو إلى حران وبعث ابنه في العساكر إلى حلب وبها المعظم توران شاه بن صلاح الدين نائبا عن الناصر يوسف فخرج لقتالهم في العساكر وأكمن له التتر واستجروهم ثم كرّوا عليهم فاثخنوا فيهم ورحلوا إلى إعزاز فملكوها صلحا وبلغ الخبر إلى الناصر وهو بدمشق معسكر من ثورة سنة ثمان وخمسين وجاء الناصر بن المظفر صاحب حماة فأقام معه ينتظر أمرهم ثم بلغه أن جماعة من مواليه اعتزموا على الثورة به فكرّ راجعا إلى دمشق ولحق أولئك الموالي بغزة ثم أطلع على خبثهم وأن قصدهم تمليك أخيه الظاهر فاستوحش منهم ولحق الظاهر بهم فنصبوه للأمر واعصوصبوا عليه وكان معهم بيبرس البندقداري وشعر بتلاشي أحوالهم فكاتب المظفر صاحب مصر واستأمن إليه فأمنه وسار إلى مصر فتلقى بالكرامة وأنزل بدار الوزارة وأقطعه السلطان قطز قليوب بأعماله ثم هرب هلاكو إلى الفرات فملك [١] وكان بها
стр. 3224
إسماعيل أخو الناصر معتقلا فأطلقه وسرحه إلى عمله بالصبينة وبانياس وولاه عليهما وقدم صاحب أرزن إلى توران شاه نائب حلب يدعوه إلى الطاعة فامتنع فسار إليها وملكها عنوة وأمنها واعتصم توران شاه والحامية بالقلعة وبعث أهل حماة بطاعتهم إلى هلاكو وأن يبعث عليهم نائبا من قبله ويسمى برطانتهم الشحنة فأرسل إليهم قائدا يسمى خسروشاه وينسب في العرب إلى خالد بن الوليد ﵁ وبلغ الناصر أخذ حلب فأجفل عن دمشق واستخلف عليها وسار إلى غزة واجتمع عليه مواليه وأخوه وسار التتر إلى نابلس فملكوها وقتلوا من كان بها من العسكر وسار الناصر من غزة إلى العريش وقدم رسله إلى قطز تسأله النصر من عدوّهم واجتماع الأيدي على المدافعة ثم تقدّموا إلى [١] واستراب الناصر بأهل مصر فسار هو وأخوه الظاهر ومعهما الصالح بن الأشرف موسى بن شيركوه إلى التيه فدخلوا إليه وفارقهم المنصور صاحب حماة والعساكر إلى مصر فتلقاهم السلطان قطز بالصالحية وآنسهم ورجع بهم إلى مصر واستولى التتر على دمشق وسائر بلاد الشام إلى غزة وولوا على جميعها أمراءهم ثم افتتحت قلعة حلب وكان بها جماعة من البحرية معتقلين منهم سنقر الأشقر فدفعهم هلاكو إلى السلطان جق من أكابر أمرائه وولى على حلب عماد الدين القزويني ووفد عليه بحلب الأشرف موسى بن منصور بن إبراهيم بن شيركوه صاحب حمص وكان الناصر قد أخذها منه كما قدّمناه فأعادها عليه هلاكو وردّ جميع ولايته بالشام إلى رأيه وسار إلى قلعة حارم فملكها واستباحها وأمر بتخريب أسوار حلب وقلعتها وكذلك حماة وحمص وحاصروا قلعة دمشق طويلا ثم تسلموها بالأمان ثم ملكوا بعلبكّ وهدموا قلعتها وساروا إلى الصبينة وبها السعيد بن العزيز بن العادل فملكوها منه على الأمان وسار معهم ووفد على هلاكو فخر الدين بن الزكي من أهل دمشق فولاه القضاء بها ثم اعتزم هلاكو على الرجوع إلى العراق فعبروا الفرات وولى على الشام أجمع أميرا اسمه كتبغا من أكابر أمرائه واحتمل عماد الدين القزويني من حلب وولى مكانه آخر وأما الناصر فلما دخل في التيه هاله أمره وحسن له أصحابه قصد هلاكو فوصل إلى كتبغا نائب الشام يستأذنه ثم وصل فقبض عليه وسار به إلى [٢] حتى سلمها إليه أهلها وبعث به إلى هلاكو فمرّ
стр. 3225
بدمشق ثم بحماة وبها الأشرف صاحب حمص وخسروشاه نائبها فخرجها لتلقيه ثم مرّ بحلب ووصل إلى هلاكو فأقبل عليه ووعده برده إلى ملكه ثم ثار المسلمون بدمشق بالنصارى أهل الذمة وخربوا كنيسة مريم من كنائسهم وكانت من أعظم الكنائس في الجانب الّذي فتحه خالد بن الوليد ﵀ وكانت لهم أخرى في الجانب الّذي فتحه أبو عبيدة بالأمان ولما ولي الوليد طالبهم في هذه الكنيسة ليدخلها في جامع البلد وأعلى لهم في السوم فامتنعوا فهدمها وزادها في الجامع لأنها كانت لصقه فلما ولي عمر بن عبد العزيز استعاضوه فعوضهم بالكنيسة التي ملكها المسلمون بالعنوة مع خالد بن الوليد ﵀ وقد تقدّم ذكر هذه القصة فلما ثار المسلمون الآن بالنصارى أهل الذمة خربوا كنيسة مريم هذه ولم يبقوا لها أثرا ثم إنّ العساكر الإسلامية اجتمعت بمصر وساروا إلى الشام لقتال التتر صحبة السلطان قطز صاحب [١] ومعه المنصور صاحب حماة وأخوه الأفضل فسار إليه كتبغا نائب الشام ومعه الأشرف صاحب حمص والسعيد صاحب الصبينة ابن العزيز بن العادل والتقوا على عين جالوت بالغور فانهزم التتر وقتل أميرهم النائب كتبغا وأسر السعيد صاحب الصبينة فقتله قطر واستولى على الشام أجمع وأقر المنصور صاحب حماة على بلده ورجع إلى مصر فهلك في طريقه قتله بيبرس البندقداري وجلس على التخت مكانه وتلقب بالظاهر حسبما يذكر ذلك كله في دولة الترك ثم جاءت عساكر التتر إلى الشام وشغل هلاكو عنهم بالفتنة مع قومه وأسف على قتل كتبغا نائبة وهزيمة عساكره فأحضر الناصر ولامه على ما كان منه من تسهيله عليه أمر الشام وتجنى عليه أنه غره بذلك فاعتذر له الناصر فلم يقبل فرماه بسهم فأنفذه ثم أتبعه بأخيه الظاهر وبالصالح بن الأشرف موسى صاحب حمص وشفعت زوجة هلاكو في العزيز بن الناصر وكان مع ذلك يحبه فاستبقاه وانقرض ملك بني أيوب من الشام كما انقرض قبلها من مصر واجتمعت مصر والشام في مملكة الترك ولم يبق لبني أيوب بهما ملك إلّا للمنصور بن المظفر صاحب حماة فإن قطزا أقره عليها والظاهر بيبرس من بعده وبقي في إمارته هو وبنوه مدّة من دولة الترك وطاعتهم حتى أذن الله بانقراضهم وولي عليها غيرهم من أمرائهم كما نذكر في أخبار دولتهم والله وارث الأرض ومن عليها والعاقبة للمتقين.
стр. 3226
دولة الترك الخبر عن دولة الترك القائمين بالدولة العباسية بمصر والشام من بعد بني أيوب ولهذا العهد ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم
قد تقدّم لنا ذكر الترك وأنسابهم أول الكتاب عند ذكر أمم العالم ثم في أخبار الأمم السلجوقية وأنهم من ولد يافث بن نوح باتفاق من أهل الخليفة فعند نسابة العرب أنهم من عامور بن سويل بن يافث وعند نسابة الروم انهم من طيراش بن يافث هكذا وقع في التوراة والظاهر أن ما وقع لنسابة العرب غلط وأن عامور هو مصحف كومر لأنّ كافه تنقلب عند التعريب غينا معجمة فربما صحف عينا مهملة أو بقيت بحالها وأمّا سويل فغلط بالزيادة وأمّا ما وقع للروم من نسبتهم إلى طيراش فهو منقول في الإسرائيليات وهو رأي مرجوح عندهم لمخالفته لما في التوراة وأما شعوبهم وأجناسهم فكثيرة وقد عددنا منهم أوّل الكتاب التغزغز وهم التتر والخطا وكانوا بأرض طمغاج وهي بلاد ملوكهم في الإسلام تركستان وكاشغر وعددنا منهم أيضا الخزلخية والغز الذين كان منهم السلجوقية والهياطلة الذين منهم الخلج وبلادهم الصغد قريبا من سمرقند ويسمون بها أيضا وعددنا منهم أيضا الغور والخزر والقفجاق ويقال الخفشاخ ويمك والعلان ويقال اللان وشركس وأركش وقال صاحب كتاب زجار في الكلام على الجغرافيا أجناس من الترك كلهم وراء النهر إلى البحر المظلم وهي العسية والتغزغزية والخرخيرية والكيماكية والخزلخية والخزر والحاسان وتركش وأركش وخفشاخ والخلخ والغزية وبلغار وخجاكت ويمناك وبرطاس وسنجرت وخرجان وأنكر وذكر في موضع آخر أنكر من شعوب الترك وأنهم في بلاد البنادقة من أرض الروم وأما مواطنهم فإنّهم ملكوا الجانب الشمالي من المعمور في النصف الشرقي منه قبالة الهند والعراق في ثلاثة أقاليم هي السادس والسابع والخامس كما ملك العرب الجانب الجنوبي من المعمور أيضا في جزيرة العرب وما إليها من أطراف الشام والعراق وهم رحالة مثلهم وأهل حرب وافتراس ومعاش من التغلب والنهب إلا في الأقل وقد ذكرنا أنهم عند الفتح لم يذعنوا إلا بعد طول حرب وممارسة أيام سائر دولة بني أمية وصدرا من صولة بني العباس وامتلأت أيدي العرب يومئذ من سبيهم فاتخذوهم خولا في المهن والصنائع ونسائهم فرشا للولادة كما فعلوه في سبي الفرس والروم وسائر الأمم الذين قاتلوهم على الدين وكان شأنهم أن لا يستعينوا برقيقهم في شيء مما يعانونه من الغزو والفتوح ومحاربة الأمم ومن أسلم منهم تركوه لسبيله التي هو
стр. 3227
عليها من أمر معاشه على طاغية هواه لأنّ عصبية العرب كانت مستفحلة يومئذ وشوكتهم قائمة مرهفة ويدهم ويد سلطانهم في الأمر جميعا ومرماهم إلى العز والمجد واحد وكانوا كأسنان المشط لتزاحم الأنساب وغضاضة الدين حتى إذا أرهف الملك حدّه ونهج إلى الاستبداد طريقه واحتاج السلطان في القيام بأمره إلى الاستظهار على المنازعين فيه من قومه بالعصبية المدافعة دونه والشوكة المعترض شباها في أذياله حتى تجدع أنوفهم عن التطاول إلى رتبته وتغض أعنتهم عن السير في مضماره اتخذ بنو العباس من لدن المهدي والرشيد بطانة اصطنعوهم من موالي الترك والروم والبربر ملئوا منهم المواكب في الأعياد والمشاهد والحروب والصوائف والحراسة على السلطان وزينة في أيام السلم واكثافا لعصابة الملك حتى لقد اتخذ المعتصم مدينة سامرا لنزلهم تحرجا من أضرار الرعية باصطدام مراكبهم وتراكم القتام بجوهم وضيق السكك على المارين بزحامهم وكان اسم الترك غالبا على جميعهم فكانوا تبعا لهم ومندرجين فيهم وكانت حروب المسلمين لذلك العهد في القاصية وخصوصا مع الترك متصلة والفتوح فيهم متعاقبة وأمواج السبي من كل وجه متداركة وربما رام الخلفاء عند استكمال بغيتهم واستجماع عصابتهم اصطفاء علية منهم للمخالصة وقواد العساكر ورؤساء المراكب فكانوا يأخذون في تدريجهم لذلك بمذاهب الترشيح فينتقون من أجود السبي الغلمان كالدنانير والجوار كاللآلئ ويسلمونهم إلى قهارمة القصور وقرمة الدواوين يأخذونهم بحدود الإسلام والشريعة وآداب الملك والسياسة ومراس الثقافة في المران على المناضلة بالسهام والمسالحة بالسيوف والمطاعنة بالرماح والبصر بأمور الحرب والفروسية ومعاناة الخيول والسلاح والوقوف على معاني السياسة حتى إذا تنازعوا في الترشيح وانسلخوا من جلدة الخشونة إلى رقة الحاشية وملكة التهذيب اصطنعوا منهم للمخالصة ورقوهم في المراتب واختاروا منهم لقيادة العساكر في الحروب ورياسة المواكب أيام الزينة ورتق الفتوق الحادثة وسدّ الثغور القاصية كل على شاكلة غنائه وسابق اصطناعه فلم يزل هذا دأب الخلفاء في اصطناعهم ودعامة سرير الملك بعمدهم وتمهيد الخلافة بمقاماتهم حتى سموا في درج الملك وامتلأت جوانحهم من الغزو وطمحت أبصارهم إلى الاستبداد فتغلبوا على الدولة وحجروا الخلفاء وقعدوا بدست الملك ومدرج النهي والأمر وقادوا الدولة بزمامهم وأضافوا اسم السلطان إلى مراتبهم وكان مبدأ ذلك واقعة المتوكل وما حصل بعدها من تغلب الموالي واستبدادهم بالدولة والسلطان ونهج السلف منهم في ذلك السبيل للخلف واقتدى الآخر بالأوّل فكانت لهم دول في الإسلام متعدّدة تعقب غالبا دولة أهل العصبية وشوكة النسب كمثل دولة بني
стр. 3228
سامان وراء النهر وبني سبكتكين بعدهم وبني طولون بمصر وبني طغج وما كان بعد الدولة السلجوقية من دولتهم مثل بني خوارزم شاه بما وراء النهر وبني طغرلتكين بدمشق وبني أرتق بماردين وبني زنكي بالموصل والشام وغير ذلك من دولهم التي قصصناها عليك في تصانيف الكتاب حتى إذا استغرقت الدولة في الحضارة والترف ولبست أثواب البلاء والعجز ورميت الدولة بكفرة التتر الذين أزالوا كرسي الخلافة وطمسوا رونق البلاد وأدالوا بالكفر من الإيمان بما أخذ أهلها عند الاستغراق في التنعم والتشاغل في اللذات والاسترسال في الترف من تكاسل الهمم والقعود عن المناصرة والانسلاخ من جلدة الرأس وشعار الرجولية فكان من لطف الله سبحانه أن تدارك الإيمان بأحياء رمقه وتلافى شمل المسلمين بالديار المصرية بحفظ نظامه وحماية سياجه بأن بعث لهم من هذه الطائفة التركية وقبائلها الغزيرة المتوافرة أمراء حامية وأنصارا متوافية يجلبون من دار الحرب إلى دار الإسلام في مقادة الرق الّذي كمن اللطف في طيه وتعرفوا العز والخير في مغبته وتعرضوا للعناية الربانية بتلافيه يدخلون في الدين بعزائم إيمانية وأخلاق بدوية لم يدنسها لؤم الطباع ولا خالطتها أقذار اللذات ولا دنستها عوائد الحضارة ولا كسر من سورتها غزارة الترف ثم يخرج بهم التجار إلى مصر أرسالا كالقطا نحو الموارد فيستعرضهم أهل الملك منهم ويتنافسون في أثمانهم بما يخرج عن القيمة لا لقصد الاستعباد إنما هو إكثاف للعصبية وتغليظ للشوكة ونزوع إلى العصبية الحامية يصطفون من كل منهم بما يؤنسونه من شيم قومهم وعشائرهم ثم ينزلونهم في غرف الملك ويأخذونهم بالمخالصة ومعاهده التربية ومدارسة القرآن وممارسة التعليم حتى يشتدوا في ذلك ثم يعرضونهم على الرمي والثقافة وركض الخيل في الميادين والمطاعنة بالرماح والمماصعة بالسيوف حتى تشتدّ منهم السواعد وتستحكم الملكات ويستيقنوا منهم المدافعة عنهم والاستماتة دونهم فإذا بلغوا إلى هذا الحدّ ضاعفوا أرزاقهم ووفروا من أقطاهم وفرضوا عليهم استجادة السلاح وارتباط الخيول والاستكثار من أجناسهم لمثل هذا القصد وربما عمروا بهم خطط الملك ودرجوهم في مراتب الدولة فيسترشح من يسترشح منهم لاقتعاد كرسي السلطان والقيام بأمور المسلمين عناية من الله تعالى سابقة ولطائف في خلقه سارية فلا يزال نشو منهم يردف نشوا وجيل يعقب جيلا والإسلام يبتهج بما يحصل به من الغناء والدولة ترف أغصانها من نضرة الشباب وكان صلاح الدين يوسف بن أيوب ملك مصر والشام وأخوه العادل أبو بكر من بعده ثم بنوهم من بعدهم قد تناغوا في ذلك بما فوق الغاية واختص الصالح نجم الدين أيوب آخر ملوكهم بالمبالغة في ذلك والإمعان فيه فكان عامة عسكره منهم فلما إنفض عشيرة وخذله
стр. 3229
أنصاره وقعد عنه أولياؤه وجنوده لم يدع سببا في استجلابهم إلا أتاه من استجادة المتردّدين إلى ناحيتهم ومراضاة التجار في أثمانهم بأضعاف ثمنهم وكان رقيقهم قد بلغ الغاية من الكثرة لما كان التتر قد دوّخوا الجانب الغربي من ناحية الشمال وأوقعوا بسكانه من الترك وهم شعوب القفجاق والروس والعلان والمولات وما جاورهم من قبائل جركس وكان ملك التتر بالشمال يومئذ دوشي خان بن جنكزخان قد أصابهم بالقتل والسبي فامتلأت أيدي أهل تلك النواحي برقيقهم وصاروا عند التجار من أنفس بضائعهم والله تعالى أعلم.
ذكر بيبرس البندقداري
في تاريخه حكاية غريبة عن سبب دخول التتر لبلادهم بعد أن عد شعوبهم فقال ومن قبائلهم يعني القفجاق قبيلة طغصبا وستا وبرج أغلا والبولى وقنعرا على وأوغلي ودورت وقلابا أعلى وجرثان وقدكابركلي وكنن هذه إحدى عشرة قبيلة وليس فيها ذكر الشعوب العشرة القديمة الذكر التي عدّدها النسابة كما قدّمناه أوّل الترجمة وهذه والله أعلم بطون متفرعة من القفجاق فقط وهي التي في ناحية الغرب من بلادهم الشمالية فإنّ سياق كلامه إنما هو في الترك المجلوبين من تلك الناحية لا من ناحية خوارزم ولا ما وراء النهر قال بيبرس ولما استولى التتر على بلادهم سنة ست وعشرين والملك يومئذ بكرسي جنكزخان لولده دوشي خان واتفق أنّ شخصا من قبيلة دورت يسمى منقوش بن كتمر خرج متصيدا فلقيه آخر من قبيلة طغصبا اسمه آقا كبك وبين القبيلتين عداوة مستحكمة فقتله وأبطأ خبره عن أهله فبعثوا طليعة لاستكشاف أمره اسمه جلنقر فرجع إليهم وأخبرهم وأنه قتل وسمى لهم قاتله فجمعوا للحرب وتزاحفت القبيلتان فانهزمت قبيلة طغصبا وخرج آقا كبك القاتل وتفرق جمعه فأرسل أخاه أقصر إلى ملكهم دوشي يستعلم ما على ذوي قبيلة دورت القفجاقية وذكره ما فعل كتمر وقومه بأخيه وأغراه بهم وسهل له الشأن فيهم وبعث دوشي خان جاسوسه لاستكشاف حالهم واختيار مراسهم وشكيمتهم فعاد إليه بتسهيل المرام فيهم وقال إن رأيت كلابا مكبين على فريستهم متى طردتهم عنها تمكنت منها فأطمعه ذلك في بلاد القفجاق واستحثه أقصر الّذي جاء صريخا وقال له ما معناه نحن ألف رأس تجر ذنبا واحدا وأنتم رأس واحد تجر ألف ذنب فزاده ذلك أغراء ونهض بجموع التتر فأوقع بالقفجاق وأثخن فيهم قتلا وسبيا وأسرا وفرّقهم في البقاع وامتلأت أيدي التجار وجلبوهم إلى مصر فعوضه الله بالدخول
стр. 3230
في الإيمان والاستيلاء على الملك والسلطان انتهى كلام بيبرس ومساق القصة يدل على أن قبيلة دورت من القفجاق وأنّ قبيلة طغصبا من التتر فيقتضي ذلك أنّ هذه البطون التي عددت ليست من بطن واحد وكذلك يدل مساقها على أنّ أكثر هؤلاء الترك الذين بديار مصر من القفجاق والله تعالى أعلم.
الخبر عن استبداد الترك بمصر وانفرادهم بها عن بني أيوب ودولة المعز أيبك أوّل ملوكهم
قد تقدّم لنا أنّ الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل بن العادل قد استكثر من المماليك الترك ومن في معناهم من التركمان والأرمن والروم وجركس وغيرهم إلا أن اسم الترك غالب على جميعهم لكثرتهم ومزيتهم وكانوا طوائف متميزين بسمات من ينسبون إليه من نسب أو سلطان فمنهم العزيزية نسبة إلى العزيز عثمان بن صلاح الدين ومنهم الصالحية نسبة إلى هذا الصالح أيوب ومنهم البحرية نسبة إلى القلعة التي بناها الصالح بين شعبتي النيل إزاء المقياس بما كانوا حاميتها وكان هؤلاء البحرية شوكة دولته وعصابة سلطانه وخواص داره وكان من كبرائهم عز الدين أيبك الجاشنكير التركماني ورديفه فارس الدين أقطاي الجامدار وركن الدين بيبرس البندقداري ولما كان ما قدّمناه ووفاة الصالح بالمنصورة في محاصرة الإفرنج بدمياط في سنة سبع وأربعين وكتمانهم موته ورجوعهم في تدبير أمورهم إلى شجرة الدرّ زوجة الصالح وأم ولده خليل وبعثهم إلى ابنه المعظم توران شاه وانتظاره وأن الإفرنج شعروا بموت الصالح فدلفوا إلى معسكر المسلمين على حين غفلة فانكشف أوائل العسكر وقتل فخر الدين الأتابك ثم أفرغ الله الصبر وثبت أقدامهم وأبلى أمراء الترك في ذلك اليوم بلاء حسنا ووقفوا مع شجرة الدر زوج السلطان تحت الرايات ينوّهون بمكانها فكانت لهم الكرّة وهزم الله العدوّ وثم وصل المعظم توران شاه من كيفا فبايعوا له وأعطوه الصفقة وانتظم الحال واستطال المسلمون على الافرنج برا وبحرا فكان ما قدّمناه من هزيمتهم والفتك بهم وأسر ملكهم الفرنسيس ثم رحل المعظم أثر هذا الفتح إلى مصر لشهرين من وصوله ونزل بفارس كور يريد مصر وكانت بطانته قد استطالوا على موالي أبيه وتقسموهم بين النكبة والإهمال فاتفق كبراء البحرية على قتله وهم أيبك وأقطاي وبيبرس فقتلوه كما مرّ ونصبوا للملك شجرة الدر أم خليل وخطب لها على المنابر ونقش اسمها على السكة ووضعت علامتها على المراسم ونصها أم خليل وقام أيبك التركماني بأتابكية العسكر ثم فودي الفرنسيس بالنزول عن دمياط وملكها المسلمون سنة ثمان وأربعين وسرحوه في البحر إلى بلاده بعد أن توثقوا منه باليمين أن لا
стр. 3231
يتعرّض لبلاد المسلمين ما بقي واستقلت الدولة بمصر للترك وانقرضت منها دولة بني أيوب بقتل المعظم وولاية المرأة وما اكتنف ذلك فامتعضوا له وكان فتح الدين عمر بن العادل قد حبسه عمه الصالح أيوب بالكرك لنظر بدر الصوابي خادمه الّذي ولاه على الكرك والشويك لما ملكهما كما مرّ فأطلق بدر الدين من محبسه وبايع له وقام بأمره ولقبه المغيث واتصل الخبر بمصر وعلموا أنّ الناس قد نقموا عليهم ولاية المرأة فاتفقوا على ولاية زعيمهم أيبك لتقدّمه عند الصالح وأخيه العادل قبله فبايعوا له وخلعوا أمّ خليل ولقبوه بالمعز فقام بالأمر وانفرد بملك مصر وولى مولاه سيف الدين قطز نائبا وعمر المراتب والوظائف بأمراء الترك والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
نهوض الناصر صاحب دمشق من بني أيوب إلى مصر وولاية الأشرف موسى مكان أيبك
كان الملك الصالح أيوب قبل موته قد استخلف جمال الدين بن يغمور على دمشق مكان ابن مطروح وأمراء الدولة الأيوبية بها متوافرون فلما بلغهم استبداد الترك بمصر وولاية أيبك وبيعه المغيث بالكرك أمعنوا النظر في تلافي أمورهم وكبراء بني أيوب يومئذ بالشام الناصر يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن صلاح الدين حلب وحمص وما إليها فاستدعوه وبايعوا له بدمشق وأغروه بطلب مصر واتصل الخبر للترك في مصر فاعتزموا على أن ينصبوا بعض بني أيوب فيكفوا به ألسنة النكير عنهم فبايعوا لموسى الّذي كان أبوه يوسف صاحب اليمن وهو يوسف أطسز بن المسعود بن الكامل وهو يومئذ ابن ست سنين ولقبوه الأشرف وتزحزح له أيبك عن كرسي السلطان إلى رتبة الأتابكية واستمرّ الناصر على غلوائه في النهوض إلى مصر واستدعى ملوك الشام من بني أيوب فأقبل إليه موسى الأشرف الّذي كان صاحب حمص وإسماعيل الصالح بن العادل صاحب بعلبكّ والمعظم توران شاه بن صلاح الدين وأخوه نصر الدين وابنا داود الناصر صاحب الكرك وهما الأمجد حسن والظاهر شادي وارتحل من دمشق سنة ثمان وأربعين وفي مقدّمته أتابكه لؤلؤ الأرمني وبلغ الخبر إلى مصر فاضطرب الأمر ونادوا بشعار الخلافة والدعاء للمستعصم وجدّدوا البيعة على ذلك للأشرف وجهزوا العساكر وخرجوا للقائهم وسار في المقدّمة أقطاي الجامدار وجمهور البحرية وتبعهم أيبك ساقة في العساكر والتقى الجمعان بالعباسية فانكشف عسكر مصر أولا وتبعهم أهل الشام وثبت المعز في القلب ودارت عليه رحى الحرب وهرب إليه جماعة من عسكر الناصر فيهم أمراء العزيزية
стр. 3232
مثل جمال الدين لا يدعون وشمس الدين أتسز اليرلي وشمس الدين أتسز الحسامي غضبوا من رياسة لؤلؤ عليهم فهربوا وبقي لؤلؤ في المعركة صامدا ثم حمل المعز على الناصر وأصحابه فانهزموا وإنفض عسكرهم وجيء بلؤلؤ الأتابكي أسيرا فقتله صبرا وبأمراء بني أيوب فحبسهم ورجع أيبك من الوقعة فوجد عساكر الناصر مجتمعين بالعباسية يظنون الغلب لهم فعدل إلى بلبيس ثم إلى القلعة ورجعت عساكر الشام من أتباع المنهزمين لما شعروا بهزيمة صاحبهم فلحقوا بالناصر بدمشق ودخل أيبك إلى القاهرة وحبس بني أيوب بالقلعة ثم قتل منهم إسماعيل الصالح ووزيره ابن يغمور الّذي كان معتقلا من قبل ولما وصل الناصر إلى دمشق أزاح علل عساكره وعجل الكرّة إلى مصر ونزل غزة سنة خمسين وبرزت عساكر مصر للقائه فتواقفوا مليا ثم وصل نجم الدين البادر إلى رسول المستعصم فأصلح بين الطائفتين على أن يكون القدس والساحل إلى نابلس للمعز والتخم بين المملكتين نهر الأردنّ وانعقد الأمر على ذلك ورجع كل إلى بلده وأخرج المعز عن أمراء بني أيوب الذين حبسهم يوم الوقعة والله أعلم.
واقعة العرب بالصعيد مع أقطاي
لما شغل الصالح بالإفرنج وما بعدهم عظم فساد العرب بالصعيد واجتمعوا على الشريف خضر الدين أبي ثعلب بن نجم الدين عمر بن فخر الدين إسماعيل بن حصن الدين ثعلب الجعفري من ولد جعفر بن أبي طالب الذين أجازوا من الحجاز لما غلبهم بنو عمهم بنواحي المدينة في الحروب التي كانت بينهم وأطاعه أعراب الصعيد كافة ولم يقدر على كفهم عن الراية واتصل ذلك وهلك الصالح واستبدّ الترك بمصر وشغلوا عنهم بما كان من مطالبة بني أيوب لهم فلما فرغ المعز أيبك من أمر الناصر وعقد الصلح معه بعث لحربهم فارس الدين أقطاي وعز الدين أيبك الأفرم أمير البحرية فساروا إليهم ولقوهم بنواحي أخميم فهزموهم وفرّ الشريف ناجيا بنفسه ثم قبض عليه بعد ذلك وقتل ورجعت العساكر الى القاهرة والله تعالى أعلم.
مقتل اقطاي الجامدار وفرار البحرية إلى الناصر ورجوع أيبك إلى كرسيه
كان اقطاي الجامدار من أمراء البحرية وعظمائهم ويلقب فارس الدين وكان رديفا للمعز أيبك في سلطانه وأتابكه وكان يغض من عنانه عن الطموح إلى الكرسي وكان يخفض من
стр. 3233
جناحه للبحرية يتألفهم بذلك فيميلون له عن أيبك فاعتز في الدولة واستفحل أمره وأخذ من المعز الإسكندرية اقطاعا وتصرف في بيت المال وبعث فخر الدين محمد بن الناصر بهاء الدين بن حياء إلى المظفر صاحب حماة في خطبة ابنته فتزوّجها وأطلق يده في العطاء والإقطاع فعم الناس وكثر تابعه وغص به المعز أيبك وأجمع قتله فاستدعاه بعض الأيام للقصر للشورى سنة اثنتين وخمسين وقد اكمن له ثلاثة من مواليه في ممرّه بقاعة الأعمدة وهم قطز وبهادل وسنجر فوثبوا عليه عند مروره بهم وبادروه بالسيوف وقتلوه لحينه واتصلت الهيعة بالبحرية فركبوا وطافوا بالقلعة فرمى إليهم برأسه فانفضوا واستراب أمراؤهم فاجتمع ركن الدين بيبرس البندقداري وسيف الدين قلاون الصالحي وسيف الدين سنقر الأشقر وبدر الدين بنسر الشمسي وسيف الدين بلبان الرشيديّ وسيف الدين تنكر وأخوه سيف الدين موافق ولحقوا بالشام فيمن انضم إليهم من البحرية واختفى من تخلف منهم واستصفيت أموالهم وذخائرهم وارتجع ما أخذه اقطاي من بيت المال ورد ثغر الإسكندرية إلى أعمال السلطان وانفرد المعز أيبك بتدبير الدولة وخلع موسى الأشرف وقطع خطبته وخطب لنفسه وتزوّج شجرة الدر زوجة الصالح التي كانوا ملكوها من قبل واستخلص علاء الدين آيدغدي العزيزي وجماعة العزيزية وأقطعه دمياط ولما وصل البحرية وأمراؤهم إلى غزة كاتبوا الناصر يستأذنونه في القدوم وساروا إليه فاحتفل في مبرتهم وأغروه بملك مصر فأجابهم وجهز العساكر وكتب المعز فيهم إلى الناصر وطلبوا منه القدس والبلاد الساحلية فاقطعها لهم ثم سار الناصر إلى الغور وبرز إلى القاهرة في العزيزية ومن إليهم ونزل العباسية وتوافق الفريقان مدّة ثم اصطلحوا ورجع كل إلى بلده سنة أربع وخمسين وبعث أيبك رسوله إلى المستعصم بطاعته وطلب الألوية والتقليد ولما رجع إلى مصر قبض على علاء الدين آيدغدي لاسترابته به وأعاد دمياط إلى أعمال السلطان واتصلت أحواله إلى أن هلك في الدولة والله تعالى أعلم.
فرار الافرم إلى الناصر بدمشق
كان عز الدين أيبك الأفرم الصالحي واليا على قوص واخميم وأعمالها فقوي أمره وهمّ بالاستبداد وأراد المعز عزله فامتنع عليه فبعث بعض الخوارزمية مددا له ودس إليهم الفتك به فلما وصلوا إليه استخدمهم وخلطهم بنفسه فاغتالوه وقبضوا عليه وتراموا إليه للحين فبطشوا بهم وقتلوهم وخلعوه ثم عزله بعد ذلك عز الدين الصميري في خدمته واستدعاه إلى مصر فأقام عنده ثم بعثه مع أقطاي إلى الصعيد وحضر ومعه الشريف أبو ثعلب والعرب كما مرّ
стр. 3234
وعاد أقطاي إلى مكانه من الدولة وأوعز المعز أيبك إلى الأفرم بالمقام لتمهيد بلاد الصعيد وأن يكون الصميري في خدمته وبلغه وهو هناك أنّ المعز عدا على أقطاي وقتله وأنّ أصحابه البحرية فرّوا إلى الشام فاستوحش وأظهر العصيان واستدعى الشريف أبا ثعلب وتظاهر معه على الفساد وجمعوا الأعراب من كل ناحية ثم بعث المعز سنة ثلاث وخمسين شمس الدين اليرلي في العساكر فهزمهم واعتقل الشريف فلم يزل في محبسه إلى أن قتله الظاهر ونجا الأفرم في فل من مواليه إلى الواحات ثم اعتزم على قصد الشام فرجع إلى الصعيد مع جماعة من أعراب جذام مروا به على السويس والطور ورجع عنه مواليه إلى مصر ولما انتهى إلى غزة تولع به الناصر فأذنه بالقدوم عليه بدمشق وركب يوم وصوله فتلقاه بالكسوة وأعطاه خمسة آلاف دينار ولم يزل عنده بدمشق إلى أن هرب البحرية من الكرك إلى مصر كما يذكر فخشي أن يأخذه الناصر وكاتب الأتابك قطز بمصر وسار إليه فقبله أوّلا ثم قبض عليه بعد ذلك واعتقله بالإسكندرية وكان الصميري قد بقي بعد الافرم في ولاية الصعيد واستفحل فيه فسوّلت له نفسه الاستبداد ولم يتمّ له فهرب إلى الناصر سنة أربع وخمسين انتهى والله تعالى أعلم.
مقتل المعز أيبك وولاية ابنه علي المنصور
كان المعز أيبك عند ما استفحل أمره ومهد سلطانه ودفع الأعداء عن حوزته طمحت نفسه إلى مظاهرة المنصور صاحب حماة ولؤلؤ صاحب الموصل ليصل يده بهما وأرسل إليهما في الخطبة وأثار ذلك غيرة من زوجته شجرة الدرّ وأغرت به جماعة من الخصيان منهم محسن الخزري وخصى العزيزي ويقال سنجر الخادمان فبيتوه في الحمام بقصره وقتلوه سنة خمس وخمسين لثلاث سنين من ولايته وسمع مواليه الناعية من جوف الليل فجاءوا مع سيف الدين قطز وسنجر الغتمي وبهادر فدخلوا القصر وقبضوا على الجوجريّ فقتلوه وفرّ سنجر العزيزي إلى الشام وهموا بقتل شجرة الدرّ وقام الموالي الصالحية دونها فاعتقلوها ونصبوا للملك علي بن المعز أيبك ولقبوه المنصور وكان أتابكه علم الدين سنجر الحلي واشتمل موالي المعز على ابنه المنصور فكبسوا علم الدين سنجر واعتقلوه وولوا مكانه أقطاي المعزي الصالحي مولى العزيز على الدولة في نقضها وإبرامها سنة ست وخمسين وأغرته أمّ المنصور بالصاحب شرف الدين الغازي لأنّ المعز كان يستودعه سراياه عنده فاستصفاه وقتله وفي هذه السنة توفي زهير بن
стр. 3235
علي المهلي وكان يكتب عن الصالح ويلازمه في سجنه بالكرك ثم صحبه إلى مصر والله تعالى أعلم.
نهوض البحرية بالمغيث صاحب الكرك وانهزامهم
قد ذكرنا فرار البحرية إلى الناصر ونهوضهم به إلى مصر وخروج أيبك إلى العباسية وما كان بينهما من الصلح فلما انعقد الصلح ورجع الناصر إلى دمشق ورجعوا عنه إلى قلعة [١] ولم يرضوا الصلح فاستراب بهم الناصر وصرفهم عنه فلحقوا بغزة ونابلس وبعثوا إلى المغيث صاحب الكرك بطاعتهم فأرسل الناصر عساكره للإيقاع بهم فهزموهم فسار إليهم بنفسه فهزموه إلى البلقاء ولحقوا بالكرك وأطمعوا المغيث في مصر واستمدّوه لها فأمدّهم بعسكره وقصدوا مصر وكبراؤهم بيبرس البندقداري وقلاوون الصالحي وبليان الرشيديّ وبرز الأمير سيف الدين قطز بعساكر مصر إلى الصالحية فهزمهم وقتل بلغار الأشرفي وأسر قلاوون الصالحي وبليان الرشيديّ وأطلق قلاوون بعد أيام في كفالة أستاذ الدار فاختفى ثم لحق بأصحابه واستحثوا المغيث إلى مصر فنهض في عساكره سنة ست وخمسين ونزل الصالحية وقدم إليه عز الدين الرومي والكافوري والهواشر ممن كان يكاتبه من أمراء مصر وبرز سيف الدين قطز في عساكر مصر والتقى الجمعان فانهزم المغيث ولحق في الفل بالكرك وفرّت البحرية إلى الغور فوجدوا هنالك أحياء من الأكراد فرّوا من جبال شهرزور أمام التتر فاجتمعوا بهم والتحموا بالصهر معهم وخشي الناصر غائلة اجتماعهم فجهز العساكر من دمشق إليهم والتقوا بالغور فانهزمت عساكره فتجهز ثانيا بنفسه وسار إليهم فخاموا عن لقائه وافترقوا فلحق الأكراد بمصر واعترضهم التركمان في طريقهم بالعريش فأوقعوا بهم وخلصوا إلى مصر ولحق البحرية بالكرك مع عسكر المغيث ووعدهم بالنصر وأرسل إليه من دمشق في إسلامهم إليه وتوعده [٢] أنفسهم واضطربوا ففرّ بيبرس وقلاوون إلى الصحراء وأقاموا بها ثم لحقوا بمصر وأكرمهم الأتابك قطز وأقطعهم وأقاموا عنده ولما فرّ بيبرس وقلاوون من المغيث قبض على بقية أمراء البحرية سنقر الأشقر وشكر وبرابق وبعث بهم إلى
стр. 3236
الناصر فحبسهم بقلعة حلب إلى أن استولى التتر عليها ونقلهم هلاكو إلى بلاده والله أعلم.
خلع المنصور علي بن أيبك واستبداد قطز بالملك
ثم كان ما ذكرناه ونذكره من زحف هلاكو إلى بغداد واستيلائه عليها وما بعدها إلى الفرات وفتحه ميافارقين وإربل ومسير لؤلؤ صاحب الموصل إليه ودخوله في طاعته ووفادة ابن الناصر صاحب دمشق إليه رسولا عن أبيه بالهدايا والتحف على سبيل المصانعة والعذر عن الوصول بنفسه خوفا على سواحل الشام من الإفرنج فارتاب الأمراء بشأنهم واستصغروا سلطانهم المنصور علي بن المعز أيبك عن مدافعة هذا العدوّ لعدم ممارسته للحروب وقلة دربته بالوقاع واتفقوا على البيعة لسيف الدين قطر المعزي وكان معروفا بالصرامة والإقدام فبايعوا له وأجلسوه على الكرسي سنة ست وخمسين ولقبوه المظفر وخلعوا المنصور لسنتين من ولايته وحبسوه وأخويه بدمياط ثم غربهما ولقبوه المظفر وخلعوا المنصور لسنتين من ولايته وحبسوه وأخويه بدمياط ثم غربهما الظاهر بعد ذلك إلى القسطنطينية وكان المتولون لذلك الصالحية والعزيزية ومن يرجع إلى قطز من المعزية وكان بهادر وسنجر الغتمي غائبين فلما قدما استراب بهما قطز وخشي من نكيرهما ومزاحمتهما فقبض عليهما وحبسهما وأخذ في تمهيد الدولة فاستوثقت له وكان قطز من أولاد الملوك الخوارزمية يقال أنه ابن أخت خوارزم شاه واسمه محمود بن مودود أسره التتر عند الحادثة عليهم وبيع واشتراه ابن الزعيم حكاه النوويّ عن جماعة من المؤرخين والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
استيلاء التتر على الشام وانقراض أمر بني أيوب ثم مسير قطز بالعساكر وارتجاعه الشام من أيدي التتر وهزيمتهم وحصول الشام في ملك الترك
ثم عبر هلاكو الفرات سنة ثمان وخمسين وفرّ الناصر وأخوه الظاهر إلى التيه ولحق بمصر المنصور صاحب حماة وجماعة البحرية الذين كانوا بأحياء العرب في القفر وملك هلاكو بلاد الشام واحدة واحدة وهدم أسوارها وولى عليها وأطلق المعتقلين من البحرية بحلب مثل سنقر الأشقر وشكر وبرابق واستخدمهم ثم قفل إلى العراق لاختلاف بين إخوته واستخلف على
стр. 3237
الشام كتبغا من أكبر أمرائه في اثني عشر ألفا من العساكر وتقدّم إليه بمطالعة الأشرف إبراهيم بن شيركوه صاحب حمص بعد أن ولاه على مدينة دمشق وسائر مدن الشام واحتمل معه الناصر وابنه العزيز بعد أن استشاره في تجهيز العساكر بالشام لمدافعة أهل مصر عنها فهوّن عليه الأمر وقللهم في عينه فجهز كتبغا ومن معه ولما فصل سار كتبغا إلى قلعة دمشق وهي ممتنعة بعد فحاصرها وافتتحها عنوة وقتل نائبها بدر الدين بربدك وخيم بمرج دمشق وجاءه من ملوك الإفرنج بالساحل ووفد عليه الظاهر أخو الناصر صاحب صرخد فردّه إلى عمله وأوفد عليه المغيث صاحب الكرك ابنه العزيز بطاعته فقبله وردّه إلى أبيه واجتمعت عساكر مصر واحتشد المظفر العرب والتركمان وبعث إليهم بالعطايا وأزاح العلل وبعث كتبغا إلى المظفر قطز بأن يقيم طاعة هلاكو بمصر فضرب أعناق الرسل ونهض إلى الشام مصمما للقاء العدوّ ومعه المنصور صاحب حماة وأخوه الأفضل وزحف كتبغا وعساكر التتر ومعه الأشرف صاحب حمص والسعيد صاحب الضبينة ابن العزيز بن العادل وبعث إليهما قطز يستميلهما فوعده الأشرف بالانهزام يوم اللقاء وأساء العزيز الردّ على رسوله وأوقع به والتقى الفريقان بالغور على عين جالوت وتحيز الأشرف عند ما تناشبوا فانهزم التتر وقتل أميرهم كتبغا في المعركة وجيء بالسعيد صاحب الضبينة أسيرا فوبخه ثم قتله وجيء بالعزيز بن المغيث وأسر يومئذ [١] الّذي ملك مصر بعد ذلك ولقي العادل بيبرس المنهزمين في عسكر من الترك فأثخن فيهم وانتهى إلى حمص فلقي مددا من التتر جاء لكتبغا فاستأصلهم ورجع إليه الأشرف صاحب حمص من عسكر التتر فأقرّه على بلده وبعث المنصور على بلده حماة وأقرّه عليها وردّ إليه المعرّة وانتزع منه سليمة فأقطعها لأمير العرب مهنا بن مانع بن جديلة وسار إلى دمشق فهرب من كان بها من التتر وقتل من وجد بها من بقاياهم ورتب العساكر في البلاد وولى على دمشق علم الدين سنجر الحلي الصالحي وهو الّذي كان أتابك علي بن أيبك ونجم الدين أبا الهيجاء ابن خشترين الكردي وولى على حلب السعيد ويقال المظفر علاء الدين بن لؤلؤ صاحب الموصل وكان وصل إلى الناصر بمصر هاربا أمام التتر وسار معه فلما دخل الناصر منها لحق هو بمصر وأحسن إليه قطز ثم ولاه الناصر على حلب الآن ليتوصل إلى أخبار التتر من أخيه الصالح بالموصل وولى على نابلس وغزة والسواحل شمس الدين دانشير اليرلي من أمراء العزيز محمد وهو أبو الناصر وكان هرب منه عند نهوضه إلى مصر في جماعة من العزيزية ولحق بأتابك ثم ارتاب بهم وقبض على بعضهم ورجع اليرلي في الباقين
стр. 3238
إلى الناصر فاعتقله بقلعة حلب حتى سار إلى التتر فلما دخل إليها سار اليرلي مع العساكر إلى مصر فأكرمه المظفر وولاه الآن على السواحل وغزة وأقام المظفر بدمشق عشرين ليلة وأقبل إلى مصر ولما بلغ إلى هلاكو ما وقع بقومه في الشام واستيلاء الترك عليه اتهم صاحب دمشق بأنه خدعه في إشارته وقتله كما مرّ وانقرض ملك بني أيوب من الشام أجمع وصار لملوك مصر من الترك والله يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
مقتل المظفر وولاية الظاهر بيبرس
كان البحرية من حين مقتل أميرهم أقطاي الجامدار يتحينون لأخذ ثاره وكان قطز هو الّذي تولى قتله فكان مستريبا بهم ولما سار إلى التتر ذهل كل منهم عن شأنه وجاء البحرية من القفر هاربين من المغيث صاحب الكرك فوثقوا لأنفسهم من السلطان قطز أحوج ما كان إلى أمثالهم من المدافعة عن الإسلام وأهله فأمنهم واشتمل عليهم وشهدوا معه واقعة التتر على عين جالوت وأبلغوا فيها والمقدّمون فيهم يومئذ بيبرس البندقداري وأنز الأصبهاني وبليان الرشيديّ وبكتون الجوكنداري وبند وغار التركي فلما انهزم التتر من الشام واستولوا عليه وحسر ذلك المد وأفرج عن الخائفين الروع عاد هؤلاء البحرية إلى ديدنهم من الترصد لثار أقطاي فلما قفل قطز من دمشق سنة ثمان وخمسين أجمعوا أن يبرزوا به في طريقهم فلما قارب مصر ذهب في بعض أيامه يتصيد وسارت الرواحل على الطريق فاتبعوه وتقدّم إليه أنز شفيعا في بعض أصحابه فشفعه فأهوى يقبل يده فأمسكها وعلاه بيبرس بالسيف فخرّ صريعا لليدين والفم ورشقه الآخرون بالسهام فقتلوه وتبادروا إلى المخيم وقام دون فارس الدين اقطاي على ابن المعز أيبك وسأل من تولى قتله منكم فقالوا بيبرس فبايع له وأتبعه أهل المعسكر ولقبوه الظاهر وبعثوا أيدمر الحلي بالخبر إلى القلعة بمصر فأخذ له البيعة على من هناك ووصل الظاهر منتصف ذي القعدة من السنة فجلس على كرسيه واستخلف الناس على طبقاتهم وكتب إلى الأقطار بذلك ورتب الوظائف وولى الأمراء وولى تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز الوزارة مع القضاء واقتدى بآثار أستاذه الصالح نجم الدين ومبدأ أمر هذا الظاهر بيبرس أنه كان من موالي علاء الدين أيدكين البندقداري مولى الصالح فسخط عليه واعتقله وانتزع ماله ومواليه وكان منهم بيبرس فصيره مع الجامدارية وما زال يترقى في المراتب إلى أن تقدّم في الحروب ورياسة المراكب ثم كان خبره بعد الصالح ما قصصناه انتهى والله أعلم
.
стр. 3239
انتقاض سنجر الحلي بدمشق ثم آقوش البرلي بحلب
ولما بلغ علم الدين سنجر بدمشق مقتل قطز وولاية الظاهر بيبرس انتقض ودعا لنفسه وجلس على التخت بدمشق وتلقب المجاهد وخطب لنفسه وضرب السكة باسمه وتمسك المنصور صاحب حماة بدعوة الظاهر وجاءت عساكر التتر إلى الشام فلما شارفوا البيرة جرد إليهم السعيد بن لؤلؤ من حلب عسكرا فهزمهم التتر وقتلوهم واتهم الأمراء العزيزية والناصرية ابن لؤلؤ في ذلك فاعتقلوه وقدموا عليهم حسام الدين الجوكنداري وأقرّه الظاهر وزحف التتر إلى حلب فملكوها وهرب حسام الدين إلى حماة ثم زحف إليها التتر فلحق صاحبها المنصور وأخوه علي الأفضل إلى حمص وبها الأشرف بن شيركوه واجتمعت إليه العزيزة والناصرية وقصدوا التتر سنة تسع وخمسين فهزموهم بعد هزيمتهم ونازلوا حماة وسار المنصور والأشرف صاحب حمص إلى سنجر الحلي بدمشق ولم يدخلا في طاعته لضعفه وسار التتر من حماة إلى أفامية فحاصروها يوما وعبروا الفرات إلى بلادهم وبعث بيبرس الظاهر صاحب مصر أستاذه علاء الدين البند قداري في العساكر لقتال سنجر الحلي بدمشق وقاتلهم فهزموه ولجأ إلى القلعة ثم خرج منها ليلا إلى بعلبكّ وأتبعوه فقبضوا عليه وبعثوه إلى الظاهر فاعتقله واستقرّ أيدكين بدمشق ورجع صاحب حمص وحماة إلى بلديهما وبعث الظاهر إلى أيدكين بالقبض على بهاء الدين بقري وشمس الدين أقوش اليرلي [١] وغيرهما من العزيزية فقبض على بقري وفرّ العزيزية والناصرية مع أقوش اليرلي وطالبوا صاحب حمص وصاحب حماة في الانتقاض فلم يجيباهم إلى ذلك فقال لفخر الدين [٢] أطلب لي الظاهر المقدّم معك في خدمتك وبينما هو يسير لذلك خالفه اليرلي إلى حلب وثار بها وجمع العرب والتركمان ونصب للحرب فجاءت العساكر من مصر فقاتلوه وغلبوه عليها ولحق بالبيرة فملكها واستقرّ بها حتى إذا جهر الظاهر عساكره سنة ستين إلى حلب مع سنقر الرومي سار معه صاحب حماة وصاحب حمص للإغارة على أنطاكية ولقيهم اليرلي وأعطاهم طاعته وأقرّه الظاهر على البيرة ثم ارتاب به بعد ذلك واعتقله ثم علاء الدين أيدكين البند قداري مولى السلطان بدمشق وولى عليها بيبرس الوزير ورجع والله ينصر من يشاء من عباده انتهى.
стр. 3240
البيعة للخليفة بمصر ثم مقتله بالحديثة وغانة على يد التتر والبيعة للآخر الّذي استقرّت الخلافة في عقبه بمصر
لما قتل الخليفة عبد الله المستعصم ببغداد بقي رسم الخلافة الإسلامية عطلا بأقطار الأرض والظاهر متشوّف إلى تجديده وعمارة دسته ووصل إلى مصر سنة تسع وخمسين عمّ المستعصم وهو أبو العباس أحمد بن الظاهر كان بقصورهم ببغداد وخلص يوم البيعة وأقام يتردّد في الأحياء إلى أن لحق بمصر فسرّ الظاهر بقدومه وركب للقائه ودعا الناس على طبقاتهم إلى أبواب السلطان بالقلعة وأفرد بالمجلس أدبا معه وحضر القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز فحكم باتصال نسبه بالشجرة الكريمة بشهادة العرب الواصلين به والخدم الناجعين من قصورهم ثم بايع له الظاهر والناس على طبقاتهم وكتب إلى النواحي بأخذ البيعة له والخطبة على المنابر ونقش اسمه في السكة ولقب المستنصر وأشهد هو حينئذ الملأ بتفويض الأمر للظاهر والخروج له عن العهد وكتب بذلك سجله وأنشأه فخر الدين بن لقمان كاتب الترسيل ثم ركب السلطان والناس كافة إلى خيمة بنيت خارج المدينة فقرئ التقليد على الناس وخلع على أهل المراتب والخواص ونادى السلطان بمظاهرته وإعادته إلى دار خلافته ثم خطب هذا الخليفة يوم الجمعة وخشع في منبره فأبكى الناس وصلى وانصرفوا إلى منازلهم ووصل على أثره الصالح إسماعيل بن لؤلؤ صاحب الموصل وأخوه إسحاق صاحب الجزيرة وقد كان أبوهما لؤلؤ استخدم لهلاكو كما مرّ وأقره على الموصل وما إليها وتوفي سنة سبع وخمسين وقد ولي ابنه إسماعيل على الموصل وابنه إسماعيل المجاهد على جزيرة ابن عمر وابنه السعيد على سنجار وأقرّهم هلاكو على أعمالهم ولحق السعيد بالناصر صاحب دمشق وسار معه إلى مصر وصار مع قطز وولاه حلب كما مرّ ثم اعتقل ثم ارتاب هلاكو بالأخوين فأجفلا ولحقا بمصر وبالغ الظاهر في إكرامهم وسألوه في إطلاق أخيهم المعتقل فأطلقه وكتب لهم بالولاية على أعمالهم وأعطاهم الألوية وشرع في تجهيز الخليفة إلى كرسيه ببغداد فاستخدم له العساكر وأقام له الفساطيط والخيام ورتب له الوظائف وأزاح علل الجميع يقال أنفق في تلك النوبة نحوا من ألف ألف دينار ثم سار من مصر في شوّال من السنة إلى دمشق ليبعث من هناك الخليفة وابني لؤلؤ إلى ممالكهم ووصل إلى دمشق ونزل بالقلعة وبعث بليان الرشيديّ وشمس الدين سنقر إلى الفرات وصمم الخليفة لقصده وفارقهم وسار الصالح إسماعيل وأخواه إلى الموصل وبلغ الخبر إلى هلاكو فجرد العساكر إلى الخليفة وكبسوه بغانة والحديثة فصابرهم قليلا ثم
стр. 3241
استشهد وبعث العساكر إلى الموصل فحاصروها تسعة أشهر حتى جهدهم الحصار واستسلموا فملكها التتر وقتلوا الصالح إسماعيل والظاهر خلال ذلك مقيم بدمشق وقد وفد عليه بنو أيوب من نواحي الشام وأعطوه طاعتهم المنصور صاحب حماة والأشرف صاحب حمص فأكرم وصلهما وولاهما على أعمالها وأذن لهما في اتخاذ الآلة وبسط حكمهما على بلاد الإسماعيلية وإلى المنصور تل باشر الّذي اعتاضه عن حمص لما آخذها منه الناصر صاحب حلب ووفد على الظاهر أيضا بدمشق الزاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص وصاحب بعلبكّ والمنصور والسعيد ابنا الصالح إسماعيل بن العادل والأمجد بن الناصر داود والأشرف بن مسعود والظاهر بن المعظم فأكرم وفادتهم وقابل بالإحسان والقبول طاعتهم وفرض لهم الأرزاق وقرّر الجرايات ثم قفل إلى مصر وأفرج عن العزيز بن المغيث الّذي كان اعتقله قطز وأطلقه يوم الموقعة بالكرك وولى على أحياء العرب بالشام عيسى بن مهنا بن مانع بن جريلة من رجالاتهم ووفر لهم الإقطاع على حفظ السابلة إلى حدود العراق ورجع إلى مصر فقدم عليه رجل من عقب المسترشد من خلفاء بني العباس ببغداد اسمه أحمد فأثبت نسبه ابن بنت الأعز كالأوّل وجمع الظاهر الناس على مراتبهم وبايع له وفوض إليه هو الأمور وخرج إليه عن التدبير وكانت هذه البيعة سنة ستين ونسبه عند العباسيين في أدراج نسبهم الثابت أحمد بن أبي بكر علي بن أبي بكر بن أحمد بن الإمام المسترشد وعند نسابة مصر أحمد بن حسن بن أبي بكر بن الأمير أبي علي القتبي بن الأمير حسن بن الإمام الراشد بن الإمام المسترشد هكذا قال صاحب حماة في تاريخه وهو الّذي استقرّت الخلافة في عقبه بمصر لهذا العهد انتهى والله أعلم.
فرار التركمان من الشام إلى بلاد الروم
كان التركمان عند دخول التتر إلى بلاد الشام كلهم قد أجفلوا إلى الساحل واجتمعت أحياؤهم بالجوكان قريبا من صفد وكان الظاهر لما نهض إلى الشام اعترضه رسل الإفرنج من يافا وبيروت وصفد يسألونه في الصلح على ما كان لعهد صلاح الدين فأجابهم وكتب به إلى الانبردور [١] ملكهم ببلاد إفرنسة وراء البحر فكانوا في ذمة من الظاهر وعهد ووقعت بين الإفرنج بصفد وبين أحياء التركمان واقعة يقال أغار فيها أهل صفد عليهم فأوقع بهم التركمان وأسروا عدّة من رؤسائهم وفادوهم بالمال ثم خشوا عاقبة ذلك من الظاهر فارتحلوا إلى بلاد الروم وأقفر الشام منهم والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
стр. 3242
انتقاض الأشرفية والعزيزية واستيلاء اليرلي على البيرة
كان هؤلاء العزيزية والأشرفية من أعظم جموع هؤلاء الموالي وكان مقدم الأشرفية بهاء الدين بقري ومقدم العزيزية شمس الدين أقوش وكان المظفر قطز قد أقطعه نابلس وغزة وسواحل الشام ولما ولي الظاهر انتقض عليه سنجر الحلي بدمشق وجهز أستاذه علاء الدين البندقداري في العساكر لقتاله وكان الأشرفية والعزيزية بحلب وقد انتقضوا على نائبها السعيد بن لؤلؤ كما مرّ فتقدّم البندقداري باستدعائهم معه إلى دمشق ثم أضاف الظاهر بيسان لليرلي زيادة على ما بيده فسار وملك دمشق ثم أوعز الظاهر إلى البندقداري بالقبض على العزيزية والأشرفية فلم يتمكن الأمن بقرى مقدم الأشرفية وفارقه الباقون وانتقضوا واستولى شرف الدين اليرلي على البيرة وأقام بها وشنّ الغارات على التتر شرقي الفرات فنال منهم ثم جهز عساكره إليه مع جمال الدين بامو الحموي فهزمهم وأطلقهم وأقام الظاهر على استمالته بالترغيب والترهيب حتى جنح إلى الطاعة واستأذن في القدوم وسار بكباس الفخري للقائه فلقيه بدمشق سنة إحدى وستين ثم وصل فأوسعه السلطان يدا وعطاء والواصلين معه على مراتبهم واختصه بمراكبته ومشورته وسأله النزول عن البيرة فنزل عنها فقبلها الظاهر وأعاضه عنها والله أعلم.
استيلاء الظاهر على الكرك من يد المغيث وعلى حمص بعد وفاة صاحبها
لما قفل السلطان من الشام سنة ستين كما قدّمناه جرّد عسكرا إلى الشويك مع بدر الدين أيدمري فملكها وولى عليها بدر الدين بليان الخصي ورجع إلى مصر وكان عند المغيث بالكرك جماعة من الأكراد الذين اجفلوا من شهرزور أمام التتر إلى الشام وكان قد اتخذهم جندا لعسكرته فسرّحهم للإغارة على الشويك ونواحيه فاعتزم السلطان على الحركة إلى الكرك مخافة المغيث وبعث بالطاعة واستأمن الأكراد فقبلهم الظاهر وأمن الأكراد فوصلوا إليه ثم سار سنة إحدى وستين إلى الكرك واستخلف على مصر سنجر الحلي واستخلف على غزة فلقي هنالك أمّ المغيث تستعطفه وتستأمن منه لحضور ابنها فأجابها وسار إلى بيسان فسار المغيث للقائه فلما وصل قبض عليه وبعثه من حينه إلى القاهرة مع آق سنقر الفارقاني وقتل بعد ذلك بمصر وولي على الكرك عز الدين أيدمر وأرسل نور الدين بيسري الشمسي ليؤمن أهل الكرك
стр. 3243
ويرتب الأمور بها وأقام بالطور في انتظاره فأبلغ بيسري القصد من ذلك ورجع إليه فارتحل إلى القدس وأمر بعمارة مسجده ورجع إلى مصر وبلغه وفاة صاحب حمص موسى الأشرف ابن إبراهيم المنصور شيركوه المجاهد بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه وكانت وراثة له من آبائه أقطعه نور الدين العادل لجدّه أسد الدين ولم تزل في أيديهم وأخذها الناصر يوسف صاحب حلب سنة ست وأربعين وعوضه عنها تل باشر وأعادها عليه هلاكو وأقرّه الظاهر توفي سنة إحدى وستين وصارت للظاهر وانقرض منها ملك بني أيوب والله أعلم.
هزيمة التتر على البيرة وفتح قيسارية وارسوف بعدها
ثم رجعت عساكر التتر الى البيرة مع ردمانة من أمراء المغل سنة ثلاث وستين فحاصروها ونصبوا عليها المجانيق فجهز السلطان العساكر مع لوغان من أمراء الترك فساروا في ربيع من السنة وسار السلطان في أثرهم وانتهى الى غزة ولما وصلت العساكر الى البيرة وأشرفوا عليها والعدوّ يحاصرها أجفلت عساكر التتر وساروا منهزمين وخلفوا سوادهم وأثقالهم فنهبتها العساكر وارتحل السلطان من غزة وقصد قيسارية وهي للافرنج فنزل عليها عاشر جمادى من السنة فنصب المجانيق ودعا أهلها للحرب واقتحمها عليهم فهربوا الى القلعة فحاصرها خمسا وملكها عنوة وفرّ الافرنج منها ثم رحل في خف من العساكر الى عملها فشنّ عليها الغارة وسرّح عسكرا الى حيفا فملكها عنوة وخرّبوها وقلعتها في يوم أو بعض يوم ثم ارتحل الى ارسوف فنازلها مستهل جمادى الأخيرة فحاصرها وفتحها عنوة وأسر الافرنج الذين بها وبعث بهم الى الكرك وقسم أسوارها على الأمراء فرموها وعمد الى ما ملك في هذه الغزاة من القرى والضياع والأرضين فقسمها على الأمراء الذين كانوا معه وكانوا اثنين وخمسين وكتب لهم بذلك وقفل الى مصر وبلغه الخبر بوفاة هلاكو ملك التتر في ربيع من السنة وولاية ابنه ابغا مكانه وما وقع بينه وبين بركة صاحب الشمال من الفتنة ولأوّل دخوله لمصر قبض على شمس الدين سنقر الرومي وحبسه وكانت الفتنة قبل غزاته بين عيسى بن مهنا ولحق زامل بعد ذلك بهلاكو ثم استأمن الى الظاهر فآمنه وعاد الى احيائه والله تعالى أعلم.
غزو طرابلس وفتح صفد
كانت طرابلس للافرنج وبها سمند بن البرنس الأشتر وله معها انطاكية وبلغ السلطان انه قد
стр. 3244
تجهز للقتال فلقيه النائب بها علم الدين سنجر الباشقر وانهزم المسلمون واستشهد كثير منهم فتجهز السلطان للغزو وسار من مصر في شعبان سنة أربع وستين وترك ابنه السعيد عليا بالقلعة في كفالة عز الدين ايدمر الحلي وقد كان عهد لابنه السعيد بالملك سنة اثنتين وستين ولما انتهى الى غزة بعث العساكر صحبة سيف الدين قلاون آيدغدي العزيزي فنازل القليعات وحلب وعرقا من حصون طرابلس فاستأمنوا اليه وزحفت العساكر وسار السلطان الى صفد فحاصرها عشرا ثم اقتحمها عليهم في عشرين من رمضان السنة وجمع الافرنج الذين بها فاستلحمهم أجمعين وأنزل بها الحامية وفرض أرزاقهم في ديوان العطاء ورجع الى دمشق والله تعالى أعلم.
مسير العساكر لغزو الأرمن
هؤلاء الأرمن من ولد أخي إبراهيم ﵇ من بني قوميل بن ناحور وناحور بن تارح وعبر عنه في التنزيل بآزر وناحور أخو إبراهيم ﵇ ويقال أنّ الكرج اخوة الأرمن وارمينية منسوبة اليهم وآخر مواطنهم الدروب المجاورة لحلب وقاعدتها سيس ويلقب ملكهم التكفور وكان ملكهم صاحب هذه الدروب لعهد الملك الكامل وصلاح الدين من بعده اسمه قليج بن اليون واستنجد به العادل وأقطع له وكان يعسكر معه وصالحه صلاح الدين على بلاده ثم كان ملكهم لعهد هلاكو والتتر هيثوم بن قسطنطين ولعله من أعقاب قليج أو قرابته ولما ملك هلاكو العراق والشام دخل هيثوم في طاعته فأقرّه على سلطانه ثم أمره بالاغارة على بلاد الشام وأمده صاحب بلاد الروم من التتر وسار سنة اثنتين وستين ومعه بنو كلاب من أعراب حلب وانتهوا الى سيس وجهز الظاهر عساكر حماة وحمص فساروا اليهم وهزموهم ورجعوا الى بلادهم فلما رجع السلطان من غزاة طرابلس سنة أربع وستين سرّح العساكر لغزو سيس وبلاد الأرمن وعليهم سيف الدين قلاون والمنصور صاحب حماة فساروا لذلك وكان هيثوم ملكهم قد ترهب ونصب للملك ابنه كيقومن فجمع كيقومن الأرمن وسار للقائهم ومعه أخوه وعمه وأوقع بهم المسلمون قتلا وأسرا وقتل أخوه وعمه في جماعة من الأرمن واكتسحت عساكر المسلمين بلادهم واقتحموا مدينة سيس وخربوها ورجعوا وقد امتلأت أيديهم بالغنائم والسبي وتلقاهم الظاهر من دمشق عند قارا فلما رآهم ازداد سرورا بما حصل لهم وشكا اليه هنالك الرعية ما لحقهم من عدوان الأحياء الرحالة وانهم ينهبون موجودهم ويبيعون ما يتخطفونه منهم من الافرنج بعكا فأمر باستباحتهم
стр. 3245
وأصبحوا نهبا في أيدي العساكر بين القتل والأسر والسبي ثم سار الى مصر وأطلق كيقومن من ملك الأرمن وصالحه على بلده ولم يزل مقيما الى أن بعث أبوه في فدائه وبذل فيه الأموال والقلاع فأبى الظاهر من ذلك وشرط عليه خلاص الأمراء الذين أخذهم هلاكو من سجن حلب وهم سنقر الأشقر وأصحابه فبعث فيهم تكفر الى هلاكو فبعث بهم اليه وبعث الظاهر بابنه منتصف شوّال وتسلم القلاع التي بذلت في فدائه وكانت من أعظم القلاع وأحصنها منها مرزبان ورعبان وقدم سنقر الأشقر على الظاهر بدمشق وأصبح معه في الموكب ولم يكن أحد علم بأمره وأعظم اليه السلطان النعمة ورفع الرتبة ورعى له السابقة والصحبة وتوفي هيثوم سنة ستين بعدها والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
مسير الظاهر لغزو حصون الافرنج بالشام وفتح يافا والشقيف ثم انطاكية
كان الظاهر عند ما رجع من غزاة طرابلس الى مصر أمر بتجديد الجامع الأزهر واقامة الخطبة به وكان معطلا منها منذ مائة سنة وهو أوّل مسجد أسسه الشيعة بالقاهرة حين اختطوها ثم خرج الى دمشق لخبر بلغه عن التتر ولم يثبت فسار من هنالك الى صفد وكان أمر عند مسيره بعمارتها وبلغه اغارة أهل الشقيف على الثغور فقصدها وشنّ الغارة على عكا واكتسح بسائطها حتى سأل الأفرنج منه الصلح على ما يرضيه فشرط المقاسمة في صيدا وهدم الشقيف واطلاق تجار من المسلمين كانوا أسروهم ودية بعض القتلى الّذي أصابوا دمه وعقد الصلح لعشر سنين ولم يوفوا بما شرط عليهم فنهض لغزوهم ونزل فلسطين في جمادى سنة ست وستين وسرّح العساكر لحصار الشقيف ثم بلغه مهلك صاحب يافا من الافرنج وملك ابنه مكانه وجاءت رسله اليه في طلب الموادعة فحبسهم وصبح البلد فاقتحمها ولجأ أهلها الى القلعة فاستنزلهم بالأمان وهدمها وكان أوّل من اختط مدينة يافا هذه صنكل من ملوك الافرنج عند ما ملكوا سواحل الشام سنة ثلاث وتسعين واربعمائة ثم مدنها وأتم عمارتها ريد افرنس المأسور على دمياط عند ما خلص من محبسه بدار بن لقمان ثم رجع الى حصن الشقيف فحاصره وافتتحه بالأمان وبث العساكر في نواحي طرابلس فاكتسحوها وخربوا عمرانها وكنائسها وبادر صاحب طرطوس بطاعة السلطان وبعث الى العساكر بالميرة وأطلق الأسرى الذين عنده ثلاثمائة أو يزيدون ثم ارتحل السلطان الى حمص وحماة يريد انطاكية
стр. 3246
وقدّم سيف الدين قلاون في العساكر فنازل انطاكية في شعبان فسار [١] المنصور صاحب حماة وجماعة البحرية الذين كانوا بأحياء العرب في القفر وكان صاحب انطاكية سمند بن تيمند وكانت قاعدة ملك الروم قبل الإسلام اختطها انطيخس من ملوك اليونانيين واليه تنسب ثم صارت للروم وملكها المسلمون عند الفتح ثم ملكها الافرنج عند ما ساروا الى ساحل الشام أعوام التسعين والأربعمائة ثم استطردها صلاح الدين من البرنس ارناط الّذي قتله في واقعة حطين كما مرّ ثم ارتجعها الافرنج بعد ذلك على يد البرنس الأشتر وأظنه صنكل ثم صارت لابنه تيمند ثم لابنه سمند وكان عند ما حاصرها الظاهر بطرابلس وكان بها كند اصطبل عم يغمور ملك الأرمن أفلت من الواقعة عليه بالذرابند واستقرّ بأنطاكية عند سمند فخرج في جموعه لقتال الظاهر فانهزم أصحابه وأسر كند اصطبل على أن يحمل أهل انطاكية على الطاعة فلم يوافقوه ثم جهدهم الحصار واقتحمها المسلمون عنوة وأثخنوا فيهم ونجا فلهم الى القلعة فاستنزلوا على الأمان وكتب الظاهر الى ملكهم سمند وهو بطرابلس وأطلق كند اصطبل وأقاربه الى ملكهم هيثوم بسيس ثم جمع الغنائم وقسمها وخرب قلعة انطاكية وأضرمها نارا واستأمن صاحب بغراس فبعث اليه سنقر الفارقيّ استاذ داره فملكها وأرسل صاحب عكا الى الظاهر في الصلح وهو ابن أخت صاحب قبرس فعقد له السلطان الصلح لعشر سنين ثم عاد الى مصر فدخلها ثالث أيام التشريق من السنة والله تعالى أعلم.
الصلح مع التتر
ثم نهض السلطان من مصر سنة سبع وستين لغزو الافرنج بسواحل الشام وخلف على مصر عز الدين ايدمر الحلي مع ابنه السعيد ولي عهده وانتهى الى ارسوف فبلغه أنّ رسلا جاءوا من عند ابغا بن هلاكو ومرّوا نقفور ملك الروم فبعث بهم الى [٢] فبعث أميرا من حلب لإحضارهم وقرأ كتاب ابغا نقفور تكفر في الصلح ويحتال فيما أذاعه من رسالته فأعاد رسله بجوابهم وأذن للامراء في الانطلاق الى مصر ورجع الى دمشق ثم سار منها في خف من العسكر الى القلاع وبلغه وفاة ايدمر الحلي بمصر فخيم بخربة اللصوص وأغذ السير الى مصر متنكرا منتصف شعبان في خف من التركمان وقد طوى خبره عن معسكره وأوهمهم القعود في
стр. 3247
خيمته عليلا ووصل الى القلعة ليلة الثلاثاء رابعة سفره فتنكر له الحراس وطولع مقدّم الطواشية فطلب منهم امارة على صدقهم فأعطوها ثم دخل فعرفوه وباكر الميدان يوم الخميس فسرّ به الناس ثم قضى حاجة نفسه وخرج ليلة الإثنين عائدا الى الشام كما جاء فوصل الى مخيمه ليلة الجمعة تاسع عشر شعبان وفرح الأمراء بقدومه ثم فرق البعوث في الجهات وأغاروا على صور وملكوا احدى الضياع وساحوا في بسيط كركو فاكتسحوها وامتلأت أيديهم بالغنائم ورجعوا والله تعالى أعلم.
استيلاء الظاهر على صهيون
كان صلاح الدين بن أيوب قد أقطعها يوم فتحها وهي سنة أربع وثمانين وخمسمائة لناصر الدين منكبرس فلم تزل بيده الى أن هلك وولي فيها بعده ابنه مظفر الدين عثمان وبعده ابنه سيف الدين بن عثمان واستبدّ الترك بمصر وبعث سيف الدين أخاه عماد الدين سنة ستين بالهدايا الى الملك الظاهر بيبرس فقبلها وأحسن اليه ثم مات سيف الدين سنة تسع وستين وكان أوصى أولاده بالنزول للظاهر عن صهيون فوفد ابناه سابق الدين وفخر الدين على السلطان بمصر فأكرمهما وأقطعهما وولى سابق الدين منهما أميرا وولى على صهيون من قبله ولم يزل كذلك الى أن غلب عليها سنقر الأشقر عند ما انتقض بدمشق أيام المنصور والله تعالى أعلم.
نهوض الظاهر الى الحج
ثم بلغ الظاهر أنّ أبا نمي بن أبي سعد بن قتادة غلب عمه إدريس بن قتادة على مكة واستبدّ بها وخطب للظاهر فكتب له بالامارة على مكة واعتزم على النهوض الى الحج وتجهز لذلك سنة سبع وستين وأزاح علل أصحابه وشيع العساكر مع آقسنقر الفارقاني استاذ داره الى دمشق وسار الى الكرك موريا بالصيد وانتهى الى الشويك ورحل منه لإحدى عشرة ليلة من ذي القعدة ومرّ بالمدينة النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم فأحرم من ميقاتها وقدم مكة لخمس من ذي الحجة وغسل الكعبة بيده وحمل لها الماء على كتفه وأباح للمسلمين دخولها وأقام على بابها يأخذ بأيديهم ثم قضى حجه ومناسكه وولى نائبا على مكة شمس الدين مروان وأحسن الى الأمير أبي نمي والى صاحب ينبع وخليص وسائر شرفاء الحجاز وكتب الى صاحب اليمن: اني بمكة وقد وصلتها في سبع عشرة خطوة ثم فصل من
стр. 3248
مكة ثالث عشر ذي الحجة فوصل المدينة على سبعة أيام ووصل الى الكرك منسلخ السنة ثم وصل دمشق غرة ثمان وستين وسار الى زيارة القدس وقدّم العساكر مع الأمير آقسنقر الى مصر وعاد من الزيارة فأدركهم بتل العجول ووصل القلعة ثالث صفر من السنة والله تعالى أعلم.
اغارة الافرنج والتتر على حلب ونهوض السلطان اليهم
كان صمغان من أمراء التتر مقيما ببلاد الروم وأميرا عليها فوقعت المراسلة بينه وبين الافرنج في الاغارة على بلاد الشام وجاء صمغان في عسكره لموعدهم فأغار على أحياء العرب بنواحي حلب وبلغ الخبر الى الظاهر سنة ثمان وستين وهو يتصيد بنواحي الاسكندرية فنهض من وقته الى غزة ثم الى دمشق ورجع التتر على أعقابهم ثم سار الى عكا فاكتسح نواحيها وأثخن فيها وفعل كذلك بحصن الأكراد ورجع الى دمشق آخر رجب ثم الى مصر ومرّ بعسقلان فخرّبها وطمس آثارها وجاءه الخبر بمصر بأنّ الفرنسيس لويس بن لويس وملك انكلترة وملك اسكوسنا [١] وملك نودل وملك برشلونة وهو ريدراكون وجماعة من ملوك الافرنج جاءوا في الاساطيل الى صقلّيّة وشرعوا في الاستكثار من الشواني وآلة الحرب ولم يعرف وجه مذهبهم فاهتم الظاهر بحفظ الثغور والسواحل واستكثر من الشواني والمراكب ثم جاء الخبر الصحيح بأنهم قاصدون تونس فكان من خبرهم ما نذكره في دولة السلطان بها من بني أبي حفص والله تعالى أعلم.
فتح حصن الأكراد وعكا وحصون صور
ثم سار السلطان سنة تسع وستين لغزو بلاد الافرنج وسرّح ابنه السعيد في العساكر الى المرقب لنظر الأمير قلاون وببعلبكّ الخزندار وسار هو الى طرابلس فاكتسحوا سائر تلك النواحي لحصن الأكراد عاشر شعبان من السنة فحاصره السلطان عشرا ثم اقتحمت أرباضه وانحجر الافرنج في قلعته واستأمنوا وخرجوا الى بلادهم وملك الظاهر الحصون وكتب الى صاحب الأستبار بالفتح وهو بطرسوس وأجاب بطلب الصلح فعقد له على طرسوس
стр. 3249
والمرقب وارتحل السلطان عن حصن الأكراد بعد أن شحنه بالأقوات والحامية ونازل حصن عكا [١] واشتدّ في حصاره واستأمن أهله اليه وملكه ثم ارتحل بعد الفطر الى طرابلس واشتدّ في قتالها وسأل صاحبها البرنس الصلح فعقد له على ذلك لعشر سنين ورجع الى دمشق ثم خرج آخر شوّال الى العليقة وملك قلعته بالأمان على أن يتركوا الأموال والسلاح واستولى عليه وهدمه وسار الى اللجون وبعث اليه صاحب صور في الصلح على أن ينزل له عن خمس من قلاعه فعقد له الصلح لعشر سنين وملكها ثم كتب الى نائبة بمصر أن يجهز عشرة من الشواني الى قبرس فجهزها ووصلت ليلا الى قبرس والله أعلم.
استيلاء الظاهر على حصون الإسماعيلية بالشام
كان الإسماعيلية في حصون من الشام قد ملكوها وهي مصياف والعليقة والكهف والمنيفة والقدموس وكان كبيرهم لعهد الظاهر نجم الدين الشعراني وكان قد جعل له الظاهر ولايتها ثم تأخر عن لقائه في بعض الأوقات فعزله وولى عليها خادم الدين بن الرضا على أن ينزل له عن حصن مصياف وأرسل معه العساكر فتسلموه منه ثم قدم عليه سنة ثمان وستين وهو على حصن الأكراد وكان نجم الدين الشعراني قد أسنّ وهرم فاستعتب وأعتبه الظاهر وعطف عليه وقسم الولاية بينه وبين ابن الرضا وفرض عليهما مائة وعشرين ألف درهم يحملانها في كل سنة ولما رجع سنة تسع وستين وفتح حصن الأكراد مرّ بحصن العليقة من حصونهم فملكه من يد ابن الرضى منتصف شوّال من السنة وأنزل به حامية ثم سار لقتال التتر على البيرة كما يذكر ورجع الى مصر فوجد الإسماعيلية قد نزلوا على الحصون التي بقيت بأيديهم وسلموها لنواب الظاهر فملكوها وانتظمت قلاع الإسماعيلية في ملكة الظاهر وانقرضت منها دعوتهم والله أعلم.
حصار التتر البيرة وهزيمتهم عليها
ثم بعث ابغا بن هلاكو العساكر الى البيرة سنة احدى وسبعين مع درباري من مقدّمي أمرائه فحاصرها ونصب عليها المجانيق وكان السلطان بدمشق فجمع العساكر من مصر والشام وزحف الى الفرات وقد جهز العساكر على قاصيته فتقدّم الأمير قلاون وخالط التتر عليها في
стр. 3250
مخيمهم فجالوا معه ثم انهزموا وقتل مقدّمهم وخاض السلطان بعساكره بحر الفرات اليهم فأجفلوا وتركوا خيامهم بما فيها وخرج أهل البيرة فنهبوا سوادهم وأحرقوا آلات الحصار ووقف السلطان بساحتها قليلا وخلع على النائب بها [١] لحق درباري بسلطانه ابغا مفلولا فسخطه ولم يعتبه والله تعالى ولىّ التوفيق.
غزوة سيس وتخريبها
ثم نهض الظاهر من مصر لغزو سيس في شعبان سنة ثلاث وسبعين وانتهى الى دمشق في رمضان وسار منها وعلى مقدمته الأمير قلاون وبدر الدين ببليك الخازندار فوصلوا الى المصيصة وافتتحوها عنوة وجاء السلطان على أثرهم وسار بجميع العساكر الى سيس بعد أن كنف الحامية بالبيرة خوفا عليها من التتر وبعث حسام الدين العنتابي ومهنا بن عيسى أمير العرب بالشام للاغارة على بلاد التتر من ناحيتها وسار إلى سيس فخربها وبث السرايا في نواحيها فانتهوا الى بانياس وأذنة واكتسحوا سائر الجهات ووصل الى دربند الروم وعاد الى المصيصة في التعبية فأحرقها ثم انتهى الى انطاكية فأقام عليها حتى قسم الغنائم ثم رحل الى القصر وكان للافرنج خالصا لتبركهم برومة الّذي يسمونه البابا فافتتحه ولقيه هنالك حسام الدين العنتابي ومهنا بن عيسى راجعين من اغارتهم وراء الفرات ثم بلغه مهلك البرنس سمند بن تيمند صاحب طرابلس فبعث الظاهر بليان الدوادار ليقرّر الصلح مع بنيه فقرّره على عشرين ألف دينار وعشرين أسيرا كل سنة وحضر لذلك صاحب قبرس وكان جاء معزيا لبني البرنس ورجع الدوادار الى الظاهر فقفل الى دمشق منتصف ذي الحجة والله تعالى ينصر من شاء من عباده.
إيقاع الظاهر بالتتر في بلاد الروم ومقتل البرواناة بمداخلته في ذلك
كان علاء الدين البرواناة متغلبا على غياث الدين كنجسرو صاحب بلاد الروم من بني قليج ارسلان وقد غلب التتر على جميع ممالك بلاد الروم وأبقوا على كنجسرو اسم الملك في كفالة البرواناة [٢] وأقاموا أميرا من أمرائهم ومعه عسكر التتر حامية بالبلاد ويسمونه بالشحنة وكان أوّل
стр. 3251
أمير من التتر ببلاد الروم بيكو وهو الّذي افتتحها وبعده صمغان وبعده توقوو وتدوان شريكين في أمرهما لعهد الملك الظاهر وكان البرواناة يتأفف من التتر لاستطالتهم عليه وسوء ملكهم ولما استفحل أمر الظاهر بمصر والشام أمّل البرواناة الظهور على التتر والكرة لبني قليج ارسلان بممالأة الظاهر فداخله في ذلك وكاتبه وزحف ابغا ملك التتر الى البيرة سنة أربع وسبعين وخرج الظاهر بالعساكر من دمشق وكاتبه البرواناة يستدعيه وأقام الظاهر على حمص وأرسل اليه البرواناة يستحثه للقاء التتر وعزم ابغا على البرواناة في الوصول فاعتذر ثم رحل متثاقلا وكتب اليه الأمراء بعده بأنّ الظاهر قد نهض الى بلاد الروم بوصيته اليه بذلك فبعث ابغا واستمدّه فأمده بعساكر المغل وأمره بالرجوع لمدافعة الظاهر فرجع ووجد جماعة من الأمراء قد كاتبوا الظاهر واستحثوه للقدوم فسقط في أيديهم وحيل بينهم وبين مرامهم ورجع الى مصر في رجب من السنة وأقام بها حولا. ثم لحق توقوو وتدوان أمير التتر ببلاد الروم وسار الى الثغور بالشام وبلغ السلطان خبرهما فسار من مصر في رمضان سنة خمس وسبعين وقصد بلاد الروم وانتهى الى النهر الأزرق فبعث شمس الدين سنقر الأشقر فلقي مقدّمة التتر فهزمهم ورجع الى السلطان وساروا جميعا فلقوا التتر على البلنشين ومعهم علاء الدين البرواناة في عساكره فهزمهم وقتل الأمير توقوو وتدوان وفر البرواناة وسلطانه كنجسرو لما كان منفردا عنهم وأسر كثير من المغل منهم سلار بن طغرل ومنهم قفجاق وجاروصي وأسر علاء الدين بن معين الدين البرواناة وقتل كثير منهم ثم رحل السلطان الى قيسارية فملكها وأقام عليها ينتظر البرواناة لموعد كان بينهما وأبطأ عليه وقفل راجعا ورجع خبر الهزيمة الى ابغا ملك التتر واطلع من بعض عيونه على ما كان بين البرواناة والظاهر من المداخلة فتنكر للبرواناة وجاء لوقته حتى وقف على موضع المعركة وارتاب لكثرة القتلى من المغل وأنّ عسكر الروم لم يصب منهم أحد فرجع على بلادهم بالقتل والتخريب والاكتساح وامتنع كثير من القلاع ثم أمنهم ورجع وسار معه البرواناة وهمّ بقتله أوّلا ثم رجع لتخليته لحفظ البلاد فأعول نساء القتلى من المغل عند بابه فرحم لبكائهن وبعث أميرا من المغل فقتله في بعض الطريق والله أعلم بغيبه وأحكم.
وفاة الظاهر وولاية ابنه السعيد
ولما رجع السلطان من واقعته بالتتر على البلستين وقيسارية طرقه المرض في محرّم سنة ست وسبعين وهلك من آخره وكان ببليك الخزندار مستوليا على دولته فكتم موته ودفنه ورجع
стр. 3252
بالعساكر الى مصر فلما وصل القلعة جمع الناس وبايع لبركة بن الملك الظاهر ولقبه السعيد وهلك ببليك اثر ذلك فقام بتدبير الدولة استاذ داره شمس الدين الفارقاني وكان نائب مصر أيام مغيب الظاهر بالشام واستقامت أموره ثم قبض على شمس الدين سنقر الأشقر وبدر الدين بيسري من أمراء الظاهر بسعاية بطانته الذين جمعهم عليه لأوّل ولايته وكانوا من أوغاد الموالي وكان يرجع اليهم لمساعدتهم له على هواه وصارت شبيبته ولما قبض على هذين الأميرين نكر ذلك عليه خاله محمد بن بركة خان فاعتقله معهما فاستوحشت أمّه لذلك فأطلق الجميع فارتاب الأمراء وأجمعوا على معاتبته فاستعتب واستحلفوه ثم أغراه بطانته بشمس الدين الفارقاني مدبر دولته فقبض عليه واعتقله وهلك لايام من اعتقاله وولى مكانه شمس الدين سنقر الالفي ثم سعى أولئك البطانة به فعزله وولى مكانه سيف الدولة كونك الساقي صهر الأمير سيف الدين قلاون على أخت زوجته بنت كرمون كان أبوها من أمراء التتر قد خرج الى الظاهر واستقرّ عنده وزوّج بنته من الأمير قلاون وبنته الأخرى من كوزبك ثم حضر عند السعيد لاشين الربعي من حاشيته وغلب على هراة واستمال أهل الدولة بقضاء حاجاتهم واستمرّ معروفه لهم واستمرّ الحال على ذلك والله أعلم.
خلع السعيد وولاية أخيه شلامش
ولما استقرّ السعيد بملكه في مصر أجمع المسير إلى الشام للنظر في مصالحه فسار لذلك سنة سبع وسبعين فاستقرّ بدمشق وبعث العساكر الى الجهات وسار قلاون الصالحي وبدر الدين بيسري الى سيس زين له ذلك لاشين الربعي والبطانة الذين معه وأغروه بالقبض عليهم عند مرجعهم ثم حدث بين هؤلاء البطانة وبين النائب سيف الدين كونك وحشة وآسفوه بما يلقون فيه عند السلطان فغضب لذلك وسارت العساكر فأغاروا على سيس واكتسحوا نواحيها ورجعوا فلقيهم النائب كونك وأسرّ اليهم ما أضمر لهم السلطان فخيموا بالمرج وقعدوا عن لقاء السلطان وبعثوا اليه بالعذل في بطانته وأن ينصف نائبة منهم فأعرض عنهم ودس لموالي أبيه أن يعاودوهم اليه فأطلعوهم على كتابه فزادهم ضغنا وصرحوا بالانتقاض فبعث اليهم سنقر الأشقر وسنقر التركيتي استاذ داره بالاستعطاف فردّوهما فبعث أمه بنت بركة خان فلم يقبلوها وارتحلوا الى القاهرة فوصلوها في محرّم سنة ثمان وسبعين وبالقلعة عز الدين ايبك الافرم الصالحي أمير جندار وعلاء الدين اقطوان الساقي وسيف الدين بليان أستاذ داره فضبطوا أبواب القاهرة ومنعوهم من الدخول وتردّدت المراسلة بينهم وخرج ايبك الافرام
стр. 3253
واقطوان ولاشين التركماني للحديث فتقبضوا عليهم ودخلوا الى بيوتهم ثم باكروا القلعة بالحصار ومنعوا عنها الماء وكان السعيد بعد منصرفهم من دمشق سار في بقية العساكر واستنفر الاعراب وبث العطاء وانتهى الى غزة فتفرّقت عنه الاعراب واتبعهم الناس ثم انتهى الى بلبيس ورأى قلة العساكر فردّ عن الشام مع عز الدين ايدمر الظاهري الى دمشق والنائب بها يومئذ اقوش فقبض عليه وبعث به الى الأمراء بمصر ولما رحل السعيد من بلبيس الى القلعة اعتزل عنه سنقر الأشقر وسار الأمراء في العساكر لاعتراضه دون القلعة وألقى الله عليه حجابا من الغيوم المتراكمة فلم يهتدوا الى طريقه وخلص الى القلعة وأطلق علم الدين سنجر الحنفي من محبسه ليستعين به ثم اختلف عليه بطانته وفارقه بعضهم فرجع الى مصانعة الأمراء بأن يترك لهم الشام أجمع فأبوا إلا حبسه فسألهم أن يعطوه الكرك فأجابوه وحلفهم على الأمان وحلف لهم أن لا ينتقض عليهم ولا يداخل أحدا من العساكر ولا يستميله فبعثوه من حينه الى الكرك وكتبوا الى النائب بها علاء الدين ايدكز الفخري أن يمكنه منها ففعل واستمرّ السعيد بالكرك وقام بدولته ايدكز الفخري واجتمع الأمراء بمصر وعرضوا الملك على الأمير قلاون وكان أحق به فلم يقبل وأشار الى شلامش بن الظاهر وهو ابن ثمان سنين فنصبوه للملك في ربيع سنة ثمان وسبعين ولقبوه بدر الدين وولى الأمير قلاون أتابك الجيوش وبعث مكان جمال الدين اقوش نائب دمشق بتسلمها منه وسار اقوش الى حلب نائبا وولى قلاون في الوزارة برهان الحصري السنحاوي وجمع المماليك الصالحية ووفر اقطاعاتهم وعمر بهم مراتب الدولة وأبعد الظاهرية وأودعهم السجون ومنع الفساد ولم يقطع عنهم رزقا الى أن بلغ العقاب فيهم أجله فأطلقهم تباعا واستقام أمره والله تعالى أعلم.
خلع شلامش وولاية المنصور قلاون
أصل هذا السلطان قلاون من القفجاق ثم من قبيلة منهم يعرفون برج أعلى وقد مرّ ذكرهم وكان مولى لعلاء الدين آقسنقر الكابلي مولى الصالح نجم الدين أيوب فلما مات علاء الدين صار من موالي الصالح وكان من نفرتهم واستقامتهم ما قدّمناه ثم قدم الى مصر في دولة المظفر قطز مع الظاهر بيبرس ولما ملك الظاهر قرّبه واختصه وأصهر اليه ثم بايع لابنه السعيد من بعده ولما استوحش الأمراء من السعيد وخلعوه رغبوا من الأمير قلاون في الولاية عليهم كما قدّمناه ونصب أخاه شلامش بن الظاهر فوافقه الأمراء على ذلك طواعية له واتصلت رغبتهم في ولايته مدّة شهرين حتى أجابهم الى ذلك فبايعوه في جمادى سنة ثمان وسبعين
стр. 3254
فقام بالأمر ورفع كثيرا من المكوس والظلامات وقسم الوظائف بين الأمراء وولى جماعة من مماليكه إمرة الألوف وزادهم في الأقطاعات وأفرج لوقته عن عز الدين ايبك الافرم الصالحي وولاه نائبا بمصر ثم استبقاه فأعفاه وولى مملوكه حسام الدين طرنطاي مكانه ومملوكه علم الدين سنجر الشجاعي رئاسة الدواوين وأقرّ الصاحب برهان الدين السنجاري في الوزارة ثم عزله بفخر الدين إبراهيم بن لقمان وبعث عز الدين ايدمر الظاهري الّذي كان اعتقله جمال الدين اقوش حين رجع بعساكر الشام عن السعيد بن الظاهر من بلبيس فجيء به مقيدا واعتقله والله تعالى ولىّ التوفيق.
انتقاض السعيد بن الظاهر بالكرك ووفاته وولاية أخيه خسرو مكانه
ولما ملك السلطان قلاون شرع السعيد بالكرك وكاتب الأمراء بمصر والشام في الانتقاض وخاطبه السلطان بالعتاب على نقض العهد فلم يستعتب وبعث عساكره مع حسام الدين لاشين الجامدار الى الشويك فاستولى عليها فبعث السلطان نور الدين ببليك الايدمري في العساكر فارتدّها في ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وقارن ذلك وفاة السعيد بالكرك واجتمع الأمراء الذين بها ومقدّمهم نائبة ايدكين الفخري وقال ايدكين أنّ نائبة كان ايدغري الحراني فنصبوا أخاه خسرو ولقبوه المسعود نجم الدين واستولى الموالي على رأيه وأفاضوا المال من غير تقدير ولا حساب حتى أنفقوا ما كان بالكرك من الذخيرة التي ادّخرها الملك الظاهر وبعض أمراء الشام في الخلاف وبعثوا العساكر فاستولوا على الصليب وحاصروا صرخد فامتنعت وكاتبوا سنقر الأشقر المتظاهر على الخلاف فبعث السلطان ايبك الافرم في العساكر لحصار الكرك فحاصرها وضيق عليها ثم سأل المسعود في الصلح على ما كان الناصر داود بن المعظم فأجابه السلطان قلاون وعقد له ذلك ثم انتقض ثانية ونزع عنه نائبة علاء الدين ايدغري الحراني ونزع عنه الى السلطان فصدق ما نقل عنه من ذلك ثم بعث السلطان سنة خمس وثمانين نائبة حسام الدين طرنطاي في العساكر لحصار الكرك فحاصروها واستنزل المسعود وأخاه شلامش منها على الأمان وملكها وجاء بهما الى السلطان قلاون فأكرمهما وخلطهما بولده الى أن توفي فغرّبهما الأشرف الى القسطنطينية.
стр. 3255
انتقاض سنقر الأشقر بدمشق وهزيمته ثم امتناعه بصهيون
كان شمس الدين سنقر الأشقر لما استقرّ في نيابة دمشق أجمع الانتقاض والاستبداد وتسلم القلاع من الظاهرية وولى فيها وطالب المنصور قلاون دخول الشام بأسرها من العريش الى الفرات في ولايته وزعم أنه عاهده على ذلك وولى السلطان على قلعة دمشق مولاه حسام الدين لاشين الصغير سلحدارا في ذي الحجة سنة ثمان وسبعين فنكر ذلك سنقر وانتقض ودعا لنفسه ثم بلغه خبر قلاون وجلوسه على التخت فدعا الأمراء وأشاع أنّ قلاون قتل واستحلفهم على منعته وحبس من امتنع من اليمين وتلقب الكامل وذلك في ذي الحجة من السنة وقبض على لاشين نائب القلعة وجهز سيف الدين الى الممالك الشامية والقلاع للاستحلاف وولى في وزارة الشام مجد الدين إسماعيل بن كسيرات وسكن سنقر بالقلعة ثم بعث السلطان ايبك الأفرم بالعساكر الى الكرك لما توفي السعيد صاحبها وانتهى الى غزة واجتمع اليه ببليك الايدمري منقلبا من الشويك بعد فتحه فحذرهم سنقر الأشقر وخاطب الأفرم يتجنى على السلطان بأنه لم يفرده بولاية الشام وولى في قلعة دمشق وفي حلب وبعث الأفرم بالكتاب الى السلطان قلاون فأجابه وتقدّم الى الأفرم أن يكاتبه بالعزل فيما فعله وارتكبه فلم يرجع عن شأنه وجمع العساكر من عمالات الشام واحتشد العربان وبعثهم مع قراسنقر المعري الى غزة فلقيهم الأفرم وأصحابه وهزموهم وأسروا جماعة من أمرائهم وبعثوا بهم الى السلطان قلاون فأطلقهم وخلع عليهم ولما وصلت العساكر مفلولة الى دمشق عسكر سنقر الأشقر بالمرج وكاتب الأمراء بغزة يستميلهم وبعث السلطان العساكر بمصر مع علم الدين سنجر لاشين المنصوري وبدر الدين بكتاش الفخري السلحدار فساروا الى دمشق فلقيهم الأشقر على الجسر بالكسرة فهزموه في صفر سنة تسع وسبعين وتقدّموا الى دمشق فملكوها وأطلق علم الدين سنجر لاشين المنصوري من الاعتقال وولاه نيابة دمشق وولى على القلعة سيف الدين سنجار المنصوري وكتب الى السلطان بالفتح وسار سنقر الى الرحبة فامتنع عليه نائبها فسار الى عيسى بن مهنا ورجع عنه الى الفل وكاتبوا ابغا ملك التتر واستحثوا ملك الشام يستميلونه فلم يجب وبعث اليه العساكر فأجفلوا الى صهيون وملكها سنقر وملك معها شيزر وبعث السلطان العساكر لحصار شيزر مع عز الدين الأفرم فحاصرها وجاءت الأخبار بزحف ابغا ملك التتر الى الشام في مواعدة سنقر وابن مهنا واستدعى صغار صاحب
стр. 3256
بلاد الروم فيمن معه من المغل وانه بعث بيدو ابن أخيه طرخان صاحب ماردين وصاحب سيس من ناحية أذربيجان وجاء هو على طريق الشام وفي مقدّمته أخوه منكوتمر فلما تواترت الأخبار بذلك أفرج الأفرم عن حصار شيزر ودعا الأشقر الى مدافعة عدو المسلمين فأجابه ورفع عن موالاة ابغا وسار من صهيون للاجتماع بعساكر المسلمين وجمع السلطان العساكر بمصر وسار الى الشام واستخلف على مصر ابنه أبا الفتح عليا بعد أن ولاه عهده وقرأ كتابه بذلك على الناس وخرج لجمع العساكر في جمادى سنة تسع وسبعين وانتهى الى غزة ووصل التتر الى حلب وقد أجفل عنها أهلها وأقفرت منازلها فأضرموا النار في بيوتها ومساجدها وتولى كبر ذلك صاحب سيس والأرمن وبلغهم وصول السلطان الى غزة فأجفلوا راجعين الى بلادهم وعاد السلطان الى مصر بعد انّ جرّد العساكر الى حمص وبلاد السواحل بحمايتها من الأفرنج ورجع سنقر الأشقر الى صهيون وفارقه كثير من عسكره فلحقوا بالشام وأقام معه سنجر الدوادار وعز الدين اردين والأمراء الذين مكنوه من قلاع الشام عند انتقاضه والله أعلم.
مسير السلطان لحصار المرقب ثم الصلح معهم ومع سنقر الأشقر بصهيون ومع بني الظاهر بالكرك
كان الافرنج الذين بحصن المرقب عند ما بلغهم هجوم التتر على الشام شنوا الغارات في بلاد المسلمين من سائر النواحي فلما رجع التتر عن الشام استأذن بليان الطباخي صاحب حصن الأكراد في غزوهم وسار اليهم في حامية الحصون بنواحيه وجمع التركمان وبلغ حصن المرقب ووقف أسفله واستطرد له أهل الحصن حتى تورّط في أوعار الجبل ثم هجموا عليه دفعة فانهزم ونالوا من المسلمين وبلغ الخبر الى السلطان فخرج من مصر لغزوهم آخر سنة تسع وسبعين واستخلف ابنه مكانه وانتهى الى الروحاء فوصله هنالك رسل الافرنج في تقرير الهدنة مع أهل المرقب على أن يطلقوا من أسروه من المسلمين في واقعة بليان فعقد لهم في المحرّم سنة ثمانين وعقد لصاحب بيت الاستبار وابنه ولصاحب طرابلس سمند بن تيمند ولصاحب عكا على بلادهم وعلى قلاع الإسماعيلية وعلى جميع البلاد المستجدّة الفتح وما سيفتحه على أن يسكن عمال المسلمين باللاذقية وأن لا يستنجدوا أسير قلعة ولا غيرها ولا يداخلوا التتر في فتنة ولا يمرّوا عليهم الى بلاد المسلمين إن أطاقوا ذلك وعقد معهم ذلك لإحدى عشرة سنة وبعث السلطان من أمرائه من يستحلف الافرنج على ذلك وبلغه الخبر
стр. 3257
بأنّ جماعة من أمرائه أجمعوا الفتك به وداخلوا الافرنج في ذلك وكان كبيرهم كوندك فلما وصل الى بيسان قبض عليه وعليهم وقتلهم واستراب من داخلهم في ذلك ولحقوا بسنقر في صهيون ودخل السلطان دمشق وبعث العساكر لحصار شيزر ثم تردّدت الرسل بينه وبين الأشقر في الصلح على أن ينزل عن شيزر [١] ويتعوّض عنها بالشقر وبكاس وعلى أن يقتصر في حامية الحصون التي لقطره على ستمائة من الفرسان فقط ويطرد عنه الأمراء الذين لحقوا به فتمّ الصلح على ذلك وكتب له التقليد بتلك الأعمال ورجع من عنده سنجر الدوادار فأحسن اليه السلطان وولى على نيابة شيزر بليان الطباخي وكان بنو الظاهر بالكرك يسألون السلطان في الصلح بالزيادة على الكرك كما كان السلطان داود فلما تمّ الصلح مع سنقر رجعوا الى القنوع بالكرك وبعث اليهم السلطان بأقاربهم من القاهرة وأتمّ لهم العقد على ذلك وبعث الأمير سلحدار والقاضي تاج الدين بن الأثير لاستحلافهم والله تعالى أعلم.
واقعة التتر بحمص ومهلك ابغا سلطانهم بإثرها
ثم زحف التتر سنة ثمانين الى الشام من كان ناحية متظاهرين فسار ابغا في عساكر المغل وجموع التتر وانتهى الى الرحبة فحاصرها ومعه صاحب ماردين وقدم أخوه منكوتمر في العساكر الى الشام وجاء صاحب الشمال منكوتمر من بني دوشي خان من كرسيهم بصراي مظاهرا لابغا بن هلاكو على الشام فمرّ بالقسطنطينية ثم نزل بين قيسارية وتفليس ثم سار الى منكوتمر بن هلاكو وتقدّم معه الى الشام وخرج السلطان من دمشق في عساكر المسلمين وسابقهم الى حمص ولقيه هناك سنقر الأشقر فيمن معه من أمراء الظاهرية وزحف التتر ومن معهم من عساكر الروم والافرنج والأرمن والكرج ثمانون ألفا أو يزيدون والتقى الفريقان على حمص وجعل السلطان في ميمنته صاحب حماة محمد بن المظفر ونائب دمشق لاشين السلحدار وعيسى بن مهنا فيمن اليه من العرب وفي الميسرة سنقر الأشقر في الظاهرية مع جموع التركمان ومن اليهم جماعة من أمراءه وفي القلب نائبة حسام الدين طرنطاي والحاجب ركن الدين اياحي وجمهور العساكر المماليك ووقف السلطان تحت الرايات في مواليه وحاشيته ووقفت عساكر التتر كراديس وذلك منتصف رجب سنة ثمانين واقتتلوا ونزل الصبر
стр. 3258
ثم انفضت ميسرة المسلمين واتبعهم التتر وانفضت ميسرة التتر ورجعوا على ملكهم منكوتمر في القلب فانهزم ورجع التتر من اتباع ميسرة المسلمين فمرّوا بالسلطان وهو ثابت في مقامه لم يبرح ورجع أهل الميرة ونزل السلطان في خيامه ورحل من الغد في اتباع العدوّ وأوعز الى الحصون التي في ناحية الفرات باعتراضهم على المقابر فعدلوا عنها وخاضوا الفرات في المجاهل فغرقوا ومرّ بعضهم بردّ سلميّة فهلكوا وانتهى الخبر الى ابغا وهو على الرحبة فأجفل الى بغداد وصرف السلطان العساكر الى أماكنهم وسار سنقر الأشقر الى مكانه بصهيون وتخلف عنه كثير من الظاهرية عند السلطان وعاد السلطان الى دمشق ثم الى مصر آخر شعبان من السنة فبلغه الخبر بمهلك منكوتمر بن هلاكو بهمذان ومنكوتمر صاحب الشمال بصراي فكان ذلك تماما للفتح ثم هلك ابغا بن هلاكو سنة احدى وثمانين وكان سبب مهلكه فيما يقال انه اتهم شمس الدين الجريض وزيره باغتيال أخيه منكوتمر منصرفه من واقعة حمص فقبض عليه وامتحنه واستصفاه فدس له الجويني من سمه ومات وكان ابغا اتهم بأخيه أيضا أميرا من المغل كان شحنة بالجزيرة ففرّ منها وأقام مشركا وبعث السلطان قلاون بعثا الى ناحية الموصل للاغارة عليها وانتهوا الى سنجر فصادفوا هذا الأمير وجاءوا به الى السلطان فحبسه ثم أطلقه وأثبت اسمه في الديوان وكان يحدث بكثير من أخبار التتر وكتب بعضها عنه وبعث السلطان في هذه السنة بعوثا أخرى الى نواحي سيس من بلاد الروم جزاء بما كان من الأرمن في حلب ومساجدها فاكتسحوا تلك النواحي ولقيهم بعض أمراء التتر بمكان هنالك فهزموه ووصلوا الى جبال بلغار ورجعوا غانمين وبعث السلطان شمس الدين قراسنقر المنصوري الى حلب لإصلاح ما خرب التتر من قلعتها وجامعها فأعاد ذلك الى أحسن ما كان عليه ثم أسلم ملوك التتر فبعث أوّلا بكدار بن هلاكو صاحب العراق بإسلامه وأنّه تسمى أحمد وجاءت رسله بذلك الى السلطان وهم شمس الدين أتابك ومسعود بن كيكاوس صاحب بلاد الروم وقطب الدين محمود الشيرازي قاضي شيواس وشمس الدين محمد بن الصاحب من حاشية صاحب ماردين وكان كتابه مؤرخا بجمادى سنة احدى وثمانين وحملوا على الكرامة وأجيب سلطانهم بما يناسبه ثم وصل رسول قودان بن طقان المتولي بكرسي الشمال بعد أخيه منكوتمر سنة اثنتين وثمانين بخبر ولايته ودخوله في دين الإسلام وبطلب تقليد الخليفة واللقب منه والراية للجهاد فيمن يليه من الكفار فأسعف بذلك والله أعلم
.
стр. 3259
استيلاء السلطان قلاون على الكرك وعلى صهيون ووفاة صاحب حماة
ثم توفي المنصور محمد بن المظفر صاحب حماة في شوّال سنة اثنتين وثمانين وولي السلطان ابنه المظفر وبعث بالخلع له ولا قاربه وسار السلطان قلاون الى الشام في ربيع سنة ثلاث وثمانين لمحاصرة المرقب بما فعلوه من ممالأة العدوّ فحاصره حتى استأمنوا اليه وملك الحصن من أيديهم وانتظر وصول سنقر الأشقر من صهيون فلم يصل فرجع الى مصر وجهز النائب حسام الدين طرنطاي في العساكر لحصار الكرك بما وقع من شلامش وخسرو من الانتقاض فسار سنة خمس وثمانين وحاصرهم حتى استأمنوا وجاء بهم الى السلطان فركب للقائهم وبالغ في إكرامهم ثم ساءت سيرتهم فاستراب بهم واعتقلهم وغربهم الى القسطنطينية وولى على الكرك عز الدين المنصوري وبعده بيبرس الدويدار مؤلف أخبار الترك ثم جهز السلطان ثانيا النائب طرنطاي بالعساكر لحصار سنقر الأشقر بصهيون لانتقاضه وإغارته على بلاد السلطان فسار لذلك سنة ست وثمانين وحاصره حتى استأمن هو ومن معه وجاء به السلطان وأنزله بالقلعة ولم يزل عنده الى أن هلك السلطان فقبض عليه وتولى ابنه الأشرف من بعده كما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفاة ميخاييل ملك القسطنطينية
قد تقدّم لنا كيف تغلب الافرنج على القسطنطينية من يد الروم سنة ستمائة وكان ميخاييل هذا من بطارقتهم أقام في بعض الحصون بنواحيها فلما أمكنته الفرصة بيتها وقتل من كان بها من الافرنج وفرّ الباقون في مراكبهم واجتمع الروم الى ميخاييل هذا وملكوه عليهم وقتل الملك الّذي قبله وكان بينه وبين صاحب مصر والناصر قلاون من بعده اتصال ومهاداة ونزل بنو الظاهر عليه عند ما غربوا من مصر ثم مات ميخاييل سنة احدى وثمانين وولى ابنه ماندر ويلقب الراونس وميخاييل هذا يعرف بالأشكري وبنوه من بعده بنو الاشكري وهم ملوك القسطنطينية الى هذا العهد والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.
أخبار النوبة
كان الملك الظاهر وفد عليه أعوام سنة خمس وسبعين ملك النوبة من تشكيل مستنجدا به
стр. 3260
على ابن أخيه داود لما كان تغلب عليه وانتزع الملك من يده فوعده السلطان وأقام ينتظر واستفحل ملك داود وتجاوز حدود مملكته الى قرب أسوان من آخر الصعيد فجهز السلطان العساكر اليه مع آقسنقر الفارقاني وايبك الأفرم أستاذ داره وأطلق معهم مرتشكين ملك النوبة فساروا لذلك واستنفروا العرب وانتهوا الى رأس الجنادل واستولوا على تلك البلاد وأمنوا أهلها وساروا في البلاد فلقيهم داود الملك فهزموه وأثخنوا في عساكره وأسروا أخاه وأخته وأمّه وسار الى مملكة السودان بالأبواب ورآه فقاتله ملكها وهزمه وأسره وبعث به مقيدا الى السلطان فاعتقل بالقلعة الى أن مات واستقرّ مرتشكين في سلطان النوبة على جراية مفروضة وهدايا معلومة في كل سنة وعلى أن تكون الحصون المجاورة لاسوان خالصة للسلطان وعلى أن يمكن ابن أخيه داود وجميع أصحابه من كل مالهم في بلادهم فوفى بذلك ثم مات الظاهر وانقرضت دولته ودولة بنيه وانتقل الملك الى المنصور قلاون فبعث سنة ست وثمانين العساكر الى النوبة مع علم الدين سنجر الخياط وعز الدين الكوراني وسار معهم نائب قوص عز الدين ايدمر السيفي بعد ان استنفر العربان أولاد أبي بكر وأولاد عمر وأولاد شريف وأولاد شيبان وأولاد كنز الدولة وجماعة من الغرب وبني هلال وساروا على العدوة الغربية والشرقية في دنقلة وملكهم بيتمامون هكذا اسماه النووي وأظنه أخا مرتشكين وبرزوا للعساكر فهزمتهم واتبعتهم خمسة عشر يوما وراء دنقلة ورتب ابن أخت بيتمامون في الملك ورجعت العساكر الى مصر فجاء بيتمامون الى دنقلة فاستولى على البلاد ولحق ابن أخته بمصر صريخا بالسلطان فبعث معه عز الدين أيبك الافرم في العساكر ومعه ثلاثة من الأمراء وعز الدين نائب قوص وذلك سنة ثمان وثمانين وبعثوا المراكب في البحر بالازودة والسلاح ومات ملك النوبة باسوان ودفن بها وجاء نائبة صريخا الى السلطان فبعث معه داود ابن أخي مرتشكين الّذي كان أسيرا بالقلعة وتقدّم جريس بين يدي العساكر فهرب بيتمامون وامتنع بجزيرة وسط النيل على خمس عشرة مرحلة وراء دنقلة ووقفت العساكر على ساحل البحر وتعذر وصول المراكب الى الجزيرة من كثرة الحجر وخرج بيتمامون منها فلحق بالأبواب ورجع عنه أصحابه ورجعت العساكر الى دنقلة فملكوا داود ورجعوا الى مصر سنة تسع وثمانين لتسعة أشهر من مسيرهم بعد أن تركوا أميرا منهم مع الملك داود ورجعوا الى مصر ورجع بيتمامون الى دنقلة وقتل داود وبعث الأمير الّذي كان معهم الى السلطان وحمله رغبة في الصلح على أن يؤدّي الضريبة المعلومة فأسعف لذلك واستقرّ في ملكه انتهى والله تعالى أعلم
.