← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

الأعطيات، وقدّم بين يديه ابنه الأمير أبا الحسن ولي عهده الغالب على أمره في عساكره وجموعه. وجاء في ساقته، وسار على هذه التعبية. ولما انتهى إلى بويو [١] من وادي ملويّة نذروا بالبيات من أبي علي وجنوده، فحذروهم وأيقظوا ليلتهم. وبيّتهم بمعسكرهم ذلك، فكانت الدبرة عليه. وفلّ عسكره. وارتحلوا من الغد في أثره. وسلك على جبال درن، وافترقت جنوده في أوعاره، ولحقهم من معراتها شناعات، حتى ترجّل الأمير أبو عليّ عن فرسه، وسعى على قدميه، وخلص من ورطة ذلك الجبل بعد عصب الريق، ولحق بسجلماسة، ومهّد السلطان نواحي مراكش، وعقد عليها لموسى بن علي بن محمد الهنتاتي، فعظم غناؤه في ذلك واضطلاعه وامتدّت أيام ولايته وارتحل السلطان إلى سجلماسة، فدافعه الأمير أبو علي بالخضوع في الصفح والرضا والعودة إلى السلم، فأجابه السلطان لما كان شغفه من حبّه، فقد كان يؤثر عنه من ذلك غرائب. ورجع إلى الحضرة وأقام الأمير أبو علي بمكانه من ملك القبلة إلى أن هلك السلطان، وتغلّب عليه أخوه السلطان أبو الحسن كما نذكره إن شاء الله تعالى. (الخبر عن نكبة منديل الكتاني ومقتله) كان أبوه محمد بن محمد الكتاني [٢] من علية الكتاب بدولة الموحّدين، ونزع من مراكش عند ما انحل نظام بني عبد المؤمن وانفض جمعهم إلى مكناسة، فأوطنها في إيالة بني مرين. واتصل بالسلطان يعقوب بن عبد الحق فصحبه فيمن كان يثائر على صحابته من أعلام المغرب. وسفر عنه إلى الملوك كما ذكرناه في سفارته إلى المستنصر سنة خمس وستين وستمائة وهلك السلطان يعقوب بن عبد الحق فازداد الكتاني عند ابنه يوسف بن يعقوب حظوة ومكانه إلى أن سخطه ونكبه سنة سبع وستين وستمائة وأقصاه من يومئذ وهلك في حال سخطته وبقي من بعده ابنه منديل هذا في جملة السلطان أبي يعقوب متبرما بمقام عبد الله بن أبي مدين المستولي على قهرمة دار

стр. 4342

السلطان ومخالصته في خلواته مغضيا لذلك. متوقعا النكبة في أكثر أيامه مضطرمة له بالحسد جوانحه، مع ما كان عليه من القيام على حسبان الديوان عرف فيه بسبقه وتشابه صديقه وعدوه. ولما تغلّب السلطان على ضواحي شلف ومغراوة واستعمل على حسبان الجباية، وجعل إليه ديوان العسكر هنالك، وإلى نظره اعتراضهم وتمحيصهم، فنزل على مليانة مع من كان هنالك من الأمراء مثل علي بن محمد الخيريّ والحسن بن علي بن أبي الطلاق العسكري إلى أن هلك السلطان أبو يعقوب، ورجّع أبو ثابت البلاد إلى أبي زيّان وأخيه أبي حمّو فخفّ عليهما، وحلا بعيونهما، واستبلغا في تكريمه وانصرف إلى مغربه. وكان معسكر السلطان يوسف بن يعقوب على تلمسان قد صحب أخاه أبا سعيد عثمان بن يعقوب في حال خموله، وتأكّدت بينهما الخلّة التي رعاها له السلطان أبو سعيد. فلمّا ولي أمر المغرب متّ بذلك إليه، فعرفه له واختصّه وخالصة، وجعل إليه وضع علامته وحسبان جبايته، ومستخلص أحواله، والمفاوضة بذات صدره. ورفع مجلسه في بسائطه، وقدّمه على خاصته. وكان كثير الطاعة للأمير أبي علي ابنه المتغلّب على أبيه قبل أوّل أمره [١] . ولما استبدّ وخلع أباه انحاش منديل هذا إليه. ثم نزع عنه حين تبيّن اختلال أمره، وكان الأمير أبو الحسن يحقد عليه ولاية أخيه أبي عليّ لما كان بينهما من المنافسة. وكان كثيرا ما يوغر صدره بإيجاب حق عمر عليه، وامتهانه في خدمته. وطوى له على النث حتى إذا انفرد بمجلس أبيه وفصل عمر إلى سجلماسة أحكم السعاية فيه وإلحاح [٢] في الهلكة التي أحكم [٣] السلطان عليها أذنا واعية، حتى تأذّن الله بإهلاكه. وكان منديل هذا كثيرا ما يغضب السلطان في المحاورة والخطاب دالة عليه وكبرا، فاعتدّ عليه من ذلك كلمات وأحوالا، وسخطه سنة ثمان عشرة وسبعمائة واذن لابنه الأمير أبي الحسن في نكبته، فاعتقله واستصفى أمواله، وطوى ديوانه وامتحنه أياما، ثم قتله بمحبسه خنقا، ويقال جوعا. وذهب مثلا في الغابرين، والله خير الوارثين.

стр. 4343

(الخبر عن انتقاض العزفي بسبتة ومنازلته ثم مصيرها الى طاعة السلطان بعد مهلكه) كان بنو العز في لما تغلب عليهم الرئيس أبو سعيد ونقلهم إلى غرناطة سنة خمس وسبعمائة استقرّوا بها في إيالة المخلوع ثالث ملوك بني الأحمر، حتى إذا استولى السلطان أبو الربيع على سبتة سنة تسع وسبعمائة أذنوه في الإجازة إلى المغرب، فأجازوا إلى فاس، فاستقروا بها. وكان يحيى وعبد الرحمن ابنا أبي طالب من سراتهم وكبارهم، وكانوا يغشون مجالس أهل العلم، لما كانوا عليه من انتحال الطلب [١] . وكان أبو سعيد أيام إمارة بني أبيه يجالس بالمسجد الجامع القرويين شيخ الفتيا أبا الحسن الصغير. وكان يحيى بن أبي طالب يلازمه، فاتصل به وصارت له وسيلة يحتسبها عنده. فلمّا ولي الأمر واستقلّ به، رعى لهم زمام صحابتهم، ووفّى لهم مقاصدهم. وعقد ليحيى على سبتة، ورجّعهم إلى مقرّ إمارتهم منها ومحل رياستهم، فارتحلوا إليها سنة عشر وسبعمائة وأقاموا دعوة السلطان أبي سعيد والتزموا طاعته. ثم تغلّب الأمير أبو علي على أمر أبيه، واستبدّ عليه فعقد على سبتة لأبي زكريا حيّون بن أبي العلاء القرشي، وعزل يحيى بن أبي طالب عنها. واستقدمه إلى فاس فقدمها هو وأبوه أبو طالب وعمّه حاتم، واستقرّوا في جملة السلطان. وهلك أبو طالب بفاس خلال ذلك حتى إذا كان من خروج الأمير أبي علي على أبيه ما قدّمناه، لحق يحيى بن أبي طالب وأخوه بالسلطان نازعين من جملة الأمير أبي علي. فلما اعتلّ بالبلد الجديد ونازلة السلطان بها فحينئذ عقد السلطان ليحيى بن أبي طالب على سبتة، وبعثه إليها ليقيم دعوته بتلك الجهات. وتمسّك بابنه محمد رهنا على طاعته، فاستقلّ بإمارتها، وأقام دعوة السلطان وطاعته بها. وأخذ بيعته على الناس، واتصل ذلك سنتين [٢] . وهلك عمّه أبو حاتم هنالك بعد مرجعه معه من المغرب سنة ست عشرة وسبعمائة. ثم انتقض على طاعة السلطان ونبذ طاعة الأمراء، ورجع إلى حال سلفه من أمر الشورى في البلد. واستقدم من الأندلس عبد الحق بن

стр. 4344

عثمان فقدم عليه وعقد له على الحرب ليفرّق الكلمة به، ويوهن ببأسه عزائم السلطان في مطالبته. وجهّز السلطان إليه العساكر من بني مرين وعقد علي حربه للوزير إبراهيم بن عيسى، فزحف إليه وحاصره، وتعلّل عليهم بطلب ابنه، فبعث به السلطان إلى وزيره إبراهيم ليعطي طاعته، فيسلمه، وجاءه الخبر من عيون كانت بالعسكر وأن ابنه كائن بفسطاط الوزير بساحة البحر، بحيث تتأتى الفرصة في أخذه، فبيّت المعسكر، وهجم عبد الحق بن عثمان بحشمه وذويه على فسطاط الوزير، فاحتمله إلى أبيه وركبت العساكر للهيعة، فلم يقفوا على خبر حتى تفقّد الوزير ابن العز في. واتهموا قائدهم إبراهيم بن عيسى الوزير بممالأة العدوّ على ذلك، فاجتمعت مشيختهم وتقبّضوا عليه، وحملوه إلى السلطان ابتلاء للطاعة واستبصارا في نصح السلطان، فشكر لهم وأطلق وزيره لابتلاء نصيحته. ورغب يحيى بن العزفي بعدها في رضى السلطان وولايته. ونهض السلطان سنة تسع عشرة وسبعمائة إلى طنجة لاختبار طاعته، فعقد له على سبتة واشترط هو على نفسه الوفاء لجباية السلطان، وأسنى هديته في كل سنة. واستمرّت الحال على ذلك إلى أن هلك يحيى العزفي سنة عشرين وسبعمائة. وقام بالأمر بعده ابنه محمد إلى نظر عمّه محمد بن عليّ بن الفقيه أبي القاسم شيخ قرابتهم. وكان قائد الأساطيل بسبتة ووليّ النظر فيها بعد أن نزع القائد يحيى الرنداحي إلى الأندلس، واختلف الغوغاء بسبتة، وانتهز السلطان الفرصة فأجمع على النهوض إليها سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وبادروا بإيتاء طاعتهم. وعجز محمد ابن يحيى عن المناهضة، وظنّها محمد بن عيسى من نفسه، فتعرّض للأمر في أوغاد من اللفيف، فاجتمعوا إليه وادفعهم الملأ عن ذلك، وحملوهم على الطاعة، واقتادوا بني العز في إلى السلطان فانقادوا، واحتل السلطان بقصبة سبتة، وثقف جهاتها ورمّ منثلمها وأصلح خللها. واستعمل كبار رجالاته وخواصّ مجلسه في أعمالها، فعقد لحاجبه عامر بن فتح الله الصدراتي على حاميتها، وعقد لأبي القاسم بن أبي مدين على جبايتها والنظر في مبانيها، وإخراج الأموال للنفقات فيها. وأسنى جوائز الملأ من مشيختها، ووفر أقطاعاتهم وجراياتهم. وأوعز ببناء البلد المسمّى أفراك على سبتة، فشرعوا في بنائها سنة تسع وعشرين وسبعمائة وانكفأ راجعا إلى حضرته، والله تعالى أعلم .

стр. 4345

(الخبر عن استقدام عبد المهيمن للكتابة والعلامة) كان بنو عبد المهيمن من بيوتات سبتة، ونسبهم في حضرموت. وكانوا أهل تجلّة ووقار، منتحلين للعلم. وكان أبو محمد قاضيا بسبتة أيام أبي طالب وأبي حاتم، وكان له معهم صهر. ونشأ ابنه عبد المهيمن هذا في حجر الطلب والجلالة، وقرأ صناعة العربيّة على الأستاذ الغافقي وحذق فيها. ولما نزلت بهم نكبة الرئيس أبي سعيد سنة خمس وسبعمائة واحتملوا إلى غرناطة، احتمل فيهم القاضي محمد بن عبد المهيمن وابنه. وقرأ عبد المهيمن بغرناطة على مشيختها، وازداد علما وبصرا باللسان والحديث. واستكتب بدار السلطان محمد المخلوع، واختصّ بوزيره المتغلّب على دولته محمد بن الحكيم الرنديّ فيمن اختص به من رؤساء بني العزفي. ثم رجع بعد نكبة ابن الحكيم إلى سبتة، وكتب عن قائدها ابن مسلمة مدّة. ولما استخلص بنو مرين سبتة سنة تسع وسبعمائة اقتصر على الكتابة، وأقام منتحلا مذاهب سلفه في انتحال العلم ونزول المروءة. ولما استولى السلطان أبو سعيد على المغرب واستقل بولاية العهد، وتغلّب على الأمر ابنه أبو علي، وكان محبّا للعلم مولعا بأهله منتحلا لفنونه. وكانت دولته خلوا من صناعة التراسل مذ عهد الموحدين للبداوة الموجودة في أوّلهم [١] . وحصل للأمير أبي عليّ بعض البصر بالبلاغة واللسان تفطّن به لشأن ذلك، وخلو دولتهم من الكتّاب المرسلين، وأنهم إنما يحكمون الخطّ الّذي حذقوا فيه. ورأى الأصابع تشير إلى عبد المهيمن في رياسة تلك الصناعة، فولع به. وكان كثير الوفادة مع أهل بلده أوقات وفادتهم، فيختصه الأمير أبو علي بمزيد برّه وكرامته، ويرفع مجلسه، ويخطبه للكتابة وهو يمتنع عليه. حتى إذا أمضى عزيمته في ذلك أوعز إلى عامله بسبتة سنة اثنتي عشرة وسبعمائة أن يشخصه إلى بابهم فقلده كتابته وعلامته حتى إذا خرج أبو علي على أبيه تحيز عبد المهيمن الى الأمير أبي الحسن، فلما صولح أبو علي على النزول عن البلد الجديد وكتب شرطه على السلطان كان من جملتها كون عبد المهيمن معه، وأمضى له السلطان ذلك وأنف الأمير أبو

стр. 4346

الحسن منها، فأقسم ليقتلنّه إن عمل بذلك، فرفع عبد المهيمن أمره إلى السلطان ولاذ به، وألقى نفسه بين يديه، فرقّ لشكواه وأمره باعتزالهما معا والرجوع إلى خدمته. وأنزله بمعسكره وأقام على ذلك، واختصه منديل الكتاني كبير الدولة وزعيم الخاصة، وأنكحه ابنته، ولما نكب منديل جعل السلطان علامته لأبي القاسم بن أبي مدين، وكان غفلا خلوا من الآداب، فكان يرجع إلى عبد السلطان علامته لأبي القاسم بن أبي مدين، وكان غفلا خلوا من الآداب، فكان يرجع إلى عبد المهيمن في قراءة الكتب وإصلاحها، وإنشائها حتى عرف السلطان له ذلك، فاقتصر عليه وجعل وضع العلامة إليه سنة ثمان عشرة وسبعمائة فاضطلع بها ورسخت قدمه في مجلس السلطان، وارتفع صيته. واستمرّ على ذلك أيام السلطان وابنه أبي الحسن من بعده إلى أن هلك بتونس في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة والله خير الوارثين. (الخبر عن صريخ أهل الأندلس ومهلك بطرة على غرناطة) كان الطاغية شانجة بن أدفونش قد تكالب على أهل الأندلس من بعد أبيه هراندة الهالك سنة اثنتين وثمانين وستمائة. ومنذ غلب على طريف شغل السلطان يوسف بن يعقوب بعده ببني يغمراسن، ثم تشاغل حفدته من بعده بأمرهم وتقاصرت مددهم، وهلك شانجة سنة ثلاث وسبعين [١] وولى ابنه هراندة ونازل الجزيرة الخضراء فرضة الجهاد لبني مرين حولا كاملا، ونازلت أساطيله جبل الفتح واشتدّ الحصار على المسلمين. وراسل هراندة بن أدفونش صاحب برشلونة أن يشغل أهل الأندلس من ورائهم، ويأخذ بحجزتهم، فنازل المريّة وحاصرها الحصار المشهور سنة تسع وسبعمائة ونصب عليها الآلات. وكان منها برج العود المشهور بطول الأسوار بمقدار ثلاث قامات، وتحيّل المسلمون على إحراقه فأحرق. وحفر العدوّ تحت الأرض مسربا مقدار ما يسير فيه عشرون راكبا. وتفطّن المسلمون واحتفر قبالتهم مثله إلى أن نفذ بعضهم

стр. 4347

لبعض، واقتتلوا من تحت الأرض وعقد ابن الأحمر لعثمان بن أبي العلاء زعيم الأعياص على عسكر بعثه مددا لأهل المريّة، فلقيه جمع من النصارى كان الطاغية بعثهم لحصار مرشانة [١] ، فهزمهم عثمان واستلحمهم، ونزل قريبا من معسكر الطاغية وألحّ بمغاداتهم ومراوحتهم الى أن رغبوا إليه في السلم وأفرج عن البلد. وتغلّب الطاغية، خلال ذلك على جبل الفتح، وأقامت عساكره على سماتة [٢] واسطبونة [٣] ، وزحف العبّاس بن رحّو بن عبد الله وعثمان بن أبي العلاء في العساكر لاغاثة البلدين، فأوقع عثمان بعسكر اسطبونة، وقتل قائدهم ألفنش بيرش [٤] في نحو ثلاثة آلاف فارس واستلحموا. ثم زحف عثمان لاغاثة العبّاس وكان دخل عوجين فحاصرته جموع النصارى به، فانفضوا الخبر زحفه، وبلغ الخبر إلى الطاغية بمكانه من ظاهر الجزيرة بفتكة عثمان في قومه، فسرّح جموع النصرانية، ولقيهم عثمان فأوقع بهم، وقتل زعماءهم. وارتحل الطاغية يريد لقاءهم فخالف أهل البلد إلى معسكره، وانتهبوا محلاته وفساطيطه، وأتيحت للمسلمين عليهم الكرّة، وامتلأت الأيدي من غنائمهم وأسراهم. ثم هلك الطاغية أثر هذه الهزائم سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وهو هراندة بن شانجة. وولي بعد ابنه الهنشة طفلا صغيرا، جعلوه لنظر عمّه دون بطرة ابن شانجة، وزعيم النصرانيّة جوان فكفلاه. واستقام أمرهم على ذلك، وشغل السلطان أبو سعيد ملك المغرب بشأن ابنه وخروجه، فاهتبل النصرانية الغرّة في الأندلس وزحفوا إلى غرناطة سنة ثمان عشرة وسبعمائة وأناخوا عليها بعسكرهم وأممهم. وبعث أهل الأندلس صريخهم إلى السلطان واعتذر لهم بمكان أبي العلاء من دولتهم، ومحله من رياستهم، وأنه مرشّح للأمر في قومه بني مرين، يخشى معه تفريق الكلمة. وشرط عليهم أن يدفعوه إليه برمّته حتى يتم أمرّ الجهاد، ويعيده إليهم حوطة على المسلمين. ولم يمكنهم ذلك لمكان عثمان بن أبي العلاء لصرامته وعصابته

стр. 4348

من قومه، فأخفق سعيهم واستلحموا. وأطالت أمم النصرانية بغرناطة، وطمعوا في التهامها. ثم إنّ الله نفّس مخنقهم، ودافع قدرته عنهم، وكيّف لعثمان بن أبي العلاء وعصبته واقعة فيهم كانت أغرب الوقائع. صمدوا إلى موقف الطاغية بجملتهم، وكانوا زهاء مائتين أو أكثر، وصابروهم حتى خالطوهم في مراكزهم، فصرعوا بطرة وجوان، وولوهم الأدبار. واعترضتهم من ورائهم مسارب الماء للشرب من شقيل [١] فتطارحوا فيها. وهلك أكثرهم، واكتسحت أموالهم، وأعزّ الله دينه، وأهلك عدوّه. ونصب رأس بطرة بسور البلد عبرة لمن يذكر، وهو باق هنالك لهذا العهد. والله تعالى أعلم. (الخبر عن صهر الموحدين والحركة الى تلمسان على اثره وما تخلل ذلك من الاحداث) لما انفرج الحصار عن ولد يغمراسن بن زيّان أحد ملوك بني عبد الواد سنة ست وسبعمائة وتجافى أبو ثابت عن بلادهم، ونزل لهم عما كان بنو مرين ملكوه منها بسيوفهم. واستقل أبو حمّو بملك بني عبد الواد على رأس الحول منها، صرف نظره واهتمامه إلى بلاد المشرق، فتغلّب على بلاد مغراوة، ثم على بلاد بني توجين، ومحا منها أثر سلطانهم. ولحق أعياصهم من ولد عبد القوي بن عطيّة ولد منديل بن عبد الرحمن بالموحّدين بني أبي حفص مع من تبعهم من رءوس قبائلهم، وصاروا في جملة عساكرهم. واستلحق مولانا السلطان أبو يحيى وحاجبه يعقوب بن عمر منهم جندا كثيفا أثبتهم في الديوان، وغالب بهم الخوارج والمنازعين للدولة. ثم زحف أبو حمّو إلى الجزائر وغلب ابن علّان عليها سنة [٢] ونقله إلى تلمسان ووفى له. وفرّ بنو منصور أمراء ملكيش أهل بسيط متيجة من صنهاجة، فلحقوا بالموحّدين واصطنعوهم. وتملّك قاصية المغرب الأوسط وتاخم عمل الموحدين بعمله. ثم تغلّب على تدلس سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وتجنى على مولانا السلطان أبي يحيى بما وقع بينهم من المراسلة أيام انتزى ابن مخلوف ببجاية كما ذكرناه في أخباره. فحثّ عزائمه

стр. 4349

لمنزلتها وطلب بلاد الموحّدين، وأوطأ عساكره أرضهم، ونازل أمصارهم بجاية وقسنطينة. واختصّ بجاية بشوكته من ذلك، وجهّز العساكر مع مسعود ابن عمّه أبي عامر إبراهيم لمضايقتها. وكان خلال ذلك ما قدّمناه من خروج محمد بن يوسف ابن يغمراسن عليه سنة [١] وقيام بني توجين بأمره، واقتطاع جبل وانشريس من عمالة ملكه. واستمرّت الحال على ذلك حتى هلك السلطان أبو حمّو سنة ثمان عشرة وسبعمائة وقام بأمرهم ابنه أبو تاشفين عبد الرحمن فصنع له في ابن عمه محمد بن يوسف. ونهض إليه بعساكر بني عبد الواد حتى نازلة بمعتصمه من جبل وانشريش وداخله عمر بن عثمان كبير بني تيغرين في المكر به، فتقبّض عليه وقتله سنة تسع عشرة وسبعمائة وارتحل إلى بجاية حتى احتل بساحتها، وامتنع عليه الحاجب ابن عمر فأقام يوما أو بعضه. ثم انكفأ راجعا إلى تلمسان، وردّد البعوث إلى أوطان بجاية، وابتنى الحصون لتجمير الكتائب، فابتنى بوادي بجاية من أعلاه حصن بكر، ثم حصن تامزردكت. ثم اختط بتيكلات على مرحلة منها بلدا سمّاها تامزيزدكت على اسم المعقل الّذي كان لأوليهم بالجبل قبالة وجدة. وامتنع يغمراسن به على السعيد كما قدّمناه، فاختطّ بلد تيكلات هذه، وشحنها بالأقوات والعساكر، وصيّرها ثغرا لملكه، وأنزل بها جنده. وعقد عليها لموسى بن علي الكردي كبير دولته، ودولة أبيه [٢] . واستحثّه أمراء الكعوب من بني سليم لملك إفريقية حين مغاضبتهم لمولانا السلطان أبي يحيى اللحياني، وأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أبي عمران، وأبي إسحاق بن أبي يحيى الشهيد، مرّة بعد أخرى كما ذكرناه في أخبارهم جميعا. وكانت حروبهم سجالا إلى أن كان بين جيوش زناتة والموحدين الزحف المشهور بالرياش من نواحي مرماجنّة سنة تسع وعشرين وسبعمائة زحفت فيه إلى السلطان أبي يحيى عساكر زناتة مع حمزة بن عمر أمير بني كعب. ومن إليه من البدو، وعليهم يحيى بن موسى من صنائع دولة آل يغمراسن. وقد نصبوا للملك محمد بن أبي عمران بن أبي حفص، ومعهم عبد الحق بن عثمان من أعياض بني عبد الحق في بنيه وذويه. وكان نزع إليهم من عند الموحّدين كما ذكرناه، فاختلّ مصاف مولانا السلطان أبي يحيى

стр. 4350

وانهزم، واستولوا على فساطيطه بما فيها من الذخيرة والحرم، وانتهبوا معسكره وتقبّضوا على ولديه الموليين أحمد وعمر، وأشخصوهما إلى تلمسان. وأصيب السلطان في بدنه بجراحات أوهنته، وخلص إلى بونة ناجيا برمقه. وركب السفين منها إلى بجاية، فأقام بها يدمل جراحة، واستولت زناتة على تونس. ودخلها محمد بن أبي عمران وسمّوه باسم السلطان ومقادته في يد يحيى بن موسى أمير زناتة. واعتزم مولانا السلطان أبو يحيى على الوفادة على ملك المغرب السلطان أبي سعيد صريخا على آل يغمراسن. وأشار حاجبه محمد بن سيّد الناس بإنفاذ ابنه الأمير أبي زكريا صاحب الثغر استنكافا له عن مثلها، فتقبّل إشارته وأركب ابنه البحر لذلك. وبعث إليه معه أبا محمد عبد الله بن تاشفين من مشيخة الموحّدين نافضا أمامه طرف المقاصد والمحاورات، ونزلوا بغسّاسة من سواحل المغرب، وقدموا على السلطان أبي سعيد بحضرته، وأبلغوه صريخ مولانا السلطان أبي يحيى، فاهتزّ لذلك هو وابنه الأمير أبو الحسن، وقال لابنه الأمير في ذلك المحفل: يا بني لقد قصدك أكبر أقوامنا وموصلك، وو الله لأبذلنّ في مظاهرتكم مالي وقومي ونفسي، ولأسيرنّ بعساكري إلى تلمسان فأنزلها مع أبيك، فانصرفوا إلى منازلهم مسرورين. وكان فيما شرطه عليهم السلطان أبو سعيد مسير مولانا السلطان أبي يحيى بعساكره إلى منازلة تلمسان معه فقبلوا. ونهض السلطان أبو سعيد إلى تلمسان سنة ثلاثين وسبعمائة ولما انتهوا إلى وادي ملويّة وعسكر بضره، جاءهم الخبر اليقين باستيلاء السلطان أبي يحيى على حضرة تونس وإجهاضه زناتة وسلطانهم عنها. فاستدعى مولانا السلطان الأمير أبا زكريا يحيى ابنه ووزيره أبا محمد عبد الله بن تافراكين وأمرهم بالانصراف إلى صاحبهم وأسنى جوائزهم وحاجاتهم [١] . وركبوا أساطيلهم من غسّاسة وأرسل معهم للخطبة الصهر إبراهيم بن أبي حاتم العزفي والقاضي بحضرته أبي عبد الله بن عبد الرزاق، وانكفأ على عقبه راجعا إلى حضرته. ولما انعقد الصهر بين الأمير أبي الحسن، والسلطان أبي يحيى في ابنته شقيقة الأمير يحيى، زفّها إليهم في أساطيله مع مشيخة من الموحدين، كبيرهم أبو القاسم بن عبّو [٢] . ووصلوا بها إلى موسى غسّاسة سنة إحدى وثلاثين بين يدي مهلك السلطان أبي سعيد، فقاموا لها على أقدام البرّ

стр. 4351

والتكرمة، وبعثوا الظهر إلى غسّاسة لركوبها وحمل أثقالها، وصيغت حكمات الذهب والفضّة ومدّت ولايا الحرير المغشّاة بالذهب، واحتفل لوافدها وأعراسها غاية الاحتفال بما لم يسمع مثله في دولتهم. وتولت قهارمة الدار من عجز النساء ما يتولاه مثلهم من ذلك فطم الصنيع، وتحدّث الناس به. وهلك السلطان أبو سعيد بين يدي موصلها، والبقاء للَّه وحده. (الخبر عن مهلك السلطان أبي سعيد عفا الله عنه وولاية السلطان أبي الحسن وما تخلل ذلك من الاحداث) كان السلطان لما بلغه وصول العروس بنت مولانا السلطان أبي يحيى سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة واهتزّت الدولة لقدومها عليهم تعظيما لحق أبيها وقومها واحتفاء بها، ارتحل السلطان أبو سعيد إلى تازى ليشارف أحوالها بنفسه احتفاء [١] في تكرمتها وسرورا بعرس ابنه. واعتلّ هنالك ومرض حتى إذا أشفى على الهلكة، ارتحل به وليّ العهد الأمير أبو الحسن إلى الحضرة، وحمله في فراشه على أكتاف الحاشية والخول، حتى نزل بسبو، ثم أدخله كذلك ليلا إلى داره. وأدركته المنية في طريقه، فقضى رحمة الله عليه، فوضعوه بمكانه من البيت. واستدعى الصالحين لمواراته، فووري لشهر ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة والبقاء للَّه وحده، وكل شيء هالك إلّا وجهه. ولما هلك السلطان أبو سعيد اجتمع الخاصّة من المشيخة ورجالات الدولة لوليّ عهده الأمير أبي الحسن، وعقدوا له على أنفسهم، وآتوه طاعتهم وبيعتهم. وأمر بنقل معسكره من سبو، وأضرب بالزيتون من ساحة فاس. ولما ووري السلطان، خرج إلى معسكره بالتعبية، واجتمع إليه الناس على طبقاتهم لأداء البيعة، وجلس بفسطاطه، وتولى أخذ البيعة له يومئذ على الناس المزوار عبّو بن قاسم رئيس الوزعة [٢] ، والمتصرّفين وحاجب الباب القديم الولاية بذلك في دارهم منذ عهد السلطان يوسف بن يعقوب. وزفّت إليه يومئذ عروسه بنت السلطان أبي يحيى،

стр. 4352

فأعرس بها بمكانه من المعسكر، وأجمع أمره على الانتقام لأبيها من عدوّه. وبدأ باستكشاف حال أخيه أبي عليّ، وكان السلطان أبوهما يستوصيه به لما كان له بقلبه من العلاقة. وكان ولي العهد هذا يؤثر لرضاه جهده، فاعتزم على الحركة إلى سجلماسة لمشارفة أحواله، والله تعالى أعلم. (الخبر عن حركة السلطان أبي الحسن إلى سجلماسة وانكفائه عنها الى تلمسان بعد الصلح مع أخيه والاتفاق) لما هلك السلطان أبو سعيد وكملت بيعة السلطان أبي الحسن، وكان كثيرا ما يستوصيه بأخيه أبي علي لما كان كلفا به شفوقا عليه، فأراد مشارفة أحواله قبل النهوض إلى تلمسان، فارتحل من معسكره بالزيتون قاصدا سجلماسة، وتلقته في طريقه وفود الأمير أبي علي أخيه مؤدّيا حقه، موجبا مبرّته، مهنئا له بما آتاه الله من الملك، متجافيا عن المنازعة فيه، قانعا من تراث أبيه بما سأل، في يده، طالبا العقد له بذلك من أخيه. فأجابه السلطان أبو الحسن إلى ما سأل، وعقد له على سجلماسة وما إليها من بلاد القبلة كما كان لعهد أبيهما. وشهد الملأ من القبيل وسائر زناتة والعرب، وانكفأ راجعا إلى تلمسان لإجابة صريخ الموحّدين، وأغذّ السير إليها. ولما انتهى إلى تلمسان تنكّب عنها متجاوزا إلى جهة المشرق لوعد مولانا السلطان أبي يحيى بالنزول معه على تلمسان، كما كان عليه وفاقهم ومشارطتهم مع الأمير أبي زكريا الرسول إليهم. فاحتل بتاسالت في شعبان من سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وتلوّم بها وأوعز إلى أساطيله بمراسي المغرب فأغزاها إلى سواحل تلمسان. وجهّز لمولانا السلطان أبي يحيى مددا من عسكره أركبهم الأساطيل من سواحل وهران، وعقد عليهم لمحمد البطوي من صنائع دولته. ونزلوا بجاية، ووافوا بها مولانا السلطان أبا يحيى فصاروا في جملته. ونهضوا معه إلى تيكلات ثغر بني عبد الواد المجمّرة بها الكتائب لحصار بجاية، وبها يومئذ ابن هزرع من قوّادهم، وأجفل من كان بها من العسكر قبل وصوله إليهم، فلحقوا بآخر عملهم من المغرب الأوسط. وأناخ مولانا السلطان أبو يحيى عليها بعساكر من الموحّدين والعرب والبربر وسائر الحشود، فخرّبوا عمرانها وانتهبوا ما كان من الأقوات مختزنا بها، وكان بحرا لا يدرك ساحله، لما كان

стр. 4353

السلطان أبو حمو من لدن اختطها قد أوعز إلى العمّال بسائر البلاد الشرقيّة، منذ عمل البطحاء أن ينقلوا أعشار الحبوب إليها وسائر الأقوات. وتقبّل ابنه السلطان أبو تاشفين مذهبه في ذلك. ولم يزل دأبهم إلى حين حلّت بها هذه الفاقرة فانتهب الناس من تلك الأقوات ما لا كفاء له. وأضرعوا مختطّها بالأرض فنسفوها نسفا، وذروها قاعا صفصفا. والسلطان أبو الحسن خلال ذلك متشوّف لأحوالهم منتظر قدوم مولانا السلطان أبي يحيى عليه لمنازلة تلمسان، حتى وافاه الخبر بانتقاض أخيه كما نذكره، فانكفأ راجعا، واتصل الخبر بمولانا السلطان أبي يحيى فقفل إلى حضرته. وحمل البطوي معه وأسنى جائزته وجوائز عسكره، وانصرفوا إلى السلطان مرسلهم في سفنهم من ساعتها. وانقبض عنان السلطان أبي تاشفين عن غزو بلاد الموحّدين إلى أن انقرض أمره، والبقاء للَّه وحده. (الخبر عن انتقاض الأمير أبي علي ونهوض السلطان أبي الحسن اليه وظفره به) لما توغّل السلطان أبو الحسن في غزاة تلمسان وتجاوزها إلى تاسالت لوعد مولانا السلطان أبي يحيى، دسّ أبو تاشفين إلى الأمير أبي علي في اتصال اليد والاتفاق على السلطان أبي الحسن، وأن يأخذ كل واحد منهما بحجزته عن صاحبه متى همّ به، وانعقد بينهما على ذلك. وانتقض الأمير أبو علي على أخيه السلطان أبي الحسن، ونهض من سجلماسة إلى درعة فقتل بها عامل السلطان، واستعمل عليه من ذويه، وسرّح العسكر إلى بلاد مراكش. واتصل الخبر بالسلطان وهو بمعسكره بتاسالت، فأحفظه شأنه، وأجمع على الانتقام منه، فانكفأ راجعا إلى الحضرة. وأنزل بثغر تاوريرت تخم عمله معسكرا، وعقد عليه لابنه تاشفين، وجعله إلى نظر وزيره منديل بن حمامة بن تيربيغين، وأغذّ السير إلى سجلماسة، فنزل عليها وأحاطت عساكره بها، وأخذ بمخنقها وحشد الفعلة والصنّاع لعمل الآلات لحصارها، والبناء بساحتها. وأقام يغاديها القتال ويراوحها حولا كريتا. ونهض أبو تاشفين في عساكره وقومه إلى ثغر المغرب ليوطئه عساكره، وبعث في نواحيه يجاذب السلطان عن مكانه من حصاره. ولما انتهى إلى تاوريرت برز إليه ابن السلطان في وزرائه وعساكره،

стр. 4354

وزحفوا إليه في التعبية، فاختلّ مصافه وانهزم ولم يلق أحدا، وعاد إلى منحجره وبادر إلى إمداد الأمير أبي علي بعسكره، فعقد على حصة من جنده وبعث بهم إليه، فتسرّبوا إلى البلد زرافات ووحدانا حتى استكملوا عنده، وطاولهم السلطان الحصار وأنزل بهم أنواع الحرب والنكال حتى تغلّب عليهم، واقتحم البلد عنوة، وتقبّض على الأمير أبي علي عند باب قصره. وسيق إلى السلطان فأمهله واعتقله، واستولى على ملكه. وعقد على سجلماسة واستعمل عليها، ورحل منكفئا إلى الحضرة، فاحتل بها سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة واعتقل أخاه في إحدى حجر القصر إلى أن قتله لأشهر من اعتقاله خنقا بمحبسه. وعدد له هذا الفتح بفتح الجبل واسترجاعه من يد العدّ ودمره الله بأيدي عسكره، وتحت راية ابنه أبي مالك، كما نذكره إن شاء الله تعالى. (الخبر عن منازلة جبل الفتح واستئثار الأمير أبي مالك والمسلمين به) لما هلك السلطان أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد المتغلّب على ملك الأندلس من يد ابن عمه أبي الجيوش، قام بالأمر بعده ابنه محمد طفلا صغيرا لنظر وزيره محمد بن المحروق من بيوت الأندلس وصنائع الدولة. واستبدّ عليه. فلمّا شب وناهز أنف من الاستبداد عليه، وأغراه المعلوجي من حشمه بالوزير، فاغتاله وقتله سنة تسع وعشرين وسبعمائة وشمّر للاستبداد وشدّ أواخي الملك. وكان الطاغية قد أخذ جبل الفتح سنة تسع، وجاورت النصرانية به ثغور الفرضة، وكان شجى في صدرها، وأهمّ المسلمين شأنه. وشغل عنهم صاحب المغرب بما كان فيه من فتنة ابنه، فرجّعوا الجزيرة وحصونها إلى ابن الأحمر منذ سنة اثنتي عشرة وسبعمائة لأوّل المائة الثامنة. واستغلظ الطاغية عليهم بعد ذلك فرجّعوا الجزيرة إلى صاحب المغرب سنة تسع وعشرين وسبعمائة وولّي عليها السلطان أبو سعيد من أهل دولته سلطان بن مهلهل من عرب الخلط أخواله. وأسفّ الطاغية إلى حصونها عند مهلك السلطان أبي سعيد فملك أكثرها، ومنع البحر من الإجازة. وقارن ذلك استبداد صاحب الأندلس، وقتله لوزيره ابن المحروق. وأهمّه شأن الطاغية، فبادر لإجازة البحر. ووفد على ابن خلدون م ٢٢ ج ٧

стр. 4355

السلطان أبي الحسن بدار ملكه من فاس سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة فأكبر موصله وأركب الناس للقائه، وأنزله بروض المصارّة لصق داره، واستبلغ في تكريمه. وفاوضه ابن الأحمر في شأن المسلمين وراء البحر، وما أهمّهم من عدوّهم، وشكا إليه حال الجبل واعتراضه شجى في صدر الثغور، فأشكاه السلطان. وعامل الله في أسباب الجهاد، وكان مشغوفا به متقبّلا مذهب جدّه يعقوب فيه. وعقد لابنه الأمير أبي مالك على خمسة آلاف من بني مرين، وأنفذه مع السلطان محمد بن إسماعيل لمنازلة الجبل، فاحتل بالجزيرة، وتتابع إليه الأطول بالمدد. وأرسل ابن الأحمر حاشرين في الأندلس، فتسايلوا إليه، وأضربوا معسكرهم جميعا بساحة الجبل. وأبلوا في حربه ومنازلته البلاء الحسن، إلى أن تغلّبوا عليه سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة واقتحمه المسلمون عنوة، ونفلهم الله من كان به من النصرانيّة بما معهم، ووافاه الطاغية بأمم الكفر لثالثة فتحه، وقد شحنه المسلمون بالأقوات، نقلوها من الجزيرة على خيولهم. وباشر نقلها الأمير أبو مالك وابن الأحمر، فنقلها الناس عامّة. وتحيّز الأمير أبو مالك إلى الجزيرة وترك بالجبل يحيى بن طلحة بن محلى من وزراء أبيه. ووصل الطاغية بعد ثلاث فأناخ عليه. وبرز أبو مالك بعساكره، فنزل بحذائه [١] وبعث إلى الأمير أبي عبد الله صاحب الأندلس. فوصل بحشد المسلمين بعد أن دوّخ أرض النصرانيّة. وخرج فنزل بإزاء عسكر الطاغية، وتحصّن العدوّ في محلّتهم. وقاموا كذلك عادية لقرب العهد بارتجاعه، وخفّة ما به من الحامية والسلاح، فبادر السلطان ابن الأحمر إلى لقاء الطاغية. وسبق الناس إلى فسطاطه عجلا بائعا نفسه من الله في رضى المسلمين، وسدّ فرجتهم، فتلقاه الطاغية راجلا حاسرا إعظاما لموصله، وأجابه إلى ما سأل من الإفراج عن هذا المعقل، وأتحفه بذخائر مما لديه، وارتحل لفوره. وأخذ الأمير أبو مالك في تثقيف أطراف الثغر، وسدّ فروجه، وأنزل الحامية به، ونقل الأقوات إليه، وكان فتحا طوّق دولة السلطان أبي الحسن قلادة الفخر إلى آخر الأيام. ثم رجع بعدها إلى شأنه من منازلة تلمسان، والله تعالى أعلم.

стр. 4356

(الخبر عن حصار تلمسان وتغلب السلطان أبي الحسن عليها وانقراض أمر بني عبد الواد بمهلك أبي تاشفين) لما تغلّب السلطان على أخيه وحسم علّة انتزائه ومنازعته وسدّ ثغور المغرب، وعظمت لديه نعمة الله بظهور عسكره على النصرانية، وارتجاع جبل الفتح من أيديهم بعد أن أقام في ملكة الطاغية نحوا من عشرين سنة. فرغ لعدوه وأجمع على غزو تلمسان. ووفد عليه رسل السلطان أبي يحيى في سبيل التهنئة بالفتح والأخذ بحجزة أبي تاشفين على الثغور. وأوفد السلطان إلى أبي تاشفين شفعاء في أن يتخلى عن عمل الموحّدين جملة، ويتراجع لهم عن تدلس، ويرجع إلى تخوم عمله منذ أوّل الأمر، ولو عامئذ ليعلم الناس جاه السلطان عند الملوك، ويقدّروه حقّ قدره، واستنكف أبو تاشفين مع ذلك وأغلظ للرسل في القول، وأفحش بمجلسه بعض السفهاء من العبيد في الردّ عليهم والنيل من مرسلهم، فانقلبوا إليه بما أحفظه، فانبعثت عزائم السلطان للصمود إليهم. وعسكر بساحة البلد الجديد، وبعث وزراءه إلى قاصية البلاد المراكشيّة لحشد القبائل والعساكر. ثم تعجّل فاعترض جنوده وأزاح عللهم وعبّى مواكبه، وسار في التعبية. وفصل بمعسكره من فاس أواسط خمس وثلاثين وسبعمائة وسار يجرّ الشوك والمدر من أمم المغرب وجنوده. ومرّ بوجدة، فجمّر الكتائب لحصارها. ثم مرّ بند رومة فقاتلها بعض يوم واقتحمها، فقتل حاميتها واستولى عليها آخر سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ثم سار على تعبيته حتى أناخ على تلمسان، وبلغه الخبر بتغلّب عساكره على وجدة سنة ست وثلاثين وسبعمائة فأوعز إليه بتخريب أسوارها، فأضرعوها بالأرض. وتوافت إليه إمداد النواحي وجهاتها وحشودها، وربض على فريسته. ووفدت إليه قبائل مغراوة وبني توجين فآتوه طاعتهم. ثم سرّح عساكره إلى الجهات فتغلّب على وهران وهنين، ثم على مليانة وتنس والجزائر كذلك سنة ست وثلاثين وسبعمائة ونزع إليه يحيى بن موسى صاحب القاصية الشرقية من عمله، والمتاخم كان لعمل الموحّدين، والقائم بحصار بجاية بعد نكبة موسى بن علي فلقاه مبرّة وتكريما، ورفع بساطه ونظمه في طبقات وزرائه وجلسائه. وعقد على فتح البلاد الشرقيّة ليحيى

стр. 4357

ابن سليمان العسكري كبير بني عسكر بن محمد وشيخ بني مرين، وصاحب شوراهم بمجلس السلطان، والمخصوص بصهر من السلطان. عقد له على ابنته فسار في الألوية والجنود وطوّع ضاحية الشرق وقبائله، وافتتح أمصاره حتى انتهى إلى المريّة [١] . ونظّم البلاد في طاعة السلطان، وأحشد مقاتلتها إلى معسكره فلحقوا له وكاثروا جنوده. واستعمل السلطان على وانشريش وعمل الحشم من بني توجين. وعقد لسعد بن سلامة بن علي على بني يدللتين. وجعل الوالي بالقلعة إلى نظره. وكان خلص إليه بالمغرب قبل فصوله نازعا عن أبي تاشفين لمكان أخيه قريعة محمد من الدولة. واستعمل السلطان أيضا على شلف وسائر أعمال المغرب الأوسط. واختطّ السلطان بغربي [٢] تلسمان البلد الجديد لسكناه، ونزل عساكره وسماه المنصورية [٣] . وأدار على البلد المخروب سياجا من السور ونطاقا من الخندق. ونصب المجانيق والآلات من وراء خندقه وشيّد قبالة كل برج من أبراج البلد برجا على ساقة خندقه ينضح رماته بالنبل رماتهم، ويشغلونهم بأنفسهم حتى شيّد برجا آخر أقرب منه، وترتفع شرفاته فوق خندقهم. ولم يزل يتقرّب بوضع الأبراج من حدّ إلى ما بعده، حتى اختطها من قرب على ساقه خندقهم. وتماصع المقاتلة بالسيوف من أعيالها، ورتّب المجانيق إلى رجمها ودكّها، فنالت من ذلك فوق الغاية. واشتدّ الحرب وضاق نطاق الحصار. وكان السلطان يصحبهم كل يوم بالبكور والتطواف على البلد من جميع جهاته لتفقّد المقاتلة في مراكزهم، وربما ينفرد في طوافه بعض الأيام عن حاشيته، فاهتبلوا الأمر يحسبونه غرّة. وصفّوا جيوشهم من وراء السور مما يلي الجبل المطلّ على البلد، حتى إذا حاذاه السلطان في تطوافه فتحوا أبوابهم، وأرسلوا عليه عقبان جنودهم، واضطرّوه إلى سفح الجبل حتى لحق بأوعاره، وكاد أن ينزل عن فرسه هو وولّيه عريف بن يحيى أمير سويد. ووصل الصائح إلى المعسكر فركب الأميران ابناه: ابو عبد الرحمن وأبو مالك، في جموع بني مرين، وتهاوت فرسان المعسكر من كلّ جانب، فشمّر جنود بني عبد الواد إلى مراكزهم. ثم دفعوهم عنها، وحملوهم على

стр. 4358

هوّة الخندق فتطارحوا فيه وترادفوا وهلك بالكظيظ أكثر ممن هلك بالقتل. واستلحم في ذلك اليوم زعماء ملئهم [١] مثل عمر بن عثمان كبير الحشم من بني توجين، ومحمد بن سلامة بن عليّ كبير بني يدللتن منهم أيضا وغيرهم. وكان يوما له ما بعده. واعتز بنو مرين عليهم من يومئذ. ونذر بنو عبد الواد بالتغلّب عليهم، واتصلت الحرب مدّة عامين. ثم اقتحمها السلطان غلابا لسبع وعشرين من رمضان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. ووقف أبو تاشفين بساحة قصره مع خاصّته، وقاتل هنالك حتى قتل ابناه عثمان ومسعود ووزيره موسى بن عليّ ووليّه عبد الحق بن عثمان من أعياص عبد الحق. نزع إليه من جملة الموحّدين كما أشرنا إليه ونستوفي خبره. فهلك هو وابنه وابن أخيه، وأثخنت السلطان أبا تاشفين الجراحة ووهن لها، فتقبّض عليه. واختبنه [٢] بعض الفرسان إلى السلطان فلقيه الأمير أبو عبد الرحمن صالي تلك الحروب وأورد غمرتها بنفسه، فاعترضه وقد غضّ الطرف بموكبه، فأمر به في الحين فقتل، واحتزّ رأسه، وسخط ذلك السلطان من فعله لحرصه على توبيخه وتفريعه، وذهب مثلا في الغابرين. واقتحم السلطان بكافّة عساكره، وتواقع الناس بباب كشوط [٣] لجنوبهم من كظيظ الزحام، فهلك منهم أمم. وانطلقت أيدي النهب على البلد فلحقت الكثير من أهله معرّات في أموالهم وحرمهم. وخلص السلطان إلى المسجد الجامع مع لمّة من خواصه وحاشيته. واستدعى شيوخ الفتيا بالبلد أبو زيد وأبو موسى ابنا الإمام، وفاء بحق العلم وأهله، فخلصوا إليه بعد الجهد ووعظوه وذكروه بما نال الناس من النهب، فركب لذلك بنفسه وسكن وأوزع جنوده وأشياعه من الرعيّة، وقبض أيديهم عن الفساد وعاد إلى معسكره بالبلد الجديد. وقد كمل الفتح وعزّ النصر، وشهد ذلك اليوم أبو محمد بن تافراكين، وافاه رسولا عن مولانا السلطان أبي يحيى مجدّدا للعهد، فأعجله السلطان إلى مرسلة بالخبر وسابق السابقين. ودخل تونس لسبع عشرة ليلة من نوبة الفتح، فعظم السرور عند السلطان أبي يحيى بمهلك عدوّه والانتقام منه بشارة، واعتدّها بمساعيه. ورفع السلطان أبو الحسن القتل عن بني عبد الواد أعدائهم، وشفى نفسه

стр. 4359

بقتل سلطانهم، وعفا عنهم وأثبتهم في الديوان، وفرض لهم العطاء، واستتبعهم على راياتهم ومراكزهم،. وجمع كلمة بني واسين من بني مرين وبني عبد الواد وتوجين، وسائر زناتة وأنزلهم ببلاد المغرب وسدّ بكل طائفة منهم ثغرا من أعماله، وساروا عصبا تحت لوائه، فأنزل منهم بقاصية السوس وبلاد غمارة، وأجاز منهم إلى ثغور عمله بالأندلس حامية ومرابطين، واندرجوا في جملته، واتسع نطاق ملكه. وأصبح ملك زناتة بعد أن كان ملك بني مرين وسلطان العدوتين بعد أن كان سلطان المغرب. والأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. (الخبر عن نكبة الأمير عبد الرحمن بمتيجة وتقبض السلطان عليه ثم مهلكه آخرا) قد قدّمنا ما كان من اشتراط السلطان أبي سعيد على الموحّدين منازلتهم تلمسان مع عساكره، وتلوّم السلطان أبي الحسن بتاسالت لانتظار مولانا السلطان أبي يحيى. ولما نازل تلمسان بعساكره المرّة الثانية، لم يطالبهم بذلك. وكان أبو محمد بن تافراكين يتردّد إليه وهو بمعسكره من حصار تلمسان مؤدّيا حقه مستخبرا مآل عدوّهم. فلمّا تغلّب على تلمسان أسرّ إليه سفيره أبو محمد بن تافراكين بأنّ سلطانه قادم عليه للقائه وتهنئته بالظفر بعدوّه. وتشوّف السلطان أبو الحسن إليها لما كان يحب الفخر ويعنى به، وارتحل من تلمسان سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وعسكر ببسيط بمتيجة منتظرا وفادة مولانا السلطان أبي يحيى عليه، وتكاسل السلطان عنها لما أراه سيفه المتحكّم في دولته محمد بن الحكيم من حذر مغبتها، وقال له: إنّ لقاء سلطانين لا يتّفق إلّا في يوم على أحدهما، فكره ذلك السلطان وتقاعد عنه: وطال مقام السلطان أبي الحسن في انتظار الموعد الّذي ألقى إليه أبو محمد بن تافراكين، واعتل لأشهر من مقامه ومرض بفسطاطه. وتحدّث أهل المعسكر بمهلكه. وكان ابنا الأمير أبو عبد الرحمن وأبو مالك متناغيين في ولاية عهده منذ أيام جدّهما أبي سعيد. وكان السلطان قد جعل لهما من أوّل دولته ألقاب الإمارة وأحوالها من اتخاذ الوزراء والكتّاب ووضع العلامة وتدوين الدواوين وإثبات العطاء. واستلحاق الفرسان والانفراد بالعساكر، فكانا من ذلك على ثبج. وجعل لهما مع ذلك الجلوس لمقعد فصله،

стр. 4360

مناوية لتنفيذ الأوامر السلطانيّة، فكانا لذلك رديفين له في سلطانه. ولما اشتدّ وجع السلطان تمشّت سماسرة الفتن بين هذين الأميرين وحزّب أهل المعسكر لهما أحزابها، وبثّ كل واحد منهما المال وحمل على المقربات. وصارت شيعا وانقسموا فرقا. وهمّ الأمير أبو عبد الرحمن بالتوثّب على الأمر قبل أن يتبيّن حال السلطان بإغراء وزرائه وبطانته بذلك. وتفطّن خاصّة السلطان لها، فأخبروه الخبر وحضّوه على الخروج إلى الناس قبل أن يتفاقم الأمر ويتّسع الخرق، فبرز إلى فسطاط جلوسه وتسامع أهل المعسكر به، فازدحموا على مجلسه وتقبيل يده. وتقبّض على أهل الظنّة من العساكر، فأودعهم السجن وسخط على الأميرين. ورحل الناس من معسكرهما، فردّهما إلى معسكره. ثم رجع إلى فسطاطه فارتاب الأميران لذلك ووجما، وطفئت نار فتنتهما وسكن سعي المفسدين عندهما وانتبذ الناس عنهما. فاشتدّت روعة الأمير أبي عبد الرحمن، وركب من فساطيطه وخاض الليل، وأصبح بحلّة أولاد علي [١] أمراء زغبة الموطّنين بأرض حمزة، فتقبّض عليه أميرهم موسى بن أبي الفضل. وردّه إلى أبيه، فاعتقله بوجدة، ورتّب العيون لحراسته من حشمه إلى أن قتل بعد ذلك سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. وثبت بالسجّان فقتله. وأنفذ السلطان حاجبه علّان بن محمد فقضى عليه. ولحق وزيره زيّان بن عمر الوطاسي بالموحدين فأجاروه. ورضي السلطان صبيحة نزوع أبي عبد الرحمن عن أخيه أبي مالك، وعقد له على ثغور عمله بالأندلس، وصرفه إليها، وانكفأ إلى تلمسان. والله أعلم. (الخبر عن خروج ابن هيدور وتلبسيه بابي عبد الرحمن) لما تقبّض السلطان على ابنه عبد الرحمن وأودعه السجن، تفرّق خدمة وحشمه وانذعروا في الجهات. وهمل جازر من مطبخه، كان يعرف بابن هيدور، كان شبيها له في الصورة، فلحق ببني عامر من زغبة، وكانوا لذلك العهد منحرفين عن

стр. 4361

الطاعة، خوارج على الدولة لما كان السلطان وأبوه اختصا عريف بن يحيى أمير بني سويد أقتالهم، منذ نزع إليهم عن أبي تاشفين. فركبوا سنن الخلاف ولبسوا جلدة النفاق، وانتبذوا بالقفار. ورياستهم لذلك العهد لصغير بن عامر وإخوته. وعقد السلطان على حربهم لونزمار ابن وليّه عريف. وكان سيّد البدو يومئذ، فجمع لهم وشمّر لطلبهم، وأبعدوا أمامه في المذاهب، وأوقع بهم مرارا. ولحق بهم هذا الجازر، وانتسب لهم إلى السلطان أبي الحسن وأنه أبو عبد الرحمن ابنه النازع عنه، فشبّه لهم وبايعوه وأجلبوا به على نواحي المرية [١] . وبرز إليهم قائدها مجاهد بن [٢] من صنائع الدولة، ففضّوا جمعه وانهزم أمامهم. ثم جمع لهم ونزمار وفرّوا عن تلك النواحي وافترق جمعهم. ونبذوا لذلك الجازر عهده، فلحق ببني يرناتن من زواوة، ونزل على سيّدتهم شمسي فقامت بأمره. وحمل بنوها من بني عبد الصمد قومهم على طاعته. وشاع في الناس خبره فمن مصدّق ومن مكذّب حتى تبيّنت ووقفوا على كذبه في انتسابه، فنبذوا عهده ولحق بالزواودة أمراء رياح، ونزل على سيّدهم يعقوب بن عليّ، وانتسب له في مثل ذلك، فأجاره إن صدق نسبه. وأوعز السلطان إلى السلطان أبي يحيى صاحب إفريقية في شأنه، فبعث إلى يعقوب وأشخصه إلى السلطان مع ذويه، فلحق به بمكانه من سبتة فامتحنه السلطان وقطعه من خلاف وانحسم دواؤه. وبقي بالمغرب تحت جراية من الدولة إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين وسبعمائة [٣] والله تعالى أعلم. (الخبر عن شأن الجهاد واغزاء السلطان ابنه الأمير ابا مالك واستشهاده) لما فرغ السلطان من أمر عدوّه وما تبع من ذلك من الأحوال، صرف اعتزامه إلى الجهاد لما كان كلفا به. وكان الطاغية منذ شغل بني مرين عن الجهاد منذ عهد يعقوب بن عبد الحق قد اعتزوا على المسلمين بالعدوة. ونازلوا معاقلهم،

стр. 4362

وتغلّبوا على الكثير منها، وارتجعوا الجبل ونازلوا السلطان أبا الوليد في عقر داره بغرناطة. ووضعوا عليه الجزية فتقبّلها وأسفّوا إلى التهام المسلمين بالأندلس. فلما فرغ السلطان أبو الحسن من شأن عدوّه وعلت على الأيدي يده، وانفسح نطاق ملكه، دعته نفسه إلى الجهاد. وأوعز إلى ابنه الأمير أبي مالك أمير الثغور من عمله بالعدوة سنة أربعين وسبعمائة بالدخول إلى دار الحرب، وجهّز إليه العساكر من حضرته وأنفذ إليه الوزراء، فشخص غازيا في الحفل، وتوغّل في بلاد الطاغية واكتسحها، وخرج بالسبي والغنائم إلى أدنى صدره من أرضهم وأناخ بها. واتصل به الخبر بأنّ النصارى جمعوا له، وأغذّوا السير في اتباعه. وأشار عليه الملأ بالخروج من أرضهم وإجازة الوادي الّذي كان تخما بين أرض الإسلام ودار الحرب. وأن يصير إلى مدن المسلمين فيمتنع بها، فلج في إبايته وصمّم على التعريس. وكان قرما ثبتا إلا أنه غير بصير بالحروب لمكان سنه، فصبحهم عساكر النصرانيّة في مضاجعهم قبل أن يركبوا وخاطبوهم في ابايتهم. وأدرك الأمير أبو مالك بالأرض قبل أن يستوي على فرسه فجدلوه واستلحموا الكثير من قومه، واحتووا على المعسكر بما فيه من أموال المسلمين وأموالهم، ورجعوا على أعقابهم. واتصل الخبر بالسلطان فتفجّع لهلاك ابنه، واسترحم له، واحتسب عند الله أجره وفي سبيله قتله. وشرع في إجازة العساكر للجهاد وتجهيز الأساطيل. (الخبر عن واقعة الملند والظفر به وظهور اساطيل المسلمين على اسطول النصارى) لما بلغ الخبر إلى السلطان باستشهاد ابنه، أخرج وزراءه إلى السواحل لتجهيز الأساطيل. وفتح ديوان العطاء، واعترض الجنود وأزاح عللهم. واستنفر أهل المغرب وارتحل إلى سبتة ليباشر أحوال الجهاد. وتسامعت أمم النصرانية بذلك، فاستعدّوا للدفاع. وأخرج الطاغية أسطوله إلى الزقاق ليمنع السلطان من الإجازة. واستحثّ السلطان أساطيل المسلمين من مراسي العدوة. وبعث إلى الموحدين بتجهيز أسطولهم إليه، فعقدوا عليه لزيد بن فرحون قائد أسطول بجاية من صنائع دولتهم، ووافى ستة

стр. 4363

في ستة عشر من أساطيل إفريقية، كان من طرابلس وقابس وجربة وتونس وبونة وبجّاية. وتوافت أساطيل المغربين بمرسى سبتة تناهز المائة. وعقد السلطان عليها لمحمد بن عليّ العزفي الّذي كان صاحب سبتة يوم فتحها، وأمره بمناجزة أسطول النصارى بالزقاق. وقد اكتمل عديدهم وعدّتهم، فاستلأموا وتظاهروا في السلاح. وزحفوا إلى أسطول النصارى وتواقفوا مليا. ثم قرّبوا الأساطيل بعضها إلى بعض وقرنوها للمصاف، فلم يمض إلا كلا ولا [١] حتى هبّت ريح النصر، وأظفر الله المسلمين بعدوّهم، وخالطوهم في أساطيلهم واستلحموهم هبرا بالسيوف، وطعنا بالرماح، وألقوا أشلاءهم في اليم وقتلوا قائدهم الملند واستاقوا أساطيلهم مجنوبة إلى مرسى سبتة، فبرز الناس لمشاهدتها وطيف بكثير من رءوسهم في جوانب البلد. ونظمت أصفاد الأسرى بدار الإنشاء. وعظم الفتح وجلس السلطان للتهنئة، وأنشدت الشعراء بين يديه، وكان يوما من أعز الأيام، والمنّة للَّه. (الخبر عن واقعة طريف وتمحيص المسلمين) لما ظفر المسلمون بأسطول النصارى وخضّدوا شوكتهم عن ممانعة الجواز، شرع السلطان في إجازة العساكر الغزاة من المطوّعة والمرتزقة، وانتظمت الأساطيل سلسلة واحدة من العدوة إلى العدوة. ولما استكمل إجازة العساكر أجاز هو في أسطوله مع خاصّته وحشمه آخر سنة أربعين وسبعمائة ونزل بساحة طريف وأناخ بعساكره عليها، واضطرب معسكره بفنائها، وبدأ بمنازلتها. ووافاه سلطان الأندلس أبو الحجّاج ابن السلطان أبي الوليد بعسكر الأندلس من غزاة زناتة وحامية الثغور ورجل البدو، فعسكروا حذاء معسكره وأحاطوا بطريف نطاقا واحدا، وأنزلوا بهم أنواع القتال، ونصبوا عليها الآلات. وجهّز الطاغية أسطولا آخر اعترض به الزقاق لقطع المرافق عن المعسكر، وطال ثواؤهم [٢] بمكانهم من حصار البلد، ففنيت أزودتهم وافتقدوا العلوفات، فوهن الظهر واختلّت أحوال المعسكر. واحتشد الطاغية أمم النصرانيّة

стр. 4364

وظاهره البرتقال صاحب أشبونة، وغرب الأندلس، فجاء معه في قومه. وزحف إليهم لستة أشهر من نزولهم. ولما قرب معسكرهم سرّب إلى طريف جيشا من النصارى أكمنه بها، فدخلوه ليلا على حين غفلة من العسس الّذي أرصد لهم. وأحسّوا بهم آخر ليلتهم، فثاروا بهم من مراصدهم وأدركوا أعقابهم قبل دخول البلد، فقتلوا منهم عددا ولبسوا على السلطان بأنه لم يدخل البلد سواهم حذرا من سطوته. وزحف الطاغية من الغد في جموعه، وعبّى السلطان مواكب المسلمين صفوفا، وتزاحفوا ولما نشب الحرب برز الجيش الكمين من البلد وخالفوهم إلى المعسكر، وعمدوا إلى فسطاط السلطان ودافعهم عنه الناشبة الذين أعدّوا لحراسته فاستلحموهم. ثم دافعهم النساء عن أنفسهنّ فقتلوهنّ وخلصوا إلى خطايا السلطان: عائشة بنت عمه أبي يحيى بن يعقوب، وفاطمة بنت مولانا السلطان أبي يحيى ملك إفريقية، وغيرهما من حظاياه فقتلوهنّ واستلبوهنّ. وانتهبوا سائر الفساطيط وأضرموا المعسكر نارا وأحس المسلمون بما وراءهم في معسكرهم فاختلّ مصافهم وارتدّوا على أعقابهم بعد أن كان ابن السلطان صمم في طائفة من قومه وذويه حتى خالطهم في صفوفهم، فأحاطوا به وتقبّضوا عليه، وولّى السلطان متحيزا إلى فئة المسلمين، واستشهد كثير من الغزاة ووصل الطاغية إلى فسطاط السلطان من المحلّة وأنكر قتل النساء والولدان، ووقف منه لمنتهى أثره، وانكفأ راجعا إلى بلاده، ولحق ابن الأحمر بغرناطة، وخلص السلطان إلى الجزيرة، ثم إلى الجبل. ثم ركب السفين إلى سبتة في ليله ومحّص الله المسلمين وأجزل ثوابهم. وأرجأ لهم الكرّة على عدوّهم. (الخبر عن منازلة الطاغية الجزيرة، ثم تغلبه عليها بعد أن غلب على القلعة من ثغور ابن الأحمر) لما رجع الطاغية من طريف استأسد على المسلمين بالأندلس، وطمع في التهامهم، وجمع عساكر النصرانية، ونازل قلعة بني سعيد ثغر غرناطة. وعلى مرحلة منها وجمع الآلات والأيدي على حصارها، واشتدّ مخنقها وأصابهم الجهد من العطش، فنزلوا على حكمه سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة وأدال الله الطيب منها بالخبيث، وانصرف إلى بلده. وكان السلطان أبو الحسن لما أجاز إلى سبتة أخذ نفسه بالعودة إلى الجهاد لرجع

стр. 4365

الكرّة وبعث في الأمصار للاستنفار، وأخرج قوّاده إلى سواحل البحر لتجهيز الأساطيل حتى اكتمل له منها عدد. ثم ارتحل إلى سبتة لمشارفتها، وقدّم عساكره إلى العدوة مع وزيره عسكر بن تاحضريت. وبعث على الجزيرة محمد بن العبّاس بن تاحضريت من قرابة الوزير، وبعثه إليها مددا من العسكر مع موسى بن إبراهيم اليرنياني من المرشحين للوزارة ببابه، وبلغ الطاغية خبره فجهّز أسطوله وأجراه إلى بحر الزقاق لمدافعته. وتلاقت الأساطيل ومحّص الله المسلمين واستشهد منهم أعاد وتغلب أسطول الطاغية على بحر الزقاق وملكوه دون المسلمين وأقبل الطاغية من إشبيلية في عساكر النصرانية حتى أناخ بها على الجزيرة الخضراء مرفا أساطيل المسلمين وفرضة المجاز. وأمّل أن ينظمها في مملكته مع جارتها طريف، وحشد الفعلة والصنّاع للآلات، وجمع الأيدي عليها وطاولها الحصار. واتخذ أهل المعسكر بيوتا من الخشب للمطاولة. وجاء السلطان أبو الحجّاج بعساكر الأندلس فنزل قبالة الطاغية بظاهر جبل الفتح في سبيل الممانعة. وأقام السلطان أبو الحسن بمكانه من سبتة ليسرّب عليها المدد من الفرسان والمال والزرع في أحايين الفعلة من أساطيلهم، وتحت جناح الليل، فلم يغنهم ذلك، واشتدّ عليهم الحصار وأصابهم الجهد. وأجاز إليه السلطان أبو الحجّاج يفاوضه في شأن السلم مع الطاغية، بعد إذن الطاغية له في الإجازة مكرا به وترصّد له بعض الأساطيل في طريقه فصدقهم المسلمون القتال وخلصوا إلى الساحل بعد غصّ الريق، وضاقت أحوال الجزيرة ومن كان بها من عساكر السلطان. وسألوا من الطاغية الأمان على أن ينزلوا عن البلد فبذله وخرجوا فوفّى لهم. وأجازوا إلى المغرب سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة فأنزلهم السلطان ببلاده على خير نزل، ولقّاهم من المبرّة والكرامة ما أعاضهم ممّا فاتهم، وخلع عليهم وحملهم وأجازهم بما تحدّث به الناس. وتقبّض على وزيره عسكر بن تاحضريت عقوبة على تقصيره في المدافعة، مع تمكّنه منها بما كان لديه من العساكر. وانكفأ السلطان إلى حضرته موقنا بظهور أمر الله، وإنجاز وعده في رجوع الكرّة وعلوّ الدين. والله متمّ نوره ولو كره الكافرون .

стр. 4366

(الخبر عن شفاعة صاحب تونس في أولاد أبي العلاء ووصولهم الى السلطان) كان عثمان بن أبي العلاء من أعياض آل عبد الحق، شيخ الغزاة المجاهدين من زناتة والبربر بالأندلس. وكان له فيها مقام معلوم في حماية الثغور ومدافعة العدوّ، وغزو دار الحرب، ومساهمة صاحب الأندلس الجهاد كما نستوفي أخباره. وكان السلطان أبو سعيد لما استصرخ بأهل الأندلس اعتذر بمكانه بينهم. واشترط عليهم أن يمكّنوه من قياده حتى يقضي نوبة الجهاد، فلم يسعفوه بذلك. ولمّا هلك عثمان بن أبي العلاء، قام بالأمر من بعده في مراسم الجهاد بنوه وكانوا يرجعون في رياستهم إلى كبيرهم أبي ثابت عامر. وقويت عصابتهم بالموالي والأبناء، وغلبت على يد السلطان يدهم، واستبدّوا عليه في أكثر الأحوال، واستنكف لها، وكان ذلك مما دعاه إلى القدوم على السلطان أبي الحسن. وارتاب بنو أبي العلاء في إجازته إليه، واتهموه على أنفسهم، وأسعدهم إلى منازلة جبل الفتح على كره. فلمّا تغلّب المسلمون عليه، وقضى ابن الأحمر من مدافعة الطاغية عنه بالرغبة ما قضى كما ذكرناه، واعتزم على القفول إلى حضرته، أجمعوا الفتك به في طريقه. وداخلوا في ذلك مولاه ابن المعلوجي لما أسفهم به من إرهاف حدّه والتضييق عليهم في جاههم، فبرموا وطووا على البث [١] ، حتى إذا وجدوا من أبي العلاء صاغية إلى ذلك، خفّوا إلى إجابتها، ونذر بهم محمد بن الأحمر فبعث عن السفن تعرضه في طريقه [٢] وساحل إليهم، وتسابقوا لشأنهم قبل فوته، فأدركوه دون حصن أصطبونة. وعتبوه فاستعتب، وأغلظوا له في القول، وقتلوا مولاه عاصما صاحب ديوان العطاء تجنّيا عليه. ونكر ذلك السلطان فتناولوه بالرماح قعصا وطعنا حتى أقعصوه. ورجعوا إلى المعسكر فاستدعوا من كان داخلهم من الموالي. وجاءوا بأخيه أبي الحجّاج يوسف بن أبي الوليد، فبايعوا له وأصفقوا على تقديمه. وسرّح لحينه قائده ابن عزّون، فاستولى له على دار ملكه، وتمّ أمره وحجبه رضوان مولى أبيهم، واستبدّ عليه، وسكن بين

стр. 4367

جنبيه من بني أبي العلاء وقتلهم لأخيه داء دخيل، حتى إذا سما السلطان أبو الحسن إلى الجهاد، وأجاز المدد إلى ثغور عمله بالأندلس، وعقد لابنه الأمير أبي مالك، أسرّ إليهم في شأن بني أبي العلاء بما كان أبوه السلطان أبو سعيد اشترط عليهم في مثلها. ووافق منه داعية لذلك فتقبّض عليهم أبو الحجّاج وأودعهم المطبق أجمع. ثم أشخصهم في السفين إلى مراسي إفريقية، فنزلوا بتونس على مولانا السلطان أبي يحيى. وبعث فيهم السلطان أبو الحسن إليه فاعتقلهم، ثم أوعز إليه مع عريف الوزعة ببابه ميمون بن بكرون في إشخاصهم إلى حضرته، فتوقّف عنها. وأبى من إخفار ذمّتهم ووسوس إليه وزيره أبو محمد بن تافراكين بأن مقصد السلطان فيهم غير ما ظنّوا به من الشرّ. ورغب ببعثهم إليه والمبالغة في الشفاعة فيهم، علما بأنّ شفاعته لا تردّ فأجابه لذلك، وجنبوهم إليه مع ابن بكرون. واتبعهم أبو محمد بن تافراكين بكتاب الشفاعة فيهم من السلطان. وقدموا على السلطان أبي الحسن مرجعه من الجهاد سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة فتلقّاهم بالبرّ والترحيب إكراما لشفيعهم. وأنزلهم بمعسكره وجنّب لهم المقرّبات بالمراكب الثقيلة، وضرب لهم الفساطيط، وأسنى لهم الخلع والجوائز وفرض لهم أعلى رتب العطاء وصاروا في جملته. ولمّا احتل بسبتة لمشارفة أحوال الجزيرة، سعى عنده فيهم بأنّ كثيرا من المفسدين يداخلونهم في الخروج والتوثّب على الملك، فتقبّض عليهم وأودعهم في السجن بمكناسة، إلى أن كان من خبرهم مع ابنه أبي عنّان ما نذكره إن شاء الله تعالى، والله أعلم. (الخبر عن هدية السلطان الى المشرق وبعثه بنسخ المصحف من خطه الى الحرمين والقدس) كان للسلطان أبي الحسن مذهب في ولاية ملوك المشرق، والكلف بالمعاهد الشريفة تقبّله من سلفه. وضاعفه لديه متن ديانته. ولمّا قضى من أمر تلمسان ما قضى، وتغلّب على المغرب الأوسط، وصار أهل النواحي تحت ربقة منه، واستطال بجناح سلطانه، خاطب لحينه صاحب مصر والشام محمد بن قلاوون الملك الناصر، وعرّفه بالفتح وارتفاع العوائق عن الحاج في سابلتهم. وكان فرانقه [١] في ذلك

стр. 4368

فارس بن ميمون بن وردار. وعاد بجواب الكتاب وتقرير المودّة بين السلف. وأجمع السلطان على كتب نسخة عتيقة من المصحف الكريم بخط يده ليوقفها بالحرم الشريف قربة إلى الله تعالى، وابتغاء للمثوبة، فانتسخها وجمع الورّاقين لمعاناة تذهيبها وتنميقها، والقرّاء لضبطها وتهذيبها حتى اكتمل شأنها، وصنع لها وعاء مؤلفا من خشب الأبنوس والعاج والصندل فائق الصنعة وغشي بصفائح الذهب ونظم الجوهر والياقوت واتخذ له اصونه الجلد المحكمة الصنعة وغشّي بصفائح الذهب، ونظم بالجوهر والياقوت، واتخذت له أصونة الجلد المحكمة الصناعة، المرقوم أديمها بخطوط الذهب من فوقها غلاف الحرير والديباج وأغشية الكتّان. وأخرج من خزائنه أموالا عينها لشراء الضياع بالمشرق لتكون وقفا على القرّاء فيها، وأوفد على الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر والشام، خواص مجلسه وكبار أهل دولته، مثل عريف بن يحيى أمير زغبة، والسابق المقدّم في بساطه على كل خالصة عطيّة بن مهلهل بن يحيى كبير الخولة. وبعث كاتبه أبا الفضل بن محمد بن أبي مدين وعريف الوزعة ببابه وصاحب دولته عبو بن قاسم المزوار [١] ، واحتفل في الهدية للمزوار للسلطان صاحب مصر احتفالا تحدّث الناس به دهرا. ووقفت على برنامج الهدية بخط أبي الفضل بن أبي مدين هذا الرسول ووعيته وأنسيته وذكر لي بعض قهارمة الدار أنه كان فيها خمسمائة من عتاق الخيل المقرّبات، بسروج الذهب والفضة ولجمها، خالصا ومغشي ومموها، وخمسمائة حمل من متاع المغرب وما عونه وأسلحته، ومن نسج الصوف المحكّم ثيابا وأكسية وبرانس وعمائم، وأزرا معلمة وغير معلمة. ومن نسج الحرير الفائق المعلم بالذهب ملوّنا وغير ملوّن، وساذجا ومنمّقا. ومن الدّرق المجلوبة من بلاد الصحراء المحكمة بالدباغ المتعارف، وتنسب إلى اللمط. ومن خرثيّ المغرب وما عونه وما يستظرف صناعته بالمشرق، حتى لقد كان فيها مكيل من حصى الجوهر والياقوت. واعتزمت حظية من حظايا أبيه على الحج في ركابه ذلك، فأذن لها واستبلغ في تكريمها. واستوصى بها وافده وسلطان مصر في كتابه. وفصلوا من تلمسان سنة [٢] وأدّوا رسالتهم إلى الملك الناصر وهديتهم،

стр. 4369

فتقبّلها وحسن لديه موقعها. وكان يوم وفادتهم عليه بمصر يوما مشهودا، تحدّث به الناس دهرا، ولقاهم في طريقهم أنواع البرّ والتكرمة حتى قضوا فرضهم، ووضعوا المصحف الكريم حيث أمرهم صاحبهم. وأسنى هدية السلطان من فساطيطهم الغريبة الشكل والصنعة بالمغرب، ومن ثياب الإسكندرية البديعة النسج المرقومة بالذهب، ورجّعهم بها إلى مرسلهم وقد استبلغ في تكريمهم ووصلتهم. وبقي حديث هذه الهديّة مذكورا بين الناس لهذا العهد. ثم انتسخ السلطان نسخة أخرى من المصحف الكريم على القانون الأوّل، ووقفها على القراءة بالمدينة، وبعث بها من تخيّره لذلك العهد من أهل دولته. سنة [١] واتصلت الولاية بينه وبين الملك الناصر إلى أن هلك سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وولي الأمر من بعده ابنه أبو الفداء إسماعيل، فخاطبه السلطان وأتحفه وعزّاه عن أبيه، وأوفد عليه كاتبه وصاحب ديوان الخراج أبا الفضل بن عبد الله بن أبي مدين فقضى من وفادته ما حمل. وكان شأنه عجبا في إظهار أبّهة سلطانه، والإنفاق على المستضعفين من الحاج في طريقه، واتحاف رجال الدولة التركيّة بدأت يده والتعفّف عمّا في أيديهم. ثم شرع بعد استيلائه على إفريقية كما نذكره في كتاب نسخة أخرى من المصحف الكريم ليوقفها ببيت المقدس، فلم يقدر إتمامها، وهلك قبل فراغه من نسخها، كما نذكره إن شاء الله تعالى. (الخبر عن هدية السلطان الى ملك مالي من السودان المجاورين للمغرب) كان للسلطان أبي الحسن مذهب في الفخر يتطاول به إلى مناغات الملوك الأعاظم واقتفاء سننهم في مهاداة الأقتال والأمصار [٢] ، وإيفاد الرسل على ملوك النواحي القاصية والتخوم البعيدة. وكان ملك مالي أعظم ملوك السودان لعهده مجاورا لملكه بالمغرب على مائة مرحلة في القفر من ثغور ممالكه القبليّة. ولمّا غلب بني عبد الواد على تلمسان وابتزّهم ملكهم، واستولى على ممالك المغرب الأوسط، وتحدّث الناس

стр. 4370

بشأن أبي تاشفين وحصاره ومقتله، وما كان للسلطان في ذلك من سورة التغلّب وآية العزّ وإهانة العدو وشاعت أخبار ذلك في الآفاق. وسما سلطان مالي منسا موسى المتقدّم ذكره في أخبارهم إلى مخاطبته. فأوفد عليه فرانقين من أهل مملكته مع ترجمان من الملثّمين المجاورين لممالكهم من صنهاجة، فوفدوا على السلطان في التهنئة بالغلب والظفر بالعدو، فأكرم وفادتهم وأحسن مثواهم ومنقلبهم. ونزع إلى طريقته في الفخر، فأتحف طرفا من متاع المغرب وماعونه من ذخيرة داره وأسناها، وعيّن رجالا من أهل دولته، كان فيهم كاتب الديوان أبو طالب بن محمد بن أبي مدين ومولاه عنبر الخصيّ. وأوفدهم بها على ملك مالي منسا سليمان بن منسا موسى، لمهلك أبيه قبل مرجع وفده. وأوعز إلى أعراب الفلاة من المعقل بالسير معهم ذاهبين وجائين، فشمّر لذلك علي بن غانم أمير أولاد جار الله من المعقل، وصحبهم في طريقهم امتثالا لأمر السلطان. وتوغّل ذلك الركاب في القفر إلى بلد مالي بعد الجهد وطول المشقة، فأحسن مبرّتهم وأعظم موصلهم وأكرم وفادتهم ومنقلبهم. وعادوا إلى مرسلهم في وفد من كبار مالي يعظّمون سلطانه، ويوجبون حقّه، ويؤدّون طاعته من خضوع مرسلهم وقيامه بحق السلطان واعتماله في مرضاته ما استوصاهم به، فأدّوا رسالتهم وبلغ السلطان أربا من اعتزازه على الملوك وخضوعهم لسلطانه، وقضاء حقّ الشكر للَّه في صنعه. (الخبر عن اصهار السلطان الى صاحب تونس) لما هلكت ابنة السلطان أبي يحيى بطريف فيمن هلك من حظايا السلطان أبي الحسن بفساطيطه، بقي في نفسه منها شيء حنينا إلى ما شغفته به من خلالها وعزة سلطانها، وقيامها على بيتها، وظفرها في تصريفها [١] ، والاستمتاع بأصول الترف ولذاذة العيش في عشيرتها، فسما أمله إلى الاعتياض عنها ببعض أخواتها. وأوفد في خطبتها وليّه عريف بن يحيى أمير زغبة، وكاتب الجباية والعساكر بدولته أبا الفضل ابن عبد الله بن أبي مدين، وفقيه الفتوى بمجلسه أبا عبد الله محمد بن سليمان

стр. 4371

السطي، ومولاه عنبر الخصّي، فوفدوا يوم مثنى من سنة ست وأربعين وسبعمائة وأنزلوا منزل البرّ، واستبلغ في تكريمهم ودسّ الحاجب أبو عبد الله بن تافراكين إلى سلطانه غرض وفادتهم، فأبى من ذلك صونا لحرمة عن جولة الأقطار وتحكّم الرجال، واستعظاما لمثل هذا العرس. ولم يزل حاجبه ابن تافراكين يخفض عليه الشأن ويعظّم عليه حقّ السلطان أبي الحسن في ردّ خطبته مع الأذمّة السابقة بينهما من الصهر والمخالصة إلى أن أجاب وأسعف. وجعل ذلك إليه فانعقد الصهر بينهما وأخذ الحاجب في شوار العروس، وتأنق فيه واحتفل واستكثر وطال ثواء الرسل إلى أن استكمل وارتحلوا من تونس لربيع من سنة تسع [١] وأربعين وسبعمائة وأوعز مولانا السلطان أبو يحيى إلى ابنه الفضل صاحب بونة وشقيق هذا العروس أن يزفّها على السلطان أبي الحسن قياما بحقّه، وبعث من بابه مشيخة من الموحدين مقدّمهم عبد الواحد بن محمد بن أكمازير، صحبوا ركابها إليه. ووفدوا جميعا على السلطان واتصل الخبر أثناء طريقهم بمهلك مولانا السلطان أبي يحيى عفا الله عنه، فعزاهم السلطان أبو الحسن عنه عند ما وصلوا إليه، واستبلغ في تكريمهم وأجمل موعد أخيها الفضل بسلطانه ومظاهرته على تراث أبيه فاطمأنت به الدار الى أن سار في جملة السلطان وتحت ألويته إلى إفريقية كما نذكر إن شاء الله تعالى. (الخبر عن حركة السلطان الى إفريقية واستيلائه عليها) كان السلطان أبو الحسن قد امتدّت عينه إلى ملك إفريقية لولا مكان السلطان أبي يحيى من ولايته وصهره، وأقام يتحيّن لها الأوقات، ولمّا بعث إليه في الصهر وأشيع بتلمسان أن الموحدين ردّوا خطبته، نهض من المنصورة بتلمسان وأغذّ السير إلى فاس ففتح ديوان العطاء، وأزاح علل العسكر، وعقد على المغرب الأقصى لحافده منصور ابن الأمير أبي مالك، وفوّض إلى الحسن بن سليمان بن يرزيكن في أحكام الشرطة، وعقد له على الضاحية، وارتحل إلى تلمسان مضمرا الحركة إلى إفريقية حتى إذا جاء الخبر اليقين بالإسعاف والزفاف سكن عزمه [٢] وهدأ طائره. فلمّا هلك السلطان أبو

стр. 4372

يحيى في رجب من سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وكان من قيام ابنه عمر بالأمر، ونزوع الحاجب أبي محمد بن تافراكين في رمضان منها ما ذكرناه، تحرّكت عزائم السلطان لذلك. ورغبه ابن تافراكين في ملك الموحّدين، فرغب وجاء على أثره الخبر بما كان من قتل عمر لأخيه أحمد وليّ العهد، وكان يستظهر على عهده بكتاب أبيه، وما أودعه السلطان بحاشيته من الوفاق على ذلك بخطه، واقتضاه منه حاجبه أبو القاسم بن عتّو في سفارته إليه، فامتعض السلطان لما أضاع عمر من عهد أبيه، وهدر من دم أخيه. وارتكب مذاهب العقوق فيهم، وخرق السباج الّذي فرضه بخطّه عليهم، فأجمع الحركة إلى إفريقية ولحق به خالد بن حمزة بن عمر نازعا إليه ومستغذّا مسيره، ففتح ديوان العطاء ونادى في الناس بالمسير إلى إفريقية، وأزاح عللهم. وكان صاحب بجاية المولى أبو عبد الله حافد مولانا الأمير أبي يحيى، وفد على السلطان أبي الحسن إثر مهلك جدّه بقرب المآب [١] بسفارة أبيه إليه، ويطلب الإقرار على عمله. فلما استيأس منه واستيقن حركته بنفسه إلى إفريقية، طلب الرجوع إلى مكانه فأسعف وفصل إلى بجاية. ولما قضى السلطان منسك الأضحى من سنة تسع وأربعين وسبعمائة عقد لابنه الأمير أبي عنّان على المغرب الأوسط، وعهد إليه بالنظر في أموره كافة، وجعل إليه جبايته، وارتحل يريد إفريقية. وسار في جملته هو وخالد بن حمزة أمير البدو. ولما احتلّ بوهران ووافاه هنالك وفد قسطيلة وبلاد الجريد، يقدمهم أحمد بن مكي أمير حربه [٢] ورديف أخيه عبد الملك في إمارته، ويحيى بن محمد بن يملول أمير توزر سقط إليها بعد خروج الأمير أبي عمر العبّاس ولي العهد عنها، ومهلكه بتونس، وأحمد بن عامر بن العابد رئيس نفطة، رجعا إليهما كذلك بعد مهلك وليّ العهد، فلقيه هؤلاء الرؤساء بوهران في ملإ من وجوه بلادهم، فآتوه بيعتهم وقضوا حق طاعته. وتثاقل محمد بن ثابت أمير طرابلس عن اللحاق به، فبعث بيعته معهم، فأكرم وفدهم وعقد لهم على أمصارهم، وصرفهم إلى أعمالهم. وتمسّك بأحمد بن مكي لصحابة ركابه، وفي جملته، وأغذّ السير. ولما احتل ببني حسن من أعمال بجاية، وافاه بها منصور بن فضل بن مزني أمير بسكرة وبلاد الزاب في وفد من أهل

стр. 4373

وطنه، ويعقوب بن علي بن أحمد سيّد الزواودة وأمير البدو بضاحية بجاية وقسنطينة، فتلقّاهم بالمبرّة والاحتفاء وألزمهم ساقته. وسرّح بين يديه قائده حمو بن يحيى العسكري [١] من صنائع أبيه، فلمّا عسكر بساحة بجاية أبو عبد الله وأبي عليه أهل البلد رهبة من السلطان ورغبة فيه، وانفضّوا من حوله، ولحقت مشيختهم من القضاة وأهل الفتيا والشورى بمجلس السلطان. وسابقهم إليه حاجبه فارح مولى ابن سيد الناس، فأدّى طاعته ورجّعه إليه للخروج للقاء ركابه. وارتحل حتى إذا أطلّت راياته على البلد، بادر المولى أبو عبد الله ولقيه بساحة البلد، واعتذر من تخلّفه فتقبّل عذره وأحله من البرّ والتكرمة محل الولد العزيز. وأقطعه عمل كومية من نواحي هنين، وأسنى جرايته بتلمسان وأصحبه إلى ابنه أبي عنّان صاحب المغرب الأوسط واستوصاه به. ودخل بجاية فرفع عنهم الظلامات وحطّ عنهم الربع من المغارم. ونظر في أحوال ثغورها فثقفها وسدّ فروجها. وعقد عليها لمحمد بن النوار [٢] من طبقة الوزراء والمرشحين لها، وأنزل معه حامية من بني مرين. وكاتب الخراج ببابه بركات بن حسّون بن البوّاق، وارتحل مغذّا لسيرة حتى احتل بقسطينة. وتلقّاه أميرها أبو زيد حافد مولانا السلطان أبي يحيى وأخواه أبو العبّاس أحمد وأبو يحيى زكريا وسائر إخوتهم، فأتوه ببيعتهم ونزلوا له عن عملهم. وأدالهم السلطان منه بندرومة من عمل تلمسان، عقد للمولى أبي زيد على إمارتها، وجعل له إسوة إخوته في أقطاع جبايتها، ودخل البلد وعقد عليها لمحمد بن العبّاس، وانزل معه العبّاس بن عمر في قومه من بني عسكر. وأمضى أقطاعات الزواودة ووافاه هنالك عمر بن حمزة سيّد الكعوب لعهده وأمير البدو مستحثا لركابه. وأخبره برحيل السلطان عمر ابن مولانا السلطان أبي يحيى من تونس فيمن اجتمع إليه من أولاد مهلهل أقتالهم من الكعوب موجها إلى ناحية قابس. وأشار على السلطان بتسريح العساكر لاعتراضه قبل أن يخلص إلى طرابلس، فسرّح معه حمّو بن يحيى العسكري قائده في عسكر من بني مرين والجند. وارتحلوا في اتباع السلطان أبي حفص، وتلوّم السلطان أبو الحسن بقسنطينة، واعترض عساكره بسطح الجعاب منها. وصرف يوسف بن مزني إلى عمله بالزاب، بعد أن خلع عليه وحمله.

стр. 4374

ثم عقد للمولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى على مكان عمله ببونة، وملأ حقائبه جائزة وخلعا نفيسة وسرّحه، ثم ارتحل على أثرهم وأوعز حمّو بن يحيى مع الناجعة من أولاد أبي الليل، ولحقوا بالأمير أبي حفص بمباركة من ناحية قابس، فأوقعوا به وتردّى عن فرسه في حومة القتال هو ومولاه ظافر السنان القائم بدولته من المعلوجي، فتقبّض عليهما وسيقا إلى أبي حمّو فاعتقلهما إلى الليل، ثم ذبحهما وأنفذ برءوسهما إلى السلطان. ولحق الفلّ بقابس، فتقبّض عبد الملك بن مكي على أبي القاسم بن عتّو صاحب الأمير أبي حفص وشيخ الموحدين، وعلى صخر بن موسى شيخ بني سكين من سدويكش فيمن تقبّض عليه من ذلك الفلّ، وأشخصهم مقرنين في الأصفاد إلى السلطان. وسرّح السلطان عساكره إلى تونس، وعقد عليهم ليحيى بن سليمان صهره من بني عسكر على ابنته، وأنفذ معه أحمد بن مكي فاحتلوا بتونس، واستولوا عليها. وانطلق ابن مكي إلى مكان عمله من هنالك لما عقد له السلطان عليه وسرّحه إليه بعد أن خلع عليه وعلى حاشيته وحمّلهم. ونزل السلطان بناحية باجة، فوافاه هنالك البريد برأس الأمير أبي حفص. وعظم الفتح. ثم ارتحل إلى تونس واحتلّ بها يوم الأربعاء الثامن لجمادى الآخرة من سنة ثمان. وتلقّاه وفد تونس وملؤها من شيوخ الشورى وأرباب الفتيا، فآتوا طاعتهم وانقلبوا مسرورين بملكتهم. ثم عبّى يوم السبت إلى دخولها مواكبه، وصفّ جنوده سماطين من معسكره بسيجوم إلى باب البلد يناهز ثلاثة أميال أو أربعة. وركب بنو مرين إلى مراكزهم في جموعهم وتحت راياتهم. وركب السلطان من فسطاطه وراكبه من على يمينه وليّه عريف بن يحيى أمير زغبة، ويليه أبو محمد عبد الله بن تافراكين ومن على يساره الأمير أبو عبد الله محمد أخو مولانا السلطان أبي يحيى، ويليه الأمير أبو عبد الله ابن أخيه خالد، كانا معتقلين بقسنطينة مع ولدهما منذ خروج أخيه الأمير أبي فارس فأطلقهم السلطان أبو الحسن وصحبوه إلى تونس، فكانوا طرازا في ذلك الموكب فيمن لا يحصى من أعياص بني مرين وكبرائهم. وهدرت طبوله، وخفقت راياته، وكانت يومئذ مائة. وجاء والمواكب تجتمع عليه صفّا صفّا إلى أن وصل إلى البلد، وقد ماجت الأرض بالجيوش، وكان يوما لم ير مثله فيما عقلناه. ودخل السلطان إلى القصر وخلع على أبي محمد بن تافراكين كسوته وقرّب إليه فرسه بسرجه ولجامه. وطعم الناس بين يديه وانتشروا. ودخل السلطان مع أبي محمد بن تافراكين إلى حجر

стр. 4375

القصر ومساكن الخلفاء، فطاف عليها ودخل منه إلى الرياض المتصلة به المدعوّة برأس الطابية، فطاف على بساتينه وجوائزه، وأفضى منه إلى معسكره وأنزل يحيى ابن سليمان بقصبة تونس في عسكر لحمايتها. ووصل إليه فلّ الأمير أبي حفص والأسرى بقابس مقرنين في أصفادهم، فأودعهم السجن بعد أن قطع أبا القاسم بن عتّو وصخر بن موسى من خلاف، لفتيا الفقهاء بحرابتهم [١] . وارتحل من الغد إلى القيروان فجال في نواحيها. ووقف على آثار الأوّلين ومصانع الأقدمين والطلول الماثلة لصنهاجة والعبيديين، وزار أجداث العلماء والصالحين. ثم سار إلى المهديّة ووقف على ساحل البحر، ونظر في عاقبة الذين كانوا من قبل أشدّ قوّة وآثارا في الأرض، واعتبر بأحوالهم. ومرّ في طريقه بقصر الأجم ورباط المنستير، وانكفأ راجعا إلى تونس، واحتل بها غرّة رمضان وأنزل المسالح على ثغور إفريقية، وأقطع بني مرين البلاد والضواحي، وأمضى أقطاعات الموحّدين للعرب. واستعمل على الجهات وسكن القصر وقد عظم الفتح وعظمت في الاستيلاء على الممالك والدول المنّة. واتصلت ممالكه ما بين مسراته والسوس الأقصى من هذه العدوة، وإلى رندة من عدوة الأندلس. والملك للَّه يؤتيه من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين ودفع إليه الشعراء بتونس يهنّئونه بالفتح، وكان سابقهم في تلك النوبة أبو القاسم الرحوي من ناشئة أهل الأدب فرفع إليه قوله: أجابك شرق إذ دعوت ومغرب ... فمكّة هشّت للّقاء ويثرب وناداك مصر والعراق وشامه ... بدارا، فصدع الدين عندك يشعب وحيّتك أو كادت تحيّى منابر ... عليها دعاة الحقّ باسمك تخطب فسارع منّا كلّ دان وشاسع ... إلى طاعة من طاعة الله تحسب وتاقت لك الأرواح حبّا ورغبة ... وأنت على الآمال تنأى وتقرب ففي البلدة البيضاء معشر ... وأنت بأفق الناصريّة ترقب ووافتك من ذات النخيل وفودها ... فلقاهم أهل لديك ومرحب ولم تتلكّأ عن إباء بجاية ... ولكنّ تراض الصعب حينا وتركب تأبّت فلمّا أن أطلّت عساكر ... ترى الشهب منها تستباح وتنهب

стр. 4376

تبادر منهم مذعن ومسلم ... وأذعن منهم شاغب ومؤلّب وما تونس إلّا بمصر مروع ... وفي حرم أمست لديك تسرّب وما أهلها إلا بغاث لصائد ... وبالعزّ منها استنصروا وتعقّبوا وقد كنت قبل اليوم كهف زعيمهم ... فها أنت كهف للجميع ومهرب فكل يرى أنّ الزمان أداله ... بكم فأجاب العيش والعيش مخصب وكذلك ابن طائع وإن اعتلت ... به السنّ أحوالا وأنت له أب وما ذاك إلا أن عدلك ينتمي ... إلى الخلفاء الراشدين وينسب تساميت في ملك ونسك بحظة ... حذيّاك محراب لديها ومركب إذا لذّ للأملاك خمر مدامة ... فلذّ لك القرآن يتلى ويكتب وإن أد من القوم الصبوح فإنّما ... على ركعات بالضحى أنت تدأب وإن حمدوا الشرب الغبوق فإنّما ... شرابك بالإمساء ذكر مرتّب وإن خشنت أخلاقهم وتحجّبوا ... فما أنت فظّ بل، ولا متحجّب [١] لقد كرمت منك السجايا فأصبحت ... إذا ما أمرّ الدهر تحلو وتعذب كما شيّدت بيتا في ذؤابة معشر ... يزيدهم قحطان فخرا ويغرب هم التاركو قلب القساور خضّعا ... وعن شأوهم كفّت عبيد وأغلب هم الناس والأملاك تحت جوارهم ... هم العظم الأرض العظيمة مغرب [٢] هم المالكو الملك العظيم فبيتهم [٣] ... على كاهل السبع الشداد مطنّب لقد أصبحت بغداد تحسد بأسهم ... وحلة ودّت أن تكون مناسب [٤] تجلّت ببيت [٥] المجد منهم كواكب ... لقد حلّ منها شارق ومغرّب فاللَّه منهم ثلّة بغريبة [٦] ... يروم بناها الأعجميّ فيعرب لقد قام عبد الحقّ للحقّ طالبا ... فما فاته منه الّذي قام يطلب وأعقب يعقوبا يؤم سبيله ... فلم يخطه وهو السبيل المنجب [٧]

стр. 4377

وخلّف عثمانا فلله صارم ... به بان للإسلام شرع ومذهب فكم في سبيل الله شنّ إغارة ... لما شاد أهل الكفر أمست تخرّب ولمّا أراد الله إتمام منّة ... تقلّدها منّا مطيع ومذنب أتى بك للدين الحنيفيّ آية ... تعرّى بها عن لامع الحقّ غيهب فجئت بما يرضى به الله سالكا ... سبيلا إلى رضوانه بك يذهب وقمت بأمر الله حقّ قيامه ... يناضل عنه منك نضل مدرّب وأصبح أهل الله أهلا وشيعة ... لكم ولهم منكم مكان ومنصب وحلّ بأهل الفتك ما حلّ عزمهم ... وقام لديهم واعظ مترقّب [١] وجاهدت في الرحمن حقّ جهاده ... فراهب أهل الكفر بأسك يرهب وأنقذت من أيدي الإغارة أمّة ... وأولى جهاد كان بل هو أوجب فأصبحت الدنيا عروسا يزفّها ... لأمرك من جاري المقادير [٢] مغرب فلا مصر إلا قد تمنّاك أهله ... ولا أرض إلّا باذّكارك تخصب وما الأرض إلّا منزل أنت ربّه ... وما حلّها إلّا الودود المرجّب تملّكت شطر الأرض كسبا وشطرها ... وراثا [٣] فطاب الكلّ إرثا ومكسب [٣] بجيش على الألواح والماء يمتطي ... وجيش على الضمر السوابق يركب وجيش من الإحسان والعدل والتقى ... وذلك لعمر الله أغلى وأغلب فلا مركب إلا يزيّن راكبا ... ولا راكب إلّا به ازدان مركب ولا رمح إلّا وهو أهيف خاطر ... ولا سيف إلّا وهو أبيض فأضب [٤] فكم كاتب خطّيّه ودواته ... ولم يقر خطا يغتدى وهو يكتب [٥] يمرّ على الأبطال وهو كأنّه ... هزبر وأبطال الفوارس ربرب وكم كاتب لا ينكر الطعن رمحه ... خبير بأيام الأعاريب معرب له من عجيب السّحر بالقول أضرب ... وفي هامة القوم المضارب مضرب فها هو في الأقوال واش محبّر ... وها هو في الأمثال ثاو مجرّب

стр. 4378

ومن ساحب بردا من العلم والتقى ... عليه ذيول الداوديّة تسحب له صبغة في العلم جاءت بأصبغ ... وشهبان فهم لم يشمهنّ أشهب فيا عسكرا قد ضمّ أعلام عالم ... به طاب في الدنيا لنا متقلّب هم الفئة العلياء والمعشر الّذي ... إذا حلّ شعبا [١] فهو للحق مشعب لك الفضل في الدنيا على كل قاطن ... ومرتحل أنّى يجيء ويذهب ويا مالكا [٢] عدلا رضى متورّعا ... مناقبه العلياء تتلى وتكتب شرعت من الإحسان فينا شريعة ... تساوى بهاناء ومن يتقرّب وأسميت أهل النسك إذ كنت منهم ... فمنك أخو التقوى قريب مقرّب وأعليت قدر العلم إذ كنت عالما ... فقيها وفي طلّابه لك مأرب فمدحك محتوم على كلّ قائل ... ومن ذا الّذي يحصي الرمال ويحسب فلله كم تعطي وتمطي وتجتبي ... فللبحر من كفيك قد صحّ منسب فلا برحت كفّاك في الأرض مزنة ... يطيب بها للخلق مرعى ومشرب ولا زلت في علياء مجدك راقيا ... وشانئك المدحوض ينكى وينكب توافي على أقصى أمانيك آمنا ... فلا برّ يستعصى ولا يتعصّب الخبر عن واقعة العرب مع السلطان أبي الحسن بالقيروان وما تخللها من الأحداث كان هؤلاء الكعوب من بني سليم رؤساء البدو بإفريقية، وكان لهم اعتزاز على الدولة لا يعرفون غيره مذ أوّلها بل وما قبله، إذ كان سليم هؤلاء منذ تغلّب العرب من مضر على الدول والممالك أوّل الإسلام انتبذوا إلى الضواحي والقفار، وأعطوا من صدقاتهم عن عزّة، وارتاب الخلفاء بهم لذلك حتى لقد أوصى المنصور ابنه المهدي أن لا يستعين بأحد منهم كما ذكر الطبري. فلما انثالت الدولة العبّاسية واستبدّ الموالي من العجم عليهم، اعتز بنو سليم هؤلاء بالقفر من أرض نجد، وأجلبوا على الحاج بالحرمين، ونالتهم منهم معرّات، ولما انقسم ملك الإسلام بين العبّاسية والشيعة

стр. 4379

واختطّوا القاهرة، نفقت لهم أسواق الفتنة والتعزز، وساموا الدولتين بالهضيمة وقطع السابلة. ثم أغراهم العبيديّون بالمغرب وأجازوا إلى برقة على أثر الهلاليّين فخرّبوا عمرانها وأجروا في خلائها، حتى إذا خرج ابن غانية على الموحّدين وانتزى بالثغور الشرقيّة طرابلس وقابس، واجتمع معه قراقش الغزيّ مولى بني أيوب ملوك مصر والشام، وانضاف إليهم أفاريق العرب من بني سليم هؤلاء وغيرهم، أجلبوا معه على الضواحي والأمصار، وصاروا في جملتهم من ناعق فتنتهم. ولمّا هلك قراقش وابن غانية واستبدّ آل أبي حفص بإفريقية وأعزّ الزواودة على الأمير أبي زكريا يحيى ابن عبد الواحد بن أبي حفص، استظهر عليهم ببني سليم هؤلاء، وزاحمهم بظواعنهم وأقطعهم بإفريقية ونقلهم عن مجالاتهم بطرابلس وأنزلهم بالقيروان، فكان لهم من الدولة مكان وعليها اعتزاز، ولما افترق سلطان بني أبي حفص، واستبدّ الكعوب برياسة البدو، وضربوا بين أعياصها وسعوا في شقاقها، وأصابت منهم وأصابوا منها، وكان بين مولانا الأمير أبي يحيى وبين حمزة بن عمر أخي الأمير منازعة وفتن وحرب سجال أعانه عليها ما كان من زحف بني عبد الواد إلى إفريقية وطمعهم في تملّك ثغورها، فكان يستجرّ جيوشهم لذلك، وينصب الأعياص من بني أبي حفص يزاحم بهم، ثم غلبه مولانا السلطان أبو بكر آخرا واستجرّه إلى الطاعة ما كان من قطع كلمة الزبون [١] عن مولانا السلطان أبي يحيى، وهلاك عدوّه من آل يغمراسن، بسيف وليّه وظهيره السلطان أبي الحسن، فأذعن وسكن غرب اعتزازه. وحمل بني سليم على إعطاء صدقاتهم، فأعطوها بالكراهة. ثم هلك باغتيال الدولة له فيما يزعمون، وقام بالأمر بنوه ولم يعرفوا عواقب الأمور ولا أبلوا باعتساف الدولة، ولم يعهدوا ولا سمعوا لسلفهم غير الاعتزاز فحدّثتهم أنفسهم بالفتنة والاعتزاز على قائد الدولة. وحاربوه فغلبوه، وأجلبوا على السلطان في ملكه، ونازلوه بعقر داره سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة ولما سامهم الأمير ابن مولانا السلطان أبي يحيى الهضيمة بعد مهلك أبيه، نزعوا إلى أخيه وليّ العهد، فجاء إلى تونس وملكها سبعا. ثم اقتحم عليه أخوه الأمير أبو حفص فقتله. وتقبّض يوم اقتحامه البلد

стр. 4380

على أبي الهول بن حمزة أخيهم، فقتله صبرا بباب داره بالقصبة، فأسفهم بها. ونزعوا الى السلطان أبي الحسن ورغّبوه في ملك إفريقية واستعدّوه إليها. ولما تغلب السلطان على الوطن وكانت حاله في الاعتزاز على من في طاعته غير حال الموحدين وملكته للبدو غير ملكتهم، وحين رأى اعتزازهم على الدولة وكثرة ما أقطعتهم من الضواحي والأمصار، نكره وأدالهم من الأمصار التي أقطعهم الموحدون بأعطيات فرضها لهم في الديوان. واستكثر جبايتهم، فنقصهم الكثير منها وشكا إليه الرعيّة من البدو وما ينالونهم به من الظلامات والجور بفرض الاتاوة التي يسمونها الخفارة، فقبض أيديهم عنها وأوعز إلى الرعايا بمنعهم منها، فارتابوا لذلك، وفسدت نياتهم وثقلت وطأة الدولة عليهم فترصّدوا لها. وتسامع ذؤبانهم وبواديهم بذلك، فأغاروا على قياطين [١] بني مرين ومسالحهم بثغور إفريقية وفروجها، واستاقوا أموالهم، وكثر شاكيهم [٢] وأظلم الجو منهم بينهم وبين السلطان والدولة. ووفد عليه بتونس بعد مرجعه من المهديّة وفد من مشيختهم، كان فيهم خالد بن حمزة مستحبة [٣] إلى إفريقية، وأخوه أحمد وخليفة بن عبد الله بن مسكين، وابن عمه خليفة بن بو زيد من أولاد القوس، فأنزلهم السلطان وأكرمهم. ثم رفع إليه الأمير عبد الرحمن ابن السلطان أبي يحيى زكريا بن اللحياني كان في جملته، وكان من خبره أنه رجع من المشرق بعد مهلك أبيه بمصر كما قدّمناه سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة فدعا لنفسه بجهات طرابلس. وتابعه أعراب ذباب، وبايع له عبد الملك بن مكي صاحب قابس. ونهض معه إلى تونس في غيبة السلطان لتخريب تامزيزدكت كما ذكرناه، فملكها أياما وأحس بمرجع السلطان فأجفل عنها. ولحق عبد الواحد بن اللحياني إلى تلمسان، إلى أن دلف إليها السلطان أبو الحسن بعساكره، ففارقهم وخرج إليه، فأحلّه محل التّكرمة والمبرة واستقرّ في جملته إلى أن ملك تونس. ورفع إليه عند مقدم هذا الوفد أنّهم دسّوا إليه مع بعض حشمه، وطلبوه في الخروج معهم لينصّبوه للأمر بإفريقية وتبرّأ إلى السلطان من
следующие страницы →