← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

هنالك في ظلّ ظليل من كنفه فكان لهم به وثوب على ملك المغرب وكان الوزير القائم بها محمد بن عثمان يقدر له قدر ذلك كله فيجري في أغراضه وقصوده ويحكمه في الدولة ما شاء أن يحكمه، حتى توجّهت الوجوه إلى ابن الأحمر وراء البحر من أشياخ بني مرين والعرب، وأصبح المغرب كأنّه من بعض أعمال الأندلس. ولما نهض السلطان إلى تلمسان خاطبوه وأوصوه بالمغرب، وترك محمد بن عثمان بدار الملك كاتبه محمد بن الحسن، كان مصطنعا عنده من بقيّة شيع الموحّدين ببجاية، فاختصّه ورقّاه واستخلفه في سفره هذا على دار الملك. فلمّا انتهوا إلى تلمسان وحصل له من الفتح ما حصل، كتبوا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر مع شيطان من ذرّية عبّو بن قاسم المرواني [١] كان بدارهم وهو عبد الواحد بن محمد بن عبّو كان يسمو بنفسه إلى العظائم التي ليس لها بأهل ويتربّص لذلك بالدولة. وكان ابن الأحمر مع كثرة تحكّمه فيهم يتنحّى لهم بعض الأوقات بما يأتونه من تقصير في شفاعة أو مخالفة في الأمر لا يجدون عنها وليجة، فيصطنع [٢] لهم ذلك. فلمّا قدم عليه عبد الواحد هذا بخبر الفتح وقصّ عليه القصص، دسّ له أنّ أهل الدولة مضطربون على سلطانهم ومستبدلون به لو وجدوا، وبلغ من ذلك ما حمل وما لم يحمل. وأشار له بجلاء المغرب من الحامية جملة وأنّ دار الملك ليس بها إلّا كاتب حضريّ لا يحسن المدافعة، وهو أعرف به، فانتهز الفرصة ابن الأحمر وجهّز موسى ابن السلطان أبي عنان من الأسباط المقيمين عنده. واستوزر له مسعود بن رحّو بن ماسي من طبقات الوزراء من بني مرين ومن بني قودر من أحلافهم. وله في ذلك سلف وقد كان بعثه من قبل وزيرا للأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن حين أجاز إلى المغرب أيام استبداد أبي بكر بن غازي. فلم يزل معه حتى كان حصار البلد الجديد واستيلاء السلطان أبي العبّاس عليها. وذهب عبد الرحمن إلى مراكش فاستأذنه مسعود في الانصراف إلى الأندلس، فأذن له ورجع عنه إلى فاس. ثم فارقها وأجاز إلى الأندلس متودّعا ومتودّدا للكل ومعوّلا على ابن الأحمر، فتلقّاه بالقبول وأوسع له النزول والجراية وخلطه بنفسه وأحضره مع ندمائه. ولم يزل كذلك إلى أن جهّزه وزيرا إلى المغرب مع السلطان أبي عنان وبعث معهما عسكرا. ثم ركب السفين إلى سبتة وكانت بينه وبين

стр. 4482

شرفائها ورؤساء الشورى بها مداخلة، فقاموا بدعوة السلطان موسى وأدخلوه وقبضوا على عاملها رحّو بن الزعيم المكدوني [١] وجاءوا به إلى السلطان فملكها غرّة صفر من سنة ست وثمانين وسبعمائة وسلّمها إلى ابن الأحمر، فدخلت في طاعته. وسار هو إلى فاس، فوصلها لأيام قريبة، وأحاط بدار الملك، واجتمع عليه الغوغاء، ونزل الدهش بمحمد بن الحسن فبادر بطاعته. ودخل السلطان إلى دار الملك، وقبض عليه لوقته، وذلك في عشر ربيع الأوّل من السنة. وجاء الناس بطاعته من كل جانب، وبلغ الخبر إلى السلطان أبي العبّاس بمكانه من نواحي تلمسان بأنّ السلطان موسى قد نزل بسبتة، فجهّز عليّ بن منصور وترجمان الجند وجند النصارى ببابه مع طائفة منهم. وبعثهم حامية لدار الملك فانتهوا إلى تازى وبلغهم خبر فتحها فأقاموا هنالك. وأغذّ السلطان أبو العباس السير إلى فاس، فلقيهم خبر فتحها بتاوريرت، فتقدّم إلى ملوية وتردّد في رأيه بين المسير إلى سجلماسة مع العرب أو قصد المغرب. ثم استمرّ عزمه، ونزل بتازى وأقام فيها أربعا، وتقدّم إلى الركن، وأهل دولته خلال ذلك يخوضون في الانتقاض عليه تسلّلا إلى ابن عمّه السلطان موسى المتولي على فاس، ويوم أصبح من الركن أرجفوا به. ثم انتقضوا عليه طوائف قاصدين فاس، ورجع هو إلى تازى بعد أن انتهب معسكره وأضرمت النار في خيامه وخزائنه. ثم أصبح بتازى من ليلته فدخلها، وعاملها يومئذ الخيّر من موالي السلطان أبي الحسن. وذهب محمد بن عثمان إلى وليّ الدولة ونزمار بن عريف وأمراء المغرب من المعقل. ولما دخل السلطان أبو العباس إلى تازى كتب إلى ابن عمّه السلطان موسى يذكره العهد بينهما، وقد كان السلطان ابن الأحمر عهد إليه أن يبعث به إليه إن ظفر به، فبادر السلطان موسى باستدعائه مع جماعة من وجوه بني عسكر، أهل تلك الناحية، وهم زكريا بن يحيى بن سليمان ومحمد بن داود بن أعراب [٢] ، ومعهم العبّاس بن عمر الوسناني فجاءوا به وأنزلوه بالزاوية بغدير الحمص بظاهر فاس، فقيّد هنالك ثم بعثه إلى الأندلس موكلا به مع عمر بن رحّو أخي الوزير مسعود بن ماسي. واستصحب ابنه أبا فارس وترك سائرهم بفاس وأجاز البحر من سبتة فأنزله السلطان ابن الأحمر بقلعة ملكه الحمراء، وفكّ قيوده ووكّل به، ووسّع له في الجراية فأقام هنالك

стр. 4483

محتاطا به الى أن كان ما نذكره ان شاء الله تعالى. (نكبة الوزير محمد بن عثمان ومقتله) أصل هذا الوزير محمد بن الكاس [١] إحدى بطون بني ورتاجن، وكان بنو عبد الحق عند ما تأثّلوا ملكهم بالمغرب يستعملون منهم في الوزارة. وربّما وقعت بينهم هنالك وبين بني إدريس وبني عبد الله منافسة، قتلوا فيها بعض بني الكاس منهم في دولة السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن. ثم استوزره السلطان أبو الحسن بعد مهلك وزيره يحيى بن طلحة ابن محلى بمكانه من حصار تلمسان، وقام بوزارته أياما [٢] ، وحضر معه وقعة طريف سنة إحدى وأربعين وسبعمائة من هذه المائة، واستشهد فيها، ونشأ ابنه أبو بكر في ظلّ الدولة ممتعا بحسن الكفالة وسعة الرزق، وكانت أمّه أمّ ولد، وخلفه عليها ابن عمه محمد بن عثمان هذا الوزير، فنشأ أبو بكر في حجره. وكان أعلى رتبة منه بأولية أبيه وسلفه، حتى إذا بلغ أشدّه واستوى سمت به الحال [٣] ، وجال أمصار [٤] الملوك في اختياره وترشيحه، حتى استوزره السلطان عبد العزيز كما قلناه. وقام بوزارته أحسن قيام، وأصبح محمد بن عثمان هذا رديفه. وهلك السلطان عبد العزيز فنصّب أبو بكر ابنه السعيد للملك صبيا لم يثغر، وكان من انتقاض أمره وحصاره بالبلد الجديد واستيلاء السلطان أبي العبّاس عليه ما قدّمناه، قام محمد بن عثمان بوزارة السلطان أبي العبّاس مستبدّا عليه. ودفع إليه أمور ملكه، وشغل بلذّاته، فقام محمد بن عثمان بوزارة السلطان أبي العبّاس من أمور الدولة ما عاناه حتى كان من استيلاء السلطان موسى على دار ملكهم ما مرّ. وانفضّ بنو مرين عنه للسلطان أبي العبّاس كما ذكرناه، ورجع إلى تازى، فدخلها السلطان أبو العبّاس وفارقهم محمد بن عثمان إلى وليّ الدولة ونزمار بن عريف وهو مقيم بتازى، وتذمّم له فتجهّم له ونزمار وأعرض عنه، فسار معدّا إلى أحياء المنيات من

стр. 4484

عرب المعقل. كانوا هنالك قبلة تازى لذمّة صحابة كانت بينه وبين شيخهم أحمد ابن عبّو فنزل عليه متذمّما به، فخادعه وبعث بخبره إلى السلطان، فجهّز إليه عسكرا مع المزوار عبد الواحد بن محمد بن عبّو بن قاسم بن ورزوق بن بومريطت والحسن العوفيّ [١] من الموالي فتبرّأ منه العرب وأسلموه إليه، فجاءوا به وأشهروه يوم دخوله إلى فاس. واعتقل أياما وامتحن في سبيل المصادرة ثم استصفى. ثم قتل ذبحا بمحبسه، والله وارث الأرض ومن عليها. الخبر عن خروج الحسن بن الناصر بغمارة ونهوض الوزير ابن ماسي اليه بالعساكر لما استقل السلطان موسى بملك المغرب وقام مسعود بن ماسي بوزارته مستبدّا عليه، وكان من تغريبهم السلطان أبا العبّاس إلى الأندلس وقتلهم [٢] وزيره محمد بن عثمان وافتراق أشياع الوزير محمد بن عثمان وقرابته وبطانته، فطلبوا بطن الأرض ولحق منهم ابن أخيه العبّاس بن المقداد بتونس، فوجد هنالك الحسن بن الناصر ابن السلطان أبي علي قد لحق بها من مقرّه بالأندلس في سبيل طلب الملك فثاب له رأي في الرجوع به إلى المغرب لطلب الأمر هنالك، فخرج به من تونس وقطع المفاوز والمشاق إلى أن انتهى إلى جبل غمارة، ونزل على أهل الصفيحة منهم، فأكرموا مثواه وتلقّيه، وأعلنوا بالقيام بدعوته. واستوزر العبّاس بن المقداد. وبلغ الخبر إلى مسعود ابن ماسي فجهّز العساكر مع أخيه مهدي بن ماسي، فحاصره بجبل الصفيحة أياما، وامتنع عليهم، فتجهّز الوزير مسعود بن ماسي بالعساكر من دار الملك وسار لحصاره. ثم رجع من طريقه لما بلغه من وفاة السلطان بعده، والله أعلم. (وفاة السلطان موسى والبيعة للمنتصر ابن السلطان أبي العباس) كان السلطان موسى لما استقل بملك المغرب استنكف من استبداد ابن ماسي عليه

стр. 4485

وداخل بطانته في الفتك به. وأكثر ما كان يفاوض في ذلك كاتبه وخالصته محمد ابن كاتب أبيه، وخالصته محمد بن أبي عمر. وكان للسلطان موسى ندمان يطلعهم على الكثير من أموره منهم العبّاس بن عمر بن عثمان الوسناقي، وكان الوزير مسعود بن ماسي قد خلّف أبا عمر على أمّه وربي في حجره، فكان يدلي إليه بذلك، وينهي إليه ما يدور في مجلس السلطان في شأنه. فحصلت للوزير بذلك نفرة طلب لأجلها البعد عن السلطان. وبادر للخروج لمدافعة الحسن القائم بغمارة. واستخلف على دار الملك أخاه يعيش بن رحّو بن ماسي. فلما انتهى إلى القصر الكبير لحقه الخبر بوفاة السلطان موسى، وكانت وفاته في جمادى الآخرة طرقه المرض فهلك ليوم وليلة لثلاث سنين من خلافته. وكان الناس يرمون يعيش أخا الوزير بأنّه سمّه، وبادر يعيش فنصب ابن عمّه للملك، وهو المنتصر ابن السلطان أبي العبّاس، وانكفأ راجعا لوزير مسعود من القصر، وقتل السبيع محمد بن موسى من طبقة الوزراء، وقد مرّ ذكره وذكر قومه، وكان اعتقله أيام السلطان موسى فقتله بعد وفاته. واستمرّت أمور الدولة في استقلاله والله أعلم. (إجازة الواثق محمد بن أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن من الأندلس والبيعة له) كان الوزير مسعود بن ماسي لما استوحش من السلطان موسى بعث ابنه يحيى وعبد الواحد المزوار إلى السلطان ابن الأحمر يسأل منه إعادة السلطان أبي العبّاس إلى ملكه فأخرجه ابن الأحمر من الاعتقال وجاء به إلى جبل الفتح يروم إجازته إلى العدوة. فلما توفي السلطان موسى بدا للوزير مسعود في أمره، ودسّ للسلطان ابن الأحمر في ردّه، وأن يبعث إليه بالواثق محمد بن أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن من القرابة المقيمين عنده. ورآه أليق بالاستبداد والحجر، فأسعفه ابن الأحمر في ذلك، وردّ السلطان أحمد إلى مكانه بالحمراء، وجاء بالواثق فحضر بجبل الفتح عنده، وفي خلال ذلك وصل جماعة من أهل الدولة وانتقضوا على الوزير مسعود، ولحقوا بسبتة، وأجازوا إلى السلطان ابن الأحمر وهم يعيش بن علي بن فارس الياباني

стр. 4486

وسيّور بن يحيى بن عمر الونكاسني وأحمد بن محمد الصبيحيّ، فوفد [١] إليهم الواثق، ورجعوا به إلى المغرب على أنّهم في خدمة الوزير، حتى إذا انتهوا إلى جبل زرهون المطل على مكناسة أظهروا الخلاف على الوزير وصعدوا الى قبائل زرهون واعتصموا بجبلهم. ولحق بهم من كان على مثل دينهم من الخلاف على ابن ماسي وصاروا معهم يدا مثل طلحة بن الزبير الورتاجني وسيّور بن يحياتن بن عمر الونكاسني ومحمد التونسي من بني أبي الطلاق وفارح بن مهدي من معلوجي السلطان، وأصله من موالي بني زيان ملوك تلمسان. وكان أحمد بن محمد الصبيحي حين جاء مع الواثق قد استطال على أصحابه وأصهر الاستبداد بما كان من طائفة الجند المستخدمين، فغصّ به أهل الدولة وتبرءوا منه للسلطان الواثق، فأظهر لهم البراءة منه، فوثبوا به وقتلوه عند خيمة السلطان، وتولّى كبر ذلك يعيش بن علي بن فارس الياباني كبير بني مرين، فذهب مثلا في الغابرين، ولم تبك عليه سماء ولا أرض. وكان رزوق بن بوفريطت من موالي بني علي بن زيّان من شيوخ بني ونكاسن من أعيان الدولة ومقدّمي الجند، قد انتقض على الدولة أيام السلطان موسى ولحق بأحياء أولاد حسين من عرب المعقل المخالفين منذ أيام السلطان موسى. ونزل على شيخهم يوسف بن علي بن غانم لذمّة صحابة بينهما من جوارهم في المواطن. وكان معه في ذلك محمد بن يوسف بن علّال، كان أبوه يوسف من صنائع السلطان أبي الحسن، ونشأة دولته استوحشا من الوزير، فلحقا بالعرب [٢] فلمّا جاء هذا السلطان الواثق قدما عليه، فلقيهما بالتكرمة وأحلّهما في مقامهما من الدولة، وخرج الوزير مسعود بن ماسي في العساكر، ونزل قبائلهم بجبل مغيلة وقاتلهم هنالك أياما وداخل الذين مع الواثق واستمالهم. وبعث عسكرا إلى مكناسة فحاصروها، وكان بها يومئذ عبد الحق بن الحسن بن يوسف الورتاجني، فاستنفر له منها وملكها، وتردّدت المراسلات بينه وبين الواثق وأصحابه على أن ينصبوه للأمر. ويبعث بالمنتصر المنصوب عنده إلى أبيه السلطان أبي العبّاس بالأندلس وانعقد الأمر بينهم على ذلك. وسار الواثق في أصحابه إلى الوزير ابن ماساي فنزل عليه. ومضى يعيش بن علي بن فارس عنهم ذاهبا لوجهه. وسار الوزير بالواثق إلى دار الملك،

стр. 4487

فبايعه في شوال سنة ثمان وثمانين وسبعمائة بعد أن اشترط عليه لنفسه وأصحابه ما شاء. وأجاز سلطانه المنتصر إلى أبيه السلطان أبي العباس بالأندلس وقبض على جماعة ممن كان مع الواثق مثل المزوار عبد الواحد، وقتله، وعلى فارح بن مهدي وحبسه، وعلى الخيّر مولى الأمير عبد الرحمن وامتحنه، وعلى آخرين سواهم. ثم قبض على جماعة من بطانة السلطان موسى كانوا يداخلونه في القبض والفتك به، فحبسهم وقتل بعضهم. وعلى جند الأندلس الذين جاءوا مددا للواثق، وعلى قوّادهم من معلوجي ابن الأحمر فأودعهم السجن. ثم تقبّض على كاتب السلطان موسى بن أبي الفضل بن أبي عمر مرجعه من السفارة عن سلطانه إلى الأندلس، فاعتقله وصادره. ثم خلّى سبيله. ثم بعث إلى الحسن بن الناصر الثائر بجبل الصفيحة من غمارة مع إدريس بن موسى بن يوسف الياباني، فخادعه باستدعائه للملك والبيعة له، فخدعه واستنزله وجاء به فاعتقله أياما. ثم أجازه للأندلس، واستقرّ الأمر على ذلك، والله أعلم. الفتنة بين الوزير ابن ماسي وبين السلطان ابن الأحمر واجازة السلطان أبي العباس الى سبتة لطلب ملكه واستيلاؤه عليها لما بلغ الوزير ابن ماسي للواثق ورأى أنه قد استقلّ بالدولة ودفع عنها الشواغب، وصرف نظره إلى ما فرّط من أعمال الدولة، وافتتح أمره بسبتة. وقد كان السلطان موسى لأول إجازته أعطاها لابن الأحمر كما مرّ. فبعث إليه الآن الوزير ابن ماسي في ارتجاعها منه على سبيل الملاطفة، فاستشاط لها ابن الأحمر ولجّ في الردّ، فنشأت الفتنة لذلك، وجهّز ابن ماسي العساكر لحصار سبتة مع العبّاس بن عمر بن عثمان الوسنافي ويحيى بن علّال بن أمصمود، والرئيس محمد بن أحمد الأبكم من بني الأحمر. ثم من بيت السلطان الشيخ فاتح أمرهم وممهّد دولتهم، وراسل السلطان إشبيلية والجلالقة من بني أدفونش وراء البحر، بأن يبعث إليهم ابن عمّ السلطان ابن الأحمر محمد بن إسماعيل مع الرئيس الأبكم ليجلبا من ناحيته على الأندلس. وجاءت عساكر الوزير إلى سبتة فحاصروها ودخلوها عنوة. واعتصم حامية الأندلس الذين كانوا بها بالقصبة، واتصلت الجولة بين الفريقين وسط البلد، وأوفد

стр. 4488

أهل القصبة النيران بالجبل علامة على أمرهم ليراها ابن الأحمر. وكان مقيما بمالقة، فبادر بتجهيز الأسطول مشحونا بالمقاتلة مددا لهم. ثم استدعى السلطان أبو العباس من مكانه بالحمراء، وأركبه السفين إلى القصبة في غرّة صفر سنة تسع وثمانين وسبعمائة وأشرف عليهم من الغد وناداهم من السور يدعوهم إلى طاعته. فلمّا رأوه اضطربوا وافترقوا وخرج إليهم، فنهب سوادهم ودخلوا في طاعته متسايلين، ورجع جمهور العسكر ومقدّموهم إلى طنجة واستولى السلطان على مدينة سبتة. وبعث إليه ابن الأحمر بالنزول عنها، وردّها إليه فاستقرت في ملكه وكملت بها بيعته، وكان يوليه أمر الأضياف الواردين والله تعالى أعلم. مسير السلطان أبي العباس من سبتة لطلب ملكه بفاس ونهوض ابن ماسي لدفاعه ورجوعه منهزما ولما استولى السلطان أبو العباس على سبتة وتمّ له ملكها، واعتزم على المسير لطلب ملكه بفاس، وأغراه ابن الأحمر بذلك ووعده بالمدد لما كان من مداخلة ابن ماسي لجماعة من بطانته في أن يقتلوه ويملّكوا الرئيس الأبكم يقال: إنّ الّذي داخله في ذلك من بطانة ابن الأحمر يوسف بن مسعود البلنسيّ، ومحمد ابن الوزير أبي القاسم بن الحكيم الرنديّ وشعر بهم السلطان ابن الأحمر وهو يومئذ على جبل الفتح يطالع أمور السلطان أبي العبّاس، فقتلهم جميعا وإخوانهم. ويقال: إنّ ذلك كان بسعاية القائم على دولته مولاه خالد، كان يغصّ بهم ويعاديهم، فأخفى عليهم هذه [١] . وتمت سعايته بهم، فاستشاط ابن الأحمر غضبا على ابن ماسي، وبعث إلى السلطان أبي العبّاس يستنفره للرحلة إلى طلب ملكه، فاستخلف على سبتة رحّو ابن الزعيم المكرودي عاملها من قبل كما مرّ وسار إلى طنجة وعاملها من قبل الواثق صالح بن رحّو الياباني ومعه بها الرئيس الأبكم من قبل العساكر، فحاصرها أياما وامتنعت عليه فجمّر عنهم الكتائب وسار عنها إلى أصيلا، فدخلت في دعوته وملكها. ونهض الوزير من فاس في العساكر بعد أن استخلف أخاه يعيش على دار

стр. 4489

الملك وسار. ولحقت مقدّمته بأصيلا ففارقها السلطان أبو العبّاس، وصعد إلى جبل الصفيحة، فاعتصم به وجاء الوزير ابن ماسي فتقدّم الى حصاره بالجبل، وجمع عليه رماة الرجل من الأندلسيّين الذين كانوا بطنجة، وأقام يحاصره بالصفيحة شهرين. وكان يوسف بن علي بن غانم شيخ أولاد حسين من عرب المعقل، مخالفا على الوزير مسعود وداعية إلى السلطان أبي العبّاس وشيعة له. وكان يراسل ابن الأحمر في شأنه. فلما سمع باستيلائه على سبتة وإقباله إلى فاس، جمع أشياعه من العرب، ودخل في طاعته إلى بلاد المغرب ما بين فاس ومكناسة. وشنّ الغارات على البسائط واكتسحها، وأرجف الرعايا وأجفلوا إلى الحصون، وكان ونزمار بن عريف وليّ الدولة شيعة للسلطان، وكان يكاتبه وهو بالأندلس ويكاتب ابن الأحمر بشأنه. فلمّا اشتدّ الحصار بالسلطان في الصفيحة، بعث ابنه أبا فارس إلى ونزمار بمكانه من نواحي تازى. وبعث معه سيّور بن يحيى بن عمر، فقام ونزمار بدعوته، وسار به إلى مدينة تازى، وعاملها سليمان الغودودي من قرابة الوزير ابن ماسي. فلمّا نزل بها أبو فارس ابن السلطان بادر إلى طاعته وأمكنه من البلد، فاستولى عليها واستوزر سليمان هذا. وسار إلى صفيروا [١] ومعه ونزمار للاجتماع بعرب المعقل وأسفّ بهم إلى حصار فاس. وكان محمد بن الدمغة عاملا على ورغة، فبعث إليه السلطان عسكرا مع العبّاس بن المقداد ابن أخت الوزير محمد بن عثمان فقتلوه وجاءوا برأسه، ونجم الخلاف على يعيش بالبلد الجديد من كل جهة، وطيّر الخبر بذلك كلّه إلى أخيه بمكانه من حصار السلطان بالصفيحة، فانفضّت عنه العساكر وأجفل راجعا إلى فاس. وسار السلطان في اتباعه ودخل في طاعته عامل مكناسة، وجاء الخيّر مولى الأمير عبد الرحمن ولقيه يوسف بن علي بن غانم ومن معه من أحياء العرب، وساروا جميعا إلى فاس. وكان أبو فارس ابن السلطان قد رحل من تازى إلى صفيروا للقاء أبيه، فاعترضه ابن ماسي في العساكر رجاء أن يفلّه. ولقيه ببني بهلول فنزع أهل المعسكر إلى أبي فارس ابن السلطان وهو بمكناسة، فارتحل يغذّ السير إلى فاس. وسار ابنه أبو فارس للقائه على وادي النجا. وصبحوا البلد الجديد فنزلوا عليه بجموعهم وقد اعتصم به الوزير في أوليائه وبطانته، ومعه يغمراسن بن محمد

стр. 4490

السالفي [١] ومراهن بني مرين الذين استرهنهم عند مسيره للقاء السلطان بأصيلا، والله أعلم. (ظهور دعوة السلطان أبي العباس في مراكش واستيلاء أوليائه عليها) كان الوزير مسعود بن ماسي قد ولّى على مراكش وأعمال المصامدة أخاه عمر بن رحّو وكانت منتظمة في طاعته. فلما بلغ الخبر بوصول السلطان إلى سبتة واستيلائه عليها قامت [٢] رءوس أوليائه إلى إظهار دعوته بتلك النواحي، فقام بدعوته بجبل الهساكرة عليّ بن زكريا. وبعث الوزير مسعود من مكانه في حصار السلطان بالصفيحة في أمداده بالعساكر من مراكش، فزحف إليه مخلوف بن سليمان الوارتيني [٣] صاحب الأعمال ما بين مراكش والسوس، وقعد الباقون عن نصره وتفرّقوا. وصعد أبو ثابت حافد عليّ بن عمر إلى جبل الهساكرة ومعه يوسف بن يعقوب بن علي الصبيحي، فاستمدّ علي بن زكريا ورجع إلى مراكش مجلبا على عليّ ابن رحّو مناوشة القتال ساعة. ثم غلبه على البلد وملكها من يده ونزل بقصبة الملك. وحبس عمر بن رحّو بها. وكتب للسلطان بذلك، وهو بمكناسة متوجها إلى فاس، فكتب إليه بأن يصله بعساكر مراكش لحصار دار الملك فجمع العساكر واستخلف على قصبة مراكش بعض بني عمّه، ولحق بالسلطان، وأقام معه في حصار البلد الجديد، والله أعلم. (ولاية المنتصر ابن السلطان أبي علي على مراكش واستقلاله بها) كان السلطان أبو العباس حين ملك المغرب بعث ابنه المنتصر في البحر إلى سلا،

стр. 4491

واستوزر له عبد الحق بن يوسف الورتاجني [١] فوصل الى سلا وأقام بها، ومرّ به رزوق بن توفريطت راجعا من دكالة، حين نزول السلطان على البلد الجديد، فتلطّف في استدعائه، ثم قبض عليه وبعث به لأبيه مقيّدا فأودعه السجن وقتل بعد ذلك بمحبسه. ثم بعث السلطان إلى ابنه المنتصر بولاية مراكش وأن يسير إليها. فلما وصل إلى مراكش امتنع النائب بالقصبة، فدسّ لعبد الحق وزير المنتصر أنّ النائب قد همّ بقتله، وحينئذ يمكّن المنتصر من القصبة. فأجفل بالمنتصر وصعد إلى جبل هنتاتة، وطيّر بالخبر إلى السلطان، فتغيّر لأبي ثابت وأمره أن يكاتب نائبة بتمكين ابنه من القصبة. واستوزر له سعيد بن عبدون وبعثه بالكتاب، وعزل عبد الحق عن وزارة ابنه، واستدعاه لفاس، فوصل سعيد بن عبدون إلى مراكش، ودفع إلى النائب بالقصبة كتاب مستخلفه إلى الامتثال، وأمكنه من القصبة واعتزل عنها فدخلها. وبعث عن المنتصر ابن السلطان، واستولوا عليها، وقبضوا على نائب عامر الّذي كان بها وسائر شيعته وبطانته، وامتحنوهم واستصفوهم إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى. (حصار البلد الجديد وفتحها ونكبة الوزير ابن ماسي ومقتله) لما نزل السلطان على البلد الجديد واجتمع إليه سائر قبيلته وأوليائه وبطانته، داخل الوزير مسعودا الحنق على بني مرين لانتباذهم عنه. فأمر بقتل أبنائهم الذين استرهنوهم على الوفاء له، فلاطفه يغمراسن السالفي في المنع من ذلك، فأقصر عنه، وضيّق السلطان مخنقه بالحصار ثلاثة أشهر حتى دعا إلى النزول والطاعة، فبعث إليه ولي الدولة ونزمار بن عريف وخالصته محمد بن علّال فعقد لهم الأمان لنفسه ولمن معه على أن يستمرّ على الوزارة ويبعث بسلطانه الواثق إلى الأندلس، واستحلفهم على ذلك وخرج معهم للسلطان فدخل السلطان البلد الجديد خامس رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة لثلاثة أعوام وأربعة أشهر من خلعه. ولحين دخوله قبض على الواثق

стр. 4492

وبعث به معتقلا إلى طنجة وقتل بها بعد ذلك. ولما استولى على أمره قبض على الوزير ابن ماسي ليومين من دخوله، وإخوته وحاشيته، وامتحنهم جميعا فهلكوا في العذاب. ثم سلّط على مسعود من العذاب والانتقام ما لا يعبّر عنه، ونقم عليه ما فعله في دور بني مرين النازعين إلى السلطان، فإنه كان متى هرب عند أحد منهم يعمد إلى بيوته فينهبها ويخرّبها فأمر السلطان بعقابه في أطلالها، فكان يؤتى به إلى كل بيت منها، فيضرب عشرين سوطا إلى أن قتله العذاب [١] وتجاوز الحدّ. ثم أمر به فقطعت أربعته، فهلك عند قطع الثانية، فذهب مثلا في الآخرين. (وزارة محمد بن علال [٢] ) كان أبوه يوسف بن علّال من رؤساء الدولة [٣] وصانعة السلطان أبي الحسن. وربّي في داره. ولمّا ضخم أمره سما به إلى ولاية الأعمال، فولّاه على درعة فانتزى وانتخب أولياء الدولة. ثم ولّاه السلطان أبو عنان أمر طنجة ومائدته وضيوفه واستكفى به في ذلك، وولّاه أخوه أبو سالم بعده كذلك. ثم بعثه إلى سجلماسة فعانى بها من أمور العرب مشقّة، وعزلها عنها، وهلك بفاس. وكان له جماعة من الولد قد نشؤا في ظلّ هذه النعمة، وحدبت النجابة بمحمد المذكور منهم. فلما استولى السلطان أبو العبّاس استعمله في أمور الضيوف والمائدة كما كانت لأبيه. ثم رقّاه إلى المخالصة وخلطه بنفسه، فلمّا خلع السلطان واستولى الوزير ابن ماسي على المغرب، وكانت بينه وبين أخيه يعيش بن ماسي إحن قديمة، فسكن لصولتهم حتى إذا اضطرمت نار الفتنة بالمغرب وأجلبت عرب المعقل الخلاف، فاستوحش محمد هذا، فلحق بأحيائهم مع رزوق بن توفريطت كما مرّ ذكره ونزل على يوسف بن علي بن غانم شيخ أولاد حسين، وأقاما معه في خلافه، حتى إذا أجاز السلطان الواثق إلى الأندلس، ووصل مع أصحابه إلى جبل زرهون، وأظهروا الخلاف على ابن ماسي بادر محمد هذا ورزوق إلى السلطان، ودخلا في طاعته متبرّءين من النفاق الّذي حملهم عليه

стр. 4493

عداوة الوزير ابن ماسي. فما كان إلّا أن انعقد الصلح بين الواثق وابن ماسي وسار به وأصحابه إلى فاس، وحصلوا في قبضة ابن ماسي فعفا لهم عمّا كان منهم، واستعملهم في مهود ولايتهم. ثم جاء الخبر بإجازة السلطان أبي العباس إلى سبتة، فاضطرب محمد بن يوسف وذكر مخالصة السلطان ومنافرة ابن ماسي، فأجمع أمره ولحق بسبتة، فتلقّاه السلطان بالكرامة، وسرّ بمقدمه ودفعه إلى القيام بأمر دولته، فلم يزل متصرّفا بين يديه إلى أن نزل إلى البلد الجديد. ولأيام من حصارها خلع عليه الوزارة ودفعه إليها، فقام بها أحسن قيام. ثم كان الفتح وانتظم أمر الدولة، ومحمد هذا يصرّف الوزارة على أحسن أحوالها إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى. (ظهور محمد بن السلطان عبد الحليم بسجلماسة) قد تقدّم لنا ذكر السلطان عبد الحليم ابن السلطان أبي علي، وكان يدعى بحلي كيف، بايع له بنو مرين وأجلبوا به على عمر بن عبد الله سنة ثلاث وستين وسبعمائة أيام مبعثه للسلطان أبي عمر ابن السلطان أبي الحسن. وحاصروا معه البلد الجديد حتى خرج لدفاعهم وقاتلهم، فانهزموا وافترقوا. ولحق السلطان عبد الحليم بتازى وأخوه عبد المؤمن بمكناسة، ومعه ابن أخيهما عبد الرحمن بن أبي يفلوسن. ثم بايع الوزير عمر بن عبد الله لمحمد بن أبي عبد الرحمن ابن السلطان أبي الحسن واستبدل به من أبي عمر لما كان بنو مرين يرمونه بالجنون والوسوسة، فاستدعى محمد بن أبي عبد الرحمن من مطرح اغترابه بإشبيليّة وبايعه وخرج في العساكر لمدافعة عبد المؤمن وعبد الرحمن عن مكناسة، فلقيهما وهزمهما ولحقا بالسلطان عبد الحليم بتازى وساروا جميعا إلى سجلماسة، فاستقرّوا فيها والسلطان عبد الحليم، وقد تقدّم خبر ذلك كله في أماكنه. ثم كان الخلاف بين عرب المعقل أولاد حسين والأحلاف. وخرج عبد المؤمن للإصلاح بينهم، فبايع له أولاد حسين ونصّبوه كرها للملك. وخرج السلطان عبد الحق إليهم في جموع الأحلاف فقاتلوه وهزموه، وقتلوا كبار قومه، كان منهم يحيى بن رحّو بن تاشفين بن معطي شيخ بني تيربيغن وكبير دولة بني مرين، أجلت المعركة عن قتله. ودخل عبد المؤمن البلد منفردا بالملك. وصرف السلطان أخاه عبد الحليم إلى المشرق لقضاء فرضه برغبته في ذلك، فسار على

стр. 4494

طريق القفر مسلك الحاج من التكرور إلى أن وصل القاهرة، والمستبدّ بها يومئذ يلبغا الخاصكي، على الأشرف شعبان بن حسين من أسباط الملك الناصر محمد بن قلاوون، فأكرم وفادته ووسّع نزله وجرايته، وأدرّ لحاشيته الأرزاق، ثم أعانه على طريقه للحج بالأزواد والأبنية والظهر من الكراع والخفّ. ولما انصرف من حجّه زوّده لسفر المغرب. وهلك بضروجة [١] سنة سبع وستين وسبعمائة ورجعت حاشيته إلى المغرب بحرمة وولده. وكان ترك محمدا هذا رضيعا، فشبّ متقلّبا من الدولة من ملك إلى آخر، منتبذا عن قومه بغيرة السلطان أبي الحسن من بني عمّهم السلطان أبي عليّ. وكان أكثر ما يكون مقامه عند أبي حمّو سلطان بني عبد الواد بتلمسان لما يروم به من الأجلاب على المغرب، ودفع عادية بني مرين عنه. فلمّا وقع بالمغرب من انتقاض عرب المعقل على الوزير مسعود بن ماسي سنة تسع وثمانين وسبعمائة واستمرّوا على الخلاف، انتهز أبو حمّو الفرصة، وبعث محمد بن عبد الحليم هذا إلى المعقل ليجلب بهم على المغرب، ويمزّقوا من الملك ما قدروا عليه، فلحق بأحيائهم ونزل على الأحلاف الذين هم أمس رحما بسجلماسة وأقرب موطنا إليها. وكان الوزير ابن ماسي قد ولّى عليها من أقاربه عليّ بن إبراهيم بن عبّو بن ماسي، فلما ظهر عليه السلطان أبو العبّاس وضيّق مخنقه بالبلد الجديد، دسّ إلى الأحلاف وإلى قريبه عليّ ابن إبراهيم أن ينصّب محمد ابن السلطان أبي العباس عنه، وينفّسوا من حصاره، ففعلوا ذلك. ودخل محمد إلى سجلماسة فملكها، وقام عليّ بن إبراهيم بوزارته حتى إذا استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد، وفتك بالوزير مسعود بن ماسي وبإخوته وسائر قرابته، اضطرب علي بن إبراهيم وفسد ما بينه وبين سلطانه محمد، فخرج عن سجلماسة ودعا إلى أبي حمو سلطان تلمسان كما كان. ثم زادت هواجس علي بن إبراهيم وارتيابه فخرج عن سجلماسة وتركها، ولحق بأحياء العرب. وسارت طائفة منهم معه إلى أن أبلغوه مأمنه. ونزل على السلطان أبي حمّو إلى أن هلك، فسار إلى تونس وحضر وفاة السلطان أبي العبّاس بها سنة تسع وتسعين وسبعمائة ولحق محمد ابن السلطان عبد الحليم بعد مهلك أبي حمّو بتونس. ثم ارتحل بعد وفاة السلطان أبي العبّاس الى المشرق لحجة فرضه [٢] ، والله تعالى أعلم.

стр. 4495

(نكبة ابن أبي عمر ومهلكه وحركات ابن حسون) لما استقل السلطان بملكه واقتعد سريره، صرف نظره إلى أولياء تلك الدولة ومن يرتاب منه. وكان محمد بن أبي عمر قد تقدّم ذكره وأوّليته، من جملة خواصه وأوليائه وندمائه. وكان السلطان يقسم له من عنايته وجميل نظره ويرفعه عن نظرائه. فلمّا ولي السلطان موسى نزعت إليه نوازع المخالصة لأبيه من السلطان أبي عنان فقد كان أبوه أعزّ بطانته كما مرّ، فاستخلصه السلطان موسى للشورى ورفعه على منابر أهل الدولة. وجعل إليه كتاب علامته على المراسم السلطانية، كما كان لأبيه. وكان يفاوضه في مهمّاته ويرجع إليه في أموره حتى غصّ به أهل الدولة ونمي عنه للوزير مسعود بن ماسي أنه يداخل السلطان في نكبته. وربما سعى عند سلطانه في جماعة من بطانة السلطان أحمد، فأتى عليهم النكال والقتل لكلمات [١] كانت تجري بينهم وبينه في مجالسة المنادمة عند السلطان حقدها لهم. فلما ظفر بالحظ من سلطانه، سعى بهم فقتلهم. وكان القاضي أبو إسحاق اليزناسني من بطانة السلطان أحمد وكان يحضر مع ندمائه فحقد له ابن أبي عامر، وأغرى به سلطانه فضربه وأطافه، وجاء بها شنعاء غريبة في القبح. وسفر عن سلطانه إلى الأندلس، وكان يمرّ بمجلس السلطان أحمد ومكان اعتقاله. وربّما يلقاه فلا يلمّ إليه ولا يجيبه [٢] ، ولا يوجب له حقا، فأحفظ ذلك السلطان. ولما فرغ من ابن ماسي قبض على ابن أبي عمر هذا وأودعه السجن، ثم امتحنه بعد ذلك إلى أن هلك بالسياط، عفا الله عنه. وحمل إلى داره، وبينما أهله يحضّرونه إلى قبره وإذا بالسلطان قد أمر بأن يسحب بنواحي البلد إبلاغا في التنكيل، فحمل من نعشه وقد ربط حبل برجله، وسحب في سائر أنحاء المدينة. ثم ألقي في بعض المزابل [٣] . ثم قبض على حركات ابن حسّون وكان مجلبا في الفتنة، وكان العرب المخالفون من المعقل، لما أجاز السلطان إلى سبتة، وحركات هذا بتدلّا، راودوه على طاعة السلطان فامتنع أوّلا. ثم أكرهوه وجاءوا به

стр. 4496

إلى السلطان فطوى على ذلك حتى استقام أمره. وملك البلد الجديد فتقبّض عليه وامتحنه، إلى أن هلك، والله وارث الأرض ومن عليها. (خلاف علي بن زكريا بجبل الهساكرة ونكبته) لما ملك السلطان البلد الجديد واستولى على ملكه، وفد عليه علي بن زكريا شيخ هسكورة مستصفيا [١] بما قدم من سوابقه. وقد كان حضر معه حصار البلد الجديد واستدعاه، فجاء بقومه وعساكر المصامدة وأبلى في حصارها، فرعى السلطان سوابقه وولّاه الولاية الكبرى على المصامدة على عادة الدولة في ذلك. ثم وفد معه محمد بن إبراهيم الميراري [٢] من شيوخ المصامدة وكانت له ذمّة صهر مع الوزير محمد ابن يوسف بن علّال على أخته، فولّاه السلطان مكان علي بن زكريا فغضب لها واستشاط وبادر إلى الانتقاض والخلاف. ونصب بعض القرابة من بني عبد الحق، فجهّز إليه السلطان العساكر مع محمد بن يوسف بن علّال وصالح بن حمّو الياباني وأمر صاحب درعة وهو يومئذ عمر بن عبد المؤمن بن عمر أن ينهض إليه بعساكر درعة من جهة القبلة، فساروا إليه وحاصروه في جبله. وجاولوه مرّات ينهزم في جميعها حتى غلبوه على جبله. وسار إلى إبراهيم بن عمران الصناكي المجاور له في جبله فاستذمّ به. وخشي إبراهيم معرّة الخلاف والغلب، ورغّبه الوزير محمد بن يوسف بما بذل له، فأمكنه منه، وقبض على الوزير وجاء به إلى فاس، فأدخله في يوم مشهود وشهّره، واعتقل فلم يزل في الاعتقال إلى أن هلك السلطان أبو العبّاس. وارتاب به أهل الدولة بعده فقتلوه، كما نذكره إن شاء الله تعالى. وفادة أبي تاشفين على السلطان أبي العباس صريخا على أبيه ومسيره بالعساكر ومقتل أبيه السلطان أبي حمو كان أبو تاشفين ابن السلطان أبي حمو قد وثب على أبيه آخر ثمان وثمانين وسبعمائة

стр. 4497

بممالئته لغيره من إخوته واعتقله بوهران. وخرج بالعساكر لطلب إخوته المنتصر وأبي زيّان وعمر [١] فامتنعوا عند حصين بجبل تيطرى فحاصرهم أياما. ثم تذكر غائلة أبيه، فبعث ابنه أبا زيّان في جماعة من بطانته منهم ابن الوزير عمران بن موسى وعبد الله بن جابر الخراساني، فقتلوا بعض ولده بتلمسان، ومضوا إليه وهو بمحبسه في وهران. فلمّا شعر بهم أشرف من الحصن ونادى في أهل المدينة متذمّما بهم، فهرعوا إليه. وتدلّى إليهم في عمامته وقد احتزم بها فأنزلوه وأحدقوا به وأجلسوه على سريره. وتولّى كبر ذلك خطيب البلد ابن جذورة [٢] ولحق أبو زيّان بن أبي تاشفين ناجيا إلى تلمسان. واتبعه السلطان أبو حمّو ففرّ منها إلى أبيه. ودخل أبو حمّو تلمسان وهي طلل وأسوارها خراب، فأقام فيها رسم دولته. وبلغ الخبر إلى أبي تاشفين فأجفل من تيطرى وأغذّ السير فدخلها. واعتصم أبوه بمئذنة المسجد، فاستنزله منها وتجافى عن قتله. ورغب إليه أبوه في رحلة المشرق لقضاء فرضه، فاسعفه وأركبه السفين مع بعض تجّار النصارى إلى الإسكندرية موكلا به. فلمّا حاذى مرسى بجاية لاطف النصراني في تخلية سبيله فأسعفه وملك أمره. وبعث إلى صاحب الأمر ببجاية يستأذنه في النزول، فأذن له. وسار منها إلى الجزائر، واستخدم العرب، واستصعب عليه أمر تلمسان، فخرج إلى الصحراء. وجاء إلى تلمسان من جهة المغرب فهزم عساكر ابنه أبي تاشفين وملكها. وخرج أبو تاشفين هاربا منها، فلحق بأحياء سويد في مشاتيهم. ودخل أبو حمّو تلمسان في رجب سنة تسعين وسبعمائة. وقد تقدّم شرح هذه الأخبار كلّها مستوعبة. ثم وفد أبو تاشفين مع محمد بن عريف شيخ سويد على السلطان أبي العبّاس صريخا على أبيه، ومؤمّلا الكرّة بإمداده. فبعث له السلطان وأجمل عليه المواعيد. وقام أبو تاشفين في انتظارها والوزير محمد بن يوسف بن علّال يعده ويمنّيه ويحلف له على الوفاء. وبعث السلطان أبو حمّو إلى ابن الأحمر لما يعلم من استطالته على دولة بني مرين كما مرّ، يتوسّل إليه في أن يصدّهم عن صريخ أبي تاشفين وإمداده عليه فجلا ابن الأحمر في ذلك وجعلها من أهمّ حاجاته. وخاطب السلطان أبا العباس في أن يجيز إليه أبا تاشفين، فتعلّل عليه في ذلك بأنه استجار بابنه أبي فارس، واستذمّ به. ولم يزل الوزير ابن علّال يفتل لسلطانه ولابن الأحمر في

стр. 4498

الذروة والغارب، حتى تمّ أمره وأنجز له السلطان بالنظر موعده. وبعث ابنه الأمير أبا فارس والوزير ابن علّال في العساكر صريخين له، وانتهوا إلى تازى. وبلغ الخبر إلى أبي حمّو فخرج من تلمسان في عساكره، واستألف أولياءه من عبيد الله. ونزل بالغيران من وراء جبل بني راشد المطلّ على تلمسان، وأقام هنالك متحصّنا بالجبل، وجاءت العيون إلى عساكر بني مرين بتازى بمكانه هو وأعرابه من الغيران، فأجمعوا غزوة. وسار الوزير علّال وأبو تاشفين وسلكوا القفر ودليلهم سليمان بن ناجي من الأحلاف. حتى صبّحوا أبا حمّو ومن معه من أحياء الجرّاح [١] في مكانهم بالغيران. فجاولوهم ساعة، ثم ولّوا منهزمين، وكبا بالسلطان أبي حمّو فرسه فسقط، وأدركه بعض أصحاب أبي تاشفين فقتلوه قعصا بالرماح، وجاءوا برأسه إلى ابنه أبي تاشفين والوزير ابن علّال، فبعثوا به إلى السلطان، وجيء بابنه عمير أسيرا، فهمّ أخوه أبو تاشفين بقتله، فمنعه بنو مرين أياما. ثم أمكنوه منه فقتله، ودخل تلمسان آخر إحدى وتسعين وسبعمائة وخيّم الوزير وعساكر بني مرين بظاهر البلد، حتى دفع إليهم ما شارطهم عليه من المال. ثم قفلوا إلى المغرب وأقام أبو تاشفين بتلمسان يقيم دعوة السلطان أبي العبّاس صاحب المغرب ويخطب له على منابر تلمسان وأعمالها، ويبعث إليه بالضريبة كل سنة، كما اشترط على نفسه. وكان أبو حمّو لما ملك تلمسان ولّى ابنه أبا زيّان على الجزائر، فلمّا بلغه مقتل أبيه امتعض ولحق بأحياء حصين ناجيا وصريخا. وجاءه وفد بني عامر من زغبة يدعونه للملك. فسار إليهم. وقام بدعوته شيخهم المسعود بن صغير، ونهضوا جميعا إلى تلمسان في رجب سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة فحاصرها أياما. ثم سرّب أبو تاشفين المال في العرب فافترقوا عن أبي زيّان، وخرج إليه أبو تاشفين فهزمه في شعبان من السنة. ولحق بالصحراء واستألف أحياء المعقل، وعاود حصار تلمسان في شوّال. وبعث أبو تاشفين ابنه صريخا إلى المغرب، فجاءه بمدد من العساكر. ولما انتهى إلى تاوريرت، أفرج أبو زيّان عن تلمسان وأجفل إلى الصحراء. ثم أجمع رأيه على الوفادة إلى صاحب المغرب، فوفد عليه صريخا فتلقّاه وبرّ مقدمه ووعده النصر من عدوّه. وأقام هنالك إلى حين مهلك أبي تاشفين، والله أعلم.

стр. 4499

(وفاة أبي تاشفين واستيلاء صاحب المغرب على تلمسان) لم يزل هذا الأمير أبو تاشفين مملكا على تلمسان ومقيما فيها لدعوة صاحب المغرب أبي العبّاس ابن السلطان أبي سالم، ومؤدّيا الضريبة التي فرضها عليه منذ ملك، وأخوه الأمير زيّان عند صاحب المغرب ينتظر وعده بالنصر عليه، حتى تغيّر السلطان أبو العباس على أبي تاشفين في بعض النزعات الملوكية، فأجاب داعي أبي زيّان وجهّزه بالعساكر لملك تلمسان. فسار لذلك منتصف سنة خمس وتسعين وسبعمائة وانتهى إلى تازى، وكان أبو تاشفين قد طرقه مرض أزمن به، ثم هلك منه في رمضان من السنة. وكان القائم بدولته أحمد بن العزّ من صنائعهم وكان يمت إليه بخؤولة، فولّى بعده مكانه صبيا من أبنائه، وأقام بكفالته. وكان يوسف بن أبي حمّو وهو ابن الزابية واليا على الجزائر من قبل أبي تاشفين، فلمّا بلغه الخبر أغذّ السير مع العرب فدخل تلمسان، وقتل أحمد بن العزّ والصبي المكفول ابن أخيه أبي تاشفين، فلمّا بلغ الخبر إلى السلطان أبي العبّاس صاحب المغرب خرج إلى تازى، وبعث من هنالك ابنه أبا فارس في العساكر وردّ أبا زيّان بن أبي حمّو إلى فاس، ووكّل به. وسار ابنه أبو فارس إلى تلمسان فملكها واقام فيها دعوة أبيه. وتقدّم وزير أبيه صالح بن أبي حمّو إلى مليانة، فملكها وما بعدها من الجزائر وتدلس إلى حدود بجاية. واعتصم يوسف بن الزابية بحصن تاجمعومت وأقام الوزير صالح يحاصره. وانقرضت دعوة بني عبد الواد من المغرب الأوسط، والله غالب على أمره. وفاة أبي العباس صاحب المغرب واستيلاء أبي زيان بن أبي حمو على تلمسان والمغرب الأوسط كأن السلطان أبو العبّاس بن أبي سالم لما وصل إلى تازى وبعث ابنه أبا فارس إلى تلمسان فملكها، وأقام هو بتازى يشارف أحوال ابنه ووزيره صالح الّذي تقدّم لفتح البلاد الشرقية. وكان يوسف بن علي بن غانم أمير أولاد حسين من المعقل قد حجّ

стр. 4500

سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة واتصل بملك مصر من الترك الملك الظاهر برقوق. وتقدّمت إلى السلطان فيه وأخبرته بمحله من قومه، فأكرم تلقّيه وحمله بعد قضاء حجّه هدية إلى صاحب المغرب، يطرفه فيها بتحف من بضائع بلده على عادة الملوك. فلمّا قدم يوسف بها على السلطان أبي العبّاس أعظم موقعها وجلس في مجلس حفل لعرضها والمباهاة بها. وشرع في المكافأة عليها بمتخير الجياد والبضائع والثياب، حتى استكمل من ذلك ما رضيه. واعتزم على إنفاذها مع يوسف بن علي حاملها الأول. وأنه يرسله من تازى أيام مقامته تلك، فطرقه هنالك مرض كان فيه حتفه في محرم سنة ست وتسعين وسبعمائة واستدعوا ابنه أبا فارس من تلمسان فبايعوه بتازى وولّوه مكانه، ورجعوا به إلى فاس. وأطلقوا أبا زيّان بن أبي حمّو من الاعتقال، وبعثوا به إلى تلمسان أميرا عليها، وقائما بدعوة السلطان أبي فارس فيها، فسار إليها وملكها، وكان أخوه يوسف بن الزابية قد اتصل بأحياء بني عامر يروم ملك تلمسان والاجلاب عليها، فبعث إليهم أبو زيان عند ما بلغه ذلك وبذل لهم عطاء جزيلا على أن يبعثوا به إليه، فأجابوه إلى ذلك، وأسلموه إلى ثقات أبي زيّان. وساروا به فاعترضهم بعض أحياء العرب ليستنقذوه منهم، فبادروا بقتله، وحملوا رأسه إلى أخيه أبي زيّان فسكنت أحواله وذهبت الفتنة بذهابه، واستقامت أمور دولته. وهم على ذلك لهذا العهد، والله غالب على أمره، وهو على كل شيء قدير. وقد انتهى بنا القول في دولة بني عبد الواد من زناتة الثانية، وبقي علينا خبر الرهط الذين تحيّزوا منهم إلى بني مرين من أول الدولة. وهم بنو كمي من فصائل علي بن القاسم إخوة طاع الله بن علي، وخبر بني كندوز أمرائهم بمراكش. فلنرجع إلى ذكر أخبارهم، وبها نستوفي الكلام في أخبار بني عبد الواد. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين .

стр. 4501

الخبر عن القرابة المرشحين من آل عبد الحق من الغزاة المجاهدين بالأندلس الذين قاسموا ابن الأحمر في ملكه وانفردوا برياسة جهاده كانت الجزيرة الأندلسية وراء البحر منذ انقراض [١] أمر بني عبد المؤمن وقيام ابن الأحمر بأمرها، قليلة الحامية، ضعيفة الأحوال إلّا من يلهمه الله لعمل الجهاد من قبائل زناتة المؤمّلين كرّة الملك والمقتسمين ممالك المغرب، وخصوصا بني مرين أهل المغرب الأقصى لاتّصال عدوة الأندلس ببسائطه ولتعدّد الفراض ببحر الزقاق القريب العدوتين. وما زال أهل الزقاق على قديم الزمان لأجل ذلك فرضة دون سواحل المغرب. (ولما استولى) بنو مرين على ممالكه، وضاقت أحوال المسلمين بالأندلس، وأخذ بمخنقهم الطاغية حتى ألجأهم إلى سيف البحر واستأثر بالقوسرة [٢] وما وراءها. واستأثر بنو القمص أهل برشلونة وقطلوسة بشرق الأندلس. وانتشر في الأقطار ما كان من أمر قرطبة وأضنيها إشبيلية وبلنسية، وامتعض لذلك المسلمون وتنافسوا في الجهاد وإمداد الأندلس بأموالهم وأنفسهم، وسابق الناس إلى ذلك الأمير ابو زكريا بن أبي حفص بما كان صاحب الوقت والمؤمّل للكرّة، فاستنفذ الكثير من أمواله ومقرّباته في إمدادهم بعد أن كانوا آثروا القيام بدعوته، وأوفدوا عليه المشيخة ببيعتهم. وكان ليعقوب بن عبد الحق أمل في الجهاد وحرص عليه. فاعتزم في سلطان أخيه أبي يحيى على الإجازة لذلك، فمنعه ضنّة به عن الاغتراب عنه. وأوعز إلى صاحب سبتة يومئذ أبي علي بن خلاص بمنعه منها، فوعّر له السبيل وسدّ عليه المذاهب. ولم ينشب يعقوب بن عبد الحق أن قام بسلطان المغرب بعد أخيه أبي يحيى وشغل بشأنه. وأهمّه شأن ابن أخيه إدريس منهم في الجهاد بعد العدوة، فاغتنمها منه وعقد له من مطوعة زناتة على ثلاثة آلاف أو يزيدون. وأجاز معه رحّو ابن عمه عبد الله بن عبد الحق. وفصلوا إلى الأندلس سنة إحدى وستين وستمائة فحسنت

стр. 4502

آثارهم في الجهاد وكرمت مقاماتهم. ثم رجع عامر بن إدريس إلى المغرب وكثر انتقاض القرابة. ونافسهم أقيال زناتة في مثلها، فاجتمع أبناء الملوك بالمغرب الأوسط مثل عبد الملك ويغمراسن بن زيان وعامر بن منديل بن عبد الرحمن وزيان بن محمد ابن عبد القوي فتعاقدوا على الإجازة إلى الأندلس إلى الجهاد، وأجازوا فيمن خفّ معهم من قومهم سنة ست وسبعين وستمائة، فامتلأت الأندلس بأقيال زناتة وأعياص الملك منهم. وكان فيمن أجاز من أعياصهم بنو عيسى بن يحيى بن وسناف بن عبّو ابن أبي بكر بن حمامة. ومنهم سليمان وإبراهيم [١] وكانت لهما آثار في الجهاد ومقامات محمودة، وكان موسى بن رحّو لما نازلة السلطان وبني أبيه عبد الله بن عبد الحق بحصن علودان ونزلوا على عهده لحق بتلمسان. وكان بنو عبد الله بن عبد الحق وإدريس بن عبد الحق عصبة من بين سائرهم، لأنّ عبد الله وإدريس كانا شقيقين لسوط النساء بنت عبد الحق، فاقتفى أثر يعقوب بن عبد الحق بن عبد الله محمدا ابن عمّه إدريس، وخرج على السلطان بقصر كتامة سنة ثلاث وستين وستمائة، ثم استرضاه عمّه واستنزله. وبقي يعقوب بن عبد الله في انتقاضه ينتقل في الجهات إلى أن قتله طلحة بن محلى من أولياء السلطان سنة ثلاث وستين وستمائة بجهات سلا، فكفى السلطان شأنه. ولما كان من عهد السلطان لابنه أبي مالك ما قدّمناه نفّس عليه هؤلاء القرابة هذا الشأن، فانتفضوا ولحق ابن إدريس بحصن علودان. ولحق موسى بن رحّو بن عبد الله بجبال غمارة ومعه أولاد عمه أبي عياد بن عبد الحق، ونازلهم السلطان حتى نزلوا على عهده، وأجازهم إلى الأندلس سنة سبعين وستمائة، فأقاموا بها للجهاد سوقا ونافسهم أقيال زناتة في مثلها بتلمسان، وأجاز منها إلى الأندلس سنة سبعين وستمائة، فولاه السلطان ابن الأحمر على جميع الغزاة المجاهدين هنالك، لما كان كبيرهم ومحلّ سؤلهم [٢] . ولم يلبث أن عاد إلى المغرب، فولّى السلطان مكانه أخاه عبد الحق. ثم رجع عنه مغاضبا إلى تلمسان، فولي مكانه على الغزاة المجاهدين إبراهيم بن عيسى بن يحيى بن وسناف إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 4503

الخبر عن موسى بن رحو فاتح هذه الرئاسة بالأندلس وخبر أخيه عبد الحق من بعده وابنه حمو بن عبد الحق بعدهما لما هلك السلطان الشيخ بن الأحمر وولي ابنه السلطان الفقيه، ووفد على السلطان يعقوب بن عبد الحق صريخا للمسلمين، فأجاز إليه أوّل إجازته سنة ثلاث وسبعين وستمائة وأوقع بجيوش النصرانية. وقتل الزعيم دنّنه واستولى له الغلب على الأندلس، وبدا لابن الأحمر في أمره وخشي مغبته، وتوقع أن يكون شأنه معه شأن يوسف بن تاشفين والمرابطين مع ابن عياد. وكان بالأندلس قرابته بنو أشقيلولة قد قاسموه في ممالكها، وانفردوا بوادي آش ومالقة وقمارش حسبما ذكرناه في أخباره مع السلطان، وانتقض عليه أيضا من رؤساء الأندلس ابن عبدريل [١] وابن الدليل، فكانوا يجلبون على بلاد المسلمين. وكانوا قد استنجدوا جيوش النصرانية ونازلوا غرناطة، وعاثوا في الجهات، فلما استوت قدم السلطان يعقوب بن عبد الحق بالأندلس، وصل هؤلاء الثوّار به أيديهم، فخشيهم ابن الأحمر جميعا على نفسه. وقلب السلطان ليوسف ظهر المجن، واستظهر عليه بالأعياص من قرابته. وكان هؤلاء القرابة من أولاد رحّو بن عبد الله بن عبد الحق وإدريس بن عبد الحق، وينسبون جميعا إلى سوط النساء كما ذكرناه، ومن أولاد أبي عياد بن عبد الحق لما أوجسوا الخيفة من السلطان واستشعروا النكير منه، لحقوا بالأندلس ثورية بالجهاد، وانتبذوا عن الهول [٢] فرارا من محله. وقد كان السلطان أبو يوسف حين انتقضوا عليه أشخصهم إلى الأندلس، فاجتمع منهم عند ابن الأحمر عصابة من أولاد عبد الحق كما قلناه، وأولاد وسناف وأولاد نزّول وتاشفين بن معطي كبير بني تيربيغن من بني محمد. وتبعهم أولاد محلى أخوال السلطان أبي يوسف، وكان ابن الأحمر كثيرا ما يعقد لهم على الغزاة المجاهدين من زناتة لدار الحرب، فعقد أولا لموسى بن رحّو سنة ثلاث وسبعين وستمائة ولأخيه عبد الحق بعد انصرافه إلى المغرب، ثم لإبراهيم بن عيسى بعد انصرافهما معا كما قلناه. ثم رجعا فعقد لموسى بن رحّو ثانية على أشياخه،

стр. 4504

وأثبت له قدما في الرئاسة ليحسن به دفاع السلطان أبي يوسف عنهم. ثم تداولت الامارة فيهم ما بينهم وبين عمومتهم. وربما عقد قبل ذلك أزمان الفترة ليعلى بن أبي عيّاد بن عبد الحق في بعض الغزوات، ولتاشفين بن معطي في أخرى سنة تسع وسبعين وستمائة ومعه طلحة بن محلى، فاعترضوا الطاغية دون حصر المسلمين وربّما كان لهم الظهور. ثم حدثت الفتنة بينه وبين السلطان أبي تاشفين وعقد ابن الأحمر في بعض حروبه معه ليعلى بن أبي عياد على زناتة جميعا، وحاشهم إلى رايته، فانفضّت جموع أبي يوسف، وظهروا عليه، وتقبّضوا في المعركة على ابنه منديل، واستاقوه أسيرا إلى أن أطلقه السلطان ابن الأحمر في سلم عقده بعد مهلكه، مع أبيه يوسف بن يعقوب. واستبدّ موسى بن رحّو من بعدها بإمارة الغزاة بالأندلس إلى أن هلك، فوليها من بعده أخوه عبد الحق إلى أن هلك سنة تسع وسبعين وستمائة وكان مظفّر الراية على عدوّ المسلمين. ولمّا هلك ولي من بعده ابنه حمّو بن عبد الحق فكانت هذه الامارة متّصلة في بني رحّو إلى أن انتقلت منهم إلى إخوانهم من بني أبي العلاء وغيرهم. واندرج حمّو في جملة عثمان بن أبي العلاء من بعد حسبما نذكر. وأمّا إبراهيم بن عيسى الوسنافي فإنه رجع إلى المغرب، ونزل على يوسف بن يعقوب وقتله بمكانه من حصار تلمسان بعد حين من الدهر، وبعد أن كبر وعمي. والله مالك الأمور لا ربّ غيره، وكان مهلك ابن أبي عيّاد سنة سبع وثمانين وستمائة ومعطي بن أبي تاشفين سنة تسع وثمانين وستمائة وطلحة بن محلى سنة ست وثمانين وستمائة والله أعلم. (الخبر عن عبد الحق بن عثمان شيخ الغزاة بالأندلس) كان عبد الحق هذا من أعياص الملك المريني ويعاسيبهم وهو من ولد محمد بن عبد الحق ثاني الأمراء على بني مرين بعد أبيهم عبد الحق. وهلك أبوه عثمان بن محمد بالأندلس إحدى أيام الجهاد سنة تسع وسبعين وستمائة وربّي عبد الحق هذا في حجر السلطان يوسف بن يعقوب إلى أن كان من أمر خروجه مع الوزير رحّو بن يعقوب على السلطان أبي الربيع ما ذكرناه في أخباره. ولحق بتلمسان وأجاز منها إلى الأندلس،

стр. 4505

وسلطانه يومئذ أبو الجيوش ابن السلطان الفقيه. وشيخ زناتة حمّو بن عبد الحق بن رحّو. وخاطبهم السلطان أبو سعيد ملك المغرب في اعتقاله، فأجابوه وفرّ من محبسه، ولحق بدار الحرب. ولما انتقض أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد وبايع لنفسه بمالقة، وزحف إلى غرناطة فنازلها، ووقعت الحرب بظاهرها بين الفريقين وأخذ في بعض حروبهما [١] حمّو بن عبد الحق أسيرا، وسيق إلى السلطان أبي الوليد. وكان معه عمّه أبو العبّاس بن رحّو فأبى من اسار ابن أخيه وخلّى عنه، فرجع إلى سلطانه فارتاب به لذلك. وعقد على الغزاة مكانه لعبد الحق بن عثمان استدعاه من مكانه بدار الحرب. ثم غلبهم أبو الوليد على غرناطة. وتحوّل أبو الجيوش على وادي آش على سلم انعقد بينهم، وسار معه عبد الحق بن عثمان على شأنه. ثم وقعت بينه وبين أبي الجيوش مغاضبة، لحق لأجلها بالطاغية وأجاز إلى سبتة، فاستظهر به أبو يحيى بن أبي طالب العزفي أيام حصار السلطان أبي سعيد إياه، فكان له في حماية ثغره والدفاع عنه آثار مذكورة. ثم عقد السلطان أبو سعيد السلم ليحيى العزفي، وأفرج عنه، فارتحل عبد الحق بن عثمان إلى إفريقية. ونزل ببجاية سنة تسع عشرة وسبعمائة على أبي عبد الرحمن بن عمر صاحب السلطان أبي يحيى المستبدّ بالثغور الغربيّة، فأكرم نزله، وأوسع قراره، وضرب له الفساطيط بالزينة [٢] من ساحة البلد استبلاغا في تكريمه وحمله وأصحابه على مائة وخمسين من الخيل، ثم أقدمهم على السلطان بتونس فبرّ مقدمهم، وخلط عبد الحق بنفسه وآثره بالخلّة والصحابة، وأجلّه بمكان الاستظهار به وبعصابته. ولما عقد السلطان لمحمد بن سيّد الناس على حجابته سنة سبع وعشرين وسبعمائة واستقدمه لذلك من ثغر بجاية كما ذكرناه، عظمت رياسته واستغلظ حجّابه، وحجب عبد الحق ذات يوم عن بابه، فسخطها وذهب مغاضبا، وداخل أبا فارس في الخروج على أخيه، فأجابه وخرج به من تونس، فكان من خبرهم ومقتل أبي فارس وخلوص عبد الحق إلى تلمسان ونزوله على أبي تاشفين، وغزوة إلى إفريقية مع عساكر بني عبد الواد سنة سبع وعشرين وسبعمائة ما ذكرناه في أخبار الدولة الحفصيّة. ثم لما رجع بنو عبد الواد إلى تلمسان صمد مولانا السلطان أبو يحيى إلى تونس في

стр. 4506

أخريات سنته. وفرّ ابن أبي عمران السلطان المنصوب بتونس من بني أبي حفص إلى أحياء العرب، وتقبّض على أبي رزين [١] ابن أخي عبد الحق بن عثمان في جملة من أصحابه، فقتله قعصا بالرماح. ورجع عبد الحق بن عثمان إلى مكانه من تلمسان، فأقام بمثواه عند أبي تاشفين متبوّئا من الكرامة والاعتزاز ما شاء إلى أن هلك بمهلك أبي تاشفين يوم اقتحم السلطان أبو الحسن تلمسان عليهم سنة سبع وثلاثين وسبعمائة وقتلوا جميعا عند قصر الملك أبو تاشفين وأبناء عثمان ومسعود وحاجبه موسى بن علي، ونزيله عبد الحق هذا، وأبو ثابت ابن أخيه، فقطعت رءوسهم وتركت أشلاؤهم بساحة القصر عبرة للمعتبرين حسبما ذكرناه في أخبار أبي تاشفين، والله أعلم. (الخبر عن عثمان بن أبي العلاء من أمراء الغزاة المجاهدين بالأندلس) كان أولاد سوط النساء من ولد عبد الحق، أهل عصابة واعتزاز على قومهم، وهم أولاد إدريس وعبد الله ابنيها والشقيقين كما ذكرناه. وكان مهلك إدريس الأكبر يوم مهلك أبيه بتافريطت [٢] ومهلك عبد الله قبله. وخلف عبد الله ثلاثة من الولد تشعّب فيهم نسله، وهم: يعقوب ورحّو وإدريس. واستعمل أبو يحيى بن عبد الحق يعقوبا منهم على سلا عند افتتاحه إياها سنة تسع وأربعين وستمائة ثم انتزى بها بعد ذلك على عمّه يعقوب سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكان من شأن ثورة النصارى به ما ذكرناه، واستخلصها يعقوب بن عبد الحق ولحق يعقوب بن عبد الله بعلودان من بلاد غمارة، وامتنع بها، وخرج على أثره ابنا عمّه إدريس وهما: عامر ومحمد، وانتزوا بالقصر الكبير، ولحق بهم كافة أولاد سوط النساء. وطالبهم السلطان فلحقوا بجبال غمارة ونازلهم، ثم استنزلهم بعد ذلك على الأمان، وعقد لعامر على الغزو إلى الأندلس سنة ستين وستمائة كما ذكرناه، وأجاز معه رحّو بن عبد الله. ورجع محمد بن عامر ومرّ إلى تلمسان سنة ثمانين وستمائة وأجاز منها إلى الأندلس.

стр. 4507

ثم خرجوا على السلطان يعقوب بن عبد الحق سنة تسع وثمانين وستمائة [١] ومعهم ولد أبي عياد بن عبد الحق واعتصموا بعلودان، واستنزلهم السلطان على اللحاق بتلمسان فلحقوا بها. وأجاز أولاد سوط النساء وأولاد أبي عياد كافة إلى الأندلس واستقرّوا بها يومئذ، ورجع عامر منهم ومحمد وكان من خبره ما نذكر. وهلك يعقوب بن عبد الله سنة ثمان وستين وستمائة في اغترابه بقفوله من رباط الفتح، قتله طلحة بن محلى. واستقرّ بنوه من أولاد سوط النساء بالمغرب، وكان ابنه أبو ثابت أميرا على بلاد السوس أيام السلطان يوسف بن يعقوب وأوقع بالركبة [٢] سنة تسع وتسعين وستمائة ولم يزل بنوه بالمغرب من يومئذ. وكان من إخوانه أبي العلاء ورحّو ابنا عبد الله بن عبد الحق تشعّب نسله فيهما، وأجاز رحّو إلى الأندلس مع عامر ومحمد ابن عمّه إدريس. ثم أجاز موسى ابنه سنة تسع وتسعين وستمائة [٣] مع أولاد أبي عيّاد وأولاد سوط النساء. ثم رجع إلى محلّه من الدولة وفرّ ثانيا سنة خمس وسبعين وستمائة إلى تلمسان، وأجاز منها إلى الأندلس واستقرّ بها. وأجاز أولاد أبي العلاء سنة خمس وثمانين وستمائة مع أولاد أبي يحيى بن عبد الحق وأولاد عثمان بن عبد الحق واستقرّوا بالأندلس، وكانوا يرجعون في رياستهم لكبيرهم عبد الله بن أبي العلاء. وعقد له ابن الأحمر على الغزاة من زناتة فيمن كان يعقد لهم من زناتة قبل استقرار المنصب، إلى أن هلك شهيدا في إحدى غزوات سنة ثلاث وتسعين وستمائة وعقد المخلوع ابن الأحمر لأخيه عثمان بن أبي العلاء، على حامية مالقة وغربيّها من الغزاة لنظر ابن عمّه الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر. ولما غدر الرئيس أبو سعيد بسبتة سنة خمس وسبعمائة وتمّت له في مثلها الحيلة، واضطرمت نار العداوة بينه وبين صاحب المغرب، فنصبوا عثمان هذا للأمر، وأجازوه إلى غمارة، فثار بها ودعا لنفسه، وتغلّب على أصيلا والعرائش، وكان ما ذكرنا إلى أن غلبه أبو الربيع سنة ثمانين وستمائة، ورجع إلى مكانه بالأندلس ولما اعتزم أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد على الخروج على أبي الجيوش صاحب غرناطة، داخل في ذلك شيخ الغزاة بمالقة عثمان بن أبي العلاء، فساعده عليه، واعتقل أباه الرئيس أبا سعيد، وزحف

стр. 4508

إلى غرناطة سنة أربع عشرة وسبعمائة فلما استولى عليها عقد لعثمان هذا على إمارة الغزاة المجاهدين من زناتة، وصرف عنها عثمان بن عبد الحق: بن عثمان، فلحق بوادي آش مع أبي الجيوش. وصار حمّو بن عبد الحق بن رحّو في جملته بعد أن كان شيخا على الغزاة كما قلناه. واستمرّت أيام ولاية عثمان هذا، وبعد فيها صيته، وغصّ صاحب المغرب أبو سعيد بمكانه، ولما استصرخه المسلمون للجهاد سنة ثمان عشرة وسبعمائة اعتذر بمكان عثمان هذا، واشترط عليهم القبض عليه حتى يرجع عنهم فلم يكن ذلك، ونازل الطاغية غرناطة وحاصرها، وكان لعثمان وبنيه في ذلك آثار مذكورة. وأتاح الله للمسلمين في النصرانية على يد عثمان هذا وبنيه ما لم يخطر على قلب أحد منهم، فتأكّد اغتباط الدولة والمسلمين بمكانهم إلى أن هلك أبو الوليد سنة خمس وعشرين وسبعمائة، باغتيال بعض الرؤساء من قرابته بمداخلة عثمان هذا، زعموا في غدره، ونصّب للأمر ابنه محمد صبيا لم يبلغ الحلم. وأقام بأمره وزيره محمد بن المحروق من صنائع دولتهم، فاستبدّ عليه وألقى زمام الدولة بيد عثمان في النقض والإبرام، فاعتزّ عليهم وقاسمهم في الأمر، واستأثر في أعطيات الغزاة بكثير من أموال الجباية، حتى خشي الوزير على الدولة. وأدار الرأي في كبره [١] على التغلّب، فجمح وفسد ما بينه وبين الوزير ابن المحروق، فانتقض عليه وخرج مغاضبا، فاضطربت فساطيطه بمرج غرناطة. واعصوصب جماعة الغزاة من قبائل زناتة عليه، واعتصم الوزير وأهل الدولة بالحمراء وسعى الناس بينهما أياما، وأدار الوزير الرأي في أن ينصب له كفؤا من قرابته، يجاذبه الحبل ويشغله بشأنه عن الدولة، فجأجأ بيحيى بن عمر بن رحّو بن عبد الله بن عبد الحق وكان في جملة عثمان وأصهر إليه في ابنته. وعقد له على الغزاة وتسايلوا إليه. وبرز [٢] عثمان بمعسكره في عشيرة وولده، وعقد معه السلم في أن يجيز إلى المغرب. وأوفد بطانته على السلطان أبي سعيد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وارتحل من ساحة غرناطة في ألف فارس من ذويه وأقاربه وحشمه. وقصد تدرش [٣] ليجعلها فرضة لمجازه، حتى إذا حاذى تدرش [٤]

стр. 4509

وكان بينه وبين رؤسائها مداخلة، فخرجوا إليه مؤدّين حق مبرّته، فغدر بهم وأركب إليها فملكها وضبطها، وأنزل بها حرمه وأثقاله. ودعا محمد ابن الرئيس أبي سعيد من شلوبانية كان منزلا بها، فجاء إليه ونصّبه للأمر، وشنّ الغارات على غرناطة صباحا ومساء، واضطرمت نار الفتنة. واستركب يحيى بن رحّو من قدر عليه من زناتة. وطالت الحرب سنين حتى إذا فتك السلطان محمد بن الأحمر بوزيره ابن المحروق، استدعى عثمان بن أبي العلاء، وعقد له السلم على أن يجيز عمّه إلى المغرب ويلحق بغرناطة لشأنه من رياسة الغزاة، فتمّ ذلك سنة تسع وعشرين وسبعمائة ورجع إلى مكانه من الدولة. وهلك إثر ذلك لسبع وثلاثين سنة من إمارته على الغزاة. والبقاء للَّه وحده. (الخبر عن رياسة ابنه أبي ثابت من بعده ومصير أمرهم) لما هلك شيخ الغزاة ويعسوب زناتة عثمان بن أبي العلاء، قام بأمره وقومه ابنه أبو ثابت عامر، وعقد السلطان أبو عبد الله بن أبي الوليد له على الغزاة المجاهدين كما كان أبوه، فعظم شأنه قوّة وشكيمة وكثرة عصابة ونفوذ رأي وبسالة. وكان لقومه اعتزاز على الدولة، بما عجموا من عودها، وكانوا أولي بأس وقوّة فيها واستبداد عليها، وكان السلطان محمد بن أبي الوليد مستنكفا عن الاستبداد عليه في القلّة والكثرة، فكان كثيرا ما يخرّقهم [١] بتسفيه آرائهم والتضييق عليهم في جاههم. ولما وفد على السلطان أبي الحسن سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة صريخا على الطاغية، واستغذّ ابنه الأمير أبا مالك لمنازلة جبل الفتح، اتهموه بمداخلة السلطان أبي الحسن في شأنهم، فتنكّروا وأجمعوا الفتك به، وداخلوا في ذلك بعض صنائعه ممن كان متربّصا بالدولة فساعدهم. ولمّا افتتح الجبل وكان من شأنه ما قدّمنا ذكره، وزحف الطاغية فأناخ عليه، وقصد ابن الأحمر الطاغية في بنيه راغبا أن يرجع إلى الحصن، فرجع

стр. 4510

وافترقت عساكر المسلمين، ارتحل السلطان ابن الأحمر إلى غرناطة سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة وقد قعدوا له بمرصد من طريقه. ونمي الخبر إليه، فدعا بأسطوله لركوب البحر إلى مالقة، واستبق إليهم الخبر بذلك، فتبادروا إليه ولقوة بطريقة من ساحل اصطبونة، فلاحوه وعاتبوه في شأن صنيعته عاصم من معلوجيه، وحاجّهم عنه، فاعتوروا عاصما بالرماح فنكر ذلك عليهم، فألحقوه به، وخرّ صريعا عن مركوبة، وبعثوا إلى أخيه يوسف فأعطوه بيعتهم، وصفقة أيمانهم، ورجعوا به إلى غرناطة وهو حذر منهم لفعلتهم التي فعلوا. واستمرّت الحال على ذلك. ولما استكمل السلطان أبو الحسن فتح تلمسان وصرف عزائمه إلى الجهاد داخل ابن الأحمر في إزاحتهم عن الأندلس مكان جهاده، فصادف منه إسعافا وقبولا وحرصا على ذلك، وتقبّض على أبي ثابت وإخوته إدريس ومنصور وسلطان. وفرّ أخوهم سليمان فلحق بالطاغية، وكان له في يوم طريف أثر في الإيقام بالمسلمين، ولما تقبّض ابن الأحمر على أبي ثابت وإخوته، أودعهم جميعا المطبق أياما، ثم غرّبهم إلى إفريقية، فنزلوا بتونس على مولانا السلطان أبي يحيى. وأوعز إليه السلطان أبو الحسن بالتوثق منهم أن يتصلوا بنواحي المغرب، ويخالفوه إليها أيام شغله بالجهاد في الأندلس، فاعتقلهم وأوفد أبا محمد بن تافراكين إلى سدّة السلطان أبي الحسن إليه شفيعا فيهم، فتقبّل شفاعته وأحسن نزلهم وكرامتهم، حتى إذا احتلّ بسبتة أيام حصار الجزيرة في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة سعى بهم عنده، فتقبّض عليهم واعتقلهم بمكناسة. ولما انتزى ابنه الأمير أبو عنان على الأمر. وهزم منصور ابن أخيه أبي مالك صاحب فاس، ونازلة بالبلد الجديد، بعث فيهم إلى مكناسة، فأطلقهم من الاعتقال وأفاض فيهم الإحسان، واستظهر على شأنه. وأحلّ ابا ثابت محل الشورى من مجلسه، وداخل إدريس أخاه في المكر بالبلد الجديد، فنزع إليها ومكر بهم، وثار عليهم إلى أن نزلوا على حكم السلطان أبي عنان، فعقد لأبي ثابت على سبتة وبلاد الريف ليشارف منها الأندلس محل إمارته. وأطلق يده في المال والجيش، وفصل لذلك، فهلك بالطاعون يومئذ سنة تسع وأربعين وسبعمائة بمعسكره إزاء معسكر السلطان من حصار البلد الجديد. واستقرّ إخوانه في إيالة السلطان أبي عنان بالمغرب الأقصى إلى أن كان من مفرّ أخيه إدريس وولايته على الغزاة بالأندلس، ما نذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 4511

الخبر عن يحيى بن عمر بن رحو وإمارته على الغزاة بالأندلس أوّلا وثانيا ومبدإ ذلك وتصاريفه كان رحّو بن عبد الله كبير ولد عبد الله بن عبد الحق، وكان له بنون كثيرون، وتشعّب نسله فيهم، منهم: موسى وعبد الحق والعبّاس وعمر ومحمد وعلي ويوسف. أجازوا كلهم إلى الأندلس مع أولاد سوط النساء من تلمسان كما قدّمناه. وأقام عمر بعدهم بتلمسان مدّة واتخذ بها الأهل والولد. ثم لحقهم وولّى موسى إمارة الغزاة بعد إبراهيم ابن عيسى الوسنافي، وبعده أخوه عبد الحق على الغزاة أقام بها مدّة وأجاز إلى سبتة مع الرئيس أبي سعيد وعثمان بن أبي العلاء سنة خمس وسبعمائة وولي بعدها على الغزاة المجاهدين. ثم رجع إلى الأندلس، ولم يلبث بها أن أجاز إلى المغرب. ونزل على السلطان أبي سعيد، فأكرم نزله، ثم رجع إلى الأندلس. ولما ولي إمارة الغزاة عثمان بن أبي العلاء، وكان بينهم من المنافسة ما يكون بين فحول الشول، أشخص بني رحّو جميعا إلى إفريقية، فنزلوا على مولانا السلطان أبي يحيى خير نزل، اصطفاهم واستخلصهم واستظهر جمعهم في حروبه. وهلك عمر بن رحّو ببلاد الجريد وقبره ببشرى من نفزاوة معروف، ونزع ابنه يحيى من بين إخوته عن مولانا السلطان أبي يحيى، وصار في جملة ابن أبي عمران، ثم لحق بزواوة وأقام في بني يتراتن [١] سنين، ثم أجاز إلى الأندلس واستقرّ بمكانه من قومه. واصطفاه عثمان بن أبي العلاء وأصهر إليه بابنته، وخلطه بنفسه. ولما فسد ما بينه وبين ابن المحروق وزير السلطان بغرناطة سنة سبع وعشرين وسبعمائة واعصوصب عليه الغزاة بمعسكره من مرج غرناطة دسّ إليه يومئذ ابن المحروق إلى يحيى بن عمر هذا. ودعاه إلى مكان عمله ليضبطه [٢] بذلك، فأجاب ونزع عن عثمان وقومه إلى ابن المحروق وسلطانه. وعقد له على الغزاة فتسايلوا إليه عن عثمان شيخهم، وانصرف إلى المدية وكان من شأنه ما قصصناه في أخباره، وأقام يحيى بن عمر في رياسته إلى أن هلك ابن المحروق بفتكة سلطانه. واستدعى عثمان بن أبي العلاء للرئاسة فرجع إليها.

стр. 4512

وصرف يحيى بن عمر إلى وادي آش، وعقد له على الغزاة بها فأقام حينا، ثم رجع إلى مكانه بين قومه. واصطفاه عثمان بن أبي العلاء وابنه أبا ثابت لما كانت أمه بنت موسى بن رحّو، فكان يتعصّب لخؤولته فيهم ثم هلك عثمان وكان ما قدّمناه من شأن ولده وفتكهم بالسلطان المخلوع. وتقبّض أخوهم أبو الحجاج عليهم، وأشخصهم إلى إفريقية وقوّض مباني رياستهم. وعقد على الغزاة مكانهم ليحيى بن عمر هذا، فاضطلع بها أحسن اضطلاع. واستمرّت حاله وحضر مشاهد أبي الحجاج مع السلطان أبي الحسن، فظهرت كفايته وغناؤه. ولما هلك أبو الحجّاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة طعينا بمصلّى العيد، في آخر سجدة من صلاته، بيد عبد من عبيد اصطبله مصاب في عقله، أغري زعموا به، وقتل لحينه هبرا بالسيوف. وبويع لابنه محمد، أخذ له البيعة على الناس يومئذ مولاه رضوان من معلوجاتهم، حاجب أبيه وعمّه. وقام بأمره واستبدّ عليه وحجره، فقاسم يحيى بن عمر هذا في شأنه وشاركه في أمره وشدّ أزر سلطانه به، حتى إذا ثار بالحمراء الرئيس ابن عمّهم محمد ابن إسماعيل بن محمد ابن الرئيس أبي سعيد قائما بدعوة إسماعيل بن أبي الحجاج أخي السلطان محمد كان ساكنا بالحمراء. وتحيّنوا لذلك مغيب السلطان في متنزهه بروضة خارج الحمراء، فخالفوه إليها وكبسوها ليلا فقتلوا الحاجب المستبد رضوان. وأجلس السلطان على سرير ملكه ونادوا بالناس إلى بيعته. ولما أصبح غدا عليهم يحيى بن عمر بعد أن يئسوا منه وخشوا عاديته، فأتاهم ببيعته وأعطى عليها صفقته وانصرف إلى منزله. وبعد استيلائهم استخلصوا إدريس بن عثمان بن أبي العلاء، كان وصل إليهم من دار الحرب بأرض برشلونة كما نذكر. وولّوه إمارة الغزاة وائتمروا في التقبّض على يحيى بن عمر. ونذر بذلك فركب في حاشيته يؤمّ دار الحرب من أرض الجلالقة، واتبعه إدريس فيمن إليه من قومه، فقاتلهم صدر نهاره وفضّ جموعهم. ثم خلص إلى تخوم النصرانية ولحق منها بسدّة ملك المغرب أثر سلطانه المخلوع محمد بن أبي الحجّاج، وخلّف ابنه أبا سعيد عثمان بدار الحرب. ونزل يومئذ على السلطان أبي سالم سنة إحدى وستين وسبعمائة فأكرم مثواه وأحله من مجلسه محل الشورى والمؤامرة، واستقرّ في جملته إلى أن بعث ملك قشتالة في السلطان المخلوع، بإشارة ابنه أبي سعيد وسعايته في ذلك، ليجلب به على أهل الأندلس بما نقضوا من عهده. وجهّزه السلطان أبو سالم سنة ثلاث وستين وسبعمائة فصحبه

стр. 4513

يحيى بن عمر هذا. ولقيهم ابنه أبو سعيد عثمان وقاموا بأمر سلطانهم، واستولى على الأندلس بمظاهرتهم، وكان لهم آثار في ذلك. ولما استولى على غرناطة سنة ثلاث وستين وسبعمائة عقد ليحيى بن عمر على إمارة الغزاة كما كان وأعلى يده. واستخلص عثمان لشوراه وخلطه ببطانته. ونافسه الوزير يومئذ محمد بن الخطيب فسعى فيهم، وأغرى السلطان بهم، فتقبّض عليهم سنة أربع وستين وسبعمائة وأودعهم المطبق. ثم أشخص يحيى سنة ست وستين وسبعمائة إلى المشرق وركب السفن من المدية [١] فنزل بالإسكندرية، ورجع منها إلى المغرب، ونزل على عمر بن عبد الله أيام استبداده واستقرّ في كرامة وخير مقامة، ولم يزل بالمغرب على أعز الأحوال إلى أن هلك سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة ثم استخلص ابنه أبا سعيد عثمان من الاعتقال سنة تسع وستين [٢] وسبعمائة إلى إفريقية ونزل ببجاية على مولانا السلطان أبي العبّاس حافد مولانا السلطان أبي يحيى واستقرّ في جملته. وحضر معه فتح تونس وأبلى فيه. وأقطع له السلطان وأسنى له الجراية، وخلطه بنفسه واصطفاه لشوراه وخلّته، وهو لهذا العهد من عظماء مجلسه وظهرائه في مقامات حروبه، وإخوته بالأندلس على مراكز عزّهم وفي ظلال عصبيتهم مع قومهم، وقد ذهب مواجد السلطان بالأندلس عليهم وصار إلى جميل رأيه فيهم. والله مالك الملك ومقلّب القلوب لا ربّ غيره. (الخبر عن إدريس بن عثمان بن أبي العلاء وإمارته بالأندلس ومصاير أمره) لما هلك أبو ثابت بن عثمان بن أبي العلاء سنة خمسين وسبعمائة، واستمرّ إخوته في جملة السلطان أبي عنان ملك المغرب وأقطعهم وأسنى جراياتهم، وكان في إدريس منهم بقية الترشيح يراه الناس به. فلمّا نهض السلطان إلى فتح قسنطينة سنة ثمان وخمسين وسبعمائة توغّل في ديار إفريقية وحام قومه عن مواقعها، تحيّلوا عليه في الرجوع به عن قصده منها. وأذنت المشيخة لمن معهم من قومهم في الانطلاق إلى المغرب حتى خفّ المعسكر من أهله وتآمروا، زعموا في اغتيال السلطان والإدالة منه

стр. 4514

بإدريس هذا، ونذر بذلك فكرّ راجعا كما ذكرناه في أخباره. ولما اشيع ذلك ركب إدريس ظهر الغدر وفرّ من العسكر ليلا، ولحق بتونس، ونزل على القائم بالدولة يومئذ الحاجب أبي محمد بن تافراكين خير نزل وأبرّه. وركب السفين من تونس إلى العدوة، فنزل على ابن القمص صاحب برشلونة في حشمه وذويه. وأقام هنالك إلى أن كان من مهلك رضوان الحاجب المستبدّ بالأندلس سنة ستين وسبعمائة ما قدّمناه فنزع إلى منبته من غرناطة. ونزل على إسماعيل ابن السلطان أبي الحجّاج والقائم بدولته يومئذ الرئيس محمد ابن عمّه إسماعيل بن محمد الرئيس أبي سعيد فلقوه مبرّة وتكريما ورجوه بالإدالة به من يحيى بن عمر أمير الغزاة يومئذ، لما كانوا يتّهمونه به من ممالأة المخلوع صاحب الأمر عليهم. ولما نزع يحيى بن عمر إلى الطاغية، ولحق بدار الحرب سنة إحدى وستين وسبعمائة عقدوا لإدريس بن عثمان هذا على الغزاة مكانه. وولّوه خطة أبيه وأخيه بدولتهم، فاضطلع بها. ومالأ الرئيس محمدا على قتل سلطانه إسماعيل بن الحجّاج واستبدّ بالأمر، ولسنتين من ولايته غلبه المخلوع أبو عبد الله على الأمر، وزحف إليه من رندة، كان نزل بها بعد خروجه من دار الحرب مغاضبا للطاغية. وأذن له وزير المغرب عمر بن عبد الله في نزولها فنزلها، ثم زحف إلى الثائر بغرناطة على ملكهم الرئيس وحاشيته فأجفلوا. ولحق الرئيس محمد بن إدريس هذا بقشتالة، ونزلوا في جملتهم وحاشيتهم على الطاغية، فتقبّض عليهم. وقتل الرئيس محمد وحاشيته جزاء بما أتوه من غدر رضوان. ثم غدر السلطان إسماعيل من بعده وأودع إدريس ومن معه من الغزاة السجن بإشبيليّة، فلم يزل في أسره إلى أن تحيّل في الفرار بمداخلة مسلم من الأسرى [١] أعدّ له فرسا إزاء معتقله، ففكّ قيده، ونقب البيت، وامتطى فرسه ولحق بأرض المسلمين سنة ست وستين وسبعمائة واتبعوه فأعجزهم، وجاء إلى السلطان أبي عبد الله محمد المخلوع فأكرم نزله وأحسن مبرّته، ثم استأذنه في اللحاق بالمغرب فأذن له وأجاز إلى سبتة، وبلغ شأنه إلى صاحب الأمر بالمغرب يومئذ عمر بن عبد الله، فأوعز إلى صاحب سبتة بالتقبّض عليه لمكان ما يؤنس من ترشيحه. وأودعه السجن بمكناسة، ثم نقله السلطان عبد العزيز إلى سجن الغدر [٢] بفاس، ثم قتلوه خنقا سنة سبعين وسبعمائة

стр. 4515

والله وارث الأرض ومن عليها. (الخبر عن إمارة علي بن بدر الدين على الغزاة بالأندلس ومصاير أمره) قد ذكرنا أنّ موسى بن رحّو بن عبد الله بن عبد الحق، كان أجاز إلى الأندلس مع محمد وعامر ابني إدريس بن عبد الحق وقومهم، أولاد سوط النساء سنة تسع وستين وسبعمائة ثم رجع إلى المغرب وفرّ إلى تلمسان وأجاز منها إلى الأندلس. وولي إمارة الغزاة بها إلى أن هلك بعد أن أصهر إليه السلطان يوسف بن يعقوب في ابنته، فعقد له عليها وزفّها إليه سنة تسع وسبعين وسبعمائة مع وفد من قومهم. وكان لموسى بن رحّو من الولد جماعة أكبرهم المحمدان جمال الدين وبدر الدين، وضع عليهما هذين اللقبين على طريقة أهل المشرق الشريف المكيّ الوافد على المغرب لذلك العهد من شرفاء مكة. وكان هؤلاء الأعياص من ملوكهم وأقيالهم يعظمون أهل البيت النبوي ويلتمسون الدعاء والبركة منهم فيما تيسّر من أحوالهم، فحمل موسى بن رحّو ولديه هذين عند وضعهما إلى الشريف يحنّكهما ويدعو لهما، فقال له الشريف خذ إليك جمال الدين، وقال في الآخر خذ إليك بدر الدين، فاستحب موسى دعاءهما بهذين اللقبين تبرّكا بتسمية الشريف بهما، فاشتهرا بهذين الاسمين. ولما بلغا الأشد وشاركا أباهما في حمل الرئاسة وكان من مهلكه ما ذكرناه، وانحرفت رياسة الغزاة عنهما إلى عمّهما عبد الحق وابنه، فلحق جمال الدين منهما بالطاغية سنة ثلاث ثم أجاز البحر من قرطاجنّة الى السلطان يوسف بن يعقوب من معسكره من حصار تلمسان، واستقرّ في جملته حتى إذا هلك السلطان تصدّى ابنه ابو سالم للقيام بأمره، وكان مغلّبا مضعّفا فلم يتمّ أمره، وتناول الملك أبو ثابت حافد السلطان واستولى عليه. وفرّ أبو سالم عشيّ مهلكه ومعه من القرابة جمال الدين هذا وأعمامه العباس وعيسى وعلي بنو رحّو بن عبد الله، فتقبّض عليهم في طريقهم بمديونة وسيقوا إلى السلطان أبي ثابت، فقتل عمّه أبا سالم وجمال الدين بن موسى بن رحّو، وامتنّ على الباقين واستحياهم، وانصرف السلطان بعدها إلى الأندلس، فكانت له في الجهاد آثار كما ذكرناه قبل. وأما بدر الدين فلم يزل بالأندلس مع قومه، ومحله من الرئاسة والتجلّة

стр. 4516

محلّه من النسب إلى أن هلك، فقام بأمره من بعده ابنه علي بن بدر الدين مزاحما لقومه في الرئاسة، مباهيا في الترشيح. وكان كثيرا ما يعقد له ملوك بني الأحمر على الغزاة من زناتة المرابطين بالثغور فيما بعد عن الحضرة من قواعد الأندلس، مثل مالقة والمرية ووادي آش، سبيل المرشحين من أهل بيته، وكانت إمارة الغزاة بالأندلس مستأثرة بأمر السيف والحرب، مقاسمة للسلطان أكثر الجباية في الأعطية والأرزاق لما كانت الحاجة إليهم في مدافعة العدوّ ومقارعة ملك المغرب إلى ملك الأندلس، يغضّون لهم عن استطالتهم عليهم لمكان حاجتهم إلى دفاع العدوّين، حتى إذا سكن ريح الطاغية بما كان من شغله بفتنة أهل دينه منذ منتصف هذه المائة، وشغل بنو مرين أيضا بعد مهلك السلطان أبي الحسن وتناسوا عهد الغلب على أقتالهم وجيرانهم، وتناسوا عهد ذلك أجمع. فاعتزم صاحب الأندلس على محو هذه الخطّة من دولته. وأغراه بذلك وزيره ابن الخطيب كما ذكرناه حرصا على خلاء الجوّ له، فتقبّض على يحيى بن عمر وبنيه سنة أربع وستين وسبعمائة كما ذكرناه، وعقد على الغزاة المجاهدين لابنه وليّ عهده الأمير يوسف، ومحا رسم الخطة لبني مرين بالجملة إلى أن توهّم فناء الحامية منهم بفناء بيوت العصبيّة الكبرى، فراجع رأيه في ذلك. وكان علي بن بدر الدين خالصة له وكان مقدّما على الغزاة بوادي آش. ولما لحق السلطان به ناجيا من النكبة ليلة مهلك رضوان، مانع دونه وظاهره على أمره حتى إذا ارتحل إلى المغرب ارتحل معه. ونزلوا جميعا على السلطان أبي سالم سنة إحدى وستين وسبعمائة كما ذكرناه. ولما رجع إلى الأندلس رجع في جملته فكان له بذلك عهد وذمّة رعاهما السلطان له، وكان يستخلصه ويناجيه. فلمّا تفقّد مكان الأمير على الغزاة ونظر من يولّيه عثر اختياره على هذا لسابقته ووسائله وما تولّاه من نصحه ووقوفه عند حدّه، فعقد له سنة سبع وستين وسبعمائة على الغزاة كما كان أولوه، فقام بها واضطلع بأمورها، واستمرّت حاله إلى أن هلك حتف أنفه سنة ثمان وستين وسبعمائة، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. الخبر عن إمارة عبد الرحمن بن علي أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي على الغزاة بالأندلس ومصاير أمره كان أولاد السلطان أبي علي قد استوقروا بالأندلس وأجازوا إلى طلب الأمر بالمغرب.

стр. 4517

وكان من أمرهم ما شرحناه، إلى أن أجاز عبد الرحمن هذا مع وزيره المصادر [١] به مسعود بن رحّو بن ماسي سنة ست وستين وسبعمائة من غساسة على سلم عقده لهم وزير المغرب المستبدّ بأمره يومئذ عمر بن عبد الله. ونزل عبد الرحمن هذا بالمنكب، وكان السلطان يومئذ معسكرا بها فتلقّاه من البرّ بما يناسبه. وأكرم مثواه وأسنى الجراية له ولوزيره ولحاشيته. واستقرّوا في جملة الغزاة المجاهدين حتى إذا هلك علي بن بدر الدين سنة ثمان وستين وسبعمائة نظر السلطان فيمن يوليه أمرهم، فعثر اختياره على عبد الرحمن هذا لما عرف به من البسالة والإقدام ولقرب الشرائح [٢] بينه وبين ملك المغرب يومئذ، التي هي ملاك الترشيح لهذه الخطة بالأندلس كما قدّمناه، لما كانت رشائح ولد عبد الله بن عبد الحق قد بعدت باتصال الملك في عمود نسب صاحب المغرب دون نسبهم، فآثره صاحب الأندلس بها، وعقد له على الغزاة المجاهدين سنة ثمان وستين وسبعمائة وأضفى عليه لبوس الكرامة والتجلّة وأقعده بمجلس المؤازرة [٣] كما كان الأمراء قبله، واتصل الخبر بسلطان المغرب يومئذ عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن، فغصّ بمكانه، وتوهّم أنّ هذه الإمارة زيادة في ترشيحه ووسيلة لملكه، وكانت لوزير الأندلس محمد بن الخطيب مداخلة مع صاحب المغرب، بما أمّل أن يجعله فيئة لاعتصامه، فأوعز إليه بالتحيّل على إفساد ما بينه وبين صاحب الأندلس، فجهد في ذلك جهده. ونسب عليه وعلى وزيره مسعود بن ماسي إلى عظماء القبيل وبعض البطانة من أهل الدولة التحسّب [٤] والدعوة إلى الخروج على صاحب المغرب، فأحضرهم السلطان ابن الأحمر وأعطاهم كتابهم، فشهد عليهم وأمر بهم المغرب، فأحضرهم السلطان ابن الأحمر وأعطاهم كتابهم، فشهد عليهم وأمر بهم فاعتقلوا في المطبق سنة سبعين وسبعمائة واسترضى صاحب المغرب بفعلته فيهم، ونزع الوزير ابن الخطيب بعد ذلك إلى السلطان عبد العزيز، وتبيّن للسلطان مكره واحتياله عليه في شأنهم. ولما هلك عبد العزيز وأظلم الجوّ بين صاحب الأندلس وبين

стр. 4518

القائم بالدولة أبي بكر بن غازي كما قدّمناه، وامتعض ابن الأحمر للمسلمين من الفوضى، أطلق عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره مسعود بن ماسي من الاعتقال وجهّز لهما الأسطول، فأجازوا فيه إلى المغرب ونزلوا بمرسى غساسة على بطوية داعيا لنفسه، فقاموا بأمره وكان من شأنه مع الوزير أبي بكر بن غازي ما قصصناه، واستقرّ آخرا بمراكش وتقاسم ممالك المغرب وأعماله مع السلطان أبي العبّاس أحمد ابن أبي سالم صاحب المغرب لهذا العهد. وصار التخم بينهما وادي ملويّة. ووقف كلّ واحد منهما عند حدّه، وأغفل صاحب الأندلس هذه الخطة من دولته ومحا رسمها من ملكه. وصار أمر الغزاة المجاهدين إليه، وباشر أحوالهم بنفسه، وعمّهم بنظره، وخصّ القرابة المرشّحين منهم بمزيد تكرمته وعنايته. والأمر على ذلك لهذا العهد، وهو سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة والله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء لا ربّ غيره ولا معبود سواه.

стр. 4519

تمّ كتاب أخبار الدول الإسلامية بالمغرب لولي الدين أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون الحضرميّ الإشبيلي المالكي. والحمد للَّه رب العالمين [١] . (التعريف بابن خلدون مؤلف هذا الكتاب) [٢] أصل هذا البيت من إشبيلية انتقل عند الجلاء وغلب ملك الجلالقة ابن أدفونش عليها إلى تونس في أواسط المائة السابعة (نسبه) عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون [٣] هذا لا أذكر من نسبي إلى خلدون غير هذه العشرة، ويغلب على الظنّ أنّهم أكثر، وأنه سقط مثلهم عددا، لأنّ خلدون هذا هو الداخل إلى الأندلس، فإن كان أوّل الفتح فالمدّة لهذا العهد سبعمائة سنة، فيكونون زهاء العشرين، ثلاثة لكل مائة، كما تقدّم في أوّل الكتاب الأوّل. ونسبنا في حضرموت من عرب اليمن إلى وائل بن حجر من أقيال العرب، معروف وله صحبة. قال أبو محمد بن حزم في كتاب الجمهرة: هو وائل بن حجر بن سعد بن مسروق بن وائل، ابن النعمان بن ربيعة بن الحرث بن عوف بن سعد بن عوف بن عديّ بن مالك بن شرحبيل بن الحرث بن مالك بن مرّة بن حمير بن زيد بن الحضرميّ بن عمر بن عبد الله بن

стр. 4520

عوف بن جردم بن جرسم بن عبد شمس بن زيد بن لؤيّ بن ثبت [١] بن قدامة ابن أعجب بن مالك بن مالك بن لؤيّ بن قحطان. وابنه علقمة بن وائل وعبد الجبّار بن علقمة بن وائل. وذكره أبو عمر بن عبد البرّ في حرف الواو من الاستيعاب. وأنه وفد على النبيّ ﷺ ، فبسط له رداءه وأجلسه عليه، وقال: «اللَّهمّ بارك في وائل بن حجر وولده وولد ولده إلى يوم القيامة» . وبعث معاوية بن أبي سفيان إلى قومه يعلّمهم الإسلام والقرآن، فكان له بذلك صحابة مع معاوية. ووفد عليه لأوّل خلافته فأجازه، فردّ عليه جائزته ولم يقبلها. ولما كانت وقعة حجر بن عديّ الكندي بالكوفة، اجتمع رءوس أهل اليمن، فيهم وائل هذا فكانوا مع زياد بن أبي سفيان [٢] عليه، حتى أوثقوه وجاءوا به إلى معاوية فقتله كما هو معروف. وقال ابن حزم: ويذكر بنو خلدون الإشبيليّون من ولده، جدّهم الداخل من المشرق خالد المعروف بخلدون بن عثمان بن هانئ بن الخطاب بن كريت [٣] بن معديكرب بن الحرث بن وائل بن حجر قال: ومن عقبه كريت بن عثمان بن خلدون وأخوه خالد، وكانا من أعظم ثوار الأندلس. قال ابن حزم: وأخوه محمد، كان من عقبه أبو العاصي عمرو بن محمد بن خالد بن محمد بن خلدون. وترك أبو العاصي محمدا وأحمد وعبد الله. قال: وأخوهم عثمان، له عقب ومنهم الحكيم المشهور بالأندلس تلميذ مسلمة المجريطي [٤] . وهو أبو مسلم عمر بن محمد [٥] بن تقي بن عبد الله بن أبي بكر بن خالد بن عثمان بن خلدون الداخل. وابن عمّه أحمد بن محمد بن عبد الله. قال: ولم يبق من ولد كريت
следующие страницы →