← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الشهير بابن البوّاب. ووقف سند تعليمها عليه في المائة الثالثة وما بعدها. وبعدت رسوم الخطّ البغداديّ وأوضاعه عن الكوفة، حتّى انتهى إلى المباينة. ثمّ ازدادت المخالفة بعد تلك القصور بتفنّن الجهابذة في إحكام رسومه وأوضاعه، حتّى انتهت إلى المتأخّرين مثل ياقوت والوليّ عليّ العجمي. ووقف سند تعليم الخطّ عليهم وانتقل ذلك إلى مصر، وخالفت طريقة العراق بعض الشّيء ولقّنها العجم لك، وظهرت مخالفة لخطّ أهل مصر أو مباينة. وكان الخطّ البغداديّ معروف الرّسم وتبعه الإفريقيّ المعروف رسمه القديم لهذا العهد. ويقرب من أوضاع الخطّ المشرقيّ وتحيّز [١] ملك الأندلس بالأمويّين فتميّزوا بأحوالهم من الحضارة والصّنائع والخطوط فتميّز صنف خطّهم الأندلسيّ كما هو معروف الرّسم لهذا العهد. وطما بحر العمران والحضارة في الدّول الإسلاميّة في كلّ قطر. وعظم الملك ونفقت أسواق العلوم وانتسخت الكتب وأجيد كتبها وتجليدها [٢] وملئت بها القصور والخزائن الملوكيّة بما لا كفاء له وتنافس أهل الأقطار في ذلك وتناغوا فيه. ثمّ لمّا انحلّ نظام الدّولة الإسلاميّة وتناقص ذلك أجمع ودرست معالم بغداد بدروس الخلافة فانتقل شأنها من الخطّ والكتابة بل والعلم إلى مصر والقاهرة فلم تزل أسواقه بها نافقة لهذا العهد وله [٣] بها معلّمون يرسمون لتعليم [٤] الحروف بقوانين في وضعها وأشكالها متعارفة بينهم فلا يلبث المتعلّم أن يحكم أشكال تلك الحروف على تلك الأوضاع وقد لقّنها حسنا وحذق فيها دربة وكتابا وأخذها قوانين علميّة [٥] فتجيء أحسن ما يكون. وأمّا أهل الأندلس فافترقوا في الأقطار عند تلاشي ملك العرب بها ومن خلفهم من البربر، وتغلّبت عليهم أمم النّصرانيّة فانتشروا في عدوة المغرب

стр. 527

وإفريقية من لدن الدّولة اللّمتونيّة إلى هذا العهد. وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصّنائع وتعلّقوا بأذيال الدّولة فغلب خطّهم على الخطّ الإفريقيّ وعفى عليه ونسي خطّ القيروان والمهديّة بنسيان عوائدهما وصنائعهما. وصارت خطوط أهل إفريقية كلّها على الرّسم الأندلسيّ بتونس وما إليها لتوفّر أهل الأندلس بها عند الحالية من شرق الأندلس. وبقي منه رسم ببلاد الجريد الّذين لم يخالطوا كتّاب الأندلس ولا تمرّسوا بجوارهم. إنّما كانوا يغدون على دار الملك بتونس فصار خطّ أهل إفريقية من أحسن خطوط أهل الأندلس حتّى إذا تقلّص ظلّ الدّولة الموحّديّة بعض الشّيء وتراجع أمر الحضارة والتّرف بتراجع العمران نقص حينئذ حال الخطّ وفسدت رسومه وجهل فيه وجه التّعليم بفساد الحضارة وتناقص العمران. وبقيت فيه آثار الخطّ الأندلسيّ تشهد بما كان لهم من ذلك لما قدّمناه من أنّ الصّنائع إذا رسخت بالحضارة فيعسر محوها وحصل في دولة بني مرين من بعد ذلك بالمغرب الأقصى لون من الخطّ الأندلسيّ لقرب جرارهم وسقوط من خرج منهم إلى فاس قريبا واستعمالهم إيّاهم سائر الدّولة. ونسي عهد الخطّ فيما بعد عن سدّة الملك وداره. كأنّه لم يعرف. فصارت الخطوط بإفريقيّة والمغربيّين مائلة إلى الرّداءة بعيدة عن الجودة وصارت الكتب إذا انتسخت فلا فائدة تحصل لمتصفّحها منها إلّا العناء والمشقّة لكثرة ما يقع فيها من الفساد والتّصحيف وتغيير الأشكال الخطّيّة عن الجودة حتّى لا تكاد تقرأ إلّا بعد عسر ووقع فيه ما وقع في سائر الصّنائع بنقص الحضارة وفساد الدّول والله يحكم لا معقّب لحكمه. وللأستاذ أبي الحسن عليّ بن هلال الكاتب البغداديّ الشّهير بابن البوّاب قصيدة من بحر البسيط [١] على رويّ الرّاء يذكر فيها صناعة الخطّ وقواعدها من أحسن ما كتب في ذلك. رأيت إثباتها في هذا الكتاب من هذا الباب لينتفع بها من يريد تعلّم هذه الصّناعة. وأوّلها:

стр. 528

يا من يريد إجادة التّحرير ... ويروم حسن الخطّ والتّصوير إن كان عزمك في الكتابة صادقا ... فارغب إلى مولاك في التّيسير أعدد من الأقلام كلّ مثقّف ... صلب يصوغ صناعة التحبير وإذا عمدت لبرية فتوخّه ... عند القياس بأوسط التّقدير انظر إلى طرفيه فاجعل بريه ... من جانب التّدقيق والتّحضير واجعل لجلفته قواما عادلا ... خلوا عن التّطويل والتّقصير والشّق وسطه ليبقى بريه ... من جانبيه مشاكل التقدير حتّى إذا أيقنت ذلك كله ... فالقطّ فيه جملة التدبير لا تطمعن في أن أبوح بسرّه ... إني أضنّ بسرّه المستور لكنّ جملة ما أقول بأنّه ... ما بين تحريف إلى تدوير وألق دواتك بالدّخان مدبّرا ... بالخلّ أو بالحصرم المعصور وأضف إليه قفرة قد صوّلت ... مع أصغر الزّرنيخ والكافور حتّى إذا ما خمرت فاعمد إلى ... الورق النّقيّ الناعم المخبور فاكسبه بعد القطع بالمعصار كي ... ينأى عن التّشعيث والتّغيير ثمّ اجعل التمثيل دأبك صابرا ... ما أدرك المأمول مثل صبور ابدأ به في اللّوح منتفيا له ... غرما تجرّده عن التشمير لا تخجلنّ من الردى تختطّه ... في أوّل التمثيل والشطير فالأمر يصعب ثمّ يرجع هيّنا ... ولربّ سهل جاء بعد عسير حتّى إذا أدركت ما أمّلته ... أضحيت ربّ مسرّة وحبور فاشكر إلهك واتّبع رضوانه ... إنّ الإله يجيب كلّ شكور وارغب لكفّك أن تخطّ بنانها ... خيّرا يخلّفه بدار غرور فجميع فعل المرء يلقاه غدا ... عند الشّقاء كتابه المنشور واعلم بأنّ الخطّ بيان عن القول والكلام، كما أنّ القول والكلام بيان عمّا في

стр. 529

النّفس والضّمير من المعاني، فلا بدّ لكل منهما أن يكون واضح الدّلالة. قال الله تعالى: «خَلَقَ الْإِنْسانَ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ ٥٥: ٣- ٤» [١] وهو يشتمل بيان الأدلّة كلّها. فالخطّ المجوّد كماله أن تكون دلالته واضحة، بإبانة حروفه المتواضعة وإجادة وضعها ورسمها كلّ واحد على حدة متميّز عن الآخر. إلّا ما اصطلح عليه الكتّاب من إيصال حرف الكلمة الواحدة بعضها ببعض. سوى حروف اصطلحوا على قطعها، مثل الألف المتقدّمة في الكلمة، وكذا الراء والزاي والدال والذال وغيرها، بخلاف ما إذا كانت متأخرة، وهكذا إلى آخرها. ثمّ إنّ المتأخرين من الكتّاب اصطلحوا على وصل كلمات، بعضها ببعض، وحذف حروف معروفة عندهم، لا يعرفها إلّا أهل مصطلحهم فتستعجم على غيرهم وهؤلاء كتّاب دواوين السّلطان وسجلّات القضاة، كأنّهم انفردوا بهذا الاصطلاح عن غيرهم، لكثرة موارد الكتابة عليهم، وشهرة كتابتهم وإحاطة كثير من دونهم بمصطلحهم فإن كتبوا ذلك لمن لا خبرة له بمصطلحهم فينبغي أن يعدلوا عن ذلك إلى البيان ما استطاعوه، وإلّا كان بمثابة الخطّ الأعجميّ، لأنّهما بمنزلة واحدة من عدم التواضع عليه. وليس بعذر في هذا القدر، إلّا كتاب الأعمال السّلطانيّة في الأموال والجيوش، لأنّهم مطلوبون بكتمان ذلك عن النّاس فإنّه من الأسرار السّلطانيّة الّتي يجب إخفاؤها، فيبالغون في رسم اصطلاح خاص بهم، ويصير بمثابة المعمّى. وهو الاصطلاح على العبارة عن الحروف بكلمات من أسماء الطيب والفواكه والطّيور والأزاهير، ووضع أشكال أخرى غير أشكال الحروف المتعارفة يصطلح عليها المتخاطبون لتأدية ما في ضمائرهم بالكتابة. وربّما وضع الكتاب للعثور على ذلك، وإن لم يضعوه أوّلا، قوانين بمقاييس استخرجوها لذلك بمداركهم يسمّونها فكّ المعمّى. وللنّاس في ذلك دواوين مشهورة. والله العليم الحكيم.

стр. 530

الفصل الحادي والثلاثون في صناعة الوراقة كانت العناية قديما بالدّواوين العلميّة والسّجلّات في نسخها وتجليدها وتصحيحها بالرّواية والضّبط. وكان سبب ذلك ما وقع من ضخامة الدّولة وتوابع الحضارة. وقد ذهب ذلك لهذا العهد بذهاب الدّولة وتناقص العمران بعد أن كان منه في الملّة الإسلاميّة بحر زاخر بالعراق والأندلس إذ هو كله من توابع العمران واتّساع نطاق الدّولة ونفاق أسواق ذلك لديهما. فكثرت التّآليف العلميّة والدّواوين وحرص النّاس على تناقلهما في الآفاق والأعصار فانتسخت وجلّدت. وجاءت صناعة الورّاقين المعانين للانتساخ والتّصحيح والتّجليد وسائر الأمور الكتبيّة والدّواوين واختصّت بالأمصار العظيمة العمران. وكانت السّجلّات أوّلا: لانتساخ العلوم وكتب الرّسائل السّلطانيّة والإقطاعات، والصّكوك في الرّقوق المهيّأة بالصّناعة من الجلد لكثرة الرّفه وقلّة التّآليف صدر الملّة كما نذكره، وقلّة الرّسائل السّلطانيّة والصّكوك مع ذلك فاقتصروا على الكتاب في الرّقّ تشريفا للمكتوبات وميلا بها إلى الصّحّة والإتقان. ثمّ طما بحر التّآليف والتّدوين وكثر ترسيل السّلطان وصكوكه وضاق الرّقّ عن ذلك. فأشار الفضل بن يحيى بصناعة الكاغد وصنعه وكتب فيه رسائل السّلطان وصكوكه. واتّخذه النّاس من بعده صحفا لمكتوباتهم السّلطانيّة والعلميّة. وبلغت الإجادة في صناعته ما شاءت. ثمّ وقفت عناية أهل العلوم وهمم أهل الدّول على ضبط الدّواوين العلميّة وتصحيحها بالرّواية المسندة إلى مؤلّفيها وواضعيها لأنّه الشّأن الأهمّ من التّصحيح والضّبط فبذلك تسند الأقوال إلى قائلها والفتيا إلى الحاكم بها المجتهد في طريق استنباطها. وما لم يكن تصحيح المتون بإسنادها إلى مدوّنها فلا يصحّ إسناد قول لهم ولا فتيا. وهكذا كان شأن أهل العلم وحملته في العصور والأجيال والآفاق.

стр. 531

حتّى لقد قصرت فائدة الصّناعة الحديثيّة في الرّواية على هذه فقط إذ ثمرتها الكبرى من معرفة صحيح الأحاديث وحسنها ومسندها ومرسلها ومقطوعها وموقوفها من موضوعها قد ذهبت وتمخّضت زبدة في ذلك [١] الأمّهات المتلقّاة بالقبول عند الأمّة. وصار القصد إلى ذلك لغوا من العمل. ولم تبق ثمرة الرّواية والاشتغال بها إلّا في تصحيح تلك الأمّهات الحديثيّة وسواها من كتب الفقه للفتيا، وغير ذلك من الدّواوين والتّآليف العلميّة، واتّصال سندها بمؤلّفيها ليصحّ النّقل عنهم، والإسناد إليهم. وكانت هذه الرّسوم بالمشرق والأندلس معبّدة الطّرق واضحة المسالك. ولهذا نجد الدّواوين المنتسخة لذلك العهد في أقطارهم على غاية من الإتقان والإحكام والصّحّة. ومنها لهذا العهد بأيدي النّاس في العالم أصول عتيقة تشهد ببلوغ الغاية لهم في ذلك. وأهل الآفاق يتناقلونها إلى الآن ويشدّون عليها يد الضّنانة ولقد ذهبت هذه الرّسوم لهذا العهد جملة بالمغرب وأهله لانقطاع صناعة الخطّ والضّبط والرّواية منه بانتقاص عمرانه وبداوة أهله وصارت الأمّهات والدّواوين تنسخ بالخطوط اليدويّة تنسخها طلبة البربر صحائف مستعجمة برداءة الخطّ وكثرة الفساد والتّصحيف فتستغلق على متصفّحها ولا يحصل منها فائدة إلّا في الأقلّ النّادر. وأيضا فقد دخل الخلل من ذلك في الفتيا فإنّ غالب الأقوال المعزوّة غير مرويّة عن أئمّة المذهب وإنّما تتلقّى من تلك الدّواوين على ما هي عليه. وتبع ذلك أيضا ما يتصدّى إليه بعض أئمّتهم من التّآليف لقلّة بصرهم بصناعته وعدم الصّنائع الوافية بمقاصده. ولم يبق من هذا الرّسم بالأندلس إلّا إثارة خفيّة بالامّحاء [٢] وهي الاضمحلال فقد كاد العلم ينقطع بالكلّيّة من المغرب. والله غالب على أمره. ويبلغنا لهذا العهد أنّ صناعة الرّواية قائمة بالمشرق وتصحيح الدّواوين لمن يرومه بذلك سهل على مبتغيه لنفاق أسواق العلوم والصّنائع كما نذكره بعد. إلّا أنّ الخطّ الّذي بقي من الإجادة

стр. 532

في الانتساخ هنالك إنّما هو للعجم وفي خطوطهم. وأمّا النّسخ بمصر ففسد كما فسد بالمغرب وأشدّ. والله أعلم وبه التّوفيق. الفصل الثاني والثلاثون في صناعة الغناء هذه الصّناعة هي تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة يوقّع كلّ صوت منها توقيعا عند قطعه فيكون نغمة. ثمّ تؤلّف تلك النّغم بعضها إلى بعض على نسب متعارفة فيلذّ سماعها لأجل ذلك التّناسب وما يحدث عنه من الكيفيّة في تلك الأصوات. وذلك أنّه تبيّن في علم الموسيقى أنّ الأصوات تتناسب، فيكون صوت نصف صوت وربع آخر وخمس آخر وجزء من أحد عشر من آخر واختلاف هذه النّسب عند تأديتها إلى السّمع بخروجها [١] من البساطة إلى التّركيب وليس كلّ تركيب منها ملذوذا عند السّماع بل للملذوذ تراكيب خاصّة وهي الّتي حصرها أهل علم الموسيقى وتكلّموا عليها كما هو مذكور في موضعه وقد يساوق ذلك التّلحين في النّغمات الغنائيّة بتقطيع أصوات أخرى من الجمادات إمّا بالقرع أو بالنّفخ في الآلات تتّخذ لذلك فترى لها [٢] لذّة عند السّماع. فمنها لهذا العهد بالمغرب أصناف منها المزمار ويسمّونه الشّبّابة وهي قصبة جوفاء بأبخاش في جوانبها معدودة ينفخ فيها فتصوّت. فيخرج الصّوت من جوفها على سداده من تلك الأبخاش ويقطّع الصّوت بوضع الأصابع من اليدين جميعا على تلك الأبخاش وضعا متعارفا حتّى تحدث النّسب بين الأصوات فيه وتتّصل كذلك متناسبة فيلتذّ السّمع بإدراكها للتّناسب الّذي

стр. 533

ذكرناه. ومن جنس هذه الآلة المزمار الّذي يسمّى الزّلاميّ وهو شكل القصبة منحوتة الجانبين من الخشب جوفاء من غير تدوير لأجل ائتلافها من قطعتين منفردتين [١] كذلك بأبخاش معدودة ينفخ فيها بقصبة صغيرة توصل فينفذ النّفخ بواسطتها إليها وتصوّت بنغمة حادّة يجرى فيها من تقطيع الأصوات من تلك الأبخاش بالأصابع مثل ما يجري في الشّبّابة. ومن أحسن آلات الزّمر لهذا العهد البوق وهو بوق من نحاس أجوف في مقدار الذّراع يتّسع إلى أن يكون انفراج مخرجه في مقدار دون الكفّ في شكل بري القلم. وينفخ فيه بقصبة صغيرة تؤدّي الرّيح من الفم إليه فيخرج الصّوت ثخينا دويّا وفيه أبخاش أيضا معدودة. وتقطّع نغمة منها كذلك بالأصابع على التّناسب فيكون ملذوذا. ومنها آلات الأوتار وهي جوفاء كلّها إمّا على شكل قطعة من الكرة مثل المربط [٢] والرّباب أو على شكل مربّع كالقانون توضع الأوتار على بسائطها مشدودة في رأسها إلى دسر جائلة ليأتي شدّ الأوتار ورخوها عند الحاجة إليه بإدارتها. ثمّ تقرع الأوتار إمّا بعود آخر أو بوتر مشدود بين طرفي قوس يمرّ عليها بعد أن يطلى بالشّمع والكندر. ويقطّع الصّوت فيه بتخفيف اليد في إمراره أو نقله من وتر إلى وتر. واليد اليسرى مع ذلك في جميع آلات الأوتار توقّع بأصابعها على أطراف الأوتار فيما يقرع أو يحكّ بالوتر فتحدث الأصوات متناسبة ملذوذة. وقد يكون القرع في الطّسوت بالقضبان أو في الأعواد بعضها ببعض على توقيع مناسب يحدث عنه التذاذ بالمسموع. ولنبيّن لك السّبب في اللّذّة النّاشئة عن الغناء. وذلك أنّ اللّذّة كما تقرّر في موضعه هي إدراك الملائم والمحسوس إنّما تدرك منه كيفيّة. فإذا كانت مناسبة للمدرك وملاءمة كانت ملذوذة، وإذا كانت منافية له منافرة كانت مؤلمة. فالملائم من الطّعوم ما ناسبت كيفيّته حاسّة الذّوق في مزاجها وكذا الملائم من الملموسات وفي الرّوائح ما ناسب مزاج الرّوح القلبيّ البخاريّ لأنّه

стр. 534

المدرك وإليه تؤدّيه الحاسّة. ولهذا كانت الرّياحين والأزهار العطريّات أحسن رائحة وأشدّ ملاءمة للرّوح لغلبة الحرارة فيها الّتي هي مزاج الرّوح القلبيّ. وأمّا المرئيّات والمسموعات فالملائم فيها تناسب الأوضاع في أشكالها وكيفيّاتها فهو أنسب عند النّفس وأشدّ ملاءمة لها. فإذا كان المرئيّ متناسبا في أشكاله وتخاطيطه الّتي له بحسب مادّته بحيث لا يخرج عمّا تقتضيه مادّته الخاصّة من كمال المناسبة والوضع وذلك هو معنى الجمال والحسن في كلّ مدرك، كان ذلك حينئذ مناسبا للنّفس المدركة فتلتذّ بإدراك ملائمها، ولهذا تجد العاشقين المستهترين [١] في المحبّة يعبّرون عن غاية محبّتهم وعشقهم بامتزاج أرواحهم بروح المحبوب. وفي هذا شرّ تفهمه إن كنت من أهله وهو اتّحاد المبدإ وإن كان ما سواك إذا نظرته وتأمّلته رأيت بينك وبينه اتّحادا في البداءة. يشهد لك به اتّحاد كما في الكون ومعناه من وجه آخر أنّ الوجود يشرك بين الموجودات كما تقوله الحكماء. فتودّ أن يمتزج بمشاهدات [٢] فيه الكمال لتتّحد به، بل تروم النّفس حينئذ الخروج عن الوهم إلى الحقيقة الّتي هي اتّحاد المبدإ والكون. ولمّا كان أنسب الأشياء إلى الإنسان وأقربها إلى أن يدرك [٣] الكمال في تناسب موضوعها هو شكله الإنسانيّ فكان إدراكه للجمال والحسن في تخاطيطه وأصواته من المدارك الّتي هي أقرب إلى فطرته، فيلهج كلّ إنسان بالحسن من المرئيّ أو المسموع بمقتضى الفطرة. والحسن في المسموع أن تكون الأصوات متناسبة لا متنافرة. وذلك أنّ الأصوات لها كيفيّات من الهمس والجهر والرّخاوة والشّدّة والقلقلة والضّغط وغير ذلك. والتّناسب فيها هو الّذي يوجب لها الحسن. فأوّلا: أن لا يخرج من الصّوت إلى مدّه دفعة بل بتدريج، ثمّ يرجع كذلك، وهكذا إلى المثل، بل لا بدّ من توسّط المغاير بين الصّوتين. وتأمّل هذا من

стр. 535

افتتاح [١] أهل اللّسان التّراكيب من الحروف المتنافرة أو المتقاربة المخارج فإنّه من بابه. وثانيا: تناسبها في الأجزاء كما مرّ أوّل الباب فيخرج من الصّوت إلى نصفه أو ثلثه أو جزء من كذا منه، على حسب ما يكون التّنقّل متناسبا على ما حصره أهل الصّناعة [٢] . فإذا كانت الأصوات على تناسب في الكيفيّات كما ذكره أهل تلك الصّناعة كانت ملاءمة ملذوذة. ومن هذا التّناسب ما يكون بسيطا ويكون الكثير من النّاس مطبوعا عليه لا يحتاجون فيه إلى تعليم ولا صناعة كما نجد المطبوعين على الموازين الشّعريّة وتوقيع الرّقص وأمثال ذلك. وتسمّي العامّة هذه القابليّة بالمضمار. وكثير من القرّاء بهذه المثابة يقرءون القرآن فيجيدون في تلاحين أصواتهم كأنّها المزامير فيطربون بحسن مساقهم وتناسب نغماتهم. ومن هذا التّناسب ما يحدث بالتّركيب وليس كلّ النّاس يستوي في معرفته ولا كلّ الطّباع [٣] توافق صاحبها في العمل به إذا علم. وهذا هو التّلحين الّذي يتكفّل به علم الموسيقى كما نشرحه بعد عند ذكر العلوم. وقد أنكر مالك رحمه الله تعالى القراءة بالتّلحين وأجازها الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه. وليس المراد تلحين الموسيقى الصّناعيّ فإنّه لا ينبغي أن يختلف في حظره إذ صناعة الغناء مباينة للقرآن بكلّ وجه لأنّ القراءة والأداء تحتاج إلى مقدار من الصّوت لتعيّن أداء الحروف لا من حيث اتّباع الحركات في مواضعها ومقدار المدّ عند من يطلقه أو يقصّره، وأمثال ذلك. والتّلحين أيضا يتعيّن له مقدار من الصّوت لا تتمّ إلّا به من أجل التّناسب الّذي قلناه في حقيقة التّلحين. واعتبار أحدهما قد يخلّ بالآخر إذا تعارضا. وتقديم الرّواية [٤] متعيّن فرارا من تغيير الرّواية المنقولة في القرآن، فلا يمكن اجتماع التّلحين والأداء المعتبر في القرآن

стр. 536

بوجه وإنّما مرادهم التّلحين البسيط الّذي يهتدي إليه صاحب المضمار بطبعه كما قدّمناه فيردّد أصواته ترديدا على نسب يدركها العالم بالغناء وغيره ولا ينبغي ذلك بوجه وإنّما المراد من اختلافهم التّلحين البسيط الّذي يهتدي إليه صاحب المضمار بطبعه كما قدّمناه، فيردّد أصواته ترديدا على نسب يدركها العالم بالغناء وغيره، ولا ينبغي ذلك بوجه كما قاله مالك. هذا هو محلّ الخلاف. والظّاهر تنزيه القرآن عن هذا كلّه كما ذهب إليه الإمام رحمه الله تعالى لأنّ القرآن محلّ خشوع بذكر الموت وما بعده وليس مقام التذاذ بإدراك الحسن من الأصوات. وهكذا كانت قراءة الصّحابة ﵃ كما في أخبارهم. وأمّا قوله ﷺ : «لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود» فليس المراد به التّرديد والتّلحين إنّما معناه حسن الصّوت وأداء القراءة والإبانة في مخارج الحروف والنّطق بها. وإذ قد ذكرنا معنى الغناء فاعلم أنّه يحدث في العمران إذا توفّر وتجاوز حدّ الضّروريّ إلى الحاجيّ، ثمّ إلى الكماليّ، وتفنّنوا فيه، فتحدث هذه الصّناعة، لأنّه لا يستدعيها إلّا من فرغ من جميع حاجاته الضّروريّة والمهمّة من المعاش والمنزل وغيره فلا يطلبها إلّا الفارغون عن سائر أحوالهم تفنّنا في مذاهب الملذوذات. وكان في سلطان العجم قبل الملّة منها بحر زاخر في أمصارهم ومدنهم. وكان ملوكهم يتّخذون ذلك ويولعون به، حتّى لقد كان لملوك الفرس اهتمام بأهل هذه الصّناعة، ولهم مكان في دولتهم، وكانوا يحضرون مشاهدهم ومجامعهم ويغنّون فيها. وهذا شأن العجم لهذا العهد في كلّ أفق من آفاقهم، ومملكة من ممالكهم. وأمّا العرب فكان لهم أوّلا فنّ الشّعر يؤلّفون فيه الكلام أجزاء متساوية على تناسب بينها في عدّة حروفها المتحرّكة والسّاكنة. ويفصّلون الكلام في تلك الأجزاء تفصيلا يكون كلّ جزء منها مستقلا بالإفادة، لا ينعطف على الآخر. ويسمّونه البيت. فتلائم الطّبع بالتّجزئة أوّلا، ثمّ يتناسب الأجزاء في المقاطع والمبادئ، ثمّ بتأدية المعنى المقصود وتطبيق الكلام عليها. فلهجوا

стр. 537

به فامتاز من بين كلامهم بخطّ من الشّرف ليس لغيره لأجل اختصاصه. بهذا التّناسب. وجعلوه ديوانا لأخبارهم وحكمهم وشرفهم ومحكا لقرائحهم في إصابة المعاني وإجادة الأساليب. واستمرّوا على ذلك. وهذا التّناسب الّذي من أجل الأجزاء والمتحرّك والسّاكن من الحروف قطرة من بحر من تناسب الأصوات كما هو معروف في كتب الموسيقى. إلّا أنّهم لم يشعروا بما سواه لأنّهم حينئذ لم ينتحلوا علما ولا عرفوا صناعة. وكانت البداوة أغلب نحلهم. ثمّ تغنّى الحداة منهم في حداء إبلهم والفتيان في فضاء خلواتهم فرجّعوا الأصوات وترنّموا. وكانوا يسمّون التّرنّم إذا كان بالشّعر غناء وإذا كان بالتّهليل أو نوع القراءة تغييرا بالغين المعجمة والباء الموحّدة. وعلّلها أبو إسحاق الزّجّاج بأنّها تذكر بالغابر وهو الباقي أي بأحوال الآخرة. وربّما ناسبوا في غنائهم بين النّغمات مناسبة بسيطة كما ذكره ابن رشيق آخر كتاب العمدة وغيره. وكانوا يسمّونه السّناد. وكان أكثر ما يكون منهم في الخفيف الّذي يرقص عليه ويمشى بالدّفّ والمزمار فيضطرب ويستخفّ الحلوم. وكانوا يسمّون هذا الهزج وهذا البسيط كلّه من التّلاحين هو من أوائلها ولا يبعد أن تتفطّن له الطّباع من غير تعليم شأن البسائط كلّها من الصّنائع. ولم يزل هذا شأن العرب في بداوتهم وجاهليّتهم. فلمّا جاء الإسلام واستولوا على ممالك الدّنيا وحازوا سلطان العجم وغلبوهم عليه وكانوا من البداوة والغضاضة على الحال الّتي عرفت لهم مع غضارة الدّين وشدّته في ترك أحوال الفراغ وما ليس بنافع في دين ولا معاش فهجروا ذلك شيئا ما. ولم يكن الملذوذ عندهم إلّا ترجيع القراءة [١] والتّرنّم بالشّعر الّذي هو ديدنهم ومذهبهم. فلمّا جاءهم التّرف وغلب عليهم الرّفه بما حصل لهم من غنائم الأمم صاروا إلى نضارة العيش ورقّة الحاشية واستحلاء الفراغ. وافترق المغنّون من الفرس والرّوم فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي للعرب وغنّوا جميعا بالعيدان والطّنابير

стр. 538

والمعازف والمزامير وسمع العرب تلحينهم للأصوات فلحّنوا عليها أشعارهم. وظهر بالمدينة نشيط الفارسيّ وطويس وسائب بن جابر [١] مولى عبيد الله بن جعفر فسمعوا شعر العرب ولحّنوه وأجادوا فيه وطار لهم ذكر. ثمّ أخذ عنهم معبد وطبقته وابن شريح [٢] وأنظاره. وما زالت صناعة الغناء تتدرّج إلى أن كملت أيّام بني العبّاس عند إبراهيم بن المهديّ وإبراهيم الموصليّ وابنه إسحاق وابنه حمّاد. وكان من ذلك في دولتهم ببغداد ما تبعه الحديث بعده به وبمجالسه لهذا العهد وأمعنوا في اللهو واللّعب واتّخذت آلات الرّقص في الملبس والقضبان والأشعار الّتي يترنّم بها عليه. وجعل صنفا وحده واتّخذت آلات أخرى للرّقص تسمّى بالكرج [٣] وهي تماثيل خيل مسرجة من الخشب معلّقة بأطراف أقبية يلبسها النّسوان ويحاكين بها امتطاء الخيل فيكرّون ويفرّون ويتثاقفون [٤] وأمثال ذلك من اللّعب المعدّ للولائم والأعراس وأيّام الأعياد ومجالس الفراغ واللهو. وكثر ذلك ببغداد وأمصار العراق وانتشر منها إلى غيرها. وكان للموصليّين غلام اسمه زرياب أخذ عنهم الغناء فأجاد فصرفوه إلى المغرب غيرة منه فلحق بالحكم بن هشام بن عبد الرّحمن الدّاخل أمير الأندلس. فبالغ في تكرمته وركب للقائه وأسنى له الجوائز والإقطاعات والجرايات وأحلّه من دولته وندمائه بمكان. فأورث بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان الطّوائف. وطما منها بأشبيليّة بحر زاخر وتناقل منها بعد ذهاب غضارتها إلى بلاد العدوة بإفريقيّة والمغرب. وانقسم على أمصارها وبها الآن منها صبابة على تراجع عمرانها وتناقص دولها. وهذه الصّناعة آخر ما يحصل في العمران من الصّنائع لأنّها كماليّة في غير وظيفة من الوظائف إلّا وظيفة الفراغ والفرح. وهو أيضا أوّل ما ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه. والله أعلم.

стр. 539

الفصل الثالث والثلاثون في أن الصنائع تكسب صاحبها عقلا وخصوصا الكتابة والحساب قد ذكرنا في الكتاب أنّ النّفس النّاطقة للإنسان إنّما توجد فيه بالقوّة. وأنّ خروجها من القوّة إلى الفعل إنّما هو بتجدّد العلوم والإدراكات عن المحسوسات أوّلا، ثمّ ما يكتسب بعدها بالقوّة النّظريّة إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلا محضا فتكون ذاتا روحانيّة ويستكمل حينئذ وجودها. فوجب لذلك أن يكون كلّ نوع من العلم والنّظر يفيدها عقلا فريدا [١] والصّنائع أبدا يحصل عنها وعن ملكتها قانون علميّ مستفاد من تلك الملكة. فلهذا كانت الحنكة في التّجربة تفيد عقلا والحضارة الكاملة تفيد عقلا لأنّها مجتمعة من صنائع في شأن تدبير المنزل ومعاشرة أبناء الجنس وتحصيل الآداب في مخالطتهم ثمّ القيام بأمور الدّين واعتبار آدابها وشرائطها. وهذه كلّها قوانين تنتظم علوما فيحصل منها زيادة عقل. والكتابة من بين الصّنائع أكثر إفادة لذلك لأنّها تشتمل على العلوم والأنظار بخلاف الصّنائع. وبيانه أنّ في الكتابة انتقالا من الحروف الخطّيّة إلى الكلمات اللّفظيّة في الخيال ومن الكلمات اللّفظيّة في الخيال إلى المعاني الّتي في النّفس فهو ينتقل أبدا من دليل إلى دليل، ما دام ملتبسا بالكتابة وتتعوّد النّفس ذلك دائما. فيحصل لها ملكة الانتقال من الأدلّة إلى المدلولات وهو معنى النّظر العقليّ الّذي يكسب [٢] العلوم المجهولة فيكسب بذلك ملكة من التّعقّل تكون زيادة عقل ويحصل به قوّة [٣] فطنة وكيس في الأمور لما تعوّدوه من ذلك الانتقال. ولذلك قال كسرى في كتابه لمّا رآهم بتلك الفطنة والكيس فقال: «ديوانه أي شياطين وجنون. قالوا: وذلك أصل اشتقاق الدّيوان لأهل الكتابة

стр. 540

ويلحق بذلك الحسّاب فإنّ في صناعة الحسّاب نوع تصرّف في العدد بالضّمّ والتّفريق يحتاج فيه إلى استدلال كثير فيبقى متعوّدا للاستدلال والنّظر وهو معنى العقل. وَالله أَخْرَجَكُمْ من بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٦: ٧٨. الباب السادس من الكتاب الأول في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق فالمقدّمة في الفكر الإنسانيّ ، الّذي تميّز به البشر عن الحيوانات واهتدى به لتحصيل معاشه والتّعاون عليه بأبناء جنسه والنّظر في معبوده، وما جاءت به الرسل من عنده، فصار جميع الحيوانات في طاعته وملك قدرته وفضله به على كثير خلقه. الفصل الأول في أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري وذلك أنّ الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات في حيوانيّته من الحسّ والحركة والغذاء والكنّ وغير ذلك. وإنّما تميّز عنها بالفكر الّذي يهتدي به لتحصيل معاشه والتّعاون عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهيّء لذلك التّعاون

стр. 541

وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى والعمل به واتّباع صلاح أخراه. فهو منكّر في ذلك كلّه دائما لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين بل اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر. وعن هذا الفكر تنشأ العلوم وما قدّمناه من الصّنائع. ثمّ لأجل هذا الفكر وما جبل عليه الإنسان بل الحيوان من تحصيل ما تستدعيه الطّباع فيكون الفكر راغبا في تحصيل ما ليس عنده من الإدراكات فيرجع إلى من سبقه بعلم أو زاد عليه بمعرفة أو إدراك أو أخذه ممّن تقدّمه من الأنبياء الّذين يبلّغونه لمن تلقّاه فيلقّن ذلك عنهم ويحرص على أخذه وعلمه. ثمّ إنّ فكره ونظره يتوجّه إلى واحد واحد من الحقائق وينظر ما يعرض له لذاته واحدا بعد آخر ويتمرّن على ذلك حتّى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقيقة ملكة له فيكون حينئذ علمه بما يعرض لتلك الحقيقة علما مخصوصا. وتتشوّف نفوس أهل الجيل النّاشئ إلى تحصيل ذلك فيفزعون إلى أهل معرفته ويجيء التّعليم من هذا. فقد تبيّن بذلك أنّ العلم والتّعليم طبيعيّ في البشر. والله أعلم. الفصل الثاني في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع وذلك أنّ الحذق في العلم والتّفنّن فيه والاستيلاء عليه إنّما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله. وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفنّ المتناول حاصلا. وهذه الملكة هي في غير الفهم والوعي. لأنّا نجد فهم المسألة الواحدة من الفنّ الواحد ووعيها مشتركا بين من شدا في ذلك الفنّ وبين من هو مبتدئ فيه وبين العاميّ الّذي لم يعرف [١] علما وبين العالم النّحرير. والملكة إنّما هي للعالم أو الشّادي في الفنون دون من سواهما فدلّ على أنّ هذه الملكة غير الفهم والوعي. والملكات

стр. 542

كلّها جسمانيّة سواء كانت في البدن أو في الدّماغ من الفكر وغيره كالحساب. والجسمانيّات كلّها محسوسة فتفتقر إلى التّعليم. ولهذا كان السّند في التّعليم في كلّ علم أو صناعة يفتقر إلى مشاهير المعلّمين فيها معتبرا عند كلّ أهل أفق وجيل. ويدلّ أيضا على أنّ تعليم العلم صناعة اختلاف الاصطلاحات فيه. فلكلّ إمام من الأئمّة المشاهير اصطلاح في التّعليم يختصّ به شأن الصّنائع كلّها فدلّ على أنّ ذلك الاصطلاح ليس من العلم، وإذ لو كان من العلم لكان واحدا عند جميعهم. ألا ترى إلى علم الكلام كيف تخالف في تعليمه اصطلاح المتقدّمين والمتأخّرين وكذا أصول الفقه وكذا العربيّة وكذا كلّ علم يتوجّه [١] إلى مطالعته تجد الاصطلاحات في تعليمه متخالفة فدلّ على أنّها صناعات في التّعليم. والعلم واحد في نفسه. وإذا تقرّر ذلك فاعلم أنّ سند تعليم العلم لهذا العهد قد كاد ينقطع عن أهل المغرب باختلال عمرانه وتناقص الدّول فيه. وما يحدث عن ذلك من نقص الصّنائع وفقدانها كما مرّ. وذلك أنّ القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس واستبحر عمرانهما وكان فيهما للعلوم والصّنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة. ورسخ فيهما التّعليم لامتداد عصورهما وما كان فيهما من الحضارة. فلمّا خربتا انقطع التّعليم من [٢] المغرب إلّا قليلا كان في دولة الموحّدين بمراكش مستفادا منها. ولم ترسخ الحضارة بمراكش لبداوة الدّولة الموحّديّة في أوّلها وقرب عهد انقراضها بمبدئها فلم تتّصل أحوال الحضارة فيها إلّا في الأقلّ. وبعد انقراض الدّولة بمرّاكش ارتحل إلى المشرق من إفريقية القاضي أبو القاسم بن زيتون لعهد أواسط المائة السّابعة فأدرك تلميذ الإمام ابن الخطيب فأخذ عنهم ولقّن تعليمهم. وحذق في العقليّات والنّقليّات ورجع إلى تونس بعلم كثير وتعليم حسن. وجاء على أثره من المشرق أبو عبد الله بن شعيب الدّكّاليّ. كان ارتحل إليه من المغرب فأخذ عن مشيخة مصر ورجع إلى تونس واستقرّ بها وكان تعليمه مفيدا فأخذ عنهما

стр. 543

أهل تونس. واتّصل سند تعليمهما في تلاميذهما جيلا بعد جيل حتّى انتهى إلى القاضي محمّد بن عبد السّلام. شارح بن الحاجب وتلميذه وانتقل من تونس إلى تلمسان في ابن الإمام وتلميذه. فإنّه قرأ مع ابن عبد السّلام على مشيخة واحدة في مجالس بأعيانها وتلميذ ابن عبد السّلام بتونس وابن الإمام بتلمسان لهذا العهد إلّا أنّهم من القلّة بحيث يخشى انقطاع سندهم. ثمّ ارتحل من زواوة في آخر المائة السّابعة أبو عليّ ناصر الدّين المشداليّ وأدرك تلميذ أبي عمرو بن الحاجب وأخذ عنهم ولقّن تعليمهم. وقرأ مع شهاب الدّين القرافيّ في مجالس واحدة وحذق في العقليّات والنّقليّات. ورجع إلى المغرب بعلم كثير وتعليم مفيد. ونزل ببجاية واتّصل سند تعليمه في طلبتها. وربما انتقل إلى تلمسان عمران المشداليّ [١] من تلميذه وأوطنها وبثّ طريقته فيها. وتلميذه لهذا العهد ببجاية وتلمسان قليل أو أقلّ من القليل. وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حسن التّعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان ولم يتّصل سند التّعليم فيهم فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم. وأيسر طرق هذه الملكة فتق [٢] اللّسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلميّة فهو الّذي يقرّب شأنها ويحصّل مرامها. فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلميّة سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة. فلا يحصلون على طائل من ملكة التّصرّف في العلم والتّعليم. ثمّ بعد تحصيل من يرى منهم أنّه قد حصّل تجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر أو علّم وما أتاهم القصور إلّا من قبل التّعليم وانقطاع سنده. وإلّا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم لشدّة عنايتهم به، وظنّهم أنّه المقصود من الملكة العلميّة وليس كذلك. وممّا يشهد بذلك في المغرب أنّ المدّة المعيّنة لسكنى طلبة العلم بالمدارس عندهم ستّ عشرة سنة وهي بتونس خمس سنين. وهذه المدّة بالمدارس على المتعارف

стр. 544

هي أقلّ ما يتأتى فيها لطالب العلم حصول مبتغاه من الملكة العلميّة أو اليأس من تحصيلها فطال أمدها في المغرب لهذه المدّة لأجل عسرها من قلّة الجودة في التّعليم خاصّة لا ممّا سوى ذلك. وأمّا أهل الأندلس فذهب رسم التّعليم من بينهم وذهبت عنايتهم بالعلوم لتناقص عمران المسلمين بها منذ مئين من السّنين. ولم يبق من رسم العلم فيهم إلّا فنّ العربيّة والأدب. اقتصروا عليه وانحفظ سند تعليمه بينهم فانحفظ بحفظه. وأمّا الفقه بينهم فرسم خلو وأثر بعد عين. وأمّا العقليّات فلا أثر ولا عين. وما ذاك إلّا لانقطاع سند التّعليم فيها بتناقص العمران وتغلّب العدوّ على عامّتها إلّا قليلا بسيف البحر شغلهم بمعايشهم أكثر من شغلهم بما بعدها. والله غالب على أمره. وأمّا المشرق فلم ينقطع سند التّعليم فيه بل أسواقه نافقة وبحوره زاخرة لاتّصال العمران الموفور واتّصال السّند فيه. وإن كانت الأمصار العظيمة الّتي كانت معادن العلم قد خربت مثل بغداد والبصرة والكوفة إلّا أنّ الله تعالى قد أدال منها بأمصار أعظم من تلك. وانتقل العلم منها إلى عراق العجم بخراسان، وما وراء النّهر من المشرق، ثمّ إلى القاهرة وما إليها من المغرب، فلم تزل موفورة وعمرانها متّصلا وسند التّعليم بها قائما. فأهل المشرق على الجملة أرسخ في صناعة تعليم العلم بل وفي سائر الصّنائع. حتّى إنّه ليظنّ كثير من رحالة أهل المغرب إلى المشرق في طلب العلم أنّ عقولهم [١] على الجملة أكمل من عقول أهل المغرب وأنّهم أشدّ نباهة وأعظم كيسا بفطرتهم الأولى. وأنّ نفوسهم النّاطقة أكمل بفطرتها من نفوس أهل المغرب. ويعتقدون التّفاوت بيننا وبينهم في حقيقة الإنسانيّة ويتشيّعون لذلك ويولعون به لما يرون من كيسهم في العلوم والصّنائع وليس كذلك. وليس بين قطر المشرق والمغرب تفاوت بهذا المقدار الّذي هو تفاوت في الحقيقة الواحدة اللَّهمّ إلّا الأقاليم المنحرفة مثل الأوّل والسّابع فإنّ الأمزجة فيها منحرفة والنّفوس على نسبتها كما مرّ وإنّما الّذي فضل به أهل

стр. 545

المشرق أهل المغرب هو ما يحصل في النّفس من آثار الحضارة من العقل المزيد كما تقدّم في الصّنائع، ونزيده الآن شرحا وتحقيقا. وذلك أنّ الحضر لهم آداب في أحوالهم في المعاش والمسكن والبناء وأمور الدّين والدّنيا وكذا سائر أعمالهم وعاداتهم ومعاملاتهم وجميع تصرّفاتهم. فلهم في ذلك كلّه آداب يوقف عندها في جميع ما يتناولونه ويتلبّسون [١] به من أخذ وترك حتّى كأنّها حدود لا تتعدّى. وهي مع ذلك صنائع يتلقّاها الآخر عن الأوّل منهم. ولا شكّ أنّ كلّ صناعة مرتّبة يرجع منها إلى النّفس أثر يكسبها عقلا جديدا تستعدّ به لقبول صناعة أخرى ويتهيّأ بها العقل بسرعة الإدراك للمعارف. ولقد بلغنا في تعليم الصّنائع عن أهل مصر غايات لا تدرك مثل أنّهم يعلّمون الحمر الإنسيّة والحيوانات العجم من الماشي والطّائر مفردات من الكلام والأفعال يستغرب ندورها ويعجز أهل المغرب عن فهمها فضلا عن تعليمها وحسن الملكات في التّعليم والصّنائع وسائر الأحوال العاديّة يزيد الإنسان ذكاء في عقله وإضاءة في فكره بكثرة الملكات الحاصلة للنّفس. إذ قدّمنا أنّ النّفس إنّما تنشأ بالإدراكات. وما يرجع إليها من الملكات فيزدادون بذلك كيسا لما يرجع إلى النّفس من الآثار العلميّة فيظنّه العاميّ تفاوتا في الحقيقة الإنسانيّة وليس كذلك. ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو كيف تجد الحضريّ متحلّيا بالذّكاء ممتلئا من الكيس حتّى إنّ البدويّ ليظنّه أنّه قد فاته في حقيقة إنسانيّته وعقله وليس كذلك. وما ذاك إلّا لإجادته في ملكات الصّنائع والآداب في العوائد والأحوال الحضريّة ما لا يعرفه البدويّ. فلمّا امتلأ الحضريّ من الصّنائع وملكاتها وحسن تعليمها ظنّ كلّ من قصّر عن تلك الملكات أنّها لكمال في عقله وأنّ نفوس أهل البدو قاصرة بفطرتها وجبلّتها عن فطرته وليس كذلك. فإنّا نجد من أهل البدو من هو في أعلى رتبة من الفهم والكمال في عقله وفطرته إنّما الّذي ظهر على أهل الحضر من ذلك هو رونق

стр. 546

الصّنائع والتّعليم فإنّ لهما آثارا ترجع إلى النّفس كما قدّمناه. وكذا أهل المشرق لمّا كانوا في التّعليم والصّنائع أرسخ رتبة وأعلى قدما وكان أهل المغرب أقرب إلى البداوة لما قدّمناه في الفصل قبل هذا ظنّ المغفّلون في بادئ الرّأي أنّه لكمال في حقيقة الإنسانيّة اختصّوا به عن أهل المغرب وليس ذلك بصحيح فتفهّمه والله يزيد في الخلق ما يشاء وهو إله السّماوات والأرض. الفصل الثالث في ان العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة والسّبب في ذلك أنّ تعليم العلم كما قدّمناه من جملة الصّنائع. وقد كنّا قدّمنا أنّ الصّنائع إنّما تكثر في الأمصار. وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلّة والحضارة والتّرف تكون نسبة الصّنائع في الجودة والكثرة لأنّه أمر زائد على المعاش. فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التّصرّف في خاصيّة الإنسان وهي العلوم والصّنائع. ومن تشوّف بفطرته إلى العلم ممّن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدّنة فلا يجد فيها التّعليم الّذي هو صناعيّ لفقدان الصّنائع في أهل البدو. كما قدّمناه ولا بدّ له من الرّحلة في طلبه إلى الأمصار المستبحرة شأن الصّنائع كلّها. واعتبر ما قرّرناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لمّا كثر عمرانها صدر الإسلام واستوت فيها الحضارة، كيف زخرت فيها بحار العلم وتفنّنوا في اصطلاحات التّعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون حتّى أربوا على المتقدّمين وفاتوا المتأخّرين. ولمّا تناقص عمرانها وابذعرّ سكّانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة، وفقد العلم بها والتّعليم، وانتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام. ونحن لهذا العهد نرى أنّ العلم والتّعليم إنّما هو بالقاهرة من بلاد مصر لما أنّ عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف من السّنين، فاستحكمت فيها الصّنائع وتفنّنت ومن جملتها

стр. 547

تعليم العلم. وأكّد ذلك فيها وحفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السّنين في دولة التّرك من أيّام صلاح الدّين بن أيّوب وهلمّ جرّا. وذلك أنّ أمراء التّرك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلّفونه من ذرّيّتهم لما له عليهم من الرّقّ أو الولاء ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته. فاستكثروا من بناء المدارس والزّوايا والرّبط [١] ووقفوا عليها الأوقاف المغلّة يجعلون فيها شركا [٢] لولدهم ينظر عليها أو يصيب منها مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير والتماس الأجور في المقاصد والأفعال. فكثرت الأوقاف لذلك وعظمت الغلّات والفوائد وكثر طالب العلم ومعلّمه بكثرة جرايتهم منها وارتحل إليها النّاس في طلب العلم من العراق والمغرب ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت بحارها. والله يخلق ما يشاء. الفصل الرابع في أصناف العلوم الواقعة في العمران لهذا العهد اعلم أنّ العلوم الّتي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلا وتعليما هي على صنفين: صنف طبيعيّ للإنسان يهتدي إليه بفكره، وصنف نقليّ يأخذه عمّن وضعه. والأوّل هي العلوم الحكميّة الفلسفيّة وهي الّتي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشريّة إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها حتّى يقفه [٣] نظره ويحثّه [٤] على الصّواب من الخطإ فيها من حيث هو إنسان ذو فكر. والثاني هي العلوم النّقليّة الوضعيّة وهي كلّها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشّرعيّ. ولا مجال فيها للعقل

стр. 548

إلّا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول لأنّ الجزئيّات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النّقل الكلّيّ بمجرّد وضعه فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسيّ. إلّا أنّ هذا القياس يتفرّع عن الخبر بثبوت الحكم في الأصل وهو نقليّ فرجع هذا القياس إلى النّقل لتفرّعه عنه. وأصل هذه العلوم النّقلية كلّها هي الشّرعيّات من الكتاب والسّنّة الّتي هي مشروعة لنا من الله ورسوله وما يتعلّق بذلك من العلوم الّتي تهيّئوها للإفادة. ثمّ يستتبع ذلك علوم اللّسان العربيّ الّذي هو لسان الملّة وبه نزّل القرآن. وأصناف هذه العلوم النّقليّة كثيرة لأنّ المكلّف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالى المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه وهي مأخوذة من الكتاب والسّنّة بالنّصّ أو بالإجماع أو بالإلحاق فلا بدّ من النّظر بالكتاب ببيان ألفاظه أوّلا وهذا هو علم التّفسير ثمّ بإسناد نقله وروايته إلى النّبيّ ﷺ الّذي جاء به من عند الله واختلاف روايات القرّاء في قراءته وهذا هو علم القراءات ثمّ بإسناد السّنّة إلى صاحبها والكلام في الرّواة النّاقلين لها ومعرفة أحوالهم وعدالتهم ليقع الوثوق بأخبارهم بعلم [١] ما يجب العمل بمقتضاه من ذلك، وهذه هي علوم الحديث. ثمّ لا بدّ في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانونيّ يفيد العلم بكيفيّة هذا الاستنباط وهذا هو أصول الفقه. وبعد هذا تحصل الثّمرة بمعرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلّفين وهذا هو الفقه. ثمّ إنّ التّكاليف منها بدنيّ، ومنها قلبي، وهو المختصّ بالإيمان وما يجب أن يعتقد ممّا لا يعتقد. وهذه هي العقائد الإيمانيّة في الذّات والصّفات وأمور الحشر والنّعيم والعذاب والقدر. والحجاج عن هذه بالأدلّة العقليّة هو علم الكلام. ثمّ النّظر في القرآن والحديث لا بدّ أن تتقدّمه العلوم اللّسانيّة لأنّه متوقّف عليها وهي أصناف. فمنها علم اللّغة وعلم النّحو وعلم البيان وعلم الآداب حسبما نتكلّم عليها. وهذه العلوم النّقليّة كلّها مختصّة بالملّة الإسلاميّة وأهلها وإن كانت كلّ ملّة على الجملة لا بدّ

стр. 549

فيها من مثل ذلك فهي مشاركة لها في الجنس البعيد من حيث إنّها العلوم الشّرعيّة [١] المنزلة من عند الله تعالى على صاحب الشّرعية المبلغ لها. وأمّا على الخصوص فمباينة لجميع الملل لأنّها ناسخة لها. وكلّ ما قبلها من علوم الملل فمهجورة والنّظر فيها محظور. فقد نهى الشّرع عن النّظر في الكتب المنزلة غير القرآن. قال ﷺ : «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا آمنّا بالّذي أنزل علينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد» ورأى النّبيّ ﷺ في يد عمر ﵁ ورقة من التّوراة فغضب حتّى تبيّن الغضب في وجهه ثمّ قال: «ألم آتكم بها بيضاء نقيّة؟ والله لو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا أتباعي. ثمّ إنّ هذه العلوم الشّرعيّة قد نفقت أسواقها في هذه الملّة بما لا مزيد عليه وانتهت فيها مدارك النّاظرين إلى الغاية الّتي لا شيء فوقها وهذّبت الاصطلاحات ورتّبت الفنون فجاءت من وراء الغاية في الحسن والتّنميق. وكان لكلّ فنّ رجال يرجع إليهم فيه وأوضاع يستفاد منها التّعليم. واختصّ المشرق من ذلك والمغرب بما هو مشهور منها حسبما نذكره الآن عند تعديد هذه الفنون. وقد كسدت لهذا العهد أسواق العلم بالمغرب لتناقص العمران فيه وانقطاع سند العلم والتّعليم كما قدّمناه في الفصل قبله. وما أدري ما فعل الله بالمشرق والظّنّ به نفاق العلم فيه واتّصال التّعليم في العلوم وفي سائر الصّنائع الضّروريّة والكماليّة لكثرة عمرانه والحضارة ووجود الإعانة لطالب العلم بالجراية من الأوقاف الّتي اتّسعت بها أرزاقهم. والله هو الفعّال لما يريد وبيده التّوفيق والإعانة. الفصل الخامس في علوم القرآن من التفسير والقراءات القرآن هو كلام الله المنزل على نبيّه المكتوب بين دفّتي المصحف. وهو متواتر بين الأمّة إلّا أنّ الصّحابة رووه عن رسول الله ﷺ على طرق مختلفة في

стр. 550

بعض ألفاظه وكيفيّات الحروف في أدائها. وتنوقل ذلك واشتهر إلى أن استقرّت منها سبع طرق معيّنة تواتر نقلها أيضا بأدائها واختصّت بالانتساب إلى من اشتهر بروايتها من الجمّ الغفير فصارت هذه القراءات السّبع أصولا للقراءة. وربّما زيد بعد ذلك قراءات أخر لحقت بالسّبع إلّا أنّها عند أئمة القراءة لا تقوى قوّتها في النّقل. وهذه القراءات السّبع معروفة في كتبها. وقد خالف بعض النّاس في تواتر طرقها لأنّها عندهم كيفيّات للأداء وهو غير منضبط. وليس ذلك عندهم بقادح في تواتر القرآن. وأباه الأكثر وقالوا بتواترها وقال آخرون بتواتر غير الأداء منها كالمدّ والتّسهيل [١] لعدم الوقوف على كيفيّته بالسّمع وهو الصّحيح. ولم يزل القرّاء يتداولون هذه القراءات وروايتها إلى أن كتبت العلوم ودوّنت فكتبت فيما كتب من العلوم وصارت صناعة مخصوصة وعلما منفردا وتناقله النّاس بالمشرق والأندلس في جيل بعد جيل. إلى أن ملك بشرق الأندلس مجاهد من موالي العامريّين وكان معتنيا بهذا الفنّ من بين فنون القرآن لمّا أخذه به مولاه المنصور بن أبي العامر واجتهد في تعليمه وعرضه على من كان من أئمّة القرّاء بحضرته فكان سهمه في ذلك وافرا. واختصّ مجاهد بعد ذلك بإمارة دانية والجزائر الشّرقيّة فنفقت بها سوق القراءة لما كان هو من أئمّتها وبما كان له من العناية بسائر العلوم عموما وبالقراءات خصوصا. فظهر لعهده أبو عمرو الدّانيّ وبلغ الغاية فيها ووقفت عليه معرفتها. وانتهت إلى روايته أسانيدها وتعدّدت تآليفه فيها. وعوّل النّاس عليها وعدلوا عن غيرها واعتمدوا من بينها كتاب التّيسير له. ثمّ ظهر بعد ذلك فيما يليه من العصور والأجيال أبو القاسم بن فيرّه [٢] من أهل شاطبة فعمد إلى تهذيب ما دوّنه أبو عمرو وتلخيصه فنظم ذلك كلّه في قصيدة لغز فيها أسماء القرّاء بحروف (أب ج د) ترتيبا أحكمه ليتيسّر

стр. 551

عليه ما قصده من الاختصار وليكون أسهل للحفظ لأجل نظمها. فاستوعب فيها الفنّ استيعابا حسنا وعني النّاس بحفظها وتلقينها للولدان [١] المتعلّمين وجرى العمل على ذلك في أمصار المغرب والأندلس. وربّما أضيف إلى فنّ القراءات فنّ الرّسم أيضا وهي أوضاع حروف القرآن في المصحف ورسومه الخطّيّة لأنّ فيه حروفا كثيرة وقع رسمها على غير المعروف من قياس الخطّ كزيادة الياء في بأييد وزيادة الألف في لا أذبحنّه ولا أوضعوا والواو في جزاء الظّالمين وحذف الألفات في مواضع دون أخرى وما رسم فيه من التّاءات ممدودا، والأصل فيه مربوط على شكل الهاء وغير ذلك وقد مرّ تعليل هذا الرّسم المصحفيّ عند الكلام في الخطّ. فلمّا جاءت هذه المخالفة لأوضاع الخطّ وقانونه احتيج إلى حصرها، فكتب النّاس فيها أيضا عند كتبهم في العلوم. وانتهت بالمغرب إلى أبي عمر الدّانيّ المذكور فكتب فيها كتبا من أشهرها: كتاب المقنع وأخذ به النّاس وعوّلوا عليه. ونظمه أبو القاسم الشّاطبيّ في قصيدته المشهورة على رويّ الرّاء وولع النّاس بحفظها. ثمّ كثر الخلاف في الرّسم في كلمات وحروف أخرى، ذكرها أبو داود سليمان بن نجاح من موالي مجاهد في كتبه وهو من تلاميذ [٢] أبي عمرو الدّانيّ والمشتهر بحمل علومه ورواية كتبه ثمّ نقل بعده خلاف آخر فنظم الخرّاز من المتأخّرين بالمغرب أرجوزة أخرى زاد فيها على المقنع خلافا كثيرا، وعزاه لناقليه، واشتهرت بالمغرب، واقتصر النّاس على حفظها. وهجروا بها كتب أبي داود وأبي عمرو والشّاطبيّ في الرّسم. وأمّا التفسير . فاعلم أنّ القرآن نزّل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم فكانوا كلّهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه. وكان ينزّل جملا جملا وآيات آيات لبيان التّوحيد والفروض الدّينيّة بحسب الوقائع. ومنها ما هو

стр. 552

في العقائد الإيمانيّة، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدّم ومنها ما يتأخّر ويكون ناسخا له. وكان النّبيّ ﷺ هو المبيّن لذلك كما قال تعالى: «لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ١٦: ٤٤» [١] فكان النّبيّ ﷺ يبيّن المجمل ويميّز النّاسخ من المنسوخ ويعرّفه أصحابه فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه. كما علم من قوله تعالى: «إِذا جاءَ نَصْرُ الله وَالْفَتْحُ ١١٠: ١» إنّها نعي النّبيّ ﷺ وأمثال ذلك ونقل ذلك عن الصّحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وتداول ذلك التّابعون من بعدهم ونقل ذلك عنهم. ولم يزل متناقلا بين الصّدر الأوّل والسّلف حتّى صارت المعارف علوما ودونت الكتب فكتب الكثير من ذلك ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصّحابة والتّابعين وانتهى ذلك إلى الطّبريّ والواقديّ والثّعالبيّ وأمثال ذلك من المفسّرين فكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوه من الآثار. ثمّ صارت علوم اللّسان صناعيّة [٢] من الكلام في موضوعات اللّغة وأحكام الإعراب والبلاغة في التّراكيب فوضعت الدّواوين في ذلك بعد أن كانت ملكات للعرب لا يرجع فيها إلى نقل ولا كتاب فتنوسي ذلك وصارت تتلقّى من كتب أهل اللّسان. فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن لأنّه بلسان العرب وعلى منهاج بلاغتهم. وصار التّفسير على صنفين: تفسير نقليّ مسند إلى الآثار المنقولة عن السّلف وهي معرفة النّاسخ والمنسوخ وأسباب النّزول ومقاصد الآي. وكلّ ذلك لا يعرف إلّا بالنّقل عن الصّحابة والتّابعين. وقد جمع المتقدّمون في ذلك وأوعوا، إلّا أنّ كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغثّ والسّمين والمقبول والمردود. والسّبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنّما غلبت عليهم البداوة والأمّيّة. وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّق إليه النّفوس البشريّة [٣] في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم وهم أهل التّوراة من اليهود ومن تبع دينهم

стр. 553

من النّصارى. وأهل التّوراة الّذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلّا ما تعرفه العامّة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الّذين أخذوا بدين اليهوديّة. فلمّا أسلموا بقوا على ما كان عندهم ممّا لا تعلّق له بالأحكام الشّرعيّة الّتي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبّه وعبد الله بن سلام وأمثالهم. فامتلأت التّفاسير من المنقولات عندهم [١] في أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم وليست ممّا يرجع إلى الأحكام فيتحرّى في الصّحّة الّتي يجب بها العمل. وتساهل المفسّرون في مثل ذلك وملئوا كتب التّفسير بهذه المنقولات. وأصلها كما قلناه عن أهل التّوراة الّذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلّا أنّهم بعد صيتهم وعظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات في الدّين والملّة، فتلقّيت بالقبول من يومئذ. فلمّا رجع النّاس إلى التّحقيق والتّمحيص وجاء أبو محمّد بن عطيّة من المتأخرين بالمغرب فلخّص تلك التّفاسير كلّها وتحرّى ما هو أقرب إلى الصّحّة منها ووضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب والأندلس حسن المنحى. وتبعه القرطبيّ في تلك الطّريقة على منهاج واحد في كتاب آخر مشهور بالمشرق. والصّنف الآخر من التّفسير وهو ما يرجع إلى اللّسان من معرفة اللّغة والإعراب والبلاغة في تأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب. وهذا الصّنف من التّفسير قلّ أن ينفرد عن الأوّل إذ الأوّل هو المقصود بالذّات. وإنّما جاء هذا بعد أن صار اللّسان وعلومه صناعة [٢] . نعم قد يكون في بعض التّفاسير غالبا ومن أحسن ما اشتمل عليه هذا الفنّ من التّفاسير كتاب الكشّاف للزّمخشريّ [٣] من أهل خوارزم العراق إلّا أنّ مؤلّفه من أهل الاعتزال في العقائد فيأتي بالحجاج على

стр. 554

مذاهبهم الفاسدة حيث تعرض له في آي القرآن من طرق البلاغة. فصار ذلك للمحقّقين من أهل السّنّة انحراف عنه وتحذير للجمهور من مكامنه مع إقرارهم برسوخ قدمه فيما يتعلّق باللّسان والبلاغة وإذا كان النّاظر فيه واقفا مع ذلك على المذاهب السّنّيّة محسنا للحجاج عنها فلا جرم إنّه مأمون من غوائله فلتغتنم مطالعته لغرابة فنونه في اللّسان. ولقد وصل إلينا في هذه العصور تأليف لبعض العراقيّين وهو شرف الدّين الطّيبيّ من أهل توريز من عراق العجم شرح فيه كتاب الزّمخشريّ هذا وتتبّع ألفاظه وتعرّض لمذاهبه في الاعتزال بأدلّة تزيّفها [١] ويبيّن أنّ البلاغة إنّما تقع في الآية على ما يراه أهل السّنّة لا على ما يراه [٢] المعتزلة فأحسن في ذلك ما شاء مع إمتاعه في سائر فنون البلاغة وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ١٢: ٧٦. الفصل السادس في علوم الحديث وأمّا علوم الحديث فهي كثيرة ومتنوّعة لأنّ منها ما ينظر في ناسخه ومنسوخه وذلك بما ثبت في شريعتنا من جواز النّسخ ووقوعه لطفا من الله بعباده وتخفيفا عنهم باعتبار مصالحهم الّتي تكفّل الله لهم بها. قال تعالى: «ما نَنْسَخْ من آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ٢: ١٠٦» [٣] (ومعرفة الناسخ والمنسوخ وإن كان عاقا للقرآن والحديث إلّا أنّ الّذي في القرآن منه اندرج في تفاسيره وبقي ما كان خاصّا بالحديث راجعا إلى علومه. فإذا تعارض الخبران بالنّفي والإثبات وتعذّر الجمع بينهما ببعض التّأويل وعلم تقدّم أحدهما تعيّن أنّ المتأخّر ناسخ) . ومعرفة النّاسخ والمنسوخ من أهمّ علوم الحديث وأصعبها. قال الزّهريّ: «أعيا

стр. 555

الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه» . وكان للشّافعيّ ﵁ فيه قدم راسخة. (ومن علوم الأحاديث [١] النّظر في الأسانيد ومعرفة ما يجب العمل به من الأحاديث بوقوعه على السّند الكامل الشّروط لأنّ العمل إنّما وجب بما يغلب على الظّنّ صدقه من أخبار رسول الله ﷺ فيجتهد في الطّريق الّتي تحصّل ذلك الظّنّ وهو بمعرفة رواة الحديث بالعدالة والضّبط. وإنّما يثبت ذلك بالنّقل عن أعلام الدّين لتعديلهم وبراءتهم من الجرح والغفلة ويكون لنا ذلك دليلا على القبول أو التّرك. وكذلك مراتب هؤلاء النّقلة من الصّحابة والتّابعين وتفاوتهم في ذلك وتميّزهم فيه واحدا واحدا. وكذلك الأسانيد تتفاوت باتّصالها وانقطاعها بأن يكون الرّاوي لم يلق الرّاوي الّذي نقل عنه وبسلامتها من العلل الموهنة لها وتنتهي بالتفاوت إلى طرفين فحكم [٢] بقبول الأعلى وردّ الأسفل. ويختلف في المتوسّط بحسب المنقول عن أئمّة الشّأن. ولهم في ذلك ألفاظ اصطلحوا على وضعها لهذه المراتب المرتّبة. مثل الصّحيح والحسن والضّعيف والمرسل والمنقطع والمعضل والشّاذّ والغريب، وغير ذلك من ألقابه المتداولة بينهم. وبوّبوا على كلّ واحد منها ونقلوا ما فيه من الخلاف لأئمّة اللّسان أو الوفاق. ثمّ النّظر في كيفيّة أخذ الرّواية [٣] بعضهم عن بعض بقراءة أو كتابة أو مناولة أو إجازة وتفاوت رتبها وما للعلماء في ذلك من الخلاف بالقبول والرّدّ. ثمّ اتّبعوا ذلك بكلام في ألفاظ تقع في متون الحديث من غريب أو مشكل أو تصحيف أو مفترق منها أو مختلف وما يناسب ذلك. هذا معظم ما ينظر فيه أهل الحديث وغالبة وكانت أحوال نقلة الحديث في عصور السّلف من الصّحابة والتّابعين معروفة عند أهل بلده فمنهم بالحجاز ومنهم بالبصرة والكوفة من العراق ومنهم بالشّام ومصر والجميع معروفون مشهورون في

стр. 556

أعصارهم وكانت طريقة أهل الحجاز في أعصارهم في الأسانيد أعلى ممّن سواهم وأمتن في الصّحّة لاستبدادهم [١] في شروط النّقل من العدالة والضّبط وتجافيهم عن قبول المجهول الحال في ذلك) [٢] وسند [٣] الطّريقة الحجازيّة بعد السّلف الإمام مالك عالم المدينة رضي الله تعالى عنه ثمّ أصحابه مثل الإمام محمّد بن إدريس الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه، وابن وهب وابن بكير والقضبي ومحمّد بن الحسن ومن بعدهم الإمام أحمد بن حنبل وفي آخرين من أمثالهم. وكان علم الشّريعة في مبدإ هذا الأمر نقلا صرفا شمّر لها السّلف وتحرّوا الصّحيح حتّى أكملوها. وكتب مالك ﵀ كتاب الموطّإ أودعه أصول الأحكام من الصّحيح المتّفق عليه ورتّبه على أبواب الفقه. ثمّ عني الحافظ بمعرفة طرق الأحاديث

стр. 557

وأسانيدها المختلفة. وربّما يقع إسناد الحديث من طرق متعدّدة عن رواة مختلفين وقد يقع الحديث أيضا في أبواب متعدّدة باختلاف المعاني الّتي اشتمل عليها. وجاء محمّد بن إسماعيل البخاريّ إمام المحدّثين في عصره فخرّج أحاديث السّنّة على أبوابها في مسندة الصّحيح بجميع الطّرق الّتي للحجازيّين والعراقيّين والشّاميّين. واعتمد منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه وكرّر الأحاديث يسوقها في كلّ باب بمعنى ذلك الباب الّذي تضمّنه الحديث فتكرّرت لذلك أحاديثه حتّى يقال: إنّه اشتمل على تسعة [١] آلاف حديث ومائتين، منها ثلاثة آلاف متكرّرة وفرق الطّرق والأسانيد عليها مختلفة في كلّ باب. ثمّ جاء الإمام مسلم بن الحجّاج القشيريّ رحمه الله تعالى فألّف مسندة الصّحيح. حذا فيه حذو البخاريّ في نقل المجمع عليه وحذف المتكرّر منها وجمع الطّرق والأسانيد وبوّبه على أبواب الفقه وتراجمه. ومع ذلك فلم يستوعبا الصّحيح كلّه. وقد استدرك النّاس عليهما في ذلك. ثمّ كتب أبو داود السّجستانيّ وأبو عيسى التّرمذيّ وأبو عبد الرّحمن النّسائيّ في السّنن بأوسع من الصّحيح وقصدوا ما توفّرت فيه شروط العمل إمّا من الرّتبة العالية في الأسانيد وهو الصّحيح كما هو معرف وإمّا من الّذي دونه من الحسن وغيره ليكون ذلك إماما للسّنّة والعمل. وهذه هي المسانيد المشهورة في الملّة وهي أمّهات كتب الحديث في السّنّة فإنّها وإن تعدّدت ترجع إلى هذه في الأغلب. ومعرفة هذه الشّروط والاصطلاحات كلّها هي علم الحديث وربّما يفرد عنها النّاسخ والمنسوخ فيجعل فنّا برأسه وكذا الغريب. وللنّاس فيه تآليف مشهورة ثمّ المؤتلف والمختلف. وقد ألّف النّاس في علوم الحديث وأكثروا. ومن فحول علمائه وأئمّتهم أبو عبد الله الحاكم وتآليفه فيه مشهورة وهو الّذي هذّبه وأظهر محاسنه. وأشهر كتاب للمتأخّرين فيه كتاب أبي عمرو بن الصّلاح كان لعهد أوائل المائة السّابعة وتلاه

стр. 558

محيي الدّين النّوويّ بمثل ذلك. والفنّ شريف في مغزاه لأنّه معرفة ما يحفظ به السّنن المنقولة عن صاحب الشّريعة. وقد انقطع لهذا العهد تخريج شيء من الأحاديث واستدراكها على المتقدّمين إذ العادة تشهد بأنّ هؤلاء الأئمّة على تعدّدهم وتلاحق عصورهم وكفايتهم واجتهادهم لم يكونوا ليغفلوا شيئا من السّنّة أو يتركوه حتّى يعثر عليه المتأخّر، هذا بعيد عنهم وإنّما تنصرف العناية لهذا العهد إلى تصحيح الأمّهات المكتوبة وضبطها بالرّواية عن مصنّفيها والنّظر في أسانيدها إلى مؤلّفها وعرض ذلك على ما تقرّر في علم الحديث من الشّروط والأحكام لتتّصل الأسانيد محكمة إلى منتهاها. ولم يزيدوا في ذلك على العناية بأكثر من هذه الأمّهات الخمس إلّا في القليل. فأمّا البخاريّ وهو أعلاها رتبة فاستصعب النّاس شرحه واستغلقوا منحاه من أجل ما يحتاج إليه من معرفة الطّرق المتعدّدة ورجالها من أهل الحجاز والشّام والعراق ومعرفة أحوالهم واختلاف النّاس فيهم. ولذلك يحتاج إلى إمعان النّظر في التّفقه في تراجمه لأنّه يترجم التّرجمة ويورد فيها الحديث بسند أو طريق ثمّ يترجم أخرى ويورد فيها ذلك الحديث بعينه لما تضمّنه من المعنى الّذي ترجم به الباب. وكذلك في ترجمة وترجمة إلى أن يتكرّر الحديث في أبواب كثيرة بحسب معانيه واختلافها ومن شرحه ولم يستوف هذا فيه فلم يوفّ حقّ الشّرح كابن بطّال وابن المهلّب وابن التّين ونحوهم. ولقد سمعت كثيرا من شيوخنا ﵏ يقولون: شرح كتاب البخاريّ دين على الأمّة يعنون أنّ أحدا من علماء الأمّة لم يوفّ ما يجب له من الشّرح بهذا الاعتبار. وأمّا صحيح مسلّم فكثرت عناية علماء المغرب به وأكبّوا عليه وأجمعوا على تفصيله على كتاب البخاريّ من غير الصّحيح ممّا لم يكن على شرطه وأكثر ما وقع له في التّراجم. وأملى الإمام المارزيّ من فقهاء المالكيّة عليه شرحا وسمّاه (المعلّم بفوائد مسلم) اشتمل على عيون من علم الحديث وفنون من الفقه ثمّ أكمله القاضي عيّاض من بعده وتمّمه وسمّاه إكمال المعلّم وتلاهما محيي

стр. 559

الدّين النّوويّ بشرح استوفى ما في الكتابين وزاد عليهما فجاء شرحا وافيا. وأمّا كتب السّنن الأخرى وفيها معظم مآخذ الفقهاء فأكثر شرحها في كتب الفقه إلّا ما يختصّ بعلم الحديث فكتب النّاس عليها واستوفوا من ذلك ما يحتاج إليه من علم الحديث وموضوعاتها والأسانيد الّتي اشتملت على الأحاديث المعمول بها من السّنّة. واعلم أنّ الأحاديث قد تميّزت مراتبها لهذا العهد بين صحيح وحسن وضعيف ومعلول وغيرها تنزّلها أئمّة الحديث وجهابذته وعرّفوها. ولم يبق طريق في تصحيح ما يصحّ من قبل. ولقد كان الأئمّة في الحديث يعرّفون الأحاديث بطرقها وأسانيدها بحيث لو روي حديث بغير سنده وطريقه يفطنون إلى أنّه قلب عن وضعه ولقد وقع مثل ذلك للإمام محمّد بن إسماعيل البخاريّ حين ورد على بغداد وقصد المحدّثون امتحانه فسألوه عن أحاديث قبلوا أسانيدها فقال: «لا أعرف هذه ولكن حدّثني فلان» . ثمّ أتى بجميع تلك الأحاديث على الوضع الصّحيح وردّ كلّ متن إلى سنده وأقرّوا له بالإمامة. واعلم أيضا أنّ الأئمّة المجتهدين تفاوتوا في الإكثار من هذه الصّناعة والإقلال فأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقال بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثا أو نحوها ومالك ﵀ إنّما صحّ عنده ما في كتاب الموطّإ [١] وغايتها ثلاثمائة حديث أو نحوها. وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسندة خمسون ألف حديث ولكلّ ما أدّاه إليه اجتهاده في ذلك. وقد تقوّل بعض المبغضين المتعسّفين إلى أنّ منهم من كان قليل البضاعة في الحديث فلهذا قلّت روايته. ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمّة لأنّ الشّريعة إنّما تؤخذ من الكتاب والسّنّة. ومن كان قليل البضاعة من الحديث فيتعيّن عليه طلبه وروايته والجدّ والتّشمير في ذلك ليأخذ الدّين عن أصول صحيحة ويتلقّى الأحكام عن صاحبها المبلغ لها. وإنّما قلّل منهم من قلّل

стр. 560

الرّواية لأجل المطاعن الّتي تعترضه فيها والعلل الّتي تعرض في طرقها سيّما والجرح مقدّم عند الأكثر فيؤدّيه الاجتهاد إلى ترك الأخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الأحاديث وطرق الأسانيد ويكثر ذلك فتقلّ روايته لضعف في الطّرق. هذا مع أنّ أهل الحجاز أكثر رواية للحديث من أهل العراق لأنّ المدينة دار الهجرة ومأوى الصّحابة ومن انتقل منهم إلى العراق كان شغلهم بالجهاد أكثر. والإمام أبو حنيفة إنّما قلّت روايته لما شدّد في شروط الرّواية والتّحمّل وضعف رواية الحديث اليقينيّ إذا عارضها الفعل النّفسيّ. وقلّت من أجلها رواية فقلّ حديثه. لأنّه ترك رواية الحديث متعمّدا فحاشاه من ذلك. ويدلّ على أنّه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم والتّعويل عليه واعتباره ردّا وقبولا. وأمّا غيره من المحدّثين وهم الجمهور فتوسّعوا في الشّروط وكثر حديثهم والكلّ عن اجتهاد وقد توسّع أصحابه من بعده في الشّروط وكثرت روايتهم. وروى الطّحطاوي [١] فأكثر وكتب مسندة وهو جليل القدر إلّا أنّه لا يعدل الصّحيحين لأنّ الشّروط الّتي اعتمدها البخاريّ ومسلم في كتابيهما مجمع عليها بين الأمّة كما قالوه. وشروط الطّحطاويّ غير متّفق عليها كالرّواية عن المستور الحال وغيره فلهذا قدّم الصّحيحان بل وكتب السّنن المعروفة عليه لتأخّر شروطه عن شروطهم. ومن أجل هذا قيل في الصّحيحين بالإجماع على قبولهما من جهة الإجماع على صحّة ما فيهما من الشّروط المتّفق عليها. فلا تأخذك ريبة في ذلك فالقوم أحقّ النّاس بالظّنّ الجميل بهم والتماس المخارج الصّحيحة لهم. والله أعلم بما في حقائق الأمور.

стр. 561

الفصل السابع في علم الفقه وما يتبعه من الفرائض الفقه معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلّفين بالوجوب والحذر [١] والنّدب والكراهة والإباحة وهي متلقّاة من الكتاب والسّنّة وما نصبه الشّارع لمعرفتها من الأدلّة فإذا استخرجت الأحكام من تلك الأدلّة قيل لها فقه. وكان السّلف يستخرجونها من تلك الأدلّة على اختلاف فيما بينهم. ولا بدّ من وقوعه ضرورة. فإنّ الأدلّة غالبها من النّصوص وهي بلغة العرب وفي اقتضاءات ألفاظها لكثير من معانيها وخصوصا الأحكام الشرعيّة اختلاف بينهم معروف. وأيضا فالسّنّة مختلفة الطّرق في الثّبوت وتتعارض في الأكثر أحكامها فتحتاج إلى التّرجيح وهو مختلف أيضا. فالأدلّة من غير النّصوص مختلف فيها وأيضا فالوقائع المتجدّدة لا توفّى بها النّصوص. وما كان منها غير ظاهر في المنصوص [٢] فيحمل على المنصوص لمشابهة بينهما وهذه كلّها إشارات [٣] للخلاف ضروريّة الوقوع. ومن هنا وقع الخلاف بين السلف والأئمّة من بعدهم. ثمّ إنّ الصّحابة كلّهم لم يكونوا أهل فتيا ولا كان الدّين يؤخذ عن جميعهم. وإنّما كان ذلك مختصّا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالته بما تلقّوه من النّبيّ ﷺ أو ممّن سمعه منهم ومن عليتهم. وكانوا يسمّون لذلك القرّاء أي الّذين يقرءون الكتاب لأنّ العرب كانوا أمّة أمّيّة، فاختصّ من كان منهم قارئا للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ. وبقي الأمر كذلك صدر الملّة. ثمّ عظمت أمصار الإسلام وذهبت الأمّيّة من العرب بممارسة الكتاب وتمكّن الاستنباط

стр. 562

وكمل الفقه وأصبح صناعة وعلما فبدّلوا باسم الفقهاء والعلماء من القرّاء. وانقسم الفقه فيهم إلى طريقتين: طريقة أهل الرّأي والقياس وهم أهل العراق وطريقة أهل الحديث وهم أهل الحجاز. وكان الحديث قليلا في أهل العراق لما قدّمناه فاستكثروا من القياس ومهروا فيه فلذلك قيل أهل الرّأي. ومقدّم جماعتهم الّذي استقرّ المذهب فيه وفي أصحابه أبو حنيفة وإمام أهل الحجاز مالك بن أنس والشّافعيّ من بعده. ثمّ أنكر القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به وهم الظّاهريّة. وجعلوا المدارك [١] كلّها منحصرة في النّصوص والإجماع وردّوا القياس الجليّ والعلّة المنصوصة إلى النّصّ، لأنّ النّصّ على العلّة نصّ على الحكم في جميع محالّها. وكان إمام هذا المذهب داود بن عليّ وابنه وأصحابهما. وكانت هذه المذاهب الثّلاثة هي مذاهب الجمهور المشتهرة بين الأمّة. وشذّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصّحابة بالقدح، وعلى قولهم بعصمة الأئمّة ورفع الخلاف عن أقوالهم وهي كلّها أصول واهية وشذّ بمثل ذلك الخوارج ولم يحتفل [٢] الجمهور بمذاهبهم بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح. فلا نعرف شيئا من مذاهبهم ولا نروي كتبهم ولا أثر لشيء منها إلّا في مواطنهم. فكتب الشّيعة في بلادهم وحيث كانت دولتهم [٣] قائمة في المغرب والمشرق واليمن والخوارج كذلك. ولكلّ منهم كتب وتآليف وآراء في الفقه غريبة. ثمّ درس مذهب أهل الظّاهر اليوم بدروس أئمّته وإنكار الجمهور على منتحله ولم يبق إلّا في الكتب المجلّدة [٤] وربّما يعكف كثير من الطّالبين ممّن تكلّف بانتحال مذهبهم على تلك الكتب يروم أخذ فقههم منها ومذهبهم فلا يخلو بطائل ويصير إلى مخالفة الجمهور وإنكارهم عليه وربّما عدّ بهذه النّحلة من أهل

стр. 563

البدع بنقله [١] العلم من الكتب من غير مفتاح المعلّمين. وقد فعل ذلك ابن حزم بالأندلس على علوّ رتبته في حفظ الحديث وصار إلى مذهب أهل الظّاهر ومهر فيه باجتهاد زعمه في أقوالهم. وخالف إمامهم داود وتعرّض للكثير من الأئمّة المسلمين فنقم النّاس ذلك عليه وأوسعوا مذهبه استهجانا وإنكارا، وتلقّوا كتبه بالإغفال والتّرك حتّى إنّها ليحصر بيعها بالأسواق وربّما تمزّق في بعض الأحيان. ولم يبق إلا مذهب أهل الرّأي من العراق وأهل الحديث من الحجاز. فأمّا أهل العراق فإمامهم الّذي استقرّت عنده مذاهبهم أبو حنيفة النّعمان بن ثابت ومقامه في الفقه لا يلحق شهد له بذلك أهل جلدته وخصوصا مالك والشّافعيّ. وأمّا أهل الحجاز فكان إمامهم مالك ابن أنس الأصبحيّ إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى واختصّ بزيادة مدرك آخر للأحكام غير المدارك المعتبرة عند غيره وهو عمل أهل المدينة لأنّه رأى أنّهم فيما ينفسون [٢] عليه من فعل أو ترك متابعون لمن قبلهم ضرورة لدينهم واقتدائهم، وهكذا إلى الجبل المباشرين لفعل النّبيّ ﷺ الآخذين ذلك عنه. وصار ذلك عنده من أصول الأدلّة الشّرعيّة. وظنّ كثير أنّ ذلك من مسائل الإجماع فأنكره لأنّ دليل الإجماع لا يخصّ أهل المدينة من سواهم بل هو شامل للأمّة. واعلم أنّ الإجماع إنّما هو الاتّفاق على الأمر الدّينيّ عن اجتهاد. ومالك رحمه الله تعالى لم يعتبر عمل أهل المدينة من هذا المعنى وإنّما اعتبره من حيث اتّباع الجيل بالمشاهدة للجيل إلى أن ينتهي إلى الشّارع صلوات الله وسلامه عليه. وضرورة اقتدائهم بعين ذلك يعمّ الملّة [٣] ذكرت في باب الإجماع والأبواب بها من حيث ما فيها من الاتّفاق الجامع بينها وبين الإجماع. إلّا أنّ اتّفاق أهل

стр. 564

الإجماع عن نظر واجتهاد في الأدلّة واتّفاق هؤلاء في فعل أو ترك مستندين إلى مشاهدة من قبلهم. ولو ذكرت المسألة في باب فعل النّبيّ ﷺ وتقريره أو مع الأدلّة المختلف فيها مثل مذهب الصّحابيّ وشرع من قبلنا والاستصحاب لكان أليق بها ثمّ كان من بعد مالك بن أنس محمّد بن إدريس المطّلبيّ الشّافعيّ رحمهما الله تعالى. رحل إلى العراق من بعد مالك ولقي أصحاب الإمام أبي حنيفة وأخذ عنهم ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق واختصّ بمذهب، وخالف مالكا رحمه الله تعالى في كثير من مذهبه. وجاء من بعدهما أحمد بن حنبل ﵀. وكان من علية المحدّثين وقرأ أصحابه على أصحاب الإمام أبي حنيفة مع وفور بضاعتهم من الحديث فاختصّوا بمذهب آخر. ووقف التّقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة ودرس المقلّدون لمن سواهم. وسدّ النّاس باب الخلاف وطرقه لمّا كثر تشعّب الاصطلاحات في العلوم. ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد ولمّا خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه فصرّحوا بالعجز والإعواز وردّوا النّاس إلى تقليد هؤلاء كلّ من اختصّ به من المقلّدين. وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التّلاعب ولم يبق إلّا نقل مذاهبهم. وعمل كلّ مقلّد بمذهب من قلّده منهم بعد تصحيح الأصول واتّصال سندها بالرّواية لا محصول اليوم للفقه غير هذا. ومدّعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده وقد صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمّة الأربعة. فأمّا أحمد بن حنبل فمقلّده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد وأصالته في معاضدة الرّواية وللأخبار بعضها ببعض. وأكثرهم بالشّام والعراق من بغداد ونواحيها وهم أكثر النّاس حفظا للسّنّة ورواية الحديث وميلا بالاستنباط إليه عن القياس ما أمكن. وكان لهم ببغداد صولة وكثرة حتّى كانوا يتواقعون مع الشّيعة في نواحيها. وعظمت الفتنة من أجل ذلك ثمّ انقطع ذلك عند استيلاء التّتر عليها. ولم يراجع وصارت كثرتهم بالشّام. وأمّا أبو حنيفة فقلّده

стр. 565

اليوم أهل العراق ومسلمة الهند والصّين وما وراء النّهر وبلاد العجم كلّها. ولمّا كان مذهبه أخصّ بالعراق ودار السّلام وكان تلميذه صحابة الخلفاء من بني العبّاس فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشّافعيّة وحسنت مباحثهم في الخلافيّات، وجاءوا منها بعلم مستظرف وأنظار غريبة وهي بين أيدي النّاس. وبالمغرب منها شيء قليل نقله إليه القاضي بن العربيّ وأبو الوليد الباجيّ في رحلتهما. وأمّا الشّافعيّ فمقلّدوه بمصر أكثر ممّا سواها وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وما وراء النّهر وقاسموا الحنفيّة في الفتوى والتّدريس في جميع الأمصار. وعظمت مجالس المناظرات بينهم وشحنت كتب الخلافيّات بأنواع استدلالاتهم. ثمّ درس ذلك كلّه بدروس المشرق وأقطاره. وكان الإمام محمّد بن إدريس الشّافعيّ لمّا نزل على بني عبد الحكم بمصر أخذ عنه جماعة منهم. وكان من تلميذه بها: البويطيّ والمزنيّ وغيرهم، وكان بها من المالكيّة جماعة من بني عبد الحكم وأشهب وابن القاسم وابن المواز وغيرهم ثمّ الحارس بن مسكين وبنوه ثمّ القاضي أبو إسحاق بن شعبان وأولاده. ثمّ انقرض فقه أهل السّنّة من مصر بظهور دولة الرّافضة وتداول بها فقه أهل البيت وتلاشى من سواهم [١] وارتحل إليها القاضي عبد الوهاب من بغداد، آخر المائة الرابعة على ما أعلم، من الحاجة والتقليب في المعاش. فتأذّن خلفاء العبيديّين بإكرامه، وإظهار فضله نعيا على بني العبّاس في اطّراح مثل هذا الإمام، والاغتباط به. فنفقت سوق المالكيّة بمصر قليلا، إلى أن ذهبت دولة العبيديّين من الرّافضة على يد صلاح الدّين يوسف بن أيّوب فذهب منها فقه أهل البيت وعاد فقه الجماعة إلى الظّهور بينهم ورجع إليهم فقه الشّافعيّ وأصحابه من أهل العراق والشّام فعاد إلى أحسن ما كان ونفقت سوقه واشتهر منهم محيي الدّين النّوويّ من الحلبة الّتي ربيت في ظلّ الدّولة الأيّوبيّة بالشّام وعزّ الدّين بن عبد السّلام أيضا. ثمّ ابن
следующие страницы →