الأوّل واختصّوه بالرّدّ والقبول لوقوف الشّهرة عنده. ودوّنوا في ذلك الدّواوين وأربوا على من تقدّمهم في هذه العلوم وكان من أكابرهم في الملّة أبو نصر الفارابيّ وأبو عليّ بن سينا بالمشرق والقاضي أبو الوليد بن رشد والوزير أبو بكر بن الصّائغ بالأندلس إلى آخرين بلغوا الغاية في هذه العلوم. واختصّ هؤلاء بالشّهرة والذّكر واقتصر كثيرون على انتحال التّعاليم وما ينضاف إليها من علوم النّجامة والسّحر والطّلسمات. ووقفت الشّهرة في هذا المنتحل على جابر بن حيّان من أهل المشرق ومسلمة بن أحمد المجريطيّ من أهل الأندلس وتلميذه. ودخل على الملّة من هذه العلوم وأهلها داخلة واستهوت الكثير من النّاس بما جنحوا إليها وقلّدوا آراءها والذّنب في ذلك لمن ارتكبه. ولو شاء الله ما فعلوه. ثمّ إنّ المغرب والأندلس لمّا ركدت ريح العمران بهما وتناقصت العلوم بتناقصه اضمحلّ ذلك منهما إلّا قليلا من رسومه تجدها في تفاريق من النّاس وتحت رقبة من علماء السّنّة. ويبلغنا عن أهل المشرق أنّ بضائع هذه العلوم لم تزل عندهم موفورة وخصوصا في عراق العجم وما بعده فيما وراء النّهر وأنّهم على بحّ [١] من العلوم العقليّة لتوفّر عمرانهم واستحكام الحضارة فيهم. ولقد وقفت بمصر على تآليف في المعقول متعدّدة لرجل من عظماء هراة من بلاد خراسان يشتهر بسعد الدّين التّفتازانيّ منها في علم الكلام وأصول الفقه والبيان تشهد بأنّ له ملكة راسخة في هذه العلوم. وفي أثنائها ما يدلّ على أنّ له اطّلاعا على العلوم الحكميّة وقدما عالية في سائر الفنون العقليّة والله يؤيّد بنصره من يشاء. كذلك بلغنا لهذا العهد أنّ هذه العلوم الفلسفيّة ببلاد الإفرنجة من أرض رومة وما إليها من العدوة الشّماليّة نافقة الأسواق وأنّ رسومها هناك متجدّدة ومجالس تعليمها متعدّدة ودواوينها جامعة متوفّرة وطلبتها متكثّرة [٢] والله أعلم بما هنالك وهو يخلق ما يشاء ويختار.
стр. 632
الفصل العشرون في العلوم العددية
وأوّلها الأرتماطيقيّ وهو معرفة خواصّ الأعداد من حيث التّأليف إمّا على التّوالي أو بالتّضعيف مثل أنّ الأعداد إذا توالت متفاضلة بعدد واحد فإنّ جمع الطّرفين منها مساو لجمع كلّ عددين بعدهما من الطّرفين بعد واحد ومثل ضعف الواسطة إن كانت عدّة تلك الأعداد فردا مثل الأفراد [١] على تواليها والأزواج على تواليها ومثل أنّ الأعداد إذا توالت على نسبة واحدة يكون أوّلها نصف ثانيها وثانيها نصف ثالثها إلخ، أو يكون أوّلها ثلث ثانيها وثانيها ثلث ثالثها إلخ، فإنّ ضرب الطّرفين أحدهما في الآخر كضرب كلّ عددين بعدهما من الطّرفين بعد واحد أحدهما في الآخر. ومثل مربّع الواسطة إن كانت العدّة فردا وذلك مثل أعداد زوج الزّوج المتوالية من اثنين فأربعة فثمانية فستّة عشر ومثل ما يحدث من الخواصّ العدديّة في وضع المثلّثات العدديّة والمربّعات والمخمّسات والمسدّسات إذا وضعت متتالية في سطورها بأن يجمع من الواحد إلى العدد الأخير فتكون مثلّثة. وتتوالى المثلّثات هكذا في سطر تحت الأضلاع ثمّ تزيد على كلّ مثلّث ثلث الضّلع الّذي قبله فتكون مربّعة. وتزيد على كلّ مربّع مثلّث [٢] الضّلع الّذي قبله فتكون مخمّسة وهلمّ جرّا. وتتوالى الأشكال على توالي الأضلاع ويحدث جدول ذو طول وعرض. ففي عرضه الأعداد على تواليها ثمّ المثلّثات على تواليها ثمّ المربّعات ثمّ المخمّسات إلخ وفي طوله كلّ عدد وأشكاله بالغا ما بلغ وتحدث في جمعها وقسمة بعضها على بعض طولا وعرضا خواصّ غريبة استقريت منها وتقرّرت في دواوينهم مسائلها كذلك ما يحدث للزّوج والفرد وزوج الزّوج وزوج
стр. 633
الفرد وزوج الزّوج والفرد فإنّ لكل منها خواصّ مختصّة به تضمّنها هذا الفنّ وليست في غيره. وهذا الفنّ أوّل أجزاء التّعاليم وأثبتها ويدخل في براهين الحساب. وللحكماء المتقدّمين والمتأخّرين فيه تآليف، وأكثرهم يدرجونه في التّعاليم ولا يفردونه بالتّآليف. فعل ذلك ابن سينا في كتاب الشّفاء والنّجاة وغيره من المتقدّمين. وأمّا المتأخّرون فهو عندهم مهجور إذ هو غير متداول ومنفعته في البراهين لا في الحساب فهجروه لذلك بعد أن استخلصوا زبدته في البراهين الحسابيّة كما فعله ابن البنّاء في كتاب رفع الحجاب وغيره والله أعلم.
ومن فروع علم العدد صناعة الحساب .
وهي صناعة علميّة في حساب الأعداد بالضمّ والتّفريق. فالضّمّ يكون في الأعداد بالأفراد وهو الجمع.
وبالتّضعيف تضاعف عددا بآحاد عدد آخر وهذا هو الضّرب والتّفريق أيضا يكون في الأعداد إمّا بالإفراد مثل إزالة عدد من عدد ومعرفة الباقي وهو الطّرح أو تفصيل عدد بأجزاء متساوية تكون عدّتها محصّلة وهو القسمة. وسواء كان هذا الضّمّ والتّفريق في الصّحيح من العدد أو الكسر. ومعنى الكسر نسبة عدد إلى عدد وتلك النّسبة تسمّى كسرا. وكذلك يكون بالضّمّ والتّفريق في الجذور ومعناها العدد الّذي يضرب في مثله فيكون منه العدد المربّع. فإنّ تلك الجذور أيضا يدخلها الضّمّ والتّفريق وهذه الصّناعة حادثة احتيج إليها للحساب في المعاملات وألّف النّاس فيها كثيرا وتداولوها في الأمصار بالتّعليم للولدان. ومن أحسن التّعليم عندهم الابتداء بها لأنّها معارف متّضحة وبراهين منتظمة فينشأ عنها في الغالب عقل مضيء درب على الصّواب. وقد يقال من أخذ نفسه بتعليم الحساب أوّل أمره إنّه يغلب عليه الصّدق لما في الحساب من صحّة المباني ومناقشة النّفس فيصير ذلك خلقا ويتعوّد الصّدق ويلازمه مذهبا. ومن أحسن التّآليف المبسوطة فيها لهذا العهد بالمغرب كتاب الحصار الصّغير. ولابن البناء المرّاكشيّ فيه تلخيص ضابط لقوانين أعماله مفيد ثمّ شرحه بكتاب سمّاه رفع الحجاب وهو مستغلق على
стр. 634
المبتدئ بما فيه من البراهين الوثيقة المباني وهو كتاب جليل القدر أدركنا المشيخة تعظّمه وهو كتاب جدير بذلك. وساوق فيه المؤلّف ﵀ كتاب فقه الحساب، لابن منعم والكامل للأحدب، ولخّص براهينها وغيّرها عن اصطلاح الحروف فيها إلى علل معنويّة ظاهرة، هي سرّ الإشارة بالحروف وزبدتها. وهي كلّها مستغلقة، وإنّما جاءه الاستغلاق من طريق البرهان ببيان [١] علوم التّعاليم لأنّ مسائلها وأعمالها واضحة كلّها. وإذا قصد شرحها فإنّما هو إعطاء العلل في تلك الأعمال. وفي ذلك من العسر على الفهم ما لا يوجد في أعمال المسائل فتأمّله. والله يهدي بنوره من يشاء وهو القويّ المتين
. ومن فروعه الجبر والمقابلة .
وهي صناعة يستخرج بها العدد المجهول من قبل المعلوم المفروض إذا كان بينهما نسبة تقتضي ذلك. فاصطلحوا فيها على أن جعلوا للمجهولات مراتب من طريق التّضعيف بالضّرب. أوّلها العدد لأنّه به يتعيّن المطلوب المجهول باستخراجه من نسبة المجهول إليه وثانيها الشّيء لأنّ كلّ مجهول فهو من جهة إبهامه شيء وهو أيضا جذر لما يلزم من تضعيفه في المرتبة الثّانية وثالثها المال وهو أمر مبهم وما بعد ذلك فعلى نسبة الأسّ في المضروبين. ثمّ يقع العمل المفروض في المسألة فتخرج إلى معادلة بين مختلفين أو أكثر من هذه الأجناس فيقابلون بعضها ببعض ويجبرون ما فيها من الكسر حتّى يصير صحيحا. ويحطّون المراتب إلى أقلّ الأسوس إن أمكن حتّى يصير إلى الثّلاثة الّتي عليها مدار الجبر عندهم وهي العدد والشّيء والمال. فإن كانت المعادلة بين واحد وواحد تعيّن فالمال والجذر يزول إبهامه بمعادلة العدد ويتعيّن.
والمال وإن عادل الجذور فيتعيّن بعدّتها. وإن كانت المعادلة بين واحد واثنين أخرجه العمل الهندسيّ من طريق تفصيل الضّرب في الاثنين وهي مبهمة فيعيّنها ذلك الضّرب المفصّل. ولا يمكن المعادلة بين اثنين واثنين. وأكثر ما انتهت
стр. 635
المعادلة بينهم إلى ستّ مسائل لأنّ المعادلة بين عدد وجذر ومال مفردة أو مركّبة تجيء ستّة. وأوّل من كتب في هذا الفنّ أبو عبد الله الخوارزميّ وبعده أبو كامل شجاع بن أسلم، وجاء النّاس على أثره فيه. وكتابه في مسائله السّتّ من أحسن الكتب الموضوعة فيه. وشرحه كثير من أهل الأندلس فأجادوا ومن أحسن شروحاته كتاب القرشيّ. وقد بلغنا أنّ بعض أئمّة التّعاليم من أهل المشرق أنهى المعاملات [١] إلى أكثر من هذه السّتّة الأجناس، وبلغها إلى فوق العشرين واستخرج لها كلّها أعمالا وأتبعه ببراهين هندسيّة. والله يزيد في الخلق ما يشاء
. ومن فروعه أيضا المعاملات .
وهو تصريف الحساب في معاملات المدن في البياعات والمساحات والزّكوات وسائر ما يعرض فيه العدد من المعاملات يصرّف في صناعتنا ذلك الحساب [٢] في المجهول والمعلوم والكسر والصّحيح والجذور وغيرها. والغرض من تكثير المسائل المفروضة فيها حصول المران والدّربة بتكرار العمل حتّى ترسخ الملكة في صناعة الحساب. ولأهل الصّناعة الحسابيّة من أهل الأندلس تآليف فيها متعدّدة من أشهرها معاملات الزّهراويّ وابن السّمح وأبي مسلم بن خلدون من تلميذ مسلمة المجريطيّ وأمثالهم
. ومن فروعه أيضا الفرائض .
وهي صناعة حسابيّة في تصحيح السّهام لذوي الفروض في الوراثات إذا تعدّدت وهلك بعض الوارثين وانكسرت سهامه على ورثته أو زادت الفروض عند اجتماعها وتزاحمها على المال كلّه أو كان في الفريضة إقرار وإنكار من بعض الورثة فتحتاج في ذلك كلّه إلى عمل يعيّن به سهام الفريضة من كم تصحّ وسهام الورثة من كلّ بطن مصحّحا حتّى تكون حظوظ الوارثين من المال على نسبة سهامهم من جملة سهام الفريضة. فيدخلها من صناعة الحساب جزء كبير من صحيحه وكسره وجذره [٣] ومعلومه ومجهوله وترتّب على ترتيب
стр. 636
أبواب الفرائض الفقهيّة ومسائلها. فتشتمل حينئذ هذه الصّناعة على جزء من الفقه وهو أحكام الوراثة [١] من الفروض والعول والإقرار والإنكار والوصايا والتّدبير وغير ذلك من مسائلها وعلى جزء من الحساب وهو تصحيح السّهمان باعتبار الحكم الفقهيّ وهي من أجلّ العلوم. وقد يورد أهلها أحاديث نبويّة تشهد بفضلها مثل الفرائض ثلث العلم وأنّها أوّل ما يرفع من العلوم وغير ذلك. وعندي أنّ ظواهر تلك الأحاديث كلّها إنّما هي في الفرائض العينيّة كما تقدّم لا فرائض الوراثات فإنّها أقلّ من أن تكون في كمّيّتها ثلث العلم. وأمّا الفرائض العينيّة فكثيرة وقد ألّف النّاس في هذا الفنّ قديما وحديثا وأوعبوا ومن أحسن التّآليف فيه على مذهب مالك ﵀ كتاب ابن ثابت ومختصر القاضي أبي القاسم الحوفيّ وكتاب ابن المنمّر والجعديّ والصّرديّ [٢] وغيرهم. لكنّ الفضل للحوفيّ فكتابه مقدّم على جميعها. وقد شرحه من شيوخنا أبو عبد الله محمّد بن سليمان الشّطّيّ كبير مشيخة فاس فأوضح وأوعب. ولإمام الحرمين فيها تآليف على مذهب الشّافعيّ تشهد باتّساع باعه في العلوم، ورسوخ قدمه، وكذا للحنفيّة والحنابلة. ومقامات النّاس في العلوم مختلفة. والله يهدي من يشاء بمنّه وكرمه لا ربّ سواه.
стр. 637
الفصل الحادي والعشرون في العلوم الهندسية
هذا العلم هو النّظر في المقادير إمّا المتّصلة كالخطّ والسّطح والجسم وإمّا المنفصلة كالأعداد وفيما يعرض لها من العوارض الذّاتيّة. مثل أنّ كلّ مثلّث فزواياه مثل قائمتين. ومثل أنّ كلّ خطّين متوازيين لا يلتقيان في وجه ولو خرجا إلى غير نهاية. ومثل أنّ كلّ خطّين متقاطعين فالزّاويتان المتقابلتان منهما متساويتان. ومثل أنّ الأربعة مقادير المتناسبة ضرب الأوّل منها في الثّالث كضرب الثّاني في الرّابع وأمثال ذلك. والكتاب المترجم لليونانيّين في هذه الصّناعة كتاب أوقليدس ويسمّى كتاب الأصول وكتاب الأركان وهو أبسط ما وضع فيها للمتعلّمين وأوّل ما ترجم من كتاب اليونانيّين في الملّة أيّام أبي جعفر المنصور ونسخه مختلفة باختلاف المترجمين. فمنها لحنين بن إسحاق ولثابت بن قرّة وليوسف بن الحجّاج ويشتمل على خمس عشرة مقالة، أربع في السّطوح وواحدة في الأقدار المتناسبة وأخرى في نسب السّطوح بعضها إلى بعض وثلاث في العدد والعاشرة في المنطقات والقوى على المنطقات ومعناه الجذور وخمس في المجسّمات. وقد اختصره النّاس اختصارات [١] كثيرة كما فعله ابن سينا في تعاليم الشّفاء. أفرد له جزءا منها اختصّه به. وكذلك ابن الصّلت في كتاب الاقتصار وغيرهم. وشرحه آخرون شروحا كثيرة وهو مبدأ العلوم الهندسيّة بإطلاق. واعلم أنّ الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله واستقامة في فكره لأنّ براهينها كلّها بيّنة الانتظام جليّة التّرتيب لا يكاد الغلط يدخل أقيستها لترتيبها وانتظامها فيبعد الفكر بممارستها عن الخطإ وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهيع وقد زعموا أنّه كان مكتوبا على باب أفلاطون: «من لم يكن مهندسا
стр. 638
فلا يدخلنّ منزلنا» وكان شيوخنا ﵏ يقولون: «ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصّابون للثّوب الّذي يغسل منه الأقذار وينقّيه من الأوضار والأدران» . وإنّما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه.
ومن فروع هذا الفن الهندسة المخصوصة بالأشكال الكروية والمخروطات .
أمّا الأشكال الكرويّة ففيها كتابان من كتب اليونانيّين لثاوذوسيوس وميلاوش في سطوحها وقطوعها وكتاب ثاوذوسيوس مقدّم في التّعليم على كتاب ميلاوش لتوقّف كثير من براهينه عليه. ولا بدّ منهما لمن يريد الخوض في علم الهيئة لأنّ براهينها متوقّفة عليه.
فالكلام في الهيئة كلّه كلام في الكرات السّماويّة وما يعرض فيها من القطوع والدّوائر بأسباب الحركات كما نذكره فقد يتوقّف على معرفة أحكام الأشكال الكرويّة سطوحها وقطوعها. وأمّا المخروطات فهو من فروع الهندسة أيضا. وهو علم ينظر فيما يقع في الأجسام المخروطة من الأشكال والقطوع ويبرهن على ما يعرض لذلك من العوارض ببراهين هندسيّة متوقّفة على التّعليم الأوّل.
وفائدتها تظهر في الصّنائع العمليّة الّتي موادّها الأجسام مثل النّجارة والبناء وكيف تصنع التّماثيل الغريبة والهياكل النّادرة وكيف يتخيّل على جرّ الأثقال ونقل الهياكل بالهندام والميخال وأمثال ذلك. وقد أفرد بعض المؤلّفين في هذا الفنّ كتابا في الحيل العلميّة يتضمّن من الصّناعات الغريبة والحيل المستظرفة كلّ عجيبة. وربّما استغلق على الفهوم لصعوبة براهينه الهندسيّة وهو موجود بأيدي النّاس ينسبونه إلى بني شاكر. والله تعالى أعلم
. ومن فروع الهندسة المساحة
وهو فنّ يحتاج إليه في مسح الأرض ومعناه استخراج مقدار الأرض المعلومة بنسبة شبر أو ذراع أو غيرهما ونسبة أرض من أرض إذ قويست بمثل ذلك. ويحتاج إلى ذلك في توظيف الخراج على المزارع والفدن وبساتين الغراسة وفي قسمة الحوائط والأراضي بين الشّركاء أو الورثة وأمثال ذلك. وللنّاس فيها موضوعات حسنة وكثيرة والله الموفّق للصّواب بمنّه وكرمه
. المناظرة من فروع الهندسة
وهو
стр. 639
علم يتبيّن به أسباب الغلط في الإدراك البصريّ بمعرفة كيفيّة وقوعها بناء على أنّ إدراك البصر يكون بمخروط شعاعي رأسه نقطة الباصر وقاعدته المرئيّ. ثمّ يقع الغلط كثيرا في رؤية القريب كبيرا والبعيد صغيرا. وكذا رؤية الأشباح الصّغيرة تحت الماء ووراء الأجسام الشّفّافة كبيرة ورؤية النّقطة النّازلة من المطر خطّا مستقيما والسّلقة [١] دائرة وأمثال ذلك. فيتبيّن في هذا العلم أسباب ذلك وكيفيّاته بالبراهين الهندسيّة ويتبيّن به أيضا اختلاف المنظر في القمر باختلاف العروض [٢] الّذي يبنى عليه معرفة رؤية الأهلّة وحصول الكسوفات وكثير من أمثال هذا. وقد ألّف في هذا الفنّ كثير من اليونانيّين. وأشهر من ألّف فيه من الإسلاميّين ابن الهيثم. ولغيره أيضا تآليف وهو من هذه الرّياضة وتفاريعها.
الفصل الثاني والعشرون في علم الهيئة
وهو علم ينظر في حركات الكواكب الثّابتة والمحرّكة والمتحيرة. ويستدلّ بكيفيّات تلك الحركات على أشكال وأوضاع للأفلاك لزمت عنها لهذه الحركات المحسوسة بطرق هندسيّة. كما يبرهن على أنّ مركز الأرض مباين لمركز فلك الشّمس بوجود حركة الإقبال والإدبار وكما يستدلّ بالرّجوع والاستقامة للكواكب على وجود أفلال صغيرة حاملة لها متحرّكة داخل فلكها الأعظم وكما يبرهن على وجود الفلك الثّامن بحركة الكواكب الثّابتة وكما يبرهن على تعدّد الأفلاك للكوكب الواحد بتعداد الميول له وأمثال ذلك. وإدراك الموجود من الحركات وكيفيّاتها وأجناسها إنّما هو بالرّصد فإنّا إنّما علمنا حركة الإقبال
стр. 640
والإدبار به. وكذا تركيب الأفلاك في طبقاتها وكذا الرّجوع والاستقامة وأمثال ذلك. وكان اليونانيّون يعتنون بالرّصد كثيرا ويتّخذون له الآلات الّتي توضع ليرصد بها حركة الكوكب المعيّن. وكانت تسمّى عندهم ذات الحلق وصناعة عملها والبراهين عليه في مطابقة حركتها بحركة الفلك منقول بأيدي النّاس.
وأمّا في الإسلام فلم تقع به عناية إلّا في القليل. وكان في أيّام المأمون شيء منه وصنع هذه الآلة المعروفة للرّصد المسمّاة ذات الحلق. وشرع في ذلك فلم يتمّ.
ولمّا مات ذهب رسمه وأغفل واعتمد من بعده على الأرصاد القديمة وليست بمغنيّة لاختلاف الحركات باتّصال الأحقاب. وأنّ مطابقة حركة الآلة للرّصد بحركة الأفلاك والكواكب إنّما هو بالتّقريب. وهذه الهيئة صناعة شريفة وليست على ما يفهم في المشهور أنّها تعطي صورة السّماوات وترتيب الأفلاك والكواكب بالحقيقة بل إنّما تعطي أنّ هذه الصّور والهيئات للأفلاك لزمت عن هذه الحركات. وأنت تعلم أنّه لا يبعد أن يكون الشّيء الواحد لازما لمختلفين وإن قلنا إنّ الحركات لازمة فهو استدلال باللّازم على وجود الملزوم ولا يعطي الحقيقة بوجه على أنّه علم جليل وهو أحد أركان التّعاليم. ومن أحسن التّآليف فيه كتاب المجسطي منسوب لبطليموس. وليس من ملوك اليونان الّذين أسماؤهم بطليموس على ما حقّقه شرّاح الكتاب. وقد اختصره الأئمّة من حكماء الإسلام كما فعله ابن سينا وأدرجه في تعاليم الشّفاء. ولخّصه ابن رشد أيضا من حكماء الأندلس وابن السّمح وابن أبي الصّلت في كتاب الاقتصار. ولابن الفرغانيّ هيئة ملخّصة قرّبها وحذف براهينها الهندسيّة. والله علّمّ الإنسان ما لم يعلم. سبحانه لا إله إلّا هو ربّ العالمين.
ومن فروعه علم الأزياج [١] .
وهي صناعة حسابيّة على قوانين عدديّة فيما يخصّ كلّ كوكب من طريق حركته وما أدّى إليه برهان الهيئة في وضعه من سرعة وبطء واستقامة ورجوع وغير ذلك يعرف به مواضع
стр. 641
الكواكب في أفلاكها لأيّ وقت فرض من قبل حسبان حركاتها على تلك القوانين المستخرجة من كتب الهيئة. ولهذه الصّناعة قوانين كالمقدّمات والأصول لها في معرفة الشّهور والأيّام والتّواريخ الماضية وأصول متقرّرة من معرفة الأوج والحضيض والميول وأصناف الحركات واستخراج بعضها من بعض يضعونها في جدول مرتّبة تسهيلا على المتعلّمين وتسمّى الأزياج، ويسمّى استخراج مواضع الكواكب للوقت المفروض لهذه الصّناعة تعديلا وتقويما. وللنّاس فيه تآليف كثيرة للمتقدّمين والمتأخّرين مثل البتّانيّ [١] وابن الكمّاد. وقد عوّل المتأخّرون لهذا العهد بالمغرب على زيج منسوب لابن إسحاق من منجّمي تونس في أوّل المائة السّابعة. ويزعمون أنّ ابن إسحاق عوّل فيه على الرّصد. وأنّ يهوديّا كان بصقلّيّة ماهرا في الهيئة والتّعاليم وكان قد عني بالرّصد وكان يبعث إليه بما يقع في ذلك [٢] من أحوال الكواكب وحركاتها فكان أهل المغرب لذلك عنوا به لوثاقة مبناه على ما يزعمون. ولخّصه ابن البنّاء في آخر سمّاه المنهاج فولع به النّاس لما سهل من الأعمال فيه وإنّما يحتاج إلى مواضع الكواكب من الفلك لتبتني عليها الأحكام النّجوميّة وهو معرفة الآثار الّتي تحدث عنها بأوضاعها في عالم الإنسان من الملك والدّول والمواليد البشريّة والكوائن الحادثة كما نبيّنه بعد ونوضح فيه أدلّتهم إن شاء الله تعالى. والله الموفّق لما يحبّه ويرضاه لا معبود سواه.
стр. 642
الفصل الثالث والعشرون في علم المنطق
وهو قوانين يعرف بها الصّحيح من الفاسد في الحدود المعرّفة [١] للماهيّات والحجج المفيدة للتّصديقات وذلك لأنّ الأصل في الإدراك إنّما هو المحسوسات بالحواسّ الخمس. وجميع الحيوانات مشتركة في هذا الإدراك من النّاطق وغيره وإنّما يتميّز الإنسان عنها بإدراك الكلّيّات وهي مجرّدة من المحسوسات. وذلك بأن يحصل في الخيال من الأشخاص المتّفقة صورة منطبقة على جميع تلك الأشخاص المحسوسة وهي الكلّيّ. ثمّ ينظر الذّهن بين تلك الأشخاص المتّفقة وأشخاص أخرى توافقها في بعض فيحصل له صورة تنطبق أيضا عليهما باعتبار ما اتّفقا فيه. ولا يزال يرتقي في التّجريد إلى الكلّ الّذي لا يجد كلّيّا آخر معه يوافقه فيكون لأجل ذلك بسيطا. وهذا مثل ما يجرّد من أشخاص الإنسان صورة النّوع المنطبقة عليها. ثمّ ينظر بينه وبين الحيوان ويجرّد صورة الجنس المنطبقة عليهما. ثمّ ينظر بينهما وبين النّبات إلى أن ينتهي إلى الجنس العالي وهو الجوهر فلا يجد كلّيّا يوافقه في شيء فيقف العقل هنالك عن التّجريد. ثمّ إنّ الإنسان لمّا خلق الله له الفكر الّذي به يدرك العلوم والصّنائع وكان العلم: إمّا تصوّرا للماهيّات ويعنى به إدراك ساذج من غير حكم معه وإمّا تصديقا أي حكما بثبوت أمر لأمر فصار سعي الفكر في تحصيل المطلوبات إمّا بأن تجمع تلك الكلّيّات بعضها إلى بعض على جهة التّأليف فتحصل صورة في الذّهن كلّيّة منطبقة على أفراد في الخارج فتكون تلك الصّورة الذّهنيّة مفيدة لمعرفة ماهيّة تلك الأشخاص وإمّا بأن يحكم بأمر على أمر فيثبت له ويكون ذلك تصديقا. وغايته في الحقيقة راجعة إلى التّصوّر لأنّ فائدة ذلك إذا حصل إنّما هي معرفة حقائق
стр. 643
الأشياء الّتي هي مقتضى العلم الحكميّ. وهذا السّعي من الفكر قد يكون بطريق صحيح وقد يكون بطريق فاسد فاقتضى ذلك تمييز الطّريق الّذي يسعى به الفكر في تحصيل المطالب العلميّة ليتميّز الصّحيح من الفاسد فكان ذلك قانون المنطق. وتكلّم فيه المتقدّمون أوّل ما تكلّموا به جملا جملا ومفترقا مفترقا. ولم تهذّب طرقه ولم تجمع مسائله حتّى ظهر في يونان أرسطو فهذّب مباحثه [١] ورتّب مسائله وفصوله وجعله أوّل العلوم الحكميّة وفاتحتها. ولذلك يسمّى بالمعلّم الأوّل وكتابه المخصوص بالمنطق يسمّى النّصّ وهو يشتمل على ثمانية كتب أربعة منها في صورة القياس وأربعة [٢] في مادّته. وذلك أنّ المطالب التّصديقيّة على أنحاء. فمنها ما يكون المطلوب فيه اليقين بطبعه ومنها ما يكون المطلوب فيه الظّنّ وهو على مراتب فينظر في القياس من حيث المطلوب الّذي يفيده وما ينبغي أن تكون مقدّماته بذلك الاعتبار ومن أيّ جنس يكون من العلم أو من الظّنّ. وقد ينظر في القياس لا باعتبار مطلوب مخصوص بل من جهة إنتاجه خاصّة. ويقال للنّظر الأوّل إنّه من حيث المادّة ونعني به المادّة المنتجة للمطلوب المخصوص من يقين أو ظنّ ويقال للنّظر الثّاني إنّه من حيث الصّورة وإنتاج القياس على الإطلاق فكانت لذلك كتب المنطق ثمانيّة:
الأوّل في الأجناس العالية الّتي ينتهي إليها تجريد المحسوسات وهي الّتي ليس فوقها جنس ويسمّى كتاب المقولات. والثّاني في القضايا التّصديقيّة وأصنافها ويسمّى كتاب العبارة. والثّالث في القياس وصورة إنتاجه على الإطلاق ويسمّى كتاب القياس وهذا آخر النّظر من حيث الصّورة. ثمّ الرّابع كتاب البرهان وهو النّظر في القياس المنتج لليقين وكيف يجب أن تكون مقدّماته يقينيّة. ويختصّ بشروط أخرى لإفادة اليقين مذكورة فيه مثل كونها ذاتيّة وأوّليّة وغير ذلك. وفي هذا الكتاب الكلام في المعرّفات والحدود إذ المطلوب فيها إنّما هو اليقين لوجوب
стр. 644
المطابقة بين الحدّ والمحدود لا تحتمل غيرها فلذلك اختصّت عند المتقدّمين بهذا الكتاب. والخامس: كتاب الجدل وهو القياس المفيد قطع المشاغب وإفحام الخصم وما يجب أن يستعمل فيه من المشهورات ويختصّ أيضا من جهة إفادته لهذا الغرض بشروط أخرى من حيث إفادته لهذا الغرض وهي مذكورة هناك. وفي هذا الكتاب يذكر المواضع الّتي يستنبط منها صاحب القياس قياسه وفيه عكوس القضايا. والسّادس: كتاب السّفسطة وهو القياس الّذي يفيد خلاف الحقّ ويغالط به المناظر صاحبه وهو فاسد وهذا إنّما كتب ليعرف به القياس المغالطيّ فيحذر منه. والسّابع: كتاب الخطابة وهو القياس المفيد ترغيب الجمهور وحملهم على المراد منهم وما يجب أن يستعمل في ذلك من المقالات. والثّامن:
كتاب الشّعر وهو القياس الّذي يفيد التّمثيل والتّشبيه خاصّة للإقبال على الشّيء أو النّفرة عنه وما يجب أن يستعمل فيه من القضايا التّخيّليّة. هذه هي كتب المنطق الثّمانية عند المتقدّمين. ثمّ إنّ حكماء اليونانيّين بعد أن تهذّبت الصّناعة ورتّبت رأوا أنّه لا بدّ من الكلام في الكلّيّات الخمس المفيدة للتّصوّر المطابق للماهيّات في الخارج، أو لأجزائها أو عوارضها وهي الجنس والفصل والنوع والخاصّ والعرض العام، فاستدركوا فيها مقالة تختصّ بها مقدّمة بين يدي الفنّ فصارت تسعا وترجمت كلّها في الملّة الإسلاميّة. وكتبها وتداولها [١] فلاسفة الإسلام بالشّرح والتّلخيص كما فعله الفارابيّ وابن سينا ثمّ ابن رشد من فلاسفة الأندلس. ولابن سينا كتاب الشّفاء استوعب فيه علوم الفلسفة السّبعة كلّها. ثمّ جاء المتأخّرون فغيّروا اصطلاح المنطق وألحقوا بالنّظر في الكلّيّات الخمس ثمرته وهي الكلام في الحدود والرّسوم نقلوها من كتاب البرهان. وحذفوا كتاب المقولات لأنّ نظر المنطقيّ فيه بالعرض لا بالذّات. وألحقوا في كتاب العبارة الكلام في العكس [٢] . وإن كان من كتاب الجدل في كتب المتقدّمين لكنّه من
стр. 645
توابع الكلام في القضايا ببعض الوجوه ثمّ تكلّموا في القياس من حيث إنتاجه للمطالب على العموم لا بحسب مادّة وحدّقوا النّظر فيه بحسب المادّة وهي الكتب الخمسة: البرهان والجدل والخطابة والشّعر والسّفسطة. وربّما يلمّ بعضهم باليسير منها إلماما وأغفلوها كأن لم تكن هي المهمّ المعتمد في الفنّ. ثمّ تكلّموا فيما وضعوه من ذلك كلاما مستبحرا ونظروا فيه من حيث إنّه فنّ برأسه لا من حيث إنّه آلة للعلوم فطال الكلام فيه واتّسع. وأوّل من فعل ذلك الإمام فخر الدّين بن الخطيب ومن بعده أفضل الدّين الخونجيّ وعلى كتبه معتمد المشارقة لهذا العهد. وله في هذه الصّناعة كتاب كشف الأسرار وهو طويل واختصر فيها مختصر الموجز وهو حسن في التّعليم ثمّ مختصر الجمل في قدر أربعة أوراق أخذ بمجامع الفنّ وأصوله فتداوله المتعلّمون لهذا العهد فينتفعون به. وهجرت كتب المتقدّمين وطرقهم كأن لم تكن وهي ممتلئة من ثمرة المنطق وفائدته كما قلناه.
والله الهادي للصّواب.
اعلم أنّ هذا الفنّ قد اشتدّ النكير على انتحاله من متقدّمي السلف والمتكلّمين، وبالغوا في الطعن عليه والتّحذير منه، وحظّروا تعلّمه وتعليمه.
وجاء المتأخّرون من بعدهم من لدن الغزاليّ والإمام ابن الخطيب، فسامحوا في ذلك بعض الشّيء. وأكبّ النّاس على انتحاله من يومئذ إلّا قليلا، يجنحون فيه إلى رأي المتقدّمين، فينفرون عنه ويبالغون في إنكاره. فلنبيّن لك نكتة القبول والردّ في ذلك، لتعلم مقاصد العلماء في مذاهبهم، وذلك أنّ المتكلّمين لمّا وضعوا علم الكلام لنصر العقائد الإيمانيّة بالحجج العقليّة، كانت طريقتهم في ذلك بأدلّة خاصّة وذكروها في كتبهم كالدليل على حدث العالم بإثبات الأعراض وحدوثها، وامتناع خلوّ الأجسام عنها، وما لا يخلو عن الحوادث حادث.
وكإثبات التوحيد بدليل التمانع، وإثبات الصفات القديمة بالجوامع الأربعة إلحاقا للغائب بالشاهد، وغير ذلك من أدلّتهم المذكورة في كتبهم. ثمّ مرّروا تلك
стр. 646
الادلة بتمهيد قواعد وأصول هي كالمقدّمات لها مثل إثبات الجوهر الفرد والزمن الفرد والخلاء بين الأجسام ونفي الطبيعة والتركيب العقليّ للماهيّات. وأنّ العرض لا يبقى زمنين وإثبات الحال وهي صفة لموجود، لا موجودة ولا معدمة وغير ذلك من قواعدهم الّتي بنوا عليها أدلّتهم الخاصّة. ثمّ ذهب الشيخ أبو الحسن، والقاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق إلّا أنّ أدلّة العقائد منعكسة بمعنى أنّها إذا بطلت بطل مدلولها. ولهذا رأى القاضي أبو بكر أنّها بمثابة العقائد والقدح فيها قدح في العقائد لابتنائها عليها. وإذا تأمّلت المنطق وجدته كلّه يدور على التركيب العقليّ، وإثبات الكلّي الطّبيعيّ في الخارج لينطبق عليه الكلّيّ الذهنيّ المنقسم إلى الكلّيّات الخمس، الّتي هي الجنس والنّوع والفصل والخاصّة والعرض العامّ، وهذا باطل عند المتكلّمين. والكلّي والذاتي عندهم إنّما اعتبار ذهني ليس في الخارج ما يطابقه، أو حال عند من يقول بها فتبطل الكلّيّات الخمس والتّعريف المبنيّ عليها. والمقولات العشر، ويبطل العرض الذاتيّ، فتبطل ببطلانه القضايا الضروريّة الذاتيّة المشروطة في البرهان وتبطل المواضع الّتي هي لباب كتاب الجدل. وهي الّتي يؤخذ منها الوسط الجامع بين الطّرفين في القياس، ولا يبقى إلّا القياس الصّوريّ، ومن التعريفات المساوئ في الصادقيّة على أفراد المحمود، لا يكون أعمّ منها، فيدخل غيرها، ولا أخصّ فيخرج بعضها، وهو الّذي يعبّر عنه النحاة بالجمع والمنع والمتكلّمون بالطرد والعكس، وتنهدم أركان المنطق جملة. وإن أثبتنا هذه كما في علم المنطق أبطلنا كثيرا من مقدّمات المتكلّمين فيؤدّي إلى إبطال أدلّتهم على العقائد كما مرّ. فلهذا بالغ المتقدّمون من المتكلّمين في النكير على انتحال المنطق وعدّه بدعة أو كفرا على نسبة الدليل الّذي يبطل. والمتأخّرون من لدن الغزاليّ لما أنكروا انعكاس الأدلّة، ولم يلزم عندهم من بطلان الدليل بطلان مدلوله، وصحّ عندهم رأي أهل المنطق في التركيب العقليّ ووجود الماهيات الطبيعيّة وكلّياتها
стр. 647
في الخارج، قضوا بأنّ المنطق غير مناف للعقائد الإيمانيّة، وإن كان منافيا لبعض أدلّتها، بل قد يستدلّون على إبطال كثير من تلك المقدّمات الكلاميّة، كنفي الجوهر الفرد والخلاء وبقاء الأعراض وغيرها، ويستبدلون من أدلّة المتكلّمين على العقائد بأدلّة أخرى يصحّحونها بالنظر والقياس العقليّ. ولم يقدح ذلك عندهم في العقائد السنيّة بوجه. وهذا رأي الإمام والغزاليّ وتابعهما لهذا العهد، فتأمّل ذلك واعرف مدارك العلماء ومآخذهم فيما يذهبون إليه. والله الهادي والموفّق للصواب.
الفصل الرابع والعشرون في الطبيعيات
وهو علم يبحث عن الجسم من جهة ما يلحقه من الحركة والسّكون فينظر في الأجسام السّماويّة والعنصريّة وما يتولّد عنها من حيوان وإنسان ونبات ومعدن وما يتكوّن في الأرض من العيون والزّلازل وفي الجوّ من السّحاب والبخار والرّعد والبرق والصّواعق وغير ذلك. وفي مبدإ الحركة للأجسام وهو النفس على تنوّعها في الإنسان والحيوان والنّبات. وكتب أرسطو فيه موجودة بين أيدي النّاس ترجمت مع ما ترجم من علوم الفلسفة أيّام المأمون وألّف النّاس على حذوها مستتبعين لها بالبيان والشرح وأوعب من ألّف في ذلك ابن سينا في كتاب الشّفاء جمع فيه العلوم السّبعة للفلاسفة كما قدّمنا ثمّ لخّصه في كتاب النّجا وفي كتاب الإشارات وكأنّه يخالف أرسطو في الكثير من مسائلها ويقول برأيه فيها. وأمّا ابن رشد فلخّص كتب أرسطو وشرحها متّبعا له غير مخالف. وألّف النّاس في ذلك كثيرا لكنّ هذه هي المشهورة لهذا العهد والمعتبرة في الصّناعة. ولأهل المشرق عناية بكتاب الإشارات لابن سينا وللإمام ابن الخطيب عليه شرح حسن وكذا الآمديّ وشرحه
стр. 648
أيضا نصير الدّين الطّوسيّ المعروف بخواجه من أهل المشرق [١] وبحث مع الإمام في كثير من مسائله فأوفى على أنظاره وبحوثه وفوق كلّ ذي علم عليم وَالله يَهْدِي من يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ٢: ٢١٣.
الفصل الخامس والعشرون في علم الطب
ومن فروع الطّبيعيّات صناعة الطّبّ وهي صناعة تنظر في بدن الإنسان من حيث يمرض ويصحّ فيحاول صاحبها حفظ الصّحّة وبرء المرض بالأدوية والأغذية بعد أن يتبيّن المرض الّذي يخصّ كلّ عضو من أعضاء البدن وأسباب تلك الأمراض الّتي تنشأ عنها وما لكلّ مرض من الأدوية مستدلّين على ذلك بأمزجة الأدوية وقواها وعلى المرض بالعلامات المؤذن بنضجه وقبوله الدّواء أوّلا: في السّجيّة والفضلات والنّبض محاذين لذلك قوّة الطّبيعة فإنّها المدبّرة في حالتي الصّحّة والمرض. وإنّما الطّبيب يحاذيها ويعينها بعض الشّيء بحسب ما تقتضيه طبيعة المادّة والفصل والسّنّ ويسمّى العلم الجامع لهذا كلّه علم الطّبّ.
وربّما أفردوا بعض الأعضاء بالكلام وجعلوه علما خاصّا، كالعين وعللها وأكحالها. وكذلك ألحقوا بالفن من منافع الأعضاء ومعناها المنفعة الّتي لأجلها خلق كلّ عضو من أعضاء البدن الحيوانيّ. وإن لم يكن ذلك من موضوع علم الطّبّ إلّا أنّهم جعلوه من لواحقه وتوابعه. وإمام هذه الصّناعة الّتي ترجمت كتبه فيها من الأقدمين جالينوس يقال إنّه كان معاصرا لعيسى ﵇ ويقال إنّه مات بصقلّيّة في سبيل تغلّب [٢] ومطاوعة اغتراب. وتآليفه فيها هي الأمّهات الّتي
стр. 649
اقتدى بها جميع الأطبّاء بعده. وكان في الإسلام في هذه الصّناعة أئمّة جاءوا من وراء الغاية مثل الرّازي والمجوسيّ وابن سينا ومن أهل الأندلس أيضا كثير وأشهرهم ابن زهر. وهي لهذا العهد في المدن الإسلاميّة كأنّها نقصت لوقوف العمران وتناقصه وهي من الصّنائع الّتي لا تستدعيها إلّا الحضارة والتّرف كما نبيّنه بعد. وللبادية من أهل العمران طبّ يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص متوارثا عن مشايخ الحيّ وعجائزه، وربّما يصحّ منه البعض إلّا أنّه ليس على قانون طبيعيّ ولا على موافقة المزاج. وكان عند العرب من هذا الطّبّ كثير وكان فيهم أطبّاء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره.
والطّبّ المنقول في الشّرعيّات [١] من هذا القبيل وليس من الوحي في شيء وإنّما هو أمر كان عاديّا للعرب. ووقع في ذكر أحوال النّبيّ ﷺ من نوع ذكر أحواله الّتي هي عادة وجبلّة لا من جهة أنّ ذلك مشروع على ذلك النّحو من العمل.
فإنّه ﷺ إنّما بعث ليعلّمنا الشّرائع ولم يبعث لتعريف الطّبّ ولا غيره من العاديّات. وقد وقع له في شأن تلقيح النّخل ما وقع فقال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» . فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطّبّ الّذي وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة على أنّه مشروع فليس هناك ما يدلّ عليه اللَّهمّ إلّا إذا استعمل على جهة التّبرّك وصدق العقد الإيمانيّ فيكون له أثر عظيم في النّفع. وليس ذلك في الطّبّ المزاجيّ وإنّما هو من آثار الكلمة الإيمانيّة كما وقع في مداواة المبطون بالعسل ونحوه والله الهادي إلى الصّواب لا ربّ سواه.
стр. 650
الفصل السادس والعشرون في الفلاحة
هذه الصّناعة من فروع الطّبيعيّات وهي النّظر في النّبات من حيث تنميته ونشؤه بالسّقي والعلاج وتعهّده بمثل ذلك [١] وكان للمتقدّمين بها عناية كثيرة وكان النّظر فيها عندهم عامّا في النّبات من جهة غرسه وتنميته ومن جهة خواصّه وروحانيّته ومشاكلتها لروحانيّات الكواكب والهياكل المستعمل ذلك كلّه في باب السّحر فعظمت عنايتهم به لأجل ذلك. وترجم من كتب اليونانيّين كتاب الفلاحة النّبطيّة منسوبة لعلماء النّبط مشتملة من ذلك على علم كبير. ولمّا نظر أهل الملّة فيما اشتمل عليه هذا الكتاب وكان باب السّحر مسدودا والنّظر فيه محظورا فاقتصروا منه على الكلام في النّبات من جهة غرسه وعلاجه وما يعرض له في ذلك وحذفوا الكلام في الفنّ الآخر منه جملة. واختصر ابن العوّام كتاب الفلاحة النّبطيّة على هذا المنهاج وبقي الفنّ الآخر منه مغفلا، نقل منه مسلمة في كتبه السّحريّة أمّهات من مسائله كما نذكره عند الكلام على السّحر إن شاء الله تعالى. وكتب المتأخّرين في الفلاحة كثيرة ولا يعدّون فيها الكلام في الغراس والعلاج وحفظ النّبات من حوائجه وعوائقه وما يعرض في ذلك كلّه وهي موجودة.
стр. 651
الفصل السابع والعشرون في علم الإلهيات
وهو علم ينظر في الوجود المطلق فأوّلا في الأمور العامّة للجسمانيّات والرّوحانيّات من الماهيّات والوحدة والكثرة والوجوب والإمكان وغير ذلك ثمّ ينظر في مبادئ الموجودات وأنّها روحانيّات ثمّ في كيفيّة صدور الموجودات عنها ومراتبها [١] ثمّ في أحوال النّفس بعد مفارقة الأجسام وعودها إلى المبدإ. وهو عندهم علم شريف يزعمون أنّه يوقفهم على معرفة الوجود على ما هو عليه وأنّ ذلك عين السّعادة في زعمهم. وسيأتي الرّدّ عليهم بعد. وهو تال للطّبيعيّات في ترتيبهم ولذلك يسمّونه علم ما وراء الطّبيعة. وكتب المعلّم الأوّل فيه موجودة بين أيدي النّاس. ولخّصه [٢] ابن سينا في كتاب الشّفاء والنّجاة وكذلك لخّصه [٣] ابن رشد من حكماء الأندلس ولمّا وضع المتأخّرون في علوم القوم ودوّنوا فيها وردّ عليهم الغزاليّ ما ردّ منها ثمّ خلط المتأخّرون من المتكلّمين مسائل علم الكلام بمسائل الفلسفة لاشتراكهما في المباحث، وتشابه موضوع علم الكلام بموضوع الإلهيّات ومسائله بمسائلها فصارت كأنّها فنّ واحد ثمّ غيّروا ترتيب الحكماء في مسائل الطّبيعيّات والإلهيّات وخلطوهما فنّا واحدا قدّموا الكلام في الأمور العامّة ثمّ أتبعوه بالجسمانيّات وتوابعها ثمّ بالرّوحانيّات وتوابعها إلى آخر العلم كما فعله الإمام ابن الخطيب في المباحث المشرقيّة وجميع من بعده من علماء الكلام. وصار علم الكلام مختلطا بمسائل الحكمة وكتبه محشوّة بها كأنّ الغرض من موضوعهما ومسائلهما واحد. والتبس ذلك على النّاس وهو صواب لأنّ مسائل علم الكلام إنّما هي عقائد متلقّاة من الشّريعة كما نقلها السّلف من غير رجوع فيها إلى العقل ولا
стр. 652
تعويل عليه بمعنى أنّها لا تثبت إلّا به فإنّ العقل معزول عن الشّرع وأنظاره وما تحدّث فيه المتكلّمون من إقامة الحجج فليس بحثا عن الحقّ فيها فالتّعليل [١] بالدّليل بعد أن لم يكن معلوما هو شأن الفلسفة بل إنّما هو التماس حجّة عقليّة تعضد عقائد الإيمان ومذاهب السّلف فيها وتدفع شبه أهل البدع عنها الّذين زعموا أنّ مداركهم فيها عقليّة. وذلك بعد أن تفرض صحيحة بالأدلّة النّقليّة كما تلقّاها السّلف واعتقدوها وكثير ما بين المقامين. وذلك أنّ مدارك صاحب الشّريعة أوسع لاتّساع نطاقها عن مدارك الأنظار العقليّة فهي فوقها ومحيطة بها لاستمدادها من الأنوار الإلهيّة فلا تدخل تحت قانون النّظر الضّعيف والمدارك المحاط بها. فإذا هدانا الشّارع إلى مدرك فينبغي أن نقدّمه على مداركنا ونثق به دونها ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو عارضه بل نعتمد ما أمرنا به اعتقادا وعلما ونسكت عمّا لم نفهم من ذلك ونفوّضه إلى الشّارع ونعزل العقل عنه.
والمتكلّمون إنّما دعاهم إلى ذلك كلام أهل الإلحاد في معارضات العقائد السّلفيّة بالبدع النّظريّة فاحتاجوا إلى الرّدّ عليهم من جنس معارضاتهم واستدعى ذلك الحجج النّظريّة ومحاذاة العقائد السّلفيّة بها وأمّا النّظر في مسائل الطّبيعيّات والإلهيّات بالتّصحيح والبطلان فليس من موضوع علم الكلام ولا من جنس أنظار المتكلّمين. فاعلم ذلك لتميّز به بين الفنّين فإنّهما مختلطان عند المتأخّرين في الوضع والتّأليف والحقّ مغايرة كلّ منهما لصاحبه بالموضوع والمسائل وإنّما جاء الالتباس من اتّحاد المطالب عند الاستدلال وصار احتجاج أهل الكلام كأنّه إنشاء لطلب الاعتداد بالدّليل وليس كذلك بل إنّما هو ردّ على الملحدين والمطلوب مفروض الصّدق معلومه. وكذا جاء المتأخّرون من غلاة المتصوّفة المتكلّمين بالمواجد أيضا فخلطوا مسائل الفنّين بفنّهم وجعلوا الكلام واحدا فيها كلّها مثل كلامهم في النّبوءات والاتّحاد والحلول والوحدة وغير ذلك. والمدارك في هذه
стр. 653
الفنون الثّلاثة متغايرة مختلفة وأبعدها من جنس الفنون والعلوم مدارك المتصوّفة لأنّهم يدّعون فيها الوجدان ويفرّون عن الدّليل والوجدان بعيد عن المدارك العلميّة وأبحاثها [١] وتوابعها كما بيّنّاه ونبيّنه. والله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم والله أعلم بالصّواب.
الفصل الثامن والعشرون في علوم السحر والطلسمات
وهي علوم بكيفيّة استعدادات تقتدر النّفوس البشريّة بها على التّأثيرات في عالم العناصر إمّا بغير معين أو بمعين من الأمور السّماويّة والأوّل هو السّحر والثّاني هو الطّلسمات ولمّا كانت هذه العلوم مهجورة عند الشّرائع لما فيها من الضّرر ولما يشترط فيها من الوجهة إلى غير الله من كوكب أو غيره كانت كتبها كالمفقودة بين النّاس. إلّا ما وجد في كتب الأمم الأقدمين فيما قبل نبوة موسى ﵇ مثل النّبط والكلدانيّين فإنّ جميع من تقدّمه من الأنبياء لم يشرعوا الشّرائع ولا جاءوا بالأحكام إنّما كانت كتبهم مواعظ وتوحيدا للَّه وتذكيرا بالجنّة والنّار وكانت هذه العلوم في أهل بابل من السّريانيّين والكلدانيّين وفي أهل مصر من القبط وغيرهم. وكان لهم فيها التّآليف والآثار ولم يترجم لنا من كتبهم فيها إلّا القليل مثل الفلاحة النّبطيّة من أوضاع أهل بابل فأخذ النّاس منها هذا العلم وتفنّنوا فيه ووضعت بعد ذلك الأوضاع مثل مصاحف الكواكب السّبعة وكتاب طمطم الهنديّ في صور الدّرج والكواكب وغيرها. ثمّ ظهر بالمشرق جابر بن حيّان كبير السّحرة في هذه الملّة فتصفّح كتب القوم واستخرج الصّناعة وغاص في زبدتها واستخرجها ووضع فيها غيرها من التّآليف وأكثر الكلام فيها وفي صناعة
стр. 654
السّيمياء [١] لأنّها من توابعها لأنّ إحالة الأجسام النّوعيّة من صورة إلى أخرى إنّما يكون بالقوّة النّفسيّة لا بالصّناعة العمليّة فهو من قبيل السّحر كما نذكره في موضعه. ثمّ جاء مسلمة بن أحمد المجريطيّ إمام أهل الأندلس في التّعاليم والسّحريّات فلخّص جميع تلك الكتب وهذّبها وجمع طرقها في كتابه الّذي سمّاه غاية الحكيم ولم يكتب أحد في هذا العلم بعده. ولتقدّم هنا مقدّمة يتبيّن بها حقيقة السّحر وذلك أنّ النّفوس البشريّة وإن كانت واحدة بالنّوع فهي مختلفة بالخواصّ وهي أصناف كلّ صنف مختصّ بخاصيّة واحدة بالنّوع لا توجد في الصّنف الآخر. وصارت تلك الخواصّ فطرة وجبلّة لصنفها فنفوس الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام لها خاصيّة تستعدّ بها للانسلاخ من الروحانيّة البشريّة إلى الروحانيّة الملكيّة حتّى يصير ملكا في تلك اللمحة الّتي انسلخت فيها، وهذا هو معنى الوحي كما مرّ في موضعه، وهي في تلك الحالة محصلة للمعرفة الرّبّانيّة ومخاطبة الملائكة ﵈ عن الله كما مرّ. وما يتّسع [٢] في ذلك من التّأثير في الأكوان ونفوس السّحرة لها خاصة التّأثير في الأكوان واستجلاب روحانيّة الكواكب للتّصرّف فيها والتّأثير بقوّة نفسانيّة أو شيطانيّة. فأمّا تأثير الأنبياء فمدد إلهيّ وخاصّيّة ربّانيّة ونفوس الكهنة لها خاصيّة الاطّلاع على المغيّبات بقوى شيطانيّة. وهكذا كلّ صنف مختصّ بخاصّيّة لا توجد في الآخر.
والنّفوس السّاحرة على مراتب ثلاث يأتي شرحها فأوّلها المؤثّرة بالهمّة فقط من غير آلة ولا معين وهذا هو الّذي تسمّيه الفلاسفة السّحر والثّاني بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواصّ الأعداد ويسمّونه الطّلسمات وهو أضعف رتبة من الأوّل والثّالث تأثير في القوى المتخيّلة. يعمد صاحب هذا التّأثير إلى القوى المتخيّلة فيتصرّف فيها بنوع من التّصرّف ويلقي فيها أنواعا من الخيالات
стр. 655
والمحاكاة وضورا ممّا يقصده من ذلك ثمّ ينزلها إلى الحسّ من الرّائين بقوّة نفسه المؤثّرة فيه فينظر الرّاءون كأنّها في الخارج وليس هناك شيء من ذلك، كما يحكى عن بعضهم أنّه يري البساتين والأنهار والقصور وليس هناك شيء من ذلك ويسمّى هذا عند الفلاسفة الشّعوذة أو الشّعبذة. هذا تفصيل مراتبه ثمّ هذه الخاصّيّة تكون في السّاحر بالقوّة شأن القوى البشريّة كلّها وإنّما تخرج إلى الفعل بالرّياضة ورياضة السّحر كلّها إنّما تكون بالتّوجّه إلى الأفلاك والكواكب والعوالم العلويّة والشّياطين بأنواع التّعظيم والعبادة والخضوع والتّذلّل فهي لذلك وجهة إلى غير الله وسجود له. والوجهة إلى غير الله كفر فلهذا كان السّحر كفرا والكفر من موادّه وأسبابه كما رأيت. ولهذا اختلف الفقهاء في قتل السّاحر هل هو لكفره السّابق على فعله أو لتصرّفه بالإفساد وما ينشأ عنه من الفساد في الأكوان والكلّ حاصل منه. ولمّا كانت المرتبتان الأوليان من السّحر لها حقيقة في الخارج والمرتبة الأخيرة الثّالثة لا حقيقة لها اختلف العلماء في السّحر هل هو حقيقة أو إنّما هو تخييل فالقائلون بأنّ له حقيقة نظروا إلى المرتبتين الأوليين والقائلون بأن لا حقيقة له نظروا إلى المرتبة الثّالثة الأخيرة. فليس بينهم اختلاف في نفس الأمر بل إنّما جاء من قبل اشتباه هذه المراتب والله أعلم. واعلم أنّ وجود السّحر لا مرية فيه بين العقلاء من أجل التّأثير الّذي ذكرناه وقد نطق به القرآن. قال الله تعالى: «وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ من أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ به بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ به من أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله ٢: ١٠٢» [١] . وسحر رسول الله ﷺ حتّى كان يخيّل إليه أنّه يفعله وجعل سحره في مشط ومشاقة وجفّ طلعة ودفن في بئر ذروان فأنزل الله عليه في المعوّذتين: «وَمن شَرِّ النَّفَّاثاتِ في الْعُقَدِ ١١٣: ٤» [٢] قالت عائشة ﵂: «كان
стр. 656
لا يقرأ على عقدة من تلك العقد الّتي سحر فيها إلّا انحلّت. وأمّا وجود السّحر في أهل بابل وهم الكلدانيّون من النّبط والسّريانيّين فكثير ونطق به القرآن وجاءت به الأخبار وكان للسّحر في بابل ومصر أزمان بعثة موسى ﵇ أسواق نافقة. ولهذا كانت معجزة موسى من جنس ما يدّعون ويتاناغون فيه وبقي من آثار ذلك في البراريّ [١] بصعيد مصر شواهد دالّة على ذلك ورأينا بالعيان من يصوّر صورة الشّخص المسحور بخواصّ أشياء مقابلة لما نواه وحاوله موجودة بالمسحور وأمثال تلك المعاني من أسماء وصفات في التّأليف والتّفريق. ثمّ يتكلّم على تلك الصّورة الّتي أقامها مقام الشّخص المسحور عينا أو معنى ثمّ ينفث من ريقه بعد اجتماعه في فيه بتكرير مخارج تلك الحروف من الكلام السّوء ويعقد على ذلك المعنى في سبب أعدّه لذلك تفاؤلا بالعقد واللّزام وأخذ العهد على من أشرك به من الجنّ في نفثه في فعله ذلك استشعارا للعزيمة بالعزم. ولتلك البنية والأسماء السّيّئة روح خبيثة تخرج منه مع النّفخ متعلّقة بريقه الخارج من فيه بالنّفث فتنزل عنها أرواح خبيثة ويقع عن ذلك بالمسحور ما يحاوله السّاحر. وشاهدنا أيضا من المنتحلين للسّحر وعمله من يشير إلى كساء أو جلد ويتكلّم عليه في سرّه فإذا هو مقطوع متخرّق. ويشير إلى بطون الغنم كذلك في مراعيها بالبعج فإذا أمعاؤها ساقطة من بطونها إلى الأرض. وسمعنا أنّ بأرض الهند لهذا العهد من يشير إلى إنسان فيتحتّت [٢] قلبه ويقع ميتا وينقلب عن قلبه فلا يوجد في حشاه ويشير إلى الرّمانة وتفتح فلا يوجد من حبوبها شيء. وكذلك سمعنا أنّ بأرض السّودان وأرض التّرك من يسحر السّحاب فيمطر الأرض المخصوصة. وكذلك رأينا من عمل الطّلسمات عجائب في الأعداد المتحابّة وهي ر ك ر ف د أحد العددين مائتان وعشرون والآخر مائتان وأربعة وثمانون ومعنى المتحابّة أنّ
стр. 657
أجزاء كلّ واحد الّتي فيه من نصف وثلث وربع وسدس وخمس وأمثالها إذا جمع كان متساويا للعدد الآخر صاحبه فتسمّى لأجل ذلك المتحابّة. ونقل أصحاب الطّلسمات أنّ لتلك الأعداد أثرا في الألفة بين المتحابّين واجتماعهما إذا وضع لهما مثالان [١] أحدهما بطالع الزّهرة وهي في بيتها أو شرفها ناظرة إلى القمر نظر مودّة وقبول ويجعل طالع الثّاني سابع الأوّل ويضع على أحد التّمثالين أحد العددين والآخر على الآخر. ويقصد بالأكثر الّذي يراد ائتلافه أعني المحبوب ما أدري الأكثر كميّة أو الأكثر أجزاء فيكون لذلك من التّألّف العظيم بين المتحابّين ما لا يكاد ينفكّ أحدهما عن الآخر. قاله صاحب الغاية وغيره من أئمّة هذا الشّأن وشهدت له التّجربة. وكذا طابع الأسد ويسمّى أيضا طابع الحصى وهو أن يرسم في قالب (هند إصبع) صورة أسد شائلا ذنبه عاضّا على حصاة قد قسمها بنصفين وبين يديه صورة حيّة منسابة من رجليه إلى قبالة وجهه فاغرة فاها فيه وعلى ظهره صورة عقرب تدبّ. ويتحيّن برسمه حلول الشّمس بالوجه الأوّل أو الثّالث من الأسد بشرط صلاح النّيّرين وسلامتهما من النّحوس.
فإذا وجد ذلك وعثر عليه طبع في ذلك الوقت في مقدار المثقال فما دونه من الذّهب وغمس بعد في الزّعفران محلولا بماء الورد ورفع في خرقة حرير صفراء فإنّهم يزعمون أنّ لممسكه من العزّ على السّلاطين في مباشرتهم وخدمتهم وتسخيرهم له ما لا يعبّر عنه. وكذلك للسّلاطين فيه من القوّة والعزّ على من تحت أيديهم. ذكر ذلك أيضا أهل هذا الشّأن في الغاية وغيرها وشهدت له التّجربة. وكذلك وفق المسدّس المختصّ بالشّمس ذكروا أنّه يوضع عند حلول الشّمس في شرفها وسلامتها من النّحوس وسلامة القمر بطالع ملوكيّ يعتبر فيه نظر صاحب العاشر لصاحب الطّالع نظر مودّة وقبول ويصلح فيه ما يكون من مواليد الملوك من الأدلّة الشّريفة ويرفع في خرقة حرير صفراء بعد أن يغمس في الطّيب. فزعموا أنّ
стр. 658
له أثرا في صحابة الملوك وخدمتهم ومعاشرتهم. وأمثال ذلك كثير. وكتاب الغاية لمسلمة بن أحمد المجريطيّ هو مدوّنة هذه الصّناعة وفيه استيفاؤها وكمال مسائلها وذكر لنا أنّ الإمام الفخر بن الخطيب وضع كتابا في ذلك وسمّاه بالسّرّ المكتوم وأنّه بالمشرق يتداوله أهله ونحن لم نقف عليه. والإمام لم يكن من أئمّة هذا الشّأن فيما نظنّ ولعلّ الأمر بخلاف ذلك. وبالمغرب صنف من هؤلاء المنتحلين لهذه الأعمال السّحريّة يعرفون بالبعّاجين وهم الّذين ذكرت أوّلا أنّهم يشيرون إلى الكساء أو الجلد فيتخرّق ويشيرون إلى بطون الغنم بالبعج فتنبعج. ويسمّى أحدهم لهذا العهد باسم البعّاج لأنّ أكثر ما ينتحل من السّحر بعج الأنعام يرهب بذلك أهلها ليعطوه من فضلها وهم مستترون بذلك في الغاية خوفا على أنفسهم من الحكّام، لقيت منهم جماعة وشاهدت من أفعالهم هذه بذلك وأخبروني أنّ لهم وجهة ورياضة خاصّة بدعوات كفريّة وإشراك لرّوحانيّات الجنّ والكواكب، سطّرت فيها صحيفة عندهم تسمّى الخزيريّة [١] يتدارسونها وأنّهم بهذه الرّياضة والوجهة يصلون إلى حصول هذه الأفعال لهم وأنّ التّأثير الّذي لهم إنّما هو فيما سوى الإنسان الحرّ [٢] من المتاع والحيوان والرّفيق ويعبّرون عن ذلك بقولهم إنّما نفعل فيما تمشي فيه الدّراهم أي ما يملك ويباع ويشترى من سائر المتملّكات هذا ما زعموه. وسألت بعضهم فأخبرني به وأمّا أفعالهم فظاهرة موجودة وقفنا على الكثير منها وعاينتها من غير ريبة في ذلك. هذا شأن السّحر والطّلسمات وأثارهما في العالم فأمّا الفلاسفة ففرقوا بين السّحر والطّلسمات بعد أن أثبتوا أنّهما جميعا أثر للنّفس الإنسانيّة واستدلّوا على وجود الأثر للنّفس الإنسانيّة بأنّ لها آثارا في بدنها على غير المجرى الطّبيعيّ وأسبابه الجسمانيّة بل آثار عارضة من كيفيّات الأرواح تارة كالسّخونة الحادثة عن الفرح والسّرور ومن
стр. 659
جهة التّصوّرات النّفسانيّة أخرى كالّذي يقع من قبل التّوهّم. فإنّ الماشي على حرف حائط أو حبل منتصب إذا قوي عنده توهّم السّقوط سقط بلا شكّ. ولهذا تجد كثيرا من النّاس يعوّدون أنفسهم ذلك بالدربة عليه حتّى يذهب عنهم هذا الوهم فتجدهم يمشون على حرف الحائط والحبل المنتصب ولا يخافون السّقوط.
فثبت أنّ ذلك من آثار النّفس الإنسانيّة وتصوّرها للسّقوط من أجل الوهم. وإذا كان ذلك أثرا للنّفس في بدنها من غير الأسباب الجسمانيّة الطّبيعيّة فجائز أن يكون لها مثل هذا الأثر في غير بدنها إذ نسبتها إلى الأبدان في ذلك النّوع من التّأثير واحدة لأنّها غير حالّة في البدن ولا منطبعة فيه فثبت أنّها مؤثّرة في سائر الأجسام. وأمّا التّفرقة عندهم بين السّحر والطّلسمات فهو أنّ السّحر لا يحتاج السّاحر فيه إلى معين وصاحب الطّلسمات يستعين بروحانيّات الكواكب وأسرار الأعداد وخواصّ الموجودات وأوضاع الفلك المؤثّرة في عالم العناصر كما يقوله المنجّمون ويقولون: السّحر اتّحاد روح بروح والطّلسم اتّحاد روح بجسم ومعناه عندهم ربط الطّبائع العلويّة السّماويّة بالطّبائع السّفليّة، والطّبائع العلويّة هي روحانيّات الكواكب ولذلك يستعين صاحبه في غالب الأمر بالنّجامة. والسّاحر عندهم غير مكتسب لسحره بل هو مفطور عندهم على تلك الجبلّة المختصّة بذلك النّوع من التّأثير. والفرق عندهم بين المعجزة والسّحر أنّ المعجزة قوّة إلهيّة تبعث على النّفس ذلك التّأثير فهو مؤيّد بروح الله على فعله ذلك. والسّاحر إنّما يفعل ذلك من لدن نفسه وبقوّته النّفسانيّة وبإمداد الشّياطين في بعض الأحوال فبينهما الفرق في المعقوليّة والحقيقة والذّات في نفس الأمر وإنّما نستدلّ نحن على التّفرقة بالعلامات الظّاهرة وهي وجود المعجزة لصاحب الخير وفي مقاصد الخير وللنّفوس المتمحّصة [١] للخير والتّحدّي بها على دعوى النّبوة. والسّحر إنّما يوجد لصاحب الشّرّ وفي أفعال الشّرّ في الغالب من التّفريق بين الزّوجين وضرر الأعداء
стр. 660
وأمثال ذلك. وللنّفوس المتمحّصة للشّرّ. هذا هو الفرق بينهما عند الحكماء الإلهيّين: وقد يوجد لبعض المتصوّفة وأصحاب الكرامات تأثير أيضا في أحوال العالم وليس معدودا من جنس السّحر وإنّما هو بالإمداد الإلهي لأنّ طريقتهم ونحلتهم من آثار النّبوة وتوابعها ولهم في المدد الإلهيّ حفظ على قدر حالهم وإيمانهم وتمسّكهم بكلمة الله [١] وإذا اقتدر أحد منهم على أفعال الشّرّ لا يأتيها لأنّه متقيّد فيما يأتيه يذره للأمر الإلهيّ. فما لا يقع لهم فيه الإذن لا يأتونه بوجه ومن أتاه منهم فقد عدل عن طريق الحقّ وربّما سلب حاله. ولمّا كانت المعجزة بإمداد روح الله والقوى الإلهيّة فلذلك لا يعارضها شيء من السّحر.
وانظر شأن سحرة فرعون مع موسى في معجزة العصا كيف تلقّفت ما كانوا به يأفكون وذهب سحرهم واضمحلّ كأن لم يكن. وكذلك لمّا أنزل على النّبيّ ﷺ في المعوّذتين وَمن شَرِّ النَّفَّاثاتِ في الْعُقَدِ. ١١٣: ٤ قالت عائشة ﵂: «فكان لا يقرأها على عقدة من العقد الّتي سحر فيها إلّا انحلّت» .
فالسّحر لا يثبت مع اسم الله وذكره بالهمّة الإيمانيّة وقد نقل المؤرّخون أنّ زركش [٢] كاويان وهي راية كسرى كان فيها الوفق المئينيّ العدديّ منسوجا بالذّهب في أوضاع [٣] فلكيّة رصدت لذلك الوفق. ووجدت الرّاية يوم قتل رستم بالقادسيّة واقعة على الأرض بعد انهزام أهل فارس وشتاتهم. وهو فيما تزعم أهل الطّلسمات والأوفاق مخصوص بالغلب في الحروب وأنّ الرّاية الّتي يكون فيها أو معها لا تنهزم أصلا. إلّا أنّ هذه عارضها المدد الإلهيّ من إيمان أصحاب رسول الله ﷺ وتمسّكهم بكلمة الله فانحلّ معها كلّ عقد سحريّ ولم يثبت ويطل ما كانوا يعملون. وأمّا الشّريعة فلم تفرق بين السّحر والطّلسمات وجعلته كلّه بابا واحدا محظورا. لأنّ الأفعال إنّما أباح لنا الشّارع منها ما يهمّنا في ديننا
стр. 661
الّذي فيه صلاح آخرتنا أو في معاشنا الّذي فيه صلاح دنيانا وما لا يهمّنا في شيء منهما فإن كان فيه ضرر أو نوع ضرر كالسّحر الحاصل ضرره بالوقوع ويلحق به الطّلسمات لأنّ أثرهما واحد وكالنّجامة الّتي فيها نوع ضرر باعتقاد التّأثير فتفسد العقيدة الإيمانيّة بردّ الأمور إلى غير الله فيكون حينئذ ذلك الفعل محظورا على نسبته في الضّرر. وإن لم يكن مهمّا علينا ولا فيه ضرر فلا أقلّ من تركه قربة إلى الله فإنّ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. فجعلت الشّريعة باب السّحر والطّلسمات والشّعوذة بابا واحدا لما فيها من الضّرر وخصّته بالحظر والتّحريم.
وأمّا الفرق عندهم بين المعجزة والسّحر فالّذي ذكره المتكلّمون أنّه راجع إلى التّحدّي وهو دعوى وقوعها على وفق ما ادّعاه. قالوا: والسّاحر مصروف عن مثل هذا التّحدّي فلا يقع منه. ووقوع المعجزة على وفق دعوى الكاذب غير مقدور لأنّ دلالة المعجزة على الصّدق عقليّة لأنّ صفة نفسها التّصديق فلو وقعت مع الكذب لاستحال الصّادق كاذبا وهو محال فإذا لا تقع المعجزة مع الكاذب بإطلاق. وأمّا الحكماء فالفرق بينهما عندهم كما ذكرناه فرق ما بين الخير والشّرّ في نهاية الطّرفين. فالسّاحر لا يصدر منه الخير ولا يستعمل في أسباب الخير وصاحب المعجزة لا يصدر منه الشّرّ ولا يستعمل في أسباب الشّرّ وكأنّهما على طرفي النّقيض في أصل فطرتهما. والله يهدي من يشاء وهو القويّ العزيز لا ربّ سواه ومن قبيل هذه التّأثيرات النّفسيّة الإصابة بالعين وهو تأثير من نفس المعيان عند ما يستحسن بعينه مدركا من الذّوات أو الأحوال ويفرط في استحسانه وينشأ عن ذلك الاستحسان حسد يروم معه سلب ذلك الشّيء عمّن اتّصف به فيؤثّر فساده. وهو جبلّة فطريّة أعني هذه الإصابة بالعين. والفرق بينها وبين التّأثيرات النفسانيّة أنّ صدوره فطريّ جبلي لا يتخلّف ولا يرجع اختيار صاحبه ولا يكتسبه. وسائر التّأثيرات وإن كان منها ما لا يكتسب فصدورها راجع إلى اختيار فاعلها والفطريّ منها قوّة صدورها ولهذا قالوا: القاتل بالسّحر أو بالكرامة
стр. 662
يقتل والقاتل بالعين لا يقتل. وما ذلك إلّا أنّه ليس ممّا يريده ويقصده أو يتركه وإنّما هو مجبور في صدوره عنه. والله أعلم بما في الغيوب ومطّلع على ما في السّرائر.
الفصل التاسع والعشرون علم أسرار الحروف
وهو المسمّى لهذا العهد بالسيمياء. نقل وضعه من الطّلسمات إليه في اصطلاح أهل التصرّف من المتصوّفة، فاستعمل استعمال العامّ في الخاصّ. وحدث هذا العلم في الملّة بعد صدر منها، وعند ظهور الغلاة من المتصوّفة وجنوحهم إلى كشف حجاب الحسّ، وظهور الخوارق على أيديهم والتّصرّفات في عالم العناصر، وتدوين الكتب والاصطلاحات، ومزاعمهم في تنزّل الوجود عن الواحد وترتيبه.
وزعموا أنّ الكمال الأسمائيّ مظاهره أرواح الأفلاك والكواكب، وأنّ طبائع الحروف وأسرارها سارية في الأسماء، فهي سارية في الأكوان على هذا النظام.
والأكوان من لدن الإبداع الأوّل تتنقّل في أطواره وتعرب عن أسراره، فحدث لذلك علم أسرار الحروف، وهو من تفاريع علم السيمياء لا يوقف على موضوعة ولا تحاط بالعدد مسائله. تعدّدت فيه تآليف البونيّ وابن العربيّ وغيرهما ممّن اتّبع آثارهما. وحاصله عندهم وثمرته تصرّف النّفوس الربّانيّة في عالم الطبيعة بالأسماء الحسنى والكلمات الإلهيّة الناشئة عن الحروف المحيطة بالأسرار السّارية في الأكوان.
ثمّ اختلفوا في سرّ التصرّف الّذي في الحروف [١] بما هو: فمنهم من جعله
стр. 663
للمزاج الّذي فيه، وقسّم الحروف بقسمة الطّبائع إلى أربعة أصناف كما للعناصر.
واختصّت كلّ طبيعة بصنف من الحروف يقع التصرّف في طبيعتها فعلا وانفعالا بذلك الصنف: فتنوّعت الحروف بقانون صناعيّ يسمّونه التكسير إلى ناريّة وهوائيّة ومائيّة وترابيّة على حسب تنوّع العناصر، فالألف للنار والباء للهواء والجيم للماء والدال للتراب. ثمّ ترجع كذلك على التوالي من الحروف والعناصر إلى أن تنفذ. فتعيّن لعنصر النار حروف سبعة: الألف والهاء والطاء والميم والفاء والسين والذال، وتعيّن لعنصر الهواء سبعة أيضا: الباء والواو والياء والنون والضاد والتاء والظاء، وتعيّن لعنصر الماء أيضا سبعة: الجيم والزاي والكاف والصاد والقاف والثاء والغين، وتعيّن لعنصر التراب أيضا سبعة: الدال والحاء واللّام والعين والراء والخاء والشّين.
والحروف الناريّة لدفع الأمراض الباردة ولمضاعفة قوّة الحرارة حيث تطلب مضاعفتها، إمّا حسّا أو حكما، كما في تضعيف قوى المرّيخ في الحروب والقتل والفتك. والمائيّة أيضا لدفع الأمراض الحارّة من حمّيات وغيرها، ولتضعيف القوى الباردة حيث تطلب مضاعفتها حسّا أو حكما، كتضعيف قوى القمر وأمثال ذلك.
ومنهم من جعل سرّ التصرّف الّذي في الحروف للنسبة العدديّة: فإنّ حروف أبجد دالّة على أعدادها المتعارفة وضعا وطبعا فبينها من أجل تناسب الأعداد تناسب في نفسها أيضا، كما بين الباء والكاف والراء لدلالتها كلّها على الاثنين كلّ في مرتبته، فالباء على اثنين في مرتبة الآحاد، والكاف على اثنين في مرتبة العشرات، والرّاء على اثنين في مرتبة المئين. وكالّذي بينها وبين الدال والميم والتاء لدلالتها على الأربعة، وبين الأربعة والاثنين نسبة الضّعف. وخرّج للأسماء أوفاق كما للأعداد يختصّ كلّ صنف من الحروف بصنف من الأوفاق الّذي يناسبه من حيث عدد الشّكل أو عدد الحروف، وامتزج التصرّف من السرّ الحرفيّ
стр. 664
والسرّ العدديّ لأجل التناسب الّذي بينهما. فأمّا سرّ التناسب الّذي بين هذه الحروف وأمزجة الطبائع، أو بين الحروف والأعداد، فأمر عسير على الفهم، إذ ليس من قبيل العلوم والقياسات، وإنّما مستندهم فيه الذّوق والكشف. قال البونيّ: ولا تظنّ أنّ سرّ الحروف ممّا يتوصّل إليه بالقياس العقليّ، وإنّما هو بطريق المشاهدة والتوفيق الإلهيّ. وأمّا التصرّف في عالم الطبيعة بهذه الحروف والأسماء المركّبة فيها وتأثّر الأكوان عن ذلك فأمر لا ينكر لثبوته عن كثير منهم تواترا. وقد يظنّ أنّ تصرّف هؤلاء وتصرّف أصحاب الطّلسمات واحد، وليس كذلك، فإنّ حقيقة الطّلسم وتأثيره على ما حقّقه أهله أنّه قوى روحانيّة من جوهر القهر، تفعل فيما له ركّب فعل غلبة وقهر، بأسرار فلكيّة ونسب عدديّة وبخورات جالبات لروحانيّة ذلك الطّلسم، مشدودة فيه بالهمّة، فائدتها ربط الطبائع العلويّة بالطبائع السّفليّة، وهو عندهم كالخميرة المركّبة من هوائيّة وأرضيّة ومائيّة وناريّة حاصلة في جملتها، تخيّل وتصرّف ما حصلت فيه إلى ذاتها وتقلبه إلى صورتها. وكذلك الإكسير للأجسام المعدنيّة، كالخميرة تقلب المعدن الّذي تسري فيه إلى نفسها بالإحالة. ولذلك يقولون: موضوع الكيمياء جسد في جسد لأنّ الإكسير أجزاؤه كلّها جسدانيّة. ويقولون: موضوع الطّلسم روح في جسد لأنّه ربط الطبائع العلويّة بالطّبائع السّفليّة. والطبائع السّفليّة جسد والطبائع العلويّة روحانيّة. وتحقيق الفرق بين تصرّف أهل الطّلسمات وأهل الأسماء، بعد أن تعلم أنّ التصرّف في عالم الطبيعة كلّه إنّما هو للنفس الإنسانيّة والهمم البشريّة أنّ النفس الإنسانيّة محيطة بالطبيعة وحاكمة عليها بالذات، إلّا أنّ تصرّف أهل الطّلسمات إنّما هو في استنزال روحانيّة الأفلاك وربطها بالصّور أو بالنسب العدديّة، حتّى يحصل من ذلك نوع مزاج يفعل الإحالة والقلب بطبيعته، فعل الخميرة فيما حصلت فيه. وتصرّف أصحاب الأسماء إنّما هو بما حصل لهم بالمجاهدة والكشف من النّور الإلهيّ والإمداد الربّانيّ، فيسخّر
стр. 665
الطبيعة لذلك طائعة غير مستعصية، ولا يحتاج إلى مدد من القوى الفلكيّة ولا غيرها، لأنّ مدده أعلى منها.
ويحتاج أهل الطّلسمات إلى قليل من الرّياضة تفيد النفس قوّة على استنزال روحانيّة الأفلاك. وأهون بها وجهة ورياضة. بخلاف أهل الأسماء فإنّ رياضتهم هي الرياضة الكبرى، وليست لقصد التصرّف في الأكوان إذ هو حجاب. وإنّما التصرّف حاصل لهم بالعرض، كرامة من كرامات الله لهم. فإن خلا صاحب الأسماء عن معرفة أسرار الله وحقائق الملكوت، الّذي هو نتيجة المشاهدة والكشف، واقتصر على مناسبات الأسماء وطبائع الحروف والكلمات، وتصرّف بها من هذه الحيثيّة وهؤلاء هم أهل السيمياء في المشهور- كأنّ إذا لا فرق بينه وبين صاحب الطّلسمات، بل صاحب الطّلسمات أوثق منه لأنّه يرجع إلى أصول طبيعيّة علميّة وقوانين مرتّبة. وأمّا صاحب أسرار الأسماء إذا فاته الكشف الّذي يطّلع به على حقائق الكلمات وآثار المناسبات بفوات الخلوص في الوجهة، وليس له في العلوم الاصطلاحيّة قانون برهانيّ يعوّل عليه يكون حاله أضعف رتبة. وقد يمزج صاحب الأسماء قوى الكلمات والأسماء بقوى الكواكب، فيعيّن لذكر الأسماء الحسنى، أو ما يرسم من أوفاقها، بل ولسائر الأسماء، أوقاتا تكون من حظوظ الكواكب الّذي يناسب ذلك الاسم، كما فعله البونيّ في كتابه الّذي سمّاه الأنماط. وهذه المناسبة عندهم هي من لدن الحضرة العمائيّة. وهي برزخيّة الكمال الأسمائيّ، وإنّما تنزّل تفصيلها في الحقائق على ما هي عليه من المناسبة.
وإثبات هذه المناسبة عندهم إنّما هو بحكم المشاهدة. فإذا خلا صاحب الأسماء عن تلك المشاهدة، وتلقّى تلك المناسبة تقليدا، كأنّ عمله بمثابة عمل صاحب الطّلسم، بل هو أوثق منه كما قلناه. وكذلك قد يمزج أيضا صاحب الطّلسمات عمله وقوى كواكبه بقوى الدعوات المؤلّفة من الكلمات المخصوصة لمناسبة بين الكلمات والكواكب، إلّا أنّ مناسبة الكلمات عندهم ليست كما هي عند أصحاب
стр. 666
الأسماء من الاطّلاع في حال المشاهدة، وإنّما يرجع إلى ما اقتضته أصول طريقتهم السّحريّة، من اقتسام الكواكب لجميع ما في عالم المكوّنات، من جواهر وأعراض وذوات ومعان، والحروف. والأسماء من جملة ما فيه.
فلكلّ واحد من الكواكب قسم منها يخصّه، ويبنون على ذلك مباني غريبة منكرة من تقسيم سور القرآن وآيه على هذا النحو، كما فعله مسلمة المجريطيّ في الغاية. والظّاهر من حال البونيّ في أنماطه أنّه اعتبر طريقتهم. فإنّ تلك الأنماط إذا تصفّحتها، وتصفّحت الدّعوات الّتي تضمّنتها، وتقسيمها على ساعات الكواكب السّبعة، ثمّ وقفت على الغاية، وتصفّحت قيامات الكواكب الّتي فيها، وهي الدّعوات الّتي تختصّ بكلّ كوكب، ويسمّونها قيامات الكواكب، أي الدعوة الّتي يقام له بها، شهد له ذلك: إمّا بأنّه من مادّتها، أو بأنّ التناسب الّذي كان في أصل الإبداع وبرزخ العلم قضى بذلك كلّه. «وَما أُوتِيتُمْ من الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ١٧: ٨٥» . وليس كلّ ما حرّمه الشّارع من العلوم بمنكر الثبوت، فقد ثبت أنّ السحر حقّ مع حظره. لكنّ حسبنا من العلم ما علمنا.
ومن فروع علم السيمياء عندهم استخراج الأجوبة من الأسئلة، بارتباطات ش بين الكلمات- حرفيّة، يوهمون أنّها أصل في معرفة ما يحاولون علمه من الكائنات الاستقباليّة، وإنّما هي شبه المعاياة والمسائل السّيالة. ولهم في ذلك كلام كثير من أدعيّة وأوراد. وأعجبه زايرجة العالم للسّبتيّ، وقد تقدّم ذكرها. ونبيّن هنا ما ذكروه في كيفيّة العمل بتلك الزايرجة بدائرتها وجدولها المكتوب حولها، ثمّ نكشف عن الحقّ فيها وأنّها ليست من الغيب، وإنّما هي مطابقة بين مسألة وجوابها في الإفادة فقط، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل. وليس عندنا رواية يعوّل عليها في صحّة هذه القصيدة إلّا أنّنا تحرّينا أصحّ النّسخ منها في ظاهر الأمر. والله الموفّق بمنّه. وهي هذه:
стр. 667
يقول سبيتيّ ويحمد ربّه ... مصلّ على هاد إلى النّاس أرسلا
محمّد المبعوث خاتم الأنبيا ... ويرضى عن الصّحب ومن لهم تلا
ألا هذه زايرجة العالم الّذي ... تراه بحيّكم وبالعقل قد حلا
فمن أحكم الوضع فيحكم جسمه ... ويدرك أحكاما تدبّرها العلا
ومن أحكم الرّبط فيدرك قوّة ... ويدرك للتّقوى وللكلّ حصّلا
ومن أحكم التصريف يحكم سرّه ... ويعقل نفسه وصحّ له الولا
وفي عالم الأمر تراه محقّقا ... وهذا مقام من بالأذكار كملا
فهذي سرائر عليكم بكتمها ... أقمها دوائر وللحاء عدّلا
فطاء لها عرش وفيظ نقوشنا ... بنظم ونثر قد تراه مجدولا
ونسب دوائر كنسبة فلكها ... وارسم كواكبا لأدراجها العلا
وأخرج لأوتار وارسم حروفها ... وكوّر بمثله على حدّ من خلا
أقم شكل زيرهم وسوّ بيوته ... وحقّق بهامهم ونورهم جلا
وحصّل علوما للطّباع مهندسا ... وعلما لموسيقى والأرباع مثّلا
وسوّ لموسيقى وعلم حروفهم ... وعلم بآلات فحقّق وحصّلا
وسوّ دوائرها ونسب حروفها ... وعالمها أطلق والإقليم جدولا
أمير لنا فهو نهاية دولة ... زناتية آبت وحكم لها خلا
وقطر لأندلس فابن لهودهم ... وجاء بنو نصر وظفرهم تلا
ملوك وفرسان وأهل لحكمة ... فإن شئت نصّبهم وقطرهم حلا
ومهديّ توحيد بتونس حكمهم ... ملوك وبالشّرق بالأوفاق نزّلا
واقسم على القطر وكن متفقّدا ... فإن شئت للرّوم فبالحرّ شكّلا
ففنش وبرشنون الرّاء حرفهم ... وإفرنسهم دال وبالطّاء كمّلا
ملوك كناوة دلوا لقافهم ... وإعراب قومنا بترقيق أعملا
فهند حباشيّ وسند فهرمس ... وفرس ططاري وما بعدهم طلا
стр. 668
فقيصرهم جاء ويزدجردهم ... لكاف وقبطيهم بلامه طوّلا
وعبّاس كلّهم شريف معظّم ... ولكنّ تركي بذا الفعل عطّلا
فإن شئت تدقيق الملوك وكلّهم ... فختّم بيوتا ثمّ نسب وجدولا
على حكم قانون الحروف وعلمها ... وعلم طبائعها وكلّه مثّلا
فمن علم العلوم تعلّم علمنا ... ويعلم أسرار الوجود وأكملا
فيرسخ علمه ويعرف ربّه ... وعلم ملاحيم بحاميم فصّلا
وحيث أتى اسم والعروض يشقّه ... فحكم الحكيم فيه قطعا ليقتلا
وتأتيك أحرف فسوّ لضربها ... وأحرف سيبويه تأتيك فيصلا
فمكّن بتنكير وقابل وعوّضن ... بترنيمك الغالي للأجزاء خلخلا
وفي العقد والمجزور يعرف غالبا ... وزد لمح وصفيه في العقل فعّلا
واختر لمطلع وسوّيه رتبة ... واعكس بجذريه وبالدور عدّلا؟
ويدركها المرء فيبلغ قصده ... وتعطي حروفها وفي نظمها انجلا
إذا كان سعد والكواكب أسعدت ... فحسبك في الملك ونيل اسمه العلا
وإيقاع دالهم بمرموز ثمّمة ... فنسب دنادينا تجد فيه منهلا
وأوتار زيرهم فللحاء بمّهم ... ومثناهم المثلّث بجيمه قد جلا
وأدخل بأفلاك وعدّل بجدول ... وأرسم أبا جاد وباقيه جملا
وجوّز شذوذ النو تجري ومثله ... أتى في عروض الشّعر عن جملة ملا
فأصل لديننا وأصل لفقهنا ... وعلم لنحونا فاحفظ وحصّلا
فادخل لفسطاط على الوفق جذره ... وسبّح باسمه وكبّر وهلّلا
فتخرج أبياتا وفي كلّ مطلب ... بنظم طبيعيّ وسرّ من العلا
وتفنى بحصرها كذا حكم عدّهم ... فعلم الفواتيح ترى فيه منهلا
فتخرج أبياتا وعشرون ضعّفت ... من الألف طبعيا فيا صاح جدولا
تريك صنائعا من الضرب أكملت ... فصح لك المنى وصح لك العلا
стр. 669
وسجّع بزيرهم وأثنى بنقرة ... أقمها دوائر الزير وحصّلا
أقمها بأوفاق وأصل لعدّها ... من أسرار أحرفهم فعذبه سلسلا
٤٣ ك ١ ك وك ح وأ هـ عم له ر لا سع كط ١ ل م ن ح ع ف ول
الكلام على استخراج نسبة الأوزان وكيفياتها ومقادير المقابل منها وقوة الدرجة المتميزة بالنسبة إلى موضع المعلق من امتزاج طبائع وعلم طب أو صناعة الكيميا
أيا طالبا للطبّ مع علم جابر ... وعالم مقدار المقادير بالولا
إذا شئت علم الطّبّ لا بدّ نسبة ... لأحكام ميزان تصادف منهلا
فيشفى عليلكم والإكسير محكم ... وأمزاج وضعكم بتصحيح انجلى
الطب الروحانيّ
وشئت إيلاوش ٥٦٥ هـ ودهنه بحلا ... لبهرام برجيس وسبعة أكملا
لتحليل أوجاع البوارد صححوا ... كذلك والتركيب حيث تنقلا
كد منع مهم ٣٥٥ وهح ٦ صح لهاى ولمح ١ آ ١ وهح وى سكره لال ح مههت مههه ع ع مى مر ح ح ٢٢٤٢ ل ك عا عر.
مطاريح الشعاعات في مواليد الملوك وبنيهم
وعلم مطاريح الشّعاعات مشكل ... وضلع قسيها بمنطقة جلا
ولكن في حج مقام إمامنا ... ويبدو إذا عرض الكواكب عدّلا
بدال مراكز بين طول وعرضها ... فمن أدرك المعنى علا ثمّ فوضلا
مواقع تربيع وسه مسقط ... لتسديسهم تثليث بيت الّتي تلا
стр. 670
يزاد لتربيع وهذا قياسه ... يقينا وجذّره وبالعين أعملا
ومن نسبة الربعين ركب شعاعك ... بصاد وضعفه وتربيعه انجلى
اختص صح صح ع ٨ سع وى هذا العمل هنا للملوك والقانون مطرد عمله ولم ير أعجب منه.
مقامات الملوك المقام الأوّل ٥ المقام الثاني ع ع والمقام الرابع للح المقام الخامس لاى المقام السادس بير المقام السابع عره خط الاتصال والانفصال خط الاتصال خط الانفصال الوتر للجميع وتابع الجرر التام الاتصال والانفصال الواجب التام في الاتصالات إقامة الأنوار الجزر المجيب في العمل إقامة السوال عن الملوك مقام الأولا نورعه ي مقام بها هـ حج لا
الانفعال الروحانيّ والانقياد الرباني
أيا طالب السرّ لتهليل ربه ... لدى أسمائه الحسنى تصادف منهلا
تطيعك أخيار الأنام بقلبهم ... كذلك ريسهم وفي الشمس أعملا