Полный текст (1 222 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
في القول الآخر، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعةٍ لكل أحدٍ على العموم لقوله ﵊ ُ:
«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وقد روي عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وأُبِيّ بن كعب، وأبي أيوب الأنصاري، وعبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدري أنهم قالوا: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» فهؤلاء الصحابة القُدرة، وفيهم الأسوة، كُلّهم يوحبون الفاتحة في كل ركعة.
قال الإمام الفخر: «إنه ﵇ واظب طول عمره على قراءة الفاتحة في الصلاة، فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى: ﴿واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ويا لَلْعجب من أبي حنيفة فإنه تمسّك في وجوب (مسح الناصية) بخبر واحد وذلك ما رواه المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ َ أنه أتى سُباطة قوم فبال وتوضأ، ومسح على ناصيته وخفيه، في (أنه ﵇ مسح على الناصية) فجعل ذلك القدر من المسح شرطاً لصحة الصلاة! ﴿وهاهنا نقل أهلُ العلم نقلاً متواتراً أنه ﵇ واظب طول عمره على قراءة الفاتحة، ثمّ قال: إن صحة الصلاة غير موقوفة عليها، وهذا من العجائب﴾ » .
الحكم الرابع: هل يقرأ المأموم خلف الإمام؟
اتفق العلماء على أن المأموم إذا أدرك الإمام راكعاً فإنه يحمل عنه القراءة، لإجماعهم على سقوط القراءة عنه بركوع الإمام، وأمّا إذا أدركه قائماً فهل يقرأ خلفه أم تكفيه قراءة الإمام؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
стр. 37
أ - فذهب الشافعي وأحمد: إلى وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام سواء كانت الصلاة سرّية أم جهرية.
ب - وذهب مالك إلى أن الصلاة إذا كانت سرّية قرأ خلف الإمام، ولا يقرأ في الجهرية.
ج - وذهب أبو حنيفة: إلى أنه لا يقرأ خلف الإمام لا في السرية ولا في الجهرية.
استدل الشافعية والحنابلة بالحديث المتقدم وهو قوله ﷺ َ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» .
فإن اللفظ عام يشمل الإمام والمأموم، سواء كانت الصلاة سرية جهرية، فمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب لم تصحّ صلاته.
واستدل الإمام مالك: على قراءة الفاتحة إذا كانت الصلاة سرّية بالحديث المذكور، ومنع من القراءة خلف الإمام إذا كانت الصلاة جهرية لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] .
وقد نقل القرطبي: عن الإمام مالك أنه لا يقرأ في الجهرية بشيء من القرآن خلف الإمام، وأمّا في السرّية فيقرأ بفاتحة الكتاب، فإن ترك قراءتها فقد أساء ولا شيء عليه.
وأمّا الإمام أبو حنيفة: فقد منع من القراءة خلف الإمام مطلقاً عملاً بالآية الكريمة ﴿وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ولحديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» .
واستدل أيضاً بما روي عن النبي ﷺ َ أنه قال:
«إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» .
стр. 38
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
يقف الإنسان بين يدي هذه السورة الكريمة (سورة الفاتحة) وقفة العبد الخاشع، المعترف بالعجز، المقر بالتقصير، فإن هذه السورة وحي منزل من عند الله، وهي من كلام ربّ العالمين، وكلام الله فوق أن يحيط به عقل قاصر من بني الإنسان، أو يدرك أسراره العميقة بشر، مهما أوتي من النبوغ والذكاء، وسعة العلم والاطلاع.
وقُصارى ما يدركه الإنسان أن يحسّ من قرارة نفسه بروعة هذا القرآن الكريم، وسمو معانيه، وجمال ألفاظه، وأن يشعر بالعجز الكامل عن أن يأتي بمثل آية من آياته، فضلاً عن مثل الكتاب العزيز، فإن هذه السورة الكريمة على قصرها ووجازتها قد حوت معاني القرآن العظيم، واشتملت على مقاصده الأساسية بالإجمال، فهي تتناول أصول الدين وفروعه، تتناول العقيدة، والعبادة، والتشريع، والاعتقاد بالجزاء والحساب، والإيمان بصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة، والاستعانة، والدعاء، والتوجه إليه جل وعلا بطلب الهداية إلى الدين الحق والصراط المستقيم، والتضرع إليه بالتثبيت على الإيمان ونهج سبيل الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم أو الضالّين إلى غير ما هنالك من مقاصد وأغراضٍ وأهداف.
قال العلامة القرطبي: «سميت الفاتحة (القرآن العظيم) لتضمنها جميع علومه، وذلك لأنها تشتمل على الثناء على الله بأوصاف كماله وجلاله، وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلاّ بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط
стр. 39
المستقيم، وكفاية أحوال الناكثين، وعلى بيان عاقبة الجاحدين، وهذه جملة المقاصد التي جاء بها القرآن العظيم» .
يقول الشهيد الشيخ حسن البنا ﵀ في رسالته القيّمة «مقدمة في التفسير» ما نصه:
«لا شك أن من تدبّر الفاتحة الكريمة - وكلّ مؤمن مطالب بتدبرها في تلاوته عامة، وفي صلاته خاصة - رأى من غزارة المعاني، وجمالها، وروعة التناسب، وجلاله، ما يأخذ بلبه، ويضيء جوانب قلبه. فهو يبتدئ ذاكراً تالياً متيمناً باسم الله الموصوف بالرحمة، التي تظهر آثار رحمته متجدّدة في كل شيء، مستشعراً أنّ أساس الصلة بينه وبين خالقه العظيم هو هذه الرحمة التي وسعت كل شيء. فإذا استشعر هذا المعنى، ووقر في نفسه انطلق لسانه بحمد هذا الإله (الرحمن الرحيم) وذكّره الحمد بعظيم نعمه، وكريم فضله، وعظيم آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعاً، فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له، ثمّ تذكّر من جديد أنّ هذه النعم الجزيلة، والتربية الجليلة، ليست عن رغبة ولا رهبة، ولكنّها عن تفضل ورحمة، فنطق لسانه مرة ثانية بالرحمن الرحيم، ولكن من كمال هذا الإله العظيم أن يقرن (الرحمن) ب (العدل) ويذكّر بالحساب بعد الفضل، فهو مع رحمته السابغة المتجددة سيُدينُ عباده، ويحاسب خلقه يوم الدين
﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] .
فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة، والحساب، وإذا كان الأمر كذلك، فقد أصبح العبد مكلفاً بتحري الخير، والبحث عن وسائل النجاة، وهو في هذا أشدّ ما يكون حاجة إلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إلى الصراط المستقيم، وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه، فليلجأ إليه، وليعتمد عليه، وليخاطبه بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وليسأله الهداية من فضله إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم
стр. 40
بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلب بعد العطاء، والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين، الذين يضلون عن الحق، أو يريدون الوصول إليه فلا يوفقون للعثور عليه آمين.
ولا جرم أن (آمين) براعة مقطع في غاية الجمال والحسن، وأي شيء أولى بهذه البراعة من فاتحة الكتاب، والتوجه إلى الله بالدعاء؟
فهل رأيت تناسقاً أدق، أو ارتباطاً أوثق، مما تراه بين معاني هذه الآيات الكريمات؟ وتذكّر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله ﷺ َ عن ربه في الحديث القدسي الذي أوردناه آنفاً «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل» الخ وأدم هذا التدبر والإنعام، واجتهد أن تقرأ في الصلاة أو غيرها على مكث وتمهل، وخشوع وتذلّل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطي التلاوة حقها من التجويد أو النغمات، من غير تكلف ولا تطريب، واشتغال بالألفاظ عن المعاني، مع رفع الصوت المعتدل في التلاوة العادية، أو الصلاة الجهرية، فإنّ ذلك يعين على الفهم، ويثير ما غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلبَ شيء أفضل من تلاوةٍ في تدبر وخشوع «.
стр. 41
٢ - سورة البقرة
[١] موقف الشريعة من السحر
стр. 42
التحليل اللفظي
﴿نَبَذَ﴾ : النبذ: الطرح والإلقاء قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم﴾ [القصص: ٤٠] ومنه النبيذ للشيء المسكر، وسميَ نبيذاً، لأن الذي يتخذه يأخذ تمراً أو زبيباً فينبذه في وعاء أو سقاء، ويتركه حتى يصير مسكراً، والمنبوذُ: ولد الزنى، لأنهُ يُنْبذُ على الطريق، قال أبو الأسود.
وخبّرني من كنتُ أرسلتُ أنما ... أخذتَ كتابي معرضاً بشمالكا
نظرتَ إلى عنوانه فنبذتَه ... كنبذكَ نعلاً أخْلقتْ من نعالكا
وقال آخر:
أنّ الذين أمرتهم أن يعدلوا ... نبذوا كتابك واستحلوا المحرما
﴿وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ : هذا مثل يضرب لمن استخفّ بالشيء وأعرض عنه جملة، تقول العرب: جعل هذا الأمر وراء ظهره، ودبر أذنه، قال تعالى: ﴿واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً﴾ [هود: ٩٢] وأنشد الفرّاء:
تميم بن زيد لا تكوننّ حاجتي ... بظهرٍ ولا يعيا عليك جوابها
﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ : تشبيه لهم بمن يجهل، لأن الجاهل بالشيء لا يحفل به ولا يهتم، لأنه لا شعور له بما فيه من المنفعة.
والمعنى: نبذوا كتاب الله وتركوا العمل به، على سبيل العناد والمابرة، كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله المنزّل على رسوله الكريم ﷺ َ.
﴿واتبعوا﴾ الضمير لفريق من الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود.
стр. 43
قال الزمخشري: أي نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين.
والمراد بالاتباع: التوغّلُ والإقبال على الشيء بالكليّة، وقيل: الاقتداء.
﴿تَتْلُواْ﴾ : بمعنى تلت مضارع بمعنى الماضي، فهو حكاية لحال ماضية، قال الشاعر:
وانضحْ جوانبَ قبره بدمائها ... فلقد يكونُ أخا دمٍ وذبائحِ
أي فلقد كان.
وتتلو يعني: تُحدّث، وتروي، وتتكلم به من التلاوة بمعنى القراءة.
قال الطبري: ولقول القائل «هو يتلو كذا» في كلام العرب معنيان:
أحدهما: الاتباع كما تقول: «تلوت فلاناً» إذا مشيت خلقه وتبعت أثره.
والآخر: القراءة والدراسة كما تقول: فلان يتلو القرآن بمعنى أنه يقرؤه ويدرسه، كما قال (حسان بن ثابت) :
نبيّ يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد
والمعنى: طرحوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتّبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها الشياطين وتحدّث وتروي بها في عهد سليمان.
﴿الشياطين﴾ : المتبادر من لفظ (الشياطين) أن المراد بهم مردة الجن، وبه قال
стр. 44
بعض المفسرين وقال بعضهم: المراد بهم شياطين الإنس، والأرجح أن المراد بهم شياطين (الإنس والجن) كما قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً﴾ [الأنعام: ١١٢] .
﴿على مُلْكِ سليمان﴾ : أي على عهد مكله وفي زمانه، فهو على حذف مضاف.
قال المبرّد: «على» بمعنى «في» أي في عهد ملكه، كما أنّ «في» بمعنى «على» كما في قوله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] أي على جذوع النخل. (سليمان) اسم عبراني، وقد تكلمت به العرب في الجاهلية، واستعمله الحطيئة، اضطراراً فجعله بلفظ (سلاّم) حين قال:
فيه الرماح وفيه كل سابغة ... جدلاء محكمة من نسج سلاّم
قال الألوسي: وسليمان اسم أعجمي، وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة، ونظيره (هامان) و (ماهان) و (شامان) وليس امتناعه من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون.
﴿السحر﴾ : في اللغة: كلّ ما لطف مأخذه ودقّ، قال الأزهري: وأصل السّحر صرفُ الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأنّ الساحر لمّا أرى الباطل في سورة الحقّ، وخيّل الشيء على غير حقيقته، قد سحر الشيء عن وجهه اي صرفه.
وقال الجوهري: والسّحر: الأُخْذةُ، وكلّ ما لُطف مأخذه، ودقّ فهو سحرٌ وسَحَره أيضاً بمعنى خدعه.
стр. 45
وقال القرطبي: السّحر أصلُه التمويهُ بالحيل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيُخيّل للمسحور أنها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السّراب من بعيد فيخيّل إليه أنه ماء، وهو مشتق من سحرتُ الصبي إذا خدعته، قال لبيد:
فإنْ تسألينا فيمَ نحن فإنّنا ... عصافيرُ من هذا الأنام المسحّر
وقال امرؤ القيس:
أُرانا مُوضعين لأمر غيبٍ ... ونُسحَرُ بالطعام وبالشراب
عصافيرٌ وذبّانٌ ودودٌ ... وأجراً من مجلّحة الذئاب
وقال الألوسي: السّحر في الأصل مصدر سَحَر يسَحْر بفتح العين فيهما إذا أبدى ما يدّق ويخفى، وهو من المصادر الشاذة، ويستعمل بما لطف وخفي سببه، والمراد به أمر غريب يشبه الخارق. وفي الحديث «إنّ من البيان لسحراً» .
﴿فِتْنَةٌ﴾ : الفتنةُ الاختبار والابتلاء، ومنه قولهم: فتنتُ الذهب في النار، إذا امتحنته لتعرف جودته من رداءته.
قال الأزهري: جِماعُ معنى الفتنة: الابتلاء والامتحان، والاختبار، قال تعالى: ﴿أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] أي اختبرنا وابتلينا.
قال الجصّاص: الفتنةُ: ما يظهر به حال الشيء في الخير والشر، تقول العرب: فتنتُ الذهب إذا عرضته على النار لتعرف سلامته أو غشّه،
стр. 46
والاختبار كذلك أيضاً لأن الحال تظهر فتصير كالمخبرة عن حالها.
﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ : أي بتعلم السّحر واستعماله، وفي الآية إشارة إلى أنّ تعلم السّحر كفرٌ.
قال الزمخشري: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي فلا تتعلم السّحر معتقداً أنه حق فتكفر.
﴿بِإِذْنِ الله﴾ : أي بإرادته ومشيئته، وفيه دليل على أن في السحر ضرراً مودعاً، إذا شاء الله تعالى حال بينه وبين المسحور، وإذا شاء خلاّه حتى يصيبه ما قدّره الله تعالى له، وهذا مذهب السلف في الأسباب والمسببات.
﴿لَمَنِ اشتراه﴾ : قال الألوسي: أي استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله، واللام للابتداء وتدخل على المبتدأ وعلى المضارع، ودخولها على الماضي مع (قد) كثير، كقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] .
﴿خلاق﴾ : الخلاقُ في اللغة بمعنى النصيب قال تعالى: ﴿أولئك لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخرة﴾ [آل عمران: ٧٧] ويأتي بمعنى القدر قال الشاعر:
فما لكَ بيتٌ لدى الشامخات ... وما لك في غالب من خلاق
قال الزّجاج: هو النصيب الوافر من الخير، وأكثر ما يستعمل في الخير، ويكون للشر على قلّة.
стр. 47
﴿شَرَوْاْ﴾ : أي باعوا أنفسهم به، يقال: شرى بمعنى اشترى، وشرى بمعنى باع من الأضداد، قال الشاعر:
وشربتُ بُرْداً ليتني ... من بعد بُرْدٍ كنتُ هامة
﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ : المثوبة: الثواب والجزاء، أي لثواب وجزاء عظيم من الله تعالى على إيمانهم وتقواهم.
المعنى الإجمالي
يخبر المولى جلّ ثناؤه أنّ أحبار اليهود وعلماءهم نبذوا كتابه الذي أنزله على عبده ورسوله (موسى) ﵇ وهو التوراة، كما نبذ أحفادهم الكتاب الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ َ وهو القرآن، مع أنّ الرسول جاء مصدّقاً لما بين أيديهم من التوراة، فلا عجب أن يكون الأحفاد مثل الأجداد، في الاستكبار والعناد، فهؤلاء ورثوا عن أسلافهم البغي، والإفساد، والعناد.
لقد نبذ أولئك كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله المنزل على نبيه ﷺ َ واتبعوا طرق السحر والشعوذة التي كانت تحدّثهم بها الشياطين في عهد ملك سليمان، وما كان (سليمان) ﵇ ساحراً، ولا كفر بتعلمه السحر، ولكنّ الشياطين هم الذين وسوسوا إلى الإنس وأوهموهم أنهم يعلمون الغيب، وعَلَّموهم السحر حتى فشا أمره بين الناس.
وكما اتبّع رؤساء اليهود (السحر) و (الشعوذة) كذلك اتّبعوا ما أُنزل على الرجلين الصالحين، أو الملكَيْن: (هاروت) و (ماروت) بمملكة
стр. 48
بابل، فقد أنزلهما الله تعالى إلى الأرض، لتعليم السحر، ابتلاءً من الله للناس، وما يعلّمان السّحر من أجل السّحر، وإنّما من أجل إبطاله، ليُظْهرا للناس الفرق بين (المعجزة) و (السّحر) ، ولله أن يبتلي عباده بما شاء، كما امتحن قوم طالوت بالنهر، وقد كثر السحر في ذلك الزمان، وأظهر السّحَرة أموراً غريبة وقع بسببها الشكّ في (النبوّة) ، فبعث الله تعالى المكلَين لتعليم أبواب السحر، حتى يزيلا الشّبَه، ويميطا الأذى عن الطريق. . ومع ذلك فقد كانا يحذّران الناس من تعلّم السحر واستخدامه في الأذى والضرر، وكانا إذا علَّما أحداً قالا له: إنما هذا امتحان من الله وابتلاء فلا تكفر بسببه واتّق الله فلا تستعمله في الإضرار، فمن تعلّمه ليتوقّى ضرره ويدفع أذاه عن الناس فقد نجا وثبت على الإيمان، ومن تعلّمه معتقداً صحته ليُلحق الأذى بالناس فقد ضلّ وكفر، فكان الناس فريقين: فريق تعلّمه عن نيّة صالحة ليدفع ضرره عن الناس، وفريق تعلّمه عن نيّة خبيثة ليفرّق به بين الرجل وأهله، وبين الصديق وصديقه، ويوقع العداوة والبغضاء بين الناس، وهؤلاء قد خسروا دنياهم وآخرتهم، لأنهم عرفوا أنّ من تجرّد لهذه الأمور المؤذية، ما له في الآخرة من نصيب ولبئسما باعوا به أنفسهم لو كان عندهم فهم وإدراك.
ولو أن هؤلاء الذين يتعلمون السحر آمنوا بالله، وخافوا عذابه، لأثابهم الله جزاء أعمالهم مثوبة أفضل ممّا شغلوا به أنفسهم، من هذه الأمور الضارّة التي لا تعود عليهم إلاّ بالويل والخسار والدمار.
стр. 49
سبب النزول
قال ابن الجوزي ﵀: في سبب نزول هذه الآية قولان:
أحدهما: أن اليهود كانوا لا يسألون النبي ﷺ َ عن شيء من التوراة إلاّ أجابهم، فسألوه عن السحر وخاصموه به فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية.
والثاني: أنه لما ذكر سليمان في القرآن قالت يهود المدينة: ألا تعجبون لمحمد يزعم أن (ابن داود) كان نبيّاً؟ والله ما كان إلا ساحراً فنزلت هذه الآية ﴿وَمَا كَفَرَ سليمان ولكن الشياطين كَفَرُواْ ... ﴾ ذكره ابن إسحاق.
وجوه القراءات
أولاً: قوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كَفَرُواْ﴾ .
قرأ الجمهور: (ولكنّ الشياطينَ) بتشديد نون (لكنّ) ونصب نون (الشياطين) وقرأ حمزة والكسائي: (ولكن الشياطينُ) بتخفيف النون من (لكن) ورفع نون (الشياطين) .
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين﴾ .
قرأ الجمهور: (المَلَكَيْن) بفتح اللام والكاف مثنّى (مَلَك) وقرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير (الملِكَيْن) بكسر اللام مثنىّ (ملِك)
стр. 50
قال ابن الجوزي: وقراءة الجمهور أصح.
قال القرطبي: وحُكي عن بعض القرّاء أنه كان يقرأ: ﴿وما أُنْزل على الملِكَيْن﴾ يعني به رجلين من بني آدم.
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿هاروت وماروت﴾ قرأ الجمهور بفتح التاء قرأ الحسن والزهري برفعهما على تقدير (هما هاروتُ وماروتُ) .
وجوه الإعراب
أولاً - قوله تعالى: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين﴾ الواو للعطف، و ﴿واتبعوا﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ﴾ من عطف الجملة على الجملة، والضمير في ﴿واتبعوا﴾ لليهود، و ﴿مَا﴾ اسم موصول مفعول به و ﴿تَتْلُواْ﴾ صلة الموصول و ﴿الشياطين﴾ فاعل مرفوع وهو إخبار عن حالهم في اتباعهم ما لا ينبغي أن يتبّع، لأن الاتباع ليس مترتباً على مجيء الرسول، بخلاف نبذ كتاب الله فإنه مترتب على مجيء الرسول.
ثانياً - قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ الناس السحر وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين ... .﴾ جملة ﴿يُعَلِّمُونَ الناس السحر﴾ في محل نصب على الحال من الضمير في ﴿كَفَرُواْ﴾ أي كفروا معلميّن الناس السحر، وقيل: هو بدل من ﴿كَفَرُواْ﴾ لأن تعليم السحر كفر في المعنى و ﴿مَآ أُنْزِلَ﴾ اسم الموصول ﴿مَا﴾ معطوف على ﴿مَا تَتْلُواْ﴾ فهو في موضع نصب، والمعنى: اتبعوا ما تتلوه الشياطين،
стр. 51
واتبعوا ما أُنزل على الملكين، وقيل: ﴿مَآ أُنْزِلَ﴾ ما: نافية أي لم ينزل على الملكين، قال ابن الأنباري: وهذا الوجه ضعيف جداً، لأنه خلاف الظاهر والمعنى، فكان غيره أولى.
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خلاق﴾ .
اللام في ﴿لَمَنِ اشتراه﴾ لام الابتداء، و (مَنْ) بمعنى الذي في موضع رفع لأنه مبتدأ، وخبره جملة ﴿مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خلاق﴾ و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ خلاق﴾ زائدة لتأكيد النفي، وتقديره: ما له في الآخرة خلاق.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: تضمنت هذه الآيات الكريمة ما كان عليه اليهود من الخبث وفساد النيّة، والسعي للإضرار بعباد الله، فالسّحر لم يُعرف إلاّ عند اليهود، فتاريخه مشتهر بظهورهم، فهم الذين نبذوا كتاب الله وسلكوا طريق السحر، وعملوا على إفساد عقول الناس وعقائدهم بطريق السحر، والشعوذة، والتضليل، وهذا يدل على أنّ اليهود أصل كل شرّ، ومصدر كلّ فتنة وقد صوّر القرآن الكريم نفسيّة اليهود بهذا التصوير الدقيق
﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً والله لَا يُحِبُّ المفسدين﴾ [المائدة: ٦٤] .
اللطيفة الثانية: قال أبو حيان: كما كانت الآيات السابقة فيها ما يتضمّن الوعيد في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] وقوله: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَاّ الفاسقون﴾ [البقرة: ٩٩] وذكر نبذ العهود من اليهود، ونبذ كتاب الله، واتباع الشاطين، وتعلم ما يضر ولا ينفع، أتبع ذلك بآية تتضمن الوعد الجميل لمن آمن واتقى.
стр. 52
فجمعت هذه الآيات بين الوعيد والوعد، والترغيب والترهيب، والإنذار والتبشير، وصار فيها استطراد من شيء إلى شيء، وإخبار بمغيّب يعد مغيّب، متناسقةٌ تناسق اللآلئ في عقودها، متضمنة اتضاح الدّراري في مطالع سعودها، معلمة صدق من أتى بها، وهو ما قرأ الكتب ولا دارس، ولا رحل، ولا عاشر الأحبار ولا مارس ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يوحى﴾ [النجم: ٣ - ٤] صلى الله وسلّم عليه، وأوصل أزكى تحية إليه.
اللطيفة الثالثة: قَوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ التعبيرُ بالنبذ وراء الظهور، فيه زيادة تشنيع وتقبيح على اليهود، حيث تركوا العمل بكتاب الله، وأعرضوا عنه بالكلّية، شأن المستخف بالشيء، المستهزئ به، وتمسكوا بأساطير من فنون السحر والشعوذة.
يقول سيّد قطب ﵀: «والذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، والمقصودُ طبعاً أنهم جحدوه وتركوا العمل به، ولكنّ التعبير المصوّر ينقل المعنى من دائرة الذهن، إلى دائرة الحسن، ويمثّل عملهم بحركةٍ مادية متخيّلة، تصوّر هذا التصرف تصويراً بشعاً زرياً، ينضح بالكنود والجحود، ويتسّم بالغلظة والحماقة، ويفيض بسوء الأدب والقحة، ويدع الخيال يتملّى هذه الحركة العنيفة، حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور» .
اللطيفة الرابعة: وجه المقارنة بين ذكر ﴿الشياطين﴾ و ﴿السحر﴾ في الآية الكريمة، هو أنّ السحر فيه استعانة بأرواح خبيثةٍ شرّيرة من الجن، والشياطينُ تزعم أنها تعلم الغيب وتوهم الناس بذلك، وقد كان بعض الناس يصدّقونهم فيما يزعمون، ويلجأون إليهم عند الكرب كما قال تعالى:
стр. 53
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن: ٦] ولهذا اشتهر السّحر عن طريق الاتصال بهذه الأرواح الخبيثة.
أخرج ابن جرير والحاكم عن ابن عباس ﵄ أنه قال:
«إنّ الشياطين كانوا يسترقون السّمع من السّماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة، كذب عليها ألف كذبة، فأشربتها قلوب الناس واتخذوها دواوين، فأطلع الله على ذلك» سليمان بن داود «فأخذها وقذفها تحت الكرسي، فلمّا مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحدٍ مثل كنزه الممنّع؟ قالوا: نعم فأخرجوه فإذا هو سحر، فتناسختها الأمم فأنزل الله تعالى عذر سليمان فيما قالوا من السحر» .
اللطيفة الخامسة: عبّر القرآن الكريم عن (السحر) ب (الكفر) في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سليمان﴾ وسياقُ اللفظ يدل على أن المراد منه السحر أي: وما سحر سليمان وإنما عبّر عنه بالكفر تقبيحاً وتشنيعاً، كما قال تعالى فيمن ترك الحجّ مع القدرة عليه ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧] .
وفي هذا التعبير تنفير للناس من السحر، ودلالة على أنه من الكبائر الموبقات، بل هو قرين الكفر والإشراك بالله، وقد دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ .
اللطيفة السادسة: روي أنّ رجلاً تكلّم بكلام بليغ عند (عمر بن عبد العزيز) فقال عمر: هذا والله السّحر الحلال. ورُوي «أنّ (الزبرقان بن بدر) و (عَمْر بن الأهتم) و (قيس بن عاصم) قدموا على رسول الله ﷺ َ فقال لعَمْرو: خبّرني عن الزبرقان؟ فقال: مُطاع في ناديه، شديد العارضة، مانعٌ لما وراء ظهره. . فقال الزبرقان: هو والله يعلمُ أني أفضلُ
стр. 54
منه، فقال عمرو: إنه زمر المروءة، ضيّق العَطَن، أحمقُ الأب، لئيم الخال. . ثم قال: يا رسول الله، صدقتُ فيهما، أرضاني أحسن ما علمتُ، وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت، فقال ﵇:» إن من البيان لسحراً «» .
ورُوي أن رجلين قدما على رسول الله ﷺ َ فخطب أحدهما فعجب الناس من فصاحته وبلاغته فقال رسول الله ﷺ َ: «إنّ من البيان لسحراً» فإن قيل: كيف سمّى ﵇ روحة البيان سحراً مع أنّ السحر مذموم عقلاً ونقلاً؟ ﴿
فالجواب: أنّ هذا على (المجاز) لا على (الحقيقة) فالخطيب يستميل القلوب بحسن بيانه وروعة أدائه، وجمال تعبيره، كما يستميل الساحر قلوب الحاضرين إليه بخفته ورشاقته وتمويهه على الحاضرين، فمن هذا الوجه سمّي البيان سحراً.
اللطيفة السابعة: فإن قيل: كيف كان الملكان يعلّمان الناس السحر مع أنه حرام، ومعتقده كافر؟﴾
فالجواب: أنهما ما كانا يعلمان الناس السّحر للعمل به، وإنما للتخلُّص من ضرره، والاحتراز منه، لأن تعريف الشر للزجر عنه حسن وقد قيل:
عرفتُ الشرّ لا للشرّ ... لكن لتوقّيه
ومن لا يعرف الشرّ ... من الناس يقع فيه
وقد قيل لعمر بن الخطاب ﵁ إنّ فلاناً لا يعرف الشر، قال: أجدر أن يقع فيه. والصحيح كما قال الألوسي: أن ذلك كان للابتلاء والتمييز بين (المعجزة) و (السحر) والله أعلم.
стр. 55
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل للسّحر حقيقة وتأثير في الواقع؟
اختلف العلماء في أمر (السحر) هل له حقيقة أم هو شعوذة وتخييل؟
فذهب جمهور العلماء: من أهل السنة والجماعة إلى أن السحر له حقيقة وتأثير.
وذهب المعتزلة وبعض أهل السُنّة: إلى أنّ السحر ليس له حقيقة في الواقع وإنما هو خداع، وتمويه، وتضليل، وأنه باب من أبواب الشعوذة، وهو عندهم على ضروب.
ضروب السحر
أولاً: التخييل والخداع: وذلك كما يفعله بعض المشعوذين، حيث يريك أنه ذبح عصفوراً، ثم يريك العصفور بعد ذبحه قد طار، وذلك لخفة حركته، والمذبوحُ غير الذي طار لأنه يكون معه اثنان، قد خبأ أحدهما وهو المذبوح وأظهر الآخر. قالوا: وقد كان سحر سحرة فرعون من هذا النوع، فقد كانت العصيّ مجوَّفة، قد ملئت زئبقاً، وكذلك الحبال كانت من أدم (جلد) محشوّة زئبقاً، وقد حفروا تحت المواضع أسراباً وملؤها ناراً، فلمّا طرحت عليها الحبال والعصيّ وحمى الزئبق تحركت، لأنّ من شأن الزئبق إذا أصابته الحرارة أن يتمدّد، فتخيّل الناس أنّ هذه الحبال والعصي تتحرك وتسير.
ثانياً: الكهانة والعرافة بطريق التواطؤ وذلك كما يفعله بعض العَرّافين
стр. 56
والكُهان حيث يوكلون أناساً بالاطلاع على أسرار الناس، حتى إذا جاء أصحابها أخبروهم بها، ويزعمون أنها من حديث الجنّ والشياطين لهم، وأنهم يتصلون بهم ويطيعونهم بواسطة الرّقي، والعزائم، وأن الشياطين تخبرهم بالمغيبات فيصدقهم الناس، وما هي إلا مواطأة مع أشخاص قد أعدّوهم لذلك.
قال الجصاص: كانت أكثر مخاريق الحلاّج بالمواطأة، فكان يتفق مع جماعة فيضعون له خبزاً ولحماً وفاكهة في مواضع يعيّنها لهم، ثمّ يمشي مع أصحابه في البرية، ثم يأمر بحفر هذه المواضع، فيخرج ما خبئ من الخبز واللحم والفاكهة، فيعدّونها من الكرامات.
ثالثاً: وضربٌ آخر من السّحر عن طريق النميمة، والوشاية، والإفساد من وجوه خفيّة لطيفة، وذلك عام شائع في كثير من الناس. . وقد حُكي أنّ امرأة أرادت إفساد ما بين زوجين، فجاءت إلى الزوجة فقالت لها: إنّ زوجك معرضٌ عنك، وهو يريد أن يتزوج عليك، وسأسحره لك حتى لا يرغب عنك، ولا يريد سواك، ولكن لا بد أن تأخذي من شعر حلقه بالموسى ثلاث شعرات إذا نام وتعطينيها حتّى يتم سحره، فاغترت المرأة بقولها وصدقتها، ثمّ ذهبت إلى الرجل وقالت له: إن امرأتك قد أحبّت رجلاً وقد عزمت على أن تذبحك بالموسى عند النوم لتتخلص منك، وقد أشفقت عليك ولزمني نصحك، فتيقّظ لها هذه الليلة وتظاهر بالنوم فستعرف صدق كلامي، فلما جاء الليل تناوم الرجل في بيته فجاءت زوجته بالموسى لتحلق بعض شعرات من حلقه، ففتح الرجل عينه فرآها وقد أهوت بالموسى إلى حلقه، فلم يشكّ في أنها أرادت قتله فقام إليها فقتلها، فبلغ الخبر إلى أهلها فجاءوا فقتلوه، وهكذا كان الفساد بسبب الوشاية والنميمة.
رابعاً: وضرب آخر من السحر وهو الاحتيال وذلك بإطعام الإنسان بعض الأدوية المؤثرة في العقل، أو إعطائه بعض الأغذية التي لها تأثير على
стр. 57
الفكر والذكاء، كإطعامه (دماغ الحمار) الذي إذا أطعمه إنسان تبلّد عقله، وقلّت فطنته مع أدوية أخرى معروفة في كتب الطب، فإذا أكله الإنسان تصرّف تصرفاً غير سليم فيقول الناس: به مسّ أو أنه مسحور.
فأنت ترى أنهم يُرجعون السحر إمّا إلى تمويه وتخييل، وإمّا إلى مواطأة، وإمّا إلى سعي ونميمة، وإمّا إلى احتيال، ولا يرون الساحر يقدر على شيء ممّا يثبته له الآخرون من التأثير في الأجسام، ومن قطع المسافات البعيدة في الزمن اليسير.
قال أبو بكر الجصاص: وحكمةٌ كافية تبيّن لك أن هذا كله مخاريق وحيل، لا حقيقة لما يدّعون لها أنّ الساحر والمعزّم لو قدرا على ما يدعيانه من النفع والضرر، وأمكنهما الطيران، والعلم بالغيوب، وأخبار البلدان النائية، والخبيثات والسّرَق، والإضرار بالناس من غير الوجوه التي ذكرنا، لقدروا على إزالة الممالك واستخراج الكنوز، والغلبة على البلدان بقتل الملوك بحيث لا ينالهم مكروه، ولا ستغنوا عن الطلب لما في أيدي الناس.
فإذا لم يكن كذلك، وكان المدّعون لذلك أسوأ الناس حالاً، وأكثرهم طمعاً واحتيالاً، وتوصلاً لأخذ دراهم الناس وأظهرهم فقراً وإملاقاً علمتَ أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك «.
أدلة المعزلة:
استدل المعتزلة على أن السحر ليس له حقيقة بعدة أدلة نوجزها:
أ - قوله تعالى: ﴿سحروا أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم﴾ [الأعراف: ١١٦] .
ب - قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى﴾ [طه: ٦٦] .
ج - قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] .
стр. 58
فالآية الأولى: تدل على أن السحر إنما كان للأعين فحسب، والثانية: تؤكد أنَّ هذا السحر كان تخييلاً لا حقيقة، والثالثة: تثبت أن الساحر لا يمكن أن يكون على حق لنفي الفلاح عنه.
د - وقالوا: لو قدر الساحر أن يمشي على الماء، أو يطير في الهواء، أو يقلب التراب إلى ذهب على الحقيقة، لبطل التصديق بمعجزات الأنبياء، والتبس الحق بالباطل، فلم يعد يعرف (النبي) من (الساحر) لأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء، وفعل السحرة، وأنه جميعه من نوع واحد.
أدلة الجمهور:
واستدل الجمهور من العلماء على أنّ السحر له حقيقة وله تأثير بعدة أدلة نوجزها فيما يلي:
أ - قوله تعالى: ﴿سحروا أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١٦٦] .
ب - قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
ج - قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ [البقرة: ١٠٢] .
د - قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ [الفلق: ٤] .
فالآية الأولى دلّت على إثبات حقيقة السحر بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١٦٦] والآية الثانية أثبتت أن السحر كان حقيقياً حيث أمكنهم بواسطته أن يفرّقوا بين الرجل وزوجه، وأن يوقعوا العداوة والبغضاء بين الزوجين فدلت على أثره وحقيقته، والآية الثالثة أثبتت الضرر للسحر، ولكنّه متعلق بمشيئة الله، والآية الرابعة تدل على عظيم أثر السحر حتى أمرنا أن نتعوذ بالله من شرّ السّحرة الذين ينفثون في العقد.
هـ - واستدلوا بما روي «أن يهودياً سحر النبي ﷺ َ فاشتكى لذلك أياماً،
стр. 59
فأتاه جبريل فقال: إنّ رجلاً من اليهود سحرك، عقد لك عقداً في بئر كذا وكذا، فأرسل ﷺ َ فاستخرجها فحلّها، فقام كأنّما نَشِطَ من عقال» .
الترجيح: ومن استعراض الأدلة نرى أنّ ما ذهب إليه الجمهور أقوى دليلاً فإن السحر له حقيقة وله تأثير على النفس، فإن إلقاء البغضاء بين الزوجين، والتفريق بين المرء وأهله الذي أثبته القرآن الكريم ليس إلا أثراً من آثار السحر، ولو لم يكن للسحر تأثير لما أمر القرآن بالتعوذ من شرّ النفاثات في العقد، ولكنْ كثيراً ما يكون هذا السحر بالاستعانة بأرواح شيطانية فنحن نقر بأنّ له أثراً وضرراً ولكنّ أثره وضرره لا يصل إلى الشخص إلاّ بإذن الله، فهو سبب من الأسباب الظاهرة، التي تتوقف على مشيئة مسبّب الأسباب، ربّ العالمين جل وعلا.
وأما استدلالهم: بأنه يلتبس الأمر بين (المعجزة) و (السحر) إذا أثبتنا للسّحر حقيقة فنقول: إنّ الفرق بينهما واضح فإنّ معجزات الأنبياء ﵈ هي على حقائقها، وظاهرُها كباطنها، وكّلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها، وأما السّحر فظاهره غير باطنه، وصورته غير حقيقته، يعرف ذلك بالتأمل والبحث، ولهذا أثبت القرآن الكريم للسحرة أنهم استرهبوا الناس وجاءوا بسحرٍ عظيم، مع إثباته أَنّ ما جاءوا به إنما كان عن طريق التمويه والتخييل.
قال العلامة القرطبي: «لا ينكر أحدٌ أن يظهر على يد الساحر خرق العادات، بما ليس في مقدور البشر، من مرضٍ، وتفريق، وزوال عقل، وتعويج عضو، إلى غير ذلك ممّا قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات البشر.
قالوا: ولا يبعد في السحر أن يستدقّ جسم الساحر حتى يلج في الكُوّات،
стр. 60
والخوخات، والانتصاب على رأس قصبة، والجري على خيط مستدق، والطيران في الهواء، والمشي على الماء، وركوب كلب وغير ذلك، ومع ذلك فلا يكون السحر موجباً لذلك، ولا علةً لوقوعه، ولا سبباً مولوداً، ولا يكون الساحر مستقلاً به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء، ويحدثها عند وجود السحر، كما يخلق الشبع عند الأكل، والرّيّ عند شرب الماء.
ثم قال: قد أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده من إنزال الجراد، والقمل، والضفادع وفلق البحر، وقلب العصا، وإحياء الموتى، وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل ﵈، فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر.
وقال أبو حيان: واختلف في حقيقة السحر على أقوال:
الأول: أنه قلب الأعيان واختراعها بما يشبه المعجزات والكرامات كالطيران، وقطع المسافات في ليلة.
الثاني: أنه خدع وتمويهات وشعوذة لا حقيقة لها وهو قول المعتزلة.
الثالث: أنه أمرٌ يأخذ بالعين على جهة الحيلة، كما كان فعل سحرة فرعون حيث كانت حبالهم وعصيّهم مملوءة زئبقاً، فجّروا تحتها ناراً فحميت الحبال والعصي فتحرّكت وسعت.
الرابع: أنه نوع من خدمة الجن والاستعانة بهم، وهم الذين استخرجوه من جنس لطيف فلطف ودق وخفي.
الخامس: أنه مركب من أجسام تُجمع وتحرق، ويتلى عليها أسماء وعزائم، ثم تستعمل في أمور السحر.
السادس: أن أصله طلسمات تبنى على تأثير خصائص الكواكب، أو
стр. 61
استخدام الشياطين لتسهيل ما عسُر.
السابع: أنه مركّب من كلمات ممزوجة بكفر، وقد ضمّ إليها أنواع من الشعبذة، والنازنجيات، والعزائم، وما يجري مجرى ذلك.
ثم قال: وأما في زماننا الآن فكلما وقفنا عليه في الكتب فهو كذب وافتراء، ولا يترتب عليه شيء، ولا يصح منه شيء البتة، وكذلك العزائم وضرب المندل، والناس يصدقون بهذه الأشياء ويصغون إلى سماعها.
الحكم الثاني: هل يباح تعلّم السحر وتعليمه؟
ذهب بعض العلماء: إلى أن تعلُّم السحر مباح، بدليل تعليم الملائكة السحر للناس كما حكاه القرآن الكريم عنهم، وإلى هذا الرأي ذهب (الفخر الرازي) من علماء أهل السنة.
وذهب الجمهور: إلى حرمة تعلم السحر، أو تعليمه، لأنّ القرآن الكريم قد ذكره في معرض الذمّ، وبيّن أنه كفر فكيف يكون حلالاً؟
كما أن الرسول ﵊ ُ عدّه من الكبائر الموبقات كما في الحديث الصحيح وهو قوله صلوات الله عليه:
«اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا وما هنّ يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
قال الألوسي: «وقيل إنّ تعلمه مباح، وإليه مال الإمام الرازي قائلاً: اتفق المحقّقون على أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور، لأن العلم لذاته شريف لعموم قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]
стр. 62
ولو لم يُعْرف السحر لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، فكيف يكون تعلمه حراماً وقبيحاً؟
ونقل بعضهم وجوب تعلمه على المفتي حتى يعلم ما يقتل به وما لا يقتل به، فيفتي به في وجوب القصاص» . انتهى.
ثم قال الألوسي: «والحق عندي الحرمة تبعاً للجمهور، إلاّ لداعٍ شرعي، وفيما قاله الإمام الرازي ﵀ نظر:
أمّا أولاً: فلأنا لا ندّعي أنه قبيح لذاته، وإنما قبحه باعتبار ما يترتب عليه، فتحريمه من باب (سد الذرائع) وكم من أمرٍ حَرُم لذلك.
وأمّا ثانياً: فلأنّ توقف الفرق بينه وبين المعجزة على العلم به ممنوعٌ، ألا ترى أن أكثر العلماء - أو كلّهم - عرفوا الفرق بينهما ولم يعرفوا علم السحر، ولو كان تعلمه واجباً لرأيت أعلم الناس به الصدر الأول.
وأما ثالثاً: فلأن ما نُقل عن بعضهم غير صحيح، لأنّ إفتاء المفتي بوجوب القَوَد أو عدمه لا يستلزم معرفته علم السحر، لأن صورة إفتائه - على ما ذكره العلامة ابن حجر - إنْ شهد عدلان عرفا السحر وتابا منه أنه يقتل غالباً قُتل الساحر، وإلاّ لم يُقتل.
وقال أبو حيان: وأما حكم السحر، فما كان منه يُعظّم به غير الله من الكواكب، والشياطين، وإضافة ما يُحدثه الله إليها فهو كفر إجماعاً، لا يحلّ تعلمه ولا العمل به، وكذا ما قصد بتعلمه سفك الدماء، والتفريق بين الزوجين والأصدقاء.
وأما إذا كان لا يعلم منه شيء من ذلك بل يحتمل فالظاهر أنه لا يحل تعلمه، ولا العمل به، وما كان من نوع التخييل، والدّجل، والشعبذة فلا ينبغي تعلمه لأنه من باب الباطل، وإن قصد به اللهو واللعب وتفريج الناس
стр. 63
على خفة صنعته فيكره.
الحكم الثالث: هل يُقتل الساحر؟
قال أبو بكر الجصاص: اتفق السلف على وجوب قتل الساحر، ونصَّ بعضهم على كفره لقوله ﵊ ُ: «من أتى كاهناً أو عرافاً أو ساحراً فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد» .
واختلف فقهاء الأمصار في حكمه:
فروي عن أبي حنيفة أنه قال: الساحرُ يُقتل إذا عُلم أنه ساحر ولا يستتاب، ولا يقبل قوله إني أترك السحر منه، فإذا أقر أنه ساحر فقد حلّ دمه، وكذلك العبد المسلم، والحر الذميّ من أقر منهم أنه ساحر فقد حلّ دمه، وهذا كله قول أبي حنيفة.
قال ابن شجاع: فحَكَمَ في الساحر والساحرة حكم المرتد والمرتدة، وقال - نقلاً عن أبي حنيفة - إنّ الساحر قد جمع مع كفره السعيَ في الأرض بالفساد، والساعي بالفساد إذا قتَلَ قُتل.
وروي عن مالك في المسلم إذا تولّى عمل السحر قتل ولا يستتاب، لأنّ المسلم إذا ارتد باطناً لم تعرف توبته بإظهاره الإسلام، فأمّا ساحر أهل الكتاب فإنه لا يقتل عند مالك إلاّ أن يضر المسلمين فيقتل.
وقال الشافعي: لا يكفر بسحره، فإن قتَل بسحره وقال: سحري يقتل مثله، وتعمدت ذلك قتل قوداً، وإن قال: قد يقتل، وقد يخطئ لم يُقتل وفيه الدية.
وقال الإمام أحمد: يكفر بسحره قتل به أو لم يقتل، وهل تقبل توبته؟ على روايتين، فأمّا ساحر أهل الكتاب فإنه لا يُقتل إلا أن يضر بالمسلمين.
стр. 64
والخلاصة: فإنّ أبا حنيفة يذهب إلى كفر الساحر، ويبيح قتله ولا يستتاب عنده، والساحر الكتابي حكمه كالساحر المسلم. والشافعي يقول: بعدم كفره ولا يقتل عنده إلا إذا تعمّد القتل.
ومالك يرى قتل الساحر المسلم لا ساحر أهل الكتاب ويحكم بكفر الساحر ولكلٍ وجهه هو مولّيها. .
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - التوراة كتاب الله الذي أنزله على موسى ﵇ والقرآن مصدّق للتوراة.
٢ - نبذ اليهود (التوراة) ولم يعملوا بما فيها كما نبذ أخلافهم القرآن الكريم.
٣ - سليمان ﵇ كان نبياً ملكاً. ولم يكن ساحراً محترفاً للسحر.
٤ - الشياطين زينوا للناس السحر، وأوهموهم أنهم يعلمون الغيب.
٥ - السحر له حقيقة وتأثير على النفس، حتى يستطيع الشخص بواسطته أن يفرق بين الرجل وأهله.
٦ - الله جل ثناؤه يختبر عباده بما شاء من الأمور ابتلاءً وتمحيصاً.
٧ - من تبدل السحر بكتاب الله فليس له في الآخرة نصيب من رحمة الله.
٨ - مدار الثواب والجزاء في الآخرة هو الإيمان بالله تعالى وإخلاص العمل له.
стр. 65
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
لقد حرص الإسلام في كل تشريعاته على سلامة العقيدة في قلب المسلم. ليكون دائماً وأبداً متصلاً بالله، معتمداً عليه، مقراً له بالربوبية، مستعيناً به على شدائد هذه الحياة، لا يتوجه لغيره في دعاء، ولا يقر لسواه بأي تأثير، أو تحكم في قانون من قوانين الطبيعة التي خلقها الله تعالى، وسيَّرها بعلمه، وقدرته، وإرادته.
فالنجوم، والكواكب مسخرات بأمره - كغيرها من خلق الله - تسير وفق الخط المرسوم لها من الأزل، لا تؤثر حركتها على الإنسان الذي خلقه الله تعالى على هذه الأرض وقدّر له أرزاقه، وأعماره، فلا ينتهي عمر إنسان ما بظهور كوكب، أو اختفائه، ولا يزيد رزق امرئ، ولا ينقص عما قدره الله تعالى له، فكل شأن من شؤون الحياة مدبر بأمر الله.
فإن زعم إنسان أنه يعلم الغيب باتصاله بالكواكب، وتعظيمه لها. أو اتصاله بالجن والشياطين، ويستطيع بذلك أن يؤثر في قوانين هذه الحياة ويحكم في مسيرتها الطبيعية بما يخرجها عمّا رسم لها، يكون بذلك قد خالف شرعة الله التي أوضحها في كتابه، وتجاوز الحدود التي وضعت له، وخرج عن قانون الحنيفية السمحة، فلا جرم أن يحكم عليه بالكفر لتعظيمه غير الله، واستعانته بغير الخالق وإثباته التأثير في خلق الله لغير البارئ - والأذى بالناس، وقد يصل بذلك إلى التفريق بين المرء وزوجه، ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا بإذن الله تعالى.
стр. 66
وإذا كان السحر كفراً، وخروجاً عن شرعة الإسلام، فلا يمكن أن يوصف أحد من رسل الله تعالى بأنه ساحر، أو أنه كان يحكم بالسحر، ويأتي بالخوارق والمعجزات بهذا الأمر، ولهذا جاء القرآن كتاب الله المبين منزهاً سليمان بن داود ﵇ عن أن يكون ساحراً، أو حاكماً بالسحر، أو آمراً به، فما زعمته بنو إسرائيل عن النبي الكريم - سليمان ﵇ زعم كاذب، وقول باطل، يدل على جهلهم، بل على ضلالهم عن سواء السبيل، وبعدهم عن الصراط المستقيم، فهم لم يعرفوا الله حق معرفته، ولم يعلموا ما يجب في حق الرسل ﵈ وما يستحيل، فالرسل الكرام منزهون عن الاستعانة بالشياطين، وإنما كان الجن مسخرين لسليمان ﵇ بأمر الله تعالى لا بالسحر.
هذا هو شرع الله المتين، تنزيهٌ لله عن أن يشركه أحد من خلقه في التأثير، وتنزيهٌ لرسله الكرام عما يبعدهم عن سواء السبيل، وبيانٌ للمسلم عما يجب أن يعتقده.
стр. 67
[٢] النسخ في القرآن
التحليل اللفظي
﴿نَنسَخْ﴾ : النسخُ يأتي بمعنى (الإزالة) تقول العرب: نسخت الشمسُ الظلّ أي أزالته، ومنه قوله تعالى: ﴿فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشيطان﴾ [الحج: ٥٢] أي يزيل ما يلقيه الشيطان.
стр. 68
ويأتي بمعنى (النقل) من موضع، ومنه قولهم: نسختُ الكتاب أي نقلت ما فيه من مكان إلى مكان أي نقلته إلى كتاب آخر، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] .
ويأتي بمعنى (التبديل) تقول: نسخَ القاضي الحكم أي بدّله وغيّره، ونسخ الشارع السورة أو الآية أي بدّلها بآية أخرى، وإليه يشير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]
ويأتي بمعنى (التحويل) كتناسخ المواريث من واحد إلى واحد، هذا من حيث اللغة.
وأما في الشرع: فهو انتهاء الحكم المستنبط من الآية وتبديله بحكم آخر، وقد عرّفه الفقهاء والأصوليون بتعريفات كثيرة نختار منها أجمعها وأخصرها، وهو ما اختاره ابن الحاجب حيث قال ﵀.
«النسخ: هو رفع الحكم الشرعي، بدليل شرعيّ متأخر» .
﴿نُنسِهَا﴾ : نُنسها من النسيان الذي هو ضد الذكر أي نمحها من القلوب، فالنسيان بمعنى الذهاب من الذاكرة وهو مروي عن قتادة.
وقيل: من النسيان بمعنى الترك على حدّ قوله تعالى: ﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي تركوا أمره فتركهم في العذاب. ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ كذلك أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى﴾ [طه: ١٢٦] وهو مروي عن ابن عباس.
قال ابن عباس: أي نتركها فلا نبدّلها ولا ننسخها.
وحكى الأزهري: نُنْسها: أي نأمرُ بتركها، يقال: أنسيتُه الشيء أي أمرتُ بتركه، ونسيتُه تركته، قال الشاعر:
стр. 69
إنّ عليّ عُقْبَة أقضيها ... لستُ بناسِيْها ولا مُنْسِيها
وأما قراءة (نَنْسَأها) بالهمز، فهو من النسأ بمعنى التأخير، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النسياء زِيَادَةٌ فِي الكفر﴾ [التوبة: ٣٧] ومنه سمي بيع الأجل نسيئة.
وقال أهل اللغة: أنسأ الله أجله، ونسأ في أجله، أي أخرّ وزاد.
قال الألوسي: «وقرئ (ننسأها) وأصلها من نسأ بمعنى أخّر، والمعنى نؤخرها في اللوح المحفوظ فلا ننزلها، أو نُبعدها عن الذهن بحيث لا يتذكر معناها ولا لفظها، وهو معنى (نُنْسها) فتتحّد القراءتان» .
﴿بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ : أي بأفضل منها، ومعنى فضلها: سهولتها وخفتها.
والمعنى: نأت بشيء هو خير للعباد منها، أو أنفع لهم في العاجل والآجل.
قال القرطبي: لفظة «خير» هنا صفة تفضيل، والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف، وفي آجل إن كانت أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية.
﴿وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ : الوليّ معناه القريب والصديق، مأخوذ من قولهم: وليتُ أمر فلان أي قمتُ به، ومنه وليّ العهد: أي القيّم بما عهد إليه من أمر المسلمين.
والنصيرُ: المعين مأخوذ من قولهم: نصره إذا أعانه.
قال الإمام الفخر: وأمّا الولي والنصير فكلاهما (فعيل) بمعنى (فاعل)
стр. 70
على وجه المبالغة.
والمعنى: ليس لكم ناصر يمنعكم من العذاب.
﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ : «أم» تأتي: متصلة، ومنقطعة، فالمتصلة هي التي تقدمها همزة استفهام كقوله تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] وأما المنقطعة فهي بمعنى (بل) كقول العرب (إنها الإبل أم شاء) كأنه قال: بل هي شاء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ [السجدة: ٣] أي بل يقولون.
ومثله قول الأخطل:
كذبتكَ عينكَ أم رأيت بواسطٍ ... غلسَ الظَّلام من الربَابِ خيَالاً
قال القرطبي: «هذه (أم) المنقطعة التي بمعنى بل، أي بل أتريدون ومعنى الكلام التوبيخ» .
﴿يَتَبَدَّلِ الكفر﴾ : يقال: بدّل، تبدّل، واستبدل أي جعل شيئاً موضع آخر، والمراد اختيار الكفر بدل الإيمان كما قال تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ [البقرة: ١٧٥] .
﴿سَوَآءَ السبيل﴾ : السواءُ من كل شيء: الوسطُ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥] أي وسط الجحيم.
والسبيلُ في اللغة: الطريقُ، والمراد به طريق الاستقامة.
ومعنى الآية: من يختر الكفر والجحود بالله ويفضله على الإيمان، فقد حاد عن الحق، وعدل عن طريق الاستقامة، ووقع في مهاوي الردي.
стр. 71
وجه الارتباط بالآيات السابقة
بعد أن بيّن حقيقة الوحي، ورق على المكذّبين به والكارهين له جملةً وتفصيلاً، ذكر هنا سرَّ النسخ، وأبطل مقال الطاعنين فيه، بأنه تعالى يأمر بالشيء لما يكون فيه من المصلحة للعباد، ثمّ ينهى عنه لما يرى فيه من الخير لهم، فهو أعلم بمصالح عباده، وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبّدهم بها، وشرعها لهم، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال، والأزمنة والأشخاص، فينبغي تسليم الأمر لله، وعدم الاعتراض عليه، لأنه هو الحكيم العليم.
المعنى الإجمالي
يقول الله جل ثناؤه ما معناه:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ : أي ما نبدّل من حكم آية فنغيّره، أو نترك تبديله فنقره بحاله، نأت بخير لكم منها - أيها المؤمنون - في العاجل أو الآجل إمّا برفع مشقة عنكم، أو بزيادة الأجر لكم والثواب، أو بمثلها في الفائدة للعباد، ألم تعلموا أيها الناس أن الله عليم، حكيم، قدير، لا يصدر منه إلا كل خير وإحسان، وأنه - جل وعلا - شرع هذه الملة الحنيفية السمحة، ليرفع عن عباده الأغلال والآصار؟!
فلا تظنّوا أنّ تبديله للأحكام لعجزٍ في القدرة، أو جهل في المصلحة، وإنما تغييرها يرجع إلى منفعة العباد، فهو المالك المتصرف في شؤون الخلق، يحكم بما شاء، ويأمر بما شاء، ويبدّل وينسخ الأحكام حسب ما يريد، وما لكم أيها الناس سوى وليّ يرعى شؤونكم، أو ناصر ينصركم، فلا تثقوا بغيره، ولا تعتمدوا إلا عليه، فهو نعم الناصر والمعين.
стр. 72
أتريدون - أيها المؤمنون - أن تسألوا رسولكم، نظير ما سأل قوم موسى من قبل؟ ﴿فتضلّوا كما ضلّوا، ويكون مثلكم مثل اليهود الذين سألوا نبيّهم تعنتاً واستكباراً فقالوا:
﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وطلبوا منه ما لا يسوغ طلبه حيث قالوا: ﴿اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فهل يليق بكم أن تتعنتوا مع نبيكم، وتقترحوا عليه ما تشتهون، فتصبحوا كاليهود الضالين؟﴾
ومن يستبدل الكفر بالإيمان، والضلالة بالهدى، فقد حاد عن الجادة، وعدل عن طريق الاستقامة، وتردّى في مهاوي الهلاك، وخسر نفسه حيث عرّضها لعذاب الله الأليم.
سبب النزول
أ - روي أن اليهود قالوا: ألا تعجبون لأمر محمداً؟ يأمر أصحابه بأمرٍ ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً، فما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، يناقض بعضه بعضاً فنزلت ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ... ﴾ الآية.
ب - روي الفخر الرازي عن ابن عباس ﵄ أنه قال:
«إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله ﷺ َ في رهط من قريش فقالوا يا محمد: والله لا نؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون
стр. 73
لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزّل علينا كتاباً من الله أنك رسوله فأنزل الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ ... ﴾ [البقرة: ١٠٨] .
ج - وروي عن مجاهد أن قريشاً سألت محمداً ﵊ ُ أن يجعل لهم الصفا ذهباً فقال: نعم، وهو كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم، فأبوا ورجعوا فأنزل الله ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ ... ﴾ .
وجوه القراءات
١ - قرأ الجمهور ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ بفتح النون من نسخ الثلاثي، وقرأ ابن عامر (نُنْسخ) بضم النون وكسر السين من أنسخ الرباعي.
قال الطبرسي:» لا يخلو من أن يكون (أَفْعل) لغة في (فَعَل) نحو بدأ وأبدأ، وحلّ من إحرامه وأحلّ، أو تكون الهمزة للنقل نحو ضرب وأضربته، والوجه الصحيح هو الأول وهو أن يكون نسخ وأنسخ لغتين متفقتين في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ، وقول من فتح النون (نَنْسخ) أبينُ وأوضح.
٢ - قرأ الجمهور (نُنْسِها) بضم النون الأولى وكسر السين من النسيان الذي هو ضد الذكر، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (نَنْسأها) بفتح النون والسين وإثبات الهمزة من النسأ وهو التأخير من قولهم: نسأتُ الإبل عن الحوض إذا أخرتها، ومنه قولهم: أنسأ الله أجلك.
стр. 74
وجوه الأعراب
١ - قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ .
قال ابن قتيبة: أراد أو (نُنْسكها) من النسيان. (ما) شرطية جازمة و (ننسخ) مجزوم لأنه فعل الشرط، و (مِنْ) صلة تأدباً، و (آية) مفعول ل (ننسخ) والمعنى: ما ننسخ آية قال ابن مالك:
وزيدَ في نفي وشبهِهِ فجَرّ ... نكرةً كما لباغٍ من مفر
و (نُنسها) معطوف على (ننسخ) والمعطوف على المجزوم مجزوم، و (نأت) جواب الشرط حذف منه حرف العلة، و (بخيرٍ) جار مجرور متعلق بنأت.
قال العكبري: ومن قرأ بضم النون (نُنْسها) حمله على معنى نأمرك بتركها وفيه مفعول محذوف والتقدير: نُنْسكها.
٢ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
الهمزة للتقرير كما في قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] والخطابُ للنبي ﵊ ُ، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سادّ مسدّ مفعولي (تعلم) عند الجمهور، ومحل المفعول الأول عند الأخفش، والمفعول الثاني محذوف.
٣ - قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن
стр. 75
قَبْلُ﴾ أم منقطعة للإضراب ومعناها (بل) والتقدير: بل أتريدون، ﴿كَمَا سُئِلَ﴾ الكاف في موضع نصب صفة لمصدر محذوف أي سؤالاً كسؤال، و (ما) مصدرية.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: ذكر الله تعالى النسخ في القرآن، وبيّن حكمته، وهو الإتيان بما هو خير للعباد، والخيرية تحتمل وجهين:
الأول: ما هو أخف على البشر من الأحكام.
الثاني: ما هو أصلح للناس من أمور الدنيا والدين.
قال القرطبي: والثاني أولى لأنه سبحانه يصرّف المكلّف على مصالحه، لا على ما هو أخف على طباعه، فقد ينسخ الحكم إلى ما هو أشد وأثقل، كنسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، وذلك لخير العباد، لأنه يكون أكثر ثواباً، وأعظم جزاءً، فتبيّن أنّ المراد بالخيرية ما هو أصلح للعبد.
اللطيفة الثانية: أنكر بعض العلماء أن تحمل الآية (أو نُنْسها) على النسيان ضد الذكر، لأنّ لم يكن للنبي ﷺ َ حيث تكفّل الله جلت قدرته بأن يقرئه فلا ينسى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تنسى﴾ [الأعلى: ٦] ، فهذه الآية تعارض التفسير السابق الذي ذهب إليه المفسّرون.
والجواب كما قال ابن عطية: أن هذا النسيان من النبي ﷺ َ لما أراد الله أن ينساه جائز شرعاً وعقلاً، وأمّا النسيان الذي هو آفة البشر فالنبي معصوم منه قبل التبليغ وبعده حتى يحفظه بعض الصحابة، ومن هذا ما روي «أن النبي
следующие страницы →