Полный текст (1 222 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
حكمة التشريع
يعتبر القذف جريمة من الجرائم الشنيعة التي حاربها الإسلام حرباً لا هوادة فيه، فإن اتهام البريئين والوقوع في أعراض الناس، والخوض في (المحصنات الحرائر) العفيفات، يجعل المجال فسيحاً لكل من شاء أن يقذف بريئة أو بريئاً بتلك التهمة النكراء، فتصبح أعراض الأمَّة مجرحة وسمعتها ملوثة وإذا كل فرد منها متهم أو مهدد بالاتهام، وإذا كلُّ زوج فيها شاك في زوجه وأهله وولده.
وجريمة القذف والاتهام للمحصنات تولِّد أخطاراً جسيمة في المجتمع، فكم من فتاة عفيفة شريفة لاقت حتفها لكلمة قالها قائل، فصدقها فاجر، فوصل خبرها إلى الناس ولاكتها الألسن فكان أن أقدم أقرباؤها وذووها على قتلها لغسل العار، ثم ظهرت حصانتها وعفتها عن طريق (الكشف الطبي) ولكن بعد أن حصل ما حصل وفات الأوان.
لذلك وصيانةً للأعراض من التهجم، وحمايةً لأصحابها من إهدار الكرامة، قطع الإسلام ألسنة السوء، وسدَّ الباب على الذين يلتمسون للبرآء العيب، فمنع ضعاف النفوس من أن يجرحوا مشاعر الناس، ويلغوا في أعراضهم.
وشدَّد في عقوبة القذف فجعلها قريبة من عقوبة الزنى (ثمانين جلدة) مع إسقاط الشهادة، والوصف بالفسق.
والعقوبة الأولى (جسدية) تنال البدن والجسد، والثانية (أدبية) تتعلق بالناحية المعنوية بإهدار كرامته وإسقاط اعتباره، فكأنه ليس بإنسان لأنه لا يوثق بكلامه ولا يقبل قوله عند الناس، والثالثة (دينية) حيث أنه فاسق خارج عن طاعة الله، وكفى بذلك عقوبة لذوي النفوس المريضة، والضمائر الميِّتة.
وقد اعتبر الإسلام (قذف المحصنات) من الكبائر الموجبة لسخط الله
стр. 667
وعذابه، وأوعد المرتكبين لهذا المنكر بالعذاب الشديد في الدنيا والآخرة فقال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات لُعِنُواْ فِي الدنيا والآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣] وجعل الولوغ في أعراض الناس ضرباً من (إشاعة الفاحشةِ) يستحق فاعلة العذاب الشديد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِي الذين آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدنيا والآخرة﴾ [النور: ١٩] وقد عدّها ﵊ ُ من الكبائر المهلكات فقال صلوات الله عليه: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا وما هنَّ يا رسول الله؟ قال: «الشِّركُ بالله، والسحرُ، وقتلُ النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكلُ الربا، وأكلُ مال اليتيم، والتولي يومَ الزَّحف، وقذفُ المحصنات المؤمنات الغافلات» .
وغرضُ الإسلام من هذه العقوبة صيانة الأعراض، وحفظ كرامة الأمة، وتطهير المجتمع من مقالة السوء لتظل (الأسرة المسلمة) موفورة الكرامة، مصونة الجناب، بعيدة عن ألسنة السفهاء، وبهتان المغرضين.
стр. 668
[٣] اللعان بين الزوجين
﴿يَرْمُونَ﴾ : أي يتهمون أزواجهم بالفاحشة، ويقذفونهن بالزنى، وقد تقدم معنى الرمي في الآية السابقة وأن المراد به القذف بالزنى بقرينة اشتراط الأربعة من الشهداء وهنا اشترط أربع شهادات أيضاً.
стр. 669
﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ : جمع زوج بمعنى (الزوجة) فإنّ حذف التاء منها أفصح من إثباتها، إلا في الفرائض، قال تعالى: ﴿اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ [الأعراف: ١٩] وأنكر بعضهم اطلاق لفظ زوجة في العربية وقال هي خطأ والصحيح أنها خلاف الأفصح.
﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ : أي الشهادة التي ترفع عنه حدّ القذف أن يحلف أربع مرات بالله أنه صادق فيما رماها به من الزنى والشهادة في اللغة معناها الخبر القاطع، وقد شاع في لسان الشرع استعمال الشهادة بمعنى الإخبار بحق لإنسانٍ على آخر، وتسمى أيضاً بينة.
﴿لَعْنَتَ الله﴾ : أي غضبه ونقمته، وأصل اللعن: الطردُ من رحمة الله كما قال تعالى لإبليس ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لعنتي إلى يَوْمِ الدين﴾ [ص: ٧٨] وسمي اللعان لعاناً لأن فيه ذكر اللعنة.
﴿وَيَدْرَؤُاْ﴾ : أي يدفع والدرء معناه في اللغة: الدفعُ قال تعالى: ﴿فادارأتم فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] أي تخاصمتم في شأنها وأصبح بعضكم يدفع على بعض.
﴿العذاب﴾ : المراد به العذاب الدنيوي وهو الحد (الجلد أو الرجم) الذي شرع عقوبةً للزاني أو الزانية في الآيات المتقدمة.
﴿تَوَّابٌ﴾ : أي كثير التوبة يعود على من رجع عن المعاصي بالرحمة والمغفرة وهي من صِيغِ المبالغة.
﴿حَكِيمٌ﴾ : أي يضع الأشياء في مواضعها ويشرع من الأحكام ما فيه مصلحة العباد. ومعنى الآية: لولا فضله ورحمته لعاجلكم بالعقوبة وفضح الكاذب منكم ولكنه تعالى تواب رحيم.
стр. 670
المعنى الإجمالي
يخبر المولى جل وعلا أن من قذف زوجته بالفاحشة واتهمهما بالزنى ولم يكن لديه بينة تثبت صدقة فيما ادعى ولا شهود يشهدون على صحة ما قال فالواجب عليه أن يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، تقوم مقام الشهداء الأربعة ليدفع عنه (حد القذف) وعليه أيضاً أن يحلف في المرة الخامسة بأن لعنة الله عليه إن كان منالكاذبين في رميه لها بالزنى.
وأما المرأة المقذوفة إذا لم تعترف بالذنب، وأرادت التخلص من إقامة (حد الزنى) فعليها أن تحلف أربعة أيمان بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنى تقوم مقام الشهداء الأربعة في إثبات عفتها، وفي المرة الخامسة عليها أن تحلف بغضب الله وسخطه عليها إن كان زوجها صادقاً في اتهامه لها بالزنى. ثم بين الباري جل وعلا أن هذا التشريع الذي شرعه لعباده وهو تشريع (اللعان بين الزوجين) إنما هو من رحمته بالناس ولطفه بالمذنبين من عباده ولولا ذلك لهتك الستر عنهم ففضحهم وعجّل لهم العقوبة في الدنيا وعذبهم في الآخرة، ولكنه سبحانه رحيم ودود، غفار للذنوب، يقبل توبة العبد إذا أناب
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: ٨٢] .
سبب النزول
أ - أخرج البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس ﵄ أن (هلال بن أمية) قذف امرأته عند النبي ﷺ َ (بشريك بن سحماء) فقال النبي ﷺ َ: «البينة وإلا حد في ظهرك» فقال يا رسول الله: إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ َ يقول: البينة وإلاّ حد في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إنّي لصادق،
стр. 671
ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فأنزل الله ﴿والذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿إِن كَانَ مِنَ الصادقين﴾ فانصرف النبي ﷺ َ فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ َ يقول: «الله يعلم إن أحدكما لكاذب فهل منكما تائب» ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت. . فقال النبي ﷺ َ أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابع الأليتين، خدلَّجَ الساقين فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به كذلك فقال النبي ﷺ َ: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن.
ب - وروى ابن جرير الطبري بسنده إلى ابن عباس ﵄ أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ [النور: ٤] قال سعد بن عبادة: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ لو أتيت لكاع قد تفخّدها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ... فقال رسول الله ﷺ َ: يا معشر الأنصار أما تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟ قالوا: لا تلمه يا رسول الله فإنه رجل غيور ما تزوج فينا قط إلا عذراء ولا طلّق امرأة له فاجترأ رجلٌ منا أن يتزوجها؟ ... قال سعد يا رسول الله: بأبي وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق، ولكن عجبت أن لو وجدت لكاع قد تفخدها رجل لم يكي لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، والله لا آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته فوالله ما لبثوا يسيراً حتى جاء (هلال بن أمية) من حديقة له، فرأى بعينيه وسمع بأذنية ... ثم ذكر قصة هلال السابقة وطريقة اللعان.
стр. 672
ج - وروى ابن عباس ﵄ أن (عاصم بن عدي) الأنصاري قال لأصحابه: «إن دخل رجل منا بيته فوجد رجلاً على بطن امرأته، فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج وإن قتله قُتِلَ به وإن قال وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضُرب، وإن سكت سكت على غيظ اللهم افتح.
. . وكان لعاصمٍ هذا ابن عم يقال له (عويمر) فأتى عويمر عاصماً فقال: لقد رأيت رجلاً على بطن امرأتي ... «وساق الحديث.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: قال الإمام (الفخر الرازي) : إنما اعتبر الشرع اللعان في الزوجات دون الأجنبيات لوجهين:
أ - أنه لا معرّة على الرجل في زنى الأجنبية والأولى له سترهُ، أما زنى الزوجة فيلحقه العار والنسب الفاسد فلا يمكنه الصبر عليه.
ب - إن الغالب المتعارف من أحوال الرجل مع امرأته أنه لا يقصدها بالقذف إلا عن حقيقة فإذا رماها فنفس الرمي يشهد بكونه صادقاً إلاأن شهادة الحال ليست بكاملة فضم إليها ما يقويها من الأيمان.
اللطيفة الثانية: تخصيص (اللعنة) بجانب الرجل، وتخصيص (الغضب) بجانب المرأة، لأن الغضب أشد في العقوبة من اللعنة، والمرأة في اقتارفها جريمة الزنى أسوأ من الرجل في ارتكابه جريمة القذف، لذلك أضيف الغضب إلى المرأة.
стр. 673
ومن جهة أخرى فإن النساء كثيراً ما يستعملن اللعن فربما يجترئن على التفوه به لاعتيادهن عليه وسقوط وقعه من قلوبهن بخلاف غضب الله فتدبره.
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ فيه التفات، وهذا (الالتفات) من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطبين (عليكم) ، وسر هذا الالتفات أنيستوفي مقام الامتنان حقه لأن حال الحضور أتم وأكمل من حال الغيبة، أفاده أبو السعود.
اللطيفة الرابعة: جواب (لولا) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله﴾ موف لتهويل الأمر حتى يذهب الوهم في تقديره كل مذهب فيكون أبلغ في البيان وأبعد في التهويل والإرهاب، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار﴾ [الأنعام: ٢٧] حذف جوابه كذلك للتهويل. أي لرأيت أمراً فظيعاً هائلاً يشيب له الوليد ولا يستطيع أن يعبر عن هوله لسان لأنه فوق الوصف والبيان، وربّ مسكوت عنه أبلغ من منطوق به، ومثل هذا قول عمر: (لو غيرك قالها يا أبا عبيدة) أي لنكلت به وشددت له العقوبة، وتقديره في الآية: لولا فضل الله عليكم لهلكتم، أو لفضحكم، أو لعاجلكم بعقابه.
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ الرحمة تناسب التوبة فلماذا عدل عنها إلى قوله: (تواب حكيم) بدل (تواب رحيم) ؟
والجواب: أن الله حكم باللعان وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده، فلو لم يكن اللعان مشروعاً لوجب على الزوج (حد القذف) ، مع أن الظاهر صدقه وأنه لا يفتري عليها لاشتراكهما في الخزي والعار، ولو اكتفى بشهاداته لوجب عليها (حد الزنى) فكان من الحكمة وحسن النظر
стр. 674
لهما جميعاً أن شرع هذا الحكم ودرأ العذاب عنهما بتلك الأيمان فسبحانه ما أوسع رحمته وأجل حكمته؟
وجوه القراءات
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ﴾ .
. . قرئ: ﴿ولم تكن﴾ بالتاء لأن الشهداء جماعة والجمهور بالياء ﴿ولم يكن﴾ قال أبو حيان وهو الفصيح.
٢ - قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ قرأ حفص والحسن ﴿أربع﴾ بالضم - وقرأ الجمهور ﴿أربعَ﴾ بالفتح نصباً على المصدر.
٣ - قوله تعالى: ﴿لَعْنَتَ الله﴾ و ﴿أَنَّ غَضَبَ الله﴾ بالتشديد وهي قراءة الجمهور وقرأ نافع ﴿أنْ لعنةُ﴾ و ﴿غَضَبُ﴾ بالتخفيف فتكون ﴿أن﴾ مخففة من أن الثقلة واسمها ضمير الشأن، ولكل وجه من وجوه القراءات سند من جهة الإعراب والله أعلم.
وجوه الإعراب
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَاّ أَنفُسُهُمْ﴾ . (شهداء) : اسم كان و (لهم) خبرها، و (إلاّ) أداة حصر، و (أنفسُهم) بدل من شهداء مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
ويصح أن تكون كان تامة والمعنى: ولم يوجد شهداء إلا أنفُسهم، فيكون (شهداء) فاعل، و (أنفسُهم) بدل من شهداء، ومثلها (وإن كان ذو عسرة) أي إن وجد ذو عسرة.
стр. 675
ثانياً: قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ .
(شهادة) مبتدأ، و (أربع) خبره، كما تقول: صلاة العصر أربعُ ركعات. ويجوز أن يكون (شهادة) خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: فالحكم شهادة أحدهم.
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿والخامسة أَنَّ لَعْنَتَ الله عَلَيْهِ﴾ .
(الخامسةُ) مبتدأ، وجملة (أنّ لعنتَ الله) هي الخبر، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما تقدّم.
رابعاً: قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بالله﴾ .
(أن تشهد) أن وما بعدها في تأويل مصدر فاعل ل (يدرأ) وتقديره: ويدرأ عنها العذاب شهادتها، وجملة (إنه لمن الكاذبين) في محل نصب ب (تشهد) إلاّ أنه كسرت الهمزة من (أنّه) لدخول اللام في الخبر.
خامساً: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ .
قال أبو البركات ابن الأنباري: لم يذكر جواب (لولا) إيجازاً واختصاراً لدلالة الكلام عليه، وتقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لعاجلكم بالعقوبة، أو لفضحكم بما ترتكبون من الفاحشة.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: متى يجب اللعان؟
إذا رمى الرجل امرأته بالزنى ولم تعترف بذلك ولم يرجع عن ريمه فقد شرع لهما اللعان ويجب اللعان في حالتين:
стр. 676
أ - الحالة الأولى: إذا رمى امرأته بالزنى كأن يقول لها: زنيتِ أو رأيتك تزنين وليس عنده أربعة شهود يشهدون بما رماها به، وإذا قال لها: يا زانية، فالجمهور أنه يلاعن خلافاً لمالك.
ب - الحالة الثانية: أن ينفي حملها منه فيقول: هذا الحمل ليس مني أو ينفي ولداً له منها.
الحكم الثاني: هل اللعان يمين أم شهادة؟
اختلف الفقهاء في اللعان هل هو يمين أم شهادة على مذهبين:
أ - المذهب الأول: أنه شهادة فيأخذ أحكام الشهادة وهو مذهب الإمام أبي حنيفة.
ب - المذهب الثاني: أنه يمين وليس بشهادة فيأخذ أحكام اليمين وهو مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) .
أدلة الأحناف:
١ - استدل الأحناف على أن اللعان شهادة بقوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بالله﴾ وقالوا الملاعن يقول في لعانه: أشهد بالله فدل على أنه شهادة.
٢ - واستدلوا بحديث ابن عباس المتقدم في قصة (هلال بن أمية) وفيه: (فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ َ يقول: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت)
الحديث وفيه لفظ الشهادة صراحة.
٣ - وقالوا: إن كلمات الزوج في اللعان قائمة مقام الشهود، فتكون هذه الألفاظ شهادة.
أدلة الجمهور:
١ - واستدل الجمهور بأن لفظ الشهادة قد يراد به (اليمين) بقوله تعالى: ﴿إِذَا
стр. 677
جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله﴾ [المنافقون: ١] ثم قال تعالى: ﴿اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] فسمى الشهادة يميناً.
٢ - واستدلوا بقوله سبحانه (أربع شهادات بالله) فقد قرن لفظ الجلالة (الله) بالشهادة فدل على أنه أراد بها اليمين، وشهادة الإنسان لنفسه لا تقبل بخلاف يمينه.
٣ - واستدلوا بما ورد في بعض روايات حديث ابن عباس من قوله ﷺ َ: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» .
والخلاصة: فإن الأحناف يقولون: ألفاظ اللعان شهادات مؤكدات بالأيمان ... والجمهور يقولون: إنها أيمان مؤكدة بالشهادة وردت بهذه الصيغة للتغليظ. فالأولون غلّبوا جانب الشهادة والآخرون غلبوا جانب اليمين.
الحكم الثالث: هل يجوز اللعان من الكافر والعبد والمحدود في القذف؟
وبناء على اختلاف الفقهاء في (اللعان) هو هو شهادة أم يمين ترتب عليه اختلافهم فيمن يجوز لعانه، فشرط الأحناف: في الزوج الذي يصح لعانه أن يكون أهلاً لأداء الشهادة على المسلم وكذلك الزوجة أن تكون أهلاً لأداء الشهادة على المسلم (فلا لعان بين رقيقين، ولا بين كافرين، ولابين المختلفين ديناً، ولا بين محدودين في قذف) واستدلوا على مذهبهم بما ورد عنه ﷺ َ أنه قال: «أربعة ليس بينهم لعان: ليس بين الحر والأمة لعان، وليس بين الحرة والعبد لعان، وليس بين المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم والنصرانية لعان» .
واحتجوا بأن الأزواج لما استثنوا من جملة الشهداء بقوله: (ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) وجب ألاّ يلاعن إلا من تجوز شهادته فلا يصح اللعان إلا من (زوجين، حرين، مسلمين) .
стр. 678
وذهب الشافعي ومالك وهو رواية عن أحمد: إلى أن كل من يصح يمينه يصح قذفه ولعانه فيجوز اللعان من كل زوجين حرين كانا أو عبدين، مؤمنين أو كافرين، فاسقين أو عدلين. وحجتهم أن قوله تعالى: ﴿والذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ عام يتناول جميع الأزواج، والآية لم تخصص زوجاً دون زوج فوجب أن يكون اللعان بين كل الأزواج ... وقالوا إن المقصود من اللعان دع العار عن النفس، ودفع ولد الزنى عن النفس، فكما يحتاج إليه المسلم يحتاج إليه غير المسلم، وكما يدفع الحر العار عن نفسه يدفع العبد العار عن نفسه والخلاصة: فإنَّ كلَّ من يجوز يمينه يجوز لعانه عند الجمهور.
قال ابن العربي: (والفصل في أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه وتخليصه من العذاب وكيف يجوز لأحد أن يدعيَ في الشريعة أن شاهداً يشهد لنفسه بما يوجب حكماً على غيره، هذا بعيد في الأصل معدوم في النظر) .
وقال ابن القيم ﵀: (والصحيح أن لعانهم يجمع الوصفين: اليمين والشهادة فهو شهادة مؤكدة بالقسم. والتكرار لاقتضاء الحال تأكيد الأمر، ولهذا اعتبر فيه من التأكيد عشرة أنواع ... ثم سرد تلك الأنواع) .
الحكم الرابع: هل يجوز اللعان بدون حضور الحاكم؟
اتفق الفقهاء على أن اللعان لا يجوز إلا بحضرة الحاكم أو من ينيبه الحاكم لأنه إذا نكل أحدهما أو ثبت عليه الأمر وجب الحد. وإقامة الحد من خصائص الحكام. . وينبغي أن يعظ الإمام الزوجين ويذكرهما بعذاب الله ويقول لكل واحد منهما: عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ويخوفهما بمثل قوله ﷺ َ: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء
стр. 679
ولن يدخلها الله الجنة ... وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين» .
الحكم الخامس: كيفية اللعان وطريقته.
وضحت الآيات الكريمة طريقة اللعان وكيفيته بشكل جلي واضح وهي: أن يبدأ الزوج فيقول أربع مرات الصيغة التالية: «اشهد بالله إني لصادق فيما رميتها به من الزنى» ثم يختم في المرة الخامسة بقوله: «لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما زماني به من الزنى» ثم تختم في المرة الخامسة بقولها: «غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنى» .
وظاهر الآية الكريمة أنه لا يقبل من الرجل أقل من خمس مرات ولا يقبل منه إبدال اللعنة بالغضب، وكذلك لا يقبل من المرأة أقل من خمس مرات ولا أن تبدل الغضب باللعنة، والبداءة تكون بالرجل في اللعان وهو مذهب الجمهور من فقهاء الأمصار.
وقال أبو حنيفة ﵀: يُعْتد بلعانها إذا بدئ به. ومرجع الخلاف أن الفقهاء يرون لعان الزوج موجباً للحد على الزوجة ولعانها يسقط ذلك الحد، فكان من الطبيعي أن يكون لعانها متأخراً عن لعانه. وأبو حنيفة لا يرى لعان الزوج موجباً للحد على الزوجة لأن حد الزنى لا يثبت إلا بأربعة شهود، أو بالإقرار، فليس من الضروري أن يتأخر لعانها عن لعانه.
هذه كيفية اللعان المأخوذة من القرآن ويزاد عليها من السنة أنه إذا كانت المرأة حاملاً وأراد الزوج أن ينفي ذلك الحمل وجب أن يذكره في لعانه فيقول: (وإن هذا الحمل ليس مني) وكذلك إذا كان هناك ولد يريد
стр. 680
الزوج نفيه وجب التعرض لذلك في اللعان، ويندب أن يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة وتقام المرأة والرجل قاعد حتى تشهد ويستحب التغليظ بالزمان والمكان وبحضور جمع من عدول المسلمين، وكل ذلك إنما ثبت بالسنة المطهرة، فيجري اللعان في مسجد جامع وأمام جمع غفير للتغليظ والله أعلم.
الحكم السادس: النكول عن اللعان هل يوجب الحد؟
اختلف الفقهاء فيما إذ نكل أحد الزوجين عن اللعان هل يجب عليه الحد؟ على مذهبين:
أ - مذهب الجمهور: (مالك والشافعي وأحمد) أن الزوج إذا نكل عن اللعان فعليه (حد القذف) وإذا نكلت الزوجة عن اللعان فعليها (حد الزنى) .
ب - وقال أبو حنيفة: إذا نكل الزوج عن اللعان حبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه ... وإذ نكلت المرأة حبست حتى تلاعن أو تقر بالزنى فيقام عليه حينئذ الحد.
أدلة الجمهور:
استدل الجمهور على وجوب الحد بأدلة نلخصها فيما يأتي:
أولاً: إن الله تعالى قال في أول السورة ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ [النور: ٤] ثم عطف عليه حكم الأزواج فقال: ﴿والذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فكما أن مقتضى قذف الأجنبيات الإتيان بالشهود أو الجلد، فكذا موجب قذف الزوجات الإتيان باللعان أو الحد.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب﴾ لا يصح أن يراد منه عذاب
стр. 681
الآخرة، لنه الزوجة إن كات كاذبة في لعانها لم يزدها اللعان إلا عذاباً في الآخرة، وإن كانت صادقة فلا عذاب عليها في الآخرة، فتعين أن يراد به عذاب الدنيا وهو المذكور في الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ [النور: ٢] وهو حد الزنى.
ثالثاً: قالوا: ويؤيد هذا قول النبي ﷺ َ لخولة زوج هلال «الرجم أهون عليك من غضب الله» وهو نص في الباب. وقوله لهلال بن أمية: «البينة أو حد في ظهرك» .
أدلة أبي حنيفة:
واستدل أبو حنيفة ﵀ بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿والذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ يُفهم منه أن الواجب في قذف الزوجات (اللعان) لا الحد وهذه الآية إمّا ناسخة لآية القذف، وإمَّا مخصّصة فلا يجب على كلا الحالين سوى (اللعان) فإذا امتنع الزوج حبس حتى يلاعن وإذا امتنعت الزوجة حبست حتى تلاعن.
ثانياً: إن المرأة إذا امتنعت لم تفعل شيئاً سوى أنها تركت اللعان وهذا الترك ليس ببينة على الزنى فلا يجوز رجمها لقوله ﵇: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس» .
ثالثاً: النكول عن اللعان ليس بصريح في الإقرار فلم يجز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنى وغيره لا يجوز إثبات الحد به.
قال العلامة الألوسي: في الانتصار لمذهب أبي حنيفة: (والعَجَبُ من الشافعي عليه الرحمة لا يقبل شهادة الزوج عليها بالزنى مع ثلاثة عدول
стр. 682
ثم يوجب الحد عليها بقوله وحده وإن كان عبداً فاسقاً.
. . وأعجب منه أن (اللعان) يمين عنده وهولا يصلح لإيجاب المال ولا لإسقاطه بعد الوجوب، وأسقط به كلٌ من الرجل والمرأة الحد عن نفسه وأوجب به (الرجم) الذي هو أغلظ الحدود على المرأة!! وكون النكول إقراراً به شبهة، (والحدود تدرأ بالشبهات) .
ووافق الإمام (أحمد) ﵀ الأحناف في حكم الزوجة الممتنعة في إحدى الروايتين عنه بأنها تحبس ولا ترجم وفي رواية أخرى عنه: لا تحبس ويخلى سبيلها كما لو لم تكمل البينة.
وجاء في كتاب «فقه السنة» للسيد سابق ما نصه:
قال ابن رشد: (وبالجملة فقاعدة الدماء مبناها في الشرع على أنها لا تراق إلا بالبينة العادلة أو الاعتراف، ومن الواجب ألاّ تخصص هذه القاعدة بالاسم المشترك) . . فأبو حنيفة في هذه المسألة أولى بالصواب إن شاء الله وقد اعترف أبو المعالي في كتابه «البرهان» بقوة الإمام أبي حنيفة في هذه المسألة وهو شافعي) انتهى.
أقول: رأي أبي حنيفة وإن كان وجيهاً إلا أنه ليس بقوة رأي الجمهور لظهور أدلتهم النقلية، وهو ما نختاره كما اختاره شيخ المفسرين الطبري وغيره من الجهابذة الأعلام.
الحكم السابع: هل آية اللعان ناسخة لآية القذف؟
إنّ الروايات التي ذكرت في سبب النزول متفقة كلها على ثلاثة أمور:
أولها: أن آيات اللعان نزلت بعد آية قذف المحصنات مع تراخ في الزمن. وأنها منفصلة عنها.
стр. 683
ثانيها: أن الصحابة كانوا يفهمون من آية القذف أن حكم من رمى زوجة كحكم من رمى الأجنبية.
ثالثها: أن آية (اللعان) نزلت تخفيفاً على الزوج وبياناً للمخرج مما وقع فيه من القذف.
وبناء على ذلك فإن قواعد أصول الحنيفية تقضي بأن آيات اللعان ناسخة لعموم آية القذف ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ [النور: ٤] لتراخي نزولها عنها.
وعلى مذهب الأحناف: يكون ثبوت (حد القذف) على من قذف زوجته منسوخاً بآيات اللعان وليس على الزوج سوى الملاعنة لا غير ... وعلىمذهب الأئمة الثلاثة: تتكون آيات اللعان مخصّصة للعموم في آية القذف لا ناسخة لها.
ويصبح معنى الآيتين: كل من قذف محصنة ولم يأتي بأربعة شهداء فعليه (حد القذف) إلا من قذف زوجته فعليه (الحد أو اللعان) ، والخلاف في الحقيقة شكلي لا جوهري.
الحكم الثامن: هل يُفَرّقُ بين المتلاعنَيْن؟
قضت السنة النبوية أن المتلاعنين لا يجتمعان أبداً، فإذا تلاعن الزوجان وقعت الفرقة بينهما على سبيل (التأبيد) لما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ َ قال: «المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبداً» . وعن علي وابن مسعود قالا: (مضت السنة ألاّ يجتمع المتلاعنان) . . والحكمة في ذلك (التحريم المؤبد) أنه قد وقع بينهما من التباغض والتقاطع ما أوجب القطيعة بينهما بصفة
стр. 684
دائمة. فإن الرجل إنْ كان صادقاً فقد أشاع فاحشتها وفضحها على رؤوس الأشهاد، وأقامها مقام الخزي والغضب، وإن كان كاذباً فقد أضاف إلى ذلك أنه بهتها وزاد في إيلامها وحسرتها وغيظها.
وكذلك المرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رؤوس الأشهاد وأوجبت عليه لعنة الله وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشه وخانته في نفسها، وألزمته العار والفضيحة. فقد حصل بينهما النفرة الدائمة والوحشة البالغة. ومن المعلوم أنَّ أساس الحياة الزوجية السكنُ والمودة، والرحمة، وقد زالت هذه باللعان فكانت عقوبتهما الفرقة المؤبدة.
وقد اتفق الفقهاء على وجوب التفريق بين المتلاعنين وعلى أن الحرمة بينهما. تكون (مؤبدة) لم يخالف في ذلك أحد إلاّ ما روي عن (عثمان البتي) أنه قال: لا يقع باللعان فرقة إلا أن يطلقها وهو قول مردود للنصوص المتقدمة.
ولكنّ الفقهاء اختلفوا متى تقع الفرقة بين المتلاعنين؟
فذهب (الشافعي) ﵀ إلى أن الفرقة تقع بمجرد لعان الزوج وحده ولو لم تلاعن الزوجة.
وذهب (مالك وأحمد) في إحدى الروايتين عنه إلى أن الفرقة لا تقع إلا بلعانهما جميعاً.
وذهب (أبو حنيفة وأحمد) في روايته الأخرى إلى أن الفرقة لا تقع إلا بتمام لعانهما وتفريق الحاكم بينهما.
أما حجة الشافعي: فهي أن الفرقة حاصلة بالقول، فيستقل بها قول الزوج وحده كالطلاق ولا تأثير للعان الزوجة إلا في دفع العذاب عن نفسها كما قال تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب﴾ فدل على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا في دفع العذاب عن نفسها.
стр. 685
أما حجة مالك: فهي أن الشارع قد أمر بالتفريق بين المتلاعنين ولا يكونان متلاعنين بلعان الزوج وحده. . وأيضاً لو وقعت الفرقة بلعان الزوج لأصبحت المرأة أجنبية عنه فتكون الملاعِنَةُ أجنبية وقد أوجب الله اللعان بين الزوجين.
أما حجة أبي حنيفة وأحمد: فهي أن الفرقة لا تحصل إلا بتمام لعانهما وتفريق الحاكم بينهما عملاً بالسنة المطهرة ففي حديث ابن عباس السابق (ففرّق رسول الله ﷺ َ بينهما) وهذا يتقضي أن الفرقة لم تحصل قبله، ولأن اللعان نوع من الحدود، والحدودُ إنما يجريها الحاكم فلا بد إذاً من تفريق الحاكم ... ولعلّ هذا الرأي هو الأصح والأرجح.
الحكم التاسع: إذا أكذب الرجل نفسه فهل تعود إليه زوجته؟
وإذا تلاعن الزوجان ثم أكذب الرجل نفسه فحُدَّ حد القذف فهل تحل له زوجته؟
قال (مالك والشافعي) لا تحل له زوجته لأن الفرقة مؤبدة وقد قضت السنة بأنهما لا يجتمعان أبداً فلا طريق إلى العودة عملاً بالنصوص المتقدمة كما في المطلقة ثلاثاً وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين.
وقال (أبو حنيفة) إذا أكذب الرجل نفسه فهو خاطب من الخطاب لأنه إذا اعترف بكذبه وحُدَّ حدَّ القذف لم يبق ملاعنا وإنما أصبح كاذباً فيحل له العودة إلى زوجته. قال ابن الجوزي: وروي عن أحمد روياتان أصحهما أنه لا تحل له زوجته، والثانية يجتمعان بعد التكذيب وهو قول أبي حنيفة.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأن اللعان يوجب الحرمة المؤبدة كما دلت بذلك الآثار سواء أكذب نفسه أم لا والله أعلم.
стр. 686
الحكم العاشر: هل يلحق ولد اللعان بأمه؟
إذا نفى الرجل ابنه وتم اللعان بنفيه له انتقى نسبه من أبيه وسقطت نفقته عنه، وانتفى التوارث بينهما ولحق بأمه فهي ترثه وهو يرثها لحديث (عمرو بن شعيب) : «وقضى رسول الله ﷺ َ وفي ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه، ومن رماها به جلد ثمانين» ويؤيد هذا الحديث الأدلة الدالة على أن الولد للقراش ولا فراش هنا لنفي الزوج إياه. . وأما من رماها به اعتبر قاذفاً وجلد ثمانين جلدة لأن (الملاعِنة) داخلة في المحصنات ولم يثبت عليها ما يخالف ذلك فيجب على من رماها بابنها حد القذف ومن قذف ولدها يجب حده كمن قذف أمه سواء بسواء ...
أما بالنسبة للأحكام الشرعية فإنه يعامل كأنه أبوه من باب الاحتياط فلا يعطيه زكاة المال، ولو قتله لا قصاص عليه، ولا تجوز شهادة كل منهما للآخر، ولا يعد مجهول النسب فلا يصح أن يدعيه غيره، وإذا أكذب نفسه ثبت نسب الولد منه ويزول كل أثر اللعان بالنسبة للولد.
وروى الإمام الفخر عن الشافعي ﵀ أنه قال: يتعلق باللعان خمسة أحكام: (درء الحدّ، ونفي الولد، والفرقة، والتحريم المؤبّد، ووجوب الحدّ عليها) ، وكلها تثبت بمجرد لعانه، ولا تفتقر إلى حكم الحاكم.
стр. 687
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - إذا قذف الرجل زوجته ولم تكن لديه بينة فإمّا أن يُحدّ أو يلاعن.
٢ - لا يجري اللعان في اتهام غير الزوجة من المحصنات لأنه خاص بالزوجين.
٣ - تشريعُ اللعان لمصلحة الزوجين يبرئ الزوج من (حد القذف) والزوجة من (حدّ الزنى) .
٤ - لا بدّ في المُلَاعَنَة أن تكون خمس مرات بالصيغة المذكورة في القرآن الكريم.
٥ - ينبغي تغليظ أمر «اللّعان» بالزمان والمكان وحضور جمع من المسلمين.
٦ - اللّعانُ يوجب (الحُرْمة المؤبّدة) بين الزوجين، فلا ترجع للزوج بحالٍ من الأحوال.
٧ - تخصيص الرجل باللعنة، وتخصيص المرأة بالغضب، للتفريق بين نفسيّة الزوجين.
٨ - الله واسع المغفرة، عظيم الفضل والمِنّة، لولا ستره على العباد لعذّبهم وأهلكهم.
стр. 688
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
شرع الحكيم العليم (اللعان) لحكمة جليلة سامية، هي من أدق الحكم وأسماها في صيانة المجتمع، وتطهير الأسرة، ومعالجة المخاطر والمشاكل التي تعترض طريق (الحياة الزوجية) وما يهددها من متاعب وعقبات.
وعالج القرآن بهذا التشريع الدقيق ناحية من اخطر النواحي التي يمكن أن يجابهها الإنسان في حياته الواقعية الأليمة، حين يبصر بعينه (جريمة الزنى) ترتكب في أهل بيته فلا يستطيع أن يتكلم، ولا أن يجهر، لأنه ليس لديه بينة تثبت ذلك، ولا يستطيع أن يقدم على القتل (لغسل العار) لأن هناك القصاص ويبقى ذاهلاً، مشتتاً، محتاراً، كيف يصنع! ﴿أيترك عرضه ينتهك وشرفه يُلوّث، وفراشه يدنّس، ثم يغمض عينيه خشية الفضيحة أو خوف العار؟ أم يقدم على الانتقام من زوجة الخائن، وذلك اللص الماكر، شريكها في الخيانة والإجرام فيكون سبيله العقاب والقصاص؟﴾
إنها حالات من الضيق النفسي والقلق والاضطراب لا يملك المرء لها دفعاً ولا يدري ماذا يصنع تجاهها وهو يعاني هذه الأزمة النفسية الخائفة؟ ﴿وتشاء حكمة الله أن تقع مثل هذه الحوادث في أفضل العصور (عصر النبوة) وبين أطهر الأقوام (صحابة الرسول) والقرآن ينزل والوحي يتلى، ليكون درساً عملياً تربوياً يتلقاه المسلمون بكل قولة، وصلابة عزم.
فهذا (هلال بن أمية) يأتي بيته مساء فيرى بعينه وسيمع بأذنية صوت الخيانة واضحاً فيكبح جماح نفسه، ويغالب غضبه وثورته، ويأتي رسول الله ﷺ َ يخبره الخبر، وهو واثق من نفسه لأنها رؤيا العين ويطلب منه الرسول البينة ولكن من أين يأتي بها؟ وكيف له أن يأتي بأربعة شهود يشهدون معه لإثبات دعواه، والرسول ﷺ َ يقول له: البينة أو حد في ظهرك﴾ ! ويسمع (سعد بن عبادة) وهو سيد الأنصار ذلك فيقول يا رسول الله: إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلاً لم يكن له أن يحركه أو يُهيجَه حتى يأتي بأربعة شهداء، والله لأضربنه
стр. 689
بالسيف غير مصفح عنه ويلتفت الرسول إلى أصحابه قائلاً: أتعجبون من غيره سعد والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، يطلب الرسول البينة من هلال وليس معه بينة ويشتد الأمر على الرسول وعلى أصحابه ويتحدث الناس: الآن يضرب الرسول هلالاً، ويبطل بين الناس شهادته، فيقول (هلال) يا رسول الله والله إني لصادق وإني لأرجو أن يجعل الله لي منها فرجاً ومخرجاً وينزل الوحي على الرسول بهذه الآيات الكريمة التي أصبحت قرآناً يتلى ودرساً يحفظ ونظاماً يطبقه المسلمون في حياتهم ويقول الرسول الكريم: «أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً» فيقول هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي .
هذه ناحية دقيقة، عالجها الإسلام بحكمته الرفيعة وجعل لها فرجاً ومخرجاً فشرع (اللعان) بين الزوجين، ليستر المولى على عباده زلاتهم ويفسح أمامهم المجال للتوبة والإنابة. ولولا هذا التشريع الحكيم لأريقت الدماء. وأزهقت الأرواح في سبيل الدفاع عن (العرض والشرف) وقد يكون هناك عدوان من أحد الزوجين على الآخر فلو سمح للزوج أن ينتقم بنفسه فيقتل زوجه لكان هناك ضحايا بريئات يذهبن ضحية المكر والخبث إذ ليس كل زوج يكون صادقاً؛ ولو أقيم عليه (حد القذف) لأنه قذف امرأة محصنة لكان في ذلك أبلغ الألم والضرر إذ قد يكون صادقاً في دعواه فيجتمع عليه (عقوبة الجلد) و (تدنيس الفراش) فإذا تكلم جلد، وإذا سكت سكت على غيظ.
فكان في هذا التشريع الإلهي الحكيم أسمى ما يتصوره المرء من العدالة والحماية وصيانة الأعراض وقبر الجريمة في مهدها فهو (بطريق اللعان) إذ يترك الأمر معلقاً لا يستطيع أحد أن يجزم بوقوع الجريمة أو بخيانة الزوجة، ولا يقطع بكذب الزوج إذ يحتمل أن يكون صادقاً ثم يفرق بينهما فرقة مؤبدة تخلِّص الإنسان من الشقاء، وتقطع ألسنة السوء، وتصون كرامة الأسرة.
فللَّه ما أسمى تشريع الإسلام وما أدق نظره وأحكامه!! وصدق الله ﴿أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] .
стр. 690
[٤] في أعقاب حادثة الإفك
стр. 691
التحليل اللفظي
﴿يَأْتَلِ﴾ : أي يحلف من (الأليّة) بمعنى الحلف، ووزنها (يَفْتَعِلْ) ومنه قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وقال بعضهم: معناه يقصّر من قولك: ألَوْتُ في كذا إذا قصّرت فيه ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: ١١٨] .
قال الزمخشري: (يأتل) من ائتلى إذا حلف: افتعال من الأليّة، وقيل: من قولهم: ما ألوت جهداً، إذا لم تدّخر منه شيئاً، ويشهد للأول قراءة الحسن: ولا يتألَّ والمعنى: لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان.
﴿أُوْلُواْ الفضل﴾ : أصحاب الصلاح والدين، ومعنى الفضل الزيادة والمراد هنا أهل البر والدين والصلاح.
﴿والسعة﴾ : المراد بها السعة في الرزق والمال، الذين وسّع الله عليهم وأغناهم من فضله، قال الشاعر:
ومن يك ذا مال فيبخل بفضله ... على غيره يستغنى عنه ويذمم
﴿أَن يؤتوا﴾ قال ابن قتيبة معناه: أن لا يؤتوا، وقال القرطبي قوله تعالى: ﴿أَن يؤتوا﴾ أي ألاّ يؤتوا فحذف (لا) كقول القائل:
فقلتُ يمينُ اللَّه أبرحُ قاعداً ... ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوصالي
أقول: هذا الحذف وارد في كلام العرب ومثله قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ
стр. 692
الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] أي لئلا تضلّوا أو خشية أن تضلوا.
﴿وَلْيَعْفُواْ﴾ : أي يغفروا الزلات، من عفا الربع إذا محي أثره ودرس، فهو محو الذنب حتى يعفو كما يعفو أثر الربع.
﴿المحصنات﴾ : العفائف الشريفات الطاهرات، وقد تقدم معنى الإحصان فيما سبق.
﴿الغافلات﴾ : جمع غافلة وهي التي غفلت عن الفاحشة، بحيث لا تخطر ببالها، وقيل: هي السليمة الصدر، النقية القلب، التي ليس فيها دهاء ولا مكر، لأنها لم تجرب الأمور، ولم تزن الأحوال، فلا تفطن لما تفطن له المجرِّبة العارفة.
﴿لُعِنُواْ﴾ : اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله ﴿وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ [النساء: ٥٢] وقد يراد به الذكر السَّيِّئ أو الحد (الجلد) كما في هذه الآية حيث أقيم عليهم حد القذف.
﴿تَشْهَدُ﴾ : تقر وتعترف، وشهادة الألسنة إقرارها بما تكلموا به من الفرية، وهؤلاء غير الذين يختم على أفواههم. وقال ابن جرير: المعنى أنّ ألسنة بعضهم تشهد على بعض بما كانوا يعملون من القذف والبهتان.
﴿يُوَفِّيهِمُ﴾ : التوفية إعطاء الشيء وافياً، يقال: تَوفّى حقه إذا أخذه كاملاً غير منقوص.
﴿دِينَهُمُ الحق﴾ : أي حسابهم العدل، أو جزاءهم الواجب، والدين في اللغة بمعنى الجزاء، ومنه قوله ﷺ َ «إعمل ما شئت كما تدين تدان» أي كما تفعل تجزى.
﴿الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ﴾ : المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، وهو جمع خبيثة وخبيث، والخبيثُ
стр. 693
الذي يعمل الفواحش والمنكرات سمّى خبيثاً لخبث باطنه وسوء عمله قال تعالى:
﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ القرية التي كَانَت تَّعْمَلُ الخبائث﴾ [الأنبياء: ٧٤] وذهب جمهور المفسّرين إلى أن معنى الآية: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال. والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، والكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. . قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل في هذه الآية واختاره ابن جرير الطبري.
﴿مُبَرَّءُونَ﴾ : أي منزّهون مما رُمُوا به، والمراد بالآية براءة الصدّيقة عائشة ﵂ مما رماها به أهل الإفك والبهتان، وجاء بصيغة الجمع للتعظيم.
﴿مَّغْفِرَةٌ﴾ : أي محو وغفران للذنب، والبشر جميعاً معرضون للخطأ وقيل في الآية إنه من باب: (حسناتُ الأبرار سيئات المقربين) .
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ : قال الألوسي: هو الجنة كما قال أكثر المفسرين. ويشهد له قوله تعالى في سورة الأحزاب في أمهات المؤمنين ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ [الأحزاب: ٣١] فإن المراد به الجنة.
المعنى الإجمالي
يقول الله جل ثناؤه ما معناه: لا يحلف أهل الفضل والصلاح والدين. الذين وسّع الله عليهم في الرزق وأغناهم من فضله، على ألا يؤتوا أقاربهم من الفقراء والمهاجرين ما كان يعطونهم إياه من الإحسان لجرم ارتكبوه، أو ذنب فعلوه. وليعفوا عما كان منهم من جرم، وليصفحوا عما بدر منهم من إساءة. وليعودوا إلى مثل ما كانوا عليه من الإفضال والإحسان،
стр. 694
ألا تحبون أيها المؤمنون أن يكفر الله عنكم سيئاتكم، ويغفر لكم ذنوبكم، ويدخلكم الجنة مع الأبرار! ﴿
ثم أخبر تعالى بأن الذين يرمون المؤمنات العفيفات الطاهرات بالزنى، ويقذفونهن بالفاحشة، وهنّ الغافلات عن مثل هذا الافتراء والبهتان ... هؤلاء الذين يتهمون الحرائر العفيفات الشريفات، قد لعنهم الله بسبب هذا البهتان. فطردهم من رحمته، وأوجب لهم العذاب الأليم، الجلد في الدنيا، وعذاب جهنم في الآخرة، بسبب ما ارتكبوا من إثم وجريمة في حق أولئك المؤمنات ... وليس هذا فحسب بل سوف تنطق عليهم جوارحهم، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، في ذلك اليوم الرهيب. بما كانوا يفعلونه من الإفك والبهتان، وستكون فضيحتهم عظيمة، عندما ينكشف أمرهم على رؤوس الأشهاد، وينالون جزاءهم العادل من أحكم الحاكمين، الذي لا يضيع عنده مثقال ذرة ويعلمون في ذلك اليوم أن الله عادل، لا يظلم أحداً من خلقه؛ لأنه هو الحق المبين، الذي يكشف لكل إنسان كتاب أعماله، ويجازيه عليها الجزاء العادل.
ثم أخبر تعالى ببراءة السيدة عائشة الصدّيقة أم المؤمنين رضوان الله عليها، مما رماها به أهل الضلال والنفاق، وتقوّلوا له عليها من الفاحشة، وأتى بالبرهان الساطع، والدليل القاطع، على عصمتها ونزاهتها وبراءتها، فهي زوج رسول الله الطاهرة الشريفة، ورسول الله طيّب طاهر. وقد جرت سنة الله أن يسوق الجنس إلى جنسه، فالخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء. والطيبات من النساء للطّيبين من الرجال، والطّيبون من الرجال للطيبات من النساء، أولئك المتهمات في أعراضهن، بريئات من تلك التهمة الشنيعة، كيف لا وهنَّ أزواج أشرف رسول، وأكرم مخلوق على الله، وما كان الله ليقسمهنَّ لأحب عباده إليه إن لم يكنَّ طاهرات النفس ﴿أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴾ !
стр. 695
سبب النزول
١ - روى ابن جرير الطبري عن عائشة ﵂ أنها قالت: لما نزل قوله تعالى:
﴿إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ [النور: ١١] الآية في عائشة وفيمن قال لها ما قال، قال أبو بكر: - وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته - والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً، ولا أنفعه بنفع أبداً، بعد الذي قال لعائشة ما قال، وأدخل عليها ما أدخل، قالت فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى ... ﴾ الآية قالت: فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجّع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: «والله لا أنزعها منه أبداً»
٢ - وأخرج ابن المنذر عن عائشة ﵂ قالت: (كان مسطح بن أثاثة) ممن تولى كِبْرَه أهل الإفك، وكان قريباً لأبي بكر، وكان في عياله، فحلف أبو بكر ﵁ أن لا ينيله خيراً أبداً فأنزل الله ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة﴾ الآية قالت: فأعاده أبو بكر إلى عياله، وقال: لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها، إلاّ تحلّلتها وأتيت الذي هو خير.
وفي رواية أخرى أن نبيّ الله ﷺ َ دعا أبا بكر فتلاها عليه، فقال: ألا تحب أن يغفر الله لك؟ قال: بلى، قال: فاعف عنه وتجاوز، فقال أبو بكر: لا جرم والله لا أمنعه معروفاً كنت أوليه قبل اليوم، وضعّف له بعد ذلك فكان يعطيه ضِعْفي ما كان يعطيه.
стр. 696
وجوه القراءات
١ - قرأ الجمهور ﴿ولا يأتل﴾ على وزن (يفتعِل) وقرأ الحسن وأبو العالية ﴿ولا يتألّ﴾ بهمزة مفتوحة مع تشديد اللام على وزن (يتعَلَّ) وهو مضارع تألى بمعنى حلف قال الشاعر:
تألّى ابن أوس حِلفةً ليردّني ... إلى نسوة لي كأنهن مقائد
وهذه القراءة تؤيد المعنى الأول ليأتل. وليس كما قال أبو عبيدة إنه من (الألْو) بوزن الدلو بمعنى لا يقصّر، واستشهد بقوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: ١١٨] فإنّ سبب النزول يؤيد الرأي الأول.
٢ - قرأ الجمهور ﴿أن يؤتوا﴾ وقرأ أبو حيوة ﴿أن تُؤتوا﴾ بتاء الخطاب على طريق الالتفات.
٣ - قوله: ﴿وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا﴾ قراءة الجمهور بالياء، وقرأ الحسن، وسفيان بن الحسين ﴿ولتَعْفوا ولتَصْفحوا﴾ بتاء الخطاب على وفق قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ .
٤ - قرأ الجمهور ﴿يوم تشهد﴾ بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي ﴿يوم يشهد﴾ بالياء بدل التاء، قال الألوسي: ووجهه ظاهر.
٥ - قرأ الجمهور ﴿دينَهم الحقّ﴾ بالفتح على أنه صفة للدّين بمعنى حسابهم العدل، وقرأ مجاهد والأعمش ﴿دينَهم الحقُّ﴾ برفع القاف على أنه صفة للإسم الجليل. (ويجوز الفصل بالمفعول بين الموصوف وصفته) ويصبح المعنى: يومئذ يوفيهم اللَّهُ الحقّ دينهم.
стр. 697
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: قوله تعالى: ﴿أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة ... ﴾ الآية هذه شهادة عظيمة من الله سبحانه بفضل أبي بكر، وأنه أفضل الصحابة.
قال الفخر الرازي: أجمع المفسّرون على أن المراد من قوله تعالى: ﴿أُوْلُواْ الفضل﴾ أبو بكر ﵁، وهذه الآية تدل على أنه كان أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ َ، لأنه تعالى ذكره في معرض المدح له، والمدح من الله تعالى بالدنيا غير جائز. فتعيّن أن يكون المراد منه الفضل في الدين. ولأنه لو أريد به الفضل في الدنيا لكان قوله (والسعة) تكريراً. فلما أثبت الله له الفضل المطلق وجب أن يكون أفضل الصحابة بعد رسول الله ﷺ َ.
وقال أبو السعود: قوله تعالى: ﴿أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ﴾ أي في الدين، وكفى به دليلاً على فضل الصدّيق رضي الله تعالى عنه.
اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿أَن يؤتوا﴾ فيه حذف بالإيجاز، فقد حذفت منه (لا) لدلالة المعنى على ذلك، أي على أن لا يؤتوا. قال الزجّاج، إنّ (لا) تحذف في اليمين كثيراً قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] يعني أن لا تبروا. وقال امرؤ القيس: «فقلت يمين الله أبرح قاعداً» أي لا أبرح.
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ هذا خطاب بصيغة الجمع، والمراد به أبو بكر الصديق ﵁، وورد الخطاب بهذه الصيغة للتعظيم كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر﴾ [الحجر: ٩] .
قال الإمام الفخر ﵀: «فانظر إلى الشخص الذي كناه الله سبحانه
стр. 698
مع جلاله بصيغة الجمع كيف يكون علو شأنه» وحين سمعها أبو بكر قال: بلى أحب أن يغفر الله لي. وأعاد النفقة إلى مسطح.
اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ قال العلامة ابن الجوزي: فإن قيل: لم أقتصر على ذكر المحصنات دون الرجال؟
فالجواب أنّ من رمى مؤمنة فلا بدّ أن يرمي معها مؤمناً، فاستغني عن ذكر المؤمنين. ومثله قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] أراد: والبرد، قاله الزجاج.
اللطيفة الخامسة: ذكر الله تعالى في أول السورة المحصنات بقوله: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ [النور: ٤] ولم يقيّد المحصنات هناك بوصفٍ وأما هنا فقد قيّده بأوصاف عديدة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ والسرُّ في هذا أن هذه الآيات خاصة بأمهات المؤمنين، رضوان الله عليهن أجمعين، وتدخل السيدة عائشة فيهن دخولاً أولياً، فاتهام هؤلاء الأزواج الطاهرات إتهام ل (بيت النبوّة) ، وإيذاء لرسول الله ﷺ َ؛ ولهذا قال ابن عباس ﵄، حين قرأ سورة النور ففسّرها فلما أتى على هذه الآية ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ قال: هذه في (عائشة) وأزواج النبي ﷺ َ، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات، من غير أزواج النبي ﷺ َ التوبة، ثم تلا هذه الآية ﴿لُعِنُواْ فِي الدنيا والآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فهمّ بعض القوم أن يقوم إلى ابن عباس فيقبّل رأسه لحسن ما فسّره.
اللطيفة السادسة: أشارت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ والخبيثون للخبيثات﴾ إلى مبدأ هام من مبادئ الحياة الاجتماعية، وهو أن النفوس الخبيثة لا تلتئم إلا مع النفوس الخبيثة من مثلها، والنفوس الطيبة
стр. 699
لا تمتزج إلا بالنفوس الطيبة من مثلها، وحيث كان رسول الله ﷺ َ أطيب الأطيبين، وأفضل الأولين والآخرين، تبيّن أنّ الصدّيقة ﵂ من أطيب النساء بالضرورة، وأنّ ما قيل في حقها كذب وبهتان كما نطق بذلك القرآن ﴿أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ ويا لها من شهادة قاطعة!!
قال أبو السعود: «هذا مسوق على قاعدة السنّة الإلهية، الجارية فيما بين الخلق، على موجب أنّ لله ملكاً يسوق الأهل إلى الأهل، لأن المجانسة من دواعي الانضمام ... وما في الإشارة من معنى البعد (أولئك) للإيذان بعلو رتبة المشار إليهم، وبعد منزلتهم في الفضل، أي أولئك الموصوفون بعلو الشأن، مبرءون مما تقوّله أهل الإفك في حقهم من الأكاذيب الباطلة» .
اللطيفة السابعة: قال الزمخشري في تفسيره «الكشاف» : «لقد برَأ الله تعالى أربعة بأربعة: برّأ يوسف بلسان الشاهد ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ [يوسف: ٢٦] . وبرّأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه. . وبرّأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها ﴿إِنِّي عَبْدُ الله﴾ [مريم: ٣٠] . وبرّأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز، المتلوّ على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك؟ وما ذاك إلاّ لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ َ، والتنبيه على إنافة محل سيد آدم، وخيرة الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين، ومن أراد أن يتحقّق عظمة شأنه ﷺ َ، وتقدّم قدمه، وإحرازه قَصَب السبق دون كل سابق، فليتلقّ ذلك من آيات الإفك، وليتأمل كيف غضب الله في حرمته، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه» .
خصائص السيدة عائشة ﵂
عن عائشة ﵂ أنها قالت: «لقد أُعطِيتُ تسعاً ما أعطيتهنّ امرأة: لقد نزل جبريل ﵇ بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ َ أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكراً وما تزوّج بكراً غيري.
стр. 700
ولقد توفي رسول الله ﷺ َ وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي. ولقد حفّته الملائكة في بيتي. وإن الوحي لينزل عليه في أهله فيفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنه خليفته وصديقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خُلقت طيّبة عند طيّب. ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً «.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل يحبط العمل الصالح بارتكاب المعاصي؟
أجمع المفسّرون على أن المراد من قوله تعالى: ﴿أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله﴾ مِسْطَح، لأنه كان قريباً لأبي بكر، وكان من المساكين، والمهاجرين البدريّين، وكان قد وقع في حديث الإفك، وقذف عائشة ثم تاب بعد ذلك، ولا شك أن القذف من الذنوب والكبائر، وقد احتج أهل السنة والجماعة بهذه الآية الكريمة على عدم بطلان العمل بارتكاب الذنوب والمعاصي، ووجه الاستدلال أن الله سبحانه وصف (مسطحاً) بكونه من المهاجرين في سبيل الله بعد أن أتى بالقذف، وهذه صفة مدح، فدلّ على أنّ ثواب كونه مهاجراً لم يحبط بإقدامه على القذف. وقالوا: لا يحبط العمل إلا بالإشراك، والردة عن الإسلام والعياذ بالله، أما سائر المعاصي فلا تُحبِط العمل إلا إذا استحل الإنسان المحرّم فحينئذٍ يرتد وبالردة يحبط العمل قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾ [المائدة: ٥] وقال تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فأولائك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة ... ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية.
الحكم الثاني: هل العفو عن المسيء واجب على الإنسان؟
اتفق الفقهاء على أنّ العفو والصفح عن المسيء حسن ومندوب إليه،
стр. 701
لقوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا﴾ والأمر هنا للندب والإرشاد، وليس للوجوب، لأن الإنسان يجوز له أن يقتص ممّن أساء إليه، فلو كان العفو واجباً لما جاز طلب القصاص، ومما يدل لرأي الفقهاء قوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظالمين﴾ [الشورى: ٤٠] وقال ﷺ َ:» لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه «فيندب العفو عن المسيء لقوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ ؟ فعلّق الغفران بالعفو والصفح، قال الإمام الفخر: ولو لم يدل عليه إلا هذه الآية لكفى.
الحكم الثالث: هل تجب الكفارة على من حنث في يمينه؟
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، أنه ينبغي له أن يأتي الذي هو خير، ثمّ يكفّر عن يمينه لقوله ﵇:» من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه «.
فتجب الكفارة بالحنث في اليمين، سواء كان الحانث في أمر فيه خير أو غير ذلك.
وقال بعضهم: إنه يأتي بالذي هو خير وليس عليه كفارة ليمينه، واستدلوا بظاهر هذه الآية ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ﴾ ووجه استدلالهم أن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة.
واستدلوا كذلك بقول الرسول ﷺ َ: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وذلك كفارته» .
стр. 702
أدلة الجمهور:
استدل الجمهور على وجوب الكفارة على الحانث بما يلي:
أ - قوله تعالى: ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية.
ب - وقوله تعالى: ﴿ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وذلك عام في الحانث في الخير وغيره.
ح - وقوله تعالى في شأن أيوب حين حلف على امرأته أن يضربها ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] والحنث كان خيراً من تركه، وأمره الله بضرب لا يبلغ منها، ولو كان الحنث فيها كفارتها لما أمر بضربها، بل كان يحنث بلا كفارة.
د - وبحديث «فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه» وقد تقدم.
قال الجصاص: «أم استدلالهم بالآية فليس فيما ذكروا دلالة على سقوط الكفارة، لأن الله قد بيّن إيجاب الكفارة في قوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ وقوله: ﴿ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وذلك عام فيمن حنث فيما هو خير وفي غيره، وأما استدلالهم بالحديث» فليأت الذي هو خير وذلك كفارته «فإن معناه تكفير الذنب. لا الكفارة المذكورة في الكتاب، وذلك لأنه منهي عن أن يحلف على ترك طاعة الله. فأمر النبي ﷺ َ بالحنث والتوبة، وأخبر أن ذلك يكفّر ذنبه الذي اقترفه بالحلف» .
وقال ابن العربي: عجبت لقوم يتكلفون فيتكلمون بما لا يعلمون، هذا أبو بكر حلف ألا ينفق على مسطح، ثم رجَّع إليه نفقته، فمن للمتكلف لنا تكلّف بأن أبا بكر لم يكفّر حتى يتكلم بهذا الهزء.
стр. 703
الترجيح: ومن استعراض الأدلة يتبيّن لنا قوة رأي الجمهور في وجوب الكفارة على الحانث مطلقاً وضعف رأي غيرهم والله أعلم.
الحكم الرابع: هل تنعقد اليمين في الامتناع عن فعل الخير؟
تنعقد اليمين إذا حلف الإنسان أن يمتنع عن فعل الخير وتجب عليه الكفارة عند الجمهور كما أسلفنا، ولكنّ هذا النوع من الحلف غير جائز لما فيه من ترك الطاعة لله في قوله: ﴿وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧] . قال الفخر الرازي: «في هذه الآية دلالة على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة، وإنما تجوز إذا جعلت داعية للخير، لا صارفة عنه» .
وقال الألوسي: «وظاهر هذا حمل النهي على التحريم، وقيل: هو للكراهة، وقيل: إن الحلف على ترك الطاعة قد يكون حراماً، وقد يكون مكروهاً، فالنهي هنا لطلب الترك مطلقاً» .
الحكم الخامس: هل يكفر من قذف إحدى أمهات المؤمنين؟
ذهب بعض العلماء إلى كفر من قذف إحدى نساء الرسول (أمهات المؤمنين) رضوان الله عليهن، وذلك لما ورد من الوعيد الشديد في حق قاذفهن كما قال تعالى: ﴿لُعِنُواْ فِي الدنيا والآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ حتى ذهب ابن عباس إلى عدم قبول توبته.
وحجة هؤلاء أن قذف أمهات المؤمنين، طعن في رسول الله ﷺ َ، وجرح لكرامته ومن استباح الطعن في عرض الرسول فهو كافر مرتد عن الإسلام.
قال العلامة الألوسي ﵀: «وظاهر هذه الآية كفر قاذف أمهات
стр. 704
المؤمنين رضي الله تعالى عنهن لأن الله ّ رتّب على رميهن عقوبات مختصة بالكفار والمنافقين، والذي ينبغي أن يعوِّلَ الحكم عليه بكفر من رمى إحدى أمهات المؤمنين، بعد نزول الآيات، وتبيّن أنهن طيبات، سواء استباح الرمي أم قصد الطعن برسول الله ﷺ َ أم لم يستبح ولم يقصد، وأمّا من رمى قبل فالحكم بكفره مطلقاً غير ظاهر.
والظاهر أن يحكم بكفره إن كان مستبيحاً، أو قاصداً الطعن به ﵊ ُ كابن أُبيّ لعنه الله تعالى، فإن ذلك مما يقتضيه إمعانه في عداوة رسول الله ﷺ َ ولا يحكم بكفره إن لم يكن كذلك كحسّان. ومِسطَح، وحمنة، فإنّ الظاهر أنهم لم يكونوا مستحلين، ولا قاصدين الطعن بسيّد المرسلين، وإنما قالوا ما قالوا تقليداً، فوبخوا على ذلك توبيخاً شديداً» .
أقول: إنّ من استحلّ قذف إحدى المؤمنات كافر، فكيف بمن يستحل قف أمهات المؤمنين الطاهرات وعلى رأسهن الصدّيقة عائشة التي برأها القرآن الكريم، ونزلت براءتها من السماء؟ ولا شك أن الخوض في أمهات المؤمنين بعد نزول القرآن الكريم، تكذيب لله في إخباره، وطعن لرسول الله وإيذاء له في نسائه وهنّ العفيفات، الطاهرات، الشريفات، فيكون قاذفهن كافراً بلا تردد. والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدنيا والآخرة وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ [الأحزاب: ٥٧] .
الحكم السادس: هل يجوز لعن الفاسق أو الكافر؟
دلّ قوله تعالى: ﴿لُعِنُواْ فِي الدنيا والآخرة﴾ على جواز لعن الفاسق أو الكافر، وقد اتفق الفقهاء على جواز لعن من مات على الكفر كأبي جهل وأبي لهب، وعلى جواز التعميم باللعنة على الكفرة والفسقة والظالمين كقوله: لعنة الله على الظالمين، أو لعنة الله على الفاسقين، أو الكافرين ... أما إذا خصّص
стр. 705
باللعنة إنساناً معيّناً فلا يجوز حتى ولو كان كافراً، لأن معنى اللعنة: الطرد من رحمة الله. والدعاء عليه بأن يموت على الكفر، ولا يجوز لمسلم أن يتمنى موت غيره على الكفر، لأن الرضى بكفر الكافر كفر، والمسلم يريد الخير للناس، ويتمنى أن يموتوا على الإيمان جميعاً.
قال الألوسي: «واعلم أنه لا خلاف في جواز لعن كافر معين، تحقّق موته على الكفر، إن لم يتضمن إيذاء مسلم، أما إن تضمّن ذلك حرم، ومن الحرام لعن (أبي طالب) على القول بموته كافراً، بل هو من أعظم ما يتضمن ما فيه إيذاء من يحرم إيذاؤه، ثمّ أن لعن من يجوز لعنه لا أرى أنه يعد عبادة إلا إذا تضمّن مصلحةً شرعية، وأما لعن كافر معيّن حي، فالمشهور أنه حرام، ومقتضى كلام حجة الإسلام الغزالي أنه كفر، لما فيه من سؤال تثبيته على الكفر الذي هو سبب اللعنة، وسؤالُ ذلك كفر» .
وقال العلامة ابن حجر: «ينبغي أن يقال: إن أراد بلعنة الدعاء عليه بتشديد الأمر، أو أطلق لم يكفر، وإن أراد سؤال بقائه على الكفر، أو الرضى ببقائه عليه كفر، فتدبر ذلك حق التدبر» .
أقول: وردت نصوص في السنة المطهّرة تدل على جواز لعن الفاسق المعين، أو العاصي المشتهر الذي كثر ضرره، منها ما روي أن النبي ﷺ َ مرّ بحمارٍ وُسِمَ في وجهه فقال: «لعن الله من فعل هذا» .
ومنها ما صح أنه ﷺ َ لعن قبائل من العرب بأعيانهم فقال: «اللهم العن رَعْلاً، وذَكوان، وعُصيّة، عصَوا الله تعالى ورسوله» .
ومنها حديث «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء، فبات
следующие страницы →