← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12347

روائع البيان تفسير آيات الأحكام

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 222 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

﴿المؤمنات﴾ : فيه إشارة إلى أنه ينبغي أن يقع اختيار الأزواج على المؤمنات. وليس لفظ الإيمان في قوله: (المؤمنات) للقيد أو الشرط بل هو لمراعاة الغالب من حال المؤمنين أنهم لا يتزوجون إلا بمؤمنات، وهذا مما اتفق عليه الفقهاء ولو كان للقيد أو الشرط لكان حكم (الكتابيات) مختلفاً عن حكم المؤمنات مع أن الحكم واحد. قال الألوسي: (وتخصيص المؤمنات مع عموم الحكم للكتابيات للتنبيه على أن المؤمن من شأنه أن يتخيّر لنطفته ولا ينكح إلا مؤمنة، وحاصله أنه لبيان الأحرى والأليق) . ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ : المراد بالمسّ هنا (الجماع) بإجماع الفقهاء. وقد اشتهرت الكناية به وبلفظ الملامسة والمماسّة ونحوها في لسان الشرع عن الجماع، وهو كما أسلفنا من آداب القرآن لأن القرآن العظيم يتحاشى ذكر الألفاظ الفاحشة فيكني عنها مثل قوله تعالى: ﴿أَوْ لامستم النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً﴾ [النساء: ٤٣] وقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وهكذا كنّى عن الجماع باللمس أو المماسّة، ولو كان المراد في الآية حقيقة المسّ باليد وهي إلصاق اليد بالجسم للزمت العدّة فيما لو طلّقها بعد أمسّها بيده من غير جماع ولا خلوة، ولم يقل بذلك أحد من الفقهاء. ﴿عِدَّةٍ﴾ : العدّة في اللغة مأخوذة من العَدّ لأن المرأة تعدّ الأيام التي تجلسها بعد طلاق زوجها لها أو وفاته، وهي شرعاً: المدة التي تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها، أو للتعبد، أو للتفجع على زوج مات. ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ : أي تعدّونها عليهن، أو تستوفون عددها عليهن، يقال: عدّ الدراهم فاعتدّها أي استوفى عددها ومثله قولك: كلته فاكنلته، ووزنته فاتّزنته.

стр. 877

﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ : أي اعطوهن المُتْعةُ في الأصل ما يَمتّع به من مالٍ أو ثياب، وقد حدّدها بعض الفقهاء بأنها (قميص وخمار ومِلْحَفةً) والصحيح أن المتعة لا تختص بالكسوة بل هي في لسان الشرع: كل ما يعطيه الزوج لمطلقته ارضاءً لها وتخفيفاً من شدة وقع الطلاق عليها. ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ : أي طلقوهن، قال القرطبي: التسريح إرسال الشيء ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض، وسرّح الماشية: أرسلها. وقال الألوسي: أصل التسريح أن ترعى الإبل السّرْح وهو شجر له ثمره ثم جعل لكل إرسال في الرعي ثم لكل إرسال وإخراج. والمراد هنا تركهن وعدم حبسهن في منزل الزوجية. ﴿سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ : أي طلاقاً بالمعروف فهو مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وقوله كذلك ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] والسراح الجميل يكون بالتلطف مع المطلقة بالقول، وترك أذاها، وعدم حرمانها مما وجب لها من حقوق، والإحسان إليها. المعنى الإجمالي يخاطب الله ﵎ عباده المؤمنين فيقول: يا أيها الذين آمنوا إذا عقدتم عقد الزواج على المؤمنات وتزوجتموهن، ثم طلقتموهن من قبل أن تقربوهنّ فليس لكم عليهن حق في العدّة تستوفون عددها عليهنّ لأنكم طلقتموهن قبل المِساس وهذا لا يستلزم احتباس المرأة في البيت وجلوسها في العدّة من أجل صيانة تسبكم لأنكم لم تعاشروهن فليس هناك احتمال للحمل،

стр. 878

فالواجب عليكم أن تمتعوهن بدفع ما تطيب نفوسكم لأنكم لم تعاشروهن فليس هناك احتمال للحمل، فالواجب عليكم أن تمتعوهن بدفع ما تطيب نفوسكم لهن. وتكرموهنّ بشيءٍ من المال أو الكسوة تطييباً لخاطرهن وتخفيفاً لشدة وقع الطلاق عليهن وأن تفارقوهنّ بالمعروف فلا تؤذوهن بقول أو عمل، ولا تحرموهن مما وجب لهن عليكم من حقوق. فإنّ ذلك من مقتضى إيمانكم وطاعتكم لله ّ والله تعالى أعلم. وجه الارتباط بالآيات السابقة كان الحديث في الآيات السابقة عن نساء النبي ﷺ َ وما ينبغي أن يكنّ عليه من طاعة لله ورسوله، وزهدٍ في الدنيا، وطهارة وكمال، لأنهن لسن كبقية النساء، والله ﵎ يريد لهنّ أن يحافظن على ذلك الشرف الرفيع وهو انتسابهن إلى رسول الله حيث أصبحن أمهاتٍ للمؤمنين وزوجات الرسول الطاهرات، وقد أعقب ذلك بذكر قصة (زيد بن حارثة) وتطليقه (زينب) ﵂ التي تزوجها الرسول بعد ذلك بأمرٍ من الله وذلك لحكمة جليلة وهي إبطال (بدعة التبني) ثم جاء الخطاب هنا للمؤمنين بحكم الزوجة تطلّق قبل المساس وكيف يجب على المؤمنين أن يفعلوا فيما إذا وقع منهم الطلاق قبل المعاشرة، وما هي الأحكام الشرعية التي ينبغي عليهم أن يتمسكوا بها في مثل هذه الأحوال، فهذا وجه الارتباط والله أعلم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قوله تعالى: ﴿نَكَحْتُمُ المؤمنات﴾ فيه إشارة إلى أن المؤمن ينبغي أن يتخيّر لنطفته وأن ينكح المؤمنة الطاهرة، لأن إيمانها يجعلها تحافظ على عفتها ويحجزها عن الوقوع في الفاحشة والشرّ. فتصون

стр. 879

عرض زوجها وتحفظه في حضرته وغيبته وصدق الله ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] . اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ التعبير (بثم) دون الفاء أو الواو، والعطف بها (التراخي) للإشارة إلى أن الطلاق ينبغي أن يكون بعد تريث وتفكير طويل، ولضرورة ملحّة لأن الطلاق من الأمور التي يبغضها الله حيث فيه هدم وتحطيم للحياة الزوجية ولهذا قال بعض الفقهاء: إن الآية ترشد إلى أن الأصل في الطلاق الحظر، وأنه لا يباح إلا إذا فسدت الحياة الزوجية، ولم تفلح وسائل الإصلاح بين الزوجين. والحكم واحد لا يختلف فيمن تزوّج امرأة فطلّقها على الفور، أو طلّقها على التراخي. (انظر روح المعاني) . اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ كنّى بالمسّ عن الجماع وهذا - كما أسلفنا - أدب من آداب القرآن، ينبغي على المسلم أن يتأدب به فيكنى عن كل شيء قبيح أو فاحش. وما أجمل أدب الرسول حين قال للمرأة المطلّقة المبتوتة التي جاءت تستأذنه في العودة إلى زوجها الأول: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» . اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ في إسناد العدّة إلى الرجال إشارة إلى أنها حقّ للمطلّق، فوجوب العدّة على المرأة من أجل الحفاظ على نسب الإنسان فإنّ الرجل يغار على ولده، ويهمه ألا يُسْقَى زرعُه بماء غيره، ولكنّها على المشهور ليست حقاً خالصاً للعبد، بل تعلّق بها حقّ الشارع أيضاً، فإن منع الفساد باختلاط الانساب من حق الشارع.

стр. 880

والصحيح أنّ وجوب العدة فيها (حق الله، وحق العبد) ؛ ولهذا قال الفقهاء العدّةُ تجب لحكم عديدة: لمعرفة (براءة الرحم، وللتعبد، أو للتفجع) فتدبره. وجوه القراءات ١ - قرأ الجمهور ﴿من قبل أن تمسّوهنّ﴾ أي تقربوهن. وقرأ حمزة والكسائي ﴿من قبل أن تُمَاسّوهنّ﴾ بزيادة ألف، والمعنى واحد. ٢ - قرأ الجمهور ﴿من عدّة تَعْتَدّونها﴾ بتشديد الدال من العدّ أي تستوفون عددها، من قولك: عدّ الدراهم فاعتدّها أي استوفى عددها، وقرأ ابن كثير وغيره بتخفيف الدال ﴿تَعْتَدُونها﴾ قال الزمخشري: أي تعتدون فيها كقوله: ويوماً شهدناه. والمراد بالاعتداء ما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ﴾ [البقرة: ٢٣١] . قال أبو حيان: المعنى تعتدون عليهن فيها، فلما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى ضمير العدّة كقوله: ويوماً شهدناه سليماً وعامراً، أي شهدنا فيه. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ الآية. (ما) نافية حجازية تعمل عمل ليس، و (لكم) جار ومجرور خبرها مقدم. و (من) صلة تأدباً. و (عدة) اسم ليس مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً. قال ابن مالك:

стр. 881

وزيد في نفيٍ وشبهه فجّر ... نكرة كما لباغٍ من مفر والمعنى: ليس لكم عليهن عدّة توجبونها عليهن. ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ . (سراحاً) مفعول مطلق و (جميلاً) صفة له منصوب. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يقع الطلاق قبل النكاح؟ أجمع الفقهاء على أن الطلاق لا يقع قبل النكاح استدلالاً بقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فقد رتّب الطلاق على النكاح وعطفه (بثمّ) التي تفيد الترتيب مع التراخي، واستدلالاً بقوله ﷺ َ: «لا طلاق قبل النكاح» واختلفوا فيمن علّق الطلاق مثل قوله: (إن تزوجت فلانة فهي طالق) ، أو قوله: (كل امرأة أتزوجها فهي طالق) على مذهبين: أ - مذهب الشافعي وأحمد: أنه لا يقع الطلاق وهو مروي عن (ابن عباس) ﵄. ب - مذهب أبي حنيفة ومالك: أنه يقع الطلاق بعد عقد الزواج وهو مروي عن (ابن مسعود) ﵁. أدلة الشافعية والحنابلة: أ - استدل الإمامان الشافعي وأحمد رحمهما الله على أن التعليق مثل التنجيز، طلاقٌ قبل النكاح، وإذا طلّق الإنسان امرأة، لا يملكها لايقع الطلاق، لأن الطلاق لا بد أن يعتمد على الملك، وهو يشبه ما لو قال لأجنبية لا يملكها

стр. 882

(أنت طالق) فإنه لا يقع باتفاق فكذا المعلّق من الطلاق لا يقع به طلاق. ب - واستدلوا بحديث «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك» . وهذا الرأي ذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين وقد عدّ البخاري منهم أربعة وعشرين في باب (لا طلاق قبل النكاح) وهو منقول عن (ابن عباس) ﵀، فقد روي أنه سئل عن ذلك أي (عن الطلاق المعلَّق) فقال: هو ليس بشيء. فقيل له إن (ابن مسعود) يخالفك يقول: إذا طلّق ما لم ينكح فهو جائز. فقال: رحم الله أبا عبد الرحمن، لو كان كما قال لقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن) ولكن إنما قال ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ . أدلة المالكية والحنفية: واستدل الحنفية والمالكية بأنّ الطلاق يعتمد الملك، أو الإضافة إلى الملك، لكنه في حالة الإضافة إلى الملك يبقى معلّقاً حتى يحصل شرطه، فإذا قال للأجنبية (إن تزوجتك فأنت طالق) كان هذا تعليقاً صحيحاً، ولا يقع الطلاق به الآن إنما يقع بعد أن يتزوجها، فهو مثل قوله: (إن دخلتِ الدار فأنت طالق) لا يقع الطلاق إلا بعد الدخول، فكذا هنا لا يقع الطلاق إلاّ بعد أن يعقد عقد الزواج عليها، فيكون الطلاق واقعاً في الملك بالضرورة فكأنه أوقعه عليها حينذاك، وقالوا: الفرق واضح بين تنجيز الطلاق على الأجنبية وبين تعليق طلاقها على النكاح فإن قول الرجل لامرأةٍ أجنبية (هي طالق) كلام لغو، لأنها ليست زوجته وقد طلّق ما لم يملك فهو طلاق قبل النكاح لا يقع أصلاً. أما قوله: (إن تزوجت فلانة فهي طالق) فهو معلّق على الملك والفرق واضح بينهما. وهذا القول قال به جمع غفير من العلماء منهم

стр. 883

(ابن مسعود) ﵁ ودليله قوي وهو الأحوط كما نبّه عليه (ابن العربي) والجصاص. والخلاصة فإنَّ الطلاق بعد النكاح يقع باتفاق الفقهاء، والطلاق المنجّز قبل النكاح لا يقع باتفاق، والطلاق المعلّق على النكاح يقع عند الحنفية والمالكية ولا يقع عند الشافعية والحنابلة، ولكل وجهة هو موليها والله تعالى أعلم. الحكم الثاني: هل الخلوة الصحيحة توجب العدّة والمهر؟ ظاهر الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ الذي هو كناية عن الجماع أنَّ الخلوة ولو كانت صحيحة لا توجب ما يوجبه الجماع من العدّة والمهر، وهذا مذهب الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، ودليله: أن الله نفى وجوب العدّة إذا طلقت قبل الجماع، والخلوةُ ليست جماعاً فلا يجب بها العدّة ولا المهر. وذهب الجمهور (المالكية والحنفية والحنابلة) إلى أن الخلوة كالجماع توجب المهر كاملاً، وتوجب العدّة. ١ - واستدلوا بما رواه الدارقطني عن ثوبان أن رسول الله ﷺ َ قال: «من كشف خمار امرأةٍ ونظر إليها وجب الصَدَاق دخل بها أو لم يدخل» . ب - وروي عن عمر أنه قال: (إذا أغلق باباً وأرخى ستراً ورأى عورة فقد وجب الصَدَاق وعليها العدة ولها الميراث) ج - وروي عن زُرَاة بن أبي أوفى أنه قال: (قضى الخلفاء الراشدون المهديُّون أنه إذا أرخى الستور، وأغلق الباب، فلها الصداق كاملاً وعليها العدّة دخل بها أو لم يدخل) . الترجيح: وأنت ترى أن أدلة الجمهور أقوى، وحجتهم أظهر، إذ يحتمل أن يبقى الرجل مع زوجته عاماً كاملاً، يبيت معها في فراش واحد،

стр. 884

ولكنَّه لم يجامعها طيلة هذه المدة فلا بدَّ أن نوجب عليه دفع المهر كاملاً، ونلزمها بالعدّة وذلك اعتباراً بالخلوة الصحيحة ودفعاً للنزاع والخلاف. وقد اختلف القائلون بوجوب العدّة بالخلوة الصحيحة فمنهم من يقول: إنها واجبة (يانةً، وقضاءً) ومنهم من يقول بوجوبها قضاءً لا ديانةً لأن القاضي إنما يحكم بالظاهر والرأي الأول أصحّ. الحكم الثالث: ما هو حكم المطلّقة رجعياً هل تستأنف العدّة إذا راجعها زوجها ثم طلقها قبل المساس؟ اختلف الفقهاء في المرأة المطلّقة رجعياً فيما إذا طلقها زوجها بعد المراجعة قبل أن يمسّها على أقوال: أ - مذهب الظاهرية: أنه لا عدة عليها جديدة والعدة الأولى قد بطلت بالطلاق الثاني، فلا يجب عليه أن تكمّل العدة الأولى. (وهذا رأي ضعيف) ب - مذهب الشافعي: تبني على عدة الطلاق الأول وليس عليها أن تستأنف عدة جديدة. ح - مذهب مالك وأبي حنيفة: عليها أن تستأنف عدة جديدة، قال القرطبي: وعلى هذا أكثر أهل العلم. دليل الظاهرية: استدل داود الظاهري ومن قال بقوله أنّ المطلّقة الرجعية إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسّها، أنه ليس عليه أن تتم عدتها ولا عدة مستقبلة، لأنها مطلّقة قبل الدخول بها أخذاً بظاهر الآية. دليل الشافعي: استدل داود الظاهري ومن قال بقوله أنّ المطلّقة الرجعية إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسّها، أنه ليس عليها أن تتم عدتها ولا عدة مستقبلة، لأنها مطلّقة قبل الدخول بها أخذاً بظاهر الآية. دليل الشافعي: استدل الشافعي ﵀ بأن المطلّقة تبني على عدتها الأولى وليس عليها أن تستأنف عدة جديدة، بأنّ الطلاق الثاني لا عدة له لأنه طلاق قبل المساس، ولكن لا ينبغي أن يبطل ما وجب بالطلاق الأول

стр. 885

فإنه طلاق بعد دخول يجب أن تراعى فيه حكمة الشارع في إيجاب العدة. فطلاقه لها قبل أن يمسّها في حكم من طلّقها في عدتها قبل أن يراجعها، ومن طلّق امرأته في كل ظهر مرةً بنَتْ ولم تستأنف. دليل المالكية والحنفية: قالوا إن عليها أن تستأنف عدةً جديدة، لأن الطلاق الثاني وإن كان لم يفصل بينه وبين الرجعة مسّ ولا خلوة، لكنه لا يصدق عليه أنه قد حصل قبل الدخول على الإطلاق، إذا المفروض أن المرأة كان مدخولاً بها من قبل، فيجب عليها أن تستأنف عدةً كاملة لأنها في حكم الموطوءة. قال القرطبي: نقلاً عن الإمام مالك: إنها تنشئ عدةً مستقبلة، وقد ظلم زوجُها نفسَه وأخطأ إن كان ارتجعها ولا حاجة له بها، وعلى هذا أكثر أهل العلم لأنها في حكم الزوجات المدخول بهنّ في النفقة والسكنى وغير ذلك، وهو قول جمهور فقهاء البصرة والكوفة ومكة والمدينة والشام. الحكم الرابع: هل تجب المتعة لكل مطلّقة؟ ظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ إيجاب المتعة للمطلقة قبل الدخول سواءً فرض لها مهر أو لم يفرض لها مهر، ويقوّي هذا الظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١] فقد أوجبت لكل مطلقة (المتعة) وقد اختلف الفقهاء في وجوب المتعة على أقوال: أ - إنها واجبة لكل مطلّقة فرض لها مهر أم لم يفرض لها مهر عملاً بظاهر الآية وهو مذهب (الحسن البصري) . ب - إن المتعة واجبة للمطلّقة قبل الدخول التي لم يفرض لها مهر وهو مذهب (الحنفية والشافعية) . وبهذا قال (ابن عباس) ﵄. وأما التي فرض لها مهر فتكون المتعة لها مستحبة.

стр. 886

ح - إن المتعة مستحبة للجميع وليست واجبة لأحدٍ من النساء وهو مذهب (المالكية) . وسبب الخلاف بين الفقهاء في (وجوب لمتعة) أو استحبابها هو أنه قد ورد في القرآن الكريم آيات كريمة ظاهرها التعارض، فمنها ما يوجب المتعة على الإطلاق، ومنها ما يوجب المتعة عند عدم ذكر المهر المفروض لها، ومنها ما لم ينصّ على المتعة أصلاً فلهذا وقع الخلاف بين الفقهاء. أما الآيات الكريمة فهي آية الأحزاب ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ وآية البقرة [٢٣٦] ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعاً بالمعروف حَقّاً عَلَى المحسنين﴾ وآية البقرة [٢٣٧] كذلك ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ الآية. فالآية الأولى مطلقة. والثانية مقيّدة بقيدين (عدم المسّ، وعدم الفرض) وأول الآية هو قوله تعالى: ﴿لَاّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] الآية. والثالثة أوجبت نصف المهر فقط ولم تذكر المتعة، فمن الفقهاء من جعل آية البقرة مخصّصة لآية الأحزاب ويكون المعنى (فمتعوهن إن لم يكن مفروضاً لهن المهر في النكاح) وبهذا التفسير قال (ابن عباس) ويؤيده أن المتعة إنما وجبت دفعاً لإيحاش الزوج لها بالطلاق، فإذا وجب للمطلّقة قبل الدخول نصف المهر كان ذلك جابراً للوحشة فلا تجبُ لها المتعة. الترجيح: ويظهر من الأدلة أن حجة الفريق الثاني وهم (الحنفية والشافعية) أقوى وأظهر وهو مذهب ابن عباس وفيه جمع بين الأدلة والله أعلم.

стр. 887

ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً - على الإنسان أن يختار في الزواج المرأة المؤمنة الطاهرة. ثانياً - الطلاق هدم للحياة الزوجية فلا يصح أن يقع إلا في الحالات الضرورية. ثالثاً - لا تجب العدة بالإجماع إذا طلقت المرأة قبل الدخول بها. رابعاً: على الزوج أن يجبر خاطر زوجته المطلّقة بالمتعة. خامساً - حرمة إيذاء المطلّقة وتسريحها بالمعروف والإحسان. خاتمة البحث: حكمة التشريع شرع الله تعالى الزواج لبقاء النوع الإنساني، وعزّز من روابطه وأركانه وأحاط الأسرة بسياج مقدس من التكريم والتقدير. وأقام الحياة بين الزوجين على أساس التفاهم والتعاون والمحبّة والمودّة ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] . وقد أباح الإسلام الطلاق في ظروف استثنائية ضرورية، وذلك ليخلّص الإنسان من شقاء محتّم، وينقذه من مشكلةٍ قد تحرمه السعادة، أو تكلفه حياته. والطلاق: في الإسلام أبغض الحلال إلى الله، لأن فيه خراب البيوت، وضياع الأسرة. وتشريد الأولاد. ولكنّه ضرورة لا بدّ منها عند اللزوم، فلا بدّ أن تكون الأسباب فيه جليَّة. والدوافع قاهرة، وألاّ يكونه ثمة طريق إلى الخلاص من ذلك الشقاء إلاّ بالطلاق، وقد قيل في الأمثال: «آخر الدواء الكيّ» .

стр. 888

وقد أرشد الإسلام إلى الاستعمال الحكيم لهذا العلاج، بألاّ يقدم عليه الإنسان إلاّ بعد درسٍ وتمحيص. وروّية وبصيرة. فإنّ الطلاق ما شرع إلاّ ليحقّق الطمأنينة والسعادة للإنسان. ويدفع عنه مرارة العيش، وقساوة الحياة. وإذا لم يستعمله المرء في الطريق المأمون انقلب إلى إعصارٍ مخرّب مدمّر، فحرم الأسرة الأمن والاستقرار. فهو إذاً سلاح ذو حدين: فإما أن يستعمله الإنسان فيما يجلب إليه الشقاء. أو يستعمله فيما يخلّصه من الشقاء. وقد حكم الباري جلّ وعلا بأنّ من طلّق زوجه قبل المسيس. فليس له عليها حق أن يمنعها من الزواج. لأنها لا عدّة عليها. والعدّة إنما تجب لمعرفة براءة الرحم. صيانةً لحق الزوج. لئلا يختلط نسبه بنسب غيره، أو يُسقى زرعه بماء غيره ... ولمّا كان هذا الطلاق قبل المعاشرة والاتصال الزوجي، إذاً فلا عدة ولا سبيل له عليها. فيجب أن يحسن معاملتها. بمنعها من الزوج ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ . وبذلك صان المولى جلّ وعلا كرامة المرأة، ودفع عنها عدوان الزوج وطغيانه، وحفظ لكلٍ حقّه، فلم يظلم المرأة، ولم يفرّط في حقّ الرجل، وفسح المجال لكل من الزوجين في الحياة السعيدة الكريمة. فما أسمى تعاليم الإسلام؟ وما أعدل نظمه وأحكامه!!

стр. 889

[٤] أحكام زواج النبي ﷺ َ

стр. 890

التحليل اللفظي ﴿أَحْلَلْنَا﴾ : الإحلال معناه الإباحة، يقال: أحللت له الشيء: أي جعلته له حلالاً، وكل شيء أباحه الله فهو حلال، وما حرّمه فهو حرام. قال في «لسان العرب» : والحِلّ والحلال والحليل: نقيض الحرام. وأحلّه الله وحلّله. وقوله تعالى في النَّسيء: ﴿يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً﴾ [التوبة: ٣٧] وهذا لك حلّ أي حلال. وقال ابن عباس عن ماء زمزم: هي حِلّ وبلّ أي حلال محلّل. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ : مهورهنّ، والمراد في الآية: الأزواج اللواتي تزوجهنّ ﵇ بصداق، وسمّي المهر أجراً لأنه مقابل الاستمتاع بالمرأة في الظاهر. وأمّا في الحقيقة فهو بذل وعطيّة، لإظهار (خطر المحل) وشرفه، كما قال تعالى: ﴿وَآتُواْ النسآء صدقاتهن نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أي هبة وعطيّة عن طيب نفس. فالمهر تكريم للمرأة، وإيناس لها، وتطييب لخاطرها. وليس هو مقابل المنفعة أو الاستمتاع كما نبّه عليه الفقهاء. ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ : يعني الجواري والإماء، لأنهنّ يُتملكْن عن طريق الحرب والجهاد، بالجهد والتضحية، وبذل النفس والمال في سبيل الله، ولذلك أُطلق عليهن (ملك اليمين) . ﴿أَفَآءَ الله﴾ : أي ممّا غنمته منهنّ، وممَّا ردّه الله عليك من الكفار، كصفية وجويرية، فإنه ﵇ أعتقهما وتزوجهما. وأصل الفيء: الرجوع، وسمّي هذا المال فيئاً لأنه رجع إلى المسلمين من أموال الكفار بدون قتال، فكأنه كان في الأصل للمسلمين فرجع إليهم

стр. 891

بدون حرب ولا قتال. ﴿هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ : المراد بالهجرة هي هجرته ﵇ إلى المدينة المنورة، والمعية هنا (معك) يراد بها الاشتراك في الهجرة، لا في الصحبة، فمن هاجرت حلّت له سواءً هاجرت في صحبته أو لم تهاجر في صحبته. قال أبو حيان: تقول: دخل فلان معي، وخرج معي. أي كان عمله كعملي وإن لم يقترنا في الزمان. وإن قلت: فرجعنا معاً اقتضى المعنيان الاشتراك في الفعل. والاشتراك في الزمان. ﴿يَسْتَنكِحَهَا﴾ : الاستنكاح طلب النكاح، لأن السين والتاء للطلب، مثل اسنتصر طلب النصرة، واستعجل طلب العجلة، والمراد من قوله: (إن أراد النبي) أي إن رغب النبي في نكاحها، فالإرادة هنا بمعنى الرغبة في النكاح. ﴿خَالِصَةً﴾ : أي خاصة لك لا يشاركك فيها أحد، يقال: هذا الشيء خالصة لك: أي خالص لك خاصة. قال ابن كثير في قوله: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين﴾ أي لا تحل الموهوبة لغيرك. ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل، لم تحلّ له حتى يعطيها شيئاً. وكذا قال مجاهد والشعبي. ﴿مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ : أي ما أوجبنا على المؤمنين من نفقة، ومهر وشهود في العقد، وعدم تحاوز أربع من النساء. وما أبحنا لهم من ملك اليمين مع الأربع الحرائر من غير عدد محصور. ﴿حَرَجٌ﴾ : أي ضيق ومضقة، ومعنى قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾

стр. 892

أي لكيلا يكون عليك ضيق في دينك. حيث اختصصناك بما هو أولى وأفضل، وأحللنا لك أجناس المنكوحات توسعة لك، وتيسيراً عليك، لتتفرع لشئون الدعوة والرسالة. ﴿تُرْجِي﴾ : قال في «لسان العرب» : أرجأ الأمر: أخّره، وتركُ الهمزة لغة، يقال: أرجأتُ الأمر وأرجيتُه إذا أخرتَه، والإرجاء: التأخير ومنه سمّيت المرجئة، وهم صنف من المسلمين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فهم يرون أنهم لم لم يصلّوا ويصوموا لنجّاهم إيمانهم. قال ابن عباس في معنى الآية: تطلّق من تشاء من نسائك، وتمسك من تشاء منهن، لا حرج عليك. وقال مجاهد والضحاك: المعنى تَقْسم لمن شئت، وتؤخر عنك من شئت. وتقلّل لمن شئت، وتكثر لمن شئت، لا حرج عليك في ذلك، فإذا علمن أنّ هذا حكم الله وقضاؤه زالت الإحنة والغيرة عنهن، ورضين وقرّت أعينهنّ. ﴿وتؤوي﴾ : أي تضمّ، يقال أوى وآوى بمعنى واحد قال تعالى: ﴿آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٦٩] أي ضمّه إليه وأنزله معن. وفي حديث البيعة أنه قال للأنصار «أبايعكم على أن نُؤووني وتنصروني» أي تضموني إليكم وتحوطوني بينكم كذا في «اللسان» . وقال ابن قتيبة: يقال: آويت فلاناً إليّ بمدّ الألف: إذا ضممتَه إليك، وأويت إلى بني فلان، بقصر الألف: إذا لجأت إليهم.

стр. 893

قال ابن الجوزي: (وأكثر العلماء على أن هذه الآية نزلت مبيحة لرسول الله ﷺ َ مصاحَبة نسائه كيف شاء، من غير إيجاب والقسمة عليه والتسوية بينهنّ، غير أنه كان يسوّي بينهن) . ﴿تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ : أي تطيب نفوسهن بتلك القسمة ومعنى الآية: ذلك التخيير الذي خيّرناك في ضحبتهن، أقرب إلى رضاهنّ وانتفاء حزنهنّ، لأنهنّ إذا علمن أنّ هذا أمر من الله كان ذلك أطيب لأنفسهن، فلا يشعرن بالحزن والألم. قال أبو السعود: ﴿ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أي أقرب إلى قرّة عيونهن، ورضاهنّ جميعاً، لأنه حكم كلهنّ فيه سواء، ثمّ إن سوّيت بينههن وجدن ذلك تفضلاً منك، وإن رجّحت بعضهن علمن أنه بحكم الله فتطمئن به نفوسهن) . ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً حَلِيماً﴾ : أي بمالغاً في العلم فيعلم كل ما تبدونه وتخفونهه، حليماً لا يعاجل بالعقوبة فلا تغتروا بتأخيرها، فإنه تعالى يمهل ولا يمهل. المعنى الإجمالي أحلّ الله تعالى لنبيّه ﷺ َ صنوفاً من النساء، صنفاً يدفع له المهر (المهورات) وصنفاً يتمتع به بملك اليمين (المملوكات) ، وصنفاً من أقاربه من نساء قريش، ونساء بني زُهرة (المهاجرات) ، وصنفاً رابعاً ينكحه بدون مهر (الواهبات) أنفسهنّ ... وقد خص الباري جلّ وعلا

стр. 894

رسوله الكريم في أحكام الشريعة بخصائص لم يشاركه فيها أحد، وذلك توسعة عليه، وتيسيراً له في نشر الرسالة وتبليغ الدعوة، فتزوجطه ﷺ َ بأكثر من أربع، واختصاصه بنكاح الواهبات أنفسهن بدون مهر، وعدم وجوب القَسْم عليه بين الأزواج، كل ذلك خاص به صلوات الله عليه تشريفاً له وتكريماص، وإظهاراً لمقامه السامي عند الله تعالى. روى مسلم في «صحيحه» عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كنتُ أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ َ وأقول: أما تستحي امرأة أن تهب نفسها لرجل!! حتى أنزل الله تعالى ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ﴾ فقلت: ما أرى ربك إلاّ يسارع في هواك) . ومعنى الآيات الكريمة: يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك الاتي أعطيتهن مهورهن، وأحللنا لك ما مالكت يدك من السبي في الحرب. وأحللنا لك قريباتك من بنات عمك وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك، اللاتي هاجرن معك، وأحللنا لك النساء المؤمنات الصالحات، اللواتي وهبن أنفسهنّ، حباً في الله وفي رسوله، ورغبة في التقرب لك. إن أردت أن تتزوّج من شئت منهن، بدون مهر خالصة لك من دون المؤمنين، قد علمنا ما فرضنا على المؤمنين في زوجاتهم ورفيقاتهم من شرائط العقد، ووجوب المهر في غير المملوكات، وأمّا أنت فقد خصصناك بخصائص تيسيراً لك، لكيلا يكون عليك ضيق أو حرج، ولك - أيها الرسول - أن تترك من زوجاتك من تشاء، وتضم إليك من تشاء، وتقسم لمن تشاء منهن، وان تراجع بعد الطلاق من تريد، ذلك أقرب أن ترتاح قلوبهن لعلمهنّ أنه بأمر الله وترخيصه لك، فيرضَيْن بكل ما تفعل، ويقبَلْن به عن طيب نفس، وكان الله عليماً بما انطوت عليه القلوب، حليماً لا يعاجل بالعقوبة لمن خالف أمره وعصاه.

стр. 895

سبب النزول لما نزلت آية التخيير ﴿ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨] . أشفق نشاء النبيّ ﷺ َ أن يطلقهنّ فقلن: يا نبيّ الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودعنا في عصمتك فنزلت هذه الآية ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ﴾ الآية. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: الإحلال معناه الإباحة والحلّ، وإسناده إلى الله ﷻ ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك﴾ دال على أن التحليل والتحريم خاص به سبحانه والتشريع لله وحده والرسول ﷺ َ مبلّغ عن الله ولا يملك أحد سلطة التشريع ﴿إِنِ الحكم إِلَاّ للَّهِ أَمَرَ أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠] . اللطيفة الثانية: في وصفه تعالى النساء بقوله: ﴿اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ تنبيه على أن الله ّ اختار لنبيّه ﷺ َ الأفضل والأكمل، فإنّ إيتاء المهر أولى وأفضل من تأخيره، والتعجيل كان سنّة السلف لا يعرف منهم غيره، وقد شكا بعض الصحابه عدم القدرة على التزوج، فقال له

стр. 896

عليه السلام: (فأين درعك الحطمية؟) . وليس تأخير بعض المهر وتقسيمه إلى (معجّل ومؤجّل) إلا شيء استحدثه العرف، واقتضاه التغالي بالمهور، أو الحذر على مستقبل الفتاة من الطلاق بعد أن فسد حال الناس. فذكرُ الأجور ليس للقيد أو الشرط وغنما هو لبيان الأفضل. اللطيفة الثالثة: تخصيص ما ملكت يمينه في قوله تعالى: ﴿مِمَّآ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ﴾ للإشارة إلى أنها أحلّ وأطيب مما تشتري من الجلب. فما سُبي من دار الحرب قيل فيه (سبي طيبة) ، وما كان عن طريق العهد قيل (سبي خبيثة) والله تعالى لا يرغب لنبيّه إلا في الطيّب، دون الخبيث. أفاده أبو حيان في «البحر المحيط» . اللطيفة الرابعة: ذُكرَ العم والخال مفرداً، وجُمعَ العمات والخالات في قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك﴾ قال ابن العربي: والحكمة في ذلك أن العم، والخال في الإطلاق (اسم جنس) كالشاعر، والراجز، وليس كذلك في العمة والخالة، وقد جاء الكلام عليه بغاية البيان، على العرف الذي جرى عليه العرب كما قيل: (قالت بنات العم يا سلمى) . وكقولهم: (إنّ بني عمك فيهم رماح) وهذا دقيق فتأملوه. اللطيفة الخامسة: العدول عن الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى: (إن أراد النبيّ) ثمّ الرجوع إلى الخطاب في قوله (خالصة لك) وذكره ﷺ َ في الموضعين بعنوان (النبوّة) للدّلالة على أنّ الاختصاص كان من الله تعالى

стр. 897

تكرمةً له لأجل النبوَّة، والتكريرُ للتفخيم من شأنه ﷺ َ، وبيان استحقاقه الكرامة لنبوته. قال الزجّاج: وإنما قال: (إن وهبتْ نفسها للنبيّ) ولم يقل: لك، لأنه لو قال: «لك» جاز أن يتوهّم أن ذلك يجوز لغير رسول الله ﷺ َ كما جاز في بنات العم وبنات العمات. وجوه القراءات أولاً: قوله تعالى: ﴿وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ قرأ الجمهور ﴿وامرأةً﴾ بالنصب عطفاً على مفعول (أحلَلْا) و (إنْ وهبت) بكسر الهمزة شرطية، وقرأ أبو حيْوة (وامرأةٌ مؤمنةٌ) بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف أي أحللناها لك. وقرأ الحسن ﴿أنْ وهبت﴾ بفتح الهمزة وتقديره: لأن وهبت نفسها للنبيّ. ثانياً: قرأ نافع وحمزة والكسائي ﴿تُرجي﴾ بغير همز، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر ﴿تُرْجئ﴾ مهموزاً والمعنى واحد.

стр. 898

ثالثاً: قرأ ابن محيصن، والجوْني ﴿أنْ تُقِرّ﴾ بضم التاء وكسر القاف ﴿أعينَهُن﴾ بنصب النون، وقرأ الجمهور ﴿أنْ تَقَرّ أعينُهنّ﴾ فالأولى من (أقرّ) الرباعي، والثانية من (قرّ) الثلاثي فتنبه. رابعاً: قوله تعالى: ﴿لَاّ يَحِلُّ لَكَ النسآء﴾ قرأ الجمهور ﴿يحلّ﴾ بالياء، وقرأ أبو عمرو (تَحلّ) بالتاء. قال ابن الجوزي: والتأنيث ليس بحقيقي، إنما هو تأنيث الجمع، فالقراءتان حسنتان. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: ﴿اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ اللاتي: اسم موصول للمؤنث في محل نصب صفة لقوله (أزواجك) و (أجورهنّ) مفعول ثانٍ لآتيت لأنها بمعنى أعطيت، والمفعول الأول محذوف تقديره: آيتتُهنّ. ثانياً: قوله تعالى: ﴿وامرأة مُّؤْمِنَةً﴾ في نصب (امرأةً) وجهان: أحدهما: أن يكون منصوباً بالعطف على قوله (أزواجَك) والعامل فيه (أحللنا) . والثاني: أن يكون منصوباً بتقدير فعل، وتقديهر: ونُحلّ امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، وليس معطوفاً على المنصوب ب (أحللنا) لأن الشرط والجزاء لا يصح في الماضي، ألا ترى انك لو قلت: إن قُمتَ غداً قُمتُ أمسِ، كنت مخطئاً.

стр. 899

قال أبو البركات بن الأنباري: وهذا الوجه أوجه الوجهين. ثالثاً: قوله تعالى: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النبي أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ هنا شرطان، والثاني في معنى الحال، والمعنى: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تنكحها، وإذا اجتمع شرطان فالثاني شرط في الأول متأخر في اللفظ، متقدّم في الوقوع ما لم تدلّ قرينه على الترتيب، أفاده أبو حيان. رابعاً: قوله تعالى: ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ كلُّهُنَّ: مرفوع لأنه توكيد لنون النسوة في (يرضين) وليس توكيداً للضمير في (آتيتهنّ) ومعنى الآية: ويرضين كلّهنّ بما آتيتهن. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يجوز النكاح بلفظ الإجارة أو الهبة؟ لا خلاف بين الفقهاء على أن عقد النكاح ينعقد باللفظ الصريح. وهو لفظ (النكاح أو الزواج) وبكل لفظ مشتق من هذه الصيغة، إذا لم يقصد به الوعد لقوله تعالى: ﴿فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] ولقوله ﷺ َ: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» فصيغة النكاح والتزويج وردت في الكتاب والسنة. وهي من الصيغ الصريحة في النكاح. وقد اتفق الفقهاء أيضاً على أنّ ألفاظ (الإباحة، والإحلال، والإعارة، والرهن والتمتع) لا يجوز بها عقد النكاح. ومثلها لفظ (الإجارة) فلا يجوز به عقد النكاح عند جمهور الفقهاء.

стр. 900

وقال أبو الحسن الكرخي: يجوز بلفظ الإجارة لقوله تعالى: ﴿اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ وحجته أن الله سمّى المهر أجراً. والأجر يجب بعقد يتحقق بلفظ الإجارة، فيصح به النكاح. الرد على الكرخي: والجواب: أنّ معنى (الإجارة) يتنافى مع عقد النكاح. إذ النكاح مبني على التأبيد. والتوقيقُ يبطله. وعقد الإجارة مبنيٌ على التوقيت. حتى لو أطلق كان مؤقتاً ويتجدّد ساعة فساعة. فكيف يصح جعل ما هو موضوع على التوقيت دالاً على ما يبطله التوقيت؟ ومن جهة ثانية فإن الإجارة عقد على لامنافع بعوض، والمهر ليس مقابل العوض. بل هو عطية أوجبها الله تعالى إظهاراً لخطر المحل. ولذلك يصحّ النكاح مع عدم ذكر المهر. ويجب مهر المثل بالدخول. ولا يصح النكاح بلفظ الإجازة حتى لا يلتبس الأمر بعقد المتعة الباطل. ولهذا لم يوافق أحد من فقهاء الحنفية الكرخيَّ فيما ذهب إليه. أما النكاح بلفظ الهبة فقد أجازه الحنفية. ومنعه جمهور الفقهاء. أدلة الحنفية: استدل الحنفية على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة بما يلي: أ - قوله تعالى: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النبي أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ ووجه الاستدلال أنّ الله وسمّى العقد بلفظ الهبة نكاحاً فقال: (أن يستنكحها) فدلّ على جواز النكاح بلفظ الهبة، وإذا جاز هذا للنبي ﷺ َ فقد جاز لنا أيضاً لأننا أمرنا باتباعه والإقتداء به. ب - وقالوا أيضاً: إن النبي ﷺ َ وأمتَّه في عقد النكاح بلفظ (الهبة) سواء. وخصوصيتُه التي أشارت إليها الآية الكريمة ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ

стр. 901

المؤمنين﴾ إنما هي في جواز النكاح بدون مهر بدليل قوله تعالى في آخر الآية ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ وذلك يشير إلى أنّ الخصوصية دفعت حرجاً، والحرجُ إنما يكون في إلزام المهر؛ لأنه يلزمه مشقة السعي في تحصيل المال، وهو ﵇ مشغول بشؤون الرسالة، وليس ثمة حرج أن يكون العقد بلفظ النكاح أو التزويج فتكون الخصوصية له ﵇ في النكاح بدون مهر. ح - وقالوا: مما يؤيد هذا ما روي عن عائشة أنها كانت تعيّر النساء اللاتي وهبن أنفسهنّ للنبي ﷺ َ وتقول: (ألا تستحيي أن تعرض نفسها بغير صداق) !! فلما نزل قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ... ﴾ [إلى قوله] ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ قالت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وقد تقدّم الحديث. د - واستدلوا بحديث سهل بن سعد «أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ َ فقالت يا رسول الله: جئت لأهب نفسي لك. . وفيه فقام رجل من الصحابة فقال يا رسول الله: إن لم تكن لك بها حاجة فزوِّجْنيها، وذكر الحديث إلى قوله: إذهب فقد مَلّكتكها بما معك من القرآن» . ففي هذا الحديث أنه عقد له النكاح بلفظ التمليك. والهبة من ألفاظ التمليك. فوجب أن يجوز بها عقد النكاح. فلكُّ ما كان من ألفاظ (الإباحة) لم ينعقد به عقد النكاح قياساً على المتعة، وكلُّ ما كان من ألفاظ (التمليك) ينعقد به عقد النكاح قياساً على سائر عقود التمليكات. حجة الجمهور: واستدل الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) على عدم جواز النكاح بلفظ الهبة بما يأتي: أ - أنّ الله تعالى خصّ رسوله بهذه الخصوصية، وهي جواز النكاح

стр. 902

بلفظ الهبة بدون مهر فقال جل ثناؤه: ﴿وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النبي أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين﴾ . فقوله تعالى: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ وقوله ﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ دليل على أنّ إحلال المرأة عن طريق الهبة إنما كان خاصاً بالنبي ﷺ َ بدليل قوله تعالى ﴿مِن دُونِ المؤمنين﴾ فالخصوصية له ﵇ كانت بالهبة (لفظاً ومعنى) لأنّ اللفظ تابع للمعنى. ب - وقالوا: ما كان من خصوصياته ﵇، فلا يجوز أن يشاركه فيها أحد. والآية دلت على أن هذا خاص بالرسول ﷺ َ أي أن النكاح بدون مهر، وبلفظ الهبة معاً، من خصائصه ﵇، فمن أين لكم الخصوصية في المعنى دون اللفظ؟ ومن أين لكم أنه يجوز عقد النكاح لغير النبي ﷺ َ بلفظ الهبة مع إيجاب المهر؟ ج - وأما استدلال الحنفية بحديث (سهل بن سعد) أن النبي ﵇ زوّج الصحابي بلفظ التمليك بقوله: «اذهب فقد ملّكتُكها بما معك من القرآن» فليس فيه ما يدل لهم، فقد جاء في بعض الروايات «اذهب فقد زوّجتُكها» وليس كل ما يدل على التمليك ينعقد به النكاح. فلفظ الإجارة يدل على التمليك ومع ذلك لا ينعقد به النكاح باتفاق. الترجيح: أقول: أدلة الحنفية كما بسطها الإمام (الجصاص) وإن كانت قوّية، إلاّ أنّ النصّ ورد بالخصوصية للرسول ﵇ في (نكاح الهبة) والظاهر أنّ المراد منه (اللفظ والمعنى) ، وحمله على لامعنى دون اللفظ يحتاج إلى دليل. وصيَغُ النكاح لا يجري فيها القياس، فما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح كما قال الإمام مالك ﵀: إنّ الهبة لا تحل لأحد بعد النبي ﷺ َ إن كانت هبة نكاح، والله أعلم.

стр. 903

الحكم الثاني: هل الهجرة شرط في النكاح؟ ظاهر الآية الكريمة يدل على أنّ من لم تهاجر معه من النساء لا يحلّ له نكاحها لقوله تعالى: ﴿اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ الآية وإلى هذا الظاهر ذهب بعض العلماء، قال القاضي أبو يعلى: وهذا يدل على أن من لم تهاجر معه من النساء لم يحلّ له نكاحها، قالت أم هانئ بنت أبي طالب: خطبني رسول الله ﷺ َ فاعتذرت إليه فعذرني، ثم نزلت هذه الآية ﴿إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك﴾ إلى قولك ﴿اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قالت: فلم أكن لأحلّ له، لأني لم أهاجر معه، كنتُ من الطّلقاء. وجمهور المفسرين على أن الهجرة ليست بقيد ولا شرط، وإنما هي لبيان الأفضل. كما في قوله تعالى: ﴿اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ فالآية ذكرت الأصناف التي يباح للرسول ﷺ َ أن يتزوج منها، وبيّن ما هو أفضل له وأكمل، فكما أنّ ذكر (الأجور) ليس للقيد وإنما هو لبيان الأفضل فكذا هنا. قال أبو حيّان: (والتخصيص باللاتي هاجرن معك، لأنّ من هاجر معه من قرابته غير المحارم أفضل من غير المهاجرات، وقيل: شرط الهجرة في التحليل منسوخ) . وحكى المارودي في ذلك قولين: أحدهما: أن الهجرة شرط في إحلال النساء له على الإطلاق. والثاني: أنه شرط في إحلال قراباته المذكورات في الآية دون الأجنبيات. الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه جمهور المفسّرين أن تقييد القريبات بكونهنّ مهاجرات لبيان الأكمل والأفضل.

стр. 904

الحكم الثالث: هل كان عند النبي امرأة موهوبة؟ ذهب أكثر العلماء إلى أن الهبة وقعت من كثير من النساء، وقد وردت روايات كثيرة منها القوي ومنها الضعيف في أسماء الواهبات أنفسهنّ، منهنّ (أم شريك) و (خولة بنت حكيم) و (ليلى بنت الخطيم) ولكن لم يكن عند رسول الله ﷺ َ منهنّ أحد، وقيل (ميمونة بنت الحارث) و (زينب بنت خزيمة) كذلك من الواهبات أنفسهنّ والصحيح هو الأول. قال أبو بكر ابن العربي: (وروي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: لم يكن عند النبي ﷺ َ امرأة موهوبة) . قال ابن كثير: «اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ َ كثير، كما قال البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهنّ للنبي ﷺ َ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلمّا أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ﴾ قلت: ما أرى ربك إلاّ يسارع في هواك» . الحكم الرابع: هل كان القسم واجباً على رسول الله ﷺ َ وأنه كان يقسم بينهن بالعدل ويقول: «اللهمّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك» يريد بقوله (ما لا أملك) ميل القلب نحو بعض نسائه كعائشة ﵂. واستدلوا بأنّ القسم كان واجباً عليه بأنه ﵇ كان يستأذن بعض

стр. 905

نسائه فيقول: أتأذنّ لي أن أبيت عند فلانه، وقد ورد في ذلك أحاديث صحيحة. وذهب أكثر العلماء على أن هذه الآية الكريمة نزلت مبيحة لرسول الله ﷺ َ معاشرة من شاء من نسائه دون أن يكون القسم عليه واجباً، ومع ذلك فقد كان يعدل بينهنّ ويسوّي في القسمة. قال الجصاص: «وهذه الآية تدل على أن القسم بينهن لم يكن واجباً على النبي ﷺ َ وأنه كان مخيراً في القسم لمن يشاء، وترك من شاء منهن» . وقال ابن كثير: «وذهب طائفة من العلماء من الشافعية وغيرهم، إلى أنه لم يكن القسم واجباً عليه ﷺ َ، واحتجوا بهذه الآية الكريمة، وقال البخاري عن معاذ عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان النبي ﷺ َ يستأذننا في يوم المرأة منا، بعد أن نزلت هذه الآية ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فقلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت كنت أقول: إن كان ذلك إليّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحداً» . والصحيح أن القسم لم يكن واجباً عليه وهو اختيار الجمهور. شبهة والردُّ عليها لقد درج أعداء الإسلام منذ القديم، على التشكيك في نبي الإسلام، والطعن في رسالته والنيل من كرامته، ينتحلون الأكاذيب والأباطيل، ليشككوا المؤمنين في دينهم، ويبعدوا الناس عن الإيمان برسالته ﷺ َ، ولا عجب أن نسمع مثل هذا البهتان والافتراء والتضليل في حق الأنبياء

стр. 906

والمرسلين، فتلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاص. وصدق الله حيث يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين وكفى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان: ٣١] وقبل أن نتحدث عن «أمهات المؤمنين الطاهرات» ، وحكمة الزواج بهن نحب أن نردّ على شبهة سقيمة، طالما أثارها كثير من الأعداء، من الصليبيين، الحاقدين، والغربيّين المتعصبين. ردّدوها كثيراً ليفسدوا بها العقائد، ويطمسوا بها الحقائق. ولينالوا من صاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله، صلوات الله عليه. إنهم يقولون: «لقد كان محمد رجلاً شهوانياً، يسير وراء شهواته وملذاته، ويمشي مع هواه، لم يكتف بزوجةٍ واحدة أو بأربع، كما أوجب على أبتاعه، بل عدّد الزوجات فتزوّج عشر نسوةٍ أو يزيد، سيراً مع الشهوة، وميلاً مع الهوى! كما يقولون أيضاً:» فرقٌ كبير وعظيم بين «عيسى» وبين «محمد» ، فرقٌ بين من يغالب هواه، ويجاهد نفسه كعيسى بن مريم، وبين من يسير مع هواه، ويجري وراء شهواته كمحمد ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَاّ كَذِباً﴾ [الكهف: ٥] . حقاً إنهم لحاقدون كاذبون، فما كان «محمد» ﵊ ُ، رجلاً شهوانياً، إنما كان نبياً إنسانياً، تزوّج كما يتزوّج البشر، ليكون قدوة لهم في سلوك الطريق السويّ، وليس هو إلهاً، ولا ابن إله - كما يعتقد النصارى في نبيّهم - إنما هو بشر مثلهم، فضّله الله عليهم بالوحي، والرسالة ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ ... ﴾ [الكهف: ١١٠] .

стр. 907

ولم يكن صلوات الله وسلامه عليه بدعاً من الرسل، حتى يخاف سنتهم، أو ينقض طربقتهم، فالرسل الكرام قد حكى القرآن الكريم عنهم بقول الله جلّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً ... ﴾ [الرعد: ٣٨] . فعلام إذاً يثيرون هذه الزوابع الهوج في حقّ خاتم النبيين ﵊ ُ؟ ولكن كما يقول القائل: قد تنكر العين ضوء الشمس من رَمَد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم وصدق الله حيث يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦] «ردُّ الشبهة» هناك نقطتان جوهريتان، تدفعان الشبهة عن النبي الكريم، وتلقمان الحجر لكل مقتر أثيم، يجب ألاّ يغفل عنهما، وأن نضعهما نَصْبَ أعيننا حين نتحدث عن أمهات المؤمنين، وعن حكمة تعدّد زوجاته الطاهرات، رضوان الله عليهن أجمعين. هاتان النقطتان هما: أولاً: لم يعدّد الرسول الكريم ﷺ َ زوجاته إلا بعد بلوغه سنَّ الشيخوخة أي بعد أن جاوز من العمر الخمسين. ثاناً: جميع زوجاته الطاهرات ثيبات (أرامل) ما عدا السيدة عائشة ﵂ فهي بكر، وهي الوحيدة من بين نسائه التي تزوجها ﷺ َ وهي في حالة الصبا والبكارة.

стр. 908

ومن هاتين النقطتين ندرك - بكل بساطة - تفاهة هذه التهمة، وبطلان ذلك الادعاء، الذي ألصقه به المستشرقون الحاقدون. فلو كان المراد من الزواج الجريَ وراء الشهوة، أو السيرَ مع الهوى، أو مجرد الاستمتاع بالنساء، لتزوّج في سنّ (الشباب) لا في سنّ (الشيخوخة) ولتزوج (الأبكار الشابات) ، لا (الأرامل المسنّات) ، وهو القائل لجابر بن عبد الله حين جاءه وعلى وجهه أثر التطيب والنعمة: «هل تزوجت؟ قال: نعم، بكراً أم ثيباً؟ قال: بل ثيباً، فقال له صلوات الله عليه: فهلَاّ بكراً تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك» ؟ فالرسول الكريم أشار عليه بتزوج البكر، وهو ﵇ يعرف طريق الاستمتاع وسبيل الشهوة، فهل يعقل أن يتزوج الأرامل ويترك الأبكار. ويتزوج في سن الشيخوخة، ويترك سنّ الصّبا، إذا كان غرضه الاستمتاع والشهوة؟! إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفدون رسول الله ﷺ َ بمهجهم وأرواحهم، ولو أنه طلب الزواج لما تأخر أحد منهم عن تزويجه بمن شاء من الفتيات الأبكار الجميلات، فلماذا لم يعدّد الزوجات في مقتبل العمر، وريعان الشباب، ولماذا ترك الزواج بالأبكار، وتزوّج الثيبات؟ إنّ هذا - بلا شك - يدفع كل تقوّل وافتراء، ويدحض كل شبهة وبهتان. ويردّ على كل آفّاك أثيم، يريد أن ينال من قدسية الرسول، أو يشوّه سمعته فما كان زواج الرسول بقصد (الهوى) أو (الشهوة) وإنما كان لحكم جليلة، وغايات نبيلة، وأهداف سامية، سوف يقر الأعداء بنبلها وجلالها، إذا ما تركوا التعصب الأعمى، وحكّموا منطق العقل والوجدان. وسوف يجدون في هذا الزواج (المثل الأعلى) في الإنسان الفاضل

стр. 909

الكريم، والرسول النبي الرحيم، الذي يضحّي براحته في سبيل مصلحة غيره، وفي سبيل مصلحة الدعوة والإسلام. حكمة تعدد زوجات الرسول ﷺ َ إن الحكمة من «تعدّد زوجات الرسول» كثيرة ومتشعبة، ويمكننا أن نجملها فيما يلي: أولاً: الحكمة التعليمية. ثانياً: الحكمة التشريعية. ثالثاً: الحكمة الاجتماعية. رابعاً: الحكمة السياسة. ولنتحدث باختصار عن كلٍ من هذه الحِكَم الأربع، ثم نعقبها بالحديث عن أمهات المؤمنين الطاهرات، وحكمة الزواج بكل واحدة منهن استقلالاً فنقول ومن الله نستمد العون. أولاً: الحكمة التعليمية: لقد كانت الغاية الأساسية من تعدد زوجات الرسول ﷺ َ هي تخريج بضع معلمات للنساء، يعلمنهن الأحكام الشرعية، فالنساء نصيف المجتمع، وقد فُرِضَ عليهن من التكاليف ما فرض على الرجال. وقد كان الكثيرات منهن يستحيين من سؤال النبي ﷺ َ عن بعض الأمور الشرعية وخاصة المتعلقة بهن، كأحكام الحيض، والنفاس، والجنابة، والأمور الزوجية، وغيرها من الأحكام، وقد كانت المرأة تغالب حياءها حينما تريد أن تسأل الرسول الكريم عن بعض هذه المسائل. كما كان من خلق الرسول ﷺ َ الحياء الكامل، وكان - كما تروي كتب السنّة - أشدّ حياءً من العذراء في خدرها، فما كان ﵊ ُ

стр. 910

يستطيع أن يجيب عن كل سؤالٍ يعرض المرأة عن طريق (الكناية) مراده ﵇. تروي السيدة عائشة ﵂ أن امرأة من الأنصار، سألت النبي ﷺ َ عن غسلها من المحيض، فعلّمها ﷺ َ كيف تغتسل، ثمّ قال لها: خذي فرصة ممسّكةً (أي قطعة من القطن بها أثر الطيب) فتطهّري بها، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهّري بها، قالت: كيف يا رسول الله أتطهر بها؟ فقال لها: سبحان الله تطهّري بها! . قالت السيدة عائشة: فاجتذبتها من يدها، فقلت: ضعيها في مكان كذا وكذا، وتتبعي بها أثر الدم، وصرحت لها بالمكان الذي تضعها فيه. فكان صلوات الله عليه يستحيي من مثل هذا التصريح، وهكذا كان القليل أيضاً من النساء من تستيطع أن تتغلّب على نفسها، وعلى حيائها، فتجاهر النبي ﷺ َ بالسؤال عمّا يقع لها. نأخذ مثلاً لذلك حديث (أم سلمة) المرويّ في «الصحيحين» وفيه تقول: (جاءت أم سُلَيْم (زوج أبي طلحة) إلى الرسول الله ﷺ َ فقالت له: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غُسْل إذا هي احتلمت؟ فقال لها النبي ﷺ َ: نعم إذا رأت الماء. فقالت أم سلمة: لقد فضحتِ النساء، ويحك أو تحتلم المرأة؟ فأجابها النبي الكريم بقوله: إذاً فبم يشببها الولد؟) مراده ﵇ أن الجنين يتولد من ماء الرجل، وماءِ المرأة، ولهذا يأتي له شبه بأمه، وهذا كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: ٢] .

стр. 911

قال ابن كثير ﵀: «أمشاج: أي أخلاط. والمشج والمشيج الشيء المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس: يعني ماءَ الرجل، وماء المرأة، إذا اجتمعا واختلطا ... » . وهكذا مِثْلُ هذه الأسئلة المحرجة، كان يتولى الجواب عنها فيما بعد زوجاتُه الطاهرات. ولهذا تقول السيدة عائشة ﵂: «رحم الله نساء الأنصار، ما منعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» . وكانت المرأة منهن تأتي إلى السيدة عائشة في الظلام لتسألها عن بعض أمور الدين، وعن أحكام الحيض والنفاس والجنابة وغيرها من الأحكام، فكان نساء الرسول خيرَ معلّمات وموجهات لهن، وعن طريقهن تفقّه النساء في دين الله. ثمّ إنه من المعلوم أنّ السنّة المطهّرة ليست قاصرة على قول النبي ﷺ َ فحسب، بل هي تشمل قوله. وفعله، وتقريره، وكل هذا من التشريع الذي يجب على الأمة اتباعه، فمن ينقل لنا أخبارَه وأفعالَه ﵇ في المنزل غيرُ هؤلاء النسوة اللواتي أكرمهن الله فكنّ أمهات للمؤمنين، وزوجاتٍ لرسوله الكريم في الدنيا والآخرة؟! لا شك أن لزوجاته الطاهرات رضوان الله عليهن أكبر الفضل في نقل جميع أحواله وأطواره، وأفعاله المنزلية ﵇ أفضل الصلاة والتسليم. ولقد أصبح من هؤلاء الزوجات معلّمات ومحدثات نقلن هدية ﵇. واشتهرن بقوة الحفظ والنبوغ والذكاء. ونتحدث الآن عن (الحكمة التشريعية) التي هي جزء من حكمة تعدد زوجات الرسول ﷺ َ. وهذه الحكمة ظاهرة تدرك بكل بساطة، وهي

стр. 912

أنها كانت من أجل إبطال بعض العادات الجاهلية المستنكرة، ونضرب لذلك مثلاً (بدعة التبني) التي كا ن يفعلها العرب قبل الإسلام، فقد كانت ديناً متوارثاً عندهم، يتبنّى أحدهم ولداً ليس من صلبه، ويجعله في حكم الولد الصلبي، ويتخذه ابناً حقيقياً له حكم الأبناء من النسب، في جميع الأحوال: في الميراث، والطلاق، والزواج، ومحرمات المصاهرة، ومحرمات النكاح، إلى غير ما هنالك مما تعارفوا عليه وكان ديناً تقليدياً متبعاً في الجاهلية. كان الواحد منهم يتبنَّى ولد غيره فيقول له: «أنت ابني، أرثك وترثني» وما كان الإسلام ليقرّهم على باطل، ولا ليتركهم يتخبّطون في ظلمات الجهالة، فمهّد لذلك بأن ألهم رسوله ﵇ أن يتبنّى أحد الأبناء - وكان ذلك قبل البعثة النبوية - فتبنّى النبي الكريم (زيد بن حارثه) وأصبح الناس يدعونه بعد ذلك اليوم (زيد بن محمد) . روى البخاري ومسلم: عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: إنّ زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ َ ما كنّا ندعوه إلاّ زيد بن محمد، حتى نزل القرآن ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ [الأحزاب: ٥] فقال النبي ﷺ َ: أنت زيد بن حارثه بن شراحبيل «. وقد زوّجه ﵇ بابنة عمته (زينب بنت جحش الأسدية) وقد عاشت معه مدةً من الزمن، ولكنها لم تطل فقد ساءت العلاقات بينهما، فكانت تغلظ له القول، وترى أنها أشرفُ منه، لأنه كان عبداً مملوكاً قبل أن يتبناه الرسول، وهي ذات حسبٍ ونسب.

стр. 913

ولحكمة: يريدها الله تعالى طلّق زيد زينب، فأمر الله رسوله أن يتزوجها ليبطل (بدعة التبني) ويقيم أسس الإسلام، ويأتي على الجاهلية من قواعدها. ولكنه ﵇ كان يخشى من ألسنة المنافقين والفجّار، أن يتكلموا فيه ويقولوا: تزوّج محمد امرأة ابنه، فكان يتباطأ حتى نزل العتاب الشديد لرسول الله ﵇، وفي قوله جلّ وعلا: ﴿وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً﴾ [الأحزاب: ٣٧] . وهكذا انتهى حكم التبني، وبطلت تلك العادات التي كانت متبعة في الجاهلية. وكانت ديناً تقليدياً لا محيد عنه، ونزل قوله تعالى مؤكداً هذا التشريع الإلهي الجديد: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٠] . وقد كان هذا الزواج بأمرٍ من الله تعالى، ولم يكن بدافع الهوى والشهوة كما يقول بعض الأفّاكين المرجفين من اعداء الله، وكان لغرضٍ نبيل، وغاية شريفة هي إبطال عادات الجاهلية، وقد صرّح الله بغرض هذا الزواج بقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] . وقد تولى الله تزويج نبيه الكريم بزينب، امرأة ولده من التبني ولهذا كانت تفخر على نساء النبي بهذا الزواج الذي قضى به رب العزّة من فوق سبع سماواته. روى البخاري: يسنده أن (زينب) ﵂ كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ َ وتقول: زوجكُنّ أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سموات.

стр. 914

وهكذا كان هذا الزواج للتشريع، وكان بأمر الحكيم العليم، فسبحان من دقت حكمته أن تحيط بها العقول والأفهام وصدق الله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلَاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] . ثالثاً: الحكمة الاجتماعية: أما الحكمة الثالثة فهي (الحكمة الاجتماعية) وهذه تظهر بوضوح في تزوج النبي ﷺ َ بابنة الصّديق الأكبر (أبي بكر) ﵁ وزيره الأول، ثمّ بابنة وزيره الثاني الفاروق (عمر) ﵁ وأرضاه، ثمّ باتصاله ﵇ بقريش اتصال مصاهرة ونسب. وتزوجه العديد منهن، ممّا ربط بين هذه البطون والقبائل برباط وثيق، وجعل القلوب تلتف حوله، وتلتقي حول دعوته في إيمان، وإكبار، وإجلال. لقد تزوّج النبي صلوات الله عليه بالسيدة (عائشة) بنتِ أحبّ الناس إليه، وأعظمهم قدراً لديه، ألاوهو أبو بكر الصدّيق، الذي كان أسبق الناس إلى الإسلام، وقدّم نفسه وروحه وماله، في سبيل نصرة دين الله، والذود عن رسوله، وتحمّل ضروب الأذى في سبيل الإسلام، حتى قال ﵇ كما في الترمذي - مُشيداً بفضل أبي بكر: «ما لأحد عندنا يدٌ وقد كافيناه بها، ما خلا أبا بكر، فإنّ له عندنا يداً يكافيه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحدٍ قط ما نفعني مال أبي بكر. وما عرضت الإسلام على أحدٍ إلاّ كانت له كبوة (أي تردد وتلكؤ) إلا أبا بكر فإنه لم يتعلثم، ولو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، أإلا وإنّ صاحبكم خليل الله تعالى» . فلم يجد الرسول صلى الله عله وسلم مكافأة لأبي بكر في ادلنيا، أعظم من أن يُقرَّ عينه بهذا الزواج بابنته، ويصبح بينهما (مصاهرة) وقرابة، تزيد في صداقتهما وترابطهما الوثيق.

стр. 915

كما تزوج صلوات الله عليه بالسيدة (حفصة بنت عمر) فكان ذلك قرّة عين لأبيها عمر على إسلامه، وصدقه، وإخلاصه، وتفانيه في سبيل هذا الدين، وعمر هو بطل الإسلام، الذي أعزّ الله به الإسلام والمسلمين، ورفع به منار الدين، فكان اتصاله ﵇ به عن طريق المصاهرة، خيّرَ مكافأة له على ما قدّم في سبيل الإسلام، وقد ساوى ﷺ َ بينه وبين وزيره الأول أبي بكر في تشريفه بهذه المصاهرة، فكان زواجه بابنتيهما أعظم شرفٍ لهما، بل أعظم مكافأة ومنّة، ولم يكن بالإمكان أن يكافئهما في هذه الحياة بشرف أعلى من هذا الشرف، فما أجلّ سياسته؟ وما أعظم وفاءه للأوفياء المخلصين! . كما يقابُل ذلكَ اكرامَه لعثمان وعلي ﵄ بتزويجهما ببناته، وهؤلاء الأربع هم أعظم أصحابه، وخلفاؤه من بعده في نشر ملته، وإقامة دعوته، فما أجلّها من حكمة، وما أكرمها من نظرة؟ رابعاً: الحكمة السياسية: لقد تزود النبي ﷺ َ ببعض النسوة، من أجل تأليف القلوب عليه، وجمع القبائل حوله، فمن المعلوم أنّ الإنسان إذا تزوج من قبيلة، أو عشيرة، يصبح بينه وبينهم قرابة و (مصاهرة) وذلك بطبيعته يدعوهم إلى نصرته وحمايته، ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك لتتضّح لنا الحكمة، التي هدف إليها الرسول الكريم من وراء هذا الزواج. أولاً: تتزوّج صلوات الله عليه بالسيدة (جويرية بنت الحارث) سيّد بني المصطلق، وكانت قد أُسِرت مع قومها وعشيرتها، ثمّ بعد أن وقعت تحت الأسر أرادت أن تفتدي نفسها، فجاءت إلى رسول الله ﷺ َ تستعينه بشيء من المال، فعرض عليها الرسول الكريم أن يدفع عنها الفداء وأن يتزوج بها فقبلت ذلك فتزوجها، فقال المسلمون: أصهار رسول الله ﷺ َ تحت أيدينا؟ (أي أنهم في الأسر) فأعتقوا جميع الأسرى الذين كانوا تحت أيديهم،
следующие страницы →