Полный текст (1 222 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
ولا يخرجون. . فكان الناس بحاجة إلى أن يتعلموا الآداب الرفيعة، وأن يكون عندهم (ذوق اجتماعي) وشعور رقيق، يمنعهم عن ارتكاب النقائض، وفعل ما يخل بالمروءة، لذلك أنزل الله تعالى هذه الآيات الكريمة تعلمياً للأمة وإرشاداً لها إلى سلوك الطريق القويم، وقد قال إسماعيل بن أبي حكيم: «هذا أدبٌ أدّب الله به الثقلاء» .
وقال آخر: هذه الآية نزلت في الثقلاء، وحسبُكَ من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم.
ولقد كان هناك من بعض المنافقين إيذاء لرسول الله ﷺ َ بالفعل أو القول، حتى قال رجل من المنافقين حين تزوّج رسول الله ﷺ َ أم سلمة بعد وفاة زوجها أبي سلمة: ما بال محمد يتزوج نساءنا! ﴿والله لو قد مات لأجلنا السّهام على نسائه، يريد اقتسمناهن بالقرعة، فنزلت الآية في هذا، فحرّم الله نكاح أزواجه من بعده، وجعل لهن حكم الأمهات تطييباً لخاطره الشريف وهذا من خصائصه ﵊ ُ أب للمؤمنين، وهل يليق بالإنسان أن يتزوج امرأة أبيه وهي أُمّه بنصّ القرآن الكريم﴾ ! وصدق الله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله وَلَا أَن تنكحوا أزواجه مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً﴾ .
стр. 947
[٦] الصلاة على النبي ﷺ َ
التحليل اللفظي
﴿يُصَلُّونَ﴾ : الصلاة في اللغة معناها: الدعاء والاستغفار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي أدع لهم بالمغفرة والرحمة قال الأعشى:
عليكِ مثلَ الذي صلّيتِ فاغتمضي ... نوماً فإنّ لجنب المرء مضطجعاً
مضجعاً ... أي لك من الدعاء مثل ما دعوتِ لي به.
стр. 948
وسميت الصلاة المفروضة صلاة لما فيها من الدعاء والاستغفار، وتأتي الصلاة بمعنى الرحمة ومنه قوله ﷺ َ: «اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى» ، قال الأزهري: هي بمعنى الرحمة، أي ارحم آل أبي أوفى، وقال الشاعر:
صلّى على عزّة الرحمن وابنتِها ... ليلى وصلّى على جاراتها الأخر
قال ابن عباس: «أراد أنّ الله تعالى يرحمه، والملائكة يدعون له ويبرّكون» .
وقال أبو العالية: «صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاتهم دعاؤهم له» .
﴿النبي﴾ : قال الجوهري: والنبي: المخبر عن الله ّ، لأنه أنبأ عنه وجمعه أنبياء، وفي «النهاية» : يجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه.
قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلاّ ويقول تنبّأ مسيلمة بالهمز، غير أنهم تركوا الهمز في النبي كما تركوه في الذرّية والبريّة، إلا أهل مكة فإنهم يهمزون هذه الأحرف، ثم قال: والهمز في (النبيّ) لغة رديئة، واشتقاقه من نبأ وأنبأ أي أخبر.
وجمع النبيء: أنْبِئَاء ونُبَآء.
قال ابن مرداس:
يا خاتم النّبَآء إنّك مرسلٌ ... بالخبر كلّ هُدى السبيل هُداكا
إنّ الألاه ثَنَى عليك محبةً ... في خلقِهِ ومحمّداً أسماكا
أقول: كل ما ورد في القرآن من خطاب للنبي أو الرسول فإنما
стр. 949
يقصد به محمد ﵊ ُ، خاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين.
﴿يُؤْذُونَ الله﴾ : إيذاء اللَّهَ: وصفُه بما لا يليق به جلّ وعلا كقول اليهود: (يد الله مغلولة) ، و (عزير بن الله) ، وقول النصارى: المسيح ابن الله وأن الله ثالث ثلاثة، وقول كفار قريش: الملائكة بنات الله، وسائر ما لا يرضي الله ّ من الكفر والعصيان.
وإيذاء الرسول كقولهم عنه بمجنون، شاعر، ساحر، كذّاب، أو إلحاق الأذى به كشجّ وجهه الشريف وكسر رباعيته في أُحد، وأمثال ذلك من الأذى الحسي أو الأدى المعنوي، الذي كان يحلقه به المنافقون والكفار.
﴿لَعَنَهُمُ الله﴾ : اللعن: الطرد والإبعاد من رحمة الله ّ، قال تعالى: ﴿مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثقفوا أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً﴾ [الأحزاب: ٦١] .
﴿بُهْتَاناً﴾ : البهتان: الافتراء والكذب الواضح، وهو من البهت بمعنى التحيّر.
قال في اللسان: بهت الرجل يبهتُه بهتاناً، وباهته: استقبله بأمرٍ يقذفه به وهو منه برئ، والبهتان: الباطل الذي يتحير من بطلانه.
﴿مُّبِيناً﴾ : بيناً ظاهراً لأنه واضح الكذب والبهتان، تقول: بان الشيء، وبان الأمر، وبان الحق، إذا ظهر جلياً واتضح، قال الشاعر:
فبان للعقل أن العلم سيِّدُه ... فقبَّل العقل رأس العلم وانصرفا
وتسمّى البيّنة لأنها تكشف الحق وتظهره.
стр. 950
المعنى الإجمالي
يخبر المولى جلّ وعلا بما ناله الرسول الكريم، من جاهٍ عظيم، ومنزلة سامية، ومكانة رفيعة عند الله اتعالى، وما له من السيادة والمقام المحمود في الملأ الأعلى، وما خصّه الله تعالى به من الثناء العاطر، والذكر الحسن، فيقول الله تعالى ما معناه:
«إن الله تعالى يرحم نبيه، ويعظم شأنه، ويرفع مقامه، وملائكته البرار، وجنده الأطهار، يدعون للنبي ﵇ ويستغفرون له، ويطلبون من الله أن يبارك ويمجّد عبده ونبيّه محمداً ﷺ َ، ويُنيله أعلى المراتب، ويُظْهر دينه على جميع الأديان، ويُجْزل له الأجر والثواب، على ما قدّم لأمته من خير عميم، وفضل جسيم ... في أيها المؤمنون: صلّوا أنتم عليه، وعظّموا أمره، واتبعوا شرعه، وأكثروا من الصلاة عليه والتسليم، فحقه عليكم عظيم، ومهما فعلتم فلن تؤدوه حقه، فقد كان المنقذ لكم من الضلالة إلى الهدى، وبه أخرجكم الله من الظلمات إلى النور ﴿هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩] فقولوا كلما ذكر اسمه الشريف: اللهم صل على محمد وسلّم تسليماً كثيراً، وادعوا الله أن يجزيه عنكم خير الجزاء.
ثمّ أخبر تعالى أن الذين يؤذون الله ورسوله قد استحقوا غضب الله ولعنته عليهم في دنياهم وآخرتهم، وأنّ الله أعدّ لهم عذاباً شديداً لا يُدْرك كنهه ولا يُعْرف هوله، وكذلك الذين آذوا المؤمنين والمؤمنات، فنسبوا إليهم ما لم يفعلوه، واتهموهم بالكذب، والزور، والبهتان، وتقوّلوا على ألسنتهم، ما لم يقولوه، هؤلاء الذين فعلوا ذلك لهم أيضاً عذاب أليم في الدنيا والآخرة جزاء ما اقترفوا من سيِّئ الأعمال.
стр. 951
وجه الارتباط بالآيات الكريمة السابقة
في الآيات الكريمة السابقة كان الحديث عن حرمة دخول بيوت النبي. وعن حرمة نكاح أزواجه الطاهرات، وقد بيّن تعالى فيها أن شأن المؤمنين ألا تكون منهم أذية للرسول ﵊ ُ، لما له عليهم من حق عظيم، وفي هذا توجيه وإرشاد إلى تكريمه ﷺ َ وحياطة لمقامه الشريف وهنا بيّن تعالى أن الله يكرّم نبيّه ويرحمه ويعلى شأنه، وملائكتُه كذلك، فكيف لايكرّمه المؤمنون مع أن الله يصلّي عليه؟ وهو لا يستحق إلا كلّ تكريم وتمجيد، فكأنه قيل لهم: لا ينبغي لكم أن تؤذوه، فإن الله يصلّي عليه وملائكته، فهذا وجه الارتباط والله تعالى أعلم.
وجوه القراءات
قرأ الجمهور ﴿إنّ اللَّهَ وملائكتُه﴾ بالرفع ويكون الخبر محذوفاً تقديره: إنَّ الله يصلي، وملائكته يصلّون.
وجوه الإعراب
١ - قوله تعالى: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النبي﴾ الجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) .
٢ - قوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ (سلّموا) أمر، و (تسليماً) مفعول مطلق منصوب.
٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ اسم الموصول اسم (إنّ) والخبر جملة ﴿لَعَنَهُمُ الله﴾ .
стр. 952
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ .
ورد ذكر الثناء على الرسول ﷺ َ بهذه الصيغة، فجاء الخبر مؤكداً ب (إنّ) اهتماماً به، وجيء بالجملة اسمية لإفادة الدوام، وكانت الجملة إسمية في صدرها، ﴿إِنَّ الله﴾ فعليه في عجزها ﴿يُصَلُّونَ﴾ للإشارة إلى أن هذا الثناء من الله تعالى، والتمجيد الدائم يتجدّد وقتاً فوقتاً على الدوام، فتدبّر هذا السرّ الدقيق.
اللطيفة الثانية: قد يقول قائل: إذا صلّى الله وملائكته عليه فأي حاجة إلى صلاتنا عليه؟
نقول: الصلاة عليه ليس لحاجته إليها، وإلاّ فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة الله عليه، وإنما هو لإظهار تعظيمه ﵇ ليثيبنا الله تعالى عليه، ولهذا قال ﵇: «من صلّى عليّ مرة صلّى الله عليه بها عشراً» فصلوات ربي وسلامه عليه.
اللطيفة الثالثة: قال الإمام الفخر: الصلاة الدعاء، يقال في اللغة صلّى عليه: أي دعا له، وهذا المعنى غير معقول في حقّ الله تعالى، فإنه لا يدعو له، لأنّ الدعاء للغير طلب نفعه من ثالث، والجوابُ: أن اللفظ المشترك يجوز استعماله في معنييه معاً، وكذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظٍ جائز وهذا مذهب الشافعي ﵀، فالصلاة من الله بمعنى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى الاستغفار، وهما يشتركان في العناية بحال المرحوم، والمستغفر له، والمراد هو القدر المشترك.
اللطيفة الرابعة: أمرنا الله بالصلاة على نبيه المصطفى ﷺ َ، وكان
стр. 953
يكفي أن نقول صلينا عليه أو يقول الإنسان: أصلي عليه، فلماذا نقول عند الصلاة عليه: اللهم صلِّ على محمد؟
والجواب: أنَّ الله لما أمرنا بالصلاة عليه، ولم نبلغ قدر الواجب من ذلك، أحلناه على الله تعالى، وقلنا: اللهم صلّ أنت على محمد، لأنك أعلم بما يليق به، فنحن عاجزون عن توفيته حقه، وقاصرون عن معرفة الثناء الذي يليق بقدره، وقد أوْكّلْنا الأمر إليك. فتدبر سرّ هذه الجملة (اللهم صل على محمد) فإنه نفيس ودقيق.
اللطيفة الخامسة: قال بعض العلماء: معنى قولنا: اللهم صل على محمد أي عظِّمْه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وإعطائه المقام المحمود.
فضائل الصلاة على النبي ﷺ َ
١ - عن أبي طلحة ﵁ أن النبي ﷺ َ جاء ذات يوم والبشرى في وجهه، فقلنا إنّا لنرى البشرى في وجهك!! فقال: «إنه أتاني الملك فقال يا محمد: إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصل عليك أحد إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلّم عليك أحد إلا سلّمت عليه عشراً؟ ... » .
- وقال ﷺ َ: «إنَّ أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة» .
- وقال ﷺ َ: «البخيل الذي من ذكرتُ عنده فلم يصلّ عليّ» .
اللهمّ اجعل صلواتك، ورحمتك، وبركاتك، على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، إنك سميع مجيب الدعاء.
стр. 954
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما هي صيغة الصلاة والتسليم على النبي ﵇؟
صيغة الصلاة على النبي ﷺ َ وردت فيها طرق كثيرة من السنة النبوية المطهَّرة، وقد ذكرت فيها صور مختلفة عن كيفية الصلاة عليه من المؤمنين، واختلافُها يشعر بأن الغرض ليس تحديد (كيفية خاصة) وإنما هي ألوان من التعظيم والثناء له ﵇، وسنقتصر على بعض ما صحّ من هذه الكيفيات، لأنّ استيعابها يطول، فنقول ومن الله نستمد العون:
أولاً: روى الشيخان عن كعب بن عُجْرة ﵁ قال: قال رجل يا رسول الله: أمّا السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال قل: «اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد» .
ثانياً: وروى مالك وأحمد والشيخان عن أبي حميد الساعدي ﵁ أنهم قالوا يا رسول الله: كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ َ قولوا: «اللهمّ صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد» .
ثالثاً: وأخرج الجماعة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: أتانا النبي ﷺ َ ونحن في مجلس (سعد بن عُبادة) فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ فسكت حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال قولوا: «اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم،
стр. 955
وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم» .
وفي بعض رواياته: «اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد» .
وهناك روايات أخرى دون هذه في الصحة وتخالفها بالزيادة والنقص في مواضع كثيرة.
وما دام المراد تعظيم النبي ﷺ َ فأي عبارة تكون واردة من طريق صحيح كان لك أن تأخذ بها.
وأما التسليم فصيغته معروفة وهي أن يقول المؤمنون: السلام عليك يا رسول الله.
وفي التشهد يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ومعنى التسليم: الدعاء بالسلامة من جميع البلايا والآفات والأسقام، وذهب ابن السائب إلى أن معنى التسليم: الانقياد وعدم المخالفة أي سلّموا لما يأمركم به والله أعلم.
الحكم الثاني: ما معنى صلاة الله والملائكة على النبي ﵇؟
تقدّم معنا أن الصلاة في اللغة تأتي بمعنى (الدعاء) وتأتي بمعنى (الرحمة) وتأتي بمعنى (التمجيد والثناء) ومن الأخير قوله تعالى: ﴿أولئك عَلَيْهِمْ
стр. 956
صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] .
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة من الله تعالى على نبيه معناها تمجيده والثناء عليه وإلى هذا ذهب البخاري وطائفة من العلماء وهو أظهر.
وقال آخرون: المراد بالصلاة على النبي رحمته ومغفرته إلى هذا ذهب الحسن البصري وسعيد بن جبير، وقيل: المراد بها البركة والكرامة.
وأما صلاة الملائكة فمعناها: الدعاء له ﵇ والاستغفار لأمته، وعلى جميع الأقوال فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة.
ولما جاء اللفظ مجموعاً مضافاً إلى واو الجماعة ﴿إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي﴾ وكانت الصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة لذلك فقد اختلف المفسّرون في تأويل الآية على أقوال:
أ - فذهب بعضهم إلى أنّ في الآية حذفاً دلّ عليه السياق تقديره: إن الله يصلي على النبي، وملائكته يصلون على النبي، فتكون واو الجماعة راجعة إلى الملائكة خاصة ويؤيد هذا قراءة الرفع (وملائكتُه) وليس اللفظ مشتركاً بين الله تعالى وملائكته.
ب - وذهب بعضهم إلى أنه من باب (الجمع بين الحقيقة والمجاز) وهو اختيار الفخر الرازي ومذهب الإمام الشافعي ﵀، فعنهد يجوز استمال اللفظ المشترك في معنييه معاً كما يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز، فيكون لفظ (يُصلُّون) عائداً إلى الله وإلى الملائكة بالمعنيين معاً ويصبح معنى الآية: (إن الله تعالى يرحم نبيّه وملائكته يدعون له) .
ج - وذهب جماعة إلى القول بأنه من باب (عموم المجاز) لا من باب (الجمع بين الحقيقة والمجاز) فيقدِّرون معنى مجازياً عاماً، ينتظم أفراداً كثيرة يشملها هذا اللفظ، وهذا المعنى العام هو مثلاً (العناية بشأن النبي
стр. 957
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) فالاعتناء يكون من الله تعالى على وجه، ويكون من الملائكة على وجه آخر، وهذا اختيار أبي السعود وأبي حيان والزمخشري، وغيرهم من مشاهير المفسرين.
قال أبو السعود: قوله تعالى: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النبي﴾ قيل: الصلاة من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، وقال ابن عباس: أراد أن الله يرحمه، والملائكة يدعون له. . فينبغي أن يراد في ﴿يُصَلُّونَ﴾ معنى مجازي عام، يكون كل واحد من المعاني المذكورة فرداً حقيقاً له، أي يعتنون بما فيه خيره وصلاح أمره، ويهتمون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه، وذلك من الله سبحانه بالرحمة، ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار.
وقال أبو حيان في «البحر المحيط» : «وصلاة الله غير صلاة الملائكة فكيف اشتركا؟ والجواب: اشتركا في قدّرٍ مشترك وهو إرادة وصول الخير إليهم، فالله تعالى يريد برحمته إياهم وصول الخير إليهم، والملائكة يريدون بالاستغفار ذلك» .
الحكم الثالث: هل الصلاة على النبي ﷺ َ على سبيل الندب أو الفرض؟
أمر الله سبحانه المؤمنين بالصلاة على نبيه الكريم، وهذا لأمر للوجوب فتكون الصلاة على النبي ﷺ َ واجبة، ويكاد العلماء يجمعون على وجوب الصلاة والتسليم عليه مرّة في العمر، بل لقد حكى (القرطبي) الإجماع على ذلك، عملاً بما يقتضيه الأمر (صلّوا) من الوجوب، وتكون الصلاة والسلام في ذلك كالتلفظ بكلمة التوحيد، حيث لا يصح إسلام الإنسان إلا بالنطق بها.
وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي ﷺ َ واجبه، ويكاد العلماء يجمعون على وجوب الصلاة والتسليم عليه مرّة في العمر، بل لقد حكى (القرطبي) الإجماع على ذلك، عملاً بما يقتضيه الأمر (صلّوا) من الوجوب، وتكون الصلاة والسلام في ذلك كالتلفظ بكلمة التوحيد، حيث لا يصح إسلام الإنسان إلا بالنطق بها.
وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي ﷺ َ هل تجب في كل
стр. 958
مجلس، وكلما ذكر اسمه الشريف ﷺ َ؟ أم هي مندوبة؟ وذلك بعد اتفاقهم على أنها واجبة في العمر مرة.
أ - فقال بعضهم: إنها واجبة كلَّما ذُكر اسم النبي ﵇.
ب - وقال آخرون: تجب في المجلس مرة واحدة ولو تكرَّر ذكره ﵇ في ذلك المجلس مرات.
ج - وقال آخرون: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد أو مجلس، ولا يكفي أن يكون في العمر مرة.
وحجة القائلين بالوجوب في المجلس، أو كلما ذكر اسم الرسول ﵊ ُ، أن الله ّ أمر بها، والأمر يفيد التكرار، ثمّ ما ورد من الوعيد الشديد لمن لم يصلّ على رسول الله ﵇، كقوله: «البخيل الذي من ذُكِرتُ عنده فلم يُصلِّ عليّ» رواه الترمذي. وقوله ﵇: «ما من قوم يجلسون في مجلسٍ ثم يقومون منه لا يذكرون الله ولا يصلُّون على نبيه إلاّ كان تِرَةً عليهم يوم القيامة» .
وقول جبريل للنبي ﵇: «بَعُدَ من ذكرتَ عنده فلم يصلّ عليك، فقلت آمين» . فهذه تفيد الوجوب عندهم.
وذهب جمهور العلماء إلى أن الصلاة على النبي ﷺ َ قربة وعبادة، كالذكر والتسبيح والتحميد، وأنها واجبة في العمر مرة، ومندوبة ومسنونة في كل وقت وحين، وأنه ينبغي الإكثار منها لما صحّ عنه ﷺ َ أنه قال: «من صلى عليّ صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشراً» وغير ذلك
стр. 959
من الأحاديث الكثيرة الشهيرة في فضل الصلاة على النبي ﵇، فهي مطلوبة ولكن لا على سبيل (الوجوب) بل على سبيل (الندب) والاستحباب.
قال العلامة أبو السعود: «والذي يقتضيه الاحتياط، ويستدعيه معرفة علو شأنه ﵊ ُ، أن يصلي عليه كلما جرى ذكره الرفيع» .
وما ذهب إليه الجمهور هو الصح والأرجح والله تعالى أعلم.
الحكم الرابع: هل تجب الصلاة على النبي ﵇ في الصلاة؟
اختلف الفقهاء في حكم الصلاة على النبي ﷺ َ في الصلاة على مذهبين:
أ - مذهب الشافعي وأحمد: أنها واجبة في الصلاة ولا تصح الصلاة بدونها.
ب - مذهب مالك وأبي حنيفة: أنها سنّة مؤكدة في الصلاة وتصح الصلاة بدونها مع الكراهة والإساءة.
أدلة الشافعية والحنابلة:
استدل الشافعية والحنابلة على أن الصلاة على النبي ﷺ َ واجبة في الصلاة بأدلة نوجزها فيما يلي:
أ - الأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ والأمر يقتضي الوجوب، ولا وجوب في غير التشهد، فتكون الصلاة على النبي واجبة في الصلاة.
ب - حديث كعب بن عجرة: (قلنا يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) الحديث وقد تقدم.
стр. 960
قال ابن كثير ﵀: «ذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله ﷺ َ في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصحّ صلاته، وهو ظاهر الآية، ومفسّر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة، وهو مذهب الإمام أحمد، وإليه ذهب ابن مسعود وجابر بن عبد الله» .
أدلة المالكية والأحناف:
واستدل المالكية والأحناف على مذهبهم ببضعة أدلة نوجزها فيما يلي:
أ - قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ قالوا: قد تضمنت هذه الآية الأمر بالصلاة على النبي ﷺ َ وظاهره يقتضي الوجوب، فمتى فعلها الإنسان مرة واحدة في صلاة أو غير صلاة فقد أدّى فرضه، وهو مثل كلمة التوحيد والتصديق بالنبي ﷺ َ متى فعله الإنسان مرة واحدة في عمره فقد أدى فرضه، والأمر يقتضي الوجوب لا التكرار.
ب - حديث ابن مسعود حين علّمه ﷺ َ التشهد فقال: «إذا فعلتَ هذا، أو قلتَ هذا، فقد تمت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، ثم اختر من أطيب الكلام ما شئت» ولم يأمره بالصلاة على النبي ﵇.
ج - حديث معاوية السلمي وفيه أن النبي ﷺ َ قال: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن» ولم يذكر الصلاة على النبي ﷺ َ.
د - ما روي عن كثير من الصحابة أنهم كانوا يكتفون بالتشهد في الصلاة وهو (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) ولا يوجبون الصلوات الإبراهيمية.
стр. 961
قال أبو بكر الرازي: «وزعم الشافعي أن الصلاة على النبي ﷺ َ فرض في الصلاة، وهذا قول لم يسبقه إليه أحد من أهل العلم - فبما نعلمه - وهو خلاف الآثار الواردة عن النبي ﷺ َ لفرضها في الصلاة ... » .
ثم ساق بعض الأدلة في تفسيره «أحكام القرآن» - وقد ذكرنا بعضها - ثم قال: وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في «شرح مختصر الطحاوي» .
الحكم الخامس: هل تجوز الصلاة على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟
يرى بعض العلماء أن الصلاة تجوز على غير الأنبياء، لأن الصلاة معناها الدعاء، والدعاء يجوز للأنبياء ولغير الأنبياء، واستدلوا بما ورد عنه ﷺ َ من قوله: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى» .
وذهب الأكثرون إلى أن الصلاة (شعار) وهي خاصة بالأنبياء، فلا تجوز لغيرهم فلا يصح أن تقول: اللهم صلّ على الشافعي مثلاً أو على أبي حنيفة، وإنما تترحم عليهما، ويجوز الترضي عن الصحابة والتابعين ولا تجوز الصلاة عليهم لأنها شعار الأنبياء والمرسلين.
قال العلامة أبو السعود: «وأمّا الصلاة على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فتجوز تبعاً، وتكره استقلالاً، لأنه في العرف شعار ذكر الرسل، ولذلك لا يجوز أن يقال:» محمدٌ «مع كونه ﷺ َ عزيزاً جليلاً» .
والمراد بقوله تبعاً أن تقول مثلاً: اللهم صلّ على محمد وآله وذريته وأتباعه المؤمنين، فلا يصح أن تقول: اللهم صل على ذرية محمد، ولا اللهم صلّ على أزواج محمد، وإنما إذا صليت على الرسول يجوز لك أن تضيف تبعاً من شئت من عباد الله الصالحين، والله أعلم.
стр. 962
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - منصب النبوة منصب عظيم، ومكانة الرسول مكانة عظيمة عند الله تعالى.
٢ - ثناء الله على نبيه الكريم وثناء الملائكة الأطهار مظهر من مظاهر رفعه الرسالة.
٣ - احترام الرسول وتعظيم أمره واجب على المؤمنين لأنه من تعظيم أمر الله وطاعته جلّ وعلا.
٤ - الصلاة على الرسول ﷺ َ ينبغي أن تكون بالصيغة الشرعية «اللهم صلي على محمد» الخ.
٥ - يندب للمسلم أن يصلي على الرسول كلما ذكر اسمه الشريف ﷺ َ امتثالاً للأمر الإلهي.
٦ - إيذاء الرسول ﷺ َ إيذاء لله تعالى وهو سبب لسخط الله وغضبه.
٧ - إيذاء المؤمنين واتهامهم بما ليس فيهم من الكبائر التي ينبغي أن يبتعد عنها المسلم.
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
مجّد الله رسوله ﷺ َ، وأثنى عليه الثناء العاطر، ورفع مكانته على جميع الأنبياء والمرسلين، وأحله المحل الرفيع الذي يليق بمنزلته السامية، ومرتبته العالية، وأمر المؤمنين بالتأدب مع الرسول الكريم، وبتعظيم أمره، وتمجيد شأنه، وصلى عليه في الملأ الأعلى مع الملائكة الأطهار، وكل ذلك ليعلّم المؤمنين مكانة هذا النبي العظيم، ليجلّوه ويحترموه، ويطيعوا أمره
стр. 963
لأنه سبب سعادتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة
﴿لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفتح: ٩] .
وقد أمر الله المؤمنين بالصلاة على الرسول الكريم، وجعل ذلك فرضاً لازماً لا يتم إيمان بدونه، وحرّم إيذاءه بالقول أو الفعل، ونهى عن كل ما يمسّ مقامه الشريف من إساءة أو عدوان، وجعل ذلك إيذاء له تعالى، لأنّ في تكذيبه ﷺ َ تكذيباً لله تعالى، وفي الاستهزاء بدعوته استهزاءً بالله تعالى، لأنه رسول رب العالمين. فيجب أن يُطاع في كل أمر، أن يحترم قوله لأنه مبلّغ عن الله وصدق الله حيث يقول ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠] .
وقد حكم الله جلّ وعلا باللعنة والغضب على من آذى الرسول ﵇، لأنه كفرانٌ للنعمة، وجحودٌ للفضل الذي أسداه الرسول ﷺ َ لأمته، وكيف يليق بالمؤمن أن يؤذي رسول الله مع أنه صلوات الله عليه سبب لإنقاذنا من الضلالة، وإخراجنا من الظلمات إلى النور؟! وهو باب الرحمة الإلهية، ومظهر الفضل والإحسان والجود: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﷺ َ وعلى آله وأصحابه والطيبين الطاهرين.
وصدق من قال:
إذا الله أثنى بالذي هو أهلُه ... عليه، فما مقدارُ ما تمدح الورى
стр. 964
[٧] حجاب المرأة المسلمة
التحليل اللفظي
﴿لأزواجك﴾ : المراد بكلمة الأزواج (أمهات المؤمنين) الطاهرات رضوان الله عليهن، ولفظ الزوج في اللغة يطلق على الذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ [البقرة: ٣٥] ، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] .
وإطلاق لفظ (الزوجة) صحيح ولكنه خلاف الأفصح. وأنكر
стр. 965
الأصمعي لفظ (زوجة) بالهاء، وقال: هي زوج لا غير، واحتجّ بأنه لم يرد في القرآن إلا بدون هاء ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] والصحيح أنه خلاف الأفصح وليس بخطأ قال الفرزدق:
وإن الذي يسعى يحرّش زوجتي ... كساعٍ إلى أُسْد الشّرى يستبيلها
وفي حديث عمّار بن ياسر قوله عن السيدة عائشة (والله إني لأعلم أنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكنّ الله ابتلاكم لها ليعلم أتطيعونه أو تطيعونها) .
﴿يُدْنِينَ﴾ : أي يسدلن ويرخين. وأصل الإدناء التقريب، يقال للمرأة إذا زلّ الثوب عن وجهها: أدني ثوبك على وجهك، والمراد في الآية الكريمة: يغطين وجوههن وأبدانهن ليميزن عن الإماء والقينات، ولما كان متضمناً معنى الإرخاء والسّدل عدّي بعلى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ .
﴿جلابيبهن﴾ : جمع جلباب، وهو الثوب الذي يستر جميع البدن، قال الشهاب: هو إزار يلتحف به، وقيل: هو المِلحفة وكل ما يغطي سائر البدن.
قال في «لسان العرب» : الجلباب ثوب أوسع من الخمار، دون الرداء، تغطي به المرأة رأسها وصدرها، وقيل: هو الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلاً لها:
تمشي النُّسوْر إليهِ وهي لا هيةٌ ... مشيَ العذَارَى عليهنّ الجلابيبُ
стр. 966
وقيل جلباب المرأة: ملاءتها التي تشتمل بها، واحدها جلباب، والجماعة جلابيب، وأنشدوا:
مُجلْببٌ من سوادِ الليل جلباباً ... وفي «الجلالين» : الجلابيب جمع جلباب، وهي المِلاءة التي تشتمل بها المرأة.
قال ابن عباس: أُمر نساءُ المؤمنين أن يغطّين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب، إلا عيناً واحدة ليُعْلم أنهنّ حرائر.
والخلاصة: فإن الجلباب هو الذي يستر جميع بدن المرأة، وهو يشبه الملاءة (الملحفة) المعروفة في زماننا، نسأله تعالى الستر والسلامة.
﴿أدنى﴾ : أفعل تفضيل بمعنى أقرب، من الدّنوّ بمعنى القرب، يقال: أدناني منه أي قرّبني منه، وقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] أي قريبة المنال، وتأتي كلمة (أدنى) بمعنى أقل، وقد جُمع المعنيان في قول الشاعر:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرفٍ من الإنسان
﴿غَفُوراً﴾ : أي ساتراً للذنوب، ماحياً للآثام، يغفر لمن تاب ما فرط منه ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: ٨٢] .
﴿رَّحِيماً﴾ : يرحم عباده، ويلطف بهم، ومن رحمته تعالى أنه لم يكلفهم ما لا يطيقون.
стр. 967
المعنى الإجمالي
يأمر الله تعالى نبيه الكريم ﷺ َ، أن يوجه النداء إلى الأمة الإسلامية جمعاء، بأن تعمل على التمسك بآداب الإسلام، وإرشاداته الفاضلة، ونظمه الحكيمة، التي بها صلاح الفرد وسعادة المجتمع، وخاصة في أمر اجتماعي هام، يتعلق بالأسرة المسلمة، ألا وهو (الحجاب الشرعي) الذي فرضه الله على المرأة المسلمة، ليصون لها كرامتها، ويحفظ عليها عفافها، ويحميها من النظرات الجارحة، والكلمات اللاذعة، والنفوس المريضة، والنوايا الخبيثة، التي يُكِنّها الفسّاق من الرجال للنساء غير المحتشمات، فيقول الله تعالى ما معناه.
يا أيها النبي بلّغ أوامر الله إلى عباده المؤمنين، وابدأ بنفسك فمر زوجاتك أمهات المؤمنين الطاهرات، وبناتك الفضليات الكريمات أن يرتدين الجلباب الشرعي، وأن يحتجبن عن أنظار الرجال، ليكنّ قدوة لسائر النساء، في التعفّف، والتستّر، والاحتشام، حتى لا يطمع فيهن فاسق، أو ينال من كرامتهن فاجر، وأمُر سائر نساء المؤمنين، أن يلبسن الجلباب السابغ، الذي يستر محاسنهنّ وزينتهنّ، ويدفع عنهنّ ألسنة السوء، وأمُرْهنّ كذلك أن يغطين وجوههنّ وأجسامهن بجلابيبهن، ليميّزن عن الإماء والقينات، فلا يكنّ هدفاً للمغرضين، وليكنّ بعيدات عن التشبه بالفواجر، فلا يتعرض لهن إنسان بسوء، فذلك أقرب إلى أن يعرفن بالعفة والتصون، فلا يطمع فيهن من في قلبه مرض، ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً﴾ يغفر لمن امتثل أمره، رحيماً بعباده حيث لا يشرّع لهم إلا ما فيه خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
стр. 968
سبب النزول
روى المفسّرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة، أنّ الحرة والأمة كانتا تخرجان ليلاً لقضاء الحاجة في الغيطان، وبين النخيل، من غير تمييز بين الحرائر والإماء، وكان في المدينة فسّاق، لا يزالون على عاداتهم في الجاهلية يتعرضون للإماء، وربّما تعرضوا للحرائر، فإذا قيل لهم يقولون: حسبناهنّ إماءً. فأمرت الحرائر أن يخالفن الإماء في الزيّ فيتسترن ليحتشمن ويُهَبْن فلا يطمع فيهن ذوو القلوب المريضة، فأنزل الله ﴿ياأيها النبي قُل لأزواجك ... ﴾ الآية.
وقال ابن الجوزي: «سبب نزولها أن الفسّاق كانوا يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، فإذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها وقالوا: هذه حرّة، وإذا رأوها بغير قناع قالوا: أمة، فآذوها، فنزلت هذه الآية: قاله السدي» .
وجوه الإعراب
١ - قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي ... ﴾ أيّ: منادى، والهاء للتنبيه، و ﴿النبي﴾ صفة ل ﴿أَيُّ﴾ قال ابن مالك: وأيّها مصحوبَ أل بعدُ صفة.
٢ - قوله تعالى: ﴿قُل لأزواجك ... ﴾ قلْ: أمر، و ﴿يُدْنِينَ﴾ مضارع
стр. 969
مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، وجملة ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ مقول القول في محل جزم جواب الطلب.
٣ - قوله تعالى: ﴿ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ﴾ أي بأن يُعْرفن مجرور بحرف جر محذوف، واسم الإشارة مبتدأ، وما بعده خبر، والتقدير: ذلك أقرب بمعرفتهنّ أنهنّ حرائر، والله أعلم.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: بدأ الله تعالى بنساء الرسول ﷺ َ وبناته في الأمر ب (الحجاب الشرعي) وذلك للإشارة إلى أنهنّ قدوة لبقية النساء فعليهن التمسك بالآداب الشرعية ليقتدي بهنّ سائر النساء، والدعوة لا تثمر إلاّ إذا بدأ الداعي بها في نفسه وأهله، ومن أحقّ من (بيت النبوة) بالتمسك بالآداب والفضائل؟ وهذا هو السرُّ في تقديمهنَّ في الخطاب في قوله تعالى: ﴿قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ﴾ .
اللطيفة الثانية: الأمر بالحجاب إنما جاء بعد أن استقرّ امر الشريعة على وجوب (ستر العورة) ، فلا بدّ أن يكون الستر المأمور به هنا زائداً على ما يجب من ستر العورة، ولهذا اتفقت عبارات المفسّرين على - اختلاف ألفاظها - على أن المراد بالجلباب: الرداء الذي تستر به المرأة جميع بدنها فوق الثياب، وهو ما يسمّى في زماننا ب (الملاءة) أي الملحفة، وليس المراد ستر العورة كما ظنّ بعض الناس.
اللطيفة الثالثة: في هذا التفصيل والتوضيح (أزواجك، بناتك، نساء المؤمنين) ردّ صريح على الذين يزعمون أن الحجاب إنما فرض على أزواج النبي ﷺ َ خاصة، فإنّ قوله تعالى ﴿وَنِسَآءِ المؤمنين﴾ يدل دلالة قاطعة على أنّ جميع نساء المؤمنين مكلفات بالحجاب، وأنهن داخلات في هذا الخطاب العام الشامل، فكيف يزعمون أن الحجاب لم يفرض على المرأة المسلمة؟!
стр. 970
اللطيفة الرابعة: أمرُ الحرائر بالتستّر ليُميّزن عن الإماء، قد يفهم من أنّ الشارع أهمل أمر الإماء، ولم يبال بما ينالهن من الإيذاء، وتعرّض الفُسّاق لهن، فكيف يتفق هذا مع حرص الإسلام على طهارة المجتمع؟
والجواب: أنّ الإماء بطبيعة عملهن، يكثر خروجهنّ وتردّدهن في الأسواق، لقضاء الحاجات وخدمة سادتهن، فإذا كُلّفن بلبس الجلباب السابغ كلمَّا خرجن، كان في ذلك حرج ومشقة عليهنّ، وليس كذلك الحرائر لأنهن مأمورات بالاستقرار في البيوت ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وعدم الخروج إلاّ عند الحاجة، فلم يكن عليهن من الحرج والمشقة في التستر ما على الإماء، وقد وردت الآية السابقة ﴿والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات﴾ [الأحزاب: ٥٨] وهي تتوعد المؤذين بالعذاب الأليم، وهذا يشمل الحرائر والإماء.
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ فيه ذكر للعلة أي (الحكمة) التي فُرض من أجلها الحجاب، والأحكامُ الشرعية كلها مشروعة لحكمة وجمهورُ المفسّرين موجهاً إلى جميع النساء، سواء منهن (الحرائر والإماء) وفسّر قوله تعالى: ﴿أَن يُعْرَفْنَ﴾ أي يعرفن بالعفة والتستر والصيانة، فلا يطمع فيهنّ أهل السوء والفساد، وإليك نصّ كلامه كما في «البحر المحيط» :
«والظاهر أن قوله تعالى: ﴿وَنِسَآءِ المؤمنين﴾ يشمل الحرائر والإماء، والفتنةُ بالإماء أكثر لكثرة تصرفهنّ بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهنّ من عموم النساء إلى دليل واضح. وقوله: ﴿أدنى أَن يُعْرَفْنَ﴾ أي يعرفن لتسترهنّ بالعفة فلا يُتعرض لهن، ولا يلقين بما يكرهن، لأنّ المرأة إذا كانت في غاية التستّر بالعفة فلا يُتعرض لهن، ولا يلقين بما يكرهن، لأنّ المرأة إذا كانت في غاية
стр. 971
التستّر والانضمام لم يقدم عليها، بخلاف المتبرجة فإنها مطموع فيها» .
وهو رأي تبدو عليه مخايل الجودة، والدقة في الاستنباط.
وما اختاره (أبو حيان) هو الذي نختاره لأنه يحقّق غرض الإسلام في التستّر والصيانة والله أعلم.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل يجب الحجاب على جميع النساء؟
يدل ظاهر الآية الكريمة على أنّ الحجاب مفروض على جميع المؤمنات (المكلفات شرعاً) وهنّ: (المسلمات، الحرائر، البالغات) لقوله تعالى: ﴿ياأيها النبي قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين ... ﴾ الآية.
فلا يجب الحجاب على الكافرة لأنها لا تكلّف بفروع الإسلام، وقد أمرنا أن نتركهم وما يدينون، ولأنّ (الحجاب) عبادة لما فيه من امتثال أمر الله ، فهو بالنسبة للمسلمة كفريضة الصلاة والصيام، فإذا تركته المسلمة جحوداً فهي (كافرة) مرتدة عن الإسلام، وإذا تركته - تقليداً للمجتمع الفاسد - مع اعتقادها بفرضيته فهي (عاصية) مخالفة لتعاليم القرآن ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
وغير المسلمة - وإن لم تُؤمر بالحجاب - لكنّها لا تُترك تفسد في المجتمع، وتتعرّى أمام الرجل، وتخرج بهذه الميوعة والانحلال الذي نراه في زماننا، فإنّ هناك (آداباً اجتماعية) يجب أن تُراعى، وتطبّق على الجميع، وتستوي فيها المسلمة وغير المسلمة حماية للمجتمع، وذلك من السياسات الشرعية التي تجب على الحاكم المسلم.
وأمّا الإماء فقد عرفتَ ما فيه من أقوال للعلماء، وقد ترجّح لديك رأي العلاّمة (أبي حيّان) : في أنّ الأمر بالستر عام يشمل الحرائر والإماء،
стр. 972
وهذا ما يتفق مع روح الشريعة في صيانة الأغراض، وحماية المجتمع، من التفسخ والانحلال الخلقي، وأمّا البلوغ فهو شرط التكليف كما تقدم.
أقول: يطلب من المسلم أن يعوّد بناته منذ سنّ العاشرة على ارتداء الحجاب الشرعي حتى لا يصعب عليهن بعدُ ارتداؤه، وإن لم يكن الأمر على وجه (التكليف) وإنما هو على وجه (التأديب) قياساً على أمر الصلاة (مُروا أولادكم بالصلاة وهم أنباء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) .
الحكم الثاني: ما هي كيفية الحجاب؟
أمر الله المؤمنات بالحجاب وارتداء الجلباب صيانة لهنّ وحفظاً، وقد اختلف أهل التأويل في كيفية هذا التستر على أقوال:
أ - فأخرج ابن جرير الطبري عن ابن سيرين أنه قال: (سألتُ عَبيدةَ السّلماني) عن هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ فرفع مِلْحفة كانت عليه فتقنّع بها، وغطّى رأسه كلّه حتى بلغ الحاجبين، وغطّى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شقّ وجهه الأيسر.
ب - وروى ابن جرير وأبو حيّان عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (تلوي الجلباب فوق الجبين، وتشدّه ثمّ تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها، لكنّه يستر الصدر ومعظم الوجه) .
ج - وروي عن السّدي في كيفيته أنه قال: (تغطّي إحدى عينيها وجبهتها، والشقّ الآخر إلا العين) . قال أبو حيّان: «وكذا عادة بلاد الأندلس لا يظهر من المرأة إلاّعينها الواحدة.
стр. 973
د - وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن أم سلمة ﵂ أنها قالت:» لما نزل هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ خرج نساء الأنصار كأنّ على رؤوسهنّ الغُربان من أكسية سودٍ يلبسنها «.
الحكم الثالث: هل يجب على المرأة ستر وجهها؟
تقدّم معنا في سورة النور أنّ المرأة منهية عن إبداء زينتها إلا للمحارم ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية ولمّا كان الوجه أصل الزينة، ومصدر الجمال والفتنة، لذلك كان ستره ضرورياً عن الأجانب، والذين قالوا إن الوجه ليس بعورة اشترطوا ألاّ يكون عليه شيء من الزينة كالأصباغ والمساحيق التي توضع عادة للتجمّل، وبشرط أمن الفتنة، فإذا لم تؤمن الفتنة فيحرم كشفه.
وممّا لا شك فيه أن الفتنة في هذا الزمان غير مأمونة، لذا نرى وجوب ستر الوجه حفاظاً على كرامة المسلمة، وقد ذكرنا بعض الحجج الشرعية على وجوب ستره في بحث (بدعة كشف الوجه) من سورة النور، ونزيد هنا بعض أقوال المفسّرين في وجوب ستر الوجه.
طائفة من أقوال المفسّرين في وجوب ستر الوجه
أولاً: قال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ أي يغطين رؤوسهنّ ووجوههنّ ليعلم أنهن حرائر، والمراد بالجلابيب: الأردية قاله ابن قتيبة.
стр. 974
ثانياً: وقال أبو حيّان في «البحر المحيط» : وقوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ شامل لجميع أجسادهن، أو المراد بقوله ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ أي على وجوههنّ، لأنّ الذي كان يبدوا منهنّ في الجاهلية هو الوجه.
ثالثاً: وقال أبو السعود: الجلباب: ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء، تلويه المرأة على رأسها وتبقي منه ما ترسله على صدرها، ومعنى الآية: أي يغطين بها وجوههنّ وأبدانهنّ إذا برزن لداعية من الدواعي.
وعن السّدي: تغطّي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين.
رابعاً: وقال أبو بكر الرازي: وفي هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ دلالة على أنّ المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبييين. وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع فيهن أهل الريب.
خامساً: وفي «تفسير الجلالين» : الجلابيب جمع جلباب، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطّين رؤوسهنّ ووجوههنّ بالجلابيب إلاّ عيناً واحدة ليعلم أنهن حرائر.
سادساً: وفي «تفسير الطبري» : عن ابن سيرين أنه قال: «سألت عبيدة السلماني عن قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ فرفع ملحفة كانت عليه فتقنّع بها وغطّى رأسه كله حتى الحاجبين، وغطّى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر، وروي مثل ذلك عن ابن عباس ﵄» وقد تقدّم الحديث سابقاً.
стр. 975
فهذا وأمثاله كثير من أقوال مشاهير المفسّرين، يدل دلالة واضحة على وجوب ستر الوجه وعدم كشفه أمام الأجانب، اللهم إلاّ إذا كان الرجل خاطباً، أو كانت المرأة في حالة إحرام بالحج، فإنه وقت عبادة والفتنة مأمونة، فلا يقاس على هذه الحالة كما يفعل بعض الجهلة اليوم، حيث يقولون: إذا جاز لها أن تكشف عن وجهها في حالة الإحرام فمعناه أنه يجوز لها أن تكشف في غيره من الأوقات لأن الوجه ليس بعورة، فهذا كلام من لم يفقه شريعة الإسلام.
ومن درس حياة السلف الصالح، وما كان عليه النساء الفضليات - نساء الصحابة والتابعين - وما كان عليه المجتمع الإسلامي في عصره الذهبي من التستر، والتحفظ، والصيانة عرف خطأ هذا الفريق من الناس، الذين يزعمون أن الوجه لا يجب ستره بل يجب كشفه، ويدعون المرأة المسلمة أن تسفر عن وجهها بحجة أنه ليس بعورة، لأجل أن يتخلصوا من الإثم - بزعمهم - في كتم العلم، وما دروا أنها مكيدة دبّرها لهم أعداء الدين، وفتنة من أجل التدرج بالمرأة المسلمة إلى التخلص من الحجاب الشرعي، الذي عمل له الأعداء زمناً طويلاً، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
الحكم الرابع: ما هي شروط الحجاب الشرعي؟
يشترط في الحجاب الشرعي بعض الشروط الضرورية وهي كالآتي:
أولاً: أن يكون الحجاب ساتراً لجميع البدن لقوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ . وقد عرفت معنى (الجلباب) وهو الثوب السابغ الذي يستر البدن كله، ومعنى (الإدناء) وهو الإرخاء والسدل فيكون الحجاب الشرعي ما ستر جميع البدن.
ثانياً: أن يكون كثيفاً غير رقيق، لأنّ الغرض من الحجاب السترُ، فإذا لم يكن ساتراً لا يسمّى حجاباً لأنه لا يمنع الرؤية ولا يحجب النظر، وفي حديث عائشة أنّ (أسماء بنت أبي بكر) دخلت على رسول الله ﷺ َ
стр. 976
وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ َ ... الحديث.
ثالثاً: ألاّ يكون زينة في نفسه، أو مبهرجاً ذا ألوان جذابه يلفت الأنظار لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] الآية ومعنى ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي بدون قصد ولا تعمد، فإذا كان في ذاته زينة فلا يجوز ارتداؤه، ولا يسمى (حجاباً) لأن الحجاب هو الذي يمنع ظهور الزينة للأجانب.
رابعاً: أن يكون فضفاضاً غير ضيّق، لا يشفّ عن البدنن ولا يجسّم العورة، ولا يظهر أماكن الفتنة في الجسم، وفي «صحيح مسلم» عن رسول الله ﷺ َ أنه قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنّة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» . وفي رواية أخرى: وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام. «رواه مسلم» .
ومعنى قوله ﵇: «كاسيات عاريات»
أي كاسيات في الصورة عاريات في الحقيقة، لأنهنّ يلبسن ملابس لا تستر جسداً، ولا تخفي عورة، والغرض من اللباس السترُ، فإذا لم يستر اللباس كان صاحبه عارياً.
ومعنى قوله: «مميلات مائلات» أي مميلات لقلوب الرجال مائلات في مشيتهن، يتبخترن بقصد الفتنة والإغراء، ومعنى قوله: «كأسنمة البخت» أي يصفّفن شعورهن فوق رؤوسن، حتى تصبح مثل سنام الجمل، وهذا من معجزاته ﵇.
خامساً: ألاّ يكون الثوب معطّراً فيه إثارة للرجال لقوله ﵊ ُ: «كلّ عينٍ نظرت زانية، وإنّ المرأة استعطرت فمرّت بالمجلس
стр. 977
فهي كذا وكذا يعني زانية» .
وفي رواية (أن المرأة استعطرت فمرّت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية) .
وعن موسى بن يسار قال: «مرّت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف فقال لها: أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد، قال: وتطيّبتِ؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله ﷺ َ يقول: لا يقبل الله من امرأة صلاة، خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع وتغتسل» .
سادساً: ألاّ يكون الثوب فيه تشبه بالرجال، أو ممّا يلبسه الرجال لحديث أبي هريرة: (لعن النبي ﷺ َ الرجل يلبس لبسة الرجل) . وفي الحديث «لعن الله المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء» أي المتشبهات بالرجال في أزيائهن وأشكالهنّ كبعض نساء هذا الزمان نسأله تعالى السلامة والحفظ.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - الحجاب مفروض على جميع نساء المؤمنين وهو واجب شرعي محتّم.
٢ - بنات الرسول ونساؤه الطاهرات هنّ الأسوة والقدوة لسائر النساء.
٣ - الجلباب الشرعي يجب أن يكون ساتراً للزينة والثياب ولجميع البدن.
٤ - الحجاب لم يفرض على المسلمة تضييقاً عليها، وإنّما بشريفاً لها وتكريماً.
٥ - في ارتداء الحجاب الشرعي صيانة للمرأة، وحماية للمجتمع من ظهور الفساد، وانتشار الفاحشة.
стр. 978
٦ - على المسلمة أن تتمسّك بأوامر الله، وتتأدب بالآداب الاجتماعية التي فرضها الإسلام.
٧ - الله رحيم بعباده يشرع لهم من الأحكام ما فيه خيرهم وسعادتهم في الدارين.
حكمة التشريع
قد يظن بعض الجهلة أن الحجاب لم يفرضه الإسلام على المرأة المسلمة وأنه من العادات والتقاليد التي ظهرت في العصر العباسي، وهذا الظن ليس له نصيب من الصحة وهو إن دل فإنما يدل على أحد أمرين:
أ - أما الجهل الفاضح بالإسلام وبكتاب الله المبين.
ب - وإما الغرض الدفين في قلوب أولئك المتحللين.
وأحب أن أكشف الستار لتوضيح الحقيقة حتى لا يلتبس الحق بالباطل ولا يختلط الخبيث بالطيب، وحتى يظهر الصبح لذي عينين. فما أكثر هؤلاء المضلين في هذا الزمان الذين يزعمون أنهم أرباب المدنية ودعاة التقدمية!! وما أشد خطرهم على الأخلاق والمجتمع لأنهم يفسدون باسم الإصلاح ويهدمون باسم البناء، ويدجلون باسم الثقافة والعلم، ويزعمون أنهم مصلحون.
النصوص الواردة في الحجاب
١ - يقول الله سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] الآية.
٢ - ويقول جلّ شأنه: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآية.
٣ - ويقول سبحانه مخاطباً نبيه العظيم: ﴿ياأيها النبي قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ
стр. 979
وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ الآية.
٤ - ويقول سبحانه أيضاً: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية.
فمن هذه النصوص الكريمة نعلم أن الحجاب مفروض على المرأة المسلمة بنصوص في كتاب الله قطعية الدلالة، وليس كما يزعم المتحلّلون أنه من العادات والتقاليد التي أوجبها العصر العباسي ... الخ فإن حبل الكذب قصير.
ومن خلال هذه الآيات الكريمة نلمح أن الإسلام إنما قصد من وراء فرض الحجاب أن يقطع طرق الشبهات ونزغات الشيطان أن تطوف بقلوب الرجال والنساء وفي ذلك يقول الله سبحانه: ﴿ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وهدفه الأول إنما هو صون «الشرف» والمحافظة على «العفة والكرامة» ولا ننسى أن هناك كثيراً من ضعفاء القلوب ومرضى الضمائر يتربصون بالمرأة السوء ليهتكوا عنها ستر الفضيلة والعفاف.
ولا يشك عاقل أن تهتك النساء وخلاعتهن هو الذي أحدث ما يسمونه «أزمة الزواج» ذلك لأن كثيراً من الشباب قد أحجموا عن الزواج لأنهم أصبحوا يجدون الطريق معبَّداً لإشباع غرائزهم من غير تعب ولا نصب، فهم في غنى عن الزواج، وهذا بلا شك يعرَّض البلاد إلى الخراب والدمار، وينذر بكارثه لا تبقي ولا تذر، وليس انتشار الخيانات الزوجية وخراب البيوت إلا أثراً من آثار هذا التبرج الذميم.
يقول (سيّد سابق) في كتابه «فقه السُنّة» :
«إنّ أهم ما يتميّز به الإنسان عن الحيوان اتخاذُ الملابس، وأدوات الزينة، يقول الله تعالى: ﴿يابنيءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] .
стр. 980
والملابسُ والزينةُ هما مظهران من مظاهر المدنيّة والحضارة، والتجرّدُ عنهما إنما هو ردّة إلى الحيوانية، وعودة إلى الحياة البدائية، وإنّ أعزّ ما تملكه المرأة الشرفُ، والحياءُ، والعفافُ، والمحافظةُ على هذه الفضائل محافظةٌ على إنسانية المرأة في أسمى صورها، وليس من صالح المرأة، ولا من صالح المجتمع أن تتخلى المرأة عن الصيانة والاحتشام، ولا سيّما وأن الغريزة الجنسية هي أعنف الغرائز، وأشدّها على الإطلاق» .
امنعوا الاختلاط ... وقيّدوا حرية المرأة
وتحت هذا العنوان نشرت صحيفة (الجمهورية) بالقاهرة مقالاً لصحفية أمريكية تدعى (هيلسيان ستانسبري) قالت هذه الكاتبة الأمريكية بعد أن مكثت شهراً في الجمهورية العربية ما نصه: «إنّ المجتمع العربي مجتمع كامل وسليم، ومن الخليق بهذا المجتمع أن يتمسك بتقاليده التي تقيّد الفتاة والشاب في حدود المعقول، وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع الأوروبي والأمريكي، فعندكم تقاليد موروثه تحتّم تقييد المرأة وتحتّم احترام الأب والأم، وتحتّم أكثر من ذلك عدم» الإباحيّة الغربية «التي تهدّد اليوم المجتمع والأسرة في أوروبا وأمريكا.
إن القيود التي يفرضها المجتمع العربي على الفتاة صالحة ونافعة، لهذا أنصح بأن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلاقكم، وامنعوا الاختلاط، وقيّدوا حرية الفتاة، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب، فهذا خير لكم من إباحية وانطلاق ومجون أوروبا وأمريكا.
امنعوا الاختلاط فقد عانينا منه في أمريكا الكثير، لقد أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعاً معقداً، مليئاً بكل صور الإباحية والخلاعة، وإنَّ ضحايا
стр. 981
الاختلاط والحرية قبل سنّ العشرين، يملأون السجون والأرصفة، والبارات والبيوت السرية؛ إن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا الصغار، قد جعلت منهم عصابات أحداث، وعصابات (جميس دين) وعصابات للمخدّرات والرقيق.
إن الاختلاط، والإباحية، والحرية في المجتمع الأوروبي والأمريكي هدّد الأسر، وزلزل القيم والأخلاق، فالفتاة الصغيرة - تحت سن العشرين - في المجتمع الحديث، تخالط الشبان، وترقص، وتشرب الخمر، وتتعاطى المخدرات باسم المدنية والحرية والإباحية ... وهي تلهو وتعاشر من تشاء تحت سمع عائلتها وبصرها، بل وتتحدى والديها، ومدرّسيها، والمشرفين عليها. . تتحدّاهم باسم الحرية والاختلاط، تتحداهم باسم الإباحية والانطلاق، تتزوّج في دقائق، وتطلّق بعد ساعات، ولا يكلّفها أكثر من إمضاء وعشرين قرشاً وعرّيس ليلة.
أقول: هذا رأي الكاتبة الأمريكية والفضل ما شهدت به الأعداء. .! وصدق الله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى ... ﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
стр. 982
سورة سبأ
[١] حكم التماثيل والصور
стр. 983
التحليل اللفظي
﴿فَضْلاً﴾ : أي أمراً عظيماً فضّلناه به على غريه، والمراد به النبوة والزبور، وقيل: ما خصّه الله تعالى به على سائر الأنبياء من النعم كتسخير الجبال، والطير، وإلانة الحديد، وحسن الصوت، وغير ذلك من النعم.
﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ : أي سبّحي معه، ورجّعي معه التسبيح قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق﴾ [ص: ١٨] .
قال القرطبي: فكان إذا قرأ الزبور صوّتت الجبال معه، وأصغت إليه الطير، فكأنها فعلت ما فعل.
قال ابن قتيبة: وأصل التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلاً، فكأنه أراد: ادأبي النهار كله بالتسبيح معه إلى الليل.
وقيل المعنى: سيري معه حيث شاء، من التأويب وهو السير، قال ابن مقبل:
لحقنا بحّيٍ أوّبوا السّيْر بعدما ... دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح
﴿سابغات﴾ : أي دروعاً واسعات، فذكر الصفةَ لأنها تدل على الموصوف، والسابغات: الدروع الكوامل التي تغطي لابسها حتى تفضل عنه فيجرّها على الأرض.
قال أبو حيّان: السابغات: الدروع، وأصله الوصف بالسبوغ
стр. 984
وهو التمام والكمال، وغلب على الدروع فصار كالأبطح قال الشاعر:
عليها أسودٌ ضارباتٌ لبَوسُهم ... سوابغُ بيضٌ لا يخرّقُها النبلُ
وقال القرطبي: أي كوامل تامات واسعة، يقال: سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطّى كل ما هو عليه وفضل منه.
﴿وَقَدِّرْ فِي السرد﴾ : أي في النسج، والمراد: اجعله على قدر الحاجة، لا تجعل حِلَق الدرع صغيرة فتنفصم الحَلْقة، ولا واسعة فلا تقي صاحبها السهم والرمح.
قال قتادة: كانت الدروع قبل داود صفائح فكانت ثقالاً، فأُمر بأن يجمع بين الخفّة والحصانة، ويقال لصانع الدروع سرّاد، وزرّاد بإبدال السين بالزاي، والسّرْد: إتباع الشيء بالشيء من جنسه قال الشمّاخ:
فظلّت تِباعاً خيلُنا في بيوتكم ... كما تابعت سرْدَ العِنَان الخوارز
والسُّراد: السّير الذي يخرز به النعل.
قال القرطبي: وأصل ذلك في سرد الدرع، وهو أن يحكمها ويجعل نظام حلَقها وِلاءً غير مختلف قال لبيد:
صنع الحديدَ مضاعفاً أسرادُه ... لينال طولَ العيش غير مروم
﴿عَيْنَ القطر﴾ : قال الزجاج: القِطر الصُّفْر وهو النحاس: أذيب لسليمان وكان قبل سليمان لا يذوب لأحد.
стр. 985
قال المفسّرون: أجرى الله لسليمان عين الصُّفْر، حتى صنع منها ما أراد من غير نار، كما أُلين لداود الحديدُ بغير نار، فبقيت تجري ثلاثة أيام ولياليهنّ كجري الماء، وإنما يعمل الناس اليوم مما أعطي سليمان.
قال القرطبي: «وتخصيص الإسالة بثلاثة أيام لا يدري ما حدّه، ولعله وَهَم من الناقل، والظاهر أنه جُعل النحاس لسليمان في معدنه عيناً تسيل كعيون المياه، دلالة على نبوته» .
﴿يَزِغْ﴾ : أي يعدل عن أمرنا به من طاعة سليمان، يقال: زاغ أي مالَ وانصرف.
﴿محاريب﴾ : أي قصور عظيمة، ومساكن حصينة، قال القرطبي: المحراب في اللغة: كل موضع مرتفع، وقيل للذي يُصلّى فيه: محراب، لأنه يجب أن يرفع ويعظّم، قال الشاعر:
جمع الشجاعة والخضوع لربه ... ما أحسن المحراب في المحراب
وروي عن أبي عبيدة أنه قال: المحراب أشرف بيوت الدار، وأنشد عدّي بن زيد:
كدُمَى العاج في المحاريب أوكالْ ... بيْض في الرّوض زهرة مستينر
وقيل: هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب﴾ [ص: ٢١] .
وقيل المراد بالمحاريب: المساجد، ونقل عن قتادة: أنها المساجد والقصور الشامخة. وسمي القصر بالمحراب لأنه يحارب من أجله، ومما يرجح هذا الرأي أن الله تعالى ذكر أنها من عمل الجن، ولعلّ عمل القصور الضخمة الشامخة كان مما يستعصي على الناس في ذلك
следующие страницы →