← История

История · id 12348

تاريخ مختصر الدول

ابن العبري

Полный текст (305 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وفي سنة تسع وثلثين وثلاثمائة توفي محمد بن محمد بن طرخان ابو نصر الفارابي بمدينة دمشق. وفاراب هي احدى مدن الترك فيما وراء النهر. ودخل ابو نصر العراق واستوطن بغداد وقرأ بها العلم الحكميّ على يوحنا بن حيلان [١] المتوفي في ايام المقتدر واستفاد منه وبرز في ذلك على اقرانه واربى عليهم في التحقيق وأظهر الغوامض المنطقيّة وكشف سرها وقرّب متناولها وجمع ما يحتاج اليه منها في كتب صحيحة العبارة لطيفة الاشارة منبّهة على ما اغفله الكندي وغيره من صناعة التحليل وأنحاء التعاليم فجاءت كتبه المنطقية والطبيعية والالهية والسياسية الغاية الكافية والنهاية الفاضلة. وكان ابو نصر الفارابي معاصرا لأبي بشر متى بن يونس الّا انه كان دونه في السّن وفوقه في العلم. وقدم ابو نصر الفارابيّ على سيف الدولة ابي الحسن عليّ بن ابي الهيجاء بن حمدان الى حلب وأقام في كنفه مدة بزيّ اهل التصوّف وقدّمه سيف الدولة وأكرمه وعرف موضعه من العلم ومنزلته من الفهم ورحل في صحبته الى دمشق فأدركه اجله بها. وكان في ايام المطيع لله وفي امارة الأقطع معزّ الدولة احمد بن بويه ثابت بن سنان ابن ثابت بن قرة وكان بارعا في الطب عالما بأصوله فكاكا للمشكلات من الكتب. وكان يتولّى تدبير البيمارستان ببغداد في وقته. وعمل ثابت هذا كتاب التاريخ المشهور في الآفاق الذي ما كتب كتاب في التاريخ اكثر مما كتبه وهو من سنة نيّف وتسعين ومائتين الى حين وفاته في شهور سنة ثلث وستين وثلاثمائة. وعليه ذيل ابن أخته هلال ولولاهما لجهل شيء كثير من التاريخ في المدّتين. وفي هذا الزمان اشتهر يحيى بن عدي بن حميد ابن زكريا التكريتي المنطقي نزيل بغداد. اليه انتهت رئاسة اهل المنطق في زمانه. قرأ على ابي نصر الفارابي. وكان نصرانيا يعقوبيّ النحلة وكان ملازما للنسخ بيده كتب كثيرا من الكتب وكان يكتب خطا قاعدا بيّنا في اليوم والليلة مائة ورقة واكثر. وله تصانيف وتفاسير ونقول عدّة. ومات ثالث عشر آب سنة ألف ومائتين وخمس وثمانين للإسكندر ودفن في بيعة القطيعة ببغداد وكان عمره احدى وثمانين سنة شمسيّة [٢] . (الطائع بن المطيع) واسمه ابو الفضل عبد الكريم وسبب خلافته ان أباه المطيع لحقه فالج ثقل لسانه منه وتعذّرت الحركة عليه وهو يستر ذلك. فانكشف حاله لسبكتكين فدعاه الى ان يخلع نفسه ويسلّم الخلافة الى ولده الطائع لله ففعل ذلك في سنة ثلث وستين وثلاثمائة. وفيها خطب للمعزّ لدين الله العلويّ صاحب مصر بمكة والمدينة في

стр. 177

الموسم. وفيها وصل عضد الدولة واستولى على العراق وقبض على بختيار ثم عاد فأخرجه وعاد بختيار الى مكة كما كان امير الأمراء. وفي سنة خمس وستين وثلاثمائة مات المعزّ العلويّ بمصر وهو اوّل الخلفاء العلويّين ملك مصر واستخلف عليها ابنه العزيز. وفي سنة ست وستين وثلاثمائة في المحرّم توفّي ركن الدولة ابو عليّ الحسن بن بويه واستخلف على ممالكه ابنه عضد الدولة. وفيها مات منصور بن نوح صاحب خراسان ببخارا [١] وولي الأمر بعده ابنه نوح [٢] . وفي سنة سبع وستين سار عضد الدولة الى بغداد وأرسل الى بختيار يدعوه الى طاعته وان يسير عن العراق الى ايّ جهة أراد الّا الموصل. فخرج بختيار عن بغداد عازما على قصد الشام. ودخل عضد الدولة بغداد وخطب له فيها بخلاف العادة وضرب على بابه ثلث نوب ولم تجر بذلك عادة من تقدّمه. واما بختيار لما سار عن بغداد الى الحديثة أتاه ابو تغلب في عشرين ألف مقاتل وسارا جميعا نحو العراق. فبلغ ذلك عضد الدولة فسار عن بغداد نحوهما. فالتقوا بنواحي تكريت فهزمهما وأسر بختيار وقتله. وسار نحو الموصل واستولى على ملك بني حمدان. وسار ابو تغلب ابن ناصر الدولة بن حمدان الى الشام فوصل الى دمشق وقتل بها. وفي سنة تسع وستين وثلاثمائة راسل عضد الدولة أخويه فخر الدولة ومؤيّدالدولة يدعوهما الى طاعته وموافقته. اما مؤيّد الدولة فأجاب جواب المناظر المناوي فنقم عليه اما مؤيّدالدولة الدولة فأجاب راغبا واما فخر الدولة فأجاب جواب المناظر المناوي فنقم عليه عضد الدولة ذلك وسار نحو همذان وبها فخر الدولة فخافه ذاكرا قتل ابن عمّه بختيار فخرج هاربا وقصد جرجان فنزل على شمس المعالي قابوس بن وشمكير [٣] والتجأ اليه فأمّنه وآواه وحمل اليه فوق ما حدثته به نفسه. وفي هذه السفرة حدث لعضد الدولة صرع وكان هذا قد اخذه بالموصل فكتمه وصار كثير النسيان لا يذكر الشيء الّا بعد جهد وكتم ذلك ايضا. وهذا دأب الدنيا لا تصفو لأحد. وفيها شرع عضد الدولة في عمارة بغداد وكانت قد خربت بتوالي الفتن فيها وعمّر مساجدها وأسواقها وأدرّ الأموال على الأئمّة والعلماء والقرّاء والغرباء والضعفاء الذين يأوون الى المساجد. وجدّد ما دثر من الأنهار وأعاد حفرها وتسويتها [٤] . وفيها تجددت وصلة بين الطائع لله وبين عضد الدولة فتزوّج الطائع ابنته وكان غرض عضد الدولة ان تلد ابنته ولدا ذكرا فيجعله وليّ عهده فتكون الخلافة

стр. 178

في ولد [١] لهم فيه نسب وكان الصداق مائة ألف دينار. وفيها كانت فتنة عظيمة بين عامّة شيراز من المسلمين والمجوس ونهبت فيها دور المجوس وضربوا وقتل منهم جماعة فسيّر إليهم عضد الدولة من جمع له كل من له في ذلك اثر وضربهم وبالغ في تأديبهم وزجرهم. وفي سنة احدى وسبعين وثلاثمائة فتح البيمارستان العضديّ غربي بغداد ونقل اليه جميع ما يحتاج اليه من الادوية. وفيها أرسل عضد الدولة القاضي أبا بكر المعروف بابن الباقلاني رسولا الى ملك الروم فلما وصل قيل له ليقبّل الأرض بين يديه فامتنع. فعمل الملك بابا صغيرا ليدخل منه القاضي منحنيا. فلما رأى القاضي الباب علم ذلك فاستدبره ودخل منه. فلما دخل وجازه استقبل الملك قائما. وفي سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة اشتدّ الصرع الذي كان يعتاده عضد الدولة فخنقه فمات منه ثامن شوّال ببغداد. وكانت ولايته بالعراق خمس سنين ونصفا. وجلس ابنه صمصام الدولة ابو كاليجار للعزاء فأتاه الطائع لله معزّيا. وكان عمر عضد الدولة سبعا وأربعين سنة. وكان قد سيّر ولده شرف الدولة أبا الفوارس الى كرمان مالكا لها. وكان عضد الدولة عاقلا فاضلا حسن السياسة كثير الاصابة شديد الهيبة بعيد الهمّة ثاقب الرأي محبا للفضائل وأهلها باذلا في مواطن العطاء ومانعا في أماكن الحرم ناظرا في عواقب الأمور. ولما توفي عضد الدولة ولي الأمر بعده ولده صمصام الدولة ابو كاليجار وخلع على أخويه ابي الحسين احمد وابي طاهر فيروز شاه فاقطعهما فارس. وكان أخوهم الآخر شرف الدولة بكرمان فسبقهما الى شيراز فملكها. وفي سنة ثلث وسبعين وثلاثمائة مات مؤيد الدولة بجرجان وكانت علّته الخوانيق. وعاد فخر الدولة اخوه الى مملكته واتفق مع صمصام الدولة وصارا يدا واحدة. وفيها دخل باد [٢] الكردي الحميديّ الى الموصل واستولى عليها وقويت شوكته وحدّث نفسه بالتغلّب على بغداد وازالة الديلم عنها. فخافه صمصام الدولة وأهمّه أمره وشغله عن غيره وجمع العسكر فساروا الى باد فخرج إليهم ولقيهم في صفر سنة اربع وسبعين فأجلت [٣] الوقعة عن هزيمة باد وأصحابه وملك الديلم الموصل. وفي سنة سبع وسبعين سار شرف الدولة ابو الفوارس بن عضد الدولة من الأهواز الى واسط فملكها. فخافه اخوه صمصام الدولة وسار في طيّار اليه في خواصه فلقيه وطيّب قلبه فلما خرج من عنده قبض عليه وسار فوصل الى بغداد في شهر رمضان واخوه صمصام الدولة معه تحت الاعتقال وكانت امارته بالعراق اربع سنين. وفي سنة تسع وسبعين وثلاثمائة اعتلّ شرف الدولة فلما اشتدّت علّته

стр. 179

قيل له: الدولة مع صمصام الدولة على خطر فان لم تقتله فأسمله. فسمله وحبسه مع أخيه ابي طاهر في بعض القلاع التي بفارس وفيها في مستهلّ جمادى الآخرة مات الملك شرف الدولة ابو الفوارس شير زيل بن عضد الدولة مستسقيا وكانت امارته بالعراق سنتين. وثمانية أشهر وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة. وولي الأمر بعده اخوه بهاء الدولة ابو نصر. واما ابنه ابو عليّ فكان سيّره الى بلاد فارس واصحبه الخزائن والعدد وجماعة كثيرة من الأتراك. ثم ان المرتّبين في القلعة التي فيها صمصام الدولة واخوه ابو طاهر لما بلغهم الخبر بموت شرف الدولة اطلقوهما ومعهما فولاذ [١] فساروا الى شيراز واجتمع على صمصام الدولة وهو أعمى كثير من الديلم واستولى على فارس وملكها. واما ابو عليّ بن شرف الدولة فأرسل اليه عمّه بهاء الدولة وطيّب قلبه ووعده فسار اليه فقبض عليه ثم قتله بعد ذلك بيسير. وفيها ملك ابو طاهر ابرهيم وابو عبد الله الحسين ابنا ناصر الدولة بن حمدان الموصل. وفي سنة ثمانين وثلاثمائة جمع باد الأكراد وصار نحو الموصل فخرج اليه ابو طاهر والحسين ابنا ناصر الدولة بن حمدان فناوشاه القتال. وأراد باد الانتقال من فرس الى آخر فسقط فأراده أصحابه على الركوب فلم يقدروا فتركوه وانصرفوا فعرفه بعض العرب فقتله وصلبت جثته على دار الامارة فثار العامة وقالوا: رجل غاز ولا يحلّ فعل هذا به فأنزلوه وكفّنوه وصلّوا عليه ودفنوه وظهر منهم محبّة كثيرة له. ولما قتل باد الكرديّ سار ابن أخته ابو عليّ بن مروان في طائفة من الجيش الى حصن كيفا وهو على دجلة فملكه ونزل فقصد حصنا حصنا حتى ملك ما كان لخاله. وبعد مدّة يسيرة قتل بآمد قتله انسان يقال له ابن دمنة وقف له في الدركاه وضربه بالسكين في مقاتله. وملك ميّافارقين بعده اخوه ممهد الدولة بن مروان واستولى على آمد عبد البرّ شيخ البلد وزوّج ابن دمنة قاتل ابي علي ابنة. فعمل له ابن دمنة دعوة وقتله وملك آمد وعمّر البلد وأصلح أمره مع ممهد الدولة وهادي [٢] ملك الروم وصاحب مصر وغيرهما من الملوك وانتشر ذكره. وفي سنة احدى وثمانين وثلاثمائة قبض بهاء الدولة على الطائع بن المطيع. وحمل الى دار بهاء الدولة فحبس بها واشهد عليه بالخلع وأخذ بهاء الدولة ما في دار الخلافة من الذخائر فمشى به الحال وكانت مدة خلافة الطائع سبع عشرة سنة وثمانية أشهر ولم يكن له من الحكم في ولايته ما يعرف به حال يستدلّ به على سيرته. وفي سنة تسع وستين وثلاثمائة توفّي ثابت بن ابرهيم بن زهرون [٣] الحرّاني الصابئ

стр. 180

ببغداد وكان طبيبا حاذقا مصيبا. حكى عنه ابو الفرج ابن ابي الحسن بن سنان قال: كنت وابرهيم الحرّاني يوما في دار ابي محمد المهلّبي الوزير فتقدم ابو عبد الله بن الحجاج الشاعر الى الحراني فأعطاه مجسّه. فقال له: قلت لك غلظ غذاك وأظنك أسرفت وذلك حتى أكلت مضيرة بلحم عجل. فقال: كذلك والله كان. وعجب هو والجماعة منه. ومدّ اليه ابو العباس المنجم يده فأخذ مجسّه فقال: فأنت يا سيدي أسرفت في التبريد ايضا وأظنّك قد أكلت احدى عشرة رمّانة. فقال ابو العباس المنجم: هذه نبوّة لا طبّ. وزاد العجب والتفاوض في ذلك. وكنت انا ايضا أكثرهم استطرافا وتعجبا. فلما خرجنا قلت له: يا سيدي أبا الحسن صناعة الطب معروفة بيننا لا يخفى عني شيء منها فبيّن لي من اين ذلك النصّ على ان المضيرة كانت بلحم عجل لا بقرة ولا ثور ومن اين لك الدليل على ان عدد الرمّان احدى عشرة. فقال: هو شيء يخطر ببالي فينطق به لساني. فقلت: صدقتني والله إذا ارني مولدك. وجئت معه الى الدار ونظرت في مولده فرأيت سهم الغيب في درجة الطالع مع درجة المشتري وسهم السعادة فقلت له: يا عزيزي هذا يتكلم لا أنت وكلما تصيب في الطبّ من مثل هذا الحدس والقول فهذا سببه وأصله. وحكي ان عضد الدولة فناخسرو شاهنشاه بن بويه كان إذا افتخر بالعلم والمعلّمين يقول: معلمي في الكواكب الثابتة وأماكنها عبد الرحمن الصوفيّ وفي حلّ الزيج الشريف ابن الأعلم وفي النحو ابو علي الفارسي. وكان عبد الرحمن بن عمر بن سهل ابو الحسين الصوفي الرازيّ فاضلا نبيها نبيلا ومن تصانيفه كتاب الصور السمائيّة مصورّ والارجوزة وكتاب مطارح الشعاعات. وتوفيّ في سنة ست وسبعين وثلاثمائة وكان عمره خمسا وثمانين سنة. واما ابن الأعلم فاسمه عليّ بن الحسين رجل علويّ شريف عالم بعلم الهيئة وصناعة التسيير مذكور مشهور في وقته وكان قد تقدّم عند عضد الدولة. ولما توفّي عضد الدولة نقصت حاله وتأخر أمره عند صمصام الدولة ابنه فانقطع عنهم واقام منقطعا وحجّ في شهور سنة اربع وسبعين وثلاثمائة وفي عودته مات بمنزلة تعرف بالعسيلة. وكان في هذه المدة جماعة صالحة من مشاهير الحكماء منهم التميميّ المقدسيّ الطبيب كان بمصر في حدود سبعين وثلاثمائة أحكم ما علمه من علم الطبّ غاية الأحكام وكان له غرام وعناية تامّة في تركيب الادوية وعنده غوص واستغراق في طلب غوامض هذا النوع وكان منصفا

стр. 181

في مذاكراته غير رادّ على احد الّا بطريق الحقيقة. ومنهم عليّ بن العبّاس المجوسيّ فاضل كامل فارسيّ الأصل قرأ على شيخ فارسيّ يعرف بأبي ماهر وطالع هو اجتهد وصنف للملك عضد الدولة بن بويه كتابه [١] المسمّى بالملكيّ وهو كتاب جليل وكنّاش نبيل مال الناس اليه في وقته ولزموا درسه الى ان ظهر كتاب القانون لابن سينا فمالوا اليه وتركوا الملكيّ بعض الترك. والملكيّ في العمل ابلغ والقانون في العلم اثبت. ومنهم نظيف القسّ [٢] الرومي كان طبيبا عالما بالنقل من اليوناني الى العربي ولم يكن سعيد المباشرة ولا منجح المعالجة وكان الناس يتطيرون به ويولعون [٣] به إذا دخل الى مريض حتى انه حكى في بعض أوقاته ان عضد الدولة أنفذه الى بعض القوّاد ليعوده في مرض كان عرض له. فلما خرج من عند القائد استدعى القائد ثقته وأنفذه الى حاجب عضد الدولة يستعلم منه نيّة الملك فيه. ويقول: ان كان ثمّ تغيّر نيّة فليأخذ له الأذن في الانصراف والبعد فقد قلق لما جرى. وسأله الحاجب عن السبب. فقال: ما اعرف اكثر من انه جاء نظيف الطبيب وقال له: مولانا الملك انفذني لعيادتك. فمضى الحاجب وأعاد بحضرة عضد الدولة هذا القول. فضحك وأمره باعلامه حسن نيّة الملك فيه وحملت اليه خلع سنيّة سكنت نفسه بها. ومنهم عبيد [٤] الله بن الحسن ابو القاسم المعروف بغلام زحل المنجم مقيم ببغداد من أفاضل الحسّاب والمنجمين اصحاب الحجج والبراهين وله يد طولى فيما يعانيه من هذا الشأن. ذكر انه اجتمع يوما عند ابي سليمان المنطقيّ جماعة من سادة علماء الأوائل وأخذوا في المذاكرة فذكروا في علم النجامة وقالوا: هي من العلوم التي لا تجدي فائدة ولا يصحّ لها حكم. فأطالوا القول في ذلك. فقال بعضهم: ايها القوم اختصروا الكلام وقربوا البغية هل تصح الأحكام. فقال غلام زحل: عن هذا جواب يستثبت على كل وجه. فقيل: لم بيّن. قال لان صحتها وبطلانها يتعلقان بآثار الفلك وقد يقتضي شكل الفلك في زمان ان لا يصحّ منها شيء وان غيص [٥] على دقائقها وبلغ الى أعماقها. وقد يزول ذلك الشكل فيجيء زمان لا يبطل منها شيء فيه وان قورب في الاستدلال. وقد يتحول هذا الشكل في وقت آخر الى ان يكثر الصواب فيها والخطأ. ومتى وقف الأمر على هذا الحدّ فلا يثبت على قول قضاء ولا يوثق بجواب. فقال ابو

стр. 182

سليمان المنطقيّ: هذا احسن ما يمكن ان يقال في هذا الباب. ومنهم مسكويه ابو عليّ الخازن [١] من كبار فضلاء العجم واجلّاء فارس له مشاركة حسنة في العلوم الادبيّة والعلوم القديمة كان خازنا للملك عضد الدولة بن بويه مأمونا لديه أثيرا عنده. وله تصانيف في العلوم ومناظرات ومحاضرات. وقال ابو عليّ بن سينا في بعض كتبه وقد ذكر مسألة فقال: وهذه المسألة حاضرت بها أبا عليّ مسكويه فاستعادها كرّات وكان عسر الفهم فتركه ولم يفهمها على الوجه. وعاش زمانا طويلا الى ان قارب سنة عشرين واربعمائة. وحكي ان عضد الدولة لما قدم الى بغداد قيل له عن ابي الفضل جعفر بن المكتفي بالله انه من أولاد الخلفاء وانه فاضل كبير القدر عالم بعلوم متعددة من علوم الأوائل متحقق بذلك اتمّ تحقيق. فاشتاقت نفسه اليه فسيّر اليه سرا وكان يجتمع به خفية ويأتيه في خفّ وازار فإذا حصل في داره أقعده في موضع خال بغير إزار. فإذا خلا عضد الدولة استدعاه فإذا شاهده تطاول له في القيام وأكرمه وخلا به وسأله عن فنّه في علم احكام النجوم واخبار الحدثان فيخبره من ذلك بما يعجب منه ولا يبعد وقوعه. وتوفّي جعفر هذا سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. ومن جملة من اختص بشرف الدولة بن عضد الدولة من الحكماء احمد بن محمد الصاغاني ابو حامد كان فاضلا في الهندسة وعلم الهيئة وكان ببغداد يحكم الآلات الرصديّة غاية الأحكام. ولما بنى شرف الدولة بيت الرصد في طرف بستان دار المملكة وتقدّم برصد الكواكب السبعة واعتمد في ذلك على ويجن [٢] الكوهي ورصد وكتب مختصرين بصورة الرصد كان ممن شاهد ذلك وكتب خطّه بتصحيح نزول الشمس في برجين احمد بن محمد المنطقي الصاغاني. ومات احمد هذا سنة تسع وسبعين وثلاثمائة ببغداد. واما ويجن بن وشم [٣] ابو سهل الكوهي فكان حسن المعرفة بالهندسة وعلم الهيئة متقدما فيهما الى الغاية المتناهية. وكان رصده لحلول الشمس برجي السرطان والميزان سنة ألف ومائتين وتسع وتسعين للإسكندر. وكان من جملة من حضر هذين الرصدين من العلماء ابرهيم بن هلال بن ابرهيم بن زهرون [٤] الصابئ صاحب الرسائل اصل سلفه من حرّان ونشأ ببغداد وتأدّب بها وكان بليغا في صناعتي النظم والنثر وله يد طولى في علم الرياضية وخصوصا في الهندسة والهيئة وله فيهما مصنفات. وديوان رسائله مجموع. وخدم

стр. 183

ملوك العراق من بني بويه واختلفت به الأيام ما بين رفع ووضع وتقديم وتأخير واعتقال واطلاق. وتوفي سنة اربع وثمانين وثلاثمائة. قال ابو حيّان التوحيديّ: سألني وزير صمصام الدولة بن عضد الدولة عن زيد بن رفاعة في حدود سنة ثلث وسبعين وثلاثمائة وقال: لا أزال اسمع من زيد بن رفاعة قولا يريبني ومذهبا لا عهد لي به. وقد بلغني انك تغشاه وتجلس اليه وتكثر عنده. ومن طالت عشرته لإنسان أمكن اطلاعه على مستكنّ رأيه. فقلت: ايها الوزير هناك ذكاء غالب وذهن وقّاد. قال: فعلى هذا ما مذهبه. قلت: لا ينسب الى شيء لكنه قد اقام بالبصرة زمانا طويلا وصادف بها جماعة لاصناف العلم فصحبهم وخدمهم وكانت هذه العصابة قد تألّفت بالعشرة وتصافت بالصداقة واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة فوضعوا بينهم مذهبا زعموا انهم قرّبوا به الطريق الى الفوز برضوان الله وذلك انهم قالوا: ان الشريعة قد تدنّست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل الى غسلها وتطهيرها الّا بالفلسفة وزعموا انه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال وصنفوا خمسين رسالة في خمسين نوعا من الحكمة ومقالة حادية وخمسين جامعة لانواع المقالات على طريق الاختصار والإيجاز وسمّوها رسائل اخوان الصفا وكتموا فيها أسماءهم وبثّوها في الورّاقين ووهبوها للناس وحشوا هذه الرسائل بالكلمات الدينية والأمثال الشرعية والحروف المجتمعة [١] والطرق المموهة [١] وهي مبثوثة [٢] من كل فنّ بلاد إشباع ولا كفاية وفيها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات فتعبوا وما أغنوا وغنّوا وما اطربوا ونسجوا فهلهلوا ومشطوا ففلفلوا وبالجملة فهي مقالات مشوّقات غير مستقصاة ولا ظاهرة الادلّة والاحتجاج. ولما كتم مصنّفوها أسماءهم اختلف الناس في الذي وضعها فكل قوم قالوا قولا بطريق الحدس والتخمين. فقوم قالوا: هي من كلام بعض الأئمّة العلويّين. وقال آخرون: هي تصنيف بعض متكلّمي المعتزلة في العصر الاول. (القادر بن اسحق بن المقتدر) لما قبض الطائع ذكر بهاء الدولة من يصلح للخلافة واتفقوا على القادر بالله ابي العباس احمد بن اسحق المقتدر وكان بالبطيحة. ولما وصل الرسل اليه كان تلك الساعة يحكي مناما رآه تلك الليلة يدلّ على خلافته. فبويع له يوم حادي عشر من شهر رمضان سنة احدى وثمانين وثلاثمائة. وفيها مات سعد الدولة ابن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب بالقولنج وولي بعده ابنه ابو الفضائل ووصّى

стр. 184

الى لؤلؤة به وبسائر اهله. وفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة نزل ملك الروم بارمينية وحصر خلاط وملازكرد [١] وأرجيش فضعفت نفوس الناس عنه ثم هادنه ابو عليّ الحسن ابن مروان مدة عشر سنين وعاد ملك الروم. وفي سنة ست وثمانين وثلاثمائة توفّي العزيز العلوي صاحب مصر وعمره اثنتان وأربعون سنة وثمانية أشهر بمدينة بلبيس [٢] وولي بعده ابنه ابو عليّ المنصور ولقّب الحاكم بأمر الله. وكان العزيز يحبّ العفو ويستعمله فمن حلمه انه كان بمصر شاعر كثير الهجاء فهجاء يعقوب بن كلس الوزير وأبا نصر كاتب الإنشاء فقال: قل لابي نصر كاتب القصر ... والمتأني لنقض ذا الأمر انقض عرى الملك للوزير تفز ... منه بحسن الثنا والذكر وأعط وأمنع ولا تخف أحدا ... فصاحب القصر ليس بالقصر وليس يدري ماذا يراد به ... وهو إذا ما درى فما يدري فشكاه الوزير الى العزيز وأنشده الشعر. فقال له: هذا شيء اشتركنا في الهجاء به فشاركني في العفو عنه. وفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة توفّي الأمير نوح بن منصور صاحب بخارا وولي الأمر بعده ابنه منصور. وفيها مات سبكتكين [٣] وملك بعده إسماعيل. ثم أرسل اليه وهو بغزنة [٤] اخوه يمين الدولة محمود من نيسابور يعرّفه [٥] ان أباه انما عهد اليه لبعده عنه ويذكّره ما يتعيّن من تقديم الكبير. فلم يجبه الى ذلك. فسار اليه وقاتله وقبض عليه ثم أعلى منزلته وشركه في الملك [٦] . وفيها مات فخر الدولة ابن ركن الدولة بن بويه وقام بملكه بعده ولده مجد الدولة ابو طالب رستم وعمره اربع سنين وكان المرجع الى امّه في تدبير الملك وعن رأيها يصدرون. وفيها توفّي مأمون ابن محمد صاحب خوارزم وولي الأمر بعده ولده عليّ. وفي سنة احدى واربعمائة خطب قرواش بن المقلد امير بني عقيل للحاكم العلويّ صاحب مصر بأعماله كلّها وهي الموصل والأنبار والمدائن والكوفة وغيرها. وفي سنة ثلث واربعمائة قتل شمس المعالي

стр. 185

قابوس بن وشمكير [١] وكان سبب قتله انه كان مع كثرة فضائله ومناقبه عظيم السياسة شديد الأخذ قليل العفو يقتل على الذنب اليسير. فضجر أصحابه منه ومضوا اليه الى الدار التي هو فيها وقد دخل الى الطهارة متخففا فأخذوا ما عليه من كسوة وكان الزمان شتاء وكان يستغيث: اعطوني ولو جلّ فرس. فلم يفعلوا فمات من شدّة البرد. وولي بلاده ابنه منوجهر ولقب فلك [٢] المعالي. وكان قابوس عزيز [٣] الأدب وافر العلم له رسائل وشعر حسن [٤] وكان عالما بالنجوم وغيرها من العلوم. وفيها توفّي بهاء الدولة ابن عضد الدولة بن بويه وهو الملك حينئذ بالعراق [٥] وولي الملك بعده ابنه سلطان الدولة ابو شجاع. وفي سنة سبع واربعمائة قتل [٦] خوارزمشاه ابو العبّاس مأمون بن مأمون وملك يمين الدولة خوارزم. وفي سنة ثماني واربعمائة خرج الترك من الصين في عدد كثير يزيدون على ثلاثمائة ألف خركاه وملكوا بعض البلاد وغنموا وسبوا وبقي بينهم وبين بلاساغون [٧] ثمانية ايام. ولما سمعوا بجمع عساكر طغان خان عادوا الى بلادهم. فسار خلفهم نحو ثلثة أشهر حتى أدركهم وهم آمنون لبعد المسافة فكبسهم وقتل منهم زيادة على مائتي ألف رجل وغنم من الدوابّ واواني الذهب والفضة ومعمول الصين ما لا عهد لأحد بمثله. وفي سنة احدى عشرة واربعمائة عظم امر ابي عليّ مشرّف الدولة ابن بهاء الدولة ثم ملك العراق وأزال عنه أخاه سلطان الدولة. وفيها فقد الحاكم بن العزيز ابن المعزّ العلويّ صاحب مصر بها ولم يعرف له خبر. وقيل انه خرج يطوف ليلته على رسمه وعادته وأصبح عند قبر الفقاعيّ وتوجه الى شرقيّ حلوان ومعه ركابيّان فأعادهما فعادا وذكرا انهما خلّفاه عند العين وبقي الناس على رسومهم يخرجون كل يوم يلتمسون رجوعه. فلما أبطأ خرج جماعة من خواصّه فبلغوا حلوان [٨] ودخلوا في الجبل فبصروا بالحمار

стр. 186

الذي كان عليه وقد ضربت يداه بسيف وعليه سرجه ولجامه. فاتبعوا الاثر فانتهى بهم الى البركة فرأوا ثيابه وهي سبع قطع صوف وهي مزرّرة بحالها لم تحلّ وفيها اثر السكاكين فعادوا ولم يشكّوا في قتله. وكان عمره سبعا وثلثين سنة وولايته خمسا وعشرين سنة. وكان جوادا بالمال سفّاكا للدماء وكانت سيرته عجيبة أمر بسبّ الصحابة وكتب الى سائر عمّاله بذلك. ثم أمر بعد ذلك بمدّة بالكفّ عن السبّ وهدم بيعة القيامة ببيت المقدس ثم عاد بناها. وحمل اهل الذمّة على الإسلام او المسير الى مأمنهم او لبس الغيار فأسلم كثير منهم. ثم كان الرجل منهم بعد ذلك يلقاه فيقول له: أريد العود الى ديني فيأذن له. ومنع النساء عن الخروج من بيوتهنّ وقتل من خرج منهنّ. فشكا اليه من لا قيّم لها يقوم بأمرها فأمر الناس ان يحملوا كلّما يباع في الأسواق الى الدروب ويبيعوه على النساء وأمر من يبيع ان يكون معه شبه المغرفة بساعد طويل يمدّه الى المرأة وهي من وراء الباب وفيه ما تشتريه فإذا رضيته وضعت الثمن في المغرفة وأخذت ما فيها لئلّا يراها. فنال الناس من ذلك شدّة عظيمة. ولما عدم الحاكم بويع ابنه ابو الحسن عليّ وهو صبيّ ولقّب الظاهر لاعزاز دين الله وباشرت ستّ الملك اخت الحاكم الأمور بنفسها وقامت هيبتها عند الناس واستقامت الأمور. وعاشت بعد الحاكم اربع سنين وماتت. وفي سنة اربع عشرة واربعمائة استولى علاء الدولة ابو جعفر بن كاكويه على همذان وملكها. وفيها توفّي عليّ بن هلال المعروف بابن البوّاب الكاتب المشهور واليه انتهى الخطّ. وفي سنة خمس عشرة في شوّال توفّي الملك سلطان الدولة بشيراز [١] وملك بعده ابنه ابو كاليجار. وفي سنة ستّ عشرة واربعمائة توفّي الملك مشرّف الدولة ابو عليّ بن بهاء الدولة [٢] وخطب ببغداد لأخيه ابي طاهر جلال الدولة. وفيها ملك نصير الدولة [٣] بن مروان صاحب ديار بكر مدينة الرها وكانت لرجل من بني نمير يسمّى عطيرا وفيه شرّ وجهل فكتب الرهاويّون ليسلّموا اليه البلد فسيّر إليهم نائبا كان بآمد يسمّى زنكي فتسلّمها وقتل عطيرا. وفي سنة عشرين واربعمائة أوقع يمين الدولة بالاتراك الغزّيّة أصحاب ارسلان بن سلجوق وكانوا يفسدون بخراسان وينهبون فيها فأرسل إليهم جيشا فسبوهم واجلوهم عن خراسان فسار منهم اهل ألفي خركاه فلحقوا باصفهان. واما طغرلبك وداود وأخوهما بيغو وهم بنو ميكائيل بن سلجوق بن تقاق فإنهم كانوا بما وراء النهر وطائفة من الغزّ الذين كانوا بخراسان وصلوا الى اذربيجان وساروا

стр. 187

الى مراغة فدخلوها وأحرقوا جامعها وقتلوا من عوامّها مقتلة عظيمة ومن الأكراد الهذبانية [١] ثم سار طائفة منهم الى الريّ وطائفة الى همذان فملكوها. وفيها ملك الغزّ الموصل ووثب بهم اهل الموصل. وفي سنة احدى وعشرين واربعمائة مات يمين الدولة [٢] محمود بن سبكتكين وملك ولده محمد [٣] ثم خلعه اخوه مسعود وولي مكانه. وفي سنة اثنتين وعشرين واربعمائة في ذي الحجة توفّي الامام القادر بالله وعمره ستّ وثمانون سنة وعشرة أشهر وخلافته احدى وأربعون وسنة. وكانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم والأتراك فلما وليها ألقى الله هيبته في قلوب الخلق فأطاعوه احسن طاعة. وكان حليما كريما ديّنا وكان يخرج من داره في زيّ العامّة ويزور قبور الصالحين كقبر معروف وغيره. وفي سنة ثماني وأربعين وثلاثمائة انتقل الى العراق محمد بن محمد بن يحيى بن الوفاء [٤] البوزجاني من بلد نيسابور قرأ عليه الناس واستفادوا وصنف كتبا جمّة في العلوم العدديّة والحسابيّة وله كتاب مجسطي وفسّر كتاب ديوفنطوس في الجبر والمقابلة. وفي سنة ثماني وتسعين وثلاثمائة توفّي ابو عليّ عيسى بن زرعة النصرانيّ اليعقوبيّ المنطقيّ ببغداد وهو احد المتقدمين في علم المنطق والفلسفة وأحد النقلة المجودين وله تصانيف مذكورة ونقول من السرياني الى العربي. ومن الأطباء المتقدمين بالديار المصريّة منصور بن مقشر ابو الفتح المصريّ النصرانيّ وله منزلة سامية من اصحاب القصر ولا سيما في ايام العزيز منهم. واعتلّ منصور هذا في ايام العزيز في سنة خمس وثمانين وثلاثمائة وتأخر عن الركوب فلما تماثل منصور ابن مقشر كتب اليه العزيز بخطه: بسم الله الرحمن الرحيم طبيبنا سلّمه الله سلام الله الطيّب وأتمّ النعمة عليه. وصلت إلينا البشارة بما وهبه الله من عافية الطبيب وبرئه. والله العظيم لقد عدل عندنا ما رزقناه نحن من الصحة في جسمنا. أقالك الله العثرة واعادك الى أفضل ما عوّدك من صحة الجسم وطيبة النفس وخفض العيش بحوله وقوته. وخدم منصور هذا بعد العزيز الحاكم ابنه ايضا. واتفق ان عرض لرجل الحاكم عقد

стр. 188

زمن ولم يبرأ. فكان ابن مقشّر وغيره من أطباء الخاص المشاركين له يتولّون علاجه فلا يؤثر ذلك الا شرّا في العقد. فأحضر له جرائحيّ يهوديّ كان يرتزق بصناعة مداواة الجراح في غاية الخمول. فلما رأى العقد طرح عليه دواء يابسا فشقّه وشفاه في ثلثة ايام. فأطلق له الحاكم ألف دينار وخلع عليه ولقبّه بالحقير النافع وجعله من أطباء الخاصّ. ولما ولي الحاكم الأمر بمصر وكان يميل الى الحكمة بلغه خبر ابي عليّ بن الحسين بن الهيثم المهندس البصريّ انه صاحب تصانيف في علم الهندسة عالم بهذا الشأن متقن له متفنّن فيه قائم بغوامضه ومعانيه. فتاقت نفسه الى رؤيته. ثم نقل له عنه انه قال: لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقص. فازداد الحاكم اليه شوقا وسيّر اليه سرا جملة من مال فارغبه في الحضور. فسار نحو مصر ولما وصلها خرج الحاكم للقائه والتقيا بقرية على باب القاهرة المعزّيّة تعرف بالخندق وأمر بإنزاله وإكرامه واقام ريثما استراح وطالبه بما وعد به من أمر النيل فسار معه جماعة من الصنّاع ليستعين بهم على هندسة كانت خطرت له. ولما سار الى الإقليم بطوله ورأى آثار من تقدّم من ساكنيه من الأمم الخالية وهي على غاية من احكام الصنعة وجودة الهندسة وما اشتملت عليه من أشكال سماوية ومثالات هندسية وتصوير معجز تحقّق ان الذي يقصده ليس بممكن فان من تقدّمه لم يعزب عنهم علم ما علمه ولو أمكن لفعلوا. فانكسرت همّته ووقف خاطره. ووصل الى الموضع المعروف بالجنادل قبليّ مدينة أسوان وهو موضع مرتفع ينحدر فيه ماء النيل فعاينه وباشره واختبره من جانبيه فوجد أمره لا يمشي على موافقة مراده وتحقق الخطأ عمّا وعد به وعاد منخجلا منخذلا واعتذر بما قبل الحاكم ظاهره ووافقه عليه. ثم ان الحاكم ولّاه بعض الدواوين فتولّاها رهبة لا رغبة. وتحقق الغلط في الولاية لكثرة استحالة الحاكم وإراقته الدماء بغير سبب او بأضعف سبب من خيال مخيلة. فأجال ابو الحسن بن الهيثم فكرته في أمر يتخلّص به فلم يجد طريقا الى ذلك الا إظهار الجنون والخيال فاعتمد ذلك وشاع. فأحيط على موجودة بيد الحاكم ونوّابه. وجعل برسمه من يخدمه ويقوم بمصالحه وقيّد وترك في موضع من منزله. ولم يزل على ذلك الى ان مات الحاكم. وبعد ذلك بيسير أظهر العقل وعاد الى ما كان عليه وأقام متنسكا منقبعا [١] واشتغل بالتصنيف والنسخ والافادة وكان له خطّ قاعد في غاية الصحة. وحكي عنه انه كان ينسخ في مدّة سنة ثلثة كتب في ضمن أشغاله وهي اقليذس والمتوسطات والمجسطي ويشكلها فإذا شرع

стр. 189

في نسخها جاءه من يعطيه فيها مائة وخمسين دينارا مصريّة. وصار ذلك كالرسم الذي لا يحتاج الى مواكسة ولا معاودة قول فيجعلها مؤنته لسنته. ولم يزل على ذلك الى ان مات بالقاهرة بعد سنة ثلثين واربعمائة. واما تصانيفه فهي كثيرة مشهورة. (القائم بن القادر) ولما توفي القادر بالله جدّدت البيعة لابنه القائم بأمر الله سنة اثنتين وعشرين واربعمائة وكان أبوه قد بايع له بولاية العهد سنة احدى وعشرين. وفيها اعني سنة اثنتين وعشرين ملك الروم مدينة الرها وكانت بيد نصير [١] الدولة بن مروان. وفيها سارت عساكر السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب خراسان الى كرمان فملكوها. وفي سنة خمس وعشرين واربعمائة كانت حرب شديدة بين نور الدولة دبيس وأخيه ابي قوام ثابت ثم اصطلحا وتحالفا.. وسار البساسيري نجدة لثابت فلما سمع بصلحهم عاد الى بغداد. وهؤلاء أمراء عرب من بني اسد وخفاجة. وفيها توفّي رومانوس ملك الروم وملك بعده رجل صيرفيّ ليس من بيت الملك وانما ابنة قسطنطين اختارته وتزوجته. وفي سنة سبع وعشرين واربعمائة توفّي الظاهر لاعزاز دين الله الخليفة العلويّ بمصر [٢] وكان له مصر والشام والخطبة له بافريقية. وولي بعده ابنه ابو تميم ولقب المستنصر [٣] بالله. وفي سنة تسع وعشرين واربعمائة دخل ركن الدين ابو طالب طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق مدينة نيسابور مالكا لها. وفي سنة ثلثين واربعمائة وصل الملك مسعود [٤] من غزنة الى بلخ واجلى السلجوقية عن خراسان. وفيها خطب شبيب بن وثاب النميريّ صاحب حرّان والرقّة للإمام القائم بأمر الله وقطع خطبة المستنصر بالله العلويّ المصريّ. وفي سنة اثنتين وثلثين واربعمائة اتفق انوستكين [٥] الخصيّ البلخيّ في جماعة من الغلمان الدارية وثاروا بالملك مسعود وقبضوا عليه وأقاموا أخاه محمدا وسلّموا عليه بالامارة. فأحضر أخاه الملك مسعودا وقال له: لا قابلتك على فعلك بي. وذلك لأنه كان سملة وأعماه. فانظر اين تريد ان تقيم حتى أحملك اليه ومعك أولادك وحرمك. فاختار قلعة كرى [٦] فأنفذه إليها. ثم ان احمد

стр. 190

ابن محمد [١] دخل الى أبيه فطلب خاتمه ليختم به بعض الخزائن فأعطاه. فسار به غلمانه الى القلعة وأعطوا الخاتم لمستحفظيها وقالوا: معنا رسالة الى مسعود فأدخلوهم اليه فقتلوه. فلما وصل الخبر الى مودود بن مسعود وهو بخراسان عاد مجدّا بعساكره الى غزنة فتصافّ هو وعمّه محمد فانهزم محمد وقبض عليه وعلى ولده احمد وانوستكين الخصيّ البلخيّ فقتلهم وقتل أولاد عمّه جميعهم وقتل كل من كان له في القبض على والده صنع. وفي سنة ثلث وثلثين واربعمائة ملك السلطان طغرلبك جرجان وطبرستان. وفيها توفّي ميخائيل ملك الروم وملك بعده ابن أخيه ميخائيل ايضا [٢] . وفي سنة خمس وثلثين توفي الملك جلال الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه ببغداد [٣] وملك ابو كاليجار ابن سلطان الدولة بن بهاء الدولة. وفي سنة تسع وثلثين وقع الصلح بين الملك كاليجار والسلطان طغرلبك. وفي سنة أربعين واربعمائة مات الملك ابو كاليجار ببغداد [٤] وملك ابنه الملك الرحيم. وفي سنة احدى وأربعين ملك البساسيري الأنبار ودخلها أصحابه. وفيها مات مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة [٥] وملك عمّه عبد الرشيد [٦] . وفي سنة اثنتين وأربعين ملك السلطان طغرلبك أصفهان. وفي سنة ستّ وأربعين استولى طغرلبك على اذربيجان. وفي سنة سبع وأربعين وصل طغرلبك الى بغداد وخطب له بها. وفي سنة خمسين واربعمائة سار طغرلبك في اثر البساسيري ودبيس ومعهما أهلهما فأوقع بهم الأتراك وقتلوا البساسيري ودخلوا في الظعن فساقوه جميعه. وكان البساسيري مملوكا تركيا من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة وهو منسوب الى بساسير مدينته [٧] . وفي سنة احدى وخمسين اصّلح دبيس بن مزيد واحضر الى خدمة السلطان طغرلبك فأحسن اليه. وفي سنة خمس وخمسين سار السلطان طغرلبك من بغداد الى بلد الجبل فوصل الى الريّ فمرض بها وتوفي وكان عمره سبعين سنة تقريبا [٨] وكان

стр. 191

عقيما لم يلد ولدا. وملك بعده ألب ارسلان بن داود جعفري [١] اخي السلطان طغرلبك. وفي سنة ثمان وخمسين ولدت صبية بباب الأزج ولدا برأسين ورقبتين ووجهين واربع أيد على بدن واحد. وفي سنة احدى وستين احترق جامع دمشق فدثرت محاسنه وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة. وكان سبب ذلك حرب وقعت بين المغاربة اصحاب المصريّين والمشارقة فضربوا دارا مجاورة للجامع بالنار فاحترقت واتصلت النار بالجامع. وفي سنة ثلث وستين واربعمائة خرج رومانوس [٢] ملك الروم الملقب ديوجانيس وهو اسم من اسماء الحكماء في مائة ألف ووافي بتجمّل [٣] كثير وزيّ عظيم فوصل الى ملازكرد من اعمال خلاط [٤] وكان السلطان ألب ارسلان بمدينة خونج من اذربيجان فسار اليه في خمسة عشر ألف فارس إذ لم يتمكن من جمع العساكر لبعدها وقرب العدوّ. فجدّ في السير فلما قرب العسكران أرسل السلطان الى رومانوس الملك يطلب منه المهادنة. فقال: لا أهادنه الّا بالريّ. فانزعج السلطان لذلك. فلما كان يوم الجمعة بعد الزوال صلّى وبكى فبكى الناس لبكائه. وقال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف فما ههنا سلطان يأمر وينهى. وألقى القوس والنشّاب وأخذ السيف والدبّوس وعقد ذنب فرسه بيده وفعل عسكره مثله ولبس البياض وتحنّط وقال: ان قتلت فهذا كفني. وزحف الى الروم وزحفوا اليه واشتدّ القتال فانهزم الروم وقتل منهم خلق وأسر الملك اسره بعض المماليك اسمه شادي وكان قد حضر عنده مع رسول فعرفه فلما رآه نزل وسجد له وقصد به السلطان. فضربه ثلث مقارع بيده وقال له: ألم أرسل إليك في المهادنة فأبيت. فقال: دعني من التوبيخ وافعل ما تريد. فقال السلطان: ما عزمت ان تفعل بي ان أسرتني. فقال: القبيح. قال له: فما تظنّ انني افعل بك. قال: امّا ان تقتلني وامّا ان تشهرني في بلادك. والاخرى بعيدة وهي العفو وقبول الأموال واصطناعي نائبا عنك. قال: ما عزمت على غير هذا. ففداه بألف ألف دينار وان يطلق كل أسير عنده من المسلمين. واستقرّ الأمر على ذلك وأجلسه معه على سريره وأنزله في خيمة وأرسل اليه عشرة آلاف دينار يتجهّز بها واطلق جماعة من البطارقة وخلع عليه وعليهم وسيّر معه عسكرا يوصلوه الى مأمنه وشيّعه فرسخا. واما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب

стр. 192

ميخائيل [١] على المملكة فملك البلاد. فلما وصل رومانوس الملك الى قلعة دوقية بلغه الخبر فلبس الصوف وأظهر الزهد وأرسل الى ميخائيل يعرّفه ما تقرّر مع السلطان. وجمع رومانوس ما عنده من المال وكان مائتي ألف دينار فأرسله الى السلطان وحلف له انه لا يقدر على غير ذلك. وفي أول سنة خمس وستين واربعمائة قصد السلطان ألب ارسلان محمد بن داود جغريبك ما وراء النهر فعقد على جيحون جسرا وعبر عليه في نيّف وعشرين يوما وعسكره يزيد على مائتي ألف فارس فأتاه أصحابه بمستحفظ قلعة اسمه يوسف الخوارزميّ وحمل الى قرب سريره مع غلامين. فتقدّم ان يضرب له اربعة أوتاد ويشدّ أطرافه إليها. فقال له يوسف: يا مخنّث مثلي يقتل هذه القتلة. فغضب السلطان وأخذ القوس والنشاب وقال للغلامين: خلّياه. فخليّاه. ورماه السلطان بسهم فأخطأه. فوثب يوسف يريده. فقام السلطان عن السرير ونزل عنه فعثر فوقع على وجهه. فبرك [٢] عليه يوسف وضربه بسكين كانت معه في خاصرته. ونهض السلطان فدخل الى خيمة أخرى. وضرب بعض الفرّاشين يوسف بمرزبّة على رأسه فقتله. ولما جرح السلطان ألب ارسلان اوصى بالسلطنة لابنه ملكشاه وقام بوزارته نظام الملك [٣] . وفي سنة سبع وستين واربعمائة ليلة الخميس ثالث عشر شعبان توفي القائم بأمر الله. ولما أيقن بالموت احضر النقيبين وقاضي القضاة والوزير ابن جهير [٤] واشهدهم على نفسه انه جعل ابن ابنه أبا القاسم عبد الله بن محمد بن القائم وليّ عهده. وكان عمر القائم ستا وسبعين سنة وثلثة أشهر وخلافته أربعا وأربعين سنة وتسعة أشهر. وفي هذه السنين اشتهر بعلوم الأوائل ابو الريحان [٥] محمد بن احمد البيروني متبحر في فنون الحكمة اليونانية والهندية وتخصّص بأنواع الرياضيات وصنّف فيها الكتب الجليلة ودخل الى بلاد الهند واقام بها عدّة سنين وتعلّم من حكمائها فنونهم وعلّمهم طرق اليونانيين في فلسفتهم. ومصنفاته كثيرة متقنة محكمة غاية الأحكام. وبالجملة لم يكن في نظرائه في زمانه وبعده الى هذه الغاية احذق منه بعلم الفلك ولا اعرف بدقيقه

стр. 193

وجليله. وعرف ايضا بالعلوم الحكمية ابو عليّ الحسين بن عبد الله بن سينا الشيخ الرئيس. وحكى عن نفسه قال: ان ابي كان رجلا من اهل بلخ وانتقل منها الى بخارا في ايام نوح بن منصور واشتغل بالتصرّف بقرية خرميثن وتزوج أمّي من قرية يقال لها أفشنة وولدت منها بها وولد اخي ثم انتقلنا الى بخارا وأحضرت معلّم القرآن والأدب وكملت العشر من العمر وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب. حتى كان يقضى مني العجب. وأخذ والدي يوجهني الى رجل كان يبيع البقل ويقوم بحساب الهند حتى اتعلمه منه. ثم جاء الى بخارا ابو عبد الله الناتلي [١] وكان يدّعي الفلسفة وأنزله ابي دارنا رجاء تعلّمي منه. فقرأت ظواهر المنطق عليه واما دقائقه فلم يكن عنده منها خبرة. ثم أخذت اقرأ الكتب على نفسي واطالع الشروح وكذلك كتاب اقليذس فقرأت من اوّله خمسة أشكال او ستة عليه ثم تولّيت حلّ الكتاب بأسره. ثم انتقلت الى المجسطي. وفارقني الناتلي. ثم رغبت ف ٠ علم الطبّ وصرت اقرأ الكتب المصنفة فيه وتعهدت المرضى فانفتح عليّ من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف وانا في هذا الوقت من أبناء ستّ عشرة سنة. ثم توفّرت على القراءة سنة ونصفا وكلّما كنت اتحيّر في مسألة ولم [٢] أكن اظفر بالحدّ الأوسط في قياس تردّدت الى الجامع وصلّيت وابتهلت الى مبدع الكلّ حتى فتح لي المغلق منه والمتعسر. وكنت ارجع بالليل الى داري وأضع السراج بين يدي واشتغل بالقراءة والكتابة فمهما غلبني النوم او شعرت بضعف عدلت الى شرب قدح من الشراب ريثما تعود اليّ قوّتي ثم ارجع الى القراءة ومتى اخذني ادنى نوم احلم بتلك المسائل بأعيانها حتى ان كثيرا منها انفتح لي وجوهها في المنام. ولم أزل كذلك حتى أحكمت علم المنطق والطبيعيّ والرياضيّ. ثم عدت الى العلم الالهيّ وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة فما كنت افهم ما فيه والتبس عليّ غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظا وانا مع ذلك لا افهمه وأيست من نفسي وقلت: هذا كتاب لا سبيل الى فهمه. وإذا انا يوما حضرت وقت العصر في الورّاقين وبيد دلال مجلّد ينادي عليه فعرضه عليّ فرددته ردّ متبرّم معتقد ان لا فائدة في هذا العلم. فقال لي: اشتر مني هذا فانه رخيص أبيعكه بثلثة دراهم وصاحبه محتاج الى ثمنه. فاشتريته فإذا هو كتاب لابي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة. فرجعت الى بيتي وأسرعت قراءته فانفتح عليّ في الوقت أغراض ذلك

стр. 194

الكتاب بسبب انه قد صار لي على ظهر القلب وفرحت بذلك وتصدّقت بشيء على الفقراء شكرا لله تعالى. فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها وكنت إذ ذاك للعلم احفظ ولكنه اليوم معي انضج والا فالعلم واحد لم يتجدّد لي. بعده شيء. ثم مات والدي وتصرفت بي الأحوال وتقلدت شيئا من اعمال السلطان. ودعتني الضرورة الى الارتحال من بخارا والانتقال عنها الى جرجان وكان قصدي الأمير قابوس فاتفق في اثناء هذا أخذ قابوس وحبسه وموته. ثم مضيت الى دهستان ومرضت بها مرضا صعبا وعدت الى جرجان وأنشأت في حالي قصيدة فيها بيت القائل: لما عظمت فليس مصر واسعي ... لما غلا ثمني عدمت المشتري قال ابو عبيدة الجوزجاني [١] : الى ههنا انتهى ما حكاه الشيخ عن نفسه. وفي هذا الموضع اذكر انا بعض ما شاهدت من أحواله في حال صحبتي له والى حين انقضاء مدّته. قال: في مدة مقامه بجرجان صنّف اوّل القانون ومختصر المجسطيّ وغير ذلك. ثم انتقل الى الريّ واتصل بخدمة السيدة وابنها مجد الدولة. ثم خرج الى قزوين ومنها الى همذان فاتصل بخدمة كدبانويه [٢] وتولّى النظر في أسبابها. ثم سألوه تقلّد الوزارة فتقلّدها. ثم اتفق تشويش العسكر عليه وإشفاقهم منه على أنفسهم فكبسوا داره وأخذوه الى الحبس وأخذوا جميع ما كان يملكه وساموا الأمير شمس الدولة قتله فامتنع منه وعدل الى نفيه عن الدولة طلبا لمرضاتهم. فتوارى الشيخ في دار بعض اصدقائه أربعين يوما. فعاد الأمير طلبه وقلّده الوزارة ثانيا. ولما توفّي شمس الدولة وبويع ابنه طلبوا ان يستوزر الشيخ فأبى عليهم وتوارى في دار ابي غالب العطّار وهناك اتى على جميع الطبيعيات والإلهيات ما خلا كتابي الحيوان والنبات من كتاب الشفاء. وكاتب علاء الدولة سرا يطلب المسير اليه فاتّهمه تاج الملك بمكاتبته وأنكر عليه ذلك وحثّ في طلبه. فدلّ عليه بعض أعدائه فأخذوه وأدّوه الى قلعة يقال لها بردجان [٣] وأنشأ هناك قصيدة فيها: دخولي باليقين [٤] كما تراه ... وكلّ الشكّ في امر الخروج وبقي فيها اربعة أشهر. ثم أخرجوه وحملوه الى همذان ثم خرج منها متنكرا وانا

стр. 195

واخوه وغلامان معه في زيّ الصوفيّة الى ان وصلنا الى أصفهان فصادف في مجلس علاء الدولة الإكرام والإعزاز الذي يستحقه مثله. وصنّف هناك كتبا كثيرة. (قال) وكان الشيخ قويّ القوى كلها وكانت قوة المجامعة من قواه الشهوانيّة أقوى واغلب وكان كثيرا ما يشتغل به فأثّر في مزاجه. وكان سبب موته قولنج عرض له ولحرصه على برئه حقن نفسه في يوم واحد ثماني مرّات فتقرّح بعض امعائه وظهر به سحج وعرض له الصرع الذي قد يتبع القولنج وصار من الضعف بحيث لا يقدر على القيام. فلم يزل يعالج نفسه حتى قدر على المشي لكنه مع ذلك لا يتحفظ ويكثر التخليط في أمر المعالجة ولم يبرأ من العلّة كل البرء وكان ينتكس ويبرأ كل وقت. ثم قصد علاء الدولة همذان وسار معه الشيخ فعاودته في الطريق تلك العلّة الى ان وصل الى همذان وعلم ان قوّته قد سقطت وانها لا تفي بدفع المرض فأهمل مداواة نفسه وأخذ يقول: المدبّر الذي كان يدبّرني قد عجز عن التدبير والآن فلا تنفع المعالجة. وبقي على هذا أياما ثم انتقل الى جوار ربّه ودفن بهمذان وكان عمره ثمانيا وخمسين سنة وكان موته في سنة ثمان وعشرين واربعمائة. وفيه قال بعضهم: ما نفع الرئيس من حكمه الطبّ ... م ولا حكمه على النيّرات ما شفاه الشفاء [١] من ألم المو ... ت ولا نجّاه كتاب النّجاة وقيل أول حكيم توسّم بخدمة الملوك ارسطوطاليس وكان الحكماء قبله مثل فيثاغوروس وسقراطيس وأفلاطون يترفّعون عن ذلك ولا يقربون أبواب السلاطين. والدليل على ذلك ان بعض ملوك اليونانيين كان مجتازا بمكان كان فيه سقراطيس جالسا فلما دنا بقربه وهو لم ينهض ولم يتحرّك من مكانه ولا يلتفت فأقبل اليه بعض الغلمان فركله برجله. فقال له: لم تركلني. قال له: اما تبصر الملك كيف لا تنهض وتقوم له. اجابه سقراطيس قائلا: كيف أقوم لعبد عبدي. فالتفت الملك الى مشاجرتهما فاستدعى به فحمل اليه فقال له: اي شيء قلت:. قال: قلت لا أقوم لعبد عبدي. قال الملك: وانا عبد عبدك. قال: نعم ايها الملك أنت استعبدتك الدنيا وأنت خادمها وانا زهدتها واستعبدتها فهي عبدي وأنت عبدها. فالملك استحسن له ذلك وتقدّم بالإحسان اليه فلم يقبل. قيل وأول حكيم شغف بشرب الخمر واستفراغ القوى الشهوانية الشيخ الرئيس ابو عليّ بن سينا. ثم اقتدى به في الانهماك من كان بعده فهذان غيّرا السنّة الفلسفية. وقيل ان شيخ الشيخ ابي عليّ في الطبّ ابو سهل المسيحيّ وكان طبيبا فاضلا منطقيا

стр. 196

عالما بعلوم الأوائل مذكورا في بلد خراسان له كنّاش يعرف بالمائة كتاب مشهور. مات وعمره أربعون سنة. وفي سنة خمس وثلثين واربعمائة توفّي ابو الفرج عبد الله بن الطيّب وهو عراقي فيلسوف فاضل مطّلع على كتب الأوائل وأقاويلهم وعني بشروح الكتب القديمة في المنطق وانواع الحكمة من تآليف ارسطوطاليس ومن الطبّ كتب جالينوس وبسط القول في الشروح بسطا شافيا قصد به التعليم والتفهيم. قال القاضي الأكرم جمال الدين القفطي ﵀: لقد رأيت بعض من ينتحل هذه الصناعة يذمّ أبا الفرج بن الطيّب بالتطويل وكان هذا العائب يهوديا ضيّق الفطن قد وقف مع عبارة ابن سينا. فامّا انا وكل مصنّف فلا يقول الا ان أبا الفرج بن الطيّب قد أحيا من هذه العلوم ما دثر وابان منها ما خفي. وقد تلمذ له جماعة سادوا وافادوا منهم المختار بن الحسن بن عبدون المعروف بابن بطلان. قال ابن بطلان: ان شيخنا ابو الفرج ابن الطيّب بقي عشرين سنة في تفسير ما بعد الطبيعة ومرض من الفكر فيه مرضة كان [١] تلفّظ نفسه فيها وهذا يدلّك على شدّة حرصه واجتهاده وطلب العلم لعينه [٢] . وابن بطلان هذا فهو طبيب نصرانيّ بغداديّ وكان مشوّه الخلقة غير صبيحها كما شاء الله منه وفضل في علم الأوائل وكان يرتزق بصناعة الطب وخرج عن بغداد الى الموصل وديار بكر ودخل حلب وأقام بها مدّة وما حمدها وخرج عنها الى مصر فأقام بها مدّة قريبة واجتمع بابن رضوان المصريّ الفيلسوف في وقته وجرت بينهما منافرة احدثتها المغالبة في المناظرة. وخرج ابن بطلان عن مصر مغضبا على ابن رضوان وورد انطاكية وأقام بها وقد سئم كثرة الاسفار وضاق عطنه عن معاشرة الأغمار فغلب على خاطره الانقطاع فنزل بعض الاديرة [٣] بأنطاكية وترهّب وانقطع الى العبادة الى ان توفي سنة اربع وأربعين واربعمائة. ومن مشاهير تصانيف ابن بطلان كتاب تقويم الصحة مجدول [٤] وكتاب دعوة الأطباء مقامة ظريفة. ورسالة اشتراء الرقيق. ولمّا جرى لابن بطلان بمصر مع ابن رضوان ما جرى كتب اليه ابن بطلان رسالة يقطعه فيها ويذكر معايبه ويشير الى جهله بما يدّعيه من علم الأوائل ورتّبها على سبعة فصول الاول فضل من لقي الرجال على من درس في

стр. 197

الكتب. الثاني في ان الذي علم المطالب من الكتب علما رديئا شكوكه بحسب علمه يعسر حلّها. الثالث في ان اثبات الحق في عقل لم يثبت فيه المحال أسهل من إثباته عند من ثبت في عقله المحال. الرابع في ان من عادات الفضلاء عند قراءاتهم كتب القدماء ان لا يقطعوا في مصنّفها بطعن إذا رأوا في المطالب تباينا وتناقضا لكن يخلدوا الى البحث والتطلّب. الخامس في مسائل مختلفة صادرة عن براهين صحيحة من مقدمات صادقة يلتمس أجوبتها بالطريقة البرهانية. السادس في تصفّح مقالته في المباهلة التي ضمن فيها: انني اسأله ألف مسئلة ويسألني مسألة واحدة. السابع في تتبّع مقالته في النقطة الطبيعية والتعيين على موضع الشبهة في هذه التسمية. وختم الرسالة بقوله: وليتحقق ان اللذة بمضغ الكلام لا تفي بغصّة الجواب. فان لنا موقف حساب. ومجمع ثواب وعقاب. يتظلم فيه المرضى الى خالقهم. ويطالبون الأطباء بالاغلاط القاضية في هلاكهم. وانهم لا يسامحون الشيخ كما سامحته بسبّي ولا يغضون عنه كما اغضيت عن ثلب عرضي. فليكن من لقائهم على يقين. ويتحقق انهم لا يرضون منه الا بالحق المبين. والله يوفقنا وإياه للعمل بطاعته والتقرّب اليه بابتغاء مرضاته وهو حسبي ونعم الوكيل. وذكر ابن بطلان في الفصل الرابع من رسالته الى ابن [١] رضوان حكاية ظريفة وجب إيرادها ههنا قال: انني حضرت مع تلميذ من تلامذة الشيخ يعني الشيخ ابن رضوان ظاهر التجمّل بادي الذكاء ان صدقت الفراسة فيه بحضرة الأمير ابي عليّ ابن جلال الدولة بن عضد الدولة فناخسرو في حمّى نائبة أخذت اربعة ايام ولا تبدو ببرد وتقشع بنداوة وقد سقاه ذلك الطبيب دواء مسهلا وهو عازم على فصده من بعد على عادة المصريّين في تأخير الفصد بعد الدواء واطعام المريض القطائف بجلّاب في نوب الحمّى. فسألت الطبيب مستخبرا عن الحمّى. فقال بلفظة المصريين: نعم سيدي حمّى يوم مركبة من دم وصفراء نائبة اربعة ايام فلما سقيناه الدواء تحلّل الدم وبقيت الصفراء ونحن على فصده لنأمن الصفراء بمشيئة الله. فذهبت لا اعلم مما اعجب أمن كون حمّى يوم تنوب في اربعة ايام بعلامات المواظبة أم من كونها من أخلاط مركبّة أم من الدواء الذي حلّل الدم الغليظ وترك الصفراء اللطيفة. وما اشبّه ذلك من حكايته الا بما سمعت بأنطاكية ان طبيبا روميّا شارط مريضا به غبّ خالصة على برئه دراهم معلومة وأخذ في تدبيره بما غلظ المادة فصارت شطر غب بعد ما كانت خالصة. فأنكروا ذلك عليه وراموا صرفه فقال: انني استحق نصف الكراء لان الحمّى ذهب

стр. 198

نصفها. وظنّ من جهة التسمية ان الشطر قد ذهب من الحمّى. وما زال يسألهم عمّا كانت فيقولون غبّا. وعمّا هي الآن فيقولون شطرا فيتظلم ويقول: فلم منعتموني نصف القبالة. وحكي ان ابن رضوان هذا كان في أول أمره منجما يقعد على الطريق ويرتزق ثم قرأ شيئا من الطب والمنطق وكان من المفلفلين لا المحققين ولم يكن حسن المنظر ولا الهيئة ومع هذا تتلمذ له جماعة من الطلبة بمصر وأخذوا عنه وسار ذكره وصنّف كتبا مختطفة ملتقطة مستنبطة من غيره وكان تلاميذه ينقلون عنه من التعاليل الطبيّة والألفاظ المنطقيّة ما يضحك منه ان صدق النقلة. ولم يزل ابن رضوان بمصر متصدّرا للافادة الى ان مات في حدود سنة ستين [١] واربعمائة. وكان من مشاهير الأطباء في هذه الأيام طبيب نصراني من اهل بغداد يقال له كتيفات خدم البساسيري معروف بالعمل غير موصوف بعلم ارتفع بصائب معالجته. (المقتدي بن محمد بن القائم) لما توفي القائم بأمر الله [٢] بويع عبد الله بن محمد ابن القائم بالخلافة ولقّب المقتدي بأمر الله سنة سبع وستين واربعمائة. ولم يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه فان الذخيرة أبا العباس محمد بن القائم توفي في ايام أبيه ولم يكن له غيره وكان المقتدي حملا في بطن امّه فولد بعد موت أبيه محمد بستة أشهر. وفي سنة ثماني وستين سار اقسيس الخوارزمي وهو احد الأمراء من عسكر السلطان ملكشاه الى دمشق فحصرها فغلت [٣] الأسعار فبيعت الغرارة بأكثر من عشرين دينارا فسلموها اليه بالأمان وخطب بها للمقتدي الخليفة العباسي وكان آخر ما خطب فيها للعلويّين المصريين. وتغلّب اقسيس على اكثر الشام. وفي سنة اربع وسبعين توفي نور الدولة دبيس الاسدي وكان عمره ثمانين سنة وامارته سبعا وخمسين سنة وكان مذكورا بالفضل والإحسان. وولي بعده ما كان اليه ابنه منصور ولقّب بهاء الدولة فأحسن السيرة وسار الى السلطان ملكشاه فاستقرّ له الأمر وخلع الخليفة ايضا عليه ثم مات في سنة تسع وسبعين وولي الحلّة والنيل وجميع ما كان له ابنه سيف الدولة صدقة. وفي سنة خمس وثمانين قتل نظام الملك الوزير بالقرب من نهاوند قتله صبي ديلمي من الباطنية أتاه في صورة مستمنح او مستغيث فضربه بسكين كانت معه فقضي عليه. وبقي نظام الملك وزيرا للسلاطين ثلثين سنة سوى ما وزر لالب ارسلان وهو صاحب خراسان ايام عمّه

стр. 199

طغرلبك قبل ان يتولّى السلطنة. وكان عمره سبعا وسبعين سنة. وكان سبب قتله ان عثمان ابن جمال الملك بن نظام الملك كان قد ولّاه جدّه رئاسة مرو وأرسل السلطان إليها شحنة اسمه قودن وهو من خواصّه فنازع عثمان في شيء فحملت عثمان حدائة سنّه وطمعه بجدّه على ان قبض عليه وأخرق به ثم أطلقه فقصد السلطان مستغيثا شاكيا فأرسل السلطان الى نظام الملك رسالة يقول له: ان كنت شريكي في الملك فلذلك [١] حكم. وان كنت نائبي فيجب ان تلزم حدّ التبعية والنيابة وهؤلاء أولادك قد جاوزوا حدّ امر السياسة وطمعوا الى ان فعلوا كذا وكذا. فحضر المرسلون عند نظام الملك وأوردوا عليه الرسالة فقال: قولوا للسلطان ان كنت ما علمت اني شريكك في الملك فاعلم. فإنك ما نلت هذا الأمر الا بتدبيري ورأيي اما تذكر حين قتل أبوك فقمت بتدبير أمرك وقمعت الخوارج عليك من أهلك وغيرهم. وأنت ذلك الوقت كنت تتمسك بي فلما قدت [٢] الأمور إليك وأطاعك القاصي والداني أقبلت تتجنى لي الذنوب وتسمع في السعايات. وقولوا له عني ان ثبات تلك القلنسوة معذوق بهذه الدواة وان اتفاقهما سبب كل غنيمة ومتى أطبقت هذه الدواة زالت تلك. وأطال فيما هذا سبيله. ثم قال: قولوا للسلطان عني مهما أردتم فقد أهمّني [٣] ما لحقني من توبيخه وفتّ في عضدي. فلما خرجوا من عنده اتفقوا على كتمان ما جرى عن السلطان فقالوا له ما مضمونه العبودية والاعتذار. ثم ان واحدا منهم اعلم السلطان بما جرى فوقع التدبير عليه حتى قتل ومات السلطان بعده بخمس وثلثين يوما وانحلّت الدولة ووقع السيف وكان قول نظام الملك شبه الكرامة له. وقيل ان ابتداء امر نظام الملك انه كان من أبناء الدهاقين بطوس وتعلّم العربية وكان كاتبا الأمير تاجر [٤] صاحب بلخ وكان الأمير يصادره في رأس كل سنة ويأخذ ما معه ويقول له: قد سمنت يا حسن. وهرب الى جغريبك داود وهو بمرو فدخل اليه. فلما رآه أخذ بيده وسلمه الى ولده آلب ارسبلان وقال له: هذا حسن الطوسي فتسلمه واتخذه والدا ولا تخالفه. وكان نظام الملك إذا دخل عليه الائمّة الأكابر يقوم لهم ويجلس في مسنده وكان له شيخ فقير إذا دخل اليه يقوم له ويجلسه في مكانه ويجلس بين يديه. فقيل له في ذلك فقال: ان أولئك إذا دخلوا عليّ يثنون عليّ بما ليس في

стр. 200

فيزيدني كلامهم عجبا وتيها. وهذا يذكرني عيوب نفسي وما انا فيه من الظلم فتنكسر نفسي لذلك فأرجع عن كثير مما انا فيه. وكان مجلسه عامرا بالعلماء واهل الخير والصلاح. واكثر الشعراء مراثيه فمن جيّد ما قيل قول شبل الدولة: كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... يتيمة [١] صاغها الرحمن من شرف بدت [٢] فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردّها غيرة منه الى الصدف ثم سار السلطان ملكشاه بعد قتل نظام الملك الى بغداد ودخلها في الرابع والعشرين من شهر رمضان. واتفق ان خرج الى الصيد وعاد ثالث شوّال مريضا وكان سبب مرضه انه أكل لحم صيد فحمّ فافتصد ولم يستوف إخراج الدم فثقل في مرضه وكانت حمّى محرقة فتوفي ليلة الجمعة النصف من شوال فسترت زوجته تركان خاتون موته وكتمته وسارت من بغداد والسلطان معها محمولا وبذلت الأموال للامراء واستحلفتهم لابنها محمود وكان تاج الملك وزيرها يتولّى ذلك لها وأرسلت الى الخليفة المقتدي في الخطبة فأجابها وخطب لمحمود وعمره اربع سنين [٣] . وسارت تركان خاتون من بغداد الى أصفهان وبها بركيارق [٤] وهو اكبر أولاد السلطان فخرج منها هو ومن معه من الأمراء النظامية وساروا نحو الريّ. فسيّرت خاتون العساكر الى قتال بركيارق فانحاز جماعة منهم الى بركيارق فقوي بهم وعاد الى أصفهان وحاصرها. وكان تاج الملك مع عسكر خاتون فأخذ وحمل الى بركيارق فهجم النظامية عليه فقتلوه. وكان كثير الفضائل جمّ المناقب وانما غطّى محاسنه ممالأته على قتل نظام الملك. وفي سنة سبع وثمانين قدم بركيارق بغداد وخطب له بالسلطنة ولقّب ركن الدين. وفي سنة سبع وثمانين واربعمائة خامس عشر محرّم توفي الامام المقتدي بأمر الله فجأة وكان قد احضر عنده تقليد السلطان بركيارق ليعلّم فيه فقرأه وتدبره وعلّم فيه. ثم قدّم اليه طعام فأكل منه وغسل يديه وعنده قهرمانته شمس النهار. فقال لها: ما هذه الأشخاص التي دخلت عليّ بغير اذن. (قالت) فالتفتّ فلم ار شيئا ورأيته قد تغيّرت حالته وانحلّت قوته وسقط الى الأرض ميتا. وقلت لجارية عندي: ان صحت قتلتك. وأحضرت الوزير فأعلمته الحال. فشرعوا في البيعة لوليّ العهد وجهّزوا المقتدي ودفنوه وكان عمره ثمانيا وثلثين سنة وثمانية

стр. 201

أشهر وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر [١] وامّه امّ ولد ارمنيّة تسمّى أرجوان أدركت خلافته وخلافة ابنه المستظهر وخلافة ابن ابنه المسترشد. وفي سنة ثلث وسبعين واربعمائة مات يحيى بن عيسى بن جزلة الطبيب البغداديّ وكان رجلا نصرانيا قد قرأ الطبّ على نصارى الكرخ [٢] الذين كانوا في زمانه وأراد قراءة المنطق فلم يكن في النصارى المذكورين في ذلك الوقت من يقوم بهذا الشأن وذكر له ابو عليّ بن الوليد شيخ المعتزلة في ذلك الوقت ووصف بانه عالم بعلم [٣] الكلام ومعرفة الألفاظ المنطقية فلازمه لقراءة المنطق. فلم يزل ابن الوليد يحسّن له الإسلام حتى استجاب وأسلم فسرّ بإسلامه ابو عبد الله الدامغاني قاضي القضاة يومئذ وقرّبه وأدناه ورفع محلّه بان استخدمه في كتابة السجلّات بين يديه وكان مع اشتغاله بذلك يطبّ اهل محلّته وسائر معارفه بغير اجرة ولا جعالة بل احتسابا [٤] ومروءة ويحمل إليهم الادوية بغير عوض. ولما مرض مرض موته وقف كتبه لمشهد الامام ابي حنيفة. ومن مشاهير تصانيفه كتاب المنهاج وكتاب تقويم الأبدان مجدول. (المستظهر بن المقتدي) لما توفي المقتدي بأمر الله أحضر ولده ابو العباس احمد فبويع له ولقب المستظهر بالله وذلك في سنة سبع [٥] وثمانين واربعمائة. (وفيها قتل السلطان بركيارق عمّه تكش وغرّقه وقتل ولده معه) [٦] . وفي سنة ثمان [٧] وثمانين قتل تتش [٨] ابن ألب ارسلان واستقام الأمر والسلطنة لبركيارق. وفيها في ذي الحجة توفي المستنصر بالله بن الظاهر لاعزاز دين الله العلويّ صاحب مصر والشام وكانت خلافته ستين سنة وعمره سبعا وستين سنة وولي بعده ابنه ابو القاسم احمد ولقّب المستعلي بالله [٩] . وفي

стр. 202

سنة تسع وثمانين حكم المنجمون بطوفان يكون في الناس يقارب طوفان نوح. فأحضر الخليفة ابن عيسون المنجم فسأله. فقال: ان في طوفان نوح اجتمعت الكواكب السبعة في برج الحوت والآن فقد اجتمع ستة منها وليس فيها زحل فلو كان معها لكان مثل طوفان نوح ولكن أقول ان مدينة او بقعة من الأرض يجتمع فيها عالم كثير من بلاد كثيرة فيغرقون. فخافوا على بغداد لكثرة من يجتمع فيها من البلاد فأحكمت المسنّيات والمواضع التي يخشى منها الانفجار. فاتفق ان الحجّاج نزلوا في وادي المناقب فأتاهم سيل عظيم فأغرق أكثرهم ونجا من تعلّق بالجبال وذهب المال والدوابّ والأزواد. فخلع الخليفة على المنجم. وفي سنة تسعين واربعمائة قتل ملك خراسان ارسلان ارغون بن ألب ارسلان أخو السلطان ملكشاه قتله غلام له. فقيل له: لم فعلت هذا. فقال: لا ريح الناس من ظلمه. ثم ملك بركيارق خراسان وسلمها الى أخيه الملك سنجر. وفي سنة احدى وتسعين جمع بردويل ملك الافرنج [١] جمعا كثيرا وخرج الى بلاد الشام وملك انطاكية. وكان الافرنج قبل هذا قد ملكوا مدينة طليطلة من بلاد الأندلس وغيرها ثم قصدوا جزيرة سقليّة فملكوها وتطرقوا الى أطراف افريقية فملكوا منها شيئا. فلما سمع قوام الدولة كربوقا [٢] بحال الافرنج وملكهم انطاكية جمع العساكر وسار الى الشام ونزل على انطاكية وحاصرها وفيها من الملوك بردويل وسنجال وكندفري والقومص صاحب الرها وبيموند صاحب انطاكية. وقلّت الأقوات عندهم فأرسلوا الى كربوقا يطلبون منه الامان ليخرجوا من البلد فلم يعطهم وقال: لا تخرجون الا بالسيف. وكان مع الافرنج راهب مطاع فيهم وكان داهية من الرجال فقال لهم: ان فطروس السليح كان له عكازة ذات زجّ مدفونة بكنيسة القسيان [٣] فان وجدتموها فإنكم تظفرون والا فالهلاك متحقق. وأمرهم بالصوم والتوبة ففعلوا ذلك ثلثة ايام. فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع جميعهم ومعهم عامّتهم وحفروا عليها في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر. فقال لهم: أبشروا بالظفر. فقويت عزيمتهم وخرجوا اليوم الخامس من الباب متفرّقين من خمسة وستة ونحو ذلك. فقال المسلمون لكربوقا [٢] : ينبغي ان تقف على الباب فتقتل كلّ من خرج. فقال: لا تفعلوا لكن امهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم. فلما تكاملوا ولم يبق بأنطاكية احد منهم ضربوا مصافّا عظيما فولّى المسلمون منهزمون وآخر من انهزم

стр. 203

سقمان [١] بن ارتق فقتل الافرنج منهم الوفا وغنموا ما في العسكر من الأقوات والأموال والدواب والاسلحة فصلحت حالهم وعادت إليهم قوّتهم وساروا الى معرّة النعمان فملكوها. وفي سنة اثنتين وتسعين واربعمائة لما رأى المصريّون ضعف الأتراك صاروا الى البيت المقدس وحصروه وبه الأمير سقمان وايلغازي ابنا ارتق التركماني وابن عمهما سونج ونصبوا عليه نيّفا وأربعين منجنيقا وملكوه [٢] بالأمان وخرج عنه سقمان وأصحابه واستناب المصريّون فيه رجلا يعرف بافتخار الدولة. فقصده الافرنج ونصبوا عليه برجين وملكوه من الجانب الشمالي وركب الناس السيف ولبث الافرنج في البلد أسبوعا يقتلون فيه المسلمين. وقتل بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا [٣] وغنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء. وفي سنة ثلث وتسعين جرى حرب بين السلطان بركيارق وبين أخيه السلطان محمد وانهزم بركيارق وتنقّل في البلاد الى أصفهان. ولم يدخلها وسار الى خوزستان. وفي سنة اربع وتسعين كان المصاف الثاني بينهما وكان مع بركيارق خمسون ألفا ومع أخيه محمد خمسة عشر ألفا فالتقوا واقتتلوا فانهزم السلطان محمد وسار طالبا خراسان الى أخيه الملك سنجر وهما لامّ واحدة فأقام بجرجان وأتاه الملك سنجر في عساكره الى الدامغان وخرب العسكر البلاد وعمّ الغلاء تلك الأصقاع حتى أكل الناس بعضهم بعضا بعد فراغهم من أكل الميتة والكلاب. وفي سنة خمس وتسعين توفي المستعلي بالله الخليفة العلويّ المصريّ وكانت خلافته سبع سنين [٤] وولي بعده ابنه ابو عليّ المنصور وعمره خمس سنين ولقّب الآمر بأحكام الله ولم يقدر يركب وحده على الفرس الصغر سنّه وقام بتدبير دولته الأفضل [٥] بن امير الجيوش احسن قيام. وفي سنة سبع وتسعين وقع الصلح بين السلطانين بركيارق وأخيه محمد ابني ملكشاه وتقرّرت القاعدة ان بركيارق لا يعترض أخاه محمدا في الطبل وان لا يذكر معه على منابر البلاد التي صارت له وهي ديار بكر والجزيرة والموصل والشام. وفي سنة ثماني وتسعين توفي السلطان بركيارق بن ملكشاه وكان قد مرض باصفهان بالسلّ والبواسير فلما ايس من نفسه خلع على ولده ملكشاه وعمره حينئذ اربع سنين وثمانية أشهر واحضر جماعة الأمراء وأعلمهم

стр. 204

انه قد جعل ابنه وليّ عهده في السلطنة وجعل الأمير أياز اتابكه [١] فأجابوه كلهم بالسمع والطاعة وخطب لملكشاه بالجوامع ببغداد. وفي سنة تسع وتسعين [٢] واربعمائة سار السلطان محمد من اذربيجان الى الموصل ليأخذها من جكرميش صاحبها وحصرها. فقاتل اهل البلد اشدّ قتال وكانت الرجالة تخرج ويكثرون القتل في العسكر ودام القتال من صفر الى جمادى الاولى. فوصل الخبر الى جكرميش بوفاة السلطان بركيارق فأرسل الى محمد يبذل له الطاعة. ودخل اليه وزير محمد وقال له: المصلحة ان تحضر الساعة عند السلطان فانه لا يخالفك في جميع ما تلتمسه منه. وأخذ بيده وقام فسار معه جكرميش فلما رآه اهل الموصل قد توجّه الى السلطان جعلوا يبكون ويضجّون ويحثون التراب على رؤوسهم. فلما دخل على السلطان محمد اقبل عليه وأكرمه وعانقه ولم يمكنه من الجلوس وقال: ارجع الى رعيتك فان قلوبهم إليك وهم متطلعون الى عودتك. فقبّل الأرض وعاد وعمل من الغد سماطا بظاهر الموصل عظيما وحمل الى السلطان من الهدايا والتحف ولوزيره أشياء جليلة المقدار. وفي سنة خمسمائة سار الجاولي سقاوو الى الموصل محاربا في ألف فارس وخرج اليه جكرميش صاحبها في الفي فارس. فلما اصطفوا للحرب حمل الجاولي من القلب على قلب جكرميش فانهزم من فيه وبقي جكرميش وحده لا يقدر على الهزيمة لفالج كان به فهو لا يقدر يركب وانما يحمل في محفّة فأسر وأحضر عند الجاولي فأمر بحفظه وحراسته. ولما وصل الخبر الى الموصل اقعدوا في الأمر زنكي بن جكرميش. ثم ان الجاولي حصر الموصل وامر ان يحمل جكرميش كل يوم على بغل وينادى أصحابه بالموصل ليسلموا البلد ويخلصوا صاحبهم مما هو فيه ويأمرهم هو بذلك فلا يسمعون منه وكان يسجنه في جبّ فأخرج يوما ميتا [٣] . فكتب أصحابه الى الملك قلج ارسلان بن سليمان بن قتلميش السلجوقي صاحب مدينة قونية واقسرة يستدعونه إليهم ليسلموا البلد اليه. فسار في عساكره. فلما سمع جاولي بوصوله رحل عن الموصل فتوجه قلج ارسلان الى الموصل وملكها ونزل بالمغرقة [٤] وخرج اليه زنكي ولد جكرميش

стр. 205

وأصحابه وخلع عليهم وجلس على التخت وأسقط خطبة السلطان محمد وخطب لنفسه واحسن الى العسكر ورفع الرسوم المحدثة في الظلم ثم سار عنها الى جاولي وهو بالرحبة والتقيا على نهر الخابور فهزم اصحاب جاولي اصحاب قلج ارسلان وألقى قلج ارسلان نفسه في الخابور وحمى نفسه من اصحاب جاولي بالنشاب فانحدر به الفرس الى ماء عميق فغرق. وظهر بعد ايام فدفن بالشمسانية. وسار جاولي الى الموصل وملكها. وفي سنة اثنتين وخمسمائة استولى مودود وعسكر السلطان محمد على الموصل وأخذوها من اصحاب جاولي. وفي سنة ثلث وخمسمائة سار تنكري الفرنجي صاحب انطاكية الى الثغور الشامية فملك طرسوس واذنة ونزل على حصن الأكراد فسلّمه اهله اليه. وملك الفرنج مدينة بيروت وكانت بيدّ نوّاب الخليفة العلوي. وفي سنة ستّ في المحرّم سار الأمير مودود صاحب الموصل الى الرها فنزل عليها ورعى عسكره زروعها ورحل عنها الى سروج وفعل بها كذلك ولم يحترز من الفرنج بل اهملهم فلم يشعر الا وجوسلين صاحب تلّ باشر قد دهمهم وكبسهم وكانت دوابّ العسكر منتشرة في المرعى فأخذ كثيرا منها وقتل كثيرا من العسكر وعاد الى تلّ باشر. وفيها مات باسيل الارمني صاحب دروب بلاد ابن لاون وهو المسمّى كوغ باسيل اي اللص باسيل لأنه سرق عدّة قلاع من الثغور فتملكها الأرمن الى الآن. وفي سنة سبع وخمسمائة اجتمع المسلمون وفيهم الأمير مودود بن التون تكش [١] صاحب الموصل ودخلوا بلاد الفرنج والتقوا عند طبرية واشتدّ القتال وصبر الفريقان. ثم ان الفرنج انهزموا فأذن الأمير مودود للعساكر في العود والاستراحة ثم الاجتماع في الربيع. ودخل دمشق ليقيم بها عند طغدكين [٢] صاحبها الى الربيع فدخل الجامع ليصلّي فيه فوثب عليه باطنيّ كأنه يدعو له ويتصدّق منه فضربه بسكين فجرحه اربع جراحات فمات من يومه. وقتل الباطنيّ وأخذ رأسه فلم يعرفه احد فأحرق. وفي سنة احدى عشرة في ذي الحجة مرض السلطان محمد بن ملكشاه ابن ألب ارسلان فلما أيس من نفسه احضر ولده محمودا وقبّله وبكى كل واحد منهما وامره ان يخرج ويجلس على تخت السلطنة وعمره إذ ذاك قد زاد على اربع عشرة سنة. فقال لوالده انه يوم غير مبارك يعني من طريق النجوم. فقال: صدقت ولكن على أبيك واما عليك فمبارك بالسلطنة. فخرج وجلس على التخت بالتاج والسوارين. وكان

стр. 206

السلطان محمد عظيم الهيبة عادلا حسن السيرة شجاعا [١] . وفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة سادس عشر ربيع الآخر توفي الامام المستظهر بالله وكان عمره احدى وأربعين [٢] سنة وستة أشهر وخلافته أربعا وعشرين سنة. ومضى في أيامه ثلاثة سلاطين خطب لهم بالحضرة وهم تاج الدولة تتش بن ألب ارسلان والسلطان بركيارق والسلطان محمد ابنا ملكشاه. قال ابو الصلت أميّة المغربي: لما دخلت الى مصر في حدود سنة عشر وخمسمائة أدركت بها طبيبا انطاكيا يسمّى جرجيس ويلقّب بالفيلسوف على نحو ما قيل للغراب ابو البيضاء وللّديغ سليم. وقد تفرّغ للتولّع بأبي الخير سلامة بن رحمون اليهودي الطبيب المصري والإزراء عليه وكان يزوّر فصولا طبيّة وفلسفية يبرزها في معارض ألفاظ القوم وهي محال لا معنى لها فارغة لا فائدة فيها ثم ينفذها الى من يسأله عن معانيها ويستوضحه أغراضها فيتكلم عليها ويشرحها بزعمه دون تيقظ ولا تحفظ باسترسال واستعجال وقلّة اكتراث وإهمال فيوجد فيها عنه ما يضحك منه. (قال) وأنشدت لجرجيس هذا في ابي الخير سلامة بن رحمون وهو من احسن ما سمعت في هجو طبيب مشؤوم: ان أبا الخير على جهله ... يخفّ في كفّته الفاضل عليله المسكين من شؤمه ... في بحر هلك ما له ساحل ثلثة تدخل في دفعة ... طلعته والنعش والغاسل (قال) وكان ابو الخير هذا يهوديا مصريا قد نصب نفسه لتدريس كتب المنطق جميعها وجميع كتب الفلسفة الطبيعية والالهية وشرح بزعمه وفسّر ولخّص ولم يكن في تحصيله وتحقيقه هنالك بل كان يكثر كلامه فيضلّ. ويسرع جوابه فيزلّ. وكان مثله في عظيم ادعائه وقصوره عن أيسر ما هو متعاطيه كقول الشاعر: يشمّر للج عن ساقه ... ويغمره الموج في الساحل (قال) ورأيت بمصر ايضا رزق الله المنجم المعروف بالنخاس [٣] وكان شيخ اكثر المنجمين بمصر وكبيرهم وكان شيخا مطبوعا متطايبا. ومن حكاياته الظريفة عن نفسه

стр. 207

قال: سألتني امرأة مصرية ان انظر لها في مسئلة تخصّها. فأخذت ارتفاع الشمس للوقت وحققت درجة الطالع والبيوت الاثني عشر ومراكز الكواكب ورسمت ذلك كلّه بين يديّ في تخت الحساب وجعلت اتكلّم على بيت بيت منها على العادة وهي ساكتة فوجمت لذلك وادركتني فترة وكانت قد القت اليّ درهما. (قال) فعاودت الكلام وقلت: ارى عليك قطعا [١] في بيت المال فاحتفظي واحترسي. قالت: الآن أصبت وصدقت قد كان والله ما ذكرت. قلت: وهل ضاع لك شيء. قالت: نعم الدرهم الذي ألقيت إليك. وتركتني وانصرفت. ولما ذكر ابو الصلت منجمي مصر وعابهم قال: لا تتعلق أمثلتهم من علم النجوم بأكثر من زايجة يرسمها ومراكز يقومها واما التبحّر ومعرفة الأسباب والعلل والمبادي الاول فليس منهم من يرقى الى هذه الدرجة ويسمو الى هذه المنزلة ويحلّق في هذا الجوّ ويستضيء بهذا الضوء ما خلا القاضي أبا الحسن عليّ ابن النصير المعروف بالاديب فانه كان من الأفاضل الأعيان المعدودين من حسنات الزمان وله في سائر أجزاء الحكمة اليد الطولى والمرتبة الاولى. (المسترشد بن المستظهر) لما توفي المستظهر بالله بويع ولده المسترشد بالله ابو منصور وذلك في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة فكان وليّ عهد قد خطب له ثلثا وعشرين سنة. وفيها توفي بغدوين ملك القدس وكان قد سار الى ديار مصر في جمع من الفرنج قاصدا ملكها وبلغ مقابل تنيس [٢] وسبح في النيل فانتقض جرح كان به فلما احسّ بالموت عاد الى القدس فمات به [٣] ووصى ببلاده للقمص [٤] صاحب الرها وهو الذي كان اسره جكرميش وأطلقه سقاوو جاولي. وفي سنة ثلث عشرة وخمسمائة كانت حرب شديدة بين السلطان سنجر وابن أخيه السلطان محمود. وفي سنة اربع عشرة خرج الكرج وهم الخزر [٥] الى بلاد الإسلام ومعهم قفجاق وغيرهم من الأمم فاجتمع الأمير ايلغازي ودبيس بن صدقة والملك طغرل وكان له ارّان ونخجوان وساروا الى الكرج

стр. 208

حتى قاربوا تفليس وكان المسلمون في عسكر كثير يبلغون ثلثين ألفا فالتقوا واصطف الطائفتان للقتال فخرج من القفجاق مائتا رجل فظنّ المسلمون انهم مستأمنون فلم يحترزوا منهم. فدخلوا بينهم ورموا بالنشاب فاضطرب جيش صفّ المسلمين وظنّ من وراءهم انها هزيمة فانهزموا ولشدّة الزحام صدم بعضهم بعضا فقتل منهم عالم عظيم وتبعهم الكرج عشرة فراسخ يقتلون ويأسرون فقتل أكثرهم وأسر اربعة آلاف رجل ونجا الملك طغرل وايلغازي ودبيس. وعاد الكرج وحاصروا مدينة تفليس واشتدّ قتالهم لمن بها وعظم الأمر وتفاقم الخطب على أهلها ودام الحصار الى سنة خمس عشرة فملكوها عنوة. وفي سنة خمس عشرة عصى سليمان بن ايلغازي بن ارتق على أبيه بحلب وقد جاوز عمره عشرين سنة. فسمع والده الخبر فسار اليه مجدّا لوقته فلم يشعر به سليمان حتى هجم عليه فخرج اليه معتذرا فأمسك عنه وقبض على من كان أشار عليه بذلك منهم امير كان قد التقطه ارتق وربّاه اسمه ناصر فقلع عينيه وقطع لسانه. ومنهم انسان حمويّ كان قد قدّمه ايلغازي على اهل حلب وجعل اليه الرئاسة فجازاه عن ذلك فقطع يديه ورجليه وسمل عينيه فمات. واحضر ولده وهو سكران وأراد قتله فمنعه رقّة الوالد فاستبقاه فهرب الى دمشق. واستناب ايلغازي بحلب سليمان بن أخيه عبد الجبّار بن ارتق ولقّبه بدر الدولة وعاد الى ماردين. وفيها اقطع السلطان مدينة ميّافارقين للأمير ايلغازي ابن ارتق ومدينة الموصل والجزيرة وسنجار للأمير اقسنقر البرسقيّ. وفي سنة ستّ عشرة في شهر رمضان توفي الأمير ايلغازي بن ارتق بميّافارقين وملك ابنه حسام الدين [١] تمرتاش قلعة ماردين وملك ابنه سليمان ميّافارقين. وكان بحلب ابن أخيه بدر الدولة سليمان بن عبد الجبّار بن ارتق فبقي بها الى ان أخذها منه ابن عمه. وفي سنة سبع عشرة لما رأى بلك بن بهرام بن ارتق ضعف بدر الدولة سليمان ابن عمه عن حوط بلاده من الفرنج سار اليه الى حلب وضيّق على من بها فتسلمها بالأمان. وفي سنة ثماني عشرة سار بلك بن بهرام الى منبج وملكها وحصر القلعة فبينما هو يقاتل من بها أتاه سهم فقتله واضطرب عسكره وتفرقوا وملك اقسنقر البرسقيّ حلب وقلعتها وملك الفرنج مدينة صور. وفي سنة عشرين وخمسمائة في ذي القعدة قتل قسيم الدولة اقسنقر البرسقي صاحب الموصل بمدينة الموصل قتله الباطنيّة يوم الجمعة بالجامع وملك ابنه عزّ الدين مسعود الموصل ولم يختلف عليه احد. قال المؤرّخ: ومن العجب ان صاحب انطاكية أرسل الى عزّ الدين مسعود يخبره بقتل والده قبل ان يصل اليه الخبر وكان قد سمعه الفرنج قبل

стр. 209

لشدّة عنايتهم بمعرفة الأحوال الاسلاميّة. وفي سنة احدى وعشرين تولّى أتابك عماد الدين زنكي بن اقسنقر شحنكية بغداد أسندها اليه السلطان محمود. وفيها توفي عزّ الدين مسعود بن اقسنقر وتولّى اخوه عماد الدين زنكي الموصل وأعمالها. وفي سنة اثنتين وعشرين ملك عماد الدين زنكي بن اقسنقر مدينة حلب وقلعتها وبعد سنة ملك مدينة حماة. وفي سنة اربع [١] وعشرين وخمسمائة ثاني ذي القعدة قتل الآمر بأحكام الله ابو عليّ بن المستعلي العلويّ صاحب مصر [٢] خرج الى منتزه له فلما عاد وثب عليه الباطنيّة فقتلوه ولم يكن له ولد فولي بعده ابن عمّه ابو الميمون عبد المجيد بن ابي القاسم ابن المستنصر العلويّ صاحب مصر ولقّب الحافظ لدين الله ولم يبايع له بالخلافة وانما بويع له لينظر في الأمر نيابة حتى يكشف عن حمل إن كان للآمر فتكون الخلافة فيه ويكون هو نائبا عنه [٣] . وفيها ظهر ببغداد عقارب طيارة ذوات شوكتين فنال الناس منها خوف شديد وأذى عظيم. وفي سنة خمس وعشرين في شوّال توفي السلطان محمود ابن السلطان محمد بهمذان وكان عمره نحو سبع وعشرين سنة وولايته ثلث عشرة سنة وكان حليما كريما عاقلا يسمع ما يكره ولا يعاقب عليه مع القدرة قليل الطمع في اموال الرعايا عفيفا عنها كافّا لأصحابه عن التطرّق الى شيء منها. وملك ابنه داود بعده. وفي سنة ستّ وعشرين كاتب السلطان سنجر عماد الدين زنكي ودبيس بن صدقة وأمرهما بقصد العراق فسارا ونزلا بالمنارية من دجيل وعبر الخليفة المسترشد الى الجانب الغربي فنزل بالعبّاسيّة والتقى العسكران بحضرا [٤] البرامكة فابتدأ زنكي فحمل على ميمنة الخليفة وبها جمال الدولة اقبال فانهزموا منه. وحمل نصر الخادم من ميسرة الخليفة على ميمنة عماد الدين ودبيس وحمل الخليفة بنفسه واشتدّ القتال فانهزم دبيس وعماد الدين وقتل من عسكرهما جماعة وأسر جماعة. وفي سنة سبع وعشرين أرسل المسترشد الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح [٥] الاسفرايني الواعظ الى عماد الدين زنكي برسالة فيها خشونة وزادها ابو الفتوح زيادة في الجبة ثقة بقوة الخليفة وناموس الخلافة. فقبض عليه زنكي

стр. 210

واهانه ولقيه بما يكره. فسمع الخليفة فسار عن بغداد في ثلثين ألف مقاتل فلما قارب الموصل فارقها أتابك زنكي في بعض عسكره وترك الباقي بها مع نائبه نصير الدين ونازلها الخليفة في رمضان وقاتلها وضيّق عليها. فتواطأ جماعة من الجصّاصين بالموصل على تسليم البلد فسعي بهم فصلبوا. وبقي الحصار على الموصل نحو ثلثة أشهر ولم يظفر منها بشيء ولا بلغه عمّن بها وهن ولا قلّة ميرة وقوت فرحل عنها عائدا الى بغداد. وفي سنة ثماني وعشرين تقرّر الصلح بين الخليفة المسترشد وأتابك زنكي. وفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة سار الخليفة المسترشد الى حرب السلطان مسعود ومعه جماعة من أمراء الأكابر فواقعهم السلطان مسعود عاشر رمضان فانحازت ميسرة الخليفة مخامرة عليه الى السلطان واقتتلت ميمنته وميسرة السلطان قتالا ضعيفا ودار به عسكر السلطان وهو ثابت لم يتغير من مكانه وانهزم عسكره وأخذ أسيرا فأنزله السلطان مسعود في خيمة ووكل به من يحفظه وقام بما يجب من الخدمة وتردّدت الرسل بينهما بالصلح وتقرير القواعد على مال يؤديه الخليفة وان لا يعود يجمع العساكر ولا يخرج من داره وأجاب السلطان الى ذلك واركب الخليفة وحمل الغاشية بين يديه ولم يبق الا ان يعود الى بغداد فوصل الخبر بقدوم رسول من السلطان سنجر وخرج الناس والسلطان مسعود الى لقائه وفارق الخليفة بعض من كان موكلا به وكانت خيمته منفردة عن العسكر فقصده اربعة وعشرون رجلا من الباطنية ودخلوا عليه فقتلوه وجرحوه ما يزيد على عشرين جراحة ومثّلوا به وجدعوا انفه وأذنيه وتركوه عريانا وكان قتله يوم الخميس سابع عشر ذي القعدة على باب مراغة وبقي حتى دفنه اهل مراغة وكان عمره لما قتل ثلثا وأربعين سنة وخلافته سبع عشرة سنة وسبعة أشهر. (الرشيد بن المسترشد) لما قتل المسترشد بويع ولده ابو جعفر المنصور ولقّب الراشد بالله. وكان المسترشد بايع له بولاية العهد في حياته وجدّدت له البيعة بعد قتله يوم الاثنين سلخ ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وفيها قتل دبيس بن صدقة صاحب الحلّة على باب سرادقه بظاهر خونج امر السلطان غلاما ارمنيا بقتله فوقف على رأسه وهو ينكت الأرض بإصبعه فضرب رقبته وهو لا يدري. ومثل هذه الحادثة تقع كثيرا وهو قرب موت المتعاديين فان دبيسا كان يعادي المسترشد ويكره خلافته ولم يكن يعلم ان السلاطين انما كانوا يبقون عليه ليجعلوه عدّة لمقاومة المسترشد فلما زال السبب زال المسبّب. وفي سنة ثلثين وخمسمائة اجتمع الملوك واصحاب الأطراف ببغداد وخرجوا عن طاعة السلطان مسعود وسار الملك داود بن السلطان محمود في عسكر اذربيجان

стр. 211

الى بغداد ووصل أتابك عماد الدين زنكي بعده من الموصل وخطب للملك داود ببغداد. فلما بلغ السلطان الخبر جمع العساكر وسار الى بغداد وحصرها نيفا وخمسين يوما فلم يظفر بهم فعزم على العود الى همذان فوصله طرنطاي صاحب واسط ومعه سفن كثيرة فعاد إليها فاختلفت كلمة الأمراء المجتمعين ببغداد فعاد الملك داود الى بلاده وتفرّق الأمراء وكان عماد الدين زنكي بالجانب الغربي فعبر اليه الخليفة الراشد وسار معه الى الموصل في نفر يسير من أصحابه ودخل السلطان مسعود الى بغداد واستقرّ بها وجمع القضاة والشهود والفقهاء وعرض عليهم اليمين التي حلف بها الراشد له وفيها بخطّ يده: انني متى جنّدت او خرجت او لقيت أحدا من اصحاب السلطان مسعود بالسيف فقد خلعت نفسي من الأمر. فأفتوا وخلع وقطعت خطبته من بغداد وسائر البلاد وكانت خلافته احد عشر شهرا وثمانية عشر يوما. وفي سنة ثلثين وخمسمائة كان ابو عليّ المهندس المصريّ موجودا بمصر قيّما بعلم الهندسة وكان فاضلا فيه وفي الأدب وله شعر يلوح عليه الهندسة فمن شعره: تقسّم قلبي في محبة معشر ... بكل فتى منهم هواي منوط كأنّ فؤادي مركز وهم له ... محيط واهواي لديه خطوط وله ايضا: اقليذس العلم الذي هو يحتوي [١] ... ما في السماء معا وفي الآفاق هو سلّم وكأنما اشكاله ... درج الى العلياء للطرّاق تزكو فوائده على إنفاقه ... يا حبّذا زاك على الإنفاق ترقى به النفس الشريفة مرتقى ... أكرم بذاك المرتقي والراقي (المقتفي بن المستظهر) لما قطعت خطبة الراشد بالله تقدّم السلطان مسعود بعمل محضر يذكر فيه ما ارتكبه الراشد من أخذ الأموال وأشياء تقدح في الامامة ثم كتبوا فتوى: ما تقول العلماء في هذه صفته هل يصلح للامامة ام لا. فأفتوا أن من هذه صفته لا يصلح ان يكون إماما. فاستشار السلطان جماعة من اعيان بغداد فيمن يصلح ان يلي الخلافة فذكر الوزير محمد بن المستظهر ودينه وعقله ولين جانبه وعفته فأحضر المذكور وأجلس في الميمنة ودخل السلطان والوزير وتحالفا وقررّ الوزير القواعد بينهما

стр. 212

وخرج السلطان من عنده وحضر الأمراء والقضاة والفقهاء وبايعوه ثاني عشر ذي الحجة سنة ثلثين وخمسمائة ولقّب المقتفي لأمر الله. وفي سنة احدى وثلثين فارق الراشد المخلوع أتابك زنكي من الموصل وسار الى همذان وبها الملك داود. وفيها رحل الى أصفهان. فلما كان آخر رمضان وثب عليه نفر من الخراسانيّة الذين كانوا في خدمته فقتلوه وهو يريد القيلولة وكان في أعقاب مرض قد برأ منه ودفن بظاهر أصفهان بشهرستان وكان عمره أربعين سنة. وفي سنة اثنتين وثلثين وصل أتابك زنكي الى حماة وأرسل الى شهاب الدين صاحب دمشق يخطب اليه امّه ليتزوجها واسمها زمرّد خاتون ابنة جاولي وهي التي بنت المدرسة بظاهر دمشق على نهر بردى. فتزوجها وتسلّم حمص مع قلعتها وانما حمله على التزوّج بها ما رآه من تحكمها في دمشق فظنّ انه يملك البلد بالاتصال إليها فلما تزوّجها خاب أمله ولم يحصل على شيء فأعرض عنها. وفيها ملك حسام الدين تمرتاش بن ايلغازي صاحب ماردين قلعة الهتّاخ أخذها من بعض بني مروان وهو آخر من بقي منهم له ولاية. وفي سنة ثلث وثلثين ملك أتابك زنكي بن اقسنقر بعلبكّ. وفي سنة اربع ملك زنكي شهرزور وأعمالها. وفي سنة سبع وثلثين وخمسمائة توفي محمد بن دانشمند صاحب ملطية والثغر واستولى على بلاده الملك مسعود بن قلج ارسلان صاحب قونية وهو من السلجوقية. وفي سنة تسع وثلثين فتح أتابك عماد الدين زنكي مدينة الرها من الفرنج وحاصر قلعة البيرة وهي للفرنج بعد ملك الرها وهي من امنع الحصون وضيّق عليها وقارب ان يفتحها فجاءه خبر قتل نصير الدين نائبه بالموصل فسار عنها. فخاف من بالبيرة من الفرنج ان يعود إليها فأرسلوا الى نجم الدين صاحب ماردين وسلّموها اليه فملكها المسلمون. وفي سنة أربعين وخمسمائة لخمس مضين من ربيع الآخر قتل أتابك عماد الدين زنكي بن اقسنقر صاحب الموصل والشام وهو يحاصر قلعة جعبر قتله جماعة من مماليكه ليلا غيلة وهربوا الى قلعة جعبر. فصاح من بها من أهلها الى العسكر يعلمونهم بقتله فأظهروا الفرح. فدخل أصحابه اليه فأدركوه وبه رمق وفاضت نفسه لوقته وكان قد زاد عمره على ستين سنة قد وخطه الشيب وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته عظيم السياسة وكانت الموصل قبل ان يملكها أكثرها خراب بحيث يقف الإنسان قريب محلّة الطبّالين ويرى الجامع العتيق والعرصة ودار السلطان ليس بين ذلك عمارة. وكان الإنسان لا يقدر على المشي في الجامع العتيق الا ومعه من يحميه وهو الآن في وسط العمارة. وكانت

стр. 213

الموصل من اقلّ بلاد الله فاكهة فصارت في أيامه وما بعدها من اكثر البلاد فواكه ورياحين. ولما قتل أتابك زنكي أخذ نور الدين محمود ولده خاتمه من يده وكان حاضرا معه وسار الى حلب وملكها. وكان سيف الدين غازي اخوه بمدينة شهر زور وهي اقطاعه فأرسل اليه زين الدين عليّ كوجك نائب أبيه عماد الدين زنكي بالموصل يستدعيه الى الموصل فحضر واستقرّ ملك سيف الدين على البلاد وبقي اخوه نور الدين بحلب وهي له. وفي سنة اربع وأربعين وخمسمائة توفّي سيف الدين غازي بن أتابك زنكي صاحب الموصل بها من مرض حادّ. فلما اشتدّ مرضه أرسل الى بغداد واستدعى أوحد الزمان أبا البركات فحضر عنده ورأى شدّة مرضه فعالجه فلم ينجع الدواء وتوفّي آخر جمادى الآخرة وكانت ولايته ثلث سنين. وولي امر الموصل والجزيرة بعده اخوه قطب الدين مودود. وكان اخوه الأكبر نور الدين محمود بالشام وله حلب وحماة فسار الى سنجار وملكها ولم يحاققه اخوه قطب الدين ثم اصطلحا وأعاد نور الدين سنجار الى قطب الدين وتسلّم هو مدينة حمص والرحبة فبقي الشام له وديار الجزيرة لأخيه. وفيها غزا نور الدين محمود بن زنكي بلد الافرنج من ناحية انطاكية فاجتمعت الفرنج مع البرنس فلقيهم نور الدين واقتتلوا قتالا عظيما فانهزم الفرنج وقتل البرنس [١] . وملك بعده ابنه بيمند وهو طفل فتزوّجت امّه ببرنس [٢] آخر ليدبّر البلد الى ان يكبر ابنها. وفيها توفّي الحافظ لدين الله عبد المجيد [٣] وولي الخلافة بمصر ابنه الظافر بأمر الله ابو المنصور اسماعيل. وفي سنة ستّ وأربعين جمع نور الدين محمود عسكره وسار الى بلاد جوسلين الفرنجي وهي شمالي حلب. وكان جوسلين فارس الفرنج غير مدافع قد جمع الشجاعة والرأي فسار في عسكره نحو نور الدين فالتقوا واقتتلوا وانهزم المسلمون وقتل منهم وأسر جمع كثير وكان في جملتهم سلاح دار نور الدين فأخذه جوسلين ومعه سلاح نور الدين فسيّره الى الملك مسعود بن قلج ارسلان صاحب قونية واقصرا [٤] وقال له: هذا سلاح دار زوج ابنتك وسيأتيك بعده ما هو أعظم منه.

стр. 214

فلما علم نور الدين الحال عظم ذلك عليه واعمل الحيلة على جوسلين وهجر الراحة ليأخذ ثأره واحضر جماعة من الأمراء التركمان وبذل لهم الرغائب ان هم ظفروا بجوسلين وسلّموه اليه لأنه علم عجزه عنه في القتال. فجعل التركمان عليه العيون. فخرج متصيدا فظفر به طائفة منهم وحملوه الى نور الدين أسيرا. فسار نور الدين الى قلاع جوسلين فملكها وهي عين تاب وعزاز [١] وقورس والراوندان وبرج الرصاص ودلوك ومرعش ونهر الجوز وغير ذلك من اعماله. وفي سنة سبع وأربعين توفي السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بهمذان وكان عهده الى ملكشاه ابن أخيه السلطان محمود فخطب له الأمير خاصبك بالسلطنة ورتّب الأمور وقرّرها بين يديه. ثم قبض عليه وأرسل الى أخيه الملك محمد وهو بخوزستان يستدعيه وكان قصده ان يحضر عنده فيقبضه ويخطب لنفسه بالسلطنة. فسار اليه محمد فأجلسه على التخت وخطب له بالسلطنة. ثم شعر محمد بخبث خاصبك فثاني يوم وصوله لما دخل اليه قتله ومعه زنكي الجاندار والقى رأسيهما وبقيا حتى أكلتهما الكلاب واستقرّ محمد في السلطنة. وفيها توفي حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين وميّافارقين وكانت ولايته نيّفا وثلثين سنة وولي بعده ابنه نجم الدين البي. وفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ملك الفرنج بالشام مدينة عسقلان وكانت من جملة مملكة العلويّين المصريّين. وفي سنة تسع وأربعين في المحرّم قتل الظافر بن الحافظ العلوي صاحب مصر وولي ابنه الفائز بنصر الله ثاني يوم قتل أبوه وله من العمر خمس سنين فحمله الوزير عبّاس على كتفه وأجلسه على التخت سرير [٢] الملك. وفيها في صفر ملك نور الدين محمود بن زنكي بن اقسنقر مدينة دمشق وأخذها من صاحبها مجير الدين ابق بن محمد بن بوري [٣] بن طغدكين أتابك. وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة في رجب كان بالشام زلازل كثيرة قويّة خرّبت كثيرا من البلاد فخرب منها حمص وحماة وشيزر وكفرطاب والمعرّة وافامية وحصن الأكراد وعرقة واللاذقيّة وطرابلس وانطاكية. واما كثيرة القتلى فيكفي فيها ان معلما كان بمدينة حماة وذكر انه فارق المكتب لمهمّ عرض له فجاءت الزلزلة فخربت البلد وسقط المكتب على الصبيان جميعهم. (قال المعلم) فلم يأت احد يسأل عن صبيّ كان له.

стр. 215

وفيها في ربيع الاوّل توفي السلطان سنجر بن ملكشاه بن ألب ارسلان اصابه قولنج ثم بعده اسهال [١] . وفي سنة اربع وخمسين ثامن ربيع الآخر كثرت الزيادة في دجلة وخرج القورج فوق بغداد فامتلأت الصحارى وخندق البلد ووقع بعض السور فغرق بعض القطيعة وباب الأزج والمأمونية ودبّ الماء تحت الأرض الى أماكن فوقعت وأخذ الناس يعبرون الى الجانب الغربي فبلغت المعبرة عدّة دنانير ولم يكن يقدر عليها. ثم نقص الماء فكثر الخراب وبقيت المحالّ لا تعرف وانما هي تلول فأخذ الناس حدود دورهم بالتخمين. وفيها في ذي الحجة توفّي السلطان محمد بن محمود بن محمد ابن ملكشاه وملك عمّه سليمان شاه بن محمد. وفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة ثاني ربيع الاوّل توفّي الخليفة المقتفي لأمر الله وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة وعمره ستا وستين سنة. وهو اوّل من استبدّ بالعراق منفردا عن سلطان وحكم على عسكره وأصحابه من حين تحكم المماليك على الخلفاء ومن عهد المستنصر [٢] الى الآن. كان في وسط المائة السادسة من الأطباء المشار إليهم في الآفاق ثلثة أفاضل معا من ثلث ملل كل منهم هبة الله اسما ومعنى من النصارى واليهود والمسلمين هبة الله ابن صاعد بن التلميذ وهبة الله بن ملكا ابو البركات أوحد الزمان وهبة الله بن الحسين الاصفهاني. اما ابن التلميذ الطبيب النصراني البغدادي ففاضل زمانه وعالم أوانه خدم الخلفاء من بني العباس وتقدّم في خدمتهم وارتفعت مكانته لديهم وكان موفقا في المباشرة والمعالجة عالما بقوانين هذه الصناعة عمّر طويلا وعاش نبيلا جليلا وكان شيخا بهيّ المنظر حسن الرواء عذب المجتنى والمجتبى لطيف الروح ظريف الشخص بعيد الهمّ عالي الهمّة ذكيّ الخاطر مصيب الفكر حازم الرأي. وله في نظم الشعر كلمات راقية رائقة شافية شائقة تعرب عن لطافة طبعه. ومن شعره: كانت بلهنية الشبيبة سكرة ... فصحوت واستأنفت سيرة محمل وقعدت ارتقب الفناء كراكب ... عرف المحلّ فبات دون المنزل وكان ابو الحسن بن التلميذ يحضر عند المقتفي كل أسبوع مرّة فيجلسه لكبر سنّة. وتوفّي في صفر سنة ستين وخمسمائة وقد قارب المائة وذهنه بحاله. وسأله ابنه قبل ان
следующие страницы →