الدكتور: محمد العربي الزبيري
تاريخ
الجزائر المعاصر
(١٩٥٤ - ١٩٦٢).
(الجزء الثاني)
- دراسة -
من منشورات اتحاد الكتاب العرب
١٩٩٩
стр. 247
تاريخ الجزائر المعاصر
(١٩٥٤ - ١٩٦٢).
(الجزء الثاني)
стр. 248
الحقوق كافة
محفوظة
لاتحاد الكتّاب العرب
البريد الالكتروني: E - mail :unecriv@net.sy
aru@net.sy
موقع اتحاد الكتّاب العرب على شبكة الإنترنت:
www.awu - dam.com
تصميم الغلاف للفنان: اسمايل نصرة
••
стр. 249
-[مقدمة الجزء الثاني]-
يسعدني أن أضع بين يدي القراء عامة والطلبة خاصة الجزء الثاني من تاريخ الجزائر المعاصر وهو يغطي الفترة الممتدة من سنة ١٩٥٤ إلى غاية ١٩٦٢.
لقد حاولتُ بقدر الإمكان أن تكون الدراسة موجزة وقريبة من الموضوعية التي هي صفة أساسية من صفات البحث العلمي وسعيت مجتهداً وصادقاً، أن أقدمَ من خلال هذا العمل المتواضع أقصى ما يمكن من المعطيات الضرورية لتتبع أهم أحداث ثورة نوفمبر ولفهم كثير من محطاتها الرئيسية.
كما أنني توقفتُ ملياً عند بعض المصطلحات والمفاهيم والتي اعتبرتها مفاتيح الكتابة التاريخية والتي بدون التمكن منها يستحيل الوصول إلى حقيقة اندلاع الثورة وتقفي سائر مراحلها.
إنني تعمدتُ عدم التوقف طويلاً عند القضايا الشائكة التي عرفتها جبهة التحرير الوطني طيلة سنوات الكفاح المسلح، وذلك لإيماني بأن الإنجاز الكبير لا يزيدها إلا تعقيداً وغموضاً. وهذا الاعتراف لا يعد هروباً من المسؤولية خاصة وأني أنجزت دراسة وافية شملت كل تلك القضايا مع محاولة الربط فيما بينها والكشف عن خباياها وتسليط الأضواء عن الضباب الكثيف، الذي أحيط بها ورجائي أن تجد طريقها إلى النشر في أقرب الأوقات.
والله ولي التوفيق
الدكتور:
محمد العربي الزبيري
••
стр. 250
الباب الثاني
بناء المجتمع الجزائري الجديد وتطويره
стр. 251
الفصل الأول
الخطوات الأولى في التطبيق الميداني لأهداف الثورة
* التوجهات الأساسية.
* موقف الحكومة الفرنسية من الثورة وتطورها.
* مواجهة الصعوبات الأولى.
* هجوما العشرين من أغسطس١٩٥٥م.
••
стр. 252
التوجهات الأساسية:
عندما أشعلت جبهة التحرير الوطني فتيل الثورة، ليلة الفاتح من نوفمبر سنة أربع وخمسين وتسعمائة وألف، فإنها إنما فعلت ذلك لتجسيد إيديولوجية حزب الشعب الجزائري، لأجل ذلك حددت تحركاتها الأولى في إطار توجهات ثلاث.
١ - التوجه السياسي:
ويهدف إلى استرجاع السيادة المغتصبة عن طريق الكفاح المسلح الذي يجب أن يتحول إلى انتفاضة عامة تضعف الجيوش المعتدية، وتخرب الاقتصاد الاستعماري وتفرض جو الحرب الساخنة على فرنسا فتنقاد إلى تفاوض كما حدده نداء الفاتح من نوفمبر سنة ١٩٥٤.
وفي إطار هذا التوجه السياسي، دعت جبهة التحرير الوطني كافة التشكيلات السياسية إلى الإعلان عن حل نفسها رسمياً (١)، ودفع مناضليها ومريديها إلى الالتحاق، فرادى، بالصفوف، وأكدت من خلال النداء الأول وفي مناسبات عديدة، أن التفاوض لا يكون إلا معها بصفتها قائداً للكفاح المسلح وممثلاً وحيداً للشعب الجزائري.
وكان قادة جبهة التحرير الوطني يطمحون، بصدق وإخلاص، إلى استرجاع استقلال الجزائر ضمن الوحدة الشاملة للمغرب العربي الكبير، وذلك تماشياً مع إيديولوجية نجم شمال إفريقيا، وإيماناً منها بأن تلك هي الطريقة الوحيدة لقطع خط الرجعة على الاستعمار بجميع أشكاله وألوانه.
стр. 253
٢ - التوجه الاقتصادي والاجتماعي:
ويرمي إلى استرجاع الأراضي المغتصبة وإخضاع مجالات الإنتاج والتسويق والاستثمار إلى التخطيط الذي يأخذ بعين الاعتبار واقع البلاد وإمكانياتها واحتياجات الجماهير الشعبية الواسعة.
وبواسطة هذا التوجه كانت جبهة التحرير الوطني تسعى إلى تغيير هيكلة اقتصادية واجتماعية وضعها الاستعمار الاستيطاني طيلة الفترة التي بقيها في ديارنا لتكون دعامة للاقتصاد في (الوطن الأم) ولتبقي الإنسان الجزائري في حالة تبعية دائمة تمنعه من الشعور بذاته وتحول بينه وبين مسؤولياته ككائن له حق التصرف في شؤونه.
صحيح أن جبهة التحرير الوطني لم تبدأ، في عامها الأول، ببرنامج اقتصادي، واضح لكنها كانت واعية بأن السلطات الاستعمارية قد اغتصبت ملكيات الجزائريين الزراعية والصناعية خاصة إلى الكولون يستغلونها ويوظفون ثرواتها لتحقيق الثراء الفاحش وللتمكن من ممارسة الاستبداد والاضطهاد على السكان الأهالي، ومن شراء الذمم والأحلاف سواء في أوساط الحكام الفرنسيين بمختلف أنحاء الجزائر أو في فرنسا ذاتها. ولقد تحول ذلك الوعي، في خضم المعركة، إلى رغبة ملحة في استرجاع كل ما أخذ بالقوة. وفي نهاية مرحلة الكفاح المسلح، ظهر التفكير جدياً في إرساء قواعد التسيير الذاتي الذي يعد، بحق، واحدة من الطرق المؤدية إلى انتصار الاشتراكية، والذي هو، في خطوطه العريضة، مأخوذ من تقاليدنا في الإنتاج والتسيير الاقتصادي قبل الاحتلال الفرنسي.
٣ - التوجه الحضاري:
ويشمل مجالي الدين والثقافة انطلاقاً من مجموعة من الحقائق أهمها:
أ - إن الاستعمار لاقى مقاومة بطولية دعامتها المسجد ومصدرها في غالب الأحيان إحدى الزوايا التي كانت منتشرة عبر مختلف أنحاء البلاد لأجل ذلك وجه ضربات قاسية إلى الدين ساعدت على تشويهه وتزييف تعاليمه وإغراقه في متاهات الشعوذة والدروشة. نقول ساعد لأن الأرضية اللازمة للقيام بذلك العمل إنما كانت متوفرة، شأن الجزائر في ذلك هو شأن باقي البلاد الإسلامية التي كانت تعيش جواً يسوده الظلم والاستبداد اللذين لا علاقة لهما بالإسلام، ويخضع للخرافات التي أبعدت الناس عن الدين الصحيح. أما المساجد
стр. 254
فإنه أفرغها من محتواها الثوري الذي وجدت من أجله، وحولها إلى شبه كنائس، وذلك إذا سلمت من الهدم ولم تحول مادياً إلى مقرات لمؤسسات أخرى دينية أو اقتصادية أو سياسية أو عسكرية.
إن هذه الحقيقة التاريخية هي التي جعلت الجزائر تلجأ إلى الدين:
تخلصه من بعض ماعلق به من شوائب، وفي ذات الحين ترتكز عليه لتزويد المجاهدين بالطاقة الضرورية لهم في مواجهتهم لأعتى قوة استعمارية تفوقهم عدة وعتادا، ولتعبئة الجماهير الشعبية الواسعة وتوعيتها بالوضع الجديد الذي يجب أن تتكيف معه حتى تتمكن من المشاركة الفعلية في معركة التحرير.
وبالفعل، فإن الذي يرجع، بتأمل، إلى تاريخ ثورة نوفمبر يرى أن التكبير والترغيب في الشهادة قد أديا دوراً أساسياً في تثبيت العزائم وتقوية النفوس وتجنيد أغلبية المواطنين حول جبهة التحرير الوطني.
ب - إن الاستعمار كان وما زال يدرك أن شعباً بلا ثقافة شعب ميت، وأن الاحتلال الحقيقي لا يتم إلا عندما يقضي على ثقافة الشعب المعتدى عليه. فانطلاقاً من هذه القناعة عمدت السلطات الاستعمارية، في بلادنا، إلى تجهيل الجماهير، وتزييف التراث الوطني وطمس معالم الثقافة ومصادرها. بادرت إلى صنع ثقافة جديدة لا علاقة لها بواقعنا، ومثقفين، من نوع جديد، زودتهم بالقيم والأخلاق الاستعمارية. وهنا، أنبه إلى أن التعليم ليس هو الثقافة، وأن هناك من الحصول على الثقافة، وأن هناك من المتعلمين باللغة الفرنسية من تمكنوا من الحصول على ثقافة وطنية واسعة.
إن جبهة التحرير الوطني لم تكن تجهل هذا المسعى الاستعماري، ومن ثمة، فإنها إلى جانب الكفاح المسلح، كانت تنظم، في الأرياف خاصة وفي أوساط المجاهدين بصفة عامة، حملات متواصلة لمحو الأمية، وتغيير الذهنيات الجامدة ولرفع مستوى الوعي لدى الفلاحين والعمال، كما أنها كانت تعمل، جاهدة على دعم الأخلاق الثورية المرتكزة على قيمنا العربية الإسلامية، تلكم القيم التي سيكون منها المنطلق لبلورة عناصر الشخصية الوطنية، ولتكوين الإنسان الجزائري الجديد القادر على الإسهام بفعالية في معركة البناء والتشييد من أجل استرجاع السيادة الوطنية وإقامة الدولة القوية المستقلة.
وحينما اتخذت القيادة العليا لجبهة التحرير الوطني قرارها التاريخي الخاص بتفجير الثورة ليلة الفاتح من نوفمبر عام أربعة وخمسين وتسعمائة وألف، قسمت البلاد إلى ست مناطق عينت على رأس كل واحدة منها مسؤولاً،
стр. 255
ماعدا منطقة الجنوب.
وتم الاتفاق في نفس الوقت، على ضرورة عقد ندوة وطنية في منتصف شهر جانفي سنة خمس وخمسين وتسعمائة وألف تتولى تقييم المرحلة المقطوعة وإعداد برنامج العمل المستقبلي على ضوء التجربة المعيشة وما يكون قد تخللها من مستجدات.
إن الندوة المذكورة لم تعقد ولم يتمكن القادة التاريخيون من التلاقي لأسباب كلها موضوعية يأتي في مقدمتها استشهاد مراد ديدوش قائد المنطقة الثانية (١) واعتقاد رابح بيطاط قائد المنطقة الرابعة (٢) ومصطافه بن بولعيد قائد المنطقة الأولى (٣) وعدم تمكن محمد بوضياف (٤) من إحكام عملية التنسيق بين الداخل والخارج وهو ما أدى إلى عدم تمكين مختلف المناطق بالأسلحة والذخائر اللازمة لاستمرار المعركة وتطورها. وبالإضافة إلى ذلك هناك حالة الطوارئ (٥) وميلاد الحركة الوطنية الجزائرية (٦) التي أرادها السيد مصالي الحاج تنظيماً منافساً لجبهة التحرير الوطني.
ولم يبق في الميدان من القيادة السداسية سوى كريم بلقاسم قائد المنطقة الثالثة الذي ظل يبذل أقصى مافي وسعه للتصدي إلى هجمات القوات الاستعمارية، والعربي بن المهيدي الذي صار يسعى للتوفيق بين مهامه كقائد للمنطقة الخامسة وواجبات جديدة فرضت عليه نتيجة اعتقال قائد المنطقة الرابعة.
إن هذا التعثر، على الرغم مما كان يمثله من خطر ماحق على مصير الثورة، لم يمنع جبهة وجيش التحرير الوطني من الانتشار بسرعة فائقة خاصة في أوساط مناضلي حركة الانتصار للحريات الديمقراطية الذين كانوا ينتظرون هذه الظروف الجديدة بفارغ الصبر.
стр. 256
ومن الغريب أن المناطق التي أصابتها أعنف الهزات هي التي طورت أكثر من غيرها.
ونحن نعرف، اليوم، أن عدد المجاهدين الذين لم يكن يتجاوز الأربعمائة ليلة أول نوفمبر قد ارتفع عشية انتفاضة العشرين أوت سنة ١٩٥٥ إلى حوالي أربعة آلاف، بالإضافة إلى التنظيم المدني السري الذي عم أغلبية أنحاء المناطق الأولى والثانية والثالثة.
ولم يكن تزايد عدد المقاتلين، رغم أهميته كافياً، لأن الأسلحة لم تكن متوفرة لا نوعاً ولا كماً، ناهيك عن الذخيرة وسائر معدات الحرب.
فرجال جيش التحرير الوطني، استطاعوا، في هذه الأشهر الأولى، أن يجمعوا حوالي ألف قطعة سلاح (١) مابين بنادق الصيد والمسدسات العادية والبنادق الحربية الموروثة عن الحرب الامبريالية الثانية ولم يكن هذا هو المتوقع عندما تفرقت القيادة العليا عشية أول نوفمبر، بل أن آمالاً كبيرة كانت معلقة على نشاطات المندوبية في الخارج (٢) ومجهودات السيد محمد بوضياف الذي كلف بتعبئة الجزائريين في فرنسا حيث سهولة الاتصال بباعة الأسلحة ومهربيها.
غير أن مندوبية الخارج لم تحصل، رغم الجهود المبذولة والوعود المحصل عليها، على مايمكنها من شراء الأسلحة وإدخالها إلى المناطق. ذلك (٣) أن الدول العربية الشقيقة لم تكن تصدق أن يكون للشعب الجزائري، في يوم من الأيام، طليعة تستطيع تفجير الثورة على واحدة من أعظم القوات الاستعمارية في العالم، خاصة وأن الجزائر كانت ملحقة، قانونياً، بفرنسا (٤).
أما السيد بوضياف، فإن مهمته في فرنسا قد تعقدت بسبب سيطرة مصالي شبه الكلية على هياكل حرّكة الانتصار للحريات الديمقراطية (٥) لأجل ذلك، فإنه
стр. 257
ترك فكرة التسليح مؤقتاً، وراح يقوم بحملة توعية واسعة النطاق في أوساط مناضلي الحركة المذكورة إلى أن تمكن من استمالة عدد كبير منهم سمح له بإنشاء هياكل جبهة التحرير الوطني وإرساء قواعدها الثابتة التي ستبرهن على نجاعتها فيما بعد.
وأمام هذه الظروف الطارئة، فإن قيادات المناطق، حيث تأجج لهيب الثورة قد لجأت إلى الاعتماد على النفس وراحت تأمر بمضاعفة الجهود في مجال صنع المتفجرات التقليدية وجمع ما أمكن من الذخيرة والأسلحة التي كانت بين أيدي المواطنين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى رفعت شعار:
"سلاحنا نفتكه من عدونا"، وهو شعار أتى بنتائج إيجابية معتبرة." (١)
وإلى جانب هذين الإجرائين الحكيمين قام كل من الشهيدين العربي بن المهيدي ومصطفى بن بولعيد، الأول في اتجاه المغرب الأقصى والثاني في اتجاه ليبيا عن طريق تونس، بمحاولة لربط الاتصال بمندوبية الخارج. لكن المحاولتين لم تأتيا بثمار يذكر إذ عاد ابن بولعيد إلى سجن الكدية كما هو معروف.
كل هذه الصعوبات والمشاكل غير المتوقعة لم تمنع المجاهدين من خوض كثير من المعارك الناجحة ضد القوات الاستعمارية المسلحة، كماتم تمنع أعداداً كبيراً من الخونة والعملاء من نيل الجزاء الذي يستحقونه.
إن الدارس لا يستطيع في صفحات قليلة أو حتى في مجلد، أن يتعرض بجد لكل العمليات العسكرية والحملات التأديبية والكمائن القاتلة التي قام بها أو أقامها جيش التحرير الوطني خلال تلك الأشهر الأولى من الثورة.
ولكن كانت الثورة قد حققت كثيراً من التقدم، وأحرزت على العديد من الانتصارات في المجالين السياسي والعسكري، فإن مشاكل التسليح ستظل مطروحة بحدة إلى نهاية عام ١٩٥٥. وإن هذا النقص في التسليح هو الذي سيسمح للسلطات الاستعمارية بأن تجمع قواها وتوظف إمكانات حربية هائلة لقمع المناطق الثائرة.
стр. 258
* موقف الحكومة الفرنسية من الثورة وتطورها:
وفي صباح اليوم الثاني من شهر نوفمبر، ظهرت الصحافة الاستعمارية بعناوين ترمي إلى هدفين مختلفين: فهي تدعو، من جهة، إلى التزام الهدوء، ومنح الثقة للسلطات المختصة التي تملك من الوسائل ماسيمكنها، في ظرف قصير جداً، من القضاء على الأعمال الإجرامية (١) والدعوة إلى الهدوء والثقة معناها منع الفوضى والاضطراب اللذين من شأنهما أن يخلقا مايحتاجه الثوار من ظروف ملائمة، فتضطرب نيران الحرب، وتعم الثورة التي تحقق المسؤولون من وقوعها رغم تنكرهم لها في الظاهر، وعدم اعترافها بشرعيتها. ومن جهةأخرى. فإن تلك العناوين جاءت عبارة عن ترهيب ووعيد موجهين لقادة وأعضاء الحركة الجديدة، مذكرة بقوة فرنسا وعظمتها وقدرتها على رد الفعل، وعلى استعمال العنف والقمع من أجل التوصل إلى استتباب الأمن وإرجاع المياه إلى مجاريها ..
وبهذا الصدد، صرح الوالي العام بأنه يملك وسائل إضافية سوف لن يدخر استعمالها، وأنه سيتخذ كل مايجب اتخاذه من إجراءات لحماية مصالح فرنسا والفرنسيين وللدفاع عنها (٢)
وفي اليوم الثالث من الشهر، تعددت التعاليق وتكاثرت الآراء التي أجمعت، رغم اختلاف الاتجاهات السياسية لأصحابها، بأن جذور ماوقع في الجزائر، يجب البحث عنها في الخارج، لأن الدقة التي ميزت الأحداث"أكبر من عقول الأهالي" (٣)
وبالطبع، فإن أول من وجهت إليه التهم الثقيلة هي الجامعة العربية التي لم تكن، آنذاك تخفي دفاعها عن حقوق أبناء المغرب العربي إلى درجة أنها أنشأت، في القاهرة، مباشرة بعد تأسيسها، مكتباً يمثل الحركات الوطنية العاملة في كل من تونس والجزائر والمغرب الأقصى (٤)، وبالإضافة إلى ذلك فإن إذاعة صوت
стр. 259
العرب هي أول محطة أعلنت عن ميلاد جبهة التحرير الوطني، وبشرت بالنصر المبين، ودعت إلى اللحاق بركب المقاتلين، منددة بالقاعدين والمترددين، ثم أن مصر كانت، سنة ١٩٥٤، ما زالت تعيش في هيجان الثورة وحماسها، تلك الثورة التي رفعت كشعار لها، منذ البداية، خدمة القومية العربية والدفاع عنها أينما وجد أبناؤها.
ومن جهته، فإن السيد ميسكاتلي، ممثل ولاية الجزائر العاصمة في مجلس الشيوخ الفرنسي، قد صرح بأن الأحداث التي تهز المستعمرة منذ ثلاثة أيام ماهي إلا دلالة واضحة على التضامن الوطيد بين مختلف الحركات الوطنية التي تشوش شمال إفريقيا بأسره، بل أن مايتم في واحد من أقطار المغرب، إنما هو باتفاق الجميع ومن تخطيط كل القيادات المتمردة على السيادة الفرنسية (١).
أما الوالي العام، السيد روجي ليونار، فإنه أبدى اندهاشه أمام التناسق الذي تمت به العمليات عبر مختلف أنحاء البلاد، وراح يؤكد أن كل القرائن تثبت بأن عناصر أجنبية هي التي خططت وهي تقود التمرد قصد تجنيد الرأي العام بمناسبة انعقاد الدورة العادية للأمم المتحدة، والتمكن من فتح ملف المغرب العربي أمام تلك الهيئات الدولية.
وعلى العكس من الوالي العام، فإن السيد مارسيل أدموند نايجلن السابق الذكر، لم يندهش لما وقع، بل ذكر أنه كان دائماً يقول: "إن الجزائر لا يمكن أن تبقى غريبة عما يجري في المغرب الأقصى وتونس" (٢)، ثم حدد خطة للعمل تهدف إلى خنق الثورة في مهدها، وحصرها في نقطتين: تتمثل الأولى في الشروع في تطبيق قانون الجزائر الذي سبقت الإشارة إليه، وتتعلق الثانية بتنمية الخدمات الاجتماعية، وخاصة محاربة البطالة في أوساط الأهالي لصدهم عن الانضمام إلى صفوف جبهة التحرير الوطني.
وخارج الجزائر، فإن "بريد المغرب" قد علق على أحداث الفاتح من نوفمبر بما يلي:
إن الوطنيين يعتقدون أنهم سيسيطرون على عمليات الإرهاب، ولكنهم غالطون، لأن ذلك سوف يتعداهم لفائدة الشيوعيين. (٣)
وكانت الجملة الأخيرة بمثابة الإيحاء، لأن الشيوعية سوف تصبح من
стр. 260
خلال وسائل الإعلام، هي المتهم الثاني الذي ستركز سلطات الاستعمار مجهوداتها لتلقي عليه مسؤولية اندلاع الثورة.
وليس معنى الاتهام أن المخابرات الفرنسية لم تكن تعرف الحقيقة، ولكن كان لابد من إيجاد العوامل التي تنفر الجماهير من الحركة الجديدة، وتمنعها من الالتحاق بصفوف المكافحين. ذلك أن الشعب الجزائري مسلم، وإذا كانت الثورة مدعمة، حقاً، من قبل الشيوعية، فإنها تكون، بلا شك، مناهضة للإسلام خاصة وأن هناك سوابق في التاريخ المعاصر: شعوب إسلامية سيطرت عليها الشيوعية، فأخرجتها من الإيمان ورمت بها في أحضان الكفر والإلحاد بحجة مسايرة العلم والتقدم.
ولئن كانت المسؤولية قد ألقيت هكذا جزافاً على كل من الجامعة العربية والشيوعية، هروباً من الواقع المر الذي لم يكن يخفي على الولاية العامة، فإن حركة الانتصار للحريات الديمقراطية هي الأخرى قد تعرضت لقمع أعمى باعتبارها المسوؤل الرئيسي عما وقع (١) ..
وهكذا صدر مرسوم بتاريخ الخامس من شهر نوفمبر، ونشر على أعمدة الجريدة الرسمية التي تحمل تاريخ السابع من نفس الشهر، يقضي بحل حركة الانتصار للحريات الديمقراطية وكل المنظمات والهيئات التابعة لها وتحريم نشاطها في كافة أنحاء تراب الجمهورية الفرنسية بما في ذلك مايسمى بعمالات الجزائر. وأعطيت الأوامر لمصالح الأمن في مختلف أنحاء البلاد، فألقت القبض، خلال الأسبوع الأول من نوفمبر وحده، على أكثر من ألفي رجل من مناضلي ومسؤولي الحركة المصالية وزجت بهم في السجون تستنطقهم، بحثاً عن الحقيقة ومن أجل التوصل إلى القيادة العاملة في كل منطقة.
وأمام تلك الأعداد الضخمة من الإيقافات وبعد قنبلة جبال الأوراس بالنابالم الذي أتلف الأخضر واليابس في جزء كبير منها، عنونت الجرائد الاستعمارية في صحافتها الأولى: "بأن المنظمة الإرهابية قد قضي عليها نهائياً في الشرق الجزائري". (٢).
ومما لاشك فيه أن تصرفات السلطات الاستعمارية، أثناء هذا الأسبوع
стр. 261
الأول من الثورة قد ساهمت مساهمة فعالة، وبطريقة عفوية، في تزويد جبهة التحرير الوطني بالكثير من المنخرطين الجدد، كما أنها ساعدت على نشر الرعب في نفوس الأوربيين والتشكيك في كل مايمكن أن يصدر عن الهيئات الرسمية.
وبالفعل، فإن حملة الإيقافات العشوائية قد دفعت الكثير من المترددين إلى تغيير مواقفهم والالتحاق بالجبال، هروباً من السجون ومراكز الاستنطاق (١). ومن الجانب الآخر، فإن المعمرين لم تعد لهم أدنى ثقة فيما تصدره صحافتهم من بيانات رسمية، خاصة، وأن تلك البيانات كانت قد ذكرت، في البداية بأن عدد المتمردين لا يتجاوز ثلاثمائة أو أربعمائة شخص، يوجد جلهم في منطقة الأوراس.
وبعد نهاية الأسبوع الأول من نوفمبر أفادت بأنه ألقي القبض على حوالي ألف من "الإرهابيين" (٢) وبأن العمليات العسكرية الحقيقية سوف تدخل مرحلتها الحاسمة في الأيام المقبلة.
*على هذا الأساس، صار الأوروبيون والذين يقرأون الجرائد بصفة عامة يتساءلون عمن هم هؤلاء الذين تم اعتقالهم. وهل السلطات الاستعمارية تعرف العدد الحقيقي للثوار العاملين في سائر أنحاء الجزائر؟ وإذا كانت السلطات الرسمية لا تستطيع الإجابة المقنعة عن هذين السؤالين، فهل يحق للمعمرين أن يثقوا بقدرتها على حمايتهم والدفاع عن ممتلكاتهم، فضلاً عن ثقتهم بقدرتها على تخليص البلاد من ذلك السرطان الذي يهدد الكيان الاستعماري في أساسه؟
ولاسترجاع تلك الثقة المفقودة والضرورية لخوض المعركة، ركزت السلطات الفرنسية على جانبين رئيسيين من جوانب الإعلام والتوجيه: فمن ناحية سلطت الأضواء على حياة بعض الثوار ممن لهم "ماض إجرامي أو علاقات مشبوهة مع القضاء" وذلك للتقليل من قيمة جبهة التحرير الوطني، وحتى يتخلف أبناء العائلات الكريمة عن الالتحاق بصفوف المجاهدين، ومن جملة ما نشرته جريدة "صدى الجزائر": أن جيش التحرير المزعوم يضم من بين قيادات أركانه شخصيات بارزة يمكن أن نذكر من جملتها: الشهير قرين بلقاسم بن بشير الذي يبلغ من العمر سبعاً وعشرين سنة ويجر وراءه سوابق عدلية لا تقوى الجبال على حملها. لأجل ذلك، فإنه لا مجال للدهشة عندما نعلم
стр. 262
أنه فضل الالتحاق بأصدقائه المحكوم عليهم. ترأس عصابة من الإرهابيين بدلاً من أن يستسلم للعدالة ويقضي في السجن سنوات الأشغال الشاقة التي حكم بها عليه سنة ١٩٥٠". (١)
ومن ناحية ثانية، ركزت وسائل الإعلام، بأمر من المسؤولين طبعاً، على التدخل الأجنبي والإمدادات الخارجية"، التي بدونها لا يمكن للجزائريين أن يقفوا في وجه قوات الأمن الفرنسية (٢) وبهذا الصدد، ذكر أن خمس مائة "إرهابي" تونسي التحقوا بجبال الأوراس في الأيام الأولى من شهر نوفمبر لتنظيم وحدات القتال، وتدريب الأهالي على استعمال الأسلحة وعلى خوض حرب العصابات. كما ذكر أن السلطات العسكرية قد لاحظت بأن بعض الطائرات تأتي، ليلاً، بدون أدنى ضوء فتفرغ حمولاتها بمنطقة الأوراس، وتضيف نفس المصادر أن تلك الطائرات قد يكون منطلقها من المملكة الليبية (٣)
وبالإضافة إلى كل ذلك، فإن الصحافة الفرنسية راحت تعمل على تعميم الفكرة القائلة بأن الثوار إنما هم جماعات معزولة ومنبوذة من الجماهير التي لا ترغب سوى في أن تبقى فرنسية كاملة الحقوق والواجبات. وبهذا الصدد نشرت "صدى الجزائر" خبراً مفاده أن سكان تيزي غنيف قد حاولوا الاعتداء على اثنين وثلاثين إرهابياً وقعوا أسرى أثناء عملية قامت بها "قوات الأمن" (٤).
وقد أدت هذه الأوضاع، متظافرة، إلى تذبذب السلطات الاستعمارية التي لم تعد تعني مايصدر عنها من أقوال وتصرفات وصارت تتخبط في عدد لا حصر له من التناقضات.
ففي ظرف يومي، الثامن والتاسع من شهر ديسمبر، أعلن السيد ميتران وزير الداخلية آنذاك، "أن سبعين ألف جندي يعملون في المناطق المشوشة للتدليل على أن فرنسا محمية في الجزائر" (٥)، وصرح السيد ليونار الوالي العام، في حفل رسمي "أن المتمردين لا يزيد عددهم عن أربعمائة شخص"، وعنونت "صدى الجزائر: إن قوات الأمن ألقت القبض على سبعمائة وخمسين وقتلت وجرحت سبعين من "الإرهابيين" (٦).
стр. 263
ومع حلول السنة الجديدة، تغيرت الأوضاع كلية، حيث أدركت السلطات الاستعمارية أن لافائدة في مواصلة الكذب والمخادعة العاريين، فراحت قرار بتصعيد العمليات العسكرية للقضاء على مايسمى في تطبيق برنامج إصلاحي في الجزائر وعن اتخاذ قرار بتصعيد العمليات العسكرية للقضاء على مايسمى في ذلك الحين بجيوب التمرد (١).
فبالنسبة للنقطة الأولى. فإن السلطات الاستعمارية لم تجهد نفسها كثيراً. وإنما اكتفت بنفض الغبار عن قانون الجزائر الذي أودع رفوف المحفوظات منذ تاريخ صدوره سنة ١٩٤٧. وأضيف إلى مواد ذلك القانون، لكي يبدو أن هناك تجديداً، إجراء خاص بإعطاء المرأة الجزائرية حق الانتخاب.
ولقد رأى المعمرون خطراً ماحقاً في تمكين المرأة العربية المسلمة من سلاح يخشى أن يستعمله المناضلون للاستحواذ على كافة المؤسسات السياسية المسيرة للبلاد. كما أنهم اعتبروا تفكير حكومتهم في تطبيق قانون الجزائر، والمعارك قائمة، تعتبر تنازلاً للذين حملوا البنادق، وخطوة عملاقة في طريق التخلي عن العمالات الثلاث المكونة للجزائر الفرنسية. لأجل ذلك، فإنهم رفعوا شعاراتهم المعادية لسياسة الحكومة المركزية، وجندوا كل طاقاتهم للإطاحة بها، خاصة وأن السيد مانداس فرانس، يعد في نظرهم، واهب الاستقلالات ومخرباً للامبراطورية الاستعمارية (٢).
وكان المعمرون أقوياء فعلاً، بالإضافة إلى أن تحركاتهم وقعت في ظرف كانت الحكومة فيه معرضة للهجومات مع جميع الجهات. وتزعم حركة المعمرين، تلك، رؤساء بلدياتهم الذين أوفدوا جماعة منهم إلى فرنسا، تشرح وجهة نظرهم، وتشتري الأنصار من بين كبار الشخصيات الفرنسية المسيطرة على المسرح الفرنسي.
ويتضمن مخطط كفاح رؤساء البلديات ثلاثة مطالب مركزية، نستخرجها من الندوة الصحفية التي عقدها الناطق الرسمي بأسمائهم: السيد إيزلا، بتاريخ الخامس والعشرين من شهر جانفي سنة ١٩٥٥.
ويأتي على رأس تلك المطالب: المعارضة الشديدة لكل الإصلاحات المقترحة والتي ستجعل من الجزائر، حسب رأيهم، تونس ثانية، ولكي لا يظهر
стр. 264
رؤساء البلديات في زي الطغاة المستبدين، صرح إيزلا "أن تطبيق الإصلاحات سينظر فيه بعدعودة السلام، واستتباب الأمن في البلاد" (١).
أما المطلب الثاني، فيدعو إلى التعجيل بإرسال الجيوش المدربة القادرة على خوض المعارك، لأن الأجناد المتواجدين في الميدان غير مهيئين لحرب العصابات. ولذلك، فإن اللفيفا الأجنبي (٢) والطوابير المغربية (٣) هي التي يجب أن تخصص لقتال الجزائريين. ولقد طرحت هذه الفكرة لأنها تمنع أبناء فرنسا من الموت المحقق، خاصة وأن أبناء المعمرين يؤدون الخدمة العسكرية كغيرهم، كما أنها تجعل الحرب تدور بين الأجانب فقط.
وأما المطلب الثالث، فهو اقتصادي محض يدعو إلى تزويد الجزائر بقروض من ميزانية "الوطن الأم".
ومن الجدير بالذكر أن الحكومة الفرنسية لم تبق مكتوفة الأيدي أمام كل تلك التحركات، فأصدر مجلس الوزراء بتاريخ الخامس والعشرين من شهر جانفي، هو نفس اليوم الذي عقد فيه السيد إيزلا ندوته الصحفية، بياناً يتضمن تعيين السيد جاك سوستال والياً عاماً للجزائر، والإعلان عن دمج شرطة الجزائر في شرطة فرنسا (٤).
وإذا كان الإجراء الأول يهدف إلى التخلص من السيد ليونار الذي أصبح أسير كمشة من المعمرين المتطرفين، فإن دمج الشرطة يخرج قوات الأمن الأساسية من قبضة الشرذمة، ويسمح للسلطة المركزية بتعيين ضباط تستطيع الاعتماد عليهم، لأن ضباط ذلك الحين كانوا يأتمرون بأوامر الكولون.
إن مبادرات الحكومة سليمة، في حد ذاتها، وكان من الممكن أن تكون لها نتائج إيجابية، ولكنها جاءت مختلفة، ولذلك، فإنها أدت إلى عكس ماكان ينتظر، فسقطت حكومة مانديس في اليوم الخامس من شهر فيفري سنة ١٩٥٥، أي بعد
стр. 265
عشرة أيام فقط من صدور البيان المذكور.
أما بالنسبة للنقطة الثانية، فإن القيادة العسكرية، في الجزائر، قد شرعت منذ اليوم التاسع عشر من شهر جانفي، في تنظيم عمليات واسعة النطاق استهلتها بقنابل مكثفة لجبال الأوراس، ثم أَلقت بآلاف الجنود المزودين بجميع أنواع الأسلحة لتمشيط المنطقة، وسمي ذلك بعملية "فيرونيك" تشبيهاً بحركة القديسة التي تحمل نفس الاسم عندما مسحت وجه المسيح. والمقصود من ذلك التشبيه أن الجيوش الفرنسية تلقت الأمر "بتفتيش المنطقة شبراً شبراً حتى لا يبقى فيها متمرد واحد" (١).
لقد نسي الاستعمار مقولة ماوتسي تونغ الشهيرة: "أن الثورة أسماك مياهها الجماهير الشعبية" (٢).
ومما تجدر الإشارة إليه أن السيد ليونار هو الذي أشرف على انطلاق عملية فيرونيك التي ستتبعها في اليوم الثالث والعشرين من نفس الشهر عملية "فيوليت" الموجهة لتطهير الجبال المحيطة بمدينة بسكرة والممتدة على حوالي مائتين وخمسين كيلو متراً مربعاً". (٣)
إن هزيمة مانديس فرانس، التي كانت أكبر دليل على قدرة الكولون وسعة سلطانهم، قد أغرقت فرنسا في أزمة سياسية تركتها بدون حكومة مدة تسعة عشر يوماً، ظهرت خلالها عدة محاولات فاشلة قامت بها شخصيات ذات انتماءات سياسية وعقائدية مختلفة. ويبدو أن الملل، من جهة، واطمئنان المعمرين على مصالحهم الخاصة، من جهة ثانية، هما اللذان سمحا للسيد ادقار فور أن يفوز بالثقة التي مكنته من تشكيل حكومته يوم ٢٤ فيفري ١٩٥٥م.
ولا يمكن أن تكون مجرد صدفة تلك التي جعلت سوستيل الوالي العام الجديد، يعلن، بنفس التاريخ، إن فرنسا لن تتخلى عن الجزائر، إلا كما تتخلى عن مقاطعة بريتاني (٤).
وليس ذلك فقط هو الدليل الوحيد على انتصار الطغمة الاستعمارية، بل إن
стр. 266
هناك تصريحات أخرى، سيدلي بها سوستيل في مختلف أنحاء البلاد، يؤكد فيها بقوة أن فرنسا قد أدركت أهمية الجزائر، لذلك فهي مستعدة للذهاب إلى أبعد
الحدود قصد الحفاظ عليها، وبعد الإعلانات ومختلف التصريحات جاءت الإجراءات (١) التي قيل، في ذلك الحين، إنها تشكل مرحلة أولى تتجاوب مع ثلاثة اهتمامات هي:
١ - ضرورة توفير الأمن للسكان، بواسطة استعمال الوسائل العسكرية المكثفة.
٢ - الشروع في سياسة اقتصادية جديدة تأخذ بعين الاعتبار ثروات الصحراء التي من شأنها أن تغير مصير فرنسا.
٣ - تبني فكرة "الجيوش الإفريقية" التي كان بيجو قد استعملها في بداية الاحتلال والتي هي عبارة عن استعمال نفس الأسلحة التي يقاتل بها رجال المقاومة.
لكن أخطر إجراء هو ذلك الذي نشرته الصحافة الصادرة بتاريخ التاسع عشر مارس في شكل بيان من وزارة الداخلية يحمل اسم: حالة الطوارئ.
وحالة الطوارئ إجراء قانوني جديد، اتخذته السلطات الفرنسية تجنباً للجوء إلى حالة الحصار التي تدعو إليها أحكام الدستور أثناء الدخول في حرب أو عندما يتمرد الجيش.
وقد جاء في بيان وزارة الداخلية أن حالة الطوارئ تشكل حلاً وسطاً بين الحالة العادية حيث الاحترام لجميع الحريات، وحالة الحصار التي تؤدي حتماً إلى تفكيك الهياكل التقليدية الإدارية، لأنها تنقل الحكم إلى السلطات العسكرية. ذلك أن حالة الطوارئ تبقي للسلطات المدنية حق ممارسة الحكم، ولكنها تعمل على تركيزه وتدعيمه.
ليصبح أكثر ملاءمة مع أحداث تعد كارثة عمومية، من شأنها أن تعرض الأمن للخطر وأن تمس بالسيادة الوطنية (٢).
стр. 267
وتنص المادة الأولى من وثيقة حالة الطوارئ على أن الإجراء الجديد "يمكن تطبيقه على كل أو على جزء من تراب "الوطن الأم" والجزائر أو عمالات ماوراء البحار، ويكون ذلك سواء في حالة وقوع خطر داهم نتيجة اضطراب الأمن العام، أو في حالة وقوع حوادث تتسم بطابع الكارثة العمومية نظراً لنوعها وخطورتها" (١).
ومامن شك أن الغموض والتقييم في هذه المادة مقصودان لتتمكن الحكومة من ممارسة الظلم والاضطهاد في كل مكان يمكن أن ترتفع فيه أصوات الدفاع عن الديمقراطية والحرية.
وبمجرد ما وضعت حالة الطوارئ حيز التنفيذ، دخلت الجزائر مرحلة جديدة من حياتها وأهم ماطبعت به تلك المرحلة: ظهور المحتشدات التي توخي في إنشائها اختيار المناطق النائية ليصعب الاتصال بالمجبرين على الإقامة فيها.
وكان اللجوء إلى إنشاء المحتشدات أمراً منطقياً يندرج في إطار المادة السابعة من وثيقة حالة الطوارئ، والتي تشير إلى أنّه في استطاعة وزير الداخلية في جميع الحالات والوالي العام في الجزائر. أن ينفيا إلى أية دائرة ترابية، أو إلى أي مكان محدد كل شخص يبدو نشاطه خطيراً على الأمن والنظام العام.
وعلى الرغم من أن الوثيقة تنص في مكان آخر على أن النفي لا يؤدي إلى إنشاء المحتشدات، إلا أن ذلك لم يحترم ولم يكن بالإمكان احترامه لأن نفي مئات الأشخاص إلى مكان واحد يتطلب إمكانيات جبارة للقيام بالرقابة اليومية ولتوفير الأكل والسكن.
لأجل ذلك كانت السلطات الاستعمارية مضطرة لإقامة المعسكرات، متبعة في ذلك أساليب النازيين أثناء الحرب الامبريالية الثانية.
ولئن كانت المحتشدات في ظاهرها نقمة على الجزائريين فإنها في الحقيقة قد ساعدت، كثيراً، على نشر مبادئ وأهداف جبهة التحرير الوطني. إذ سرعان ما تحولت إلى منابع لاتنضب تزود روافد الكفاح المسلح سواء في الريف أو في المدينة.
وقد استغلت الإطارات السياسية تلك التجمعات الهائلة لتنظيم الدروس
стр. 268
الاستعجالية في كافة الميادين، ولتعد الذهنية الجزائرية للتكيف مع الأوضاع الجديدة المفروضة على البلاد.
ومن الأكيد أن مستوى الوعي والإدراك لدى الجماهير الجزائرية قد ارتفع بنسبة عالية، جداً بفضل ماقدمته المحتشدات من معرفة، ماكان بالإمكان نقلها بمثل تلك السرعة، إلى مثل تلك الجموعات الهائلة. (١). ذلك أن كل من يخلى سبيله، ويرجع إلى ذويه، يتحول، تلقائياً، إلى داعية متشبع بالعقيدة، قادر على الإقناع.
وهكذا، نستطيع القول إن حالة الطوارئ التي كان المقصود منها شل الحركة النضالية وإخماد النشاط الثوري، قبل استفحاله، قد أتت بنتائج عكسية سيكون لها مفعول كبير في صقل روح المقاومة، خاصة عند النخبة من أبناء الشعب الجزائري.
أما السلطات الاستعمارية، فإنها لم تكتفِ بسن حالة الطوارئ، ولكنها راحت تبذل كل مافي وسعها لخلق الظروف الملائمة لتطبيقها على أكبر عدد ممكن من دوائر وبلديات الوطن الجزائري.
ففي هذا النطاق، افتعلت الأخبار والإشاعات التي مفادها "أن المتمردين، في جبال أوراس، قد تلقوا، عن طريق الجو، الأسلحة التي أرسلتها دول أجنبية قصد إغراق البلاد في بحر من الفوضى والاضطراب وانعدام الأمن، ومن أجل زرع الشقاق بين الأشقاء وتوسيع هوة الخلاف بينهم" (٢).
ومثل هذا الوضع يشكل، بالطبع، سبباً متيناً لتطبيع حالة الطوارئ.
ونشرت الصحافة أن المملكة الليبية ومصر هما اللتان تحركان التشويش وتدعمان التمرد من أجل الانفصال عن "الوطن الأم"، لأنهما غير راضيتين عما حققته الجزائر الفرنسية من تقدم وازدهار.
ونقلت الصحافة، كذلك، نبأ إلقاء القبض على الملازم العراقي: محمد حمادي عبد العزيز، وهو يحارب إلى جانب الثوار بالقرب من بوغني. ثم خصصت أهم الأعمدة لنشر تصريحاته التي تحذر الجزائريين مما تبثه إذاعة "صوت العرب" من أكاذيب حول الوجود الفرنسي في الجزائر، مؤكداً أن حالة
стр. 269
سكان منطقة القبائل التي يعرفها أفضل بكثير من حالة أحسن المصريين (١).
وكانت هذه الأخبار المكذوبة كافية لفرض تطبيق حالة الطوارئ على نواحي الشرق الجزائري في بادئ الأمر، ثم تعميم ذلك، بالتدريج، على سائر المناطق التي بدا فيها تمركز الثوار بكيفية مقلقة. ولكي يكون للإجراء الجديد فعالية أكبر، قررت السلطات الاستعمارية تعيين الجنرال غاستون بارلنج (٢) على رأس القيادة الموحدة للعمليات العسكرية والمدنية في الأوراس، ولقد تم التعيين بسبب ما حاز عليه ذلك الضابط السامي من شهرة في المغرب الأقصى حيث كان يشرف على منطقة أغادير ذات المراس الصعب، ونشرت الصحافة آنذاك، أنه وضع تحت تصرفه الفيلق الأكثر أوسمة من فيالق الجيش الفرنسي" (٣).
وبالإضافة إلى بارلنج، تم تعيين العقيد ديكورنو قائداً لناحية السمندو (٤)، المحاذية لمنطقة الأوراسي، وأوردت الأنباء، في ذلك الحين، بأن ديكورنو هو بطل الهند الصينية، دون أن تبين في أي مجال: أي في الهجوم أو في الانسحاب، لأن نتائج تلك الحرب غير القتلى والأسرى والمعطوبين.
وكانت هذه التحركات مدعمة بتصريحات سياسية ومبادرات ميدانية، ففي المجال السياسي التأكيد على أنها ستبقى كذلك رغم تدخلات الأجانب (٥) أما المبادرات الميدانية، فتتمثل في إقدام بعض المسؤولين أمثال المتصرف هرتز (٦) على تكوين فرق الحركة، وفي أوامر الجنرال بارلنج المتعلقة بجعل المسؤولية جماعية على سكان المناطق الريفية التي تكون مسرحاً للمعارك مع الثوار، أو تتهم بالتعاون معهم.
إن كل هذه المجهودات الحربية قد ترجمت، في النهاية، برفع عدد أفراد الجيش النظامي العامل بالجزائر إلى مائة ألف عسكري، بالإضافة إلى تعزيز مايسمى بقوات الأمن والمتمثلة في رجال الشرطة والدرك الوطني الذين كانوا، في تلك الأشهر الأولى من الثورة في المناطق، يقومون مقام الأجانب.
غير أن تلك الإعدادات والمساعي لم تحقق لسلطات الاستعمار ما كانت
стр. 270
تصبو إليه، ولم تخمد نار الثورة الملتهبة خاصة في المناطق الأولى والثانية والثالثة من أرض الوطن (١).
ولقد نشرت يوم ٢٧ يونيو سنة ١٩٥٥، على أعمدة الصحافة، نتائج المعارك التي دارت رحاها في تلك الأشهر الأولى، ولم تكن مشجعة بالمقارنة مع ما بذل من جهد، خاصة في الميدان العسكري.
لقد ورد في الإحصاءات المنشورة: أن القوات الفرنسية في الشمال القسنطيني قد قتلت ثلاثمائة متمرد، وأسرت ثلاثمائة وسبعة وأربعين، في حين قتل من أفرادها تسعة وسبعون وجرح تسعة وأربعون، وقتل من المدنيين الفرنسيين مائة وتسعة وعشرون وجرح مائة وتسعة وأربعون (٢).
وبتعبير أسهل، فإن الخسائر الفرنسية قد بلغت، إلى غاية التاريخ المذكور أعلاه، ثلثي الخسائر الجزائرية، وأنها لنتيجة جد مشجعة بالنسبة للثورة الفتيية التي لم تكن تطمح إلى مثل ما توصلت إليه.
ومن الممكن أن السيد سوستال قد انتبه إلى هذه الحقيقة، واعترف في قرارة نفسه بأن القتال لن يؤدي إلى النصر المنتظر، لأن الجماهير الجزائرية قد بدأت تتبنى الثورة. لأجل ذلك، فإنه رمى في الميدان بمحاولة خاصة أطلق عليها اسمه، وهي عبارة عن برنامج إصلاحي موجه إلى كافة ميادين الحياة، ويشتمل على عشر نقاط .. (٣)
стр. 271
إن هذه التحركات المخططة والمدعومة بنشاط سياسي مكثف قد جاءت بالنتائج المرتقبة، ففي خلال السداسي الأول من سنة ١٩٥٥، ارتفع عدد الأجناد الفرنسيين من حوالي أربعين ألفاً، قبل فاتح نوفمبر، إلى مايزيد عن مائة ألف، تدرب جزء كبير منهم في مدن وأرياف الهند الصينية، وزود السلاح الجوي بمجموعة من الطائرات المطاردة والطائرات العمودية والطائرات المقنبلة، كما أن سلاح المدفعية قد تلقى عدداً من المدرعات والمدافع الثقيلة والمصفحات المختلفة الأنواع، في حين تم تعزيز القوات البحرية العامة في الجزائر بوحدة من البوارج الحربية (١).
وإلى جانب الجهد العسكري الكبير نظمت السلطات الاستعمارية حملة دعائية واسعة لتمجيد المظليين وإرهاب الأهالي (٢).
ومن جهة أخرى، صدرت تعليمات برفع عدد المحتشدات والتجمعات، ونشطت الرقابة السياسية في ميداني الثقافة والإعلام، حيث صودرت مجموعة من الكتب لأنها تتعرض لحرب العصابات وحروب التحرير بصفة عامة، ومنعت من العرض بعض الأفلام الأمريكية مثل "قنطرة وادي كواى" و"الجنرال" وغيرهما مما له صلة بالمقاومة والكفاح المسلح.
رغم كل هذه الاحتياطات ومضاعفة الإمكانيات الحربية، ورغم مشاكل التسليح التي لاقتها جبهة التحرير الوطني في السنة الأولى، فإن الجنرال شاريار لم يتردد، فإن أحد تقاريره، عن القول إن (مايجري في الجزائر، حالياً، يمكن أن تكون له عواقب وخيمة، وعليه ينبغي، في نظره، ألا تنسى بأن التأني والضعف لا ينفعان في البلاد الإسلامية (٣).
стр. 272
وعندما قطعت الثورة نصف عام من حياتها، كتب المارشال جوان (١) إلى رئيس الحكومة الفرنسية السيد ايدكارفونر (٢) يحرضه على اتخاذ الإجراءات الصارمة. ومن جملة ماجاء في كتابه: إن الوضع في الجزائر خطير جداً، والمعلومات الأخيرة التي وصلتنا تنبئ بأننا نسير نحو انتفاضة معممة تحت لواء الجهاد، وذلك في سائر عمالة قسنطينة (٣).
إن هذا التشكي الصادر عن القادة الفرنسيين، العسكريين منهم والسياسيين، إنما يهدف إلى حمل الحكومة الفرنسية على الاستجابة، بدون مناقشة، لكل الطلبات المتعلقة برفع ميزانية الحرب وعدد المقاتلين، وبسن القوانين الجديدة التي من شأنها أن تساعد على خنق الثورة في مهدها.
ومع مرور الزمن، واتساع النشاط الثوري وافقت الحكومة الفرنسية على تطبيق مبدأ المسؤولية الجماعية وإعطاء التعويض المطلق للقادة العسكريين يفسرون ذلك المبدأ كيفما شاؤوا.
كل هذه التدابير التعسفية كان الهدف من اتخاذها الحد من روح المقاومة لدى الجماهير الشعبية وكذلك تسليط أنواع القمع على المناضلين الوطنيين قصد إبعادهم عن جبهة التحرير الوطني، ولكن النهاية كانت عكسية، اعترف بذلك، بعد استرجاع الاستقلال، كل الذين عالجوا تاريخ ثورة نوفمبر العظيمة.
* مواجهة الصعوبات الأولى:
ولئن كانت جبهة التحرير الوطني قد استفادت في مجال العدد من كل هذه التصرفات الاستعمارية، فإن جيش التحرير الوطني، في الواقع، لم يستفد كثيراً بسبب نقص الأسلحة والذخيرة كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، لأجل ذلك، فإن العمليات العسكرية وعمليات التمشيط المكثفة واستعمال العتاد الحربي وآلاف
стр. 273
الأجناد المجلوبة من فرنسا، كلها، قد شكلت مضايقة رهيبة، وخناقاً على الوحدات الأولى المكونة لجيش التحرير الوطني في الشرق الجزائري، وعلى وجه الخصوص في المنطقة الأولى (١) وجنوب المنطقة الثانية (٢).
وكان المسؤولون، في المنطقتين، يدركون جيداً ذلك الوضع القاسي، ويقدرون كل الصعوبات المتمثلة في تفوق العدو، عدداً وعدة، وفي عدم توفر الأسلحة والذخيرة لدى جيش التحرير الوطني، كما أنهم كانوا يعرفون أن الاستمرار على تلك الحالة يسيء إلى الثورة. وعليه صار لابد من إيجاد طريقة تمكن من فك الحصار المضروب على قمم الجبال والأرياف، ومن جعل القرى والمدن تشعر بأنها طرف أساسي في المعركة التي ينبغي أن تنتشر بسرعة وتتسع ليضطرب العدو، فتتمزق وحدته وتتشتت قوته الضاربة، وفكر الشهيد يوسف زيغود (٣) ومساعدوه المقربون طويلاً للوصول إلى حل ناجح، صار يسمى منذ ذلك التاريخ "انتفاضة العشرين يوليو سنة ١٩٥٥.
وقبل أن نسترسل في الحديث عن العشرين من يوليو، ينبغي أن نقول إن تركيز فرنسا على المنطقتين الأولى والثانية لم يكن يعني أن الثورة قد خبت نيرانها في المناطق الأخرى من البلاد. لكن المنطقة الأولى كان لها وضع خاص يتمثل فيما يلي:
١ - لقد كانت، قبل نوفمبر سنة ١٩٥٤، مأوى لمناضلي ومسؤولي المنظمة الخاصة الملاحقين من طرف السلطات الاستعمارية وبالتالي ميداناً للتدريبات العسكرية ومخزناً للأسلحة والذخائر التي تحصلت عليها مختلف أجهزة حركة الانتصار للحريات الديمقراطية من جميع الجهات وبجميع الوسائل.
٢ - إن مسؤولها الأول، الشهيد مصطفى بن بولعيد. كان معروفاً كمسؤول
стр. 274
في الأوساط السياسية، إذ كان، عشية الثورة، عضواً في اللجنة المركزية لحركة الانتصار للحريات الديمقراطية، ومن ثم، فإنه كان يحظى بثقة معظم المناضلين بما في ذلك أعضاء المنظمة الخاصة للمتواجدين هناك.
وبالإضافة إلى شهرته السياسية، فإن مصطفى كان ثرياً ومن رجال الأعمال الناجحين، استطاع أن يوظف رؤوس أمواله في خدمة الجماهير الشعبية التي منحته، بالمقابل، حبها وثقتها.
هذان السببان، خاصة، قد ساعدا على انطلاق الأعمال الثورية بسرعة فائقة، ومكنا المسؤولين عن جبهة وجيش التحرير الوطني من العمل بحرية في أوساط الأهالي من سكان المدن والأرياف.
وإذا كانت المنطقة الثانية لم تعطِ قائداً له نفس وضع إمكانيات الشهيد ابن بولعيد، فإنها كانت تشتمل على عدد كبير من أعضاء المنظمة الخاصة (١) ومن مناضلي حركة الانتصار للحريات الديمقراطية المحنكين والمؤيدين للإسراع بالدخول في مرحلة الكفاح المسلح، لأجل ذلك فإن عملية الهيكلية وتنصيب الخلايا وتجنيد المجاهدين الأوائل لم تعترضها صعوبات كثيرة، الأمر الذي ساعد على إنجاز نسبة كبيرة من البرنامج الذي وضعته القيادة العليا بالنسبة للأشهر الأولى من الثورة.
فهذه الأوضاع الخاصة التي كانت للمنطقتين هي التي جعلت الثورة تكون فيهما قوية ومنتشرة، وفي نفس الوقت جعلت السلطات الاستعمارية تخصص معظم إمكانياتها المادية والعسكرية والسياسية لمحاربة جبهة التحرير الوطني هناك.
أما في المناطق الأخرى، فقد اهتمت القيادة، في الأشهر الأولى بتنظيم حملة شرح واسعة في أوساط مناضلي حركة الانتصار للحريات الديمقراطية الذين كانوا، في معظمهم، موالين للسيد مصالي في خلافه مع اللجنة المركزية؛ وفي نفس الأثناء كانت هيكلة جبهة التحرير الوطني تجري على جميع المستويات في حين كان التجنيد يتم ببطء نتيجة عدم وجود الأسلحة الكافية.
стр. 275
ولم تبدأ العمليات العسكرية في تلك المنطقة إلا في ربيع عام ١٩٥٥. وكانت في شكل كمائن تنصب أساساً للحصول على الأسلحة، وبالإضافة إلى ذلك كانت نشاطات جيش التحرير الوطني توجه لإعدام أعوان الشرطة وحراس الغابات، و"القياد" وغيرهم من دعائم السلطات الاستعمارية، وكلما أعدم خائن استفاد مجاهد من سلاحه.
وإلى جانب هذه العمليات العسكرية البسيطة، كان على جيش التحرير الوطني في المنطقة الثالثة، أن يجابه المجموعات المسلحة التابعة للحركة الوطنية الجزائرية.
أما المنطقة الرابعة، فإنها كانت أسوأ حظاً، لأن السلطات الاستعمارية التي كانت تتابع تحركات مناضلي حركة الانتصار للحريات الديمقراطية قد تمكنت، في خلال الشهر الأول، من إلقاء القبض على أغلبية العناصر الذين بدأوا مع السيد بيطاط بما في ذلك نوابه في العاصمة. وبيطاط نفسه سيقع أسيراً في منتصف شهر فبراير ١٩٥٥.
ونتيجة لذلك النجاح الذي حققته مصالح الأمن الفرنسية، فإن المنطقة الرابعة كادت تختنق بعد حوالي سبعين يوماً فقط من اندلاع الثورة ويعود الفضل في بقائها وانتعاشها إلى ابن المهيدي والعقيد واعمران (١)، الذي تمكن، رغم كل العراقيل، من إعادة تنظيم الهياكل ثم ساعدته الظروف على اختيار الرجال الأكفاء الذين عرفوا كيف يندمجون بسرعة وكيف يسيطرون على الأوضاع بعد أن كادت تفلت من جبهة التحرير الوطني لفائدة العدو.
ومن جملة الإطارات البارزة تجدر الإشارة إلى عبان رمضان (٢) الذي خرج من السجن في النصف من شهر فبراير، ووضع نفسه تحت تصرف جبهة التحرير الوطني. مع العلم أنه من مسؤولي حركة الانتصار للحريات
стр. 276
الديمقراطية: قاد ولاية بجاية ثم ولاية عنابة إلى غاية سنة ١٩٥٠ عندما ألقي عليه القبض وحكم عليه بالحبس لمدة خمس سنوات.
وبسرعة كبيرة، وبفضل تكوينه السياسي والإيديولوجي ومستواه الثقافي، استطاع أن يحتل الصدارة أمام مسؤول العقيد واعمران، وحتى أمام قائد المنطقة الثالثة كريم بلقاسم الذي كان يأتي إلى العاصمة يأخذ رأيه حول القضايا السياسية.
وأول عمل قام به السيد عبان رمضان هو صياغة بيان مطول يحمل تاريخ فاتح من ابريل سنة ١٩٥٥ وموجه إلى الشعب الجزائري، جاء فيه على الخصوص:
"إن السلطات العسكرية الفرنسية تبذل كل مافي وسعها لإخفاء الحقيقة، فمثلاً، عندما تنصب قواتنا كميناً لسيارة مصفحة، ويصيب سائقها الهلع فيلقي بمركوبه إلى حيث لا رجعة، فإن الصحافة الاستعمارية تكتب عن حادث تنسب سببه إلى الجليد".
"أيها الشعب الجزائري، بعدأن حققت نجاحات كثيرة، لا ينبغي أن يخفى عليك بأن المهمة الباقية مهمة جبارة. لأجل ذلك، فإن جيش التحرير الوطني يدعوك لتساعده وتمد له يد المعونة في جميع الميادين ... إن النصر مرهون بما يقدمه كل الجزائريين من مساهمة إلى جانب قواتنا المحاربة والعازمة على مواصلة المعركة إلى أن تنتصر القضية الجزائرية".
"أيها الجزائريون، تعالوا جميعاً لتعزيز صفوف جبهة التحرير الوطني. وتخلصوا من التردد، واتركوا الصمت .. وسعوا دائرة نشاطكم كل يوم أكثر حتى تتمكنوا من إرضاء ضمائركم ومن تسديد الدين الذي عليكم لبلدكم (١) ".
وقد استعمل عبان رمضان كل الإمكانيات المتوفرة لديه لسحب المنشور وتوزيعه على أكبر عدد ممكن من المواطنين. وفي نفس الوقت ضاعف اتصالاته بالشخصيات الجزائرية مركزاً على قادة التشكيلات السياسية.
وإذا كانت مجهودات المستشار السياسي للمنطقة الرابعة لم تسفر عن نتيجة تذكر في مجال التفاوض مع ممثلي الحزب الشيوعي والاتحاد الديمقراطي
стр. 277
وجمعية العلماء، فإن عملية التعبئة والتنظيم في أوساط مناضلي حركة الانتصار المحلولة قد قطعت خطوة عملاقة بعد يوم ١٣ مايو سنة ١٩٥٥ الذي أطلق فيه سراح أعضاء اللجنة المركزية الذين التحق معظمهم بجبهة التحرير الوطني في داخل البلاد وفي خارجها على حد سواء، ومن أبرز أولئك الأعضاء السيد ابن يوسف بن خدة (١) الذي سيلعب دوراً حاسماً في معركة الجزائر وعلى رأس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية فيما بعد.
*لكن التنظيم وحده لا يكفي ولا يكون ناجحاً إلا إذا توافر السلاح والمال، ولئن كان واعمران قد استطاع أن يحل المشكل الأخير بفضل حملة الاكتتاب التي نظمها في أوساط الصناعة والتجارة خاصة، فإن عبان، لمعالجة المشكل الأول، قد أرسل مبعوثاً إلى جنيف عن طريق باريس، ولم تسفر العملية عن أية إيجابية إذا استثنينا تأكيد قيادة المنظمة من ضرورة الاعتماد على النفس.
وبالفعل، لقد شرع في تكوين فرقتين مسلحتين، تتحرك إحداهما داخل حي بلكور وتكون تحت إشراف الشهيد ذبيح الشريف، وتتحرك الثانية في حي القصبة فتكون تحت إشراف السيد ياسف سعدي. ويتولى التوجيه السياسي مسؤول جهوي يأخذ تعليماته مباشرة من الشهيد عبان الذي يعمل بتنسيق مع العقيد واعمران، السيد بلقاسم كريم.
غير أن التنظيم العسكري، في العاصمة، لم يعرف أي نجاح يذكر في هذه السنة الأولى من الثورة، وذلك بسبب سيطرة المخابرات الاستعمارية وعدم وجود الإمكانيات المادية التي تسمح بالعمل الفوري.
وعلى العكس من ذلك، فإن التنظيم السياسي قد عرف تطوراً ملموساً: فأنشئ العديد من الخلايا، وتكاثرت المنشورات الداعية إلى عدم التعامل مع الإدارة الاستعمارية: "لأن غضب الثورة سينصب بلا شفقة ولا رحمة على كل مخالف للتعليمات" وتضاعفت الاتصالات مع قادة التشكيلات السياسية المقيمين بالعاصمة ومع معظم الجزائريين المنتخبين الذين قدم
стр. 278
عدد كبير منهم استقالته.
وبالنسبة للمنطقة الخامسة، فإن الأمر كان مغايراً تماماً، ذلك أن عمليات ليلة الفاتح من نوفمبر لم تكن ناجحة في معظمها، وتمكنت القوات الاستعمارية من إلحاق خسائر فادحة بتلك المجموعات الأولى من المجاهدين الذين كان يقودهم الشهيد العربي بن المهيدي. ومن جملة القتلى الأول من الثورة: الشهيد ابن عبد المالك رمضان النائب الأول لقائد المنطقة.
ولقد تأثر الشهيد ابن المهيدي بتلك النتائج السلبية التي عرفتها منطقته فحاول الاتصال بالعاصمة، تارة وبالمغرب الأقصى تارةأخرى، يبحث عن الأسلحة وعن أحسن الوسائل التي تمكنه من تجاوز المحنة.
وإذا كان مشكل الأسلحة سيظل قائماً طوال تلك السنة الأولى من الثورة تقريباً، فإن ابن المهيدي قد وجد في السيد عبد الحفيظ بو الصوف (١) نائباً توفرت فيه كل الشروط المطلوبة في القائد الناجح، لقد كان ذكياً متعلماً ومثقفاً، كما أنه كان رهيف الحس يتمتع بمقدرة كبيرة على فهم الآخرين وعلى ربط العلاقات الإنسانية اللازمة خاصة في مثل تلك الظروف.
ومن الجدير بالذكر، أن بوصوف استطاع، بفضل حركته وبفضل المجهودات الجبارة التي كان يبذلها في جميع الأوقات وبكل المناسبات، أن يعيد تنظيم المنطقة، ويوفر لها الوسائل والإمكانيات المادية والبشرية التي ستسمح لها بالانطلاقة من جديد بمناسبة العيد الأول لميلاد الثورة.
وعلى الرغم من أن المنطقة الخامسة قد قضت كل تلك السنة الأولى في التأهب والاستعداد، فإن السلطات الاستعمارية لم تسرح، وظلت تتابع، عن كثب تحركات المناضلين لعلها تتمكن من القضاء على الحركة قبل ميلادها. وفي هذا الإطار، أراد الوالي العام: السيد جاك سوستيل أن يفرض على مدينتي مغنية
стр. 279
وسبدو نفس حالة الطوارئ التي كانت مفروضة على الشرق الجزائري (١).ولتنظيم العمال الجزائريين في فرنسا، وإشراكهم في الكفاح المسلح، اتجه السيد محمد بوضياف إلى زوريخ حيث استدعى السيد مراد تربوش (٢) وزوده بالتعليمات اللازمة لبعث جبهة التحرير الوطني بفرنسا في مرحلة أولى وبأوربا في مرحلة ثانية.
ولقد كانت المهمة صعبة ومعقدة، خاصة وأن مصالي الحاج كان يسيطر، كلية، على كافة المناطق هناك، وأن مناضلي، حركة الانتصار للحريات الديمقراطية في فرنسا كانوا يقدسون الزعيم ولا يرضون بغيره بديلاً، كما أنهم أخبروا في تلك الأيام الأولى من نوفمبر بأن القيادة العليا للحزب هي التي أشعلت فتيل الثورة، ومن ثم لا يمكن أن يصدقوا ماقد يأتي به تربوش حتى لو كان من المسؤولين الموثوق بهم.
وعلى الرغم من كل الصعوبات، استطاع القائد الأول لفدرالية جبهة التحرير الوطني في فرنسا أن يجند مجموعة أولى من خمسة أشخاص، كان كل منهم مسؤولاً عن واحدة من قسمات حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، وأمرهم بالبدء، في تكوين الخلايا التي ينبغي أن يزيد عدد أعضائها عن الخمسة مناضلين، كما أمرهم بنسخ نداء الفاتح من نوفمبر وتعميمه وماكاد يحل شهر مايو سنة ١٩٥٥ حتى صارت جبهة التحرير الوطني تضم في صفوفها حوالي مائتي مناضل كلهم مستعدون للشروع في العمل الفدائي، لكن الحركة الوطنية الجزائرية كانت وماتزال متواجدة في معظم النواحي، لذلك قرر السيد محمد بوضياف الاستمرار في عملية الهيكلة. وحتى هذه الأخيرة، فإنها سوف تتعثر لأن مصالح الأمن الفرنسية ستلقي القبض على تربوش وبعض أعضاء اللجنة العاملين معه. تم ذلك يوم ٢٦ ماي من نفس السنة.
وفي القاهرة، فإن المندوبية، المكونة في بداية الأمر، من ثلاثة أشخاص (٣)
стр. 280
قد تدعمت بالتحاق السيد محمد يزيد (١) عضو اللجنة المركزية لحركة الانتصار
ومسؤول فدرالية فرنسا لنفس الحركة قبل اندلاع الثورة، ونظراً لثقافته الواسعة، وتكوينه السياسي وخبرته النضالية فإنه سيصبح واحداً من أعلام السياسة الخارجية لجبهة التحرير الوطني، ولا أظن أن رجال الإعلام الذين كانوا يمارسون المهنة في مستويات عالية، آنذاك مستعدون اليوم، لنسيان ما كان يمتاز به الرجل من ديناميكية وذكاء على استغلال الأحداث والظروف.
وكان حضور مؤتمر باندونغ أول انتصار دولي تحرزت عليه جبهة التحرير الوطني التي استطاع ممثلوها أن يتحركوا بحرية مطلقة ضمن وفد المغرب العربي الكبير، وأن يتمكنوا من إقناع أغلبية الوفود المشاركة بعدالة القضية الجزائرية. وقد تجسدت المجهودات المبذولة من طرف السيدين آيت أحمد ومحمد يزيد في تأكيد المؤتمر الأفرو آسيوي على تأييده لشعوب الجزائر والمغرب الأقصى وتونس في تقرير مصيرها وفي عملها من أجل حصولها على الاستقلال (٢). إن موقف مؤتمر باندونغ (٣) هذا قد فتح أبواب المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة أمام جبهة التحرير الوطني. لأجل ذلك صار على هذه الأخيرة أن تثبت وجود الثورة الشاملة، ولم يكن ثمة للقيام بذلك أفضل من انتفاضة العشرين أوت سنة ١٩٥٥.
* هجومات العشرين من أغسطس١٩٥٥
أهدافها ونتائجها:
والحديث عن انتفاضة العشرين أغسطس، بعد حوالي ثلاثين سنة، ليس بالموضوع السهل، خاصة وأن الذين هيأوا لها ونفذوها لم يتركوا لنا مذكراتهم، ولم يكتب الأحياء منهم، حتى الآن، ما يسمح بالحكم على صحة أو عدم صحة
стр. 281
ما ورد حول هذه المسألة في عشرات المؤلفات.
وعلى سبيل المثال، فإن السيد الستار هورن، في كتابه "تاريخ حرب الجزائر" يذكر بأن "أحداث عشرين أوت" كانت نتيجة اليأس القاتل الذي يسيطر على كل
من زيغود ومساعده الأول السيد لخضر بن طوبال (١) وكما سنرى فإن هذا الرأي لا يختلف كثيراً عن الذي جاء به السيد فرحات عباس الذي يضيف إلى اليأس، شعور الشهيد زيغود بالذنب والتقصير تجاه قائد المنطقة: الشهيد ديدوش مراد. أما الملازم أيف كوريار، فإنه، على غرار جرجي زيدان، يطلق العنان لخياله، فيسمع زيغود وهو يحدث أحد أعوانه "إن الخسارة ستكون مرتفعة، ولكن حتى إذا قضي على نصف السكان، فإن الثورة ستربح لأن الجزائر ستتحرك ... وعلى أية حال، فإن حال الثورة لن يكون (بعد الأحداث) أسوأ مما هو عليه الآن (٢).
في استطاعة أي قارئ أن يواصل تعداد الأمثلة وهي معظمها متقاربة. لكننا نتوقف عند رأي السيد إيدوارد باهر الذي يقول: (لقد كانت أحداث العشرين من آب تعبيراً عن الاحتفال بالذكرى الثانية لإلقاء القبض على سلطان المغرب الأقصى. وبينما شاهدت مدينة وادي زم، في البلد الأخير، تقتيل حوالي تسعين، أوربياً، فإن العملية قد أخذت نفس الحجم، تقريباً، في ناحية سكيكدة والعالية ....).
غير أن هناك شيئاً لابد من الإشارة إليه، وهو أن الصحافيين والدارسين والباحثين والهواة الذين تعرضوا في كتاباتهم إلى الانتفاضة قد اعتمدوا على ما سمعوه من أخبار ثم تولى كل واحد توجيهها كيفما شاء، وحسب الأغراض التي حددها لنفسه. ومعظم تلك الأخبار، حتى يومنا هذا متأتية عن مصادر استعمارية من جرائد ونشريات وتقارير أمن ودراسات ميدانية إلى غير ذلك من الوثائق التي أعدتها، في ذلك الحين، مختلف السلطات الفرنسية، أما محفوظات جبهة وجيش التحرير الوطني، فإنها قد ضاعت، ولم يبق منها الشهادات الحية وهي لم تستنطق بعد بطريقة علمية وجدية.
كثير من الكتاب يذكرون أن السيد لخضر بن طوبال وهو أساسي في هذا الموضوع، قد قال لهم كذا وكذا، أو أكد لهم هذه الحقيقة أو تلك، أو زودهم
стр. 282
بوثائق شخصية لم تنشر، في حين أن المعني بالأمر لم يقدم سوى شهادة واحدة (١)، ولم ينشر أي شيء في الموضوع.
إن المسؤولين الذين عاشوا تلك الفترة يجمعون على أن زيغود يوسف هو صاحب فكرة الانتفاضة، وعندما اختمرت في ذهنه نقلها إلى مساعديه الأقربين وفي مقدمتهم لخضر بن طوبال. ولقد كان زيغود من قدماء المنظمة الخاصة، ومن المناضلين البارزين في حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، لأجل ذلك، وعلى عكس من يزعم بأنه لم يكن يعرف مايمكن أن تنتهي إليه الانتفاضة من عواقب وخيمة، فإننا نستطيع التأكيد بأنه كان مقداراً لكل الاحتمالات.
فالمشرفون على المنظمة الخاصة كانوا يركزون على نظرية حرب العصابات، وعلى كل المناهج التي من شأنها تعبئة الجماهير وجعلها تتحمل مسؤولياتها كاملة. وفي هذا الإطار، كان يوسف زيغود يقول دائماً أن القمع الأعمى يولد القمع الأعمى، والعنف يدعو إلى العنف، وعلى هذا الأساس، فإذا تمكنت جبهة التحرير الوطني من إقناع السكان العزل بضرورة الانضمام إلى أفراد جيش التحرير الوطني في عملية هجومية ضد الاستعمار وقواته بجميع أنواعها، فإنها ستتسبب في رد فعل عنيف يقطع خط الرجعة على المترددين، ويوقظ الحس الوطني لدى عامة المواطنين.
ومهما يكن من أمر، فإن جميع المعلومات المختلفة من مصادرها المتعددة وإخضاعها للنقد والتحليل، يسمحان لنا بحصر أهداف انتفاضة العشرين آب فيما يلي:
١ - مضاعفة عدد مراكز التوتر في أماكن كثيرة من المنطقة الثانية ليرفع الحصار المضروب على منطقة الأوراس التي كانت تعاني من عمليات التمشيط المبكرة آنذاك.
٢ - نقل الحرب الساخنة من الجبال والأرياف إلى المدن والقرى، وبذلك يتم ضرب عصفورين بحجر واحد. فمن جهة يخفف الضغط المفروض على الريف من أجل محاولة خنق التنظيم الثوري في مهده، ومن جهة أخرى ليتأكد الاستعمار من أن الثورة في كل مكان ولكي تتسع الهوة بين السلطات الاستعمارية والجزائريين الذين كانوا مايزالون مترددين.
стр. 283
٣ - إقناع الرأي العام الفرنسي والرأي العام العالمي بأن الشعب الجزائري قد تبنى جبهة التحرير الوطني، وهو مستعد لمجابهة الرشاشات والدبابات حتى بالحجارة والفؤوس والعصي من أجل تحرير البلاد.
٤ - تدويل القضية الجزائرية، وذلك بحمل الجمعية العامة للأمم المتحدة على تسجيلها في جدول أعمال دورة ٥٥.
٥ - لتكون تلك الأحداث الدامية تعبيراً صادقاً عن تضامن الجماهير
الجزائرية مع الشعب المغربي الشقيق.
وبالفعل، فإن معظم هذه الأهداف قد تحقق، وعلى سبيل المثال، نذكر يقظة الحس الوطني لدى منتخبي الدرجة الثانية من الجزائريين الذين سيصدرون اللائحة المشهورة بعد حوالي شهر من وقوع الانتفاضة (١)، كما تشير إلى أن المجلس الوطني الفرنسي قد خصص، نتيجة لذلك، ثلاثة أيام في منتصف شهر أكتوبر للتداول حول القضية الجزائرية (٢). أما الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإنها بفضل موقف بلدان العالم الثالث، قد سجلت المسألة الجزائرية في جدول أعمال دورة سنة ١٩٥٥. وكان ذلك بأغلبية صوت واحد. واكتفى الوفد الفرنسي لدى الأمم المتحدة بالانسحاب (٣) بينما في الجزائر، صرح سوستيل: إن ماوقع في نيويورك أثمن من قافلة أسلحة توجه إلى جبهة التحرير الوطني (٤).
أما السيد فرحات عباس، فيرى أن ما أسماه بفظائع أوت هي نتيجة أزمة الضمير التي كان زيغود يجتازها في ذلك الوقت. وتتمثل الأزمة، حسب رأيه، في شعور قائد المنطقة الثانية بأن السبب في استشهاد ديدوش مراد إنما يرجع إلى الأخطاء التي ارتكبها هو، كدليل يعرف المنطقة وسمح للفرقة بأن تجتاز أرضاً مكشوفة (٥).
وبالإضافة إلى أزمة الضمير، يزعم عباس بأن أحداث العشرين من أغسطس سنة ١٩٥٥، كانت تقية اتخذها زيغود ليصفي حسابات قديمة مثل انتقامه من علاوة عباس الذي كان قبل الثورة قد انتصر في الانتخابات على
стр. 284
مرشح حركة الانتصار للحريات الديمقراطية (١).
وإذا استثنينا غلاة الاستعماريين الذين كتبوا عن انتفاضة العشرين أوت لتشويهها، وهم معذورون لأنهم في حالة الدفاع عن أنفسهم وتبرير جرائمهم، فإن عباس هو الوحيد الذي قلل من قيمتها مؤكداً بأن قيادة المنطقة الثانية كانت قصيرة النظر، ومشيراً إلى أن مؤتمر الصومام نفسه قد أدان الأحداث ولو كانت فيها فائدة لما فعل ذلك.
نحن نعتقد أن عباس عندما أصدر هذا الحكم، لم يكن قد أطلع على رأي السيد جاك سوستيل الذي قال بعد الأحداث بأسابيع: هناك تاريخان يفرضان نفسيهما على الذهن وهما: فاتح نوفمبر و٢٠ أغسطس وهذا الأخير أكثر لأن سلسلة الحوادث بعده قد تكاثرت وأخذت بعداً آخر (٢).
ويذكر المؤرخون جميعهم أن انتفاضة العشرين أغسطس وقعت عند منتصف النهار لكن واحداً منهم لم يحاول أن يصل إلى الدافع الذي جعل زيغود يختار تلك الساعة من النهار.
والحقيقة أنها كانت، يومها، هي وقت آذان صلاة الظهر، وأراد أن تمتزج الدعوة للصلاة بالدعوة إلى الجهاد، وهو ماحدث في أغلبية القرى والمدن.
وهناك أسباب أخرى من جملتها، مثلاً، كون منتصف النهار هو موعد وجبة الغذاء عند الأوروبيين المدنيين، لأن العسكريين يتغذون قبل ذلك بساعة كاملة أو نصف ساعة، ثم أن الوقت صيف، وبعد الظهر تشتد الحرارة، ومعظم أفراد الجيش الفرنسي غير معتادين على ذلك.
المهم أن الهجوم قد بدأ في الوقت المضبوط ولكن ليس في كل الجهات المحددة، بل يمكن الجزم أن الجهة التي كان يشرف عليها الشهيد زيغود مباشرة هي التي نفذت الخطة بكل دقة، لأجل ذلك وقع كل الثقل تقريباً على الشريط الممتد بين سكيكدة، القل وقسنطينة، شاملاً على الخصوص: مدينة سكيكدة وضواحيها، مدينة رمضان جمال حالياً مدينة صالح بوشعور، مدينة الحروش، مدينة مزاج الدشيش، مدينة سيدي مزغيش، مدينة ريغود يوسف حالياً، مدينة وادي زناتي، ثم مدن القل والميلية وقسنطينة والخروب.
ولقد كانت عمليات القمع وحشية، استهدفت كل المواطنين بدون تمييز وإن
стр. 285
وإن كان الاختيار يذهب، غالباً إلى الرجال والشباب، واختلفت الجهات في تقدير عدد القتلى، فالمصادر الفرنسية تحدثت عن حوالي ألف وخمسمائة شخص من بينهم حوالي مائة وعشرين أوربياً.
أما جبهة التحرير الوطني فنشرت، يومها، أسماء وعناوين اثني عشر ألف قتيل وقتيلة. ونحن نعتقد أن شهداء الانتفاضة كانوا أكثر بكثير، نستدل على ذلك بشهادة جندي فرنسي ذكره السيد هورن في كتابه (١) يقول ذلك الجندي الذي يتحدث عن مدينة سكيكدة.
"إننا شرعنا نطلق الرصاص على الجميع بدون تفريق وكان قادتنا يحددون الأوامر باستهداف كل العرب الذين نلقاهم وظللنا مدة ساعتين لا نسمع غير صوت الأسلحة الأوتوماتيكية تقذف النار على الجمهور بعد ذلك جاءت أوامر جديدة تقضي بجمع الأسرى، وفي الغد، على الساعة السادسة صباحاً، سطرت المدافع الرشاشة أمامهم ثم أطلق الرصاص. وبعد عشر دقائق انتهى كل شيء وكانت أعدادهم هائلة إلى درجة أن دفنهم استوجب استعمال الجرافة.
ومهما كان عدد الضحايا، فإنه يبقى قليلاً إذا قارناه بالنتيجة الإيجابية التي تم التوصل إليها. ولئن كان بعض الكتاب والمؤرخين يزعمون بأن عدداً من المسؤولين في المنطقة الرابعة، أمثال عبان ولبجاوي، قد استنكروا أحداث العشرين من أغسطس لأنها تسببت في مقتل أو عطب كثير من المدنيين، وإذا كان هناك من يذهب بالقول إلى أن مؤتمر وادي الصومام قد أدان العملية ووجه، بشأنها، توبيخاً إلى الشهيد زيغود يوسف، فإن الواقع لا يصدق كل هذه الادعاءات لسبب بسيط وهو أن محفوظات الثورة لا تذكر ذلك، بل أن جميع الوثائق المتوفرة لدينا، حتى الآن تمجد الانتفاضة وتعتبرها بعثاً جديداً ومنعرجاً تاريخياً حاسماً في حياة الثورة (٢).
وليس ما أوردته مجرد ادعاء، كما أنه لا تأثير فيه، لا للعاطفة ولا للمغالاة، لأن أحداث العشرين من أغسطس هي التي فرضت على صحافة العالم كله أن تخصص أعمدة كاملة تحت عناوين كبيرة للقضية الجزائرية بمفهوم جديد غير الذي