← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 123663

عدة المريد الصادق

زروق

Полный текст (312 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ومن الخلق أن ينفعوك أو يضروك، وقال (ض): من طلب الحمد من الناس بترك الأخذ من الناس، فإنما يعبد نفسه والناس، وليس من الله في شيء، وقال أيضا: لأن يغنيك الله عن الدنيا خير لك من أن يغنيك بها، فوالله ما استغنى بها أحد قط، وكيف يستغنى بها بعد قوله تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ (١). وقال: كل شهوة تدعوك إلى الرغبة في مثلها، فهي عدة الشيطان وسلاحه، وكل شهوة تدعوك إلى طاعة الله والرغبة في سبيل الخيرات، فهي محمودة، وقال (ض): أشقى الناس من يحب أن يعامله الناس بكل ما يريد، وهو لا يجد من نفسه بعض ما يريد، فطالب نفسك بإكرامهم، ولا تطالبهم بإكرامهم لك، ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾ (٢). وقال (ض): أوصاني أستاذي ﵀ فقال: الله الله والناس، نزه لسانك عنهم، وقلبك عن التماثيل من قبلهم، وعليك بحفظ الجوارح وأداء الفرائض، وقد تمت ولاية الله عندك، فلا تذكرهم إلا بواجب حق الله عليك، وقد تم ورعك، وقل: اللهم أرحني من ذكرهم، ومن العوارض من قبلهم، ونجني من شرهم، واغنني بخيرك عن خيرهم، وتولني بالخصوصية من بينهم، إنك على كل شيء قدير انتهى، وهو عجيب، وكذا كل ما قبله، وهي جملة جامعة لوجوه الآداب وأصول التحقق في رفع الهمة، فتمسك بها حتى يأتيك الفتح من الله مجردا عن الوسائط، أو بواسطة ولي من أوليائه، وهو أتم لمن قضي له به، وبالله سبحانه التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ...

стр. 177

٥٣ - فصل فيما يستعان به على سلوك طريق الجادة من العلوم والقواعد والكتب المفيدة اعلم أن أصول القوم دائرة على قواعد أربع: أحدها: اتباع السنة بالأدب، وهي داخلة في العقود والقصود والأقوال والأفعال، والظواهر والبواطن، وتحقيق ذلك من كتب التوحيد بتحرير الاعتقاد وتأييده، وكتب الفقه بتحقيق المناط وتحريره، وذلك مبثوث في كتب المحاسبي، ومدخل ابن الحاج، ومن جرى مجراهما من الأئمة. الثاني: شهود المنة باستصحاب الشكر، ويجري ذلك في الجلب والدفع دينا ودنيا، علما وعملا وحالا، وعليه مدار طريق الشاذلية، وتحريرها في كتب ابن عطاء الله، وزبدتها في رسائل ابن عباد وشرحه، وما جرى مجرى ذلك. الثالث: الإعراض عن الخلق وعن كل شيء منهم، حتى عن نفسك التي بين جنبيك، وذلك مبثوث في كتاب (منهاج العابدين)، و (بداية الهداية) (١) بوجه يجمع الظاهر والباطن في ذلك، ولابن عطاء الله إلمام به من حيث الباطن، والله أعلم. الرابع إفراد الوجه لله سبحانه، وهو مقصود كل قوم بما أرادوه من طريقهم، لكن دخول الشاذلية فيه بأول قدم، وعليه دار كلامهم، قياما بقوله (ص): "واعبد الله كأنك تراه" (٢) كما عمل غيرهم على أنه يراك والكل في بيان (٣) الحق بالصدق، والله أعلم. وقد أشبع في ذلك ابن عطاء الله (ض)، ونقح وهذب وحرر المقصود

стр. 178

منه، لا سيما في كتابه (التنوير في إسقاط التدبير)، فإن فيه ما في كتب الصوفية المطولة والمختصرة، مع زيادة البيان واختصار الألفاظ، والمسلك الذي سلك فيه مسلك توحيد لا يمكن لأحد إنكاره ولا الطعن فيه، ولا يدعى للمتصف به صفة حميدة إلا أكسبه إياها، ولا صفة ذميمة إلا أزالها عنه وطهره منها، كذا قال سيدي أبو عبد الله محمد بن عباد ﵀ في رسائله، وصدق (ض)، وقال في (التنبيه) (١): تحصيله متعين على كل مريد نجيب، وقال (٢) في (فصول السلمي (٣) في عيوب النفس): صغير الجرم عظيم الفائدة والعلم أو كلاما هذا معناه، وأثنى على نصائح المحاسبي ثناء عظيما، ثم قال: وقد كان أوحد زمانه علما وعبادة، ونخبة أوانه ورعا وزهاده، سيدي الحاج أبو العباس أحمد بن عاشر رحمة الله عليه ورضوانه، يكثر من التحريض على مطالعة ذلك الكتاب، والعمل بما تضمنه من حق وصواب، قال: وأظنني سمعته ذات يوم يقول: لا يعمل بما فيه إلا ولي، أو كلاما هذا معناه، فليتخذ المريد مطالعته وردا، وليحرص على العمل بما تضمنه مستعينا بالله تعالى، وسائلا منه توفيقا ورشدا، لينصح لمولاه في مراعاة إصلاح باطنه، والقيام على قدم الصدق في مواطنه، وليجعل هجيراه مطالعة كتب التصوف، وموالاة أهله بالتألف والتعرف، فبذلك تتقوى أنوار إيمانه ويقينه، وتنتفى عنه العزة في العمل بوظائف دينه، ولا يقدم على ذلك إلا فرض العين وما يستجم به نفسه من التعب والأين، ولا يشغل نفسه بعلم يغير في وجه مقصوده، ويوجب له انتكاث مواثقه وعهوده، وهو ما أكب الناس عليه اليوم، وحادوا به عن سنن القوم، حتى تطرق لهم بذلك من رذائل الصفات، وعظائم الآفات، ما أصارهم إلى الهلاك والشقاء، وأعقبهم النفاق في قلوبهم إلى يوم اللقاء، وسجل عليهم بالكذب في دعواهم أنهم قاصدون بذلك رضى مولاهم، فإياك وإياهم.

стр. 179

لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي قلت: وما وصفه من العلوم الناقصة المنقصة يدخل فيه الاشتغال بدقائق علوم القوم، من حيث ما يقصر به، لا من حيث هو. وقد قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض) من لم يتغلغل (١) في هذه العلوم مات مصرا على الكبائر وهو لا يعلم، يعني: علوم القوم الدالة على الآداب والمعاملات، والله أعلم. وقال: كتاب الأحياء يورثك العلم، وكتاب قوت القلوب يورثك النور. قلت: ولا ينتفع بهما إلا من له أصل من غيرهما يرجع إليه بهما، لاتساع موردهما وموقعهما، وبالله سبحانه التوفيق. ٥٤ - فصل في العلوم النورانية والظلمانية والمتشابهة وذلك بحسب القصد والفيض والهمة، ومقاصد العلوم ومراصدها، فكل علم خبث قصده، وخبث القصد به، فهو ظلمة، وكل علم حسن القصد به، وقصده فهو نور، وكل علم حسن قصده، وخبث القصد به، كان ظلمة بوجه قصده، نورا بعين مقصوده، فلذلك قال الحسن (٢) (ض): ما قصد هذا العلم أحد إلا كان حظه منه ما أراده، وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض): العلوم على القلوب كالدراهم والدنانير في الأيدي، إن شاء الله نفعك بها، وإن شاء ضرك معها، قال رسول الله (ص): "والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها" (٣).

стр. 180

وسئل الجنيد (ض) عن العلم النافع فقال: هو أن تعرف ربك ولا تعدو قدرك، قال في (التنوير): والعلم النافع، هو الذي يستعان به على طاعة الله، ويلزمك المخافة من الله، والوقوف على حدود الله، وهو علم المعرفة بالله، ويشمل ذلك العلم بالله والعلم بما به أمر الله، إذا كان تعلمه لله، وقال في موضوع آخر: الذي يطلب العلم لله إذا قيل له: غدا تموت، لا يضع الكتاب من يده. قلت: وذلك لقيامه بحق وقته، وخلوه عن الفضول حتى لا يرى أفضل مما هو فيه، فاختار أن يلقى الله عليه، والله أعلم. والعلوم المعينة على تنوير القلب أربعة: أولها: علم التوحيد والإيمان، وأقل ما يجزئ منه عقيدة مجردة عن البرهان، محررة في البيان، كترجمة العقيدة للإمام الغزالي (١)، وما جرى مجراها، وأوسطه ما في رسالته القدسية، وأعلاه معرفة أصول المذهب الحق وقواعده، وأضر ما فيه فرض الشبه والاشتغال بأنواع التأويل من غير احتجاج لذلك، لأنه مشتت للقلب، مشوش للذهن، موهن للإيمان، مضعف لحرمة الربوبية من القلب، إلا في حق كامل منتصر للشريعة بما أوتيه من العلم والبيان، فيقوم بذلك دفعا لأهل الاعتراض، ومداواة لذوي القلوب المرضى، لا لخلي سليم غير محتاج إليه، ولا قادر على القيام عليه، والله أعلم. الثاني: علم الفقه والأركان، وأقل ما يكفي فيه معرفة عقود الأبواب وشروطها، وأوسطه ما يتسع به النظر في الأحكام، وأعلاه ما تثبت به الحجة والمحجة من العلم، بالتوجيه والتنظير والدليل والتعليل، وأنواع التقسيم إلى غير ذلك، وأضر ما فيه التشدق (٢) في المجالس، وتشتيت،

стр. 181

الذهن بالخلافيات، واتساع التأويل في الحركات، ورؤية النفس بالتحصيل، مع مصاولة الأقران ومكائد الإخوان، والاشتغال بوجوه الهذيان، فتعلم مستمعا ساكتا، مقتصرا على محل الفائدة، متبرئا من الدعوى ورؤية النفس، تسلم من آفاته، وبالله التوفيق. الثالث: علم التصوف والأحوال، وفائدته تحقيق العبودية، والنظر في وجه تعظيم الربوبية، بإقامة الحقوق، والإعراض بالحق عن كل مخلوق، وأقل ما يجزئ فيه (بداية الهداية) للغزالي، وأوسطه منهاجه أو بعض كتب المحاسبي، وأعلاه كتب ابن عطاء الله ومن نحا نحوه، وأما كتب الحاتمي (١) وابن سبعين وابن الفارض (٢) وأبي العباس البوني (٣)، ومن جرى مجراهم، فلها رجال لهم في الحقائق مجال، وعندهم في التمييز مقال، فلا يشتغل بها في البداية إلا غوي، ولا في النهاية إلا خلي، ولا في التوسط إلا ذكي (٤) يأخذ بما بان رشده، ويسلم ما وراء ذلك، ليسلم من آفاته، وما هو إلا كما قال بعضهم في ترجمة من كتاب له: بحر طامس، يحتاج لبحري غاطس، وقد أولع به قوم فضلوا وأضلوا، وفارقوا العمل بما توهموه، فزلوا وربما ادعوا ما فهموه أو تنسموه حالا لأنفسهم، فافتضحوا بشواهد الأحوال، كما قيل: من تحلى بحلية ليست فيه ... فضحته شواهد الامتحان

стр. 182

أعاذنا الله من البلاء بمنه وكرمه. الرابع: علم الإيضاح والدلالة والبيان والتحقيق، ومداره على أربعة: العربية، لغة ونحوا وما يجري مجراها، والمراد بها ما يقع به الفهم والتفهيم على أتم الوجوم بأقرب ما تحصل به، فهي كالملح إن كثر ضر، وإن قل فسد الطعام بنقص لذته، بل عدمها، والله أعلم. والاصطلاحات الحديثية والفقهية وغيرها لا سيما اصطلاح الصوفية، فإنه مهم لغرابة ألفاظه، ودلالته على معانيه الواضحة المعروفة عندهم، التي من جهلها اعترض بالباطل، أو بقي جيده من التحقيق عاطلا، فمعرفة الاصطلاحات لازم بكل حال، والله أعلم. وفقه الحديث لتعرف مواقعه، وعلم التفسير كذلك، ولكل منهما ظاهر وباطن، وحد ومطلع، فالظاهر للنحاة والقراء، والباطن للمفسرين وأصحاب المعاني، والحد للفقهاء والعلماء، والمطلع للعارفين والأولياء، ولا تصح رتبة دون التي قبلها، والله أعلم. والعلوم التي حواها الكتاب والسنة في الجملة ثمانية: علم اللسان وهو العربية، وعلم الأديان وهو التوحيد، وعلم الأركان وهو الفقه، وعلم الأبدان وهو الطب، وعلم الحساب وهو التنجيم، وعلم السلطان وهو السياسة، وعلم الإخوان وهو علم المعاشرة، وعلم الجنان وهو التصوف، ولكل علم منها مشرب وحقيقة، وعلى المريد منها حظ في العبودية لا بد له منه، ونوع من الفتح على حسب ما أهل له، فاعرف ذلك، تجده إن شاء الله، وبالله التوفيق، وإذا علمت العلوم المنورة فقد بانت لك العلوم المكدرة، ولا يسع هذا المختصر أكثر من هذا، والسلام. ***

стр. 183

٥٥ - فصل في الاكتفاء بالكتب في سلوك الطريق وعدمه، وكذا المشيخة والتعلق بالأموات أما الاكتفاء بالكتب فقد وقعت في آخر المائة الثامنة بين فقراء (١) الأندلس فيها مشاجرة، حتى تضاربوا بالنعال، ثم كتبوا إلى البلاد واشتهرت مسألتهم، فأجاب فيها كل أحد على قدر نظره. فكان جواب سيدي أبي عبد الله بن عباد ﵀: إن ذلك باعتبار الأشخاص والأحوال، فشيخ التعليم تكفي عنه الكتب لمن له ذكاء وعقل، وشيخ التربية يكون واجبا في حق الغبي متأكدا في حق غيره، لأنه إن وصل بلا شيخ لم تفارقه رعونته وإن بلغ ما بلغ. وعند الإمام الغزالي في (المنهاج): قد يكون ذلك بلا شيخ ولكن الشيخ فاتح. وأجاب ابن خلدون (٢): بأن ذلك يختلف باختلاف المجاهدات، فمجاهده التقوى لا يحتاج فيها إلى شيخ، ووجوده أحسن، ومجاهدة الاستقامة يكون فيها آكد، ومجاهده الكشف أعني تجريد الحقيقة النفسانية لتمكين الحقيقة الإيمانية هو فيه واجب، لعدم العلم بهما، أو لما يطرأ فيهما من شبه ووقائع، وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، لأن التقوى معلومة والسنة مشهورة، وخبايا النفوس وتحف الحق غير معلومة ولا معروفة، ولا بد فيها من عالم يرجع إليه في معالمها، وأصله رجوعه (ص) في عرض ما أتحف به من مبادئ الوحي على ورقة (٣) (ض)، حيث كان عالما بذلك، والله أعلم.

стр. 184

وأما المشيخة فتكتفي بذي الطريقة السديدة في المقامين الأولين، لأن الثالث يحتاج إلى همة عالية، وحالة سامية، وذوق صحيح، وعلم واسع، ونظر دقيق، وإن كان المتشيخ على طريقة ناقصة، فإن كانت بينة الغي أو بقاؤه معه (١) مضرا بالعبد في دينه أو دنياه، بالاغترار به ونحوه، فيفارقه ويتبع الجادة، ويتمسك مما أمره به بما يوافق الحق، وإلا صحبه على ما هو عليه، وتحفظ منه، لأن تغيره عليه بعد تعلقه به يوجب ظهور أثر فيه بحكم سنة الله تعالى وإن كان كاذبا في حاله، ومن هذا الوجه ظهرت آثار على جماعة من المدعين في معتقديهم دون غيرهم، ولذلك أصل ليس هذا محل تقريره فنقتصر دونه، ثم المريد ينتفع بصدقه وإن كان الشيخ مخالفا، ما لم يتبعه في مخالفته، فيضل أعظم من ضلاله، فاعرف هذا الأمر حقه، فإنه مهم، واعتبره بقصة الخضير (س)، إذ لم يأمر موسى (س) بما يفعله، ولا شرط عليه (قبوله إن أمره به) (٢) بل شرط الصبر عليه وأنكر منه الإنكار لما التزمه من وجود الاصطبار، والله سبحانه أعلم. وقد نبه الغزالي على ذلك في (بداية الهداية) فانظره. وأما التمسك بالأموات فهو من قلة الاعتقاد في الأحياء، وذلك من نقص الهمة، اللهم إلا أن يكون ذلك على سبيل التعرض لنفحات الرحمة بالزيارة لطلب الزيادة، فمدد الميت أقوى من مدد الحي، لأنه في بساط الحق، ولأن التعلق به عري عن الأغراض والعوارض، من الاستئناس ونحوه، كما قال لنا شيخنا أبو العباس الحضرمي (ض)، وكرامة الله لأوليائه لا تنقطع بموتهم، بل ربما زادت كما هو معلوم في كثير منهم، وسيأتي هذا النوع إن شاء الله تعالى، والسلام. ...

стр. 185

٥٦ - فصل في أنواع المتعلقين بالمشايخ والمتشيخة وأنواع الطرق وذلك بحسب المتمسكين وهم ثلاث طوائف: أولها: طائفة المحبين، وحقهم وجود المحبة، لأن جزاء المحب أن يحب، ومن لوازم المحبة وجود الشفقة على كل حال، والإكرام بكل وجه، فيأمره بما يزكيه، وينهاه عما يؤذيه، ويوقيه مما يرديه، ويقيده بما ينفعه في دينه ودنياه، حسب إمكانه قياما بحق وده على قدره. الثانية: طائفة المنتسبين وحقهم وجود الاحترام، لأن حفظ الحرمة يقابل بكريم الخدمة، ولذلك أشار الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض) بقوله في حزبه الكبير: من قرأه فله ما لنا وعليه ما علينا، أي: له ما لنا من الحرمة، وعليه ما علينا من الرحمة، قاله ابن عباد ﵀. الثالثة: طائفة الصادقين، وحقهم وجود السياسة، وحفظ الرئاسة، والقيام بالنصيحة، والتحذير من كل شنيعة وفضيحة فيما لهم وعليهم، وهي المرتبة التي يحتاج فيها إلى تدقيق النظر وتحقيق المناط في جميع المواقف، لأن مطلب صاحبها الكمال، وكل ينال من الحق بنيته على قدر همته، فالمحب محبوب، والمنتسب محترم، والصادق مصان، ولن يجعل الله لأحد على وليه من فضيلة، بل يجازيه عليها ما هو أعظم على قدر حاله، فافهم. وحق الشيخ ومن يقوم مقامه أن يطالب كل أحد بما تقتضيه قواه، من غير زائد على ذلك، فالعامي بالتقوى، والفقيه بالاستقامة، والمريد بالصدق، والعارف بالورع، إذ عامي لا تقوى له فاجر، وفقيه لا استقامة له مقصر، ومريد لا صدق له متلاعب، وعارف لا ورع له ناقص، ومطالبة الشخص بخلاف ما تقتضيه قواه جور عليه، وللرجال في أوصاف النفوس ومعاملاتها مجال رحب، أحسنه النظر في حقائق النفوس، والعمل على مقتضى حالها، ولهم في ذلك ثلاث طرق:

стр. 186

الطريق الأول: طريق المغاربة، ومبناه على أوصاف النفوس المركبة فيها، وما أفسد حسنها وقوي سيئها، فإذا عرفوا ذلك قابلوه بما يصلح لإزالته أو إضعافه، وجريهم في ذلك على طريق أصحاب التدبير، مستندين لقوله (ص): ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)) (١)، الحديث، قالوا: فأصل النفوس كلها الطهارة والاستقامة، كما أن أصل المعادن الذهب والفضة، ودخلت على هذه أوصاف البشرية المناقضة للعبودية، فأفسدتها كما دخلت الكباريت على الأخرى فأفسدتها، فيحتاج إلى النظر في تمييز العيب، ثم العمل في إزالته بوجهه الخاص به على مراتبه وترتيبه. الطريق الثاني: طريق أهل اليمن، وهو أنهم يرون القلوب أراضي، فمنها ما يصلح للحرث، ومنها ما يصلح لاستجماع الماء، ومنها ما لا يصلح لشيء من ذلك، فيعاملون كلا بما يليق به، عملا بقوله (ص): ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرض)) (٢) الحديث، وبقوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾ (٣) الآية، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فيحتاجون إلى تمييز الصالح من غيره، وحينئذ يلقون فيه ما يليق به من البذور، ويعملون فيه بما ينميه ويصلحه. الطريق الثالث: طريق الأعجام، وهو أنهم يرون القلوب أواني، فينظرون لما ألقي فيها، فينمونه، لقوله (ص): ((القلوب أواني الله، فخيرها ما رق وصفا، وشرها ما غلظ وجفا)) (٤) الحديث، ولذلك كان مشايخهم

стр. 187

يختبرون المريد، فإن وجدوه خليا طردوه، وعلى ذلك حكايات المشايخ في قولهم: من لم يكن فيه كذا، أو لم يصبر على كذا، فالزموه السوق (١). وكان السهروردي رحمه الله تعالى، إذا جاءه المريد عرض عليه الأسماء الحسنى، فإن تأثر عند واحد منها سلكه به، وإلا أعاد عليه إلى الثلاث، فإن لم يتأثر صرفه عنه في الحال، لاعتقاده أن العمل فيه تعب بلا حاصل، ولكل طريق من هذه الطرق تفصيل نذكر بعضه الآن، وبالله التوفيق. ... ٥٧ - فصل في أنواع النفوس عند المغاربة وكيفية المعاملة فيها وذلك أنهم يرون غالب النفوس كالمعادن السبعة المطرقة، التي يدخلها الانفعال بما يلقى إليها، فتعود لأصلها. فالنفس الأولى: كالذهب في صفائها وخلوصها ونفعها وخاصيتها، وهي الخالية عن الشوائب والشواغب المحبوبة بالطبع، النافعة بمجرد الرؤية والصرف، لكنها ناقصة باعتبار ما فوقها، إذ لا تقلب عينا كالإكسير، ولا تقيم شيئا (٢) فتحتاج للرياضة حتى تتضاعف قواها، فتصير إكسيرا لا تقع على شيء إلا قلبت عينه، لما هي به أو لما يراد منه، وهذه رتبة الولي الذي إذا أراد أغنى، وإذا نظر نفع. الثانية: نفس كالفضة في النقاء والصفاء والخلوص، ولكنها غير متمكنة فيه، لخفة وزنها، ورقة عينها، وقلة زينها، ووجود انفعالها بالمخالطة، حتى ينقص خاصيتها، فتحتاج إلى ما ينقلها عن ذلك للرتبة التي

стр. 188

فوقها، بأن تصير جاذبة لما هي به كالإكسير، وكاملة كالذهب، لا تؤثر فيها العوارض ولا غيرها، وهذه رتبة العارف الذي إذا توجه نفع، ويصل إليها بالرياضة وصدق التوجه، والله أعلم. الثالثة: نفس كالحديد، صالحة للنفع والرفع، غير أنها مصحوبة بسواد الشهوات والمعاصي، وقساوة الغفلات والكبر، فتحتاج إلى التطهير حتى تصير خالصة، ثم إلى التليين حتى تصير منطبعة قابلة للخاصية الفضية، ثم الخاصية الذهبية، وهذه نفوس أكثر المغاربة من المصامدة ومن جرى مجراهم، إلا من حفظه الله، وقليل ما هم. الرابعة: نفس كالنحاس، وفيه ما في الذي قبله بزيادة النتن، وهي تزكية النفس ورؤيتها أهلا للكمالات، فتحتاج للتطهير بالتقوى، ثم للتليين بالتواضع والحضور، ثم للتنقية برؤية المنة لله سبحانه، وحينئذ يصلح لأن يكون فضة خالصة، أو ما يقرب منها، فافهم. الخامسة: نفس كالرصاص، وفيه السواد واللين والنتن، فسواده عيبه وذنبه، ولينه انقطاعه وميله، ونتنه رؤيته نفسه، فيحتاج للتنظيف (١) ثم للتقسية حتى لا ينطبع إلا بقدر الحاجة، ثم للتنقية حتى لا تبقى لنفسه رائحة، وهذا حال المخالطين للفقراء من الجند، فإذا انتقل صلح لأن يكون ذهبا أو فضة، وهو أبعد، والله أعلم. السادسة: نفس هي كالقصدير، وفيه سبع علل ظاهرة، وسبع علل باطنة، هي في غرضنا معاصي الجوارح السبعة، التي هي: العين والأذن والفم والبطن واليدان والرجلان والفرج، وأخلاق القلب السبعة، التي هي: الكبر والبخل والحد والحقد والحرص والطمع والهوى، فإذا خلا من هذه صفا ظاهره بالتقوى، وخلص باطنه بالإخلاص، فلم تبق فيه بقية لغير مولاه، بل صار فضة خالصة، لا شوب فيها بالحقيقة، فاعرف ذلك حقه.

стр. 189

السابعة: نفس كالزاوق (١) ظاهره أبيض وباطنه أسود، إن أردت ضبطه تفلت، وإن أردت جمعه تشتت، لا تكاد تطلبه في بساط الحق إلا وجدته، ولا في بساط الباطل إلا وجدته، وأصله السواد، وصورته البياض، وهذا حال أكثر من يخالط الفقراء، وينتمي إليهم في هذه الأزمنة ممن لهم ذكاء وفطنة، يقولون من قول خير البرية، ويمرقون كما يمرق السهم من الرمية (٢) كما ورد في الحديث، فهم أشكل الأنواع وأبعدهم من موارد الانتفاع، وأكثر ما يوجد هذا النوع في أولاد أولئك النوع ممن للناس عليه إقبال، فإياك وإياهم فإنهم يتعبونك ولا ينفعونك، بل لا ينتفعون منك إلا القليل عند المصادفة (٣) فاعرف ذلك. وأصل التدبير في ذلك كله بتلطيف النفوس بإصلاح التقوى، ثم تلطيف الأرواح بكباريت الاستقامة بعد تطهيرها من أوساخ البدع، ثم تلطيف الأجساد بأنواع التوجهات، وما هو إلا تهذيب، ثم تأديب، ثم تدريج ينتج وجود التقرب لكل من أهل له، وغير ما ذكر من النفوس لا عبرة به، فإهماله لازم وتركه واجب، لوجود الضرر به، ثم هذا الطريق مخطر لما فيه من الأطوار والأنواع والأخطار، وقل أن ينتج إلا مع صاحب همة وعزيمة، ويرحم الله من صنف في فن الأصل، فكان كلما ذكر المسألة قال: وعند اللقاء تبقى، ومبدأ هذا الطريق الموت، ومنتهاه الفوت، ونسماته من ريح الدبور، الذي هو أصل إهلاك قوم عاد، فهو طريق الإهلاك، فصاحبه لا يلتذ بالحق إلا من حيث استشعاره الاستهلاك فيه، فافهم. ...

стр. 190

٥٨ - فصل في بيان طريق العجم، وما لهم فيها من رسوخ قدم وزلل قدم والنفوس عندهم أواني، والأواني ثلاثة: الأولى: آنية خالية من الخير والشر، فهي تقبل ما يلقى فيها وإليها، قال ابن أبي زيد (ض): واعلم أن خير القلوب أوعاها للخير، وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه، ومعاملتهم في هذه النفس بتعميرها بالذكر والأدب مجردا عما سواه، ولذلك تشير طريق الفتحية في أصلها، بناء على أن نفوس المتوجهين خلية بأول التوجه، ولكن التعميم أخل بمتأخريهم مع أمور أخرى من الجهل، والله أعلم. الثانية: آنية عامرة بالخير، فهي لا تقبل غير ما فيها، إلا ما كان من نسبته فيلقون له على حسب حاله لتنمية همته، والزيادة في تربيته، تارة بالخلوة والذكر، وتارة بالجلوة والخدمة، فإن خير السلوك وأسهله ما أعانت عليه الطبيعة، وكانت الخفيفة منصبغة ببعضه، وإلى هذا يشير كثير من أصحاب الخلوات، فافهم. الثالثة: آنية عامرة بالخير والشر (معا، وهذ٥ التي يحتاج فيها للمعالجة القوية، فإن داعي الخير يحتاج إلى التثبيت) (١) وداعي الشر يحتاج إلى النفي، وهما في الشخص كالخلط النازل، والقوة الفاعلة، يتحرك الخلط فيقوى الألم، وتدفعه القوى فتظهر الصحة، فلا يتبين لصاحبه صحة ولا سقم، ومن هنا ألزموا مريدهم المشاق، وسلوك طريق الانتفاع والتجريد في عالم الأجسام والمعقول والمحسوس، وارتكبوا أهوال الجوع والسهر وكثرة الأعمال، كما درج عليه مشايخهم وشدد بعضهم في ذلك إلى ما علم من ربط نفسه بالحديد، وكي جسمه بالنار، إلى غير ذلك، مما هو جهل بالحقيقة، وضرر بالصورة، وصدق عند من لا علم عنده، وهو طريق لا

стр. 191

يصل صاحبه للحق إلا من حيث استشعار الاستهلاك (١) فيه، ولذلك قال بعض المشايخ في حق بعض من تقدمه منهم: لو أدرك أحدا من صبياننا لأسلم على يديه (٢). وقال الحسين (٣) بن المنصور: لما بلغه شأن الخواص وانقطاعه لتحقيق التوكل: أين هو من الفناء في الله، وقال الواسطي لأصحاب أبي عثمان ﵀ لما قالوا له: يأمرنا بالعمل ورؤية التقصير فيه -: أمركم بالمجوسية المحضة، هلا أمركم بالغيبة عنها بشهود منشيها ومجريها، أو كما قال، وتكلم عليه الإمام القشيري في ذلك كلاما حسنا، فانظره، وبالله التوفيق. ... ٥٩ - فصل في بيان طريقة أهل اليمن وما ظهر منها وما كمن والنفوس عندهم أراضي لا يصلح حرثها إلا بسابقة مطر هو التوفيق، فمن وجد عندهم منه نكثة ولو في بساط الظلمات اعتبروه، ومن لا أهملوه، فأي نفس رأوها قابلة للحرث حرثوا فيها ما تقبله بحسب قواها، فهم يربون العالم بالعلم، والعابد بالعمل، والمريد بالذكر، والصادق الساذج بالهمة، لا يخرجون أحدا عما أهلته له الحكمة الإلهية، بل يعينونه فيه، ويجعلون سلوكه منه ليكون أعون له على ما يريده، فإن من سار إلى الله بطبعه، كان الوصول أقرب إليه من طبعه، ومن سار إلى الله بالخروج عن طبعه، كان وصوله على قدر بعده من طبعه.

стр. 192

وقد عرف أن الفلاح العارف إذا وجد الأرض مشغولة بما لا منفعة فيه أزاله عنها (١) ثم حرث فيها ما فيه منفعة على حسب ما تقتضيه، فكذلك العارف من هذه الطائفة، يجرد النفوس عن شوك المحرمات، ثم يشق أرضها بوجود الصدق وأسباب الاعتقاد، حتى إذا تأهلت لبذر الذكر، ألقي فيها منه ما يصلح لها وتحمله قواها، وجعلوا الأمر عند الله فيما ينمي ذلك من مطر التوفيق والتنزلات الموهبية، غير أنهم يهيئون السواقي التي هي الأسباب الشرعية من العمل ونحوه، وينقون الحجر، واللفيف من الربيع والشوك ونحوه، مثل الرياء والعجب وما في معناه، خوفا من آفته، ثم لا تزال هممهم متعلقة بفضل الله وكرمه في توصيل المقصد والمراد على أتم الوجوه وأكملها، فلذلك كان طريقهم مصحوبا بالتنعم بالحق من أول قدم، لأنه لا تعريج لهم على غيره من أول الأمر إلى آخره، وذلك مقتضى الإيمان والحكمة، فلذلك قال (ص): ((الإيمان يمان والحكمة يمانية))، وهو أيضا طريق الرحمة والسهولة التي أشار لها ﵊ بقوله: ((إني لأجد نفس الرحمن من ناحية اليمن)) (٢)، يعنى تنفس الرحمة، وهو بساط النصر في قوله: ((نصرت بالصبا)) (٣) الحديث، فاعرف ما أنت فيه، ثم اسلك على منهاجه تبلغ مرادك في أقرب مدة إن صدقت وأهلت، وذلك بأن تنظر

стр. 193

في قواك، فما وجدته غالبا عليك من شهوة أو غضب أخذت في تقويته بالأذكار اللائقة به، والأعمال الموافقة له، والحركات المؤثرة له، ثم لا تزال كذلك حتى يبدو الأثر فيك، ثم يبدو عليك، ثم يبدو منك، وعلى هذه الطريقة يحوم الشيخ أبو العباس البوني ﵀ في كتبه، وأحسنها في ذلك (القبس) (١) وهو أخفها مؤنة، وقد عرف أن كل اسم فخاصيته من معناه، وتصريفه في مقتضاه، وسره في عدده، وتأثيره على قدر قول صاحبه، ونفوذه على قدر القيام بمناسبته من الشريعة، فاعرف ذلك، وسر به تجد الأمر كأنه طوع يدك. واعلم أن معاقل الطريق أربعة: أولها: موقف الانتباه، وأذكاره ما يقتضي التنصل (٢) من الاستغفار والاعتراف ونحوه. الثاني: موقف الدخول لبساط العبودية، ويناسبه ما ينعش الهمة، مثل ذكر سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، ونحو ذلك. الثالث: موقف التطلب والاستفادة، ويناسبه ما يقتضي ذلك، مثل الحي القيوم، فإن فيهما سر الحياة والقيام وما جرى مجراه. الرابع: موقف التحقق ويناسبه ما يقتضي الفناء والاستغراق، مثل العظيم والكبير وما في معناهما، ولهذه الإشارة شرح لا تقوم به السطور، ولا تحيط به الصدور، وله مناسبة في الأفعال، وتصريف من بساط الحكمة، دون قصد الأشخاص، وعليه مدار الخمس من الشرعيات والوجوديات، واجمع الهمة واصدق الطلب تدرك المراد بجملته، ولا تتبع أهواء الباطلين الذين لا عزم ولا همة ولا خدمة، حتى حذر الناصحون من طرائقهم في ذلك عموما، فقالوا: (باين البوني وأشكاله، ووافق خير

стр. 194

النساج (١) وأمثاله)، والبركة كلها في ألفاظ الشارع وأعماله وأقواله وتأديباته، وبالله التوفيق. ... ٦٠ - فصل في طريق الخدمة والهمة وحفظ الحرمة أما طريق الخدمة فهو طريق الجادة، وهو طريق أهل البدايات من المتوجهين بالأعمال، وغالب جريانه لمتفقه أو أصولي أو محدث أو من جرى مجراهم ممن له بالعلم إلمام، وهو أصلح الطرق لأهل البداية، وعوام أهل الحاضرة، وخصوصا المتصدرين في العلم والعمل والسياسة، لبيانه وإلف النفوس له، وقد تقدم تفصيله. (وأما طريق الهمة) (٢) فهي أسهل الطرق وأيسرها وأقربها وأبينها، ولكنه خاص لمخصوصين، والسلوك فيه على حسب التوجه من علم أو عمل أو حال، وجامع ذلك في التوجه في الحركات الواقعة، وعليه مدار كلام الشيخ ابن عباد، وهو طريق الأذكياء والظرفاء من أهل الحاضرة والأتقياء، وقد ذكر تفصيله في رسائله الصغرى، فلنأت بكلامه على وجهه، فإنه نور كله، فنقول: قال (ض): وصية يحتاج إليها كل مريد طالب للمزيد من العزيز الحميد. الحمد لله، من أراد الاستقامة على سبيل الحق في دينه، والتحصن من عدوه، والتخلص من وساوس النفوس وضيقها وتقلبها، والحصول على شرح الصدر، فليصحح مقام الأدب مع الله تعالى ظاهرا وباطنا في جميع أحواله، فذلك هو الشكر الموجب للمزيد، وينبني ذلك على أصلين: معرفته بعظمة ربه وكبريائه، واتصافه بالصفات العلية والنعوت القدسية، وعلمه

стр. 195

بخسة نفسه، وضعتها وعيوبها وآفاتها، فإذا أحاط علما بهذين الأصلين نظر إلى نفسه وإلى ما أجرى الحق تعالى عليه من الأفعال والأقوال، وما صرفه فيه من الأحوال، فسيرى حينئذ من لطف الله تعالى به ورحمته وعنايته وفضله ما لا مطمع لأحد في إدراكه وفهمه، فيوجب ذلك له محبة وحياء يحملانه على الشكر لله تعالى بشهود النعم منه وحسن الأدب معه، فإذا رأى نفسه على طاعة فرح بمنة الله تعالى عليه من غير استحقاق ولا وسيلة، وكم من شخص لم يعطها، وليستعمل حينئذ حسن الأدب في تحسينها ونفي الآفات عنها وإخلاصه فيها ربه ، فيكون حينئذ بهذه الرؤية والأدب أفضل ممن استغرق أوقاته في الطاعات وأنواع العبادات، مع فقدان ذلك، وكذلك إن رأى نفسه بحال نعمة، من صحة بدن ونيل رزق وإن قل، فليفرح بذلك ويشكر ربه عليه لعلمه أنه لا يستأهل ذلك ولا يليق به، ويستعمل حينئذ حسن الأدب في الاستعانة بها على طاعة الله ، ولا يستعملها في معصية، وكم من شخص مبتلى بمرض أو فقر يتمنى ذلك ولا يجده، وكذلك إذا ابتلي بفقر أو أصيب بمرض من مصائب الدنيا فليفرح بذلك، لأنه سلك به مسلك الأولياء والصالحين، وليفرح بمنة ربه في أن لم تكن أكثر من ذلك، كما ابتلي به طوائف من الناس، وليستعمل حسن الأدب في الصبر والرضى ونفي الجزع والشكوى، والدعاء إلى الله تعالى في سعة الرزق وكشف الضر وسؤال العافية في الدين والدنيا، وإن أمكنه السبب لاكتساب ما يغنيه والتطبب لبرئه، فيفعل ذلك فهو من حسن الأدب، وليشكر الله تعالى على تمكينه من ذلك وإذنه له فيه، وكذلك إن ابتلي بذنب أو غفلة أو سوء أدب فلا يغفل عن اللطف وخفي السنة بذلك، فقد يكون ذلك سببا لخوفه ونفي عجبه والتجائه ربه، كما ورد في الخبر في قوله (ص): ((لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك العجب)) (١) وكم نت شخص مرتكب للكبائر مستحل لها، فرح بها.

стр. 196

وليستعمل حينئذ حسن الأدب في المبادرة إلى التوبة وتذكر الخوف وكثرة الاستغفار والدعاء والبكاء، وكذلك إن كان على مذهب إمام من أهل الدين مجمع على إمامته وهو يجد في الحال من يأخذ عنه ممن تقف به من أهل الدين وقد أخذه عن شيوخه، وشيوخه عن شيوخهم إلى أن ينتهي إلى ذلك الإمام، فليفرح بذلك وليشكر الله عليه، وكم من شخص قد قلد مبتدعا أو ابتدع هو من تلقاء نفسه فهلك بذلك. وليستعمل حينئذ حسن الأدب معه في توقيره واتباعه في كل ورد وصدر، إلا إن رأى في اتباع غيره من الأئمة المجمع على إمامتهم ما يقتضي احتياطا، إن قوي عليه، أو يقتضي رخصة إن احتاج إليه، ولم يكن في مذهب إمامه إنكار على من فعل ذلك، فليفعله ولا يسقطه ذلك عن درجة الأدب، وكذلك إن ظفر بشيخ من شيوخ الصوفية، سالك سبيل السنة، فليفرح بذلك، وليشكر الله عليه، وكم من شخص لعبت به أيدي الضالين والمبتدعين، فهلك بذلك. وليستعمل حينئذ حسن الأدب في الانقياد له في أوامره وترك مخالفته، وأن لا يكتمه شيئا من أسراره وأن لا ينتقل عنه إلى غيره، وكذلك إن كان له صاحب أو أخ يسلم معه دينه، ويجد معه موافقته في دنياه، ويدخل في هذا الزوج والزوجة، فليفرح بذلك وليشكر الله عليه، (وكم من شخص مبتلى بصاحب يخسر معه دينه ودنياه، وليستعمل حينئذ حسن الأدب في القيام بحق صحبته، والوفاء بأخوته، وكذلك إن أقيم في سبب يجد منه كفايته وغناه عن الناس، فليفرح بذلك وليشكر الله عليه) (١) وكم من شخص مبتلى بالالتجاء إلى الناس أو عاجز عن التسبب غير راض ولا صابر، وليستعمل حينئذ حسن الأدب في نصح المسلمين بذلك، وترك الغش

стр. 197

والاجتناب لجميع مناهي الشرع التي يتعرض لها بسبب ذلك، وإن كان في عمل من أعمال البر كتعليم القرآن أو غيره فليحتسب مع ذلك ثوابه، وليترفق في تعليمه ما أمكنه، ولا يجفو على متعلم ولا يظلمه، وليراقب ربه في ذلك، وكذلك إن سمع بمثل هذه النصيحة أو رآها مكتوبة فليشكر ربه على ذلك وليفرح بها، وكم من شخص مصحوب بالغفلة والسهو، أو مستنصح لا يجد ناصحا، وليستعمل حينئذ حسن الأدب في أمثالها والوقوف على حدودها وبذلها لأهلها. وملاك ذلك كله صدق الافقار إلى الله تعالى والضراعة إليه في أن يوفقه لذلك ويعينه عليه، فمن أعطي ذلك فليفرح به وليشكر الله تعالى عليه، وكم من شخص مبتلى برؤية نفسه واعتماده على عقله وحدسه، وليستعمل حينئذ حسن الأدب في اتهام نفسه في تصحيح الافتقار والضراعة اللذين ذكرناهما، فهذا الذي ذكرناه من أوله إلى آخره داخل في معنى ما ورد به الخبر الصحيح من قوله (ص): ((انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم)) (١) وبالله التوفيق، انتهى من (الرسائل الصغرى). وقال في (الرسائل الكبرى): فانظر هذا الطريق ما أسهله وأحسنه وأقربه وأجله وأكمله، وكلاما هذا معناه، ثم قال بعد ذلك: إنما هذا لمن أهل له، وقال في موضع آخر منها: هو طريق الأحرار لا تقبله إلا نفوسهم ولا تسلك به إلا حقائقهم، وقال في موضع آخر: إنه الصراط المستقيم، استنباطا من قوله تعالى: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ (٢) ثم قال: ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ (٣) وقال: إنه أعلى الطرق وأسهلها، فانظر كلامه رحمة الله عليه، وبالله التوفيق. وأما طريق الحرمة فهو بحفظ الأدب مع المشايخ والإخوان وحفظ

стр. 198

حرمة الربوبية بالإيمان والتقوى وقوة اليقين، ولزوم الباب لكل وجه حسب الإمكان والتيسير دون مشقة، وهو لمن وجد شيخا كاملا يربيه بحفظ حرمته معه حتى تنصبغ نفسه بذلك، فتكون معاملته للحق بعد أتم من معاملته مع الشيخ، ونفرد لتفصيل هذه الجملة فصلا وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ... ٦١ - فصل في لوازم الفقير في نفسه ولوازمه في حق شيخه وحقه على الشيخ وحقه على الفقراء وحق الفقراء عليه على الجملة والتفصيل أما لوازمه في نفسه فهي أربعة: أولها: لزوم الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال، حتى يصير كله صدقا ظاهرا وباطنا، فلا تبقى له همة ولا إرادة ولا عزمة ولا قول ولا طريقة ولا حقيقة إلا دخلها من الصدق ما يحتاج إليه فيها، فيقلده الحق تعالى لذلك سيف الجلال والهيبة والتعظيم، كما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم ...﴾ (٢) الآية. قال شيخنا أبو العباس الحضرمي (ض): والصدق هو سيف الحق قلده الله أرباب الحقائق، ما وضع على شيء إلا قصمه، ولا تطيق الموجودات مقابلته ولا قوته، أعني مفاجأة الحق للعبد بما يحصل من الشهود والوجود الذي يحصل من الله لعبده، وهو تجل من التجليات، وهو نوع من تجلي الحق سبحانه، والله الموفق للصواب. الثاني: الانحياش إليه تعالى في جميع الأمور من عوارض وأغراض

стр. 199

وأسباب وأعراض ومحن وأمراض، بل جميع ما يحتاج إليه دفعا وجلبا مما قل وجل، وهو معنى قولنا حسبنا الله، أي: اكتفينا به عن كل مطلوب سواه بكل حال، ولذلك قال أبو علي الدقاق (ض): من علامة المعرفة ألا تطلب حوائجك كلها إلا من الله تعالى: قلت أو جلت، مثل موسى (س) اشتاق إلى الرؤية فقال: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ (١) واحتاج يوما إلى رغيف، فقال: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ (٢) انتهى. وثمرته الظفر بالمراد، قال الله تعالى في حق الذين قالوا: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم﴾ (٣) فاعرف ذلك وتأمله حقه تجد الكنز الأعظم، والإكسير الأكبر، والمسك الأذفر، والعنبر الأشهب في بابه، وبالله التوفيق. الثالث: الرضى عن الله في جميع الحالات، قياما بحق الأمر في التكليف، وبحق القهر في التعريف، وثمرته الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة لقوله تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ (٤) قال عبد الواحد بن زيد (٥) (ض): الرضى باب الله الأعظم، ومستراح العابدين، وجنة الدنيا، اتتهى وهو عجيب. الرابع: إفراد الوجه في التوجه باتباع السنة، وشهود المنة كما تقدم تفصيله، فانظره هناك، وبالله التوفيق. وأما لوازمه مع شيخه وحقه على الشيخ فأربعة تقابلها أربعة: أولها: حسن القبول لما يلقيه إليه من أمر المعروف، أو حسن

стр. 200

التخلص إن ألقى خلافه، حتى لا يعمل بمنكر ولا يستظهر بمخالفة، ويقابله كمال النصيحة، والاهتمام بالوارد والصادر من أحوالك عليه، لأنك مطروح بين يديه. الثاني: حفظ الحرمة في الشهادة والمغيب، بأن تخدمه ولا تبالي، وتعادي لأجله وتوالي، ويقابله بذل المجهود في تحصيل المنافع العينية والغيبية، بأن لا يدخر (١) عليك مالا ولا جاها، ولا حالا ولا همة ولا غير ذلك، ليكون لك كما أنك له، فيلحظك بهمته، ويعينك بدعوته، ويؤيدك بعزمته، ولا يدع منك عورة إلا سترها، ولا خلة إلا سدها، ولا حسنة إلا عدها، إلى غير ذلك فافهم. الثالث: حصر الأمر في جهته لكل مهم دنيا ودينا، فهو وسيلتك إلى الحضرة المحمدية، علما وعملا وحالا، وهي وسيلته إلى الله تعالى، فتمسك به بكلك، يكن لك بكله حتى يريح الحق تعالى خاطره من التهمم بك، بقضاء حاجته فيك، وهذا معنى قولنا: خاطرك، أي ليكن على بالك، لعل الحق ينظر إلى قلبك فيريحك منه، وكذا (كل) (٢) شيء لله إذا قصد به الطلب، والله أعلم. الرابع: أن تراعي أحواله معك فلا تتعدى أدبا في محله، والحالات أربعة؛ حالة يعاملك فيها بالأبوة (٣) من التأديب والتدريب والتهذيب، وحقك فيها الرضى والقبول، وحالة يعاملك فيها بالأخوة من النصح والمعاضدة، وهو مقام التوبة والتقوى، وحقه عليك الثبات على العهد ولزوم العمل بالقصد، وحالة يعاملك فيها بالأبوة من الذب عن عرضك ومالك ومروءتك

стр. 201

ونحو ذلك، وحقه عليك في ذلك السمع والطاعة، وحالة يعاملك فيها بالمشيخة من التربية والترقية، وحقه عليك فيها ألا تكتمه شيئا من سرك، ولا تخالفه في شيء من أمرك، لأن الطبيب لا يقابل بالنظر والقياس، والله أعلم. وأجمع ما في ذلك قول الشيخ أبي مدين (ض): وراقب الشيخ في أحواله فعسى ... يرى عليك من استحسانه أثرا وأما حقه على الفقراء وحقهم فإسقاط الحق والكلفة مع وجود المحاسنة والألفة، فقد قال (ص): ((اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق جسن ...)) (١) الحديث. فخض أولا بالتزام التقوى، ثم الاستدراك بالتوبة عند الوقوع، ثم بمعاملة الخلق بالحسنى، ومرجع ذلك لأن تعامل الخلق بما تحب أن تعامل به أو أوفى، وتحقيقه أن تقدر نفسك في محل من تريد معاملته وبالعكس، فكل ما تريد أن يعاملك به عامله بمثله من غير تفريط ولا إفراط، ومدار ذلك على ملك النفس عند الشهوة والغضب، حتى يقع العدل في كلا الحالتين، ففي الخبر: ((ثلاث منجيات وثلاث مهلكات وثلاث درجات وثلاث كفارات، فالمنجيات: خشية الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والمهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه ...)) (٢) الحديث، رواه أبو نعيم وغيره، وفي

стр. 202

الصحيح (١) قال (ص): ((المؤمن كيس فطن حذر، ثلثاه تغافل، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)) (٢). وقال ابن مسعود (ض): خالط الناس وزايلهم ودينك لا تكلمنه (٣) ويقال: الفقير مثل الأرض يطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح. وقد قال عيسى (س) للحواريين: بحق أقول لكم أين تنبت الحبة، قالوا: في الأرض، قال: فكذلك الحكمة لا تنبت إلا في قلب مثل الأرض. قال بعض المشايخ: طريقنا هذا لا يصلح إلا لأقوام كنست بأرواحهم المزابل (٤) انتهى، وهذا القدر كاف لمن وفق في باب المعاشرة، وبالله التوفيق. ...

стр. 203

٦٢ - فصل في اعتبار النسب بالجهات والأقطار وما يعرف به رجال كل بلد من الدلائل الخاصة والعامة، حسب ما هدى إليه الاستقراء ووصلت إليه الفراسة الحكيمة وهو أمر يحتاج إليه في تعريف الأصول ليعمل عليهم في الحذر طلبا للسلامة من الاغترار، وفي المعاملة خشية التضرر بالمخالفة، وليتق كل ما يغلب على بلده وجنسه من الأخلاق المذمومة، فينجو من شرها، ولا يقع فيها من حيث لا يعلم، وإن وقع فيها عرف أنه مخطئ، فلا يتوهم صوابه بمجرد هواه الذي يعينه عليه، وجود الإلف والطبيعة فافهم، وهو أمر أشار إليه الشارع (ص) بقوله فنجد (١): ((الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان)) (٢) وقال (ص): ((السكينة والوقار في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الخيل، والغلظة والجفاء في الفدادين، تباع أذناب الإبل والبقر)) (٣) وقال (ص): ((أسلم وغفار خير من

стр. 204

جهينة ومزينة)) (١) وفي حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، وكمل بالعابد، أن العالم قال له: اخرج من أرضك فإنها أرض سوء (٢) وتكلم أحمد بن حنبل وبشر (٣) في العراق بوجوه من الذم، وكذلك عبد الله، بن مسعود وغيره، وذكره الغزالي في كتاب المحبة في باب الرضى (٤)، منه فانظره، وهذا كله غير ضار، لأن مقصده التحذير، فلا يكون اشتغالا بالعيوب، وليس بغيبة، لعدم انحصار العين، إذ لا غيبة في غير محصور بفهم ولا نص، لاحتمال خروجها من العموم كما نص عليه الأئمة، والله أعلم. ثم نقول وبالله التوفيق، اعلم أن المغاربة تغلب عليهم الحقيقة (٥) دون الطريقة (٦)، في كل شيء، فطريقتهم في كل شيء تابعة للحقيقة غالبا، وأهل المشرق تغلب عليهم الطريقة في كل شيء، فحقيقتهم في كل شيء تابعة للطريقة غالبا، والطريقة تابعة للحقيقة أبدا لأنها نتيجتها، كما أن الحقيقة أصلها، بخلاف الطريقة، فإنها قد تكون مصحوبة بالحقيقة، وقد لا أعني من حيث صورتها، وإلا فمن حيث حقيقتها لا

стр. 205

تصح بدون حقيقة، لأنها شرط وجودها، وما وجد عريا عنها فليس بتمام في حكمه، وإن كان ظاهر صورته الكمال، فاعرف ذلك، والخارج من ذلك أن المغربي إذا ظهر بصورة حق لا يصح أن يشك في تحققه بها، ما لم يخالط المشارقة، فيتهم بما هم عليه، بخلاف المشرقي فافهم. وأهل الجنوب يغلب عليهم الخبط والاغترار وعدم التوقف في الأمور مع شيء من اللين وخفة العقل، وقلة التذكر، وإن كانت الحقيقة أمس بقلوبهم، فالطريقة التي هي الأدب، مفقودة منهم في الغالب، والله أعلم. وأهل الشمال يغلب عليهم التوقف والتنكر وقلة المكر مع الجفاء والغلظة وشدة البأس وسريان الحقيقة في الحركات على وزن يقارب الطباع، ويبعد من الانطباع، فلهم إلمام بالآداب على وجه قليل في الغالب، والله أعلم. ثم ما قرب من المغرب كان على وزنه في الوجه، وما قرب من المشرق له حكمه، ولذلك كان أهل المغرب الأقصى موسومين باستحقاق ما يعاملون به من لين أو غلظة، كما أشار إليه القرآن في قصة ذي القرنين، إذ قال تعالى: ﴿إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا﴾ (١). وقيل في أهل الأندلس: إنهم أهل حمق وتناصف، وفي أهل الجبال: أنهم أهل وبال، وأهل السواحل أهل لين وقلة دين، ويقال: المغربي كالجوزة، ظاهرها قاس وباطنها طيب، والإفريقي كالثمرة، ظاهرها لين وباطنها قاس، والمصري مثل حبة التين طيبها طيب، ولكن لا يدوم، وخبيثها لا يمكن جبره. فأما الحجاز واليمن وما في معناهما فأسلم الناس طباعا وأحسنهم حالا، لتوسطهم بين الجميع حكما وحكمة، ولذلك كان الإيمان يمان

стр. 206

والحكمة يمانية (١)، ومكة أم القرى والمدية قرية تأكل القرى (٢)، وهذا كله في العموم، وإلا ففي كل قطر سادات، وفي كل محل قادة يعرفون بالخروج عن رديء طبائع الجهة التي هم فيها، كالبخل وسوء الخلق عند أهل المغرب الأقصى في الجملة، وقلة الغيرة ورقة الديانة في أهل المشرق، ولهذه الجملة بسط ليس هذا محله، وبالله التوفيق. ... ٦٣ - فصل في آداب مهمة على الفقير يتعين عليه مراعاتها وأهمها غناه بربه على كل حال، وذلك بستر حاله عن أشكاله، فلتكن غيرة الفقير على فقره أكثر من غيرة الغني على غناه، فإن كان على التجريد فلا يأخذ بإشراف ولا تعريض ولا إلحاف، ولا يتعرض جهة إلا بثمنها، إلا في الأمر التافه، ولا يسامح نفسه في الترخص في الأخذ، ويحذر آفة الرد كما يحذر آفة الأخذ، وكل مريد مال لركوب الخيل ومواقف الرئاسة واللهو فهو مخدوع. وكذلك إن آثر المصالح العامة أو اشتغل بتغيير المنكر في العموم، حيث لا يجب عليه بوجه واضح لا ضرر فيه ولا إذاية للمسلمين، أو سره ميل القلوب إليه أو إقبال أصحاب المراتب عليه، أو أخذ بالفضائل الجمهورية المغيرة لقلوب الأمراء، والمشاركة لهم في مراتبهم كالجهاد ونحوه دون أمر منهم، أو مع عورات إخوانه أو تشوف الأخبار الغيبية دون ضرورة، أو تولع بالأراجيف والأخبار السلطانية واستجلاء الكلام فيها، أو عظم الأغنياء على الفقراء، أو احتقر أهل النسبة للطريق، أو رأى لنفسه رتبة

стр. 207

فيهم بغير شاهد من الحق ولا الحقيقة، أو آثر السماع على وجه الدوام، أو على وجه يتضمن محرما أو مكروها لا وجه له، أو خرج عن الأدب فيه ظاهرا أو باطنا مع علمه به، أو أحب أن يطلع الناس على حقيقة حاله مع الله أو يروه في صالح أعماله، أو آثر الحقيقة على الطريقة، أو فرق الطريقة من الحقيقة، أو أكثر الجمع (١) والاجتماع، لا لفائدة علمية، أو همة حالية، أو عزيمة عملية، أو رأى العمل ناقصا، أو العلم يكفي خالصا، أو حكى حكايات الرجال واتخذها حالا لنفسه، أو تشبع بحالة ذهبت عنه، وادعاها على الدوام، أو ظهر بما ينافي دعواه من خوارق الشريعة، أو اشتغل بأحوال الرجال ردا وقبولا، أو حكاية وتفضيلا، أو نظرا وتعليلا، أو مال للأحداث بلا سبب واضح، أو خالط النسوان والظلمة بأي وجه كان، من غير ضرورة ملجئة، أو أخذ برقيق العلم قبل كثيفة، أو بكثيفه دون رقيقه، أو عادى الفقهاء (٢) بعلة الانتساب، أو أحب المنكرين بعلة السماح، أو تصدر للتربية دون شيخ يأمره، أو إشارة إلهية تدله، أو اتبع كل من يراه من صادق أو غير صادق، أو أساء الظن بظاهر بالنسبة، أو اغتر به في حاله دون اختبار ولا تحقق لحاله، أو كثر المشايخ والأسفار من غير استفادة، أو جعل الزيارة (٣)، هجيراه، واتباع (٤)، الجهل وجعله وطنه، أو قدم الباطن على الظاهر، أو اكتفى بالظاهر عن الباطن، أو آثر من أحدهما ما لا يوافق عليه الآخر، أو اكتفى بالعلم عن العمل، أو بالعمل عن العلم، أو بالحال عن أحدهما أو عنهما، أو بهما عن الحال، أو الجميع عن التحقق، أو بالتحقق عن التمكين، أو بالكرامة عن الاستقامة، أو لم يرجع لأصل في استقامته، أو يعتمد على أستاذه دون همة ولا عمل سنة، أو يهمل أقوال العلماء في حاله، أو يشغل نفسه بالشفاعات، أو يتوسع في الدنيا بعلة الديانة، أو يستكثر من المباحات مع غناه عنها، أو يعاد وقته فيما يعارضه من خفاء أو

стр. 208

ظهور أو غيرهما، أو يسترسل مع ما يعرض له دون توقف ولا عمل بمقتضى الشرع والحقيقة فيه، أو تأثر بما ينقص فيه من دنياه، أو لم يبال بما فات من ديانته، ولو في باب المندوبات، أو تحامل على إخوانه في مال أو عرض أو غيره، بعلة طيب نفوسهم، لا بما يتوقعه (١) يكون واقعا بفعله، أو ذكر ذنوبه ولم يحققها بالبرهان على نفسه، أو ذكر نعم الله عليه ولم يقدرها تفصيلا في نفسه، أو نظر إلى الخلق فيما هم فيه، أو لما يجري عليهم من إقبال أو إدبار من حيث هم، أو استهان بمروءة نفسه لغير ضرورة واضحة، أو أشفق على نفسه فيما يتعين عليها، أو دخل فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا يغنيه، أو أراد أن يكون سالما في دينه واليا في الحكم وليا في الحكمة، أو ترك الأولى في أقواله وأفعاله اقتصارا منه على قدر الواجب، أو تعزز بطريق الله وتجاهي (٢) بها على من يناصيه أو يناديه، أو افتخر بكثرة الأتباع له أو لشيخه أو لطريقه، إلى غير ذلك مما هو نقص في الحال وعقوبة في المآل، أعاذنا الله من البلايا بمنه وكرمه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ... ٦٤ - فصل في الأسباب الموجبة لانقلاب المريد ورجوعه على عقبه وأصولها خمسة: أولها: حب الرئاسة والاستظهار بالخصائص، فإن أراد أن يطلع الله الناس على عمله فهو مراء، ومن أحب أن يطلع الناس على حاله، فهو كذاب، وعن قريب تزل قدمه في مهواة التلف. قال في الحكم: استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على

стр. 209

عدم صدقك في عبوديتك، وقال أيضا: متى أهمك عدم إقبال الناس عليك أو توجههم بالذم إليك، فارجع إلى علم الله فيك، فإن كان لا يقنعك علمه فيك، فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد ممن مصيبتك بوجود الأذى منهم، وقال بعض المشايخ: من أشار إلى الحق وتعلق بالخلق، أحوجه الله إليهم، ونزع الرحمة من قلوبهم عليه. وفيما كتب لنا الشيخ أبو العباس الحضرمي (ض): عش خامل الذكر بين الناس وارض به ... فذاك أسلم للدنيا وللدين من عاشر الناس لم تسلم ديانته ... ولم يزل بين تحريك وتسكين فإذا فرض المريد دفن النفس في أرض الخمول، وإيثار الأذى من كل شيء، حتى يأتيه من الحق في ذلك ما يغلبه بأن لا يقدر على دفعه، فليقم بواجب وقته، وحينئذ يقال له: من أراد الظهور فهو عبد الظهور، ومن أراد الخفاء فهو عبد الخفاء، وعبد الله، سواء عليه أظهره أو أخفاه، كما قاله الشيخ أبو العباس المرسي (ض). الثاني: حسن ظنه بنفسه فيما هو به، بحيث يظهر له أنه بلغ مبلغ الرجال أو ما يقرب منها، فيرى أن اختلاف الأحوال لا يؤثر (١) فيه، فيأخذ بالسماع والاجتماع والإكثار من المباحات والاتساع في الخلطة والانبساط في المباسطة، ويؤثر العلوم الدقيقة، فيستأنس بمواجيد ذلك كله، ظنا منه أنه فتح له، حتى يقع في إساءة الأدب، فيرد من حيث لا يعلم، وقد قال أبو حفص الحداد (ض): من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه فهو مغرور، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها، وكيف يصح لعاقل الرضى عن نفسه، والكريم ابن الكريم ابن الكريم يقول: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ (٢)، انتهى، وهو عجيب في بابه.

стр. 210

الثالث: الغفلة عن تفقد أحواله، ومحاسبة نفسه في جميع أموره، وذلك مفتاح سوء أدبه من حيث لا يشعر، بل حتى يظن أنه على شيء، وليس عنده شيء، وقد قال أبو حفص (ض): التصوف كله أدب، (ولكل وقت أدب، ولكل حال أدب) (١)، ولكل مقام أدب، فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال، ومن ضيع الأدب، فهو بعيد من حيث يظن القرب، ومردود من حيث يظن القبول انتهى، وهو تنبيه عظيم لا يقوم به إلا مراقب لكل شيء منه في جميع الأحوال، فافهم. الرابع: تعليق القلب بالاستفادة من الناس، بأن يشتغل بطلب الشيخ ويتعلق بمن يتوهم هذه المرتبة، فإن ذلك يقضي بوجود الاغترار بمن ظهرت عليه آثار نفسانية وشغل قلبه بالتشوف للجهات، فيتشتت مرة ويضل أخرى، وربما وقع في مهواة باغتراره، وفي فترة بطلبه، أو في وقفة بلقائه من ترضى حاله، (ولكن ليجعل همته في رضى مولاه، عالما أن رضاه في صدق التوجه إليه) (٢) ولا توجه إلا ما جاء عنه من أمر ونهي في باب الواجبات والندب وغيره، حتى يفتح له بشيخ من عنده، لأنه منحة منه تعالى كما تقدم، وقد ورد في الخبر: ((في كل واد من قلب ابن آدم شعبة، فمن تبع قلبه تلك الشعاب لم يبال الله في أي واد أهلكه)) (٣) الحديث، اللهم إلا أن ينزل به ما يحتاج للشيخ فيه، فيتعين طلبه لذلك، والله يعينه بفضله. الخامس: اتباع التأويل، وبساط الميل إلى الرخص، وتوق النفس، من ضيق التوجه وقلة الصبر على المجاهدة مع مبادئ التنوير، فلا يكاد يقع في شيء إلا رآه كمالا، أو يستدل له بدليل يظنه نورا وهو ظلمة، فيكون تارة من ﴿الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ (٤) وتارة

стр. 211

ممن ﴿زين له سوء عمله فرآه حسنا﴾ (١) وتارة: ممن ﴿اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾ (٢) وتارة: ممن ﴿اتبع هواه بغير هدى من الله﴾ (٣) ولا يزال به الأمر حتى ينتهي إلى حد الابتداع، ثم إلى حد الزندقة والكفر، كل ذلك من انتصاره لنفسه، وظنه الحق في موضع الباطل، وهو باب من الجهل كبير. قال في الحكم: من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه، فيقول: لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر، ولو لم يكن إلا منع المزيد، وقد تقام مقام البعد من حيث لا تدري، ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد. قال ابن خفيف (٤): استدامة الكد، وترك الراحة، وليس شيء أضر على المريد من مسامحة النفس في قبول الرخص والتأويلات، وقال يوسف (٥) بن الحسين (ض): إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص، فاعلم أنه لا يجيء منه شيء، وقال أبو إسحاق بن شيبان (٦): من أراد أن يتعطل

стр. 212

ويتبطل، فليلزم الرخص، قال ابن عباد ﵀: ويعني بالرخصة هاهنا كل ما كان مضادا لحال المريد من تناول الشهوات واللذات، والميل إلى المألوفات والمعتادات، والركون إلى الدعات والراحات، وارتكاب الشبهات والتأويلات، فإن حال المريد يقتضي مباينته لهذا كله، وإن كان بعض ذلك مباحا في رخصة الشرع لعامة الناس. انتهى، وفي كلامه تلفيف يحتاج إلى بيان معنى، وتحقيق وبسط وجه، وبالله التوفيق. ... ٦٥ - فصل في الرخصة والشهوة والشبهة والتأويل وحال المريد في ذلك ومعاملته فيه اعلم أن الناس ثلاثة: الأول: عارف يتصرف بالفناء على لسان العلم، ولا حديث لنا معه لكماله. الثاني: عامي يتصرف بالعلم على وجه إسقاط الحرج، ولا كلام لنا معه لأنه تابع للفقه. الثالث: مريد يتصرف بالعلم على بساط الحقيقة، فحقه أن يحفظ ظاهره من النقص، وباطنه من الغفلة، وذلك يقتضي استغراق حركاته فيما يرضي الله عنه، ولا يقدم على شيء إلا بنية، ليكون له من كل شيء أمنية، ويأخذ منه بالمحقق، ويدع المحتمل، ويأخذ من المحقق بما هو الأولى أبدا، وبحسب ذلك فهو يفارق ما فيه (مغمز ما) (١) وقد عرف أن الرخص والشهوات من ذلك في الجملة، لكن لها من حيث الشرع وجوه تكون فيها كمالا، فكل رخصة أجمع المسلمون أو جمهورهم على استحباب العمل

стр. 213

بها، أو قال بذلك فيها إمام المريد في ديانته، فهي نور وعليها تنزل قوله (ص): ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تترك عزائمه)) (١). مثال ذلك القصر في السفر، والترفق في العمل، والإفطار بدلا من صيام الدهر، ومباسطة الأهل، والكذب في الإصلاح بين الناس حيث يؤمن، إلى غير ذلك مما ندب إليه أو أبيح، غير مقيد بضرورة أو تقيد بمصلحة شاملة النفع في نظر الشارع، وكذا كل شهوة في طيها قربة، غير أنه ينبغي له أن يتثبت فيها، بأن لا يقدم عليها ابتداء دون تحقيق المناط فيها، مثاله أن تدعوه نفسه لأهله في النكاح، وتبدي له علة من خوفه على نفسه التشوف أو إعفافه أهله ونحو ذلك، فلا يجيبها بأول مرة، بل يتوقف إلى تحقيق ما تدعيه بوجه لا شك فيه، وكذلك إذا طلبته بتناول شهوة من مأكول ونحوه، فليعزلها عن الطلب والتشوف بالإياس حتى لا تعتاد ذلك. ثم إن جاءت من وجه مباح دون تسبب ولا تعريض ولا إشراف، فلا يتركها، لأن الشهوات لا تترك لذاتها، بل لما تؤدي إليه من الغفلة أو التحامل على ما لا ينبغي، أو الإغماض (٢) في خلاف الحق، أو تفويت مندوب بسببها، فلذلك تركها القوم لا لذاتها، ولذلك أشار الأثر المروي عن بعض الأنبياء: أن الله تعالى أوحى إليه حذر قومك الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني (٣) وقال (ص): ((المؤمن يأكل بشهوة أهله ...)) (٤) الحديث.

стр. 214

وقال في الحكم: المؤمن يشغله الثناء على الله عن أن يكون لنفسه شاكرا، وتشغله حقوق الله عن أن يكون لحظوظه ذاكرا انتهى، ومعناه أنه يذم ربه فيما ينعم عليه به فلا يتفرغ لثنائه على نفسه، لاشتغاله بحمد مولاه وشكره، ويذم حقه فيما يرومه من الحظوظ، فلا يدخلها إلا بأمر منه، فتكون عاملا له لا لحظه، والله أعلم. فإن قيل: كل مباح لا يخلو عن شهوة والعبد مضطر إليه. قلنا: الخلاص من ذلك بذم حق الله فيه، فما لم يكن الباعث عليه حق الله، فلا تقربه، ولذلك طلب من المريد أن لا يأكل إلا من فاقة، ولا ينام إلا من ضرورة، إلى غير ذلك، فافهم، ومتى تأخر ذم الوجه عن الواقع، فهو تأويل لا عبرة به، وضرره أكثر من نفعه، إلا أن يفيد استغفارا، أو تذكرا للمستقبل فلا بأس به، والفرار منه أحسن. ثم من الرخص والشهوات ما أجمع المسلمون على إباحته، أو قاربوا الإجماع، كالسلم والفطر في السفر، والسلف، وعدم البحث عما في الأسواق أحلال هو أم لا، ما لم يتعين أو تقوم شبهة فيه، والصلاة خلف أئمة الأمصار والقرى المعتبرة دون بحث، ورأوا أن البحث فيه من التنطع، وهو أيضا ممن حيز الرخص المحبوبة، لكونه من سماح الدين وسهولته الذي لا تطيب به إلا نفس مؤمن سليم الصدر، فإن الرخصة تحيك في صدر المشمر، كما تثقل العزيمة على المقصر، فلذلك قوبلت بها. وإنما الرخصة المذمومة عند القوم الرخصة المكروهة، كترك معتاد الفضائل والاسترسال في العاديات، أو التوسع في المباحات، أو الرجوع في المندوبات، أو الدخول في جلي الخلافيات، لا لضرورة فادحة، فإن توقى الشبهات لازم لكل مؤمن، فضلا عن المريدين، لكن شبهة الخلاف قل أن ترتفع عن مسألة في الفروع، لقلة مسائل الإجماع، لكن ما قويت شبهته أو كان الاحتياط يساعده لزمت مراعاته، وإلا فلا حرج في الدين، والخروج من الخلاف مستحب اتفاقا حسب الإمكان، واختلاف العلماء رحمة.

стр. 215

وقد كان بعض مشايخنا يقول: ليتنا لا نخرج من دائرة الفقه، بل ليتنا لا نخرج من دائرة الخلاف. وكان الشيخ أبو إسحاق الجبيناني (١) (ض)، يقول: اكتسب بالعلم، وكل بالورع، وهي نكتة عجيبة، يخرج بها من الضيق، ويدخل بها في الاحتياط، ثم شك بلا علامة وسوسة، والترجيح عند المعارضة أصل مطلوب، وسواء بالعلم، أو بالبصيرة عند فقد العلم، والرخصة المضطر إليها خارجة مما ذكرنا، لأنه لا ورع عند ضرورة، أصله إباحة الميتة بل وجوبها لمن خاف على نفسه التلف، وبالله سبحانه التوفيق. ... ٦٦ - فصل في التحصن مما ذكر من الآفات وإصلاح المختل بإدراك ما فات أما التحصن مما ذكر، فبأمور أربعة: أولها: إيثار الأولى في كل شيء، دينا ومروءة، فإن المريد إذا فارق الأولى وقع في دناءة أو زلة أو عيب أو علة، فكان مذموما عند الله، ممقوتا عند أبناء الدنيا، قريبا من كل آفة، بعيدا من السلامة، والله أعلم. الثاني: حفظه حرمة الربوبية، بالوفاء والعزم، والأخذ بالحزم، والوقوف على حد العلم، فإذا عقدت مع الله عقدا إياك أن تحله إلا أن يحله عليك الشرع بوجه لا خلاف فيه ولا تردد، وإذا عزمت مع الله تعالى في شيء فلا تتوقف حتى تمضيه، ولا تؤخر طاعة وقت لوقت فتعاقب بقوتها أو بقوت مثلها، ولا تقدم على أمر حتى تعلم حكم الله فيه جملة وتفصيلا، فإن من لم يحفظ الحرمة فقد أعان الشيطان على نفسه.
следующие страницы →