← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 123663

عدة المريد الصادق

زروق

Полный текст (312 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الخامس: أن ذكر الخواطر وحركات النفوس تؤديه إلى القنوط من بلوغ المراد، فتوجب له البعد عن التوجه لاتساع الحال عليه، وقد هجر ابن حنبل (ض) ذا النون (١) حتى مات، لتكلمه في الخواطر، قائلا: أحدث في الدين علما لم يكن فيه. السادس: أن في ذكر أحوال الرجال ووقائع الأكابر، غلق الباب على الضعفاء بحيث يصيرون لوزن أحوال الناس بذلك، فلا يعتقدون أحدا، وينظرون لأنفسهم فلا يمتدون مساغا، وإن توجهوا للطريق حملوا أنفسهم على ما لا يليق بهم من ذلك، وهذه أكبر وأعظم. السابع: أن ذكر الخواص والأذكار وفوائدها ومراصدها يقضي لهم بوجود التهافت عليها، لانطباع نفوسهم بالطمع والكسل (٢) فيكون ذلك سببا لهلاكهم دينا ودنيا، وقد مر الكلام على بعض ذلك قريبا، وبالله سبحانه التوفيق. ... ٨٣ - فصل في التجاسر على المراتب بادعائها مرة لنفسه ومرة لغيره ومرة فيما لا يصلح الدخول فيه مثل الكلام في مسألة الروح والنفس والعقل والقلب، من حيث حقائقها وتحقيق الحق فيها، وهل هي شيء واحد أو متعدد، وهو أمر بعيد عن إدراك التحقيق من طريق القياس والنظر، وإنما طريقه الخبر، ولا خبر، قال الله تعالى: ﴿ما أشهدتهم خلق أنثوت السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدأ﴾ (٣) قيل: إن هذه الآية ترد على أربع طوائف على

стр. 247

الترتيب: المنجمين والطبائعيين والمشرحين والفلاسفة المضلين. وكنت يوما مع بعض من له ذوق في ذلك، فأردنا الكلام فيه على الوجه الذي تكلم به صاحب النفخ والتسوية (١) وغيره، فسمعنا بعض الصالحين ينكث علينا بقوله تعالى: ﴿ستكتب شهادتهم ويسألون﴾ (٢) فكففنا ولم نتكلم في ذلك بعد، واذا كان سيد المرسلين الذي أوتي علم الأولين والآخرين لم يتكلم في ذلك، فكيف يتكلم فيه غيره، لا من طريق الحقيقة ولا من طريق الأدب، بل جاء في الخبر: ((أن اليهود قالوا: نسأله عن الروح، فإن أتى فيها بشيء فليس بنبي، فقال بعضهم: لا تفعلوا، فلعله يأتي بشيء تكرهونه، ثم سألوه، فأنزل الله تعالى: ﴿قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ (٣) فاشتد ذلك عليهم))، وقوله: ﴿من أمر ربي﴾، أي: ليس للقياس ولا للنظر فيها محل، بل هي من شأن الربوبية، لا ما يقوله بعض الناس، وأن عالم الأمر وراء العوالم، وذكر أمورا الله تعالى أعلم بها، وقد سمعت شيخنا أبا عبد الله القوري ﵀ غير مرة يقول: اختلف في حقيقة الروح على سبعمائة قول، وذلك دليل البعد عن العلم بحقيقتها، والله أعلم، لأن الحقيقة المعلومة لا يتناولها الخلاف لبيان أمرها، والبعيدة عن الإدراك يختلف فيها على قدر بعدها، لاتساع محتملاتها أو وجوهها، ومنه اختلافهم في معنى ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾ (٤) على خمسمائة قول، كذا سمعته أيضا من شيخنا (٥) القوري رحمة الله عليه. ...

стр. 248

٨٤ - فصل وأما ادعاء المراتب والمجاسرة عليها فمثل قولهم: بأنه في مرتبة كذا، وفلان بلغ إلى كذا، وترجمة مشايخهم ومعتقديهم بالقطبانية ونحوها، فلا تكاد ترى من له شيخ إلا يدعي له القطبانية، وربما قبلها الآخر منه وادعاها، وهي مصيبة عظيمة في ثلاثة أوجه: أحدها: التجاسر على مراتب الرجال وادعاؤها لمن لا يصلح أن يكون خديما في المراحيض، حتى لقد سمعت من بعض من تعلق بالفقراء من الجند، أن القطب هو السلطان العادل، ويقول: وهذا قد يحسن بوجه، قال: فإن كان ظالما فهو وتد أو قال: بدل، وهذه جسارة عظيمة نسأل الله العافية. الثاني: الكذب على الله والرجم بالغيب على غير حقيقة ولا دلالة واضحة، إذ قال أئمة الطريق: القطب معلوم غير معين، وهو واحد من القوم، قدم عليهم كالملك على رعيته، فيرجع إليه في المهمات، وثبوته كسائر المراتب المذكورة في أولياء العدد، غير مستندة لدليل واضح من علم الظاهر، ولا الحديث الصحيح (١) غير إجماع القوم على إثبات هذه المرتبة وتحقيقهم لها، وشهادة أحوالهم بالصدق والحق، وكذلك حياة الخضر ووجوده ولقاؤهم له، فخبرهم في ذلك مقبول للعدالة مع الاستفاضة، والله أعلم. الثالث: سقوط حرمة أولياء الله من قلوبهم، وهب أنهم اعتقدوا ذلك لأمور دلتهم عليه، فمن أين لهم الجزم بذلك، والشيء لا يعرف إلا بمثله، ولا يقاس إلا بما كان من شكله، ولا يعرف الأمثال إلا الأماثل، ولا يفهم المرتبة إلا من قاربها أو دخلها، بل قال سيدي أبو عبد الله القرشي (٢) (ض):

стр. 249

إنما يفهم عنك من أشرق فيه ما أشرق فيك، ثم من صاب غاب (١) ومن جد وجد، ومن عرف ما وصف، لوجود الغيرة المركبة في البشر عند الاطلاع على كل جميل، والانفراد به، ولكن الجهل ورؤية النفس بعين التعظيم هو الحامل على مثل هذه الأمور، إذ لا يرضى أحدهم بأن يكون منسوبا لأحد الأولياء، ولا يرضى الآخر في بلائه أن يكون كأحد الصالحين والفقراء (٢)، ويعضده في ذلك بعض المساعدات النفسانية والحركات الشيطانية، أو الحقائق الوجدانية، فيزيده وهمه ويبعده عن دائرة فهمه، وربما تكلم في ذلك من حيث الاستدلال بالشواهد، وهي لا تفي بالمقصود، وقد أدبنا رسول الله (ص) في ذلك بقوله: ((إذا مدح أحدكم أخاه فليقل: أحسبه، ولا أزكي على الله أحدا)) (٣)، وقال (ص): ((ثلاث منجيات، ... وذكر منها العدل في الرضى والغضب)) (٤)، الحديث، نعم، قد نثبت صلاح رجل بشواهد أحواله، كما نثبت إيمانه، ونحن في ذلك على حق، لاتساع رتبة الصلاح، ولقوله (ص) في ابن عمر: ((إن عبد الله رجل صالح)) (٥)، إلى غير ذلك، نعم، ونرى ولايته بشواهد أحواله أيضا، لوجود الدلالة مع اتساع الموقع، إذ نثبت بالولاية العامة: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ (٦)، وقد أثبت سعد (ض) إيمان الرجل عنده (ص)، وحلف على ذلك، فلم يرده (ص) إلا

стр. 250

بقوله: ((أو مسلم)) (١) ولو كان منكرا لنهاه عن اليمين (٢) والإثبات، فافهم. ٨٥ - فصل في التشبه وما يلحقه من الحركات وغيرها وقد قال (ص): ((من تشبه بقوم فهو منهم)) (٣) قال المشايخ ﵏، وكل تشبه لا يصحبه عمل فليس بتشبه، إنما هو تلبيس، بل من تمسك بطريق القوم وظهر بزيهم فهو متشبه، وإن لم يكن له في السلوك قدم، وقد أباح الله التزيي لدفع الشرور، فقال : ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا

стр. 251

يؤذين﴾ (١) فأخذ منه العلماء جواز المرقعة والعكاز (٢) والسبحة والمحفظة بالكتاب واللوح ونحو ذلك، لدفع الضرر في الأسفار ونحوها، لا لجلب فائدة ألبتة، فاعرف ذلك. وقد كان لأبي هريرة (ض) خيط ربط فيه خمسمائة عقدة يسبح فيه (٣) وأقر (ص) بعض الصحابيات على التسبيح في النوى (٤)، لكنه قد قال (ص).

стр. 252

((واعقدن بالأصابع، فإنهن مسؤولات مستنطقات ....)) (١) الحديث، وذكر للشيخ أبي يوسف الدهماني (٢) (ض) أن بعض تلامذته أخذه العرب، فقال: لم يكن معه شيء من حلية الفقراء؟ قالوا: لا، قال: ولا الشاشية؟، قالوا: ولا الشاشية، قال: المفرط أولى بالخسارة، لأن هذه الأسباب زرب الله، ومن دخلها كان في حصن الله، فيحترم من أجله، ومن لم يحترمه، فقد هتك حرمة الله فلا يفلح، ومن فرط فيها فقد أعان على نفسه، وروي عن سحنون مثل ذلك، وأنه ينبغي لساكن القيروان أن تكون له حلية في السفر خلاف ما في الحضر، وبالجملة، فاتقاء الشرور مطلوب، والتشبه بالصالحين محبوب، والتدليس لا عبرة به، وهو ما قصد للجلب أو لإظهار الصفة حتى يميز، وبالله التوفيق. ٨٦ - فصل في التبرك بالآثار آثار أهل الخير أحياء وميتين وزيارة مقابرهم ونحو ذلك، كالشرب من فضلة الرجل الصالح أو المعتقد، والتمسح بفضلة وضوئه، وأخذ شعره والتكفين في ثوبه، وأخذ اللقمة من يده، ودخول محله ولباس ثوبه والتمسح بريقه، والتبرك بما لمسه، كموضع جلس فيه، أو إناء شرب منه، أو حجر قعد عليه، أو لمسه بيده، أو تراب ونحوه. وهذا شيء قد اختلف (٣) الناس فيه بعد إجماعهم على التبرك

стр. 253

بآثار رسول الله (ص)، فمن قائل بمنع ذلك، لأنه لم يعمل به السلف، ومن قائل بجوازه، لأنه مما ثبت العمل به في حقه (ص)، ولم يأت عنه نهي فيه، والأصل التأسي حتى يأتي المخصص، وقد صح أن عمر (ض) استسقى بالعباس (١) وقال أكثر العلماء باستحباب التحنيك (٢) في الصبي، وقال (ص) للمرأة التي سألت عن القبلة (٣): ((ألا أخبرتيها أني أفعله)) (٤) فجعل فعله دليلا في باب الرخصة، كباب العزيمة، وهو نص ما ورد في حديث: ((إن أعلمكم بالله وأتقاكم أنا)) (٥) وقد يجاب عن عدم عمل السلف بذلك باكتفائهم برؤيته (ص)، وحسما للذريعة في دعوى النبوة، لتزلزل إيمان المنافقين، ولئلا يفتح لهم باب الدعوى في

стр. 254

ذلك، والآن قد ارتفعت العلة باتساع بلاد الإسلام وتقرره فلا يضر، ومظاهر مذهب الصوفية اعتماد ذلك والعمل به وإثبات بركته، فقد علم ما لهم في لباس الخرقة، ومناولة العصا والسبحة، وتلقين الذكر ونحو ذلك، مما هو معلوم من طريقتهم، مشهور البركة بينهم، حتى قال الأستاذ أبو القاسم القشيري (ض) فيما حكاه عنه ولده: أن أثر المعتقد أقوى في البركة من غيره، وذكر ابن ليون (١): إن من طريقة الفقراء قسمة شعر المحترمين بينهم، واستدل بقسمة شعره (ص) في حجة الوداع (٢) وذكر الشيخ كمال الدين الدميري (٣)، في حياة الحيوان له: إن الشافعي (ض) كان يقول: قبر موسى الكاظم (٤) الترياق المجرب، وقال الإمام الغزالي: إن كل من يجوز التبرك به في حياته يجوز التبرك بقبره بعد موته، واستدل على مطلق الجواز بزيارته (ص) لذلك (٥) وإن كان أحد لا يساوي شعرة من شعراته فللوراثة نسبة، وجعله ابن العربي في القبس من خواصه (ص)، واستطرد الغزالي الكلام فيه إلى تجويز شد الرحال لذلك، وقال: لا يعارضه حديث الثلاثة مساجد، لتساوي المساجد سواها في الفضل بخلاف الصلحاء، فانظر كلامه فيه، وقد نقله ابن الحاج بنصه وحروفه (٦) وكان شيخنا أبو عبد الله القوري

стр. 255

رحمه الله يقول: إذا كانت الرحمة تنزل عند ذكر الصالحين، فكيف بزيارتهم ومحل اجتماعهم على ربهم، وقد تقدم من كلام الشيخ أبي العباس الحضرمي (ض)، في مدد الحي والميت، ولكن ينبغي أن لا يجعل ذلك عدة وعمدة، لئلا يضيع به نظام الحق والحقيقة، ولذلك قال ابن ليون: ليس من شأن (١) الفقراء شد الرحال للزيارات، وقل من اشتغل به فنفذ، وبالله التوفيق. ...

стр. 256

٨٧ - فصل في بعض ما يتعلق بالتبرك والآثار من الآداب من ذلك أنه لا يصلى على المقابر ولا يبنى عليها مسجد للتبرك، فقد قال رسول الله (ص): ((اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدا)) (١) وفي رواية: ((أولئك شرار الخلق، كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا عليه مسجدا ...)) (٢) الحديث، قالوا: ولا يتمسح بالقبر لأنه من فعل النصارى، ولا يدهن بالماء الذي يكون عليه، ولا يرفع منه تراب لأنه حبس، وفي المطروح بالقصد نظر، وقد أذن (ص) في الرقى بـ ((بسم الله تربة أرضنا بريق بعضنا، يشفى بها سقيمنا بإذن ربنا)) (٣) وكذلك دل بني سلمة على تربة صعيب (٤) للحمى، كما ذكره ابن الزبير في تاريخ المدينة، وكان الخدم يأتونه في الغداة الباردة بالأواني، فيضع فيها يده للتبرك (٥)، وتوضأ للرجلين، وقال: أفرغا على نحوركما ورؤوسكما (٦)، وأعطى شملته لمن

стр. 257

طلبه منه ليكفن فيها (١) وقطعت أم سليم فم القربة لما شرب منها قصدا للتبرك بها (٢) وقالت أم حرام: كنا نأخذ عرقه (ص) فنطيب به طيبنا لطيب رائحته (٣) (ص)، وقال له الفضل بن عباس يوم عرفة: لا أوثر بنصيبي منك أحدا، فتل القدح في يده (٤)، وكانوا يغسلون أثره بعده للاستشفاء به (٥)، وهذا كله يدل لما ذكرناه، ويدل أيضا، لأن ما كان مقصودا منه إنما كان يفعله يعد عبادة ليكون تنبيها ومحجة، ولتجتمع فيه بركة كل شيء، وقد قطع عمر (ص) شجرة الرضوان (٦) خوفا من أن

стр. 258

تعبد أو تجعل مثل ذات أنواط - شجرة كانت الجاهلية يربطون فيها الخيوط وغيرها يستشفون بذلك -، فقال الصحابة: يا رسول الله، اتخذ لنا ذات أنواط (١) فقال (ص): ((ما هي إلا كما قال بنو (٢) إسرائيل: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾، وقد يستدل بهذين الخبرين على المنع وليس كذلك، بل هما دليل في منع كل ما يستدام، أو يكون له أصل في عبادة الجاهلية من خشبة أو حديد أو حجر أو بناء ونحوه، لا ما يمتهن أو يكون مستهلكا، فاعرف ذلك (٣). واعلم أن الناس لم يزالوا يتبركون بآثار أهل الخير كابرا عن كابر من العلماء والصلحاء وغيرهم، من قديم الزمان إلى هلم جرا، من غير نكير ولا داعية للسكوت، وهو مما تتوفر الدواعي على العمل به طبعا، فلو كان حراما لنص عليه الشارع وحذر منه الأئمة قديما، ولو كان التنزه أولى لمحل الاشتباه، وبالله التوفيق. ...

стр. 259

٨٨ - فصل في السماع والاجتماع . وهو مما تسرع إليه نفوس الجاهلين، وتولع به قلوب الغافلين، وتؤثره توجهات الباطلين، وينتفع به ضعفاء المشرفين، وتقف معه حقائق المجانين، وترتاح إليه أكباد المفتونين، وتميل إليه كليات الممتحنين، وتنطبع معه أسرار المخدوعين، وتربوا به زوائد المستدرجين، وتجنح له كليالت المدعين، وينقطع به جهلة المتوجهين، وتتضرر به بصائر المريدين، وتنقص به مواد العارفين، وقد يتعلق به بعض الواصلين لإفادة غيرهم، أو رفقا بأبدانهم، أو موافقة للحال في وقتهم، فهو موقف الإبطال، ومزلة أقدام الرجال، وأكثر ما يعتني به أهل البطالة والضلال، فقد قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض): سألت أستاذي ﵀ عن السماع، فأجابني بقوله تعالى: ﴿إنهم ألفوا آباءهم ضالين * فهم على آثارهم يهرعون﴾، وقال الشيخ أبو العباس المرسي (ض): من كان من فقراء هذا الزمان مؤثرا لهواه، آكلا لما حرمه مولاه، ففيه نزغة يهودية، لأن القوال يذكر العشق وما هو بعاشق، والمحبة وما هو بمحب، والوجد وما هو بمواجد، فالقوال يقول الكذب، والمستمع سماع له، ومن أكل من الفقراء طعام الظلمة حين يدعى إلى السماع، فهو يصدق عليه قوله تعالى: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾، قال: وعبر بعض الصحابة على بعض اليهود فسمعهم يقرؤون التوراة فتخشعوا، فلما دخلوا على رسول الله (ص) نزل عليه جبريل (س) فقال: اقرأ، قال: ((وما أقرأ)) قال: اقرأ: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾، فعوتبوا (١)، إذ تخشعوا من غيره، وهم إنما تخشعوا من التوراة وهي كلام الله، فما ظنك بهذا، أعرض عن كتاب الله، وتخشع من الملاهي والغناء، انتهى.

стр. 260

وبالجملة فالسماع من شبه الدين التي يتعين على من أستبرأ لدينه وعرضه التبرؤ منها، وهو من حيث صورته يشبه الباطل، فيترجح تركه، وقد صنف الناس فيه نفيا وثبوتا، ولم يختلفوا في فساده إذا اقترنت به أمور فاسدة، بحضور النساء وسماعهن أصوات الرجال، وحضور الآلات والشبان الحسان وإن أمنت الفتنة، لأنه يحرك ما في القلوب، والغالب على النفوس الشر، فلذلك قال صاحب (الأمر المحكم المربوط فيما يلزم الشيخ والمريد من الشروط) (١): إن السماع في هذا الزمان لا يقول به مسلم ولا يقتدى بشيخ يقول بالسماع ولا يعمل به، وقال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي ﵀: ليمس السماع من التصوف بالأصالة ولا بالعرض، وقال السهروردي: هو من رخص المذهب وهو أحرى بالصواب، وقد تقدم من كلام ابن العريف: لم يكن اجتماعهم إلا لمسألة تفتح أو نفس بالعبادة تسمح. قلت: وقد تدعو الضرورة للسماع بغلبة حال أو وارد، فيجب الاقتصار على قدره بعد تحقق الضرورة، والذكر في ذلك أولى من القصائد والأزجال، لا سيما المحتملة، فأما الصريحة في الشر، كذكر القدود والخدود والخمور والشعور فتجنبها واجب ولا حديث معها، وبالله التوفيق. ... ٨٩ - فصل فيما يصنع من عرض له السماع ونحوه بطريق الابتلاء أو الحاجة إليه، وهي خمسة أمور . أولها: تصحيح النية في القصد بعد تحقق الموجب بوجه لا يشك فيه، وذلك بأن يدفعه حتى يغلبه الحال، ويتوقف فيه حتى يعلم الاضطرار إليه.

стр. 261

الثاني: مراعاة شروطه وآدابه في الزمان والمكان والإخوان والقيام بحقوق الإسلام والإيمان والإحسان، فقد قيل للجنيد: كنت تسمع فلم تركت؟ فقال: ممن (١)؟ قيل له: من الله، قال: فع من؟ فالسماع عورة لا تبدى إلا مع حر كريم، وإنما عورته بما يبدو فيه حال السكر، كما قيل: وصن سرنا في سكرنا عن حسودنا ... وإن أنكرت عيناك شيئا فسامحنا فإنا إذا غبنا وطابت نفوسنا ... وخامرنا خمر الغرام تهتكنا ولا تلم السكران في حال سكره ... فقد رفع التكليف في سكرنا عنا رفع التكليف لفقدان التمييز، وقد قال بعض العلماء: لا يجوز لمن يعلم من نفسه ذلك، الإقدام عليه، لوجوب حفظ العقول. الثالث: الفرار منه والتقليل، لما يقع فيه من الغلط والضرر، فقد قال النصراباذي (٢) لابن نجيد (٣) رحمهما الله: مجلس السماع خير من أن تغتاب الناس، فقال ابن نجيد: زلة في السماع شر من أن تغتاب الناس كذا كذا سنة انتهى، وإنه لصحيح مليح، لأن السماع حمى الصدق، وعلة الورع، ومفتاح الفتنة كيفما كان، وهو نقص كله، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. الرابع: أن تعتبر الصدق والحقيقة في مواجيده ومواريثه (٤)، فكل مجلس سماع لا يظهر أثره على سامعه في دينه وقلبه من يومه فهو عليه لا له، وكذا كل وارد.

стр. 262

قال في الحكم: لا تزكين واردا حتى تعرف ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الإثمار، انتهى، وهو عين الحق والصواب. الخامس: تجنب إظهاره وإظهار محبته، بل نفيها رأسا، والإبعاد منه بالغاية، والإنفار ممن يقول به ويراه دينا قيما، وبيان ذلك للحاضرين، وإظهار معايبه لهم حتى يزهدوا فيه، وسيأتي من ذكرها، وما زلت أحذر الأصحاب من الاقتداء بي في خمسة أمور (١): أحدها: العمل بالسماع وأقبحه في عيونهم. الثاني: التوسع في الأكل صفة ومقدارا، فإن ذلك إساءة أدب. الثالث: مخالطة كل أحد ومباسطته وذلك هجنة وقلة مروءة. الرابع: كثرة المزح والانبساط والتوسح في الكلام، لأنه يجر إلى الشر والنقص. الخامس: النظر في كتب الدقائق والعمل عليها دون غيرها، فإني لا أفعل ذلك والله عن روية ولا اختيار، وما كتبت التحذير منه هاهنا، إلا لئلا أجعل حجة فيه، وبالله التوفيق. ... ٩٠ - فصل في ذكر شيء من المواجيد والخواطر فإن النفوس ترتاح إليها، والحاجة ماسة لها في حق كل مريد صادق. لا يخلو المريد في حال وجده بالسماع ونحوه من أن يغيب عن

стр. 263

إحساسه أم لا، فإن غاب عن إحساسه، فلا يخلو إما أن يستفيد في غيبته علما أم لا، فإن استفاد علما فوجده صحيح، لأن الشيطان لا يقدر أن يغيبه عن إحساسه ويفيده علما، لكنه يظهر عليه بأحد الأمرين: إما أن يغيبه عن إحساسه، وإما أن يجري على لسانه شيئا يشبه الحكمة وليس بها، وعلامة ذلك أن يحدث له في جسده اضطراب عند الإحساس ولا يتأثر صاحبه به، إلا من حيث الاستلذاذ الطبيعي، فلا يظهر فيه ولا في سامعه إلا نقيض ما دل عليه مسموعه، لأن الحق إذا أتى من بساط الباطل عاد عليه شؤم بساطه، فكان عينه (١) لذلك. قيل لحمدون القصار (٢): ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام وحياة القلوب، وأنتم تكلمتم لنصرة النفوس وظهور المرتبة، انتهى بمعناه لا بلفظه لطول العهد به. ثم الخواطر باعتبار جهاتها أربعة: الملك عن يمين القلب، والشيطان عن يساره، والنفس من خلفه، والخطاب الإلهي يأتيه من أمامه، ووجه القلب لناحية الظهر، كذا ذكره ابن أبي جمرة، ولا أدري من أين نقله، وهو صحيح في الوجدان، وباعتبار عرضها: فالملكي مثل غبش الصبح، والشيطاني مثل شعلة النار، يحدث به احتراقا وهوشة في البدن، والرباني كالشمس الضاحية، مع برودة تثلج الصدور ويتنعم بها، والنفساني مثل الفجر الكاذب، قائم واضح تعقبه الظلمة، ويظنه الظان حقيقة وليس بها. وباعتبار أفعالها: فالشيطان متردد ولا يأتي إلا بشر أو بخير لا يعضده دليل، ويضعف بالذكر، والملكي متردد أيضا، لا يأتي إلا بخير معضود بالدليل، يقوى بالذكر، والرباني نكتة إلهامية في توحيد خاص، وهو راتب مصمم، فإن لم يكن في التوحيد الخاص، فهو لا يأتي إلا بخير، وقد

стр. 264

يكون بشر امتحانا وابتلاء، فإن زاد مع اللجوء إلى الله، فعقوبة تحتاج إلى الاستغفار، وإلا فتذكير، أو نفساني لأنه يشاركه في التعميم، ويفارقه في انتفائه باللجوء والاستغفار والمجاهدة، ثم هو إن كان مع عجلة لا مع تأن، ومع أمن لا مع خوف، ومع عمى العاقبة لا مع بصارة العاقبة، فهو من النفس أبدا، وهذا كله إن لم يكن من الشرع في الترجيح واضح، فإن كان فهو المرجح. وفي الحكم إذا التبس عليك أمران فانظر أثقلهما على النفس فاتبعه، فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا، وفي (لطائف المنن): الذي يطلب العلم لله إذا قيل له: غدا تموت لا يضع الكتاب من يده، وقال المشايخ (ض): من عرف ما يدخل جوفه، عرف ما يجري في قلبه، لأن الحرام يطمس القلب، والشبهة تدهشه، والحرص يعميه، قال بنان الحمال (ض) (١): بقيت طاويا مطروحا على باب بني شيبة تسعة أيام، لم أذق شيئا، فنوديت في سري: من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه، أعمى الله عيني قلبه، قالوا: وكل وجد سري عن صاحبه فلم يؤثر فيه موافق ما سمع من القرآن والسنة، فسماعه بالنفس، ووجده بالشيطان أو بالطبع. والحركة في السماع نقص كلها، وإنما الوجد بالاستلقاء والثقل، وقد سئل الشيخ أبو محمد عبد القادر (٢) (ض) عن صفة الواردات الإلهية والطوارق الشيطانية، فقال (ض): الوارد الإلهي لا يأتي باستدعاء، ولا يذهب لسبب، ولا يأتي على نمط واحد، ولا في وقت واحد، والطارق الشيطاني بخلاف ذلك غالبا، انتهى، وهو شرح عجيب لا يصدر إلا من مثل هذا الإمام (ض) ونفعنا به بمنه وكرمه. ...

стр. 265

٩١ - فصل في الكلام على تعلقات العوام من أهل التمسك وغيرهم فمن ذلك تعلق كل طائفة من الناس بمن يواليه من الأولياء، كأبناء الفقراء بآبائهم وأسلافهم، وأهل كل بلد بمن له شهرة فيها مختصة بجهتهم، وجملة المنتسبين لمن تنتسب طريقهم، غالب البطالين الذين ليس لهم في إرادة المعالي قدم يستندون لأكابر المشهورين مثل: الشيخ سيدي عبد القادر، والشيخ سيدي أبي مدين، والشيخ أبي يعزى (١)، والشيخ أبي العباس السبتي، ونحوهم من المخبتين، وهذا كله لا يخلو عن دسيسة عصبية، أو رؤية مزية لأنفسهم، حتى لقد رأيت من حال أهل مصر يعظمون ابن الفارض، ويسبون الحاتمي، ومشرب كل منهما واحد، ولكل صالح النية لا يخلو عن فائدة أبدا، ولو كان معلولا بعلة نفسانية خفية، فخفي العلل يقدح في واضح القصد، وقد سمح المشايخ للمريد أن يجاوز الحد في شيخه حسب اعتقاده من غير غلو، ما لم يخرج إلى الطعن في المشايخ، ذكره ابن ليون في الإنالة (٢) وهذا منه. ثم بساط كل أحد في ظهور كرامته على حسب حالته، ومن ذلك انتفاع الناس بالسبتي ﵀ في باب العمل (٣) أكثر من غيره، وجرت عادة الناس بالنذر لمقابر الصالحين وقد تكلم على ذلك الأئمة، وظاهر كلام ابن عرفة (٤) جوازه (٥)، إذ قال: لا نص فيه لمن يكون، ذكره في آخر الأيمان والنذور، من

стр. 266

مختصره وقولهم: (شيء لله) إن كان في محل الإخبار، كقولهم: كان من

стр. 267

شأنه كذا، وبلغ من حاله كذا، أو ذكرت عنه حكاية، فقال ذاكرها: (شيء لله)، فهو خير عن تحقق حالة ذلك الشخص في إفراد القلب، والقالب لمولاه، وإن كان في محل التوجه، فهو طلب وسؤال (١)، والله أعلم. ومن الناس من يجعل أعماله هدية للأولياء، ويجعل وردا لجميعهم، أو للجهة التي يعتقدها، وذلك أمر مختلف فيه، ومنهم من يجعل ذلك لرسول الله (ص)، وهو من باب حسن النية والتقرب لجنابه الكريم، وليس الحق في ذلك إلا باتباع سنته، وإكرام قرابته، وكثرة الصلاة عليه (ص)، لأنه غني عن أعمالنا، وإني لأرى (٢) ذلك إساءة أدب معه، لمقابلته بما لا يصلح أن يكون صاحبه مقبولا، فكيف بالاعتداد بثوابه، لا سيما ما جرت به عادة المصريين في ذلك، فإنه يعظم علي كثيرا جدا. ومن ذلك: تصنيف بعض الناس في الصلاة عليه (ص)، بكيفيات يعتمدها، ويأتي فيها بألفاظ مستغربة، وأنواع مستنخبة، تألفها نفوس العامة، (وهو أمر حسن من حيث صورته، واضح من حيث حقيقته، تألفه نفوس العوام) (٣) وتتحرك به نفوس الغافلين للصلاة عليه (ص) في الجملة، والأولى بأهل التوجه الاقتصار على الألفاظ الواردة عنه (ص)، فإن الخير كله في الاتباع، والفتح الكامل في التقيد بألفاظه (ص)، فلا تعدل بها شيئا ولو قلت، فقليلها كثير، ومعناها كبير. ومنه التزام بعضهم قراءة المرشدة (٤)، أو عقيدة ما من العقائد، وكذا

стр. 268

البردة والسقراطسية (١)، وما في معنى ذلك على جهة الورد، وجعله من الأمور المعتمدة، وهو أمر لا بأس به إن لم يعتقد سنيته، أو يؤدي إلى مخالفة السنة، كرفع الصوت في المسجد وقت اجتماع الناس فيه، وإلا فيجري مجرى رفع الصوت بالعلم، وحزب، الإدارة (٢) وقد يستأنس بنصب الكرسي لحسان في المسجد ينافح عن رسول الهه (٣) (ص)، والأولى بالمريد الاشتغال بما يخصه من العبادات المحققة، ويدع كل ذلك للعوام جملة وتفصيلا. فأما ما اعتاده أهل الحجاز واليمين ومصر ونحوهم، من قراءة الفاتحة في كل شيء، فلا أصل له، لكن قال الغزالي ﵀ في الانتصار ما نصه: فاستنزل ما عند ربك وخالقك من خير، واستجلب ما تؤمله من هداية وبر، بقراءة السبع المثاني التي أمرت بقراءتها في كل صلاة، وأكد عليك أن تعيدها في كل ركعة، وأخبر الصادق المصدوق: ((ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها)) (٤) وفي هذا تنبيه بل تصريح أن تكثر منها، لما تضمنته

стр. 269

من الفوائد وخصت به من الذخائر، بما لو سطر كان فيه أوقار الجمال، فافهم وانتبه واعقل ما خلقت له، واعرف ما أعد لك، والله حسب من أراده، وهادي من جاهد في سبيله، وكاف من توكل عليه وهو الغني الكريم. ... ٩٢ - فصل في ذكر الزمان وأهله وما احتوى عليه من الفساد والباطل الذي أخبر به الصادق المصدوق فقد قال (ص): ((بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، فيبيع دينه بعرض يسير من الدنيا)) (١) وقال (ص): ((يأتي على الناس زمان، القابض على دينه كالقابض على الجمر)) (٢) وقال (ص): ((يأتي على الناس زمان، لا يبقى من الإسلام إلا اسه، ولا من القرآن إلا رسمه، قلوبهم خربة من الهدى، ومساجدهم عامرة بأبدانهم، شر من تقل الغبراء وتظل السماء يومئذ علماؤهم، منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود)) (٣) وقال (ص)، لما سئل عن قوله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ (٤) الآية: ((إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك)) (٥) وقال (ص): ((إن الفتنة إذا نزلت، دخلت قلوب الخلق حتى لو

стр. 270

كان فيهم كذا فتنوا، فإن أردت أن تعلم هل نالك منها شيء، فانظر هل كان عندك شيء حرام فحللته، أو حلال فحرمته)) (١)، نقلته بالمعنى، وأظن آخره (١) من قول الصحابي، رواية (٢) (ض). وقال (ص): ((إن الفتنة إذا نزلت قصدت ثلاثة: الحاد النحرير الذي لا يعن له منها شيء، إلا قصد قمعه بالسيف، والشريف المذكور، والخطيب الذي تدعو إليه الأمور، فأما الحاد فتصرعه، وأما هذان فتنحتهما (٣) حتى تبلو ما عندهما))، نقلته من كتاب أبي عمرو الداني (٤) في الفتن، على شك في بعض ألفاظه، لطول العهد به، ومنه عن ابن عباس، قال (ص): ((المؤمن لا يذل نفسه)) (٥) قال ابن عباس: يتعرض للسلطان وليس له منه النصفة، ومنه قال (ص): ((ما سب قوم أميرهم إلا حرموا خيره)) (٦) وقد كنت أسمع شيخنا أبا الحسن السيطي (٧) ﵀ وكان قليل العلم - كثيرا ما يذكر في مجالسه، يقول: قال رسول الله (ص): ((العلماء ورثة الأنبياء، وأمناء الرسل، ما لم يميلوا إلى الدنيا، أو يداخلوا السلاطين، فإذا مالوا إلى الدنيا أو

стр. 271

داخلوا السلاطين، فاخشوهم في دينكم)) (١) وقال سفيان (ض): إذا رأيت القارئ بباب الأمير، فاعلم أنه لص، وإذا رأيته بباب الغني، فاعلم أنه سارق انتهى، وبالله التوفيق. ٩٣ - فصل في افتتاح كلام لبعض المشايخ كتب به لمثله (٢) فقال: أما بعد، يا أخي، فإن النصح أولى ما تعامل به رفيقان، وتسامر به صديقان، وقل ما دامت اليوم صحبة إلا على مداهنة، فقد ثبت أنه (ص)، قال: ((ما ترك الحق لعمر صديقا)) (٣).

стр. 272

قال أويس القرذي (١) لرجل من مراد: يا أخا مراد، إن الموت وذكره لم يترك للمؤمن فرحا، وإن عمله بحقوق الله تعالى لم يترك له في ماله فضة ولا ذهبا، وإن قيامه لله بالحق لم يترك له صديقا، قال: وكل إنسان يقبل النصح من غيره، ويلتذ بسماع معايب الناس، إذا أرسلتها في مجلسك مطلقة من غير تعيين، ويقول لك بأن هذا هو الحق، فإذا قلت: إياك عنيت بهذا الكلام، و ((المؤمن مرآة أخيه)) (٢)، وقد رأيت فيك ما أوجب علي أن أقول لك فيه، شمخت النفس، وقالت: سبحان الله، إنما أنا مرآة نفسك، رأيت في، ومثلي من يقال له هذا؟ فأدى نصحنا له في أمر واحد إلى ارتكاب محظورات كثيرة من الكذب والنفاق، وقل يا ولي الله أن تجد اليوم للناصح من صديق، ولقد قلنا في ذلك شعرا: لما لزمت البحث والتحقيقا ... لم يتركا لي في الأنام صديقا ولعمر الله ما كذبت، ولا ذكرت إلا ما وجدت، ثم ذكر أمورا بينه وبين المكتوب إليه، وقال إثرها: فأما أهل زمانك اليوم يا ولي فكما قال الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي (٣): ضعف ظاهر ودعوى عريضة، فأول ما وصلت إلى هذه البلاد - يعني المشرقية - سألت عن أهل هذه الطريقة المثلى، عسى أن أجد منهم نفحة الرفيق الأعلى، فحملت إلى جماعة جمعتهم خانقات عاليات البناء واسعات الفناء، فنظرت إلى مغزاهم المطلوب، ومنحاهم المرغوب،

стр. 273

تنظيف مرقعاتهم بل مشهراتهم، وترجيل لحاهم، غير أنهم يدعون أن أهل المغرب أهل حقيقة لا طريقة، وهم أهل طريقة لا حقيقة، وكفى بهذا الكلام فسادا، إذ لا وصول إلى حقيقة إلا بعد تحصيل الطريقة (١)، وقد قال الإمام المقدم، والصدر المبرز، أبو سليمان الداراني (ض): وإنما حرموا الوصول، وهي الحقيقة، لتضييعهم الأصول، وهي (٢) الطريقة، وقد شهدوا على أنفسهم بفراغهم عن الحقيقة، فهي شهادتهم بعينها أنهم على غير طريقة، وهاتان جهالتان منهم وهم لا يشعرون. ... ٩٤ - فصل ثم قال ﵀: والزمان يا ولي، شديد، شيطانه مريد، جباره عنيد ، علماء سوء يطلبون ما يأكلون، وأمراء جور يحكمون بما لا يعلمون، وصوفية صوف بأغراض الدنيا موسومون، عظمت الدنيا في قلوبهم فلا يرون فوقها مطلبا، وصغر الحق في أعينهم فأعجلوا عنه هربا، حافظوا على السجادات والمرقعات والمشهرات والعكاكيز، والسبحات المزينات، كالعجائز طغام، صبيان الأحلام، لا علم عن الحرام يردهم، ولا ورع عن الشبهات يصدهم، ولا زهد عن الرغبة في الدنيا يصرفهم، اتخذوا ظاهر الدين شركا للحطام، ولازموا الخوانق في الرباطات رغبة فيما يأتي إليها من حلال وحرام، وسعوا أربانهم، وسمنوا أبدانهم، فوالله ما أراهم إلا كما حدثني غير واحد، وذكر سنده إلى سالم مولى أبي حذيفة (ض) قال: قال رسول الله (ص): ((ليجاءن يوم القيامة بأقوام معهم من الحسنات أمثال جبال تهامة، حتى إذا جيء بهم جعل الله أعمالهم هباء، ثم قذفهم في النار))، فقال سالم: يا رسول الله بأبي أنت وأمي صف لنا هؤلاء القوم حتى نعرفهم، فوالذي بعثك بالحق إني لأخاف أن أكون

стр. 274

منهم، قال: ((يا سالم أما إنهم كانوا يصومون ويصلون))، وفي حديث آخر: ((كانوا يأخذون وهنا من الليل، ولكنهم كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام))، وفي رواية من طريق آخر: ((شيء من الدنيا وثبوا عليه، فأدحض الله أعمالهم)) (١) فقال مالك بن دينار (٢): هذا والله النفاق، فأخذ المعلى بن زياد (٣) بلحيته فقال: صدقت والله (يا أبا الخير) (٤)، والله يا ولي لو رأيتهم في صلاتهم ينقرونها، وفي صفوفهم لا يقيمونها، يجعل أحدهم بينه وبين صاحبه قدر ما يدخل فيه ألف شيطان، ثم إذا جئت تسد ذلك الخلل، تراهم قد قطبوا وجوههم، فإن غفلت ووطئت سجادة أحدهم، لكمك لكمة حيثما جاءت منك، وقد يكون فيها حتفك، وهذه وأشباهها هي الطريقة التي أهل زمانك عليها، ويرحم الله القشيري حيث أدرك من تحلى بحلية القوم في ظاهره، وتعرى عنهم في باطنه، فأنشد: أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها هذا قد اشترك معهم في زيهم الظاهر، فأما اليوم فلا خيام ولا نساء. ثم قال: بإجماع من القوم أن الموت الأحمر (٥) عندهم طرح الرقاع

стр. 275

بعضها على بعض، وذلك شعارهم (ض) (١) فقام هؤلاء وقالوا: إنما لنا لبس مرقعة خاصة، ولم يلحظوا ما أريد بها، فتأنقوا (٢) في الثياب المطرحة، والأعلام المشهرة، وخاطوها على وزن معلوم وترتيب منظوم تساوي مالا، وأفسدوا عليها ثيابا وسموها مرقعة، فرحم الله سيد هذه الطائفة أبا القاسم الجنيد، حيث أنشد لما رأى فساد الحال: أهل التصوف قد مضوا ... صار التصوف مخرقة صار التصوف ركوة ... وسجادة ومزلقة صار التصوف صيحة ... وتواجدا ومنطقة كذبتك نفسك ليس ذي ... سنن الطريق المحلقة (٣) ثم قال: والله ما أعلم أهل الطريقة كذا، ما كان إلا بالقعود في مرابط الكلاب (٤) مجاهدة، وتحمل الأذى وكفه رياضة، والرحمة والشفقة والعطف على الفقراء، أين هم من صفوة الله كما نعتتهم الطائفة العلية (ض) على ما حدثنا فلان، وذكر سنده إلى عبد الباري (٥)، قال: قلت لذي النون المصري: صف لنا الأبدال، فقال: إنك سألتني عن دياج الظلم لأكشف لك عنها يا عبد الباري، وهم قوم ذكروا الله بقلوبهم تعظيما لربهم لمعرفتهم بجلاله، فهم حجج الله تعالى على خلقه، ألبسهم الله تعالى النور الساطع من محبته، ورفع له أعلام الهداية إلى مواصلته، وأقامهم مقام الأبطال لإرادته، وأفرغ عليهم الصبر عن مخالفته، وطهر أبدانهم بمراقبته، وطيبهم بطيب أهل معاملته، وكساهم حللا من نسج مودته، ووضع على رؤوسهم تيجان مبرته،

стр. 276

ثم أودع القلوب من دخائر الغيوب، فهي معلقة بمواصلته، فهمومهم إليه ثائرة، وأعينهم بالغيب لله ناظرة، قد أقامهم على باب النظر من قربه، وأجلسهم على كرسي أطباء أهل معرفته، ثم قال: إن أتاكم عليل من فقدي فداووه، أو مريض من فراقي فعالجوه، أو خائف مني فأمنوه، أو آمن مني فحذروه، أو راغب في مواصلتي فمنوه، أو راحل نحوي فزودوه، أو جبان في متاجرتي فشجعوه، أو آيس من فضلي فعدوه، أر راج لإحساني فبشروه، أو حسن الظن في فباسطوه، أو محب لي فواطنوه، أو معظم لقدري فعظموه، أو مسيء بعد إحسان فعاتبوه، أو مسترشد فأرشدوه، إلى آخر القصة على ما ذكرناها في كتاب (البغية) مستوفاة، فهذه أحوال العارفين يا ولي، وهكذا تكون عمارة القلوب. ... ٩٥ - فصل ثم قال: فأما هؤلاء فوالله لو اطلعت عليهم لرأيت إن نظرت إلى وجوههم عيونا جامدة ، متحركة غير هامدة، وإن نظرت إلى نفوسهم، نظرت نفوسا سامدة (١) وإن نظرت إلى قلوبهم رأيت قلوبا لاهية من العمارة العلوية القدسية، خالية على عروشها خاوية، آجاما لأسود ضارية، ومرابض لذئاب عاوية، فنسأل من الله عند رؤيتهم العافية، أين أهل زمانك يا ولي من قوم وصفهم أبو الفيض ﵀ فقال: إن لله صفوة من خلقه، وإن لله الخيرة، قيل: يا أبا الفيض (٢) ما علامتهم، قال: إذا خلع العبد الراحة، وبلغ المجهود في الطاعة، وأحب سقوط المنزلة، ثم قال: منع القرآن بوعده ووعيده ... مقل العيون بليلها أن تهجع فهموا عن الملك الكريم كلامه ... فهما تذل له القلوب وتخضع

стр. 277

فقال له بعض من كان في مجلسه: من هؤلاء القوم يا أبا الفيض رحمك الله؟ قال: ويحك، هؤلاء قوم جعلوا الركب لجباههم وسادا، والتراب لوجوههم (١) مهادا، هؤلاء قوم خالط القرآن لحومهم ودماءهم، فعزلهم عن الأزواج وحركهم بالأدلاج، فوضعوه على أفئدتهم فانفجرت، وضموه إلى صدورهم فانشرحت، وتصدعت هممهم به فكدحت، فجعلوه لظلمهم سراجا، ولنومهم مهادا، ولسبيلهم منهاجا، ولحجتهم ابلاجا، يفرح الناس ويحزنون، وينام الناس ويسهرون، ويفطر الناس ويصومون، ويأمن الناس ويخافون، فهم خائفون حذرون وجلون مشفقون مشمرون، يبادرون من الفوت ويستعدون للموت، إلى آخر القصة، ثم ذكر إسناده في ذلك، وقال بعده: فهذا وصفه لأولياء الله تعالى، وبهذا حلاهم، وهكذا شاهدهم ورآهم. ... ٩٦ - فصل ثم قال: ولقد لقيت بهذه البلاد من يلبس سراويل الفتيان، ويدعي مراتب العرفان ، ولا يستحي في ذلك من الرحمن، لا يعرف شروط السنن والفرائض، ولا يصلح أن يكون خديما في المراحيض، ومع هذا يا ولي، والله الصدف الذي يخفي رفيع الدر (٢) والسياج على الروضة ذات الزهر، يدخل بينهم الصادق والصديق، فيجهل العارف المتمكن فيترك ويهمل، فإنه يحمل على ما هم عليه لاشتراكهم في المسكن، وما بينه وبينهم معاملة في شيء. قال: ولقد وقع بيدي منهم بمصر في الخانقات بالقاهرة، كهل يقرب أن يكون رجيلا لا بأس به، ففرحت به لما لم أجد غيره، تم قال:

стр. 278

واجتمعت مع شيخ يدعى فيهم، شيخ الشيوخ (باربيك) (١) هكذا قال لي بنفسه، ورأيته يعطي النصف من نفسه للمتكلم معه (ض)، يزعم أن ليس في المغرب من يعرف الطريق إلى الله ولا يتعرفه، فأراد وليك أن لا يشافهه بخطاب ولا يتعرض إليه، ثم رأى ذلك قاصمة الظهر، وقارعة الدهر، فأبدينا له يسيرا مما وهبنا الله من الأسرار، ثم أعقبناه ببعض أحوال سيدنا أبي مدين خلاصة الأنوار، فبقي مبهوتا بما سمع، وقال: ما تخيلت أن يكون هذا في بلاد المغرب، ثم ألقى عليه بعض أصحابنا مسألة من الحقائق الإلهية المتوجهة على إيجاد جهنم، فوالله ما زاد على أن قال: لا أدري شيئا، وأنصف من نفسه، واعترف بنقصه، وهدأت شقاشقه، وطفيت بوارقه، فقلت: هذا حالك معي، وأنا أنقص حظا، وأحقر قدرا من أن أذكر فيهم، أو أنسب إليهم، فكيف بك، لو لاحظت الكبراء النجباء، والسادة النبلاء الكائنيين بالمغرب الغرباء، فسلم واستسلم، وحمدت الله على ما ألهم وعلم. ... ٩٧ - فصل ثم قال بعد ذلك: وأما أهل السماع والوجد في هذه البلاد، فقد اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ، لا تسمع إلا من يقول لك: رأيت الحق، وقال لي، وفعل وصنع، ثم تطلبه بحقيقة يمنحها، أو سر أفاده في شطحه، فلا تجد إلا لذة نفسانية، وشهوة شيطانا، يصرخ على لسانه الشيطان فيصعق ما دام المغرور الآخر بشعره ينعق، فلا أشبههم إلا براعي غنم ينعق بغنمه فتقبل وئتدبر بنعيقه، ولا تدري فيما ذا، ولا لماذا، قال: فواجب على كل محقق في هذا الزمان، ممن ينظر ويقتدي به المريد الضعيف، أن لا يقول بالسماع أصلا، وأن يقطعه قولا فصلا، وقد أوضحنا مقامه لأهل هذه البلاد، وما يتطرق إليه من الفساد، واحتجوا علينا بأحوال من سمع من الشيوخ في الرسالة (٢) وغيرها، فأوضحنا

стр. 279

فهمها وعربنا معجمها، فأقروا بنقصه في مراتب الوجود، فمنهم من عدل عنه، ومنهم من أقام عليه مع علمه بنقصه، ثم قال: وليعلم وليي وفقه الله، أني لما قرأت بالحرم الشريف ما ذكرته لك في حق المنتسبين إلى الصوفية، وفي أحوالهم ثقل ذلك على شخص، وقال: ما دعاه إلى هذا؟ والإعراض عن هذا أحسن، وما أشبه هذا الكلام، فزاد عند اعتراضه، تقوية أن هذا هو الحق، لكونه ثقل عليه (١)، قال: ولقد عمي هذا القائل عن الأصول التي استندت إليها في فعلي هذا، وهو يسلمها، وقد قرعت سمعه غير مرة، ولم يعتب عليهم، بل استحسن ذلك، فلما وقع ذلك الذم في أهل زمانه، رأى ذلك فضولا، لكونه في ذلك الزمان يخاف أن يتطرق إليه الذم في نفسه فحزن، ولو أنصف لبحث عن نفسه. ثم ذكر من أصوله التي بنى عليها في ذم أهل زمانه عموما، وأتى بشواهد من الحديث وغيره في ذلك عن أبي المهلب، قال: مررت بالساحل، فرأيت شابا قد احتفر لنفسه حفرة في الرمل، فسألته فتأوه، ثم قال يذم أهل زمانه: قد توعرت السبل، وقل السالكون لها، قد افترشوا الرخص وتمهدوا الزلل، واعتلوا بزلل الماضين إلى مثل هذا الكلام، ثم قام فمشى على الماء حتى غاب عني، أرأيت قط يتفق هذا لمن يتكلم فيما لا يعنيه، ثم ذكر بقية الأصول التي بنى عليها. ... ٩٨ - فصل ثم قال بعد فراغه من ذكر أصوله في ذلك: فيا أيها المعترض، هذه الأصول التي استندت إليها في ذم أهل وقتي ، لا حشرني الله معهم، ولا أماتني على حالهم: هلا كنت ناصري في قولي هذا، وتعرف أنه الحق،

стр. 280

وأن الحال اليوم على ما وصفناه، وكنت تأتيني باكيا على نفسك، وأنا أيضا كذلك عسى الله أن يرحمنا، إلا إن رضيت لنفسك أن تكون منافقا مداهنا، وللمداهنين إماما، لا والله، لا أرضى والله بهذه الحالة لمسلم، فتب إلى الله تعالى، وراجع ربك لعله يرجع إليك ما كنت عليه من الخير، وتعال نقم مأتما ومناحة على التقصير في العمر اليسير، والاشتغال بالترهات والفرح بالخزعبلات، بل أصل الأباطيل، والله نقول: إن من ثقل عليه هذا الكلام، فهو بتلك الصفة التي وصفنا، ولهذا قلق، ولو كان بريئا منها، سكن كما يسكن عند ذكرنا ذم السراق والقطاع وأشباههم، ولما كان (١)، في هؤلاء مدخل فر إلى الاعتراض، ليزداد من الله بعدا في رده الحق، وليس اعتراضه علينا في هذا بأول دمع جرى على طلل، لم يزل أبدا كل من يتكلم في معايب النفوس وأحوالها، ويبدي نقائصها ويذم شأنها على التعيين وعلى غير التعيين - في كل زمان - مذموما عند أهل زمانه، لعدم موافقته أغراض النفوس، فإذا انقرض زمانه ومات، نشأت طائفة عند ذلك تعرف قدر ما جاء به ويقال: قال فلان (ض): هكذا كان الناس، انتهى كلامه في هذه الفصول التي فصلناها، وإلا هو لم يفصل شيئا، وبالله التوفيق. ... ٩٩ - فصل ثم أخذ بعد انتهاء كلامه المتقدم في محاسبة نفسه على ما هو به ، ومشى في هذا إلى ذكر السماع، فقال ﵀: وروينا من حديث إبراهيم بن عبد الله بسنده إلى رجل من أشجع (٢) قال: سمع الناس من المدائن

стр. 281

أن سلمان في المسجد فأتوه، فجعلوا يثوبون إليه حتى اجتمع إليه نحو من الألف، قال: فقام فجعل يقول: اجلسوا اجلسوا، فلما جلسوا افتتح سورة يوسف يقرأها، فجعلوا يتصدعون ويذهبون حتى بقي نحو من مائة فغضب، وقال: الزخرف من القول أردتم، قرأت عليكم كتاب الله فذهبتم، ناشدتك الله يا نفسي فهذا مجلس حق فأصدقيني؟ هل سمعت قط كتاب الله يتلى فلم تهتزي، فلما أنشدت الشعر اهتزت وجننت وأخذك الحال. فقالت: ذلك والله ديدني ودائي أبدا، بل والله أزيدك ما هو أنحس من هذا مما أنا عليه، إني أقرأ القرآن ويدركتى العياء، وأقول لك: والله لا أقدر على شيء، وقد ضعفت وكل خاطري، فتجيبني إلى ذلك، وتترك المصحف من يدك والتلاوة من لسانك، فما تلبث أن ننهمك على مقطعة من كلامك أو كلام غيرك، في أي فن كانت، فتفتح فاك بها وتترنم، وترتلها مترسلا على طريقة تستحسنها، نشيطا طيب النفس وما بك من كسل ولا عياء، فلو كان ذلك الكل والعياء حقيقة مني لاستصحبك، وإنما ثقل علي القرآن، وكنت أجعلك في تلاوته تحدر ولا ترتل حتى تسريح، وكذلك في أوراد العبادات التي يجب التثبت فيها، وذلك كله خديعة مني بك، أترى هكذا حالة المؤمن؟ لا والله. بل كلام الله للمؤمن ألذ وأشوق إلى سماعه من الظمآن للماء الزلال، فإنا لله وإنا إليه راجعون على نفص الإيمان، بل والله ذهابه، يا شؤم نفسي ويا حسرتي، ويا أسفي كم والله سمعت آية من كتاب الله فثقلت علي ومججتها، وكم والله رنة شعر سمعتها فاستعذبتها، أخاف والله يا وليي على نفسي وعلى من هو مثلي أن ينقل اسمي من ديوان المؤمنين إلى ديوان من قال فيهم رب العالمين: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ (١) وقد اتصفت بهذا: ﴿وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ (٢) وقد اتصفت بهذه، وإلى قوله: ﴿ذلكم بأنه إذا دعي الله

стр. 282

وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنون﴾ (١) يقول القوال: زخرف القول وغروره، فأهتز وأقوم، وأقول شاباش (٢) هذا والله حسن، وأقسم بالله كاذبا، ولا يزال الملعون من شيطانى يوقعنى ويزين لي كما يفعل صاحب القرد بقرده، فإذا أخذ حاجته مني صفعني صفعة فأضجعني، فيقوم من قل فلاحه فيغطيني بردائي حتى يخلى سبيلي وأقوم فأهنأ، وقد عزاني الملأ الأعلى في ديني، وفيما نقص من عقلي، فإذا كان آخر الليل أنا وجماعة السوء مثلي، وقد تعبنا من كثرة ما رقصنا، فلم نلحق ننام إلا والصبح معنا قد قام، فنقوم نتوضأ أقل ما يطلق عليه اسم الوضوء، ثم نجيء إلى المسجد، هذا إذا وفقت، وإلا فالأغلب على من هذا حاله أن يصلي في داره بإنا أعطيناك الكوثر، وسورة الفاتحة، كيف ما كانت، والقنوت ليس بواجب فاتركه، وأنقرها مخففة جدا، ثم أضطجع، هيهات ما كانت طريق الله هكذا. وإن كنت موفقا أكثر من غيري، توضأت وخرجت إلى المسجد، وإذا دخلت - ويقال لي: قد صلى الناس - فلا أجد لذلك حزنا، ولا أكترث به، بل أقيم الصلاة وأصلي وكأنه ما فاتني شيء إلا لاهي القلب مسرورا، ونقول بلسان الحال: قد جعل لي أجر الجماعة بقصدي، وأراحني الله من تطويل الإمام، وإن أدركت الصلاة مع الإمام، فأنا في تلك الصلاة على أحد وجهين؛ إذا كنت مستريح القلب من كل شيء، إما خاطري في ليلتي البارحة وحسنها، وما كان أحسن ذلك القوال وشعره، وأقضي صلاتي كلها في هذا، حتى لا أدري ما صلى الإمام ولا بما صلى، وإنما رأيت الناس يفعلون شيئا ففعلت، ركعوا فركعت، وسجدوا فسجدت، ووقفوا فوقفت، وجلسوا فجلست، - أو يكون النوم قد أخذ مني، وهي الحالة الثانية، فأترقب عند ذلك فراغ الإمام، وتثقل علي القراءة، وأغتاب الإمام في نفسي وأمقته، وأقول: ما أثقله، قد افتتح سورة الواقعة والحشر، هلا قنع بالانفطار والفجر، والنبي (ص) قد أمر بالتخفيف، هذا خلاف السنة، ونحوقل ونهلل، كل ذلك لغير الله.

стр. 283

أما تستحي من الله وقد وقفت البارحة مسخرة للشيطان وملعبة له، ورقبتك مصفعة له، وناصيتك بيده، وأنت في هذا كله تلتذ، ثم الداهية العظمى، والطامة الكبرى، والداء العضال، والمصيبة الآزفة، التي ليس لها من دون الله كاشفة، أني أقول في تلك الحالة كلها: إني مع الله، وفي الله، وبالله قمت، وفي الله شطحت، وإلى الله وصلت، وقلت: وقيل لي، ويعتب (١) لذلك هؤلاء بالغمر الجهال مثله، فيقول: لم لم تسألوني إذ رجعت من حالي، ولو سئل لافتضح، ولو فرضت أنه أجاب، فقد يجيب الكاذب عما يسأل عنه، ويؤيده الشيطان بخيالات ينصبها له ويبديها في سره، فيعبر عنها، قل الله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ (٢) الآية، فهذا ولي الشيطان ينطق بلسانه وهو مطيع له، فانتظم في أهل الشرك، فناهيك من مجلس يحوي ويضم المشركين وأولياء الشيطان، ثم قال: وأخبرني شيخي وكان من أهل الكشف والوجود، عن رجل أعمى البصر من الصالحين، حضر مبيتا في سماع بمدينة فاس، فقال الأعمى: هذا إبليس قد دخل على صورة معز، فرآه يشم واحدا واحدا. قال الشيخ: وقعد الأعمى ينعت الجماعة الأول فالأول على التتابع، كما هم عليه من اللباس والصورة، وهو يقول: نرى الملعون يمشي عليهم ناظرا إليهم، حتى قال: نراه واقفا عند واحد عليه غفارة حمراء، وعمامة، وإحرام، التفتوا إليه، قال: فالتفتنا إليه، فرأيناه يستجلب الحال، فقال الأعمى: إن الملعون قد توقف عند هذا الرجل، ثم قال: نراه يريد أن ينطحه بقرنه، ثم قال: قد حمل عليه فنطحه بقرنه، فإذا ذلك الرجل قد صاح صيحة عظيمة، وغلب عليه الحال، وقام يشطح، فقام المجلس لقيامه، وهو بهذه المثابة ما أحسن قول الله تعالى إذ يقول: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ (٣) فناهيك من حطة لم يرضها لنبيه (ص) وقال: ﴿إن

стр. 284

هو إلا ذكر وقرآان مبين﴾ (١) ثم قال: بارك الله فيك يا نفسي، أقررت بالحق وخصصت له، فقالت: الحق أحق أن يتبع، وصدق والله سلمان (ض). ورضي الله عن أبي مدين حيث قال: لا يكون المريد مريدا حتى يجد في القرآن كل ما يريد، هذا مقام المريد، فما ظنك بالعارف، هل يعرج على كلام غير كلام سيده (٢) انتهى، وبانتهائه انتهت مخاطبته لنفسه في باب السماع، وهو عجيب. ... ١٠٠ - فصل ثم قال ﵀: وكل من سمع من الشيوخ فهو على أحد أمرين: إما قبل أن تحصل له مرتبة التمكين، فالسماع عندنا حرام في ذلك الوقت، أو يسمع بعد التمكين بشروطه المعروفة التي قد ذكرناها في غير هذا الموضع (٣) ويعلم من هذا أنه قد نزل من المقام إلى ما هو أسفل منه وأدنى، بخط نفسي، قال: ولهذا قلنا في حق بعض من لقيناه من المشايخ، وكان يولع بالسماع، وكان قبل ذلك لا يقول به، فسئلنا عنه فقلنا: الشيخ متمكن ومقام السماع نازل، وحظه النفس، فما هو الشيخ - والله أعلم - إلا

стр. 285

نزل إلى السماع رحمة بنفسه دنيوية، وجاد على السماع، بذلك ليشرف به السماع، فإن السماع يشرف بالعارفين، ولا يشرف به العارفون، فصار نزوله لإفادة الحاضرين، لا لشيء وراء ذلك، هذا معنى ما ذكر هنا. ثم قال: فشرفنا بنزوله إلينا، ولم يشرف هو بنا، هذا إذا كان الشيخ عاليا، ولكن يقع هذا منه نادرا، إلا إن أراد الحق أن يبقيه فيه زمانا طويلا، فيعلم الشيخ إن كان عارفا متمكنا أنه مطرود، وأن رجوعه إلى السماع مستصحبا عقوبة من الله لذنب أتاه، ولذلك علقه بالسماع فلا يجد حاله إلا فيه، ويفقدها إذا فقده، مكرا من الله واستدراجا، فيبكي على نفسه، ويبحث على ما جنته نفسه، فيجد ذنبا ضرورة لا بد من ذلك. ثم قال: والله يلبسنا وإياكم رداء العافية، ويحلنا وإياكم المراتب السامية العالية، ولا يجعلنا وإياكم ممن له إلى السماع أذن واعية، فيكون من أهل القلوب اللاهية، انتهى كلام هذا الشيخ (١) وفيه حجة ومحجة، وبالله التوفيق. ... ١٠١ - فصل في مواقع البدع وأنواع المخالفات وقد مر حدها وتقسيمها، وقال بعض العلماء: ما لم يقم دليل شرعي على أنه واجب أو مندوب، سواء فعل على عهده (ص) أو لم يفعل، قلت: وفي كلامه هذا بحث، والتحقيق ما تقدم في أول الكتاب، ثم هي بحسبه تجري في كل مرتبة وحالة وعمل، إلا أنها تقل وتكثر، ومنها ما يجب التعرض لإزالته، ومنها ما يندب، ومنها ما يباح، ومنها ما يحرم، فكل ما علم إلحاق الضرر منه، فأنت في فسحة في إنكاره،
следующие страницы →