← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

"قتيلًا فله سلبه". ودليل أخر: أن النبي ﷺ أعطاه لأبي قتادة بشهادة رجل واحد بلا يمين، فلو كان يخرج من رأس الغنيمة ما كان يخرج من حق من غنم إلا بما تنتقل به الأملاك [والحقوق] (١) قبل البينات أو بشاهد ويمين. وحديث ابن عمر ﵁ أيضًا دليل على أن النفل لا يكون إلا من الخمس؛ لأنه قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد فغنموا إبلًا كثيرةً وكانت سهمانهم اثنى عشر بعيرًا، أو أحد عشر بعيرًا ونفلوا [بعيرًا] (٢) بعيرًا (٣)، وهذا لا يكون في الذهب والورق -أعني النفل، وإنما يكون في العروض، وهذا مذهب أكثر العلماء، والحكمة في ذلك: أن النفل نعمة أنعم بها الإمام على الذي نفله؛ إما لحسن تدبير، أو لشدة بلائه على حسب ما قدمناه، فيحتاج إلى إظهار تلك النعمة على نفسه ليكون [ذلك] (٤) تحريضًا للاجتراء على العدو وحرصًا على النكاية عليهم بكل حيلة أمكنته ولذلك حصر النفل بما يظهر من الحيوان والعروض دون ما يخفى من العين وغيره. واتفقوا على جوازه بعد القتال، وعلى منعه قبل القتال. فإن نزل فإنه يمضي إلا أن تمس الحاجة إليه فيجوز، وللضرورة تأثير في إباحة المحظور؛ لأن ذلك يؤدي إلى فساد النيات، [واختلال] (٥) الطويات، وسفك الدماء على الأمر الفاسد وهتك الأرواح على الغرض الجائر لأن المقصود في مشروعية الجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى،

стр. 1087

فيحتاج إلى تخليص النية وتمحيص الطوية، وعلى ذلك يكون الأجر والثواب [من] (١) عند رب الأرباب، [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 1088

المسألة العاشرة في الأمان (١) ولا يخلو أمان المسلمين لأهل الحرب من وجهين: أحدهما: أن يكون من الإمام. والثاني: أن يكون من غيره. فإن كان الأمان من الإمام: فلا خلاف في لزومه له ولسائر رعيته وأهل جيشه، ولا خروج لهم عن ذلك، وسواء أمنهم على مال أو على غير مال. فإن كان الأمان من غيره: فلا يخلو من أن يكون من أهل الذمة، أو من أهل الإسلام. فإن كان من أهل الذمة: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يعلم أنه نصراني [ويعلم أنه لا أمان له أو يعلم أنه نصراني] (٢)، وقال: ظننت أنه ممن يقبل أمانه، أو يقول: ظننت أنه مسلم. فأما الوجه الأول: إذا علم أنه نصراني، و [يعلم] (٣) أنه ممن لا أمان له: فقد روى ابن القاسم [عن مالك] (٤) أن أمانه ليس بشيء، ولا أعلم في المذهب فيه نص خلاف. وأما الوجه الثاني: إذا علم أنه نصراني، وقال: ظننت أنه ممن يقبل أمانه [لمكان ذمته] (٥)، هل يكون فيئًا أو يرد إلى مأمنه؛ قولان:

стр. 1089

أحدهما: أنه يكون فيئًا، ولا أمان له، وهو قول ابن المواز. والثاني: أنه لا يكون فيئًا ويرد إلى مأمنه؛ لأن ذلك أمر مشكوك فيه، والدماء لا تستباح بالشك، وهو اختيار أبي إسحاق التونسي، وهو مذهب الأوزاعي. وأما الوجه الثالث: إذا قال: ظننت أنه مسلم، هل يقبل منه ويصح له الأمان أو لا أمان له؛ فالمذهب على قولين. أحدهما: أنه فيء لا أمان له. والثاني: أنه يرد إلى مأمنه ولا يكون فيئًا. والقولان لابن القاسم في كتاب محمد. والأصح في ذلك كله: أن يرد إلى مأمنه؛ لأن ذلك [شك] (١) يوجب التوقف عنه. فإن كان الأمان من أهل الإِسلام: فلا يخلو من أن يكون [من] أهلية القتال أم لا. فإن كان من [أهلية] (٢) القتال كالأحرار البالغين من الرجال؛ مثل أن يؤمن رجال من المسلمين رجلًا من أهل الحرب بغير إذن الإِمام: فلا خلاف في المذهب أن عقده على الإمام وعلى سائر المسلمين يفيد الأمان للحربى في تلك الحالة. واختلف هل ذلك أمر لازم [للإمام و] (٣) لا خروج له عنه، أو ذلك متوقف على نظر الإمام، على قولين منصوصين في المدونة:

стр. 1090

أحدهما: أن أمانه ماض على الإمام، وليس له نقضه ولا خروج له عنه، وهو قول ابن القاسم، في المدونة [وهي رواية] (١) معنٍ عن مالك ونحوه لمحمد بن المواز. والثاني: أن ذلك موقوف على نظر الإمام؛ إن رأى إجازته وإمضاءه: أمضاه، وإن رأى أن يرده: رده، وهو قول [المغيرة] (٢) في المدونة، على المشهور في التأويل أن قوله خلاف لقول ابن القاسم، وهو قول ابن حبيب في "واضحته"، وهو قول سحنون في كتابه. فإن كان ممن ليس بأهلية القتال؛ كالنساء والعبيد والأطفال: فقد اختلف [فيه] (٣) المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن أمانهم جائز، ولا خروج للإمام عنه، وهو قول ابن القاسم في المدونة. والثاني: أنه موقوف على نظر الإمام واجتهاده، وهو قول الغير في المدونة، فإن رأى إمضاءه أمضاه، وإن رأى أن يرده إلى مأمنه رده. والثالث: أن أمانهم باطل ولا يكتسب به المستأمن حرمة، وهو قول سحنون في الصبي الذي لا يطيق القتال، والعبد والمرأة بمنزلة الصبي، ولا فرق سواء؛ لأن العبد والمرأة أموال وحشوة وقوة على الجهاد كما قدمناه أول الكتاب. وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من قوله ﷺ : "يجير على المسلمين أدناهم ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم" (٤).

стр. 1091

قال ابن حبيب: وأدناهم: الذمى من حر أو عبد أو امرأة أو صبي يعقل الأمان. وقوله: ويرد عليهم أقصاهم: أي ما غنموا في أطرافهم يجعل خمسه في بيت المال، بل ذلك أمر يكون بيد الأدنى ويلزم الإمام أمانه، ولا خروج له عنه، وهذا هو الظاهر [من قوله] (١) ﵇. " [أو] (٢) ذلك" أمر متوقف تمامه على إجازة الإِمام وإمضائه؛ إن رأى نفوذه أمضاه، وإن رأى رده إلى مأمنه ولا أمان له إن [وُجد] (٣) بعد ذلك، وهو الظاهر من قوله ﵇ [في قصة أم هانئ حيث قال] (٤): "قد أجرنا [من] (٥) أجرت يا أم هانئ"؛ إذ لو كان أمانها لازمًا نافذًا لا خروج لأحد عنه لما قال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا [من] (٦) أجرت يا أم هانئ" (٧)، فكان المفهوم من قوله [ ﷺ ] (٨): "قد أجرنا [من] (٩) أجرت" أن جوارها لا يتم ولا [يمتد] (١٠) إلا بجوار النبي ﷺ وبهذا قال عبد الملك وسحنون وابن حبيب [تم الكتاب والحمد لله وحده] (١١).

стр. 1092

كتاب النذور والأيمان (١) تحصيل مشكلات هذا الكتاب [وجملتها] (٢) ثماني عشرة مسألة: المسألة الأولى (فيما) (٣) إذا حلف بالمشي إلى مكة: لا يخلو من أربعة أوجه: أحدها: أن ينوي حجًا أو عمرة. والثاني: أن ينوي الوصول إلى مكة ويعود، لا أكثر من ذلك. والثالث: أن لا تكون له نية. والرابع: أن يقول: عليه المشي، ولم يذكر مكة ولا شيئًا من حرمها. وأما [الجواب عن الوجه] (٤) الأول: إذا نوى حجًا أو عمرة: فإنه يمشي حتى يسعى بين الصفا والمروة إن كانت عمرة، وحتى يفيض وحتى يرمي الجمار إن كانت حجة. فإن قدَّم الإفاضة على الرمي هل يركب في رمي الجمار أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يركب في رمي الجمار -أعني في حين سيره لا حين الرمي وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٥)، وهو المشهور في النقل. والثاني: أنه لا يركب في رمي الجمار وإن كان قد أفاض، وهو قول ابن

стр. 1093

حبيب (١). ووجه قول ابن القاسم: إن الحج قد تم وحلَّ من إحرامه كأن المعنى الذي أراد المشي فيه قد ذهب. ووجه قول [ابن حبيب] (٢) أنه وإن حلَّ من إحرامه فقد بقى عليه من جملة المناسك التي نذر المشي فيها. فإن أخر الإفاضة وقدم الرمي عليها هل يركب في رمي الجمار أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يركب في رمي الجمار، وهو قول مالك في المدونة. والثاني: أن له أن يركب فيها [قبل أن يفيض] (٣)، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الكتاب أيضًا حيث [قال] (٤) عقيب قول مالك: (وأنا لا أرى به بأسًا وذلك عندي بمنزلة، ما لو مشى فيما وجب عليه ثم [رجع إلى] (٥) المدينة فركب في حوائجه أو رجع من الطريق لحاجة نسيها) (٦). وإن كان المتأخرون قد اختلفوا في تأويل قول ابن القاسم في [الكتاب] (٧): (ولا أرى به بأسًا): هل يرجع على المسألة الأولى، وهو قول مالك: لا يركب في رمي الجمار، ويكون خلافًا، وإليه ذهب أبو الحسن اللخمي، ويؤخذ منه أيضًا أن الخلاف يدخل في الركوب إلى

стр. 1094

الحوائج، أو يعود إلى الركوب في حوائجه وفاقًا، وهو تأويل الشيخ أبي محمد بن أبي زيد (١) ﵁ فلو ركب المناسك كلها فقد قال في الكتاب أنه يحج الثانية راكبًا، فإذا طاف وسعى خرج إلى عرفات ماشيًا [حتى] (٢) يفيض، ولم يبين هل كان ركوبه اضطرارًا أو اختيارًا، ونحن نقول من حيث التفصيل: لا يخلو ركوبه في المناسك من [وجهين] (٣) إما أن يكون على معنى الترفه والاختيار، أو على معنى الغلبة والاضطرار. فإن كان [ركوبه] (٤) على معنى الترفه والاختيار: كان عليه أن يقضي قابلًا راكبًا، ثم يمشي المناسك على أي وجه كان مشيه منذورًا معينًا أو مضمونًا في الذمة، أو تطوعًا، ولا إشكال في ذلك. وإن كان [ركوبه] (٥) على معنى الغلبة والاضطرار كالعجز والمرض: فلا يخلو إما أن يكون نذره مضمونًا في الذمة وسمي حجًا، أو كان معينًا. فإن كان مضمونًا في الذمة: فإنه يقضي قابلًا [راكبًا] (٦) [و] (٧) قضي المناسك ماشيًا، ولا خلاف في [ذلك] (٨). وإن [كان] (٩) المنذور معينًا في عام بعينه. وسمىّ الحَّج أو لم يُسمِّه، أو كان مضمونًا [و] (١٠) لم يَسمِّ حجًا،

стр. 1095

هل يمشي المناسك في حجة القضاء أو يجوز له الركوب؟ فالمذهب على قولين [قائمين] (١) من "المدونة": أحدهما: أنه يجوز له الركوب، ولا شيء عليه، وهو قول مالك في المدونة: في الذي حلف بالمشي إلى بيت الله، فحنث، فمشى في حج، ففاته الحج: "أن المشي يجزئهُ، [ويجعله] (٢) في عمرة، ويقضي عامًا قابلًا، [ويهدي لفوات الحج، ولا شيء عليه غير ذلك". والثاني: أنَّهُ يمشي المناسك قابلًا] (٣)، وهو قول ابن القاسم في كتاب "محمد"، وظاهر الكتاب يدلُّ عليه أيضًا، فرأى مالك ﵁: أنَّهُ [إن] (٤) [غلب] (٥) على مشي المناسك، ولم يفته الحج: كان له الركوب ويجزئه وإن فاتهُ الحج: كان قد غلب على الوجهين جميعًا، فقضى الحج ولم يقض [المشي] (٦) وعلى أصل ابن القاسم، إن [غلب] (٧) على المشي وحده وشهد المناسك راكبًا: قضى قابلًا ويمشي المناسك. فإن غلب على الوجهين جميعًا الحج [والمشي] (٨)، حتى فاته الحج يمرض -[أو خطأ] (٩). قضى المشي والحج جميعًا. وينبني الخلاف على الخلاف: في مراعاة المقاصد والألفاظ:

стр. 1096

فمن اعتبر الألفاظ، قال: لا يلزمه مشي المناسك، لأنه قال: "إلى مكة"، و "إلى": في موضوعية الاستعمال في وضع اللغة، بمعنى الغاية [ومن شروط الغاية] (١)، أن يكون ما بعدها [خلافًا] (٢) لما قبلها. ومَنْ اعتبر المقاصد، قال: لا يلزمه مشي المناسك، لأنَّ المقصود من المشي إلى مكة: عمل المناسك، وهو فائدة المشي وثمرتُهُ. ولهذا فُرِّق بين مشى المناسك ومشي الطريق، فقال: إذا [مشى] (٣) مثل البريد واليوم لم يلزمه العود ثانية، وعليه الهدى، وقال: إذا ركب المناسك كُلَّها، فإنَّهُ يعود ثانية، فأمرهُ بالرجوع ثانية، وإن كان أقل من يوم، وما ذلك إلا لكونه مقصود المشي ومطلوبه، ولأنَّ الحاج فيها محبوسٌ أيامًا، فأشبه السفر، ولأنَّهُ مدة تقصر [فيها] (٤) الصلاة أيضًا. والجواب عن الوجه الثاني: إذا [نذر] (٥) الوصول إلى مكة، ويعود ولا نية له في أكثر من ذلك، فلا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: أن يرى أنَّ في ذلك فضيلة وقُربة [والثاني: أن يكون عالمًا أنه لا قربة فيه. فإن كان يرى أن فيه فضيلة وقربة] (٦) فلا شيء، [عليه] (٧) لا مشي ولا غيره، وهو قول أشهب في كتاب محمد: " [أن] (٨) من نذر المشي إلى مكة ولا نية له أن لا شيء عليه".

стр. 1097

وإن كان عالمًا أنَّهُ لا قُربة في نذره، ووصوله: كان نذره معصية، وهل يلزمهُ أن يجعل ذلك في حج أو عمرة؟ قولان قائمان من المُدوَّنة: أحدهما: أنّهُ يجعل ذلك في حج أو عمرة [ويلزمه ذلك وجوبًا] (١)، وهو قوله في "الكتاب": فيما [إذا] (٢) نذر أن يحمل فلانًا إلى بيت الله، وقصد بذلك التعب والمشقة على نفسه، حيث قال: "إنَّهُ يحج ماشيًا ويهدي". والثاني: أنَّهُ لا شيء عليه ولا يلزمهُ المشي، وهو قوله في "الكتاب" أيضًا، فيما إذا نذر الشي إلى بيت الله حافيًا [راجلًا] (٣) قال: فإنَّهُ ينتعل، فإن أهدى فحسن، وإن لم يهد فلا شيء عليه، وجميع ذلك نذر معصية. وينبني الخلاف على الخلاف: فيمن نذر معصية، هل يلزمه أن يعكس نذرهُ [في طاعة] (٤) أم لا؟ والجواب عن [الوجه] (٥) الثالث: إذا نذر المشي إلى بيت الله، ولا نية له في حج ولا عُمرة، فهو مخيَّر: إن شاء جعل مشيهُ في حج، وإن شاء جعلهُ في عُمرة. وإن جعله في عمرة، مشى حتى يسعى بين الصفا والمروة. فإن ركب بعد السعي، وقبل الحلاق فلا شيء عليه، لأنه لم يبق عليه شيء. وإن [جعلهُ] (٦) في حجٍ، فلا يخلو من أن يكون قد أدرك الحجَّ أو فاته:

стр. 1098

فإن أدرك الحج، فلا خلاف أنَّهُ يلزمهُ المشي إلى مكة، وهل يلزمه مشي المناسك أم لا؟ قولان: وقد قدَّمناهما، والصحيح أنَّهُ يلزمهُ مشي المناسك. فإن فاتهُ الحج، ففسخ مشيهُ في عمرة، فإنه يقضي قابلًا ويهدي، وهل يلزمهُ مشي المناسك في حجة القضاء أم لا؟ [فالمذهب] (١) على قولين قائمين من "المدونة" على حسب ما قدَّمناه أيضًا. فمن ألزمهُ مشي المناسك، فكأنه رأى أنَّهُ لما أحرم بالحجِّ أوجب على نفسه مشى المناسك. ومن لم يُوجب ذلك عليه، فكأنَّهُ لم يلزمهُ مشي المناسك إلا مع سلامة حجه، فمتى فاتهُ صار عملهُ عمل العُمرة أشبه من ابتداء العُمرة في عمرة، لأنَّ قضاءهُ الحج، ليس من [جهة] (٢) المشي، لأن المشي قد أتى به، وإنَّما سنة من فاتهُ الحج أن يقضيه، وإن غلب عليه تطوعًا كان [أو] (٣) واجبًا، وهذا ظاهر "المدونة"، لقولهِ: "فإنَّهُ يقضْي قابلًا ويهدي، ولا شيء عليه غير ذلك"، وظاهرهُ: أنَهُ لا شيء عليه من مشي المناسك، وإلا [فما المشي] (٤) الذي أشار إليه غيرهُ؟ والجواب عن [الوجه] (٥) الرابع: إذا قال عليه المشي، ولم يذكر مكة ولا شيء من حرمها، فقد اختلف فيه المذهب على قولين:

стр. 1099

أحدهما: أنه لا شيء عليه، وهو قول ابن القاسم. والثاني: [أن المشي يلزمه] (١) إلى مكة [وهو قول أشهب] (٢) والحمد لله وحده.

стр. 1100

المسألة الثانية فيمن نذر إحرامًا بحجة أو عُمرة إن فعل كذا، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أنَّ يقيِّد يمينه بوقت. والثاني: ألا يقيدها بوقت. فإن قيَّدها بوقت غير معين، وكان يمينه [على حج] (١)، مثل: أن يقول "يوم [يفعل] (٢) كذا أو كذا" أو "حين [يُفعل] (٣) كذا وكذا"، فهو مُحرم، فقد قال في "الكتاب": "إنَّهُ يكون مُحرمًا يوم كلمه"، وكذلك العُمرة. وهل يكون محرمًا بنفس الفعل أو لابد من إحرام يُحرم به، فيصير بإحرامه مُحرمًا؟ فإنه يتخرّج على قولين: أحدهما: أنه لا يكون محرمًا بنفس [الفعل] (٤)، حتى [يبتدئ] (٥) الإحرام، وهو ظاهر ما في "كتاب ابن المواز". والثاني: أنه يكون محرمًا بنفس الفعل، وهو ظاهر قول سحنون. فإن تمكن له الخروج [خرج] (٦) في الحال، وإلا بقى على إحرامه حتى يصيب الطريق، والحج والعمرة في ذلك سواء. فإن لم يُقيد يمينه بوقت، مثل: أن يقول "إن [فعل] (٧) كذا وكذا فهو

стр. 1101

محرم "أو" أنا محرم بحجة وعمرة": أمَّا الحجَّ فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يحنث قبل أشهر الحج. والثاني: أن يحنث في أشهر الحج. فإن حنث قبل أشهر الحج: أمّا في قوله: "فأنا محرم"، فلا خلاف أعلمه في المذهب: أنَّهُ لا يكون محرمًا بنفس الحنث، وإنما يكون محرمًا إذا دخل عليه أشهر الحج، لأنّ أشهر الحج وقتٌ للإحرام، وقبلها لا يجوز. فإذا حنث قبل أشهر الحج: أخَّر، حتى تدخل أشهر الحج إلا أن يكون له نية، فيكون محرمًا يوم حنث، كما قال في "الكتاب"، غير أنَّهُ ينظر: فإن كان أخر الخروج [بعد الحنث] (١) إلى دخول أشهر الحج، لم يصل ولم يدرك، لبعد بلده: فينبغي أن يخرج بغير إحرام، فإذا دخلت عليه أشهر الحج في طريقه أحرم. فإن حنث في أشهر الحج، فإنَّ الإحرام يلزمه ويكلف الخروج، للوفاء بعهده وبيمينه. وأمَّا قوله: "فأنا محرم" هل هو مثل قوله: "فأنا أحرم [أم لا] (٢)؟. فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلها قائمة من المدونة: أحدها: [أن قوله "فأنا مُحرم" كقوله "فأنا أحرم"] (٣)، فلا يكون محرمًا بنفس الحنث، وهو قول [ابن القاسم] (٤) في "كتاب الأيمان والنذور" لأن

стр. 1102

قوله: "محرم" و"أحرم" سواء اسمٌ للفعل يكون للماضي والحال والاستقبال. والثاني: أن قوله "أحرم" و"محرم" سواءٌ، يكون محرمًا بنفس الحنث، وهو قول سحنون وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب "النكاح الأول" في باب "النكاح إلى أجل"، في قوله: إذا قال لها "إذا مضى هذا الشهر، فأنا أتزوجك، فرضيت ورضى وليُّها"، قال مالك: "هذا النكاح باطل، ولا يقام عليه"، فظاهر قوله: يقتضي أن يمضي الشهر ينعقد النكاح بينهما من غير تجديد عقد، ولذلك قال مالك "النكاح باطل"، وهو تأويل الشيخ أبى محمد [عبد الحق] (١) في "النكت"،ولو لم يكن الأمر كذلك لما احتاج أن يقول أنَّ النكاح باطل أو لا عقد هناك، وإنَّما ذلك مواعدة، والمواعدة في النكاح في غير عدة، لا أعرف في المذهب مَنْ منعها. والثالث: أنه يكون محرمًا بنفس الحنث، في قوله: "أنا محرم"، ولا يكون بالحنث في قوله: "أنا أحرم حتى يبتدئ الإحرام"، فيُحمل قوله "أنا مُحرم" أي: صرتُ مُحرمًا، كقولهُ "فامرأتهُ طالق" أي: صارت ذات طلاق. وأما العمرة يحنث بها الحالف، فلا يخلو حين حنثه من أحد وجهين: أحدهما: أن يمكنه الخروج [ووجد أصحابه] (٢). والثاني: ألا يمكنه الخروج. فإن أمكنهُ الخروج، ووجد الأصحاب، فلا خلاف أعلمهُ في المذهب نصًا أنَّهُ يُؤمر بالخروج، ولا يجوز له التأخير [إلا متأولًا] (٣).

стр. 1103

فإن لم يمكنه الخروج، لعدم الصحابة، والطريق منقطعة، هل يلزمهُ الإحرام مع الافتقار، أو لا يلزمهُ إلا مع المشي؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يلزمه الإحرام بالحنث، وينتظر الخروج حتى يتمكن له، وهو قول سحنون، وبه قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب. والثاني: أنَّهُ لا يلزمهُ الإحرام [إلا إذا] (١) تمكن [له] (٢) الخروج فيخرج ساعتئذ، وهو قول مالك. وسبب الخلاف: الأمر المُطلق، هل هو على الفور أو على التراخي؟ فمن رأى أنهُ على الفور، قال: يحرم بنفس الحنث. ومن رأى أنهُ على التراخي، قال: لا يُحرم حتى يخرج، وهو ظاهر فعل النبي ﷺ أنه كان لا يحرم حتى تنبعث به راحلته (٣)، ويتوجه للذهاب، وليس من السنة أن يحرم ويُقيم في أهلهِ، ولأنَّ عقد اليمين لم يتضمن الإحرام بالقول، وإنَّما استحسن تعجيلهُ. وفي السألة وجهٌ رابع: وهو أنَّ [يقول] (٤) عليه المشي، ولم يذكر مكة ولا المسجد، فقال ابن القاسم: "ولا شيء عليه". وقال أشهب: "عليه المشي إلى مكة".

стр. 1104

المسألة الثالثة فيمن عجز عن المشي، فيركب (١)، فلا يخلو ركوبهُ من أن يكون اختيارًا أو اضطرارًا: فإن كان ركوبه اختيارًا، فإنه يعود ثانية، ويمشي الطريق كله، ويهدي [و] (٢) إن كان ركوبه اضطرارًا؛ [إما] (٣) لكونه عاجزًا عن مشي الطريق كله، [و] (٤) إمَّا لكونه مريضًا لا يُرجى برؤه، وإما لضعف اعتراهُ، فإنه يخرج [على تلك الحالة] (٥) ويحج راكبًا ويهدي، ولا عودة عليه [بعد ذلك] (٦) لأن ذلك [غاية] (٧) مقدورة. وكذلك إن كان [مريضًا] (٨) يرجى برؤهُ، إلا أنَّ نذرهُ كان في عام بعينه: فإنَّهُ يحج راكبًا، ويهدي ولا شيء عليه غير ذلك. وإن كان نذرهُ في عام مضمون، مثل: أن ينذر أن يحج ولم يعين سنة، فعجز عن المشي [ففرقه] (٩)،فلا يخلو تفريقهُ من أن يكون تفريق زمان أو تفريق مكان: فإن فرقه تفريق زمان، مثل أن يمشي أشهرًا ويقعدُ أشهرًا، هل يجزئهُ أو يُعيد؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:

стр. 1105

أحدهما: أنهُ يجزئهُ، ولا يلزمهُ العودة ثانية، وهو مشهور المذهب، لأنَّه قد مشى الطريق كُلَّهُ. والثاني: أنَّهُ [يُعيد] (١) ثانية، ويهدي ولا يجزئهُ الذهاب الأول، وهو قول ابن حبيب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"، لأنه قال: فيمن ركب بعض الطريق، "أنه [يعيد] (٢) ثانية، ويمشي ما ركب، ويهدي لما فرق من مشيه"، وهذا مثل [قول] (٣) ابن حبيب الذي يقول: "إن تتابع المشي واجب، وهو بمنزلة من عليه [صوم] (٤) شهرين متتابعين"، وقول ابن القاسم في المدونة، مثل قول ابن حبيب، لأنَّ المشي قد وَفَّاهُ، فلا يُؤمر بالهدى إلا على القول بوجوب تتابع المشي. وسبب الخلاف: المشي، هل يلزم تتابعهُ أم لا؟ فإن فرَّقهُ تفريق مكان، مثل: أن يركب موضعًا، ويمشي موضعًا، فلا يخلو ما ركب من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا: فإن كان يسيرًا، مثل: الأميال أو البريد أو اليوم، فإنهُ يهدي ولا عودة عليه ثانيةً. فإن كان ما ركب كثيرًا، فلا يخلو من أن يكون موضعهُ قريبًا من مكة أو بعيدًا منها: فإن كان قريبًا من مكة، مثل: المدينة ونحوها، فهل يعود ثانيةً ويمشي الطريق كله أو يمشي ما ركب خاصة؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنهُ يمشي ما ركب [خاصة] (٥)، ويركب ما مشى، وهو قول

стр. 1106

ابن القاسم في "المدونة"، لأنه لم يفرق في "الكتاب" بين القُرب والبعد. والثاني: أنهُ يرجع ثانية، ويمشي الطريق كله، وهو قول عبد الملك، وهو قول مالك في "كتاب محمد" أيضًا. وإن كان بعيدًا مثل: مصر [من] (١) مكة، فهل يعيد ثانية أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنهُ يعيد ثانية، ويمشي أماكن ركوبه، وهو قوله في "كتاب محمد"، وهو ظاهر "المدونة". والثاني: أنه لا يكلف العودة أصلًا، وهو قوله في شرح "ابن مزين"، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا، لأنه قال: "إذا علم أنه لا يقدر أن يستوعبه بمشيه ثانية لأجل المشقة، فلا يكلف الرجوع، ولا يكلفه على من كان موضعه أعظم وأصم. وإن كان موضعه بعيدًا جدًا، مثل: إفريقية من مكة والأندلس من مكة، فلا يكلف الرجوع قولًا واحدًا، وهذا تحصيل بعض المتأخرين، ويشبه أن يكون تفسيرًا لما في "المدونة"، وربُك أعلم. واختلف فيما إذا نزل مدينة أو منزلًا، هل له أن يركب في حوائجه أم لا؟؟ [قولان] (٢) قائمان من المدونة: أحدهما: أن لهُ أن يركب في حوائجه، وهو نصَّ "المدونة". والثاني: أنه لا يجوز له أن يركب في حوائجه ولا في رجوعه لحاجة نسيها وراءه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة، [على اختلاف الروايات ونص ما في الكتاب. قال مالك: إذا أخر طواف الإفاضة لا يركب في رمي الجمار] (٣)، ولا بأس أن يركب في حوائجه، قال ابن

стр. 1107

القاسم: "وأنا لا أرى به بأسًا، وإنما ذلك عندي بمنزلة ما لو مشى فيما وجب عليه، ثم أتى المدينة يركب في حوائجه أو رجع من الطريق في حاجة فيما قد مشى، فلا بأس أن يركب فيها، وهذا قول مالك الذي أحب أن [آخذ] (١) به" (٢)، وفي رواية ابن عتاب: "يجب ونأخذ به"، ونص هذا في "كتاب الحج": الذي أحب وآخذ به". قال [القاضي] (٣) أبو الفضل ﵀: "في هذا بيان وإشارة إلى الاختلاف من قوله: في الذي ركب في حوائجه أو في رجوعه لحاجته أنَّ لهُ قولًا آخر غير الذي أحب أن يأخذُهُ، وهو ما لهُ منصوص في سماع ابن القاسم، في الذي يركب في المناهل أحب إليّ أن يهدي، قال ابن القاسم: "وبلغني عن مالك [أنه] (٤) كان يستثقل أن يركب فيها، يعني في الذي سقط بعض متاعه" [أو في حوائجه] (٥)، فيتحصل له في "الكتاب" قولان: في ركوبه في الحوائج وفي حاجة نسيها، وهذا كله ينبني على الأصل الذي قدمناه في تتابع المشي، هل يجب [أم لا يجب. فافهم هذا التخريج فهو ظاهر لمن تأمل ما في الكتاب فإذا كلف الرجوع ثانية هل يجعل] (٦) مشيه الثاني [في] (٧) غير ما جعل فيه الأول أم لا؟ فلا يخلو من أن يكون نذرهُ مطلقًا أو مقيدًا: فإن كان مطلقًا، مثل: أن يقول: عليّ المشي إلى مكة، ولم ينو حجًا

стр. 1108

ولا عمرة"، فلا يخلو من أن يجعله في حج أو عُمرة: فإن جعله في عُمرة، فله أن يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول. فإن جعله في حج، فلا يخلو ركوبه في المناسك أو دون المناسك: فإن كان ركوبه في المناسك، هل يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من"المدونة": أحدهما: أن يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول [وهو قول مالك] (١). والثاني: أنهُ [لا يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول] (٢) [وهو قول ابن القاسم] (٣). وسبب الخلاف: اختلافهم في ناذر المشي فمشى فجعله في [حجة] (٤)، ثم فاته الحج، فهل يلزمهُ مشي المناسك قابلًا أو لا يلزمه؟. فابن القاسم يقول: يلزمه، ومالك يقول: لا يلزمهُ فإن كان ركوبُه في غير المناسك، فله أن يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول. فإن كان نذره مقيدًا، مثل: أن ينوي بمشيه حجة أو عمرة: فإن كان الأول حجًا، فلا خلاف أنهُ لا يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول. وإن كان الأول عمرة، فهل له أن يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول؟ فالمذهب على قولين:

стр. 1109

أحدهما: أنهُ لا يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول، وهو مذهب "المدونة" وهو المشهور. والثاني: أنَّ له أن يجعل الثاني في حج، وإن كان الأول عمرة، لأنَّ عمل [الحج] (١) يأتي [على عمل] العُمرة وزيادة، وهو قول ابن حبيب.

стр. 1110

المسألة الرابعة فيمن قال: أنا أحمل فلانًا إلى [مكة] (١) أو: أنا أحج به (٢)، ففي هذه المسألة ثلاثة أسئلة: فالسؤال الأول: إذا قال "أنا أحملُ فلانًا إلى بيت الله". والثاني: إذا قال "أنا أحج بفلان". والثالث: إذا قال "أنا أحج فلانًا". فالجواب عن [السؤال] (٣) الأول: إذا قال: "أنا أحمل فلانًا إلى بيت الله"، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينوي بذلك حمله [على] (٤) عنقه. والثاني: أن ينوي بذلك حملهُ في ماله. والثالث: ألا يكون له نية. فأما الوجه الأول: إذا نوى حملهُ على رقبته، فإنه يحج ماشيًا ويهدي، وهل الهدى في حقه واجب أو [مستحب] (٥)؟ فعلى قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أن الهدى عليه واجب، وهو ظاهر قوله في هذه المسألة. والثاني: أن عليه الهدى استحبابًا، وهو قولهُ في الكتاب، فيمن نذر أن يمشي إلى بيت الله حافيًا راجلًا، فإنه ينتعل:

стр. 1111

فإن أهدى: فحسن، وإن لم يهد: فلا شيء عليه وحمل المشقة هو المقصود في كلا الموضعين. وأما [الوجه] (١) الثاني: أن ينوي بذلك حمله في ماله دون رقبته، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن [ينوي أن] (٢) يحج معهُ. والثاني: أن ينوي بذلك حملهُ في مالهِ خاصة. والثالث: ألا يكون له نية أصلًا. فإن نوى أن يحج معه، فلا إشكال أنه يحج راكبًا، ولا هدى عليه. فإن أحب الرجل أن [يحج] (٣) معه زودهُ، وإن أبى فلا شيء عليه إلا أن يحج بنفسه. فإن نوى إحجاجه [بنفسه من ماله] (٤) خاصة، دون أن يحج [هو] (٥) معه، فهذا أيضًا مما لا إشكال فيه: أنه لا شيء عليه، لا حج ولا هدى إلا أن يُزَوِّدُ الرجل من ماله خاصة، فإن أبى الرجل أن يحج: فلا شيء عليه. وهذا معنى قول علي بن زياد في "المدونة". فإن نوى ألا يحمله على رقبته، ولم تكن له نية فيما عدا ذلك، فلا إشكال أنه: يلزمه إحجاج الرجل من ماله إن أحبَّ أن يحج، وهل يلزمه هو الحج في نفسه أم لا؟ فهذا مما اختلف تأويل [حذاق] (٦) المتأخرين فيه

стр. 1112

في "الكتاب"، لأنه قال في "المدونة": "وإن لم ينو حمله على عنقه، حج هو راكبًا، وحج بالرجل معه، ولا [هدى] (١) عليه". فبعض المتأخرين يقول: "إنما ألزمهُ الحج في نفسه لأنهُ نواهُ، ولو لم ينوه لكان لا شيء عليه". وبعضهم يقول: يلزمه الحج، بظاهر لفظه كأنه أراد السير معه إلى بيت الله، ويدل عليه قوله في "الكتاب": "أنا أحج بفلان" أوجب [عليه] (٢) من قوله: "أنا أحملهُ" -لا يريد على عنقه، وذلك يدل على أنه يلزمه الحج في الأمرين جميعًا، إلا أن أحد اللفظين أظهر من الآخر في الوجوب، لأن قوله: "أحج بفلان"، يفيد السير معه، والمشي في صحبته مع ما يناله من الرفق بماله، وهذا أظهر احتمالات اللفظ. وقوله: "أنا أحمله"، ولم يرد بذلك على عنقه، فأظهر الاحتمالات أن يحمله في ماله، ويزوده منه دون أن يسير معه. ولا شك ولا خفاء أنَّ: لفظة "الحمل" مشتركة بين العرف اللغوي والعرف الشرعي: فالعرف اللغوي: الحملُ على الرقبة، والعرف الشرعي: الحملُ في المال، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "حَمَلْتُ على فرس عتيق في سبيل الله (٣) "، قال الله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَوْا ...﴾ (٤)، واللفظة إذا وردت ولها عرفان: لغوي وشرعي، فإنما تحمل على الشرعي عند كثير من الأصوليين، ولهذا اعتبر

стр. 1113

"مالك" نية الحالف، فإذا لم تكن له نية: رجع في ذلك إلى العرف الشرعي. وأما الوجه الثالث: إذا لم تكن له نيةٌ أصلًا، لا في حملهِ على رقبته، ولا في حمله [في ماله]، هل يغلب في ذلك العرف الشرعي خاصة أو لابد من ملاحظة الأمرين؟ فهذا مما يتخرج على قولين: أحدهما: تغليب العرف الشرعي، ويحججه من ماله، ويحج هو راكبًا، وهو ظاهر "الكتاب" على الخلاف الذي قدَّمناه في حجه هو. والثاني: أنهُ لابد من ملاحظة الشقين واعتبار الأمرين، ويحج الحالف ماشيًا، ويحج الرجل من ماله راكبًا. والقولان: مخرجان، والتخرج ظاهر لمن أنصف. والجواب عن [السؤال] (١) الثاني: إذا قال أنا أحج بفلان إلى بيت الله، فإنَّ الحالف يحج هو راكبًا، ويحج بالرجل معه من ماله، إلا أن يأبى، وإنما يلزمه الحج في نفسه: لقوله: "أنا أحج"، ولزمه أن يحج بالرجل: لقوله: "بفلان". والجواب عن [السؤال] (٢) الثالث: إذا قال: "أنا أحج فلانًا إلى بيت الله"، فلا خلاف أنه: لا يلزمه الحج في نفسه، لأنه لم ينذره ولا التزمه، وإنما يلزمه إحجاج الرجل من ماله، فإن أبى: فلا شيء عليه [وعليه أكثر الرواة] (٣).

стр. 1114

المسألة الخامسة إذا قال عليه السير أو الانطلاق أو الذهاب إلى مكة (١)، والكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما: في معرفة ما يجب عليه المشي من الألفاظ. والثاني: في معرفة ما يلزمه المشي [إليه] (٢) من المواضع المنذورة. فالجواب عن [الفصل] (٣) الأول: في معرفة ما يجب به المشي من الألفاظ المنذورة: ولا خلاف في لفظ "المشي" إذا نوى به الحج أو العُمرة: أنَّهُ يلزمه. واختلف فيما لم تكن له نيَّة، فالمشهور أنه يلزمه المشي، ولأشهب في "كتاب محمد": "لا [شيء] عليه"، وقد قدَّمناهُ. وأمَّا ما عداهُ من الألفاظ: كالذهاب والانطلاق والمسير والرُكوب والإتيان والضرب وغير ذلك من الألفاظ التي يفهم منها المشي، فلا يخلو من أن يريد بذلك العمرة أو الحج [أو] (٤) لا. فإن قال: "عليه الذهاب إلى مكة"، ونوى بذلك حجًا أو عُمرة: فلا خلاف في المذهب أنه يلزمه إتيان مكة بحج أو عمرة إن شاء ماشيًا وإن شاء راكبًا. وكذلك سائر الألفاظ التي ذكرنا. فإن لم تكن له نية، هل يعطى لهذه الألفاظ حُكم المشي؟

стр. 1115

فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة": أحدهما: أنه لا يلزمه إتيان مكة في جميع هذه الألفاظ، وهو قوله في المدونة. والثاني: أنه يلزمه الإتيان في جميع [هذه الألفاظ] (١) حاجًا أو معتمرًا، وهو قول أشهب، ونص ابن القاسم فيها في الركوب أيضًا. واختلف المتأخرون: هل اختلف قول ابن القاسم في سائر الألفاظ، كاختلافه في الركوب؟ فمنهم من قال: إنما اختلف في الركوب خاصة دون ما عداه، وهو ظاهر تأويل أبي عمران الفاسي، وهو قول ابن المواز (٢) من متقدمي الأصحاب، وقد سئل أبو عمران الفاسي: "لم اختلف قول ابن القاسم في ناذر الركوب إلى مكة، ولم يختلف قوله في الذهاب والانطلاق ونحوه؟ فقال: "يحتمل أن يحمل على قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (٣)، فذكر المشاة والركبان، فكان الركوب في اللفظ أمام المشي، وذلك جيد في المخاطبات، كقولهم: "حافيًا منتعلًا"، ويحتمل أيضًا أن يكون: إنما وجد الخلاف في الركوب منصوصًا، فيقاس عليه باقي الألفاظ. ومنهم من يقول: إن ابن القاسم اختلف في الجميع، وأن له قولة أخرى، مثل قول أشهب، وهو الصحيح، وله في "المدونة" شواهد تدل على ذلك مع ماله منصوص في الأمهات مع ما نقله بعض مشايخ المذهب: منها قوله في "المدونة": "قال سحنون": وقد كان يختلف في هذا

стр. 1116

القول على رواية فتح الياء وكسر اللام -يريد ابن القاسم، وفيه رواية أخرى بضم الياء وفتح اللام، وقد وقع مُبينًا في بعض النسخ، وقد كان ابن القاسم يختلف قوله، ثم ذكر قول أشهب. وقد اختلف فيما اختلف فيه ابن القاسم، ويؤخذ من "المدونة" (١) أيضًا، من قوله: "أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة"، فقال: "يلزمه الحج أو العمرة، ولم يشترط في ذلك نية"، واختصر المسألة حمديس على أن قوله اختلف في جميع الألفاظ، وعليه تأويل ابن لُبابة، وقد حكى القولين [عنه] (٢) ابن حارث، وقد روى سحنون وابن رشد [عنه] (٣) مثل قول أشهب. قال [القاضي] (٤) أبو الفضل عياض: وأكثر المختصرين على أنَّ الخلاف في الركوب وحده. وعلى القول: بأنه يلزمه الإتيان في الركوب، هل يجوز له المشي إذا أراد أن يحمل المشقة على نفسه أو لا؟ [فظاهر] (٥) قول ابن القاسم: أنه يجوز له أن يؤثر المشي على الركوب إذا اختارهُ، ولأنه اختار الأثقل على الأخف. وأشهب يقول: "لا ينتقل عن الركوب إلى المشي، لأنه خفف عن نفسه مؤنة الكراء والشراء، وهو نفقة وجبت عليه لله تعالى أن يخرجها في طاعة الله تعالى سبحانه [فوجه القول الأول بمساواة هذه الألفاظ أن المقصود منها الوصول إلى مكة فمشى. فهم أن المقصود منها إتيان مكة فأمر بإتيانها كما لو عبر بلفظ المشي والاعتبار بالمعاني لا بالألفاظ] (٦).

стр. 1117

ووجه القول الثاني: أن لفظة "المشي" [مفهومة مشهورة] (١) في عرف الاستعمال، إذ العادة الجارية والسنة المطردة أن من حلف بالمشي إلى مكة، أنه قصد إتيانها، لإحدى العبادتين: إما حجة وإما عمرة. وما عدا هذا من سائر الألفاظ بخلاف ذلك حتى ينوي، وذلك من باب التخصيص بالعبادة. والجواب عن [الفصل] (٢) الثاني: في معرفة ما يلزم المشي إليه من المواضع، وقد قال النبي ﷺ : "لا تشد المطي إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد بيت المقدس، أو إيليا شك من الراوي" (٣). ومعنى قوله ﷺ :"لا تُستعمل المطى" (٤) أي: لا [يتكلف] (٥) السفر، لأن المطايا لا تُستعمل إلا للأسفار البعيدة التي يحتاج فيها إلى استعداد المراكب والأزواد، وسواءٌ كانت معهُ راحلة أم لا. فإذا نذر المشي إلى غير هذه المساجد الثلاثة، فلا يجوز له الوفاء به، لأن ذلك نذر معصية، ويؤمر أن يعكسه في طاعة، إلا أن ينذر المشي إلى ساحل من [السواحل] (٦)، فإنه يؤمر بالوفاء، وإن كان من أهل مكة والمدينة أفضل [لكون] (٧) السواحل فيها [الحرس] (٨) على المسلمين وسدِّ

стр. 1118

الثغور، وهو معنى لا يوجد بالمدينة [ولا بمكة] (١). فإذا نذر المشي إلى أحد المسجدين، مسجد الرسول أو مسجد إيليا، فلا يخلو من أن يذكر المسجد أو لا يذكره: فإن ذكر المسجد أو لم يذكره، إلا أنه [قصد] (٢) الصلاة في مسجد ذلك الموضع: فلا خلاف أعلمه في المذهب في وجوب الإتيان [عليه] (٣)، إلا ما ذكر عن إسماعيل القاضي؛ أنه لا يلزمه شيء إلا أن يشاء [أن] (٤) يركب. وإنما الخلاف في الركوب، هل يجوز له إذا نذر المشي أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يركب ولا يمشي، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه يمشي ولا يركب، وهو قول ابن وهب في "الكتاب" أيضًا. والثالث: التفصيل بين القُرب والبُعد: فإن كان قريبًا، مثل: الأميال اليسيرة، مشى. وإن كان بعيدًا، ركب. وهو قولٌ حكاهُ ابن المواز في "كتابه". وهذا الخلاف ينبني على الأصل الذي قدمناه في التخصيص بالعادة، وذلك أن العادة إنما جرت بالمشي إلى مكة، فيطالب الناذر بمقتضى لفظه، والقضى عن عُهدة لفظه.

стр. 1119

وإن لم يذكر المسجد، ولا قصد الصلاة في ذلك الموضع. أما مسجد النبي ﷺ ومسجد بيت المقدس، فلا يلزمه إتيانهما جملة وأما مكة فقد اضطربت أجوبة "الكتاب" وألفاظه في ناذر المشي إلى بعض [مواضع مكة] (١)، وقد قال ابن القاسم: "إذا قال عليه المشي إلى مكة والمسجد الحرام أو البيت أو الكعبة أو الحجر أو الركن: لزمه. وإن قال إلى الصفا أو المروة أو الزمزم أو المقام أو مني أو عرفات: لم يلزمه". فألزمه: ابن القاسم المشي إذا قال: إلى مكة، وهي القرية، وأسقط عنه: إذا قال الصفا والمروة، وهما داخلان في القرية، وهما من مشاعر الحج أيضًا، وألزمه: إذا قال المسجد، وأسقطه عنه: إذا قال الزمزم أو المقام، وهما داخلان في المسجد، وهذا كله اضطراب واختلاف وتناقض من القول، وتحصيل في ذلك أنه مهما ذكر البيت أو جزءًا من أجزائه: فلا خلاف في [المذهب] (٢) في وجوب المشي عليه، من غير اعتبار نية. واختلف فيما كان متصلًا بالبيت، كالحجر والحطيم: على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن له حكم البيت، وهو تأويل أبي محمد بن أبي زيد (٣) على "الكتاب"، وهو ثابت في الحجر في بعض الروايات [في "كتاب النذور"] (٤)، ولا يكون المشي إلا على من قال: مكة، إلى أن قال: أو الحجر أو الركن، وهما ثابتان في "كتاب الحج" ونص في "المدونة" في كتاب

стр. 1120

الصلاة الأول: "أن الحجر حكمه حكم البيت". والثاني: أن الحجر والحطيم لا يلزمه المشي [إليهما] (١)، وهو قول ابن حبيب [وقد تأول ما قاله ابن حبيب] (٢)، على أنه اختلاف حال، ويكون قوله وفاق "المدونة"، ويحمل قوله: على أن الحجر والحطيم من البيت، لأن الحطيم ما بين الباب إلى المقام. فتكلم ابن القاسم على: ما اتصل منه بالبيت. وتكلم ابن حبيب على: أوله مما بان عن البيت. وكذلك الحجر، لأن منه ما هو من البيت، ومنه ما ليس منه، وإنما أدخل احتفاظًا واحتياطًا، كذا ذكر المحدثون والمؤرخون، فكأنه جعل غاية مشيه [إلى] (٣) أوله، كقوله "إلى الحرم"، ولا شك أن البيت من الحرم، متصل به، وإنما سمي بالحطيم: لتحطم الناس فيه عند الطواف والركوع، وإذا ذكر المسجد: لا [شك أنه] (٤) يلزمه وكذلك مكة، فكان يجب أن يلزمه المشي متى ذكر شيئًا مما هو داخل المسجد، كما قال في الكعبة، وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة"، وهو خلاف منصوص [فيها فيكون] (٥) فيما إذا ذكر شيئًا مما هو في المسجد: قولان، وكذلك أيضًا في القرية: أن يلزمه المشي مهما ذكر [شيئًا] (٦) مما هو داخل فيها، كالصفا والمروة أو غيرهما، وهو قول أصبغ.

стр. 1121

وتغالى ابن حبيب حتى قال (١): يلزمه المشي، متى ذكر الحرم أو بعض ما هو داخل فيه، كمنى ومزدلفة، ولا يلزمه فيما هو خارج عنه إلا عرفة، فإنه يلزمه المشي إذا ذكرهُ وإن كان في الحل، لأنه من مشاعر الحج، فيتحصل في المسألة على هذا الترتيب أربعة [أقوال] (٢). أحدها: أنه يلزمه [في الحرم] (٣) ما حوى ولا يلزمه فيما هو خارج عنه [إلا عرفات] (٤)، وهو قول ابن حبيب. والثاني: أنه لا يلزمه إلا في القرية وما [حوته] (٥) دون ما كان خارجًا، عنها، وهو قول أصبغ (٦). والثالث: أنه لا يلزمه إلا في ذكر القرية [نفسها] (٧)، ولا يلزمه فيما هو داخل فيها، إلا المسجد وما فيه، وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة"، ونص ابن القاسم فيما هو خارج المسجد [وداخل القرية] (٨). والرابع: أنه لا يلزمه إلا من ذكر مكة أو المسجد أو الكعبة وأجزائها، وهو مشهور قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها. وسبب الخلاف: هل النظر إلى ما يقتضيه مجرد اللفظ أو النظر إلى ما جرت العادة بإتيانه في تلك الأماكن؟ فمن نظر إلى ما يقتضيه مجرد اللفظ، قال: لا يلزمه شيء.

стр. 1122

ومن نظر إلى ما جرت العادة بفعله هناك، قال: يلزمه إذا ذكر ما هو المقصود بالعادة، فكل منهم بناه على ما هو المقصود عنده. وبالله التوفيق والحمد لله وحده.

стр. 1123

المسألة السادسة في ناذر الهدى (١)، ولا يخلو ناذر الهدى من وجهين: أحدهما: أن ينذر هدى ما لا يصح هديهُ. والثاني: أن ينذر هدى ما يصح هديهُ. فإن نذر هدي ما لا يصح هديهُ، إما عادة وإما شرعًا، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك لحرمتهِ في نفسه. والثاني: أن يكون ذلك لصفةٍ هو عليها. فإن كان ذلك لحرمتهِ في نفسه، ولصفةٍ هو عليها شرعًا كالحُر، فهل يلزمه أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أنه يلزمه الهدي، وهو قول مالك: [في المدونة] (٢) إذا قال [الرجل] (٣): "أنا أهديك إلى بيت الله، إن فعلت كذا وكذا". والثاني: أنه لا شيء عليه، لأنه نذر معصية، وهو قول [ابن] (٤) عبد الحكم، وهو أحد قولي مالك في "كتاب الصيام"، فيما إذا نذر صوم ما لا يصح صومه، مثل: صوم يوم النحر ويوم الفطر. وسبب الخلاف: القصد إلى التقرب بما لا تصح القربة به شرعًا، هل هو قصد إلى البدل أم لا؟ فإن كان ذلك لصفة هو عليها في نفسه عادة، فلا يخلو من أن يكون

стр. 1124

ذلك في ملك نفسه أو في ملك غيره: فإن كان ذلك في ملك غيره، مثل أن يقول: "عبد فلان [أو داره هدي] " (١)، فهل يلزمه إخراج البدل أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يلزمه البدل، وهو نص "المدونة" (٢). والثاني: أنه يلزمه البدل، ويؤخذ من قوله: في الحر، إذ لا فرق بينهما، لأن معنى قوله: "أنا أهديك"، أي: "أنا أنحرك"، ولا فرق [بين] (٣) أن يقول ذلك لحرٍ أو لعبدٍ، إلا أن يقال لما كان يصح أن يباع ويشترى بثمنه هدى، فكأنه أراد بالهدي ثمنه، وهو لا يملكه ولا يلزمه شيء، كالقائل، عبد فلان ومال فلان صدقة، وقال النبي ﷺ : "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم" (٤). فإن كان ذلك في ملك نفسه، مثل: أن يقول: "عبدي أو داري هدي"، أو ذكر من العروض ما لم تجر العادة بهديه، فإنه: يبيعه [ويشتري هديًا. وهل يجوز أن يمسكه ويخرج قيمته أم لا؟ قولان قائمان من المدونة أحدهما: يجوز أن يمسكه] (٥)، ويخرج ثمنه، وهو ظاهر في قوله في "الكتاب": "إذا حلف فحنث، أخرج ثمن ذلك كله فبعث به أو اشترى به هديًا، وهو قوله في "كتاب الحج" [أيضًا] (٦). وقوله "أخرج ثمنه" ظاهره: أنه من عنده، وهو نص المذهب في غير "المدونة"، على ما نقله الشيخ أبو إسحاق التونسي وغيره.

стр. 1125

والثاني: أنه يبيعه ويشتري بثمنه هديًا، وهو نص "المدونة"، وظاهر هذا القول أنه [لا يجوز] (١) إمساكه وإخراج قيمته. وقد ذكر ابن المواز القولين عن مالك (٢)، ولا فرق في جميع ذلك بين أن يكون بيمين أو بغير يمين. وسبب الخلاف: هل ذلك من باب شراء المرء صدقته أم لا؟ فإذا باعه أو أخرج قيمته من عنده، فلا يخلو من وجهين: إما أن يبلغ ذلك ثمن هدى أو لا يبلغ: فإن بلغ ثمن هدي، فإنه يبعث به لمن يشتري به هديًا من حيث يبلغ إلى مكة. فإن عجز عن ثمن هدي أو اشترى هديًا، وفضلت فضلة لا تبلغ ثمن هدى آخر، هل يبعث بها أو يتصدق حيث هو؟ قولان في الكتاب: أحدهما: أنه يبعث بها إلى خزنة الكعبة، وهو قولُ مالك في "الكتاب". والثانى: أن يتصدق بتلك الفضلة حيث هو، ولا يبعث بها، وهو قول ابن القاسم في الكتاب أيضًا. وفي المسألة قول ثالث: وهو أن يتصدق بها على مساكين مكة، وهو اختيار أبي الحسن اللخمي. ووجه قول مالك: أنه شيء نذر صرفه إلى مكة، فعجز عن ثمن هدي، فكان صرفه حيث هو أولى، إذ لاحق إلى الكعبة، كما لو قال: "مالى في طيب الكعبة أو كسوتها".
следующие страницы →