← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

مسألة مفردة إن شاء الله. وأما نقل الشيء المغصوب من بلد إلى بلد، هل يكون ذلك فوتًا يوجب تضمين الغاصب أم لا؟ فلا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: أن يكون المغصوب حيوانًا أو عروضًا. والثاني: أن يكون مكيلًا أو موزونًا مأكولًا. فإن كان حيوانًا أو عروضًا، فالمذهب فيه على ثلاثة أقوال: أحدهما: أن ذلك فوت، والمغصوب منه بالخيار بين أن يأخذ منه متاعه بعينه، أو يضمنه قيمته يوم الغصب، وهو قول أصبغ، وظاهر روايته عن أشهب في سماعه. والثاني: أن ذلك ليس بفوت، فليس للمغصوب منه إلا أن يأخذ متاعه، وهو قول سحنون؛ لأنه [رأى] (١) أن نقل ذلك كله من بلد إلى بلد بمنزلة حوالة للأسواق. والثالث: التفصيل بين الحيوان والعروض، فتفوت العروض بذلك، ويكون المغصوب منه فيها بالخيار بين أن يأخذها، وبين أن يضمن الغاصب فيها قيمتها يوم غصبها في البلد الذي غصبها فيه، ولا يفوت الحيوان بذلك، فيأخذها المغصوب منه حيث وجدها, ولا يكون له أن يضمن الغاصب قيمتها، وهذا في الحيوان الذي لا يحتاج إلى الكراء على حملانه كالعبد، والدّابة، والبقرة، فهذا يجبر صاحبه على قبوله إن طلبه الغاصب، ويجبر الغاصب على دفعه إن طلبه المغصوب منه. وأما ما يحتاج إلى الكراء على الحملان كالجواري، وصغار العبيد،

стр. 3502

فهو كسائر العروض، وهو قول مالك في "المجموعة". قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: وهذا إذا كان الطريق من البلد إلى بلد المغصوب منه مأمون. وأما إن كان غير مأمون فلا يجبر المغصوب منه على قبوله. وأما الكيل والموزون من الطعام، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس للمغصوب منه إلا مثل طعامه من البلد الذي اغتصبه [فيه] (١). والثاني: أن المغصوب منه بالخيار بين أن يأخذ طعامه بعينه، وبين أن يضمنه مثله في البلد الذي اغتصبه فيه. والثالث: تفرقة أصبغ بين أن يكون البلد الذي حمله إليه قريبًا أو بعيدًا، فإن كان قريبًا كان الخيار له بين أن يأخذ طعامه، وبين أن يضمنه مثله في البلد الذي اغتصبه فيه، وإن كان بعيدًا لم يكن له إلا مثله في البلد الذي اغتصبه فيه [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 3503

المسألة الرابعة في اختلاف الغاصب والمغصوب منه ولا يخلو اختلافهما من أربعة أوجه: أحدها: أن يختلفا في قدره [أحدهما] (١) يقول: غصبني مائة، ويقول الآخر: خمسين. والثانى: أن يختلفا في الجنس، يقول: غصبني هذا العبد، ويقول الغاصب: بل هذا الثوب. والثالث: أن يتفقا في الجنس أنه عبد أو ثوب، فيقول هذا: جيد، ويقول الآخر: ردئ، أو يأتي الغاصب بعبد، فيقول: هذا الذي غصبتك، ويقول الآخر: عبدي أفضل. والرابع: أن يتفقا أنه العبد، أو الثوب، ويأتي به معيبًا أو خلقًا، فيقول: هكذا كان، ويقول الآخر: بل كان جديدًا أو سليمًا. فالجواب عن الوجه الأول: إذا اختلفا في المقدار، واتفقا في الجنسية. فقد اختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أن القول فيه قول الغاصب سواء طرحها أو غاب عنها إذا ادعى معرفة ما فيها، وهو قوله في "المدونة" و"العتبية" فيمن انتهب صبرة، والناس ينظرون إليه أن القول [قول الغاصب] (٢)، ولم يفصل بين أن يغيب أو يكون قد طرحها. والثانى: أن القول قول المنتهَب منه، وهو قول أشهب، ومطرف،

стр. 3504

وابن كنانة، وهو الأظهر؛ لأن من غصب وفعل مثل ذلك لا يقر بالحق على وجهه، ويعترف بجميع ما أخذ، وهو بمنزلة من كتم، ولم يُقِر بشيء، فإن القول قول المغصوب منه إلا أن يأتي بما لا يشبه. والثالث: التفصيل بين أن يغيب عليها الغاصب، أو يكون قد طرحها، فإن غاب عليها كان القول قول الغاصب؛ لأنه ادعى التحقيق، فإن طرحها يكون القول قول المغصوب منه؛ لأنه ادعى التحقيق والغاصب ادعى التخيير، فالقول قول من ادعى التحقيق ما لم يأت [بأمر] (١) يستنكر. والجواب عن الوجه الثاني: إذا اختلفا في الجنس يقول: غصبني هذا العبد، ويقول الغاصب: بل هذا الثوب فلا يخلو من أن يأتي الغاصب بما يشبه أو لم يأت به، فإن أتى بما يشبه، فالقول قول الغاصب. وإن أتى بما لا يشبه، فهل يقبل قوله أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يقبل قوله، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه يقبل قوله، وهو قول أشهب فيمن غصب جارية، وقال: قد كانت صَمَّاء بَكمَاء عَمْيَاء، أن القول قوله، والذي قاله أشهب [في الجارية] (٢) فيه نظر؛ إذ لا يكاد تجتمع هذه العيوب، ويرغب أحد في غصبها. والجواب عن الوجه الثالث: إذا اتفقا في الجنس، واختلفا في الصفة. مثل: أن يتفقا أنه عبد أو ثوب، فيأتي الغاصب بثوب أو عبد، فيقول: هذا الذي غصبتك، ويقول الآخر: عبدي أفضل، فالقول قول

стр. 3505

الغاصب مع يمينه. والجواب عن الوجه الرابع: إذا اتفقا على عين الشيء المغصوب، واختلفا في صفته. مثل: أن يتفقا على [أنه] (١) ثوب أو عبد، فأتى بعبد معيب، أو ثوب خلق، فيقول: هكذا اغتصبته، ويقول الآخر: بل [كان] (٢) سليمًا وجديدًا، كان القول قول الغاصب مع يمينه ويسلمه لربه، فإن وجد المغصوب منه بينة أنه سليمًا أو جديدًا، أو الثوب قائم بيده، أو هلك، أو باعه، أو كان عبدًا، فأعتقه المغصوب منه، فإنه ينظر، فإن كان اختلافهما ليغرمه ما بين القيمتين رجع عليه بما بين قيمته جديدًا أو خلقا من غير مراعاة لحال الثوب، والعبد من وجود أو [فوات] (٣). وإن كان اختلافهما ليضمنه، فقال الغاصب لا [أضمن] (٤)؛ لأنه كان خَلِقًا كان للمغصوب منه أن يرجع على الغاصب بقيمته يوم غصبه جديدًا، ثم ينظر في الثوب، فإن كان قائمًا رده المغصب منه، وإن هلك كانت مصيبته من الغاصب؛ لأنه أكرهه على رده إليه، والقول قول ربه مع يمينه أنه هلك، ويرجع بالقيمة، وإن باعه أسلم الثمن الذي باعه به، وإن لبسه، فأبلاه غرم القيمة، وإن وهبه فقولان: أحدهما: أنه يتبع بقيمته كما لو لبسه، فأبلاه وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم. والثاني: أنه لا شيء عليه؛ لأن الغاصب باع له ذلك ظلمًا،

стр. 3506

وعدوانًا، وجحودًا، لكن يتبع الموهوب له، فإن كان عبدًا فأعتقه، فعلى قول أشهب لا يغرم قيمته، ويلزم على قول ابن القاسم أن يغرمها. فاما إذا ادعى الغاصب هلاك ما غصب، فإن اتفقا على صفته، فهو ذاك، وإن اختلفا في صفته كان القول قول الغاصب على ما قدمناه. فإن ظهر المغصوب بعد ذلك، فلا يخلو من أن يظهر [من] (١) عند الغاصب أو من عند غيره. فإن ظهر من عند الغاصب، فلا يخلو من أن يكون الغاصب هو الذي أخفاه أم لا، فإن كان الغاصب هو الذي أخفاه لرغبته فيه وتحامله عليه بالغصب؛ لعلمه أن صاحبه لا يتبعه أصلًا ظنًا به، فلربه أن يأخذه ويرد ما أخذ من القيمة إذا علم ذلك من الغاصب، وسواء ظهر ذلك على وفق الصفة أو على خلافها. فإن لم يعلم أن الغاصب أخفاه أو ظهر من عند غير الغاصب، فإن ظهر على وفق الصفة فلا إشكال، وإن ظهر على صفة هي أعلى مما وصف الغاصب، هل يرجع على الغاصب بتمام القيمة أو يرد ما أخذ، ويأخذ شيئه؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة. أحدهما: أنه يرجع عليه بتمام القيمة، فكأن الغاصب وجبت عليه القيمة، فجحد بعضها، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو أشهر الروايات. والثاني: أنه يرد ما أخذ من القيمة ويأخذ عين شيئه إن شاء، وهكذا وقع في بعض روايات "المدونة"، وهي رواية أبي زيد، وأصبغ عن ابن القاسم في "المبسوط".

стр. 3507

ووجه [القول بأنه يرجع بتمام القيمة ظاهر كما علل في الكتاب؛ لأن الحكم أوجب عليه القيمة، فجحد بعضها ووجه] (١) القول الثاني: أن القيمة إنما تجب على الغاصب بفوات الشيء المغصوب، فإذا حكم بها ثم ظهر، وانكشف أنه قائم، فالخيار للمغصوب منه بين التمادي على تتميم ذلك الحكم، أو نقضه ويأخذ عين شيئه؛ لانكشاف الأمر عن خطئه، وأنه وقع في غير محله [والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد] (٢).

стр. 3508

المسألة الخامسة فيمن غصب شيئًا ثم استحقه ربه وقد استهلكه الغاصب ولا يخلو الشيء المغصوب من أن يكون مما يرجع إلى القيمة، أو مما يرجع إلى المثل. فإن كان مما يرجع إلى القيمة، فإنه يرجع بقيمة ذلك ببلد [الغاصب] (١) يوم الغصب يأخذه بتلك القيمة أينما لقيه من البلد إن نقصت القيمة، أو زادت في غير البلد، ولا خلاف في ذلك. وأما إن كان المغصوب مكيلًا أو موزونًا، فاستهلكه، فلا يخلو من أن يكون جزافًا [لا يعلم] (٢) كيله أو مكيلته عرفت مكيلته. فإن كان جزافًا لم يعرف كيله، فهو كالعروض يغرم قيمته يوم غصبه. فإن قال المغصوب منه: أنا أغرمه من المكيلة ما لا شك أنه كان فيه. هل له ذلك أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك له. والثاني: أن ليس له ذلك. والقولان نقلهما اللخمي، ولم يذكر قائلهما، فإن كان مكيلًا عرف قدر مكيلته، فلا يخلو من أن يكون ذلك الجنس من الطعام موجودًا أو غير موجود. فإن كان موجودًا أو بأيدى الناس كثيرًا، فلا يخلو من أن يتغير سوق

стр. 3509

ذلك الطعام أم لم يتغير سوقه، فإن تغير سوقه مثل أن يغصبه [في شدة] (١) ثم صار إلى رخاء، هل يغرم مثله أو قيمته؟ على قولين: أحدهما: أنه يغرم مثله، وهو قول ابن القاسم وهو مشهور المذهب. والثاني: أنه يغرم قيمته، وهذا يتخرج على ما حكاه ابن شعبان أنه يغرم أعلى القيم؛ لأنه قد حرمه ذلك السوق. فإن لم يتغير سوقه، فلا يخلو من أن يلقاه بالبلد الذي غصبه فيه , أو في غيرها، فإن لقيه بالبلد الذي غصبه فيه، [فإنه يغرم قدر ذلك الطعام مكيله قولًا واحدًا، فإن لقيه بغير بلد الغاصب، فأراد أن يغرم المثل هناك، هل يمكن من ذلك أم لا] (٢) فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يُمكَّن من ذلك، وإنما له المثل في بلد الغصب، وهو قول ابن القاسم في المدونة. والثاني: أن ذلك جائزًا له أن يأخذ [منه] (٣) المثل أينما لقيه؛ لأن المكيل، والموزون لا تختلف أقداره، وهو قول أشهب. فإن كان ذلك الجنس من الطعام غير موجود في ذلك الوقت، فالمذهب على قولين قائمين من المدونة. أحدهما: أنه ليس له إلا مثل طعامه في الموضع الذي غصبه فيه إلا أن يصطلحا على أمر جائز، وهو قول ابن القاسم في الكتاب. والثاني: أن المغصوب منه بالخيار بين أن يصبر أو يأخذه بالقيمة الآن، وهو قول أشهب.

стр. 3510

وينبني الخلاف على الخلاف في السلم في الفاكهة إذا انقطع إبانها قبل أن يستوفي رب السلم كيله أو وزنه. إلا أن أشهب قد ناقض أصله في مسألة السلم؛ لأنه قال هناك: "ليس له إلا رأس ماله، ولا يكون مخيرًا؛ لأنه يصير دينًا في دين"، فينبغي على قوله ألا يكون له إلا القيمة هاهنا؛ لأنه إذا كان له أن يتعجل القيمة، فرضي بأخذ المثل إذا وجد صار كناسخ القيمة في شيء إلى أجل [والحمد لله وحده] (١).

стр. 3511

المسألة السادسة في غلات الشيء المغصوب في الضمان وغلات الشيء المغصوب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: غلة متولدة [عن الشيء المغصوب على هيئته وشكله، وخلقته، وهي الولد. والثاني: غلة متولدة عنه] (١) على غير خلقته وهيئته وهي ثمر النخل، ولبن الماشية، وجبنها، وصوفها، وما أشبه ذلك. والثالث: غلل [غير] (٢) متولدة عن الشيء المغصوب، وهي الأكرية، والخراجات وما أشبه ذلك. فأما ما كان متولدًا عنه على هيئته [وصفته] (٣) وصورته، وهو الولد فلا خلاف بينهم أن على الغاصب رده مع الأم إن كانت الأم قائمة، وإن ماتت الأم كان مخيرًا بين الولد، وقيمة الأم. وأما ما كان متولدًا عنه على غير خلقته وهيئته، فاختلفوا فيه على قولين: أحدهما: أن ذلك للغاصب بالضمان لا يلزمه رده، وهذا القول حكاه ابن القصار عن مالك. والثاني: أنه يرده مع العين المغصوبة مع القيام أو مثلها مع الفوات، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهي رواية أشهب، وعلي بن زياد عن

стр. 3512

مالك. وإن ادعى الغاصب ضياع الغلة لم يصدق؛ لأنه غير مأمون عليها، فإذا ظهر هلاكها، وأخذ الرقاب ربها لم يضمن ذلك الغاصب؛ لأنها ليست المغصوبة، وإن تلف الشيء المغصوب كان مخيرًا بين أن يضمنه قيمته، ولا شيء له في الغلة، وبين أن يأخذه بالغلة، ولا شيء له من القيمة. وأما ما كان غير متولد عنه، فقد اختلفوا فيه على ستة أقوال: أحدها: أنه يلزمه ردها جملة بلا تفصيل، وهي رواية أشهب، وعلي [بن زياد] (١) عن مالك، وهو قول ابن القاسم في المدونة في "كتاب الاستحقاق" في العقار، والحيوان، وفي "كتاب الجعل"، والإجارة في الحيوان. والثاني: أنه لا يردها جملة بلا تفصيل، وهذا قول حكاه ابن القصار عن مالك ﵀. والثالث: أنه يغرم الغلة إن أكرى، ولا يلزمه شيء إن انتفع أو سكن أو عطل. والرابع: أنه يلزمه الغرم إن أكرى أو انتفع، ولا يلزمه إن عطل. والخامس: أنه يغرم غلة الزراع، والبقر، والغنم، والإبل، ولا يغرم غلة العبيد، والدَّواب، وهو قول ابن القاسم عن مالك على ما نقله اللخمي. والسادس: التفصيل بين الحيوان، والأصول، فيغرم غلة ما لا يسرع

стр. 3513

إليه التغيير كالدور، والعقار، ولا يغرم غلة ما يسرع إليه التغيير كالعبيد، والحيوان، وهو قول أحمد بن المعدل. وسبب الخلاف: تعارض العمومين في قوله ﷺ : "الخراج بالضمان" (١) وهو قول عام في كل من وجب عليه الضمان أن الغلة سائغة له بضمانه على عموم الخبر، وإن كان هذا الخبر واردًا [على سبب] (٢) وهو الغلام الذي اختصما فيه عند رسول الله ﷺ [وقد رده المشتري بالعيب، فمكنه النبي ﷺ ] (٣) من الرد ثم إن البائع طلب الغلة، فقال له النبي ﷺ : "الخراج بالضمان" (٤). إلا أن الأشهر عند الأصوليين أن اللفظ المستقل بنفسه إذا ورد على سبب أنه يجمل على عمومه، ولا يقتصر به على سببه. والثاني: قوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق" (٥) يريد أن الظالم هو الغاصب، ولا حق له في المغصوب لا غلة ولا غيرها. [وقيل] (٦) لعرقٍ بالتنوين [لا بالإضافة] (٧)، والعرق ما أحدثه الغاصب من بناء أو غرس أو حفر على ما يأتي بيانه في كتاب تحريم الآبار إن شاء الله. فهذا الخبر أيضًا عام في كل ظالم، فمن رجح أحد الخبرين قال

стр. 3514

بمقتضاه، ولا جرم، فإنه لم يخرج على منهاج الأصول إلا القولان المتقابلان لا غير. وما عداهما من جملة الأقاويل بموضع الاستحسان جارية على غير قياس، وهذا كله إذا غصب الأصل. وأما إذا غصب المنفعة دون الأصل، فإنه يرد الغلة قولًا واحدًا، سواء استغل أو استعمل أو عطل. واختلف في الغاصب إذا رد الغلات، هل يرجع بما أنفق على العبد، والدَّابة، وبالسقى، والعلاج، على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه يرجع بذلك ما لم يجاوز الغلة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"الموازية". والثاني: أنه لا يرجع بشيء من ذلك، وهو قول ابن القاسم في "الموازية". والثالث: التفصيل بين أن يكون المغصوب منه ممن يتولى خدمة ذلك الشيء وعنايته أم لا؟ فإن كان ممن يتولى الخدمة بيده ويباشر السقى، والعلاج بيده، فلا شيء عليه في السقى، والعلاج. وإن كان ممن عادته أن يستأجر على مثل ذلك دون أن يباشره بنفسه، فإنه يغرم السقى، والعلاج، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب" فيمن تعدّى على بقعة رجل فزرعها أو تعدى على زرعه فحصده. ووجه القول بأنه لا شيء له من قيمة السقى والعلاج، أن السقى لا عين له قائمة، فأشبه خياطة الغاصب، فإن صاحبها يأخذها بلا غرم؛ لأن الخياطة مستهلكة العين، والمغصوب منه إنما يغرم ما لو قلع [فانتفع] (١)

стр. 3515

به. ووجه القول الثاني بأنه يرجع بقيمة السقى والعلاج، أن الثمرة كأنها هي عين السقى؛ لما كانت عنه ألا ترى أن الأجير يكون أحق بها في التفليس؛ لأنه لما أخرجها بعمله، فكأنه باعها، فكان أحق بها في التفليس، وهو في الموت أسوة الغرماء، والثمرة على هذا كأنها هي السقى، فلهذا وجب ألا يأخذها المغصوب منه حتى يدفع أجر السقى والعلاج. فإن كانت النفقة على ما لا غلة له كصغير لم يبلغ الخدمة أو دَابّة لم تبلغ أن تركب فأنفق عليه الغاصب حتى كبر، فالمذهب فيه على قولين: أحدهما: أنه لا يرجع عليه الغاصب بشيء مما أنفق، وهو قول ابن القاسم في الكتاب. والثاني: أنه يرجع عليه بما أنفق؛ لأن ذلك مما لم يكن للمغصوب منه بد؛ لأن القصد بالإنفاق على ما له غلة ما ينال من غلته، فكان مقال الغاصب فيما نقلته نفقته من الصغر إلى الكبر أقوى منه فيما نما من الغلة، وهو قول أصبغ في الذي حصد زرع غيره، وقام عنه بالوظيفة بغير إذنه، وهو ظاهر قول محمَّد بن مسلمة في الذي ابتاع صغيرًا، فكبر عنده أو دابة عجفاء فسمنت [عنده] (١) أو [وديًا] (٢) صغيرًا، فغرسه ثم استحق ذلك رجل أنه بالخيار بين أن يجيز البيع، أو يأخذ القيمة من المشتري؛ لأن الكبر فوت فمنع المستحق من أخذ الأصول لما نمت بنفقة المشتري، فإذا كان ذلك كان مقال الغاصب في النفقة في هذا الوجه أقوى منه في الغلة، فإن كان المغصوب عينًا، فاغتله بالتجارة فيها، أو كان طعامًا فاغتله بزرعه في

стр. 3516

أرضه، فالغلة له [بضمانه] (١) قولًا واحدًا [في المذهب. والحمد لله وحده] (٢).

стр. 3517

المسألة السابعة فيمن ادعى على رجل أنه غصبه، أو ادعت امرأة على رجل أنه استكرهها أما الأول إذا ادعى عليه أنه غصبه، فلا يخلو المدعى عليه من أربعة أحوال: أحدها: أن يكون معروفًا بالخير، والصلاح. والثاني: أن يكون مستور الحال. والثالث: أن يكون مما يشار إليه بذلك، ولم يشتهر به. والرابع: أن يكون معروفًا بذلك مشتهرًا به. فأما الوجه الأول: إذا كان المدعى عليه معروفًا بالخير والصلاح، فإنه لا يمين على المدعى عليه. وهل يؤدب المدعي أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يؤدب، وهو قول ابن القاسم في الكتاب. والثاني: [أنه] (١) لا يؤدب أصلًا، وهو قول أشهب. وأما الحال الثاني: إذا كان المدعى عليه مستور الحال من أوسط الناس، فإنه لا يمين له عليه، ولا يؤدب المدعى بذلك. وأما الحال الثالث: إذا كان ممن يشار إليه بذلك، وليس بمعروف به، فإن المدعى عليه يحلف، ولا يعاقب المدعي، فإن نكل المدعى عليه عن اليمين حلف المدعي واستحق.

стр. 3518

وأما الحال الرابع: إذا كان معروفًا بذلك مشتهر به حلف، وضرب، وهُدِّد وسُجن، فإن تمادى على الجحود ترك، وإن اعترف بعد التهديد، هل يؤخذ بإقراره أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يؤخذ بإقراره سواء عَيَّنَ الشيء المدعى فيه أو لم يعينه؛ لأنه مكروه، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القطع في السرقة". والثاني: إن عَيَّنَ الشيء أخذ بإقراره، وإن لم يعينه لم يؤخذ به، ومعنى تعينه أن يدعي عليه أنه غصبه ثوبًا مثلًا، فأخرج ذلك الثوب [بعينه] (١) بعد الضرب، والتهديد. والثالث: أنه يؤخذ بإقراره على كل حال جملة من غير تفصيل بين أن يُعَيِّن أو لم يُعَيِّن، وهو قول سحنون قال: ولا يعرف ذلك إلا من ابتلى به يريد القضاة، ومن شابههم. قال: لأن ذلك الإكراه كان بوجه جائز، وإذا كان من الحق عقوبته [ضربه] (٢) وسجنه لما عرف من حاله لم لا يأخذه بإقراره أو لا فائدة للتضييق عليه إلا لذلك. قال: وإنما الإكراه الذي لا يؤخذ به ما كان ظلمًا أن يهدد، ويضرب من لا يجوز فعل ذلك به. وقد أجمع المسلمون على أن من أسلم بعد القتال، والسيف أنه مسلم كالطائع بغير إكراه؛ لأنه إكراه بحق، ولو أكره ذمي على الإسلام لم يكن إسلامه إسلامًا إن رجع عنه، وادعى أنه إكراه؛ لأن الذّمة التي عقدت لهم تمنع من إكراههم على ذلك.

стр. 3519

وأما الوجه الثاني: إذا ادعت امرأة أن فلانًا استكرهها، فلا يخلو من أن تكون لها بَيِّنَة على ما تَدَّعيه أم لا. فإن كان لها بَيِّنَة على ما تَدَّعِيه، فلا يخلو من أن تعاين البينة الغَصب والإصابة، أو تعاين الغصب دون الإصابة. فإن عاينت الغصب، والإصابة على حسب ما هو مشروط في الشهادة على الزنا، فإنه يغرم الصداق، ويقام عليه الحد. فإن عاينت الغصب دون الإصابة مثل أن يحملها بمعاينة البَيِّنَة حتى دخل بها ثم خرج فتقول: وطئني، فإنه لا يحكم عليه حكم الغاصب إلا أنه يؤدب، وعليه للمرأة جميع الصداق. وهل تحلف أم لا؟ قولان. فإن لم يعاينوا الغصب، ولا الإصابة، وادَّعت عليه أنه استكرهها، وغاب عليها, ولا بَيِّنة لها على دعواها، فإن ذلك ينقسم على وجهين: أحدهما: أنْ تَدَّعِي ذلك على رجل صالح لا يليق به ذلك. والثاني: أنْ تَدَّعِي ذلك على رجل متهم يليق به ذلك، وكل واحد من هذين الوجهين ينقسم على وجهين: أحدهما: أن تأتي مستغيثة متعلقة به متشبثة به فاضحة لنفسها تدمى إن كانت بكرًا. والثاني: أن تَدَّعِي ذلك من غير [أن تكون] (١) متشبثة به، ولا تدمى وهي بكر، فيأتي في جملة المسألة أربعة أقسام: فأما الوجه الأول من القسم الأول: وهي أن تَدَّعِي ذلك على رجل صالح لا يليق به ذلك، وهي غير متعلقة به. فلا شيء على الرجل قولًا

стр. 3520

واحدًا، أو تحد حد القذف، وحد الزنا إن ظهر بها حمل، وإن لم يظهر بها حمل، فهل تحد حد الزنا؟ فالمذهب يتخرج على قولين: أحدهما: أنها تحد، وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم. والثاني: أنها لا تحد، وهو الذي يأتي على [قول] (١) أشهب. وهذا الخلاف ينبني على اختلافهم فيمن أقر بوطء أمة رجل، وادعى أنه اشتراها منه أو ادعى أنه تزوجها، فقد قال ابن القاسم: إنه يحد، وقال أشهب: إنه لا يحد. وكذلك الحكم في المجهول الحال في هذا الوجه إذا كانت [هي] (٢) مجهولة الحال، ولم تكن من أهل الصون، وأما إن كانت من أهل الصون، وكان مجهول الحال: فإنه يتخرج وجوب الحد للقذف عليها له على قولين؟ ويحلف بدعواها على القول بأنها لا تحد له، فإن نكل عن اليمين حلفت هي، وكان لها صداقها عليه. وأما الوجه الثاني من القسم الأول: وهي أن تدعي ذلك على رجل صالح لا يليق به ذلك، وتأتي متعلقة به متشبثة قد بلغت من فضيحة نفسها: فإنها يسقط عنها حد الزنا في هذا الوجه، وإن ظهر بها حمل؛ لما بلغت من فضيحة نفسها. واختلف هل تحد له حد القذف أم لا؟ على قولين: [أحدهما] (٣): أنها تحد حد القذف، وهو قول ابن القاسم.

стр. 3521

والثاني: أنها لا تحد له حد القذف، وهو قوله في "الواضحة". وعلى القول بأنها تحد له: فلا يمين لها عليه، وعلى القول بأنها لا تحد له: فيحلف على تكذيب دعواها، فإن نكل عن اليمين حلفت، واستحقت عليه صداقها، وهذا إذا كانت [ممن] (١) تبالي بفضيحة نفسها: فإنها تحد له، قولًا واحدًا. وأما الوجه الأول من القسم الثاني: وهو أن تدعي ذلك على من يشار إليه بالفسق، ولا تأتي متعلقة به: فهذا الوجه لا يجب عليها فيه حد القذف للرجل، ولا حد الزنا لنفسها إلا أن يظهر بها حمل، ولا صداق لها، وينظر الإمام في أمره؛ فليسجنه ويبحث عن أمره، ويفعل فيه بما ينكشف له منه، فإن لم ينكشف في أمره بشيء: استحلف، فإن نكل عن اليمين: حلفت المرأة، واستحقت عليه صداق مثلها. وأما الوجه الثاني من القسم الثاني: وهو أن تدعي [بذلك] (٢) على من يشار إليه وتأتي متعلقة به متشبثة تدمى إن كانت بكرًا: فهذا الوجه يسقط عنها فيه حد القذف للرجل، وحد الزنا إن ظهر بها حمل، واختلف في وجوب الصداق لها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها يجب لها صداق مثلها، وهي رواية أشهب عن مالك؛ لأنه أوجب للأمة ما نقصها، فأحرى أن يجب للحرة صداق المثل. والثاني: أنها لا يجب لها عليه صداق، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم. والثالث: أنها يجب لها الصداق، وإن كانت حرة، ولا يجب لها شيء إن كانت أمة، وهو قول ابن الماجشون في "الواضحة".

стр. 3522

وعلى القول بأنها يجب لها الصداق بدعواها مع ما بلغت بنفسها، هل يجب بيمين، أو بغير يمين؟ قولان: أحدهما: أنها تأخذه بغير يمين، وهو قول أشهب. والثاني: أنها لا تأخذه إلا بيمين، وهو قول ابن القاسم، وهو الأظهر عند أهل النظر. فإن كان الرجل مجهول الحال لم يكن لها عليه صداق إن حلف، فإن نكل وحلفت: أخذت صداقها [والحمد لله وحده] (١).

стр. 3523

المسألة الثامنة فيمن اشترى أرضًا أو غصبها فبنى فيها ثم استحقت فإن غصبها وبنى فيها ثم استحقت: فالمستحق بالخيار؛ إن شاء ضمنها [قيمة] (١) أرضه، وإن شاء أمر بقلع بنيانه، ويعطيه قيمته [منقوضًا] (٢)، ويأخذه إن كانت له قيمة، على التحصيل الذي في أثناء الكتاب. فإن اشتراها وبنى فيها: فقد قال ابن القاسم في المدونة: إن المستحق بالخيار؛ فإن أحب أخذها، وأعطى المشتري قيمة [بنائه] (٣)، وإن أبى قيل للباني: أعطه قيمة أرضه براحًا، فإن أبيا: كانا شريكين؛ هذا بقيمة أرضه، وهذا بقيمة بنائه قائمًا، وهذا نص المدونة في المسألة. والخلاف في المذهب في هذه الوجوه الثلاثة. فإذا اختار أن يعطيه قيمة بنائه، هل يعطيه قيمة بنيانه أو ما زادت قيمته؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أن عليه قيمة البناء قائمًا، وهو قول ابن القاسم [في المدونة] (٤). والثاني: أن عليه ما أنفق، لا القيمة، وهو [نص] (٥) قوله في "العتبية".

стр. 3524

والثالث: أن يعطيه ما زاد البناء على قيمة الأرض، وهو قول محمد ابن مسلمة، فإن لم يزد شيئًا، فلا شيء له. والرابع: أن عليه [الأقل] (١) من قيمة البناء أو ما زاد. فإن كان قيمته أقل: أخذها، [فكأنه] (٢) قد أخذ قيمة سلعته، فإن كانت الزيادة أقل: لم يكن له غيرها؛ لأن الأرض أصل وصاحبها يقول: قيمة أرضي اليوم براحًا مائة دينار، وهي قائمة العين لم يذهب منها شيء، وقد كنت قادرًا على أن آخذ فيها ذلك الآن، فليس لك إلا ما زاد على المائة. فإن اختار أن يضمنه قيمة الأرض، ويسلمها للباني، ولا يعطيه قيمة العمارة: فقد اختلف فيه على قولين: أحدهما: أن الباني يعطيه قيمة أرضه من الآن، وهو قول ابن القاسم في المدونة. والثاني: أن له قيمة أرضه يوم كان بني فيها، وهو قول أشهب في "المجموعة". والأول أَبْيَن وأصح؛ لأن البناء لم يفوتها على صاحبها، وقد كان له أن يأخذها. فإن امتنع المستحق من دفع قيمة البناء، هل يجبر على أن يأخذ قيمة أرضه، أو يكونا شريكين؟ أو رضي يأخذ قيمة أرضه، هل يجبر الباني على دفعها، أو يكونا شريكين؟

стр. 3525

فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الباني يمكن من دفع قيمة الأرض إذا طلب ذلك، أو أبى صاحب الأرض من دفع قيمة البناء. والثاني: أن الباني لا يمكن من ذلك، ويكونا شريكين؛ لأن المستحق يقول له: أنت، وإن كنت بنيت بشبهة، فليس ذلك مما يوجب عليَّ أن أشتريه منك، أو أخرج لك من ملكي. والقولان لمالك ﵁. ولا يختلف أنه لو وقع الثوب في قدر صباغ، ولم يرض صاحب الثوب بدفع قيمة الصبغ: أنه ليس لصاحب الصبغ أن يدفع قيمة الثوب جبرًا، فإذا لم يكن ذلك له مع كون ذلك من غير سببه، كان إذا كان ذلك من سببه، وهو كالمخطئ على [ملك] (١) غيره أبين ثم تكون الشركة بالأقل من قيمة البناء أو ما زادت القيمة، فإن استحق [نصف] (٢) تلك الأرض، ودفع العوض عن البناء: كانت الشفعة في النصف الآخر. فإذا لم يرض بأخذ البناء، وأخذ قيمة الأرض، هل تسقط الشفعة أم لا؟ على قولين، والصحيح: أنها تسقط إذا سلم الأرض المستحقة، وأخذ القيمة؛ لأنه قد باع ما يستشفع به، ولم يبق له في الأرض [شيء] (٣). فإذا كانا شريكين، هل تسقط شفعته أم لا؟ على قولين أيضًا، والصحيح: أنها لا تسقط شفعته، وأنها واجبة [له] (٤)؛ لأن الشفعة

стр. 3526

تجب في الشيء الكثير بالجزء اليسير؛ لأنه قد بقى له من الأرض التي استحقها بشيء له يستشفع. تم الكتاب، والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله.

стр. 3527

منَاهِجُ التَّحْصِيلِ وَنَتائجُ لَطائِفِ التَّأْوِيلِ في شَرْحِ المدونةِ وحَلِّ مُشكِلاتهَا تَأليف أبي الحسَنَ عَليّ بن سَعيد الرجْراجي تَقديم فَضيلَة الشّيخ الأستَاذ الدكتور عَلي عَلي لُقَم اعتَنَى بهِ أبو الفَضل الدّمَياطي أحمَد بن عَليّ الجُزُء التَّاسِع مَركز التّراث الثقَافي المغربي دار ابن حزم

стр. 3528

حُقُوقُ الطَّبْعِ مَحْفُوظَةٌ الطبْعَة الأولى ١٤٢٨هـ -٢٠٠٧م ISBN ٩٩٥٣ - ٨١ - ٤٣١ - ٧ الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها مركز التراث الثقافي المغربي الدار البيضاء - ٥٢ شارع القسطلاني - الأحباس هاتف: ٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢/ فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢ المملكة المغربية دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤ هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١) بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb

стр. 3529

منَاهِجُ التَّحْصِيلِ وَنَتائجُ لَطائِفِ التَّأْوِيلِ في شَرحِ المدَوَّنَةِ وحَلَّ مُشكِلاتهَا (٩)

стр. 3530

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3531

كتاب الاستحقاق

стр. 3532

كتاب الاستحقاق تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها خمس مسائل: المسألة الأولى فيمن اكترى أرضًا فزرعها, أو غرسها، أو دارًا فسكنها ثم استحقها رجل فلا يخلو المكري من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مشتريًا. والثاني: أن يكون غاصبًا. والثالث: أن يكون وارثًا. فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان المكري مشتريًا، فلا يخلو المكري من ثلاثة أوجه: إما أن يسكن أو يبني، أو يغرس، أو يزرع. فأما الوجه الأول من الوجه الأول: إذا كانت دارًا، فسكنها المكتري، ثم استحقها رجل: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يستحقها قبل أن يسكن المكتري. أو بعد انقضاء [أمد السكنى] (١). أو استحقها في أثناء المدة. فأما إن استحقها بعد عقد الكراء، وقبل الشروع في السكنى: فالخيار ذلك للمستحق بين الفسخ، أو إمضاء الإجارة بالمسمى.

стр. 3533

فإن اختار الإمضاء: فلا مقال في ذلك للمكتري، ولا خلاف في ذلك إلا ما تأول من مسألة الغاصب، ويكون جميع الكراء للمستحق إن أجاز الكراء، ولا شيء فيه للمكري الذي استحق من يده، سواء انتقد الكراء أو لم ينتقده. فأما إن استحقها بعد انقضاء أمد الإجارة: فإن جميع الكراء يكون للمكري؛ لأن الغلة له بالضمان؛ لكونه مشتريًا، وقد استغل بوجه شبهة بخلاف الغاصب، على ما سنذكره في حكمه إن شاء الله. وأما إن استحقها في أثناء المدة: فإن الماضي من المدة يكون كراؤها للمكري، ولا مقال فيه للمستحق، وإنما مقاله في الباقي إن شاء فسخ فيه الكراء، وإن شاء جوزه [فيه] (١) بقدر ما ينوبه من المسمى. وأما الوجه الثاني من الوجه الأول: إذا كانت أرضًا، فبنى فيها أو غرس: فلا يخلو من أن يستحقها المستحق قبل انقضاء المدة، أو بعد انقضائها. فإن استحقها قبل انقضاء المدة، فإن ما مضى من المدة للمكري، ويخير المستحق في الباقي بين أن يفسخ الكراء أو يجيزه [على أحد القولين في جواز جميع السلعتين في البيع. وعلى القول الآخر يمنع من جواز ذلك؛ لأن حقه] (٢) على ما بقى من مدة الكراء مجهول، وذلك بيع بثمن مجهول؛ إذ لا يعرف ذلك إلا بعد التقويم. فإن اختار فسخ الكراء على القول بأن له أن يجيزه: فإنه يعطي للغارس قيمة غرسه، وبنائه قائمًا إلى أجل، فإن أبى: أعطاه الغارس قيمة أرضه براحا، فإن أبيا: كانا شريكين ثم يرجع المكتري على المكري بما بقى له من

стр. 3534

الكراء إن انتقده منه. واختلف بماذا يكون المكتري شريكًا على قولين: أحدهما: أنه يكون شريكًا بقيمة بنائه، وشجره على بقائه [وثباته] (١) في تلك الأرض إلى ذلك [الأمد] (٢)، وهو مذهب المدونة. والثاني: أنه يكون شريكًا بما زاد البناء، والغرس كما قال في الصبغ في أحد أقوال المذهب، وقد اعترض على قول ابن القاسم في الكتاب، حيث قال: إن المكتري يرجع على المكري بجميع الثمن مع أن المكتري قد انتفع بتقويم غرسه وبنائه على أنه باق [إلى] (٣) عشر سنين، فتزيد بذلك قيمته، فيصير قد انتفع بعض الانتفاع بالأرض التي اكتراها، فكيف يرجع على المكري بجميع كراء ما بقى له مع انتفاعه بالكراء الذي أكرى منه، وهذا الاعتراض لازم لابن القاسم، ولا انفصال عنه. فإن استحقها بعد انقضاء المدة: كان الكراء للمكتري، ولا حق فيه للمستحق، ويبقى سلطانه على المكتري، فيخير [عليه] (٤) بين أن يأمره بقلع غرسه، ونقض بنيانه، أو يعطيه قيمته مقلوعًا، على نعت ما تقدم في كتاب الغصب. وأما الوجه الثالث [من الوجه الأول] (٥): إذا كانت أرضًا فاكتراها للحرث، ثم استحقت: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يستحقها قبل أن يعمل فيها عملًا، أو بعد أن حرثها, ولم يزرع، أو بعد أن زرع. فأما إن استحقها قبل أن يعمل فيها المكتري عملًا، وكان ذلك في زمن

стр. 3535

عملها: فالخيار في ذلك للمستحق، إن شاء جوز الكراء، ويكون له جميع الكراء، وإن شاء فسخه،، ولا إشكال في ذلك. فإن استحقها بعد أن حرثها المكتري، وقبل أن يزرع: فقد اختلف فيه على قولين: أحدهما: أنه لا شيء للمستحق [في الكراء] (١). والثاني: أنه بالخيار بين أن يعطيه قيمة حرثه، فإن أبى: أعطاه الآخر قيمة كرائها، فإن أبى: هل يكونان شريكين أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن المكتري إذا أبَى أن يدفع قيمة كرائها: أنه يسلم الأرض بحرثه لربها, ولا شيء له عليه، وهو قول ابن القاسم في المستخرجة، وهو أحد الأقوال في كتاب "تضمين الصناع": إذا لم يدفع القاطع قيمة الثوب أسلمه بخياطته. والثاني: أنه يكون [شريكًا له] (٢) في كراء هذه السنة بقيمة الحرث إن أكريت، فيكون لهذا قيمة الأرض بلا حرث، ولهذا قيمة الحرث، فما [أكريت] (٣) به اقتسماه على ذلك، وإن لم يجد من يكتريها منه، وأكريت في العام الثاني: فعلى مثل ذلك إلا أن تذهب منفعة ذلك الحرث فلا يكون للذي حرثها شيء، وهو قول سحنون في مسألة تضمين الصناع: أن القاطع يشاركه [بالخياطة] (٤). فإن باعها المستحق لم يكن للذي زرعها شيء إلا أن يزيد الحرث في الثمن: فيكون له ذلك الزائد.

стр. 3536

فأما إن استحقها بعد أن زرعها المكتري: فلا يخلو من وجهين: إما أن يكون ذلك قبل فوات الإبان، أو بعد فواته، فإن كان ذلك قبل فوات الإبان: فالكراء للمستحق. واختلف في القدر الذي يصير له منه على قولين: أحدهما: أنه يكون له جميع الكراء، وهو قول ابن القاسم في المدونة؛ لأنه جاء في إبان الزراعة، وهو يدرك أن يزرع لولا ما عطل به المكتري الأرض، وهو أيضًا زرع بوجه شبهة، فلا يقدر المستحق على أن يأمر له بقلع زرعه. والثاني: أنه إن ذهب أول الإبان: كان للمكتري الأول بقدر ذلك من الكراء؛ لأن بقاء الزرع ذلك الأمد قبل قدوم المستحق له قدر من الكراء، وقد لا يكون زرعه اليوم لو ابتدأ زرعه مثل تبكيره بالزرع، فيكون للمستحق قدر ما ينوب الوقت الذي يستحقها فيه، وهو قول عبد الملك. واختلف إذا قدم المستحق في الإبان، وخاصم فحكم له بعد ذهابه، هل يكون للمكتري، أو للمستحق؟ على قولين حكاهما اللخمي. وأما إن قدم بعد فوات الإبان: فلا يخلو من أن تكون الأرض تزرع بطنًا واحدًا، أو أرضًا تزرع بطونًا. فإن كانت أرضًا تزرع بطنًا واحدًا: فالكراء في هذا الوجه للمكري، قولًا واحدًا. فإن كانت أرضًا تزرع بطونًا، فزرع بطنًا فاستحق قبل أن يزرع [البطن] (١) الثاني: كان الماضي للمكري الأول، والباقي للمستحق، ويكون

стр. 3537

له الخيار بين أن يجيز الكراء، أو يفسخه، فإن جوزه: كان له الخيار أيضًا إن شاء لزمه المسمى، وإن شاء لزمه كراء المثل؛ لأن حق الزارع في ألا يقلع زرعه فقط، وليس حقه في أن يكون ما عقد به المكري لازمًا للمستحق. والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان المكري غاصبًا: فلا يخلو المكتري من الأقسام التي قدمناها؛ إما أن يكون سكن، أو بناء أو غرس، أو زرع. فإن كان دارًا فسكنها: فلا خلاف في المذهب أن له الخيار فيما بقى من المدة إن شاء جوز فيها الكراء، وإن شاء [فسخه] (١) على الخلاف الذي قدمناه إذا جوز هل يجوز أم لا. واختلف في كراء ما مضى من المدة، هل يكون للمكري، أو للمستحق. ومبنى هذا الخلاف: على الخلاف الذي قدمناه في غلَّات الشيء المغصوب لمن تكون. فإن بني أو غرس: فلا يخلو من أن يعلم المكتري بالغصب، أو لا يعلم. فإن علم بالغصب: فحكمه حكم الغاصب في جميع وجوه الغصب. فإن لم يعلم به: فإن المستحق يخير بين أن يجيز الكراء بقية المدة، أو ينقضه فيعطيه قيمته قائمًا إلى الأجل الذي أكرى إليه، على ما بيناه في الفصل الذي قبله. فإن زرع: فلا يخلو من أن يعلم بالغصب، أو لا يعلم.

стр. 3538

فإن لم يعلم بالغصب: فحكمه حكم من اكترى من مشترٍ، وقد قدمناه. فإن علم بالغصب: فحكمه حكم الغاصب إذا غصب أرضًا، فزرعها ثم استحقها ربها: فلا يخلو من أن يستحقها في إبان الزراعة، أو بعد فوات الإبان. فإن استحقها في إبان الزراعة: فهو أحق بأرضه سواء أدركها قبل أن يزرعها الغاصب [أو] (١) بعد أن زرعها، إذا لم يبرز الزرع من الأرض، فإن برز من الأرض، وظهر: فلا يخلو من أن يبلغ مبلغًا [يقع به الانتفاع أو لا يبلغه. فإن بلغ أن] (٢) ينتفع به إن قلع: فالزرع للغاصب، وللمستحق أن يأمره بقلعه ليفرغ له أرضه، ويتمكن من زراعته. فإن اختار المستحق أن يدفع قيمته مقلوعًا، ويقر الزرع في أرضه، هل يجوز ذلك له أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك له، وهو مذهب المدونة. والثاني: أن ذلك لا يجوز له؛ لأن ذلك من باب بيع الزرع قبل بُدُو صلاحه على التبقية. والأول أظهر؛ لأن النهي من النبي ﷺ عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها على البقاء: إنما أراد بذلك إذا كان للبقاء ثمنًا, ولا يدري هل يسلم أو لا يسلم، وفي مسألتنا: فإنه يدفع قيمته مقلوعًا مطروحًا، وليس للبقاء ثمن.

стр. 3539

فإن بلغ للزرع مبلغًا لا يقع به الانتفاع في حين الاستحقاق: فإن الزرع لصاحب الأرض بلا قيمة؛ كما لو كان الاستحقاق قبل البروز، إلا أن يشاء أن يكلف الزارع [قلعه] (١): فإن ذلك له. وأما إذا وقع الاستحقاق بعد خروج الإبان، هل يكون الزرع للغاصب، أو للمغصوب منه؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الزرع للغاصب، وعليه كراء الأرض، وهو قول مالك في المدونة. والثاني: أن الزرع للمغصوب منه الأرض، وإن خرج الإبان وطاب الزرع أو حصد، وهذا القول مروي عن مالك أيضًا. والثالث: أن الزرع للغاصب، وللمستحق أن يقلعه، ويأخذ أرضه، وهي رواية ذكرها أبو محمَّد عبد الوهاب القاضي في المذهب، والرواية الثانية حكاها الشيخ أبو الحسن اللخمي. فوجه القول الأول: أن المستحق إذا استحق أرضه، وقد فات إبان الزرع: لا حق له في الزرع، وإنما حقه في كراء أرضه الذي انتفع به الغاصب لا أكثر، فإذا أخذه لم يظلم. ووجه القول الثاني: قوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق" (٢). ووجه القول الثالث: ما رواه الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: "من زرع أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته" (٣)، ولم

стр. 3540

يفرق بين القيام في الإبان، ولا بعده. والجواب عن الوجه الثالث من أصل التقسيم: إذا كان المستحق وارثًا؛ مثل أن تكون دارًا بيد رجل فسكنها، أو أكراها من غيره، أو كانت أرضًا فزرعها واستغلها زمانًا: فلا يخلو من كان ذلك الشيء بيده من ثلاثة أوجه: إما أن يكون استغل، أو استعمل، أو عطل. فإن استغل: فلا يخلو من أن يكون وارثًا طرأ عليه من يشاركه في الميراث، أو كان وارثًا ثم طرأ عليه من يحجبه عن الميراث. فإن كان وارثًا وبيده دار أو أرض يستغلها ويأخذ خراجها، وما يتولد منها من سائر أنواع الغلات، ثم طرأ عليه أخ يشاركه في الميراث: فلا يخلو الأخ الذي أكرى أو استغل من أن يكون قد حابى في الكراء, أو لم يحاب. فإن لم يحاب في الكراء: فلا يخلو المكتري من أن يكون عالمًا بتعدي المكري، أو غير عالم، فإن كان عالمًا: فحكمه حكم المتعدي سواء في جميع وجوه التعدي، على حسب ما بيناه في كتاب الغصب. فإن كان غير عالم: فلا شيء عليه من قبل المستحق؛ لأنه استغل بوجه شبهة، وإنما سلطانه على أخيه الذي يقبض الغلة لنفسه. فأما إذا حابى في الكراء: فلا يخلو أمرهما من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا موسرين، أو معسرين، أو أحدهما موسر، والآخر معسر. فإن كان المكتري والمكري موسرين: فلا يخلو المكرى من أن يكون عالمًا بأخيه، أو غير عالم؛ فإن كان عالمًا، فهل يبدأ بالمحابِي، أو بالمحابَي
следующие страницы →