ذكر السبب فى خروج ديسم عن آذربيجان بعد تمكّنه منها وانهزامه من بين يدي المرزبان
كنا ذكرنا خبر ابن عبد الرزاق وتمكّنه من آذربيجان من قبل ركن الدولة واتّفق أن أوحش كاتبا له كان صحبه من خراسان واعتمد لوزارته ابن محمود لخدمته إيّاه بالأموال قديما ولخبرته بالبلدان. فاستوحش الكاتب وتركه إلى أن أشخصه لجياية الأموال فى نواحي ديسم وضم إليه جيشا. فلمّا وجد الفرصة كاتب ديسما وهرب إليه بذلك الجيش كلّه.
فنفرت نفس ابن عبد الرزاق [١٩٧] من آذربيجان وعاد إلى الرىّ وأخذ معه ابن محمود وسار ديسم إلى أردبيل واستأذنه الكاتب الخراساني فى العود إلى بلده فأذن له وأحسن بالخلع والجوائز.
ودبّر أمره أبو عبد الله النعيمي وابن الصقر النصراني وتوافر إليه الديلم والأكراد فملك آذربيجان وبلادها وجبى الأموال وأعطى البلاد له باليد.
فتمكن من نشوى ودبيل وكان عليهما الفضل ابن جعفر الحمداني وابراهيم بن الضابى [١] على سبيل التغلب فصلحت حاله وانتظمت.
واتفق أن مات ابن الصقر النصراني فوصل من تركته إليه مائة ألف درهم سوى ما أغضى عنه وهو شيء كثير فتفرّد النعيمي بوزارته.
ولم يزل أمره منتظما إلى أن شره إلى مال النعيمي وطمع فيه فقبض عليه ونصب فى موضعه كاتبا له يقال له: علىّ بن عيسى، فاحتال النعيمي [بأن سارع] [٢] إلى بذل خطّه بكلّ ما اقترحه عليه ولم يحالفه وسلك سبيل المداراة ثم قال له:
стр. 2767
- «ان رددتني إلى العمل وسلمت إلىّ خليفتي علىّ بن عيسى صحّحت لك من جهته وجهتي سوى مال المواقفة [١] ألف ألف درهم.» فشرهت نفسه إلى ذلك ورده إلى موضعه وقبض على علىّ بن عيسى وسلّمه إليه.
وكان المرزبان بن محمد فى تلك الأيام قد ملك القلعة التي حبس فيها بسميرم وقتل الموكّل به وهو شير اسفار وكان أيضا قد أفلت علىّ بن ميشكى المعروف ببلكا [٢] المأسور معه [١٩٨] من حبس ركن الدولة وصار إلى الجبل وجمع جمعا كثيرا وكاتب الديلم الذين كانوا مع ديسم واستمالهم وسار حتى قرب من وهسوذان أخى المرزبان فكانا جميعا يدبّران على ديسم.
ثم وصلت كتب المرزبان إليها بخلاصه من القلعة وكاتب سائر الديلم بآذربيجان وليس عند ديسم من الخبر كلّه إلّا خبر علىّ بن ميشكى وظنّ أنّه وحده يقاتله.
فلحق بأردبيل ابن أخت له يقال له: غانم، مضموما إلى وزيره النعيمي ومستوفيا عليه المال الذي ضمنه عن نفسه وعن علىّ بن عيسى خليفته.
وسار على اغترار بمن معه من الديلم فوجد النعيمي الفرصة لما كان فى نفسه وأفسد غانما على خاله ديسم وقتل علىّ بن عيسى بالمكروه العظيم واستأمن إلى علىّ بن ميشكى واحتمل معه كل ما قدر عليه من المال.
وبلغ الخبر ديسما فعاد إلى أردبيل بعد أن كان بلغ إلى زنجان وشغب الديلم عليه فأخرج كل ذخيرة له من الصياغات وغيرها وتوجه إلى برذعة على سبيل النزهة والصيد وهو يظن أن خصمه علىّ بن ميشكى وليس عنده
стр. 2768
خبر المرزبان.
وكان أنفذ إلى أرمينية من يوطّئ له نيّات ملوكها من ابن الديراني وابن خاجيق [١] وأخيه حمزة وابن سباط وغيرهم ليلجأ إليهم إن حزبه أمر وورد عليه خبر علىّ بن ميشكى بتوجهه إلى أردبيل مع عدّة يسيرة ثقة بأنّ الديلم الذين مع ديسم سيستأمنون إليه، فانكفأ ديسم إلى أردبيل ووقعت الحرب فقلب [١٩٩] الديلم تراسهم فى وجهه وانحازوا إلى ابن ميشكى سوى جستان بن شرمزن [٢] فإنّه أخلص مودة ديسم فقبض الديلم عليه وانهزم ديسم فى نفر من الأكراد إلى بلد الأرمن فحمل إليه ملوكها ما تماسك به.
وورد عليه خبر المرزبان هناك فى مسيره عن قلعة سميرم التي كان محبوسا فيها وحصوله بأردبيل وتسلّمه القلاع والأموال وإنفاذه على ابن ميشكى فى جيش لطلب ديسم فلم يمكنه المقام فهرب إلى الموصل ثم صار إلى بغداد وذلك فى سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة فتلقّاه معزّ الدولة وأكرمه ورتّبه فى أعلى مرتبة وقضى حقّه وواصل إليه المبارّ والألطاف وبذل له خمسين ألف دينار إقطاعا فى كلّ سنة على أن يقيم بحضرته فأقام مديدة فى أطيب عيش وأرخى بال فكان يقول ذلك لكتّابه وأسبابه ويقول:
- «أرغد عيش لى وأهناه أيّام مقامي ببغداد.» ثمّ كاتبه أسبابه من آذربيجان بما اغترّ به فنزع إلى الإمرة والاستبداد فرحل من بغداد وزوّده معزّ الدولة مالا كثيرا وثيابا ودوابّ ومراكب. فسار إلى الشام زائرا سيف الدولة فى طريقه ثم انقلب من عنده إلى أرمينية وقصد ابن الديراني وابن خاجيق لثقته كانت به وإنّه كان أودعه ذخيرة له وكتب المرزبان إليه يلزمه القبض [عليه] . [٢٠٠]
стр. 2769
فدافعه ثمّ اضطر إلى أن أطاعه فى القبض عليه وسأله ألّا يلزمه تسليمه إليه فأجابه المرزبان إلى ذلك فأوقع ابن الديراني الحيلة على ديسم حتى قبض عليه وحصله عنده. فلمّا فعل ذلك كتب إليه المرزبان يلزمه حمله إلى حضرته ناقضا الشرط فدافعه مدة ثمّ اضطرّ إلى تسليمه فحبسه عنده ثمّ سمل عينه فلمّا توفّى المرزبان قتله بعض أسبابه خوفا من غائلته.
ذكر حيلة المرزبان على صاحب قلعة سميرم وما تمّ عليه حتى أفلت من موضعه وعاد إلى مملكته بآذربيجان
لما حصل المرزبان فى القلعة امتنع من الطعام والشراب خاصّة اللحوم وما أشبهها واقتصر على القوت اليسير من الحنطة التي يستظهر منه أيضا. فبلغ خبره ركن الدولة فأمر أن يوصل إليه طبّاخه الذي يثق به ليتولّى له ما كان يتولاه من المأكل والمشرب فحصل الطباخ فى القلعة معه وأخذ المرزبان فى تدبير الخلاص على يده.
وكان الطباخ خفيفا أحمق وظهر منه ما فى نفسه وعرف خبره شيراسفار صاحب القلعة فرمى به من قلة القلعة فهلك وضيّق على المرزبان.
وكانت والدة المرزبان خراسويه بنت جستان بن وهسوذان الملك تبذل الأموال فى تعرّف أخباره وتحتال فى خلاصه وكان إبراهيم المعروف بابن الصابي [١]- وقد تقدم ذكره- فى حبس ديسم فتخلّص منه ولم يجد مفزعا إلّا خراسويه فقصدها ولاذ بها [٢٠١] وضمن لها أن يتوصّل إلى المرزبان فأطلقت له مالا وأنفذته.
стр. 2770
وكانت المراغة بها رجل يعرف بتوبان يصارع ويقامر ويدخل فى كل منكر فطلبه أصحاب الشرط بها فخاف وهرب من المراغة وقصد خراسويه وضمن لها السعى لها فى أمر ابنها فطمعت فى جلادته وأطلقت له مالا وعرّفته خبر ابن الضابى وأنّه نفذ قبله.
فاجتمعا ولبسا لباس التجار وأظهرا الستر والدين والورع ولزما فناء القلعة وراسلا شيراسفار وعرّفاه أنّهما تاجران وأنّهما كانا فيما مضى يعاملان المرزبان وأنّه أخذ بضائعهما وامتعة التجار وسألاه أن يجمع بينهما وبين المرزبان ليتنجّزا كتبه وعلاماته بإزاحة علّتهما فيما يستحقانه وتستحقه التجار عليه وواصلا الدعاء له وعلى المرزبان وأكثرا لعنه وشتمه وكانا يقولان:
- «الحمد لله الذي كفى الناس شرّ هذا الظالم الذي لا يعرف الله ولا يؤمن بنبيّه صلى الله عليه.» وما أشبه هذا حتى رقّ شيراسفار لهما وأوصل واحدا واحدا منهما إليه من غير اجتماع فقال المرزبان:
- «لا أعرفهما.» فأغلظا له وواجهاه بالقبيح وخوّفاه بالله وسوء العاقبة وقال:
- «إنّى لا أعرف حسابهما ولكنّى أكتب بأن يحاسبا.» وكثر [٢٠٢] ترددهما إليه فضمت والدته إليهما وصيفا الديلمي المتطبّب [١]- وكان فى عسكر السلطان قديما- ورجلا آخر يعرف بأبى الحسن ابن جنى وجماعة من أهل الطرم على هيئة التجار وحملوا الألطاف إلى شيراسفار وأسبابه وإلى بواب القلعة وكانوا يشترون منهم الحوائج ويعدونهم، إلى أن
стр. 2771
يصلوا إلى أموالهم وبضائعهم، أنّهم يبذلون لهم أموالا جليلة وفى خلال ذلك يبكون ويشكّون ظلم المرزبان وعدوانه وكانوا يصلون إلى المرزبان فرادى ويوصلون الكتب ويتنجّزون الأجوبة ويدسّون إليه فى خلال ذلك الدنانير الكثيرة ليبذلها وينفقها فيما يحتاج إليه.
وكان لشيراسفار الموكّل بالقلعة غلام أمرد وضيء الوجه يحمل ترسه على مذهب الديلم فأظهر المرزبان عشقا له ومحبّة مفرطة فكان يعطيه سرّا الشيء بعد الشيء ويعده- إن هو تخلّص- بأمور عظيمة وولايات كبار حتى طمع الغلام وواطأه على كل ما أحبّ وأوصل إليه درعا فى زنبيل فيه تراب وعدة سكاكين وأوصل إليه شموعا فيها مبارد واجتمع معه على وجوه الحيل.
وأظهر أولئك القوم الذين كانوا فى زىّ التجار النسك والتألّه والخشوع، فصاروا يصلون إلى باب القلعة ويوصلهم البوّاب واحدا واحدا إلى أن تمّت الحيلة بموافقة هذا الغلام الإسبربر [١] [٢٠٣] .
وكان اتفق معه على يوم بعينه: إذا دخل إليه شيراسفار يناوله الترس والزوبين الذي لصاحبه إذا استدعاه منه ووافق بعض أولئك التجار أن يكونوا مع البوّاب ليفتكوا به إذا صاح بهم.
فلمّا كان فى ذلك اليوم وصل إليه توبان وكان أجلدهم وجلس آخر مع البوّاب ليفتك به إذا سمع الصوت وجلس الباقون قريبا من الباب ليدخلوا عند التمكن.
فلمّا صار إليه شيراسفار على رسم كان له وكان المرزبان قد برد مسمار قيده على مرّ الأيّام ولبس فى ذلك اليوم درعه والتفّ بكسائه وكان يخاطب
стр. 2772
شيراسفار قديما ويسأله أن يطلقه ويعده المواعيد العظام فيمتنع عليه شيراسفار ويقول:
- «لا أخون ركن الدولة أبدا ولكن أساعدك على كل ما يخفّف عنك غير هذا الباب.» فلمّا كان فى ذلك اليوم عاد المرزبان فى مسألته وكان توبان [١] حاضرا فقال لهم توبان:
- «بالله إلّا خلّصتمونى من الديون عليكم ثم عودوا لشأنكم.» فقال المرزبان لشيراسفار:
- «قد أطلت عنائي.» ونهض من موضعه وقد أخرج رجله من القيد وبادر إلى الباب فتسلم الترس والزوبين من الغلام ونهض شيراسفار ليتعلق به فوثب توبان [٢] إليه وعاركه وصرعه ثم وجأه بسكين كان معه حتى قتله وصاح المرزبان:
- «أشتلم.» [٣] على عادة الديلم فوثب الرجل [٢٠٤] الذي كان فى الدهليز على البواب فقتله ودخل القوم الذين كانوا بالقرب فأحدقوا بالمرزبان وكان منغمسا فى دم شيراسفار.
وكان الموكّلون فى القلعة على تفرّق ولعب بالنرّد فتداخلهم الرعب واجتمعوا وطلبوا الأمان فجمعهم المرزبان فى بيت وأخرج حرم المقتول شيراسفار وحرم الجماعة ثم طلب سلاح القوم الذين فى البيت فملكه، ثم أخرجهم من القلعة وتوافى إليه الرجال حتى خرج ولحق بمأمنه.
стр. 2773
ذكر الصلح بين ركن الدولة وابن محتاج
وفى هذه السنة تمّ الصلح بين ركن الدولة وابن محتاج بعد حروب كثيرة على باب الرىّ ومنازلة ثلاثة أشهر وانصرف ابن محتاج إلى خراسان.
ذكر السبب فى ذلك كان استمدّ وشمكير على عادته صاحب خراسان فأمدّه بأبى علىّ ابن محتاج فى جموع كثيرة وتوجّهوا إلى الرىّ وظنّوا أنّه الاستيصال وأنّه لا ثبات لركن الدولة ولا بقيّة له.
وجاء وشمكير على ثقة بذلك فعلم ركن الدولة أنّه لا يقوم لهؤلاء الجمع الكثير إلّا بالمطاولة والتحصّن بحيث يكون القتال من وجه واحد فجعل بلد الرىّ خلفه وحارب فى الموضع المعروف بطبرك، فدامت الحرب وصبر الفريقان إلى أن قرب الشتاء وملّ الخراسانية فلم يصبروا وخافوا أيضا سقوط الثلج عليهم فأخذوا [٢٠٥] فى العتاب والتراسل ورقّ أمر الحرب.
وكان الواسطة من قبل الخراسانية أبو جعفر الخازن وهو صاحب الكتاب المعروف بزيج الصفائح وله تقدّم فى علوم الرياضة ومرّ بينهما كلام كثير انتهى إلى الموادعة والصلح.
فأشير على ركن الدولة بأن يجهز على الجرح ولا ينفس عن خناق عدوّه فإنّه إنّما جنح للسلم عن ضرورة وقد نفد صبره وماله وشغّب عليه جنده:
«ووراءك بلدة مثل الرىّ وأنت وادع جامّ بها» ولم ير له أحد من نصحائه أن يجيبهم إلى الصلح وذاك أن النكول كان قد ظهر فيهم.
فلم يقبل ركن الدولة هذا الرأى من أحد على سداده ووضوحه ولو صدقهم بصدمة يصدمهم بها لأتى عليهم، والله أعلم بعواقب الأمور. فقبل
стр. 2774
الصلح وشقّ ذلك على وشمكير وبلغ منه مبلغا عظيما وذلك أنّه كان لا ينظر ولا يرجو أن يجمع أكثر مما جمع ولا يحتشد أكثر من هذا الاحتشاد.
فلمّا انصرف ابن محتاج طلب ركن الدولة وشمكير فانهزم من بين يديه ولم يقف فاتبعه حتى أخرجه من طبرستان وجرجان وحصل بإسفرايين.
وكتب إلى نوح بن نصر يعرفه ما جرى ويغريه بابن محتاج فاغتاظ نوح وتحرّك منه ما كان فى نفسه على ابن محتاج [٢٠٦] فعزله من الجيش ببكر بن مالك وأنفذه فى جيوش عظيمة.
فصار ذلك سببا قويّا ضروريا لمكاتبة أبى علىّ ابن محتاج ركن الدولة وعدوله إلى طاعته بعد أن أصابه فى نفسه وأسبابه وأحواله مكاره عظيمة أزالت ثقته بصاحبه وثقة صاحبه به ولم يبق بينهما حال يرجى معها الصلاح.
وكتب الخليفة فى هذا الصلح كتابا نفذ على يد ابن أبى عمرو الشرابي حاجب الخليفة وأبى مخلد عبد الله بن يحيى صاحب معزّ الدولة واتّفق موت نوح قبل أن يؤدّى الرسالة والكتاب وقعد مكانه عبد الملك بن نوح.
ولما قدم أبو مخلد من خراسان عائدا ومعه أبو بكر عبد الواحد بن أبى عمرو الشرابي اعترضهما ابن أبى الشوك الكردي من الشاذنجان [١] وكان متقلّدا أعمال المعاون بحلوان وإليه الحماية والطريق وأظهر الخدمة وخرج معهما مبذرقا بهما.
ثمّ غدر فنهبهما ونهب القافلة التي كانت معهما وأسر أبا مخلد وأفلت أبو بكر عبد الواحد بن أبى عمرو الشرابي فطالب ابن أبى الشوك معزّ الدولة بإطلاق رهائنه ووعد أنّه أن أطلقوا أطلق أبا مخلد فضمن له ذلك وأطلقوا وأطلق أبا مخلد.
стр. 2775
ثمّ خرج الحاجب سبكتكين إلى حلوان للإيقاع بالأكراد فدخل حلوان وقرّر أمر الأكراد وابن أبى الشوك [٢٠٧] وعاد.
ودخلت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة
وفيها خرج أبو سالم ديسم من بغداد وذلك لما يئس من نصرة معزّ الدولة.
ذكر السبب فى يأس ديسم من نصرة معزّ الدولة إيّاه
سبب ذلك أنّ ركن الدولة صالح المرزبان بن محمّد السلّار وصاهره وتمكّن سلّار من آذربيجان فانصرف ديسم من حضرة معزّ الدولة وودّعه وظنّ أنّه يجد عند ناصر الدولة عونا فقصده وأقام عنده بالموصل مدّة ثم مضى من عنده بعد اليأس منه إلى سيف الدولة أخيه وأقام عنده [١] أيضا مدّة.
ركن الدولة يكتب عهدا لابن محتاج على خراسان من جهة الخليفة
وفى هذه السنة قصد أبو علىّ ابن محتاج ركن الدولة للضرورة التي ذكرناها وجاء على طريق جبل ونداذ هرمز [٢] فاستقبله ركن الدولة وبالغ فى إكرامه وأضافه وجميع من معه وأقام لهم الأنزال الواسعة والتمس ابن محتاج عهدا يكتب له من جهة الخليفة على خراسان فكوتب معزّ الدولة فى ذلك
стр. 2776
فتكفّل به حتى فعل.
وفيها وصل رسول ابن محتاج إلى بغداد ولقى معزّ الدولة فاحتشد له احتشادا كثيرا وأوصله إلى الخليفة حتى عقد لأبى علىّ على خراسان وقلّده إيّاها مكان نوح بن نصر وسلّم إليه العقد والخلع وضم [٢٠٨] إليه أبا مخلد وأبا بكر بن أبى عمرو الشرابي وأنفذ معهم معزّ الدولة أبا منصور لشكرورز نجدة لأبى علىّ ابن محتاج ومعاونة له على نوح.
فلمّا كان بعد مدّة ورد كتاب أبى علىّ ابن محتاج بأنّه قد خطب لأمير المؤمنين المطيع لله بنيسابور ولم يكن خطب له إلى هذه الغاية فى شيء من بلدان خراسان وذكر فى كتابه صحّة موت نوح.
وورد الخبر بأنّ نوحا لمّا حضرته الوفاة كان بحضرته ابن مالك وهو أحد قوّاده الكبار فغلب على الأمور وعقد الأمر لعبد الملك بن نوح فى ولاية خراسان وتقلّد هو رئاسة الجيش مكان أبى علىّ ابن محتاج.
وسار يطلب ابن محتاج وانفلّ عن ابن محتاج رجاله وعادوا إلى صاحب خراسان وبقي أبو علىّ فى مائتي رجل من أصحابه سوى من ضمّ إليه من الديلم فاضطرّ إلى الهرب من بين يدي ابن مالك.
وورد خبره من الدامغان بأنّه صائر إلى ركن الدولة مستجيرا به، فقبله ركن الدولة أحسن قبول وأقام عنده بالرىّ. ونزل ابن مالك بنيسابور وتتبع أسباب ابن محتاج.
وفيها صرف الابزاعجى [١] عن الشرطة ببغداد واعتقل وصودر على ثلاثمائة ألف درهم وقلّد الشرطة مكانه تكينك نقيب الأتراك وقد كان طولب قبل صرفه بأربعين ألف درهم على أن يقرّر [٢٠٩] فى عمله من الشرطة
стр. 2777
ووعد بإقطاع فلم يفعل.
ذكر الرأى الخطأ من الابزاعجى حتى استمرت عليه النكبة وعظمت بعد أن كانت خفيفة
كان الابزاعجى منقطعا إلى أبى علىّ الخازن فاستشاره وكان أبو علىّ يعتنى به فأشار عليه ألّا يلتزم شيئا ولا يدخل تحت شيء مما يطالب به وقال له:
- «هذا يطمع فيك ويسير رسما عليك فإن امتنعت انحسم الطمع فيك وفيما بعده.
فقبل رأيه فأدّاه ذلك إلى النكبة وما أراد به أبو علىّ إلّا الخير ولكنّه أخطأ الرأى كما يخطئ الإنسان ولمّا أدّى هذا المال وانصرف إلى منزله قبض أيضا عليه ونكب نكبة ثانية وسلّم إلى تكينك فجرى عليه مكروه عظيم وصودر على مائتين وخمسين ألفا فأدّاها.
دخول ركن الدولة إلى جرجان
وفيها دخل ركن الدولة إلى جرجان ومعه أبو علىّ ابن محتاج بغير حرب وانصرف وشمكير عنه ودخل خراسان.
وفيها خطب (بمكة والحجاز) لركن الدولة ومعزّ الدولة وبختيار وبعدهم لابن طغج وذلك بعد حرب جرت بين أصحاب معزّ الدولة وبين المصريين.
وكان أبو علىّ ابن محمّد بن عبيد الله صاحب الحاج من قبل السلطان بمكّة، فأبلى [١] وقاتل وقتل ابن له بين يديه.
стр. 2778
ودخلت سنة أربع وأربعين وثلاثمائة [٢١٠]
تقليد معزّ الدولة إمرة الأمراء لابنه بختيار
وفيها عقد معزّ الدولة لابنه أبى منصور بختيار الرياسة وقلّده إمرة الأمراء وذلك فى المحرم من هذه السنة.
وكان سبب ذلك أنّه عرض لمعزّ الدولة علّة يقال له: فرمافسمس [١] وهي علّة الإنعاظ الدائم ويكون معه وجع شديد مع توتّر القضيب. وكان معزّ الدولة خوّارا فى أمراضه فأوصى وقلّد ابنه كما حكينا إمرة الأمراء.
عمران وأمتعة التجّار
وبلغ عمران بن شاهين أنّ معزّ الدولة قد مات واجتاز به مال يحمل إلى معزّ الدولة من الأهواز ومعه كار [٢] كبير فيه للتجار أمتعة عظيمة وكان مقدار المال المحمول لمعزّ الدولة مائة ألف دينار وما للتجار أضعاف ذلك.
فمدّ عمران يده إلى المال والكار على رسمه فى مثل ذلك فأخذ الجميع وقبض على المرعبل [٣] ملّاح معزّ الدولة الذي كان مع المال فصادره وضربه ضربا عظيما ودهقه إلى أن أزمنه. ثم أنفذ إليه معزّ الدولة أبا الحسين الكوكبي نقيب الطالبيين برسالة إلى أن ردّ المال وذهبت أمتعة التجار وانتقض الصلح وتأدّى الأمر إلى الوحشة.
وكان الحاجب سبكتكين أخرج إلى شهرزور فى جيش كثير ومعه عرّادات ومنجنيقات فأقام مدّة عليها ولم يمكنه فتحها [٢١١] واتّفق أنّ جيشا
стр. 2779
ورد من صاحب خراسان إلى الرىّ فاحتيج إلى إنفاذ سبكتكين إلى ركن الدولة مددا له فانصرف من شهرزور ولم يصنع شيئا.
استيلاء ابن ماكان على إصبهان ومبادرة ابن العميد
وفيها ورد ابن ماكان أصبهان وكان مسيره إليها على طريق المفازة من خراسان فهجم هجوما وأضطرّ أبو منصور بويه بن ركن الدولة وعيال ركن الدولة وجميع أصحابه أن يخرجوا على وجوههم إلى خان ألنجان [١] ومنها إلى الرباط على أقبح صورة واستولى ابن ماكان على أصبهان.
وكان الأستاذ الرئيس أبو الفضل ابن العميد- رفع الله درجته- بأرجان فبادر مع قطعة من العرب ونفر يسير من الديلم كانوا معه، فوجد ابن ماكان قد تبع أبا منصور بويه بن ركن الدولة ومن معه من الحرم فلحق سواده وملك خزائنه وتخلّص الأمير بويه والحرم وقد أشرف هو والحرم على الفضيحة والأسر فلحقه الأستاذ الرئيس فعارض ابن ماكان ودافعه بخان ألنجان فأوقع به واستأسره وبه ضربات وأسر جميع قوّاده وقتل أصحابه قتلا ذريعا.
وحمل الأستاذ الرئيس أبو الفضل ابن ماكان وقوّاده إلى القلعة بالخان ثم صار إلى إصبهان فأوقع بمن فيها من أصحاب ابن ماكان وورد الأمير [٢١٢] أبا منصور بويه بن ركن الدولة مع الحرم إلى إصبهان مصونين وتلافى ذلك الخطب العظيم أحسن تلاف.
وكان يحدّثنى- ﵀ بخبر هذه الوقعة مرّات فيقول:
لما التقينا بالخان انهزم عنى أصحابى واشتغل أصحاب ابن ماكان بالنهب
стр. 2780
والغارة وثبتّ أنفة [١] فقط من غير رجاء منّى فى ظفر، بل وقفت وقوف المستسلم للقتل والأسر. وذلك أنّى فكرت فى تلك الحالة وقلت: إن انصرفت بنفسي سالما ومثلت بين يدي صاحبي أىّ وجه يكون لى عنده وأىّ لسان يدور بعذر لى بحضرته بعد أن أسلمت أعزّته وأولاده وحرمه وبالجملة ملكه! ونظرت فإذا القتل علىّ فى حالتي تلك أهون من هذه الحال التي تصوّرتها فصرت لان أقتل كريما.
فسكنت واقفا وراء خيمة لى بعمودين وأنا أرى أطنابها تقطع وما فيها يخرج ومن يراني لا يظنّ أنّى أثبت فى ذلك الموضع مع تلك الصورة، فبينما أنا كذلك وأصحاب ابن ماكان مشغولون عنّى بالنهب إذ ثاب إلىّ غلامي روين وفلان وفلان وراءهم العرب فثاب منهم جماعة يسيرة فحملت بهم وصاح الناس:
- «الكرّة.» فقتلنا وأسرنا ولم يفلت أحد.
ولما كان بعد ساعة من النهار لم يبق من جيش ابن ماكان عين تطرف [٢١٣] إلّا من أخذ أسيرا، وحمل إلىّ ابن ماكان وبه ضربة فى يده وقد تعلّق منها إصبعان بجلدة رقيقة، فمدّها حتى قطعهما.
فهو على ذلك بين يدىّ حتى شقّ الزحمة إليه مكار أو ركابىّ فصفعه صفعة طنّ بها الموضع وغاص [٢] ، فلحقني غيظ عظيم وأمرت بطلبه وهممت بالمثلة به وقطع يده فما وقف له على أثر ولا عرف له خبر إلى اليوم.
وكان ابن ماكان مع عظم قدره فى نفوس الديلم وشدّة بأسه محربا عظيم القوّة ورأيت أنا جوشنه وهو رزين جدا يعرض على فتيان الديلم وأشدائهم
стр. 2781
أن يلبسه فيستعفى منه لثقله على اليد.
حوادث عدّة
وفى هذه السنة أنجد سيف الدولة ديسما وعاضده بعض الأكراد فقصد سلماس وملكها وخطب لسيف الدولة بها وكان السلّار غائبا بناحية باب الأبواب مشغولا بقوم خرجوا عليه هناك. فلمّا عاد من باب الأبواب وأصلح أمره هناك وظفر بعدوّه فقصد ديسما فاستأمن رجاله إلى سلّار وهرب ديسم ومضى الى ابن الديراني صاحب أرمينية مستجيرا به فقبله ثم غدر به وقبض عليه وقيّده وحمله إلى السلّار فيقال: إنّ السلّار سملة ثم قتله.
وفيها مات أبو علىّ ابن محتاج وابنه بالرىّ فى وباء حدث هناك.
وفيها تمّ الصلح [٢١٤] بين ركن الدولة وصاحب خراسان.
وفيها ورد أبو الفضل القاشاني صاحب ركن الدولة مع ابن أخت ابن مالك برسالة عبد الملك بن نوح صاحب خراسان يلتمس أن ينفذ إليه خلع ولواء على خراسان، فعقد له الخليفة اللواء وسلّمه مع الخلع إلى ابن أخته الوارد برسالته وردّه مع أبى الفضل القاشاني وقاد أيضا إليه فرسا وأضاف إلى خلع الولاية خلع منادمة.
ودخلت سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ذكر وزارة المهلّبى وخروج روزبهان على معزّ الدولة
وفيها خوطب أبو محمّد المهلّبى بالوزارة وأمر بذلك معزّ الدولة وخلع عليه وزاد فى إقطاعه.
стр. 2782
وفيها خرج روزبهان بن ونداذ خرشيد الديلمي على معزّ الدولة وخرج أخوه المسمى ببلكا [١] بشيراز وكاشفا بالعصيان وفعل مثل ذلك أخوه الآخر أسفار بالأهواز وجاء روزبهان إلى الأهواز وكان بها الوزير المهلبي ليحاربه فاستأمن رجاله إلى روزبهان وانحاز الوزير عنه.
وورد الخبر بذلك على معزّ الدولة فلم يكن يصدّق بذلك لشدّة ثقته به فإنّه هو الذي اصطنعه ونوّه باسمه فكان خاملا وعظّم قدره وكان صغيرا قبل ذلك من رجال موسى فياذه وصغار أصحابه.
فأنفذ معزّ الدولة شيرزيل [٢] على مقدّمته للحرب واضطرب الديلم بأجمعهم على معزّ الدولة [٢١٥] اضطرابا شديدا وأظهروا أشياء كانت فى نفوسهم عليه من العتب والاستبطاء وكاشفوه وواجهوه بكلّ ما كره وأخذوا يستأمنون.
فقلد معزّ الدولة الابزاعجى الشرطة بواسط وأنفذه إليها. وفى يوم الخميس لخمس خلون من شعبان خرج معزّ الدولة من داره ببغداد متوجها إلى قتال روزبهان وزاد الأمر فى استئمان الديلم إلى روزبهان.
وخرج الخليفة المطيع لله منحدرا إلى معزّ الدولة وذلك أنّ ناصر الدولة لمّا بلغه خبر روزبهان وما عمله هو وأخوته حدّث نفسه ببغداد فوجّه بابنه أبى المرجّى وآخر من أولاده إلى بغداد، وبلغ ذلك معزّ الدولة فردّ الحاجب سبكتكين من واسط لضبطها وكتب إلى مسافر بن سهلان- وكان بنهاوند متقلّدا لها- يأمره بالتعجّل إلى بغداد لمضامّة الحاجب سبكتكين ببغداد.
فشغب الديلم المقيمون ببغداد لطلب أرزاقهم فبعث إليهم مسافر وسبكتكين ولشكرورز ووعدهم بالمال فسكنوا وكان مسافر نزل فى أعلى
стр. 2783
القطيعة وخرج سبكتكين الحاجب فنزل بباب الشمّاسية وهم على قنوط من [معزّ] [١] الدولة.
ومنع معزّ الدولة جميع الديلم من العبور لقنطرة أربق معه لما رأى من استئمانهم إلى روزبهان ووكّل بالقنطرة من يمنعهم من عبورها قلّة ثقة بهم [٢١٦] وخوفا من أن يغدروا به ويشوّشوا باقى عسكره لأنّه كان ينفق فيهم فإذا قبضوا النفقات صاروا إلى روزبهان من فورهم فما عبر معه من الديلم إلّا ليلى بن موسى فياذه وشيرزيل ابن وهرى والحسن بن فنّاخسره فقط.
وكان اعتماد معزّ الدولة على غلمانه الأتراك فحارب روزبهان يوم الإثنين انسلاخ شهر رمضان نهاره كلّه إلى أن سقط القوم [٢] ثم حمل بنفسه فى غلمان داره وحضّهم بأن قال:
- «يا أولادى قد ربّيتكم تربية الأولاد فأرونى غناءكم الساعة.» فحملوا معه حملة الصبيان الأغمار فلم يردّهم شيء وانهزم روزبهان وأصحابه وأسر روزبهان وبه ضربات وأسر كوركير وفتح اللشكرى وأرسلان كور.
شرح صورة هذه الحرب على سياقة من شاهدها
استوحش الديلم من منع معزّ الدولة إيّاهم من العبور، فاجتمعوا عليه وقالوا له:
- «إن كنّا رجالك فأخرجنا نقاتل بين يديك فإنّا لا نصبر أن نجلس مع الصبيان لحفظ سوادك ونرى الأتراك يقاتلون عنك فمتى ظفرت بعدوّك
стр. 2784
خرجنا من المحمدة ومتى ظفر عدوّك فلحقنا العار والسبّة.» وكأنّهم سلكوا فى هذا الكلام مسلك الحيلة ليطلق لهم العبور فيتمكّنون من [٢١٧] كسر عسكره والاستئمان إلى عدوّه.
فسألهم التوقّف وقال:
- «إنّما أريد أن أشامّ القوم ولا أناجزهم كما [١] فعلت بالأمس فإذا كان فى غد باكرناهم بأجمعنا على تعبية واستعنّا بالله وناجزناهم.» وكان يدرّ عليهم النفقات ويواصل العطايا ويكثر المداراة فأمسكوا عنه وعبر معزّ الدولة وعبّى غلمانه كراديس تتناوب فى الحملات إلى وقت غروب الشمس فهناك فشل الأتراك وانقطعت حيلهم وفنى نشّابهم وشكوا إلى معزّ الدولة وقالوا:
- «ليس فينا فضل وقد أمسينا فنستريح الليلة وتفرّق فينا النشّاب ونباكرهم الحرب.» فعلم معزّ الدولة أنّه إن رجع عن هذه الحالة زحف روزبهان والديلم وثار من خلّف وراءه من أصحابه الديلم الذين كان يتّهمهم فلا يمكنه الهرب وكان الهلاك فبكى بين أيدى غلمانه وكان سريع الدمعة ثم سألهم أن تجمع الكراديس كلّها ويحملوا وهو فى أوّلهم فإمّا أن يظفروا وإمّا أن يقتل أول من يقتل. فطالبوه بالنشاب فقال:
- «قد بقي مع الغلمان الأصاغر نشّاب فخذوه وتوزّعوه.» وكانت عدّة من الغلمان الأصاغر تحتهم الخيل الجياد العتاق وعليهم الجنن [٢] والتجافيف وكانوا سألوا معزّ الدولة أن يأذن لهم فى الحملة نوبة فى الكراديس فلم يأذن لهم [٢١٨] وقال لهم:
стр. 2785
- «إذا كان الوقت الذي يصلح لكم ما سألتم أذنت فيه.» فوجّه إليهم بنقيب وأومأ بيده أن اقبلوا ما يقول النقيب ليأخذ النشاب منهم فلم يشكوا أنّه إنّما أومأ إذنا لهم فيما كانوا يسألونه ووعدهم به، فحملوا وهم مستريحون وكذلك خيلهم فصدموا صفوف الديلم فكسروا بعضهم فوق بعض وصاروا من ورائهم وحمل معزّ الدولة فوضع فيهم اللتوت [١] فكانت إيّاها وكتب بالظفر إلى بغداد.
فورد على الديلم المقيمين ببغداد ما أدهشهم ولم يصدّقوا به وقدّروا أنّه أرجف بذلك إرجافا فكانوا يستهزئون استهزاء ظاهرا ويقولون:
- «نعم كانوا دجاجا وضع عليهم مكبّة فما أفلت أحد» .
وكانت نفوسهم اشرأبّت إلى روزبهان. فلمّا صحّ عندهم الخبر ضعفت نفوسهم وانخذلوا.
وأسرع معزّ الدولة الانصراف ليلحق بغداد قبل ورود أصحاب ناصر الدولة إليها. فدخل بغداد يوم الجمعة لاثنى عشرة ليلة بقيت من شوال ودخل داره ثم سار فى يومه ذلك فى الماء إلى معسكر الحاجب بباب الشمّاسية فى زبزب ومعه روزبهان فى زبزب آخر مكشوفا ليراه الناس وكوركير فى زبزب آخر، واجتمع الناس على الشطوط فدعوا له وعلى روزبهان.
وقد كانت العامّة محبّين لأيّام [٢١٩] معزّ الدولة وذلك لما كان منه فى سدّ بثق نهر الرّفيل وسدّ بثق بادوريا فإنّه خرج بنفسه حتى سدّ هذا البثق وحمل التراب بنفسه فى برّكة [٢] قبائه حتى فعل جميع العسكر مثل فعله وسدّ ذلك البثق. ثم خرج إلى النهروانات فسدّ بثقابها وكانت النهروانات قد بطلت وكذلك بادوريا فلمّا سدّ بثوقها عمرت بغداد وبيع الخبز النقي عشرين
стр. 2786
رطلا بدرهم فمالت العامّة إلى أيّام معزّ الدولة وأحبّوه.
ومضى الأمير معزّ الدولة ممتدّا إلى عسكره بقطربّل وكان أبو المرجّى وأخوه قد وصلا إلى عكبرا ووصلت خيولهما إلى البركان [١] . فلمّا بلغهما قدوم معزّ الدولة وما جرى على روزبهان انصرفا من عكبرا إلى الموصل وتبعهما الحاجب سبكتكين فلم يلحقهما لإغذاذهما [٢] السير.
وحبس روزبهان بالصراة فى حصن كان هناك فكان الديلم يحدّثون أنفسهم بكبس موضعه وإخراجه. وأشار أبو العباس مسافر على معزّ الدولة بقتله فأبى وكره ذلك إلى أن قال جماعة من ثقاته:
- «إنّك إن لم تبادر إلى قتله أخذه الديلم غصبا وزالت الدولة وذهبت أرواحنا.» فاخرج حينئذ بالليل وغرّق فى سميريّة أسفل دار الخليفة.
وورد الخبر بعد ذلك بظفر الأستاذ [٢٢٠] ابن العميد ببلّكا أخى روزبهان وردّه الملك على أبى شجاع فناخسره بن ركن الدولة.
فانطوى ذكر روزبهان وأخويه بعد أن اشتعل اشتعال النار وانحاز إليه وإلى أخيه بلّكا الديلم وظنّوا أنّهم قد نقلوا ملك بنى بويه ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ثمّ إنّ معزّ الدولة أسقط الديلم الروزبهانيّة وقبض على جماعة من قواده وأعرض عن سائر الديلم وأقبل على الأتراك واصطنعهم وكتب بالفتح إلى الأمصار.
стр. 2787
ودخلت سنة ستّ وأربعين وثلاثمائة
موت السلّار المرزبان
وفيها ورد الخبر بموت السلار المرزبان بآذربيجان فى شهر رمضان وكانت وفاته بفساد المزاج. فلمّا يئس من نفسه أوصى إلى أخيه وهسوذان على أن يكون الرياسة له ثمّ من بعده لابنه جستان، وكان قد تقدّم إلى أصحاب قلاعه الموكّلين بحفظها إن حدث الموت ألّا يسلّموها إلّا إلى جستان ابنه فإن حدث به حدث الموت فإلى ابنه إبراهيم فإن مات فإلى ابنه ناصر.
وكان له ولد رابع يقال له كيخسره فلم يذكره لصغره وقال: فإن لم يبق من هؤلاء أحد فسلّموها إلى أخى وهسوذان.
ولما وصّى إلى أخيه وصيّته هذه عرّفه علاماته التي بينه وبين أصحاب قلاعه فأنفذ وهسوذان [٢٢١] بعلاماته وخاتمه إلى المرتّبين فى القلاع فى تسليمها إليه فأبوا عليه وأظهروا وصيّته المستورة.
وكان إبراهيم بن المرزبان متزوّجا بابنة ولكين بن خرشيد وهو من أكابر الديلم وكان ولكين هذا محبوسا من جهة المرزبان بأردبيل، فلمّا مات المرزبان خاطبته زوجته فى أبيها وحملته على أن يمضى بنفسه ويخرجه من محبسه. فركب وأخرجه من غير استئذان عمّه وهسوذان فاستوحش وهسوذان وفكّر فى مخاتلة أخيه له فى الوصية وفى إقدام ابن أخيه إبراهيم عليه وإخراجه ولكين من محبسه بغير إذنه فساء ظنّه وخرج من أردبيل كالهارب إلى الطرم فاستولى جستان على ممالك أبيه وأطاعه أخواه إبراهيم وناصر وقلّد وزارته أبا عبد الله النعيمي وتوافى إليه قوّاد أبيه إلّا جستان بن شرمزن فإنّه تأخّر عنه وفكّر فى التغلّب على ناحية أرمينية وكان واليا بها.
стр. 2788
وأخذ وهسوذان فى التضريب بين أولاد أخيه وتفريق كلمتهم وإطماع أعدائهم فيهم والتشفّى بما عومل به حتى اضطرب عليهم عسكرهم وطالبوهم بما لا يتسعون له حتى تمكّن منهم وقتل بعضهم وحرّض على من لم يمكنه قتله حتى بلغ ما أراد واشتفى وزاد. [٢٢٢]
ذكر أخبار الأمراض والمناخ والزلازل
وفى هذه السنة كثر ببغداد أورام الحلق والماشرا وكثر الموت بهذين الضربين [١] وموت الفجاءة وكل من افتصد انصبت إلى ذراعه مادّة حادّة عظيمة يتبعها حمّى حادّة فيحتاج إلى بطّ [٢] وما سلم أحد ممن افتصد.
وكانت شتوة هذه السنة دفيّة عادمة الأمطار وحكى أهل البحر أنّ البحر نقص فى هذه السنة ثمانين باعا وأنّه ظهر لهم جبال وجزائر لم يعرفوها ولا سمعوا بها قطّ وكانت زيادة دجلة فى هذه السنة يسيرا نحو عشرة أذرع وكان بالرىّ ونواحيها زلازل عظام مات فيها من الناس ما يعظم مقداره ويكثر عدده.
ودخلت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة
حوادث عدّة
وفيها كثرت الزلازل ببغداد وحلوان وبلدان الجبل وعظم أمرها بالجبل خاصّة فخربت الأبنية وقتلت الخلق.
وفيها شغب الأتراك والديلم بالموصل على ناصر الدولة وزحفوا إلى داره وأرادوا الفتك به فحاربهم بغلمانه وبالعامة وظفر بهم وقتل بعضهم فى الوقعة
стр. 2789
وقبض على جماعة وهرب الباقون إلى بغداد.
وفيها ورد الأمير أبو منصور بويه بن ركن الدولة إلى بغداد يخطب ابنة معزّ الدولة ومعه أبو علىّ ابن أبى الفضل القاشاني وزيرا ومعه أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد يكتب له على سبيل [٢٢٣] الترسل.
فلمّا كان ليلة السبت لليلتين خلتا من جمادى الأولى زفّت بنت معزّ الدولة إلى أبى منصور بويه ثم حملها إلى إصبهان.
طمع ناصر الدولة فى ممالك معزّ الدولة بعد الصلح والموادعة
وفيها خرج معزّ الدولة نحو الموصل يوم الخميس لأربع عشرة خلت من جمادى الآخرة وعبر من باب الشماسية إلى قطربّل وضرب مضاربه هناك وعزم على قصد الموصل لمحاربة ناصر الدولة وأولاده لما كان منهم فى قصد ممالكه والطمع فيها بعد الصلح والموادعة وتردّدت الرسل فأمر معزّ الدولة أن تكتب عنه توبيخات وتهجينات عنيفة شديدة وأمر أن تقرأ وتستوفى أجوبتها.
ذكر هذه التوبيخات
قال فيها [١] :
«أنت ذاكر ما جرى عليك من تكين الشيرزادى فإنّه أخرجك من نعمتك وكاد يأتى على مهجتك فلجأت إلىّ بعد عداوة سبقت
стр. 2790
منك لى ومنازعة نازعتنيها عن بلاد لم يكن فى يدك منها شيء فاطرحت الأحقاد واغتفرت الذنوب وآثرتك على تكين وهو إذ ذاك يبذل لى الخدمة والطاعة وحمل المال وإقامة الخطبة ولا يلتمس منى الأتراك الدخول بينك وبينه والانصراف عن النصرة لك عليه فآثرتك.
«وأنفذت كاتبي وعسكري بأموال أنفقتها ومؤن تكلّفتها [٢٢٤] حتى أخذت بناصيته وسلّمته إليك فشفيت صدرك منه وعدت إلى وطنك.
«ثم حصلت فى يد وزيرى الصيمري حصول المستجير الذليل فوفى لك ولو شاء لأسرك واشتمل على بلادك وقلاعك.
«وظننت أنّك تعرف لى حقّ هذه النعمة وتطالب نفسك عليها بالمجازاة فأبيت إلّا غدرا بى وتقبيحا فى معاملتى.
«وليتك- لما لم تعمل عمل الأصدقاء الأوفياء- عملت عمل الأعداء الحزماء، فكاتبتنى تعرض نفسك علىّ فى النائبة العظيمة التي نابتنى فى أوثق الناس عندي وتبذل لى معاونتك فكنت تنفذ عسكرك إلى تكريت على أنّه مدد لى فإن لاح لك استظهار منّى تحمّدت علىّ وتودّدت إلىّ وإن لاح لك استظهار علىّ أظهرت ما فى نفسك حيث تكون فيه أعذر وأقل ملامة.» ثم أتبع هذا القول بالتوعّد والتهدّد بالمسير إلى أعماله واستيصاله.
الجواب عن هذه الرسالة «إنّك قد صدقت فى جميع ما عددت وإنّى معترف به، وو الله
стр. 2791
ما كان عن رأيى [١] ولا أمرت به ولكنّى شيخ لى أولاد أحداث يخالفوننى فى تدبيرهم فيركبون الهوى فى أمورهم ولا رأى لمن لا يطاع.» وتمّت الموافقة بينه وبينه على تعجيل ألفى ألف درهم فعجلها له [٢٢٥] والتزم مثلها فى كل سنة فأظهر معزّ الدولة الرضا ضرورة لأنّه كان غير واثق برجاله ولأنّ أعماله اختلّت بتلك الفتنة فعاد إلى داره.
ثم أخّر ناصر الدولة المال الثاني لأنّ الأوّل كان فى سنة ستّ فخرج معزّ الدولة إليه وسار ناصر الدولة إلى نصيبين ودخل معزّ الدولة الموصل وسار إلى نصيبين وخلف سبكتكين بالموصل.
وأنفذ سريّة إلى سنجار لأنّه بلغه أن أبا المرجّى وهبة الله ابني ناصر الدولة بها وبلغهما خبر السريّة فانصرفا وقد كان أعجلهما الأمر فتركا خيمهما وجميع معسكرهما بحاله ولم يمكنهما حمل شيء. فأسرع الديلم الذين كانوا فى السريّة إلى الغارة والنهب.
ذكر عجلة وإضاعة حزم
إنّ الديلم نزلوا فى خيم أبى المرجّى وأخيه فعادا وكبسا العسكر واستأسرا جماعة وقتلا جماعة وكان ممّن قتل ابن ملك الديلم المعروف بسياه چشم [٢] قتله هبة الله ووقع فى الأسر شيرزاد وشيرمردى وعدد كثير.
стр. 2792
ذكر السبب فى هذه النكبة وضعف معزّ الدولة بعد الاستعلاء
كان من عادة ناصر الدولة إذا تنحى من بين يدي معزّ الدولة ألّا يترك فى البلد لا كاتبا [٢٢٦] ولا دليلا [١] ولا أحدا ممّن يعرف نفع السلطان وضرّه ويحشرهم إلى قلاعه مع حسباناته ودواوينه. ثم يأمر الصعاليك والعرب أن يتطرّفوا البلد ويمنعوا العلّافة ومن يخرج لطلب العلف والطعام إلّا أن يكون معهم عسكر قوىّ فإذا رأوا عسكرا قويا لم يظهروا ولم يتعرضوا وكان غرضه فى ذلك أن يضيق المير والعلوفات فينصرف عنه معزّ الدولة. ففعل ذلك فى هذا الوقت.
وبلغ معزّ الدولة كثرة الغلات بنصيبين وكانت للسلطان فقصدها وخلّف حاجبه سبكتكين بالموصل. فلمّا صار ببرقعيد بلغه أن أبا المرجّى وهبة الله ابني ناصر الدولة مقيمان بسنجار فعمل على كبسهما وندب لذلك جماعة من القواد الكبار وجعل الرئيس عليهم تكين الجامدار- وكان غلاما أمرد وضيء الوجه منهمكا فى الشرب لا يعرف الصحو ولا تقدّمت له حنكة- فأشار الوزير المهلبي ألّا يخرجه فى مثل هذا الوجه وأن يعدل إلى أحد مشايخ القواد فلم يقبل منه وأنفذه فى خمسمائة رجل فأشرفوا على أبى المرجّى وهبة الله فأرهقوهما عن تقويض الخيم واستصحاب شيء من رجالهما وأفلتا على ظهور دوابّهما وتركوا جميع مالهم [٢٢٧] فانتهبه العسكر.
ثمّ تعجّل أصحاب معزّ الدولة إلى الخيم وتركوا الحزم فنزلوها واستقرّوا فعطف عليهم أولئك وصارت الكبسة لهم فقتلوا وأسروا وغنموا ما شاءوا.
стр. 2793
وبقي معزّ الدولة فى عدد يسير ببرقعيد فى طريقه إلى نصيبين فكتب إلى بغداد يستدعى العساكر فتعجّلوا وتلاحقوا إليه فلمّا قويت عدّته سار من برقعيد إلى نصيبين وسار ناصر الدولة من نصيبين إلى ميّافارقين وفضّ جيشه عنه بأسره وصرفهم، فصار جميعهم إلى معزّ الدولة فى الأمان واستأمن أبو زهير أخو ناصر الدولة إلى معزّ الدولة ورحل ناصر الدولة من ميّافارقين إلى حلب مستجيرا بأخيه سيف الدولة فتلقّاه أخوه بأجمل تلقّ وقبله أحسن قبول وخدمه بنفسه حتى تولّى نزع خفّه بيده.
وكان حامد بن النمس توجّه من قبل معزّ الدولة إلى الرحبة فهزم من كان بها من جيش ناصر الدولة.
وكان طريف الخادم وهزار مرد [١] وهما غلاما ناصر الدولة يتطرّفان الموصل فى الجانب الشرقي منها كل يوم ويلتقطان عمّال معزّ الدولة ويأخذان العلّافة من عسكر الحاجب ويمنعان من ورود [٢٢٨] شيء إلى الموصل حتى صارت محاصرة وأخذا من الثرثار من عمّال معزّ الدولة رجلا يعرف بعلىّ بن الصقر وحملاه إلى القلعة ثم كبسا الحديثة وكان فيها محرز حاجب الوزير أبى محمد المهلّبى وأبو العلاء ابن شاذان يتقلّد عمالتها فقبضا عليهما ثم أطلقا محرزا وحملا أبا العلاء إلى القلعة.
وكان معزّ الدولة راسل كافور الخادم بمصر يأمره بحمل مال إلى الحضرة فحبس كافور الرسول حبسا جميلا وطاوله وبثّ جواسيسه لتعرّف الأخبار.
فلمّا عرف انصراف معزّ الدولة عن ذلك الوجه إلى بغداد ردّ الرسول خائبا [٢] .
وورد عمرو النقيب من قبل ناصر الدولة إلى نصيبين وسفر فى الصلح
стр. 2794
وطال الخطب بينه وبين معزّ الدولة فلم يتمّ الصلح. فلمّا رأى عمرو الصورة استأمن إلى معزّ الدولة وأقام بحضرته ولم يعد إلى ناصر الدولة.
ثم ترددت رسائل بين معزّ الدولة وبين سيف الدولة وتوسّط بين أخيه وبينه حتى تقرر ما بينهما ورجع معزّ الدولة من نصيبين قاصدا الموصل.
ذكر اتّفاق صعب غير محتسب
لمّا صار معزّ الدولة بين المونسية وآذرمه [١] فى اليوم الخامس عشر من شباط هبّت ريح باردة [٢٢٩] مغربية ووقع دمق [٢] فتلف فى ساعات يسيرة من النهار عدد عظيم من عسكره ولحق معزّ الدولة غشية وكاد يتلف من كثرة ما عليه من الوبر والخزّ.
فقلع أهل العسكر سقوف آذرمه وأبوابها وأوقدوها فأطلق معزّ الدولة لأهلها ثلاثة آلاف درهم ليبتاعوا بها مكان ما أخذ من أنقاضها.
ذكر تدبير سيّئ ورأى ظاهر الفساد رآه معزّ الدولة بعد فراغه من روزبهان أدّى إلى تخريب المملكة وسوء عاقبة الأولاد والرعية
دبّر معزّ الدولة عند فراغه من حرب روزبهان أن يطرد الديلم الروزبهانيّة ويمسك من لم يفارقه منهم وإن كانوا متهمين عنده وكان وعدهم للعشرة ثلاثة فى أصول أموالهم وظنّ أنّه إن وفى للكلّ لم يتّسع له مع أنّ الفتح للأتراك وكان مائلا إليهم بالهوى قبل الاستحقاق فكيف بعد هذا الأثر العظيم! فابتدأ يجازى الأتراك بالإحسان فقوّد منهم جماعة واستحجب جماعة
стр. 2795
ونقّب جماعة ورفع كل طبقة إلى ما هو أعلى منها ونفى الديلم الروزبهانيّة ليتوفّر عليهم مالهم ويصير ذلك بإزاء ما يلزمه لأصحابه الديلم من الزيادات.
فأخرجهم إلى الأهواز وكتب إلى وزيره المهلّبى بجمعهم [٢٣٠] من جميع النواحي والأعمال والتوكيل بهم والمسير معهم إلى آخر الحدود ليتفرّقوا حيث شاءوا.
فدفع الوزير من ذلك إلى خطّة صعبة وحال مخاطرة عظيمة. لأنّ القوم كانوا ذوى عدد وعدّة ألا أنّه تلطّف وأحسن التدبير حتى أخرجهم زمرة بعد زمرة.
ثم حمل معزّ الدولة الأتراك على التسحّب على الديلم وتعييرهم بشقّ العصا وخلع الطاعة وتقريعهم بهذا ونحوه وأنّ عدد الأتراك مع قلته وفوا بهم [١] حتى قهروهم وأذلّوهم.
ثم رسم للأتراك رسوما صار سببا لضراوتهم وطلب الأموال والتغلّب على الأعمال والتسحّب على العمّال وذاك أنّه أمر بتسبيب ما يستحقّونه على واسط والبصرة والأهواز وأخرجهم طبقة بعد طبقة على النوبة لاستيفاء أموالهم ولمن وراءهم من رفقائهم المقيمين وأن يقام لهم نزل يأخذونه راتبا فى كل يوم إلى أن يستوفى ماله ومبلغه عشرة دراهم لكل غلام فى كل يوم وعشرون درهما لمن كان نقيبا وأراد أن ينفعهم عاجلا لا مؤبدا.
وانفتح عليه من ذلك باب من الفساد كان أضرّ عليه من زيادة أوزارها فى أصول استحقاقاتهم وذلك أنّهم آثروا [٢] أن تتأخر أموالهم المسببة لتكثر أيّام مقامهم [٢٣١] وصيروا أصول أموالهم بضائع يتّجرون فيها وإذا راج لهم من مال تسبيباتهم لم ينسبوا شيئا منه إلى الأصل وقد بقي لهم درهم واحد
стр. 2796
ويستروح العمّال إلى إطلاق الشيء بعد الشيء لئلا يرهقوا بالمال جملة فربّما أقاموا سنتين وثلاثة.
وحلت التجارات فى صدورهم وإجازة ما يحصل لهم فى الطريق بغير ضريبة ولا مؤونة ثم تجاوزه إلى الدخول فى التلاجئ فملكوا البلاد واستطالوا على العمّال وحاموا على التجّار ومن اعتصم بهم فضعفت أيدى العمّال واستعبدوا الناس واستمرّ ذلك وازداد إلى اليوم.
ودخلت سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة
وفيها وافى أبو محمد الفياضى كاتب سيف الدولة إلى الموصل فى المحرم وتقرّر الأمر على أن عقدت الموصل وديار ربيعة والرحبة على سيف الدولة بألفي ألف درهم وتسعمائة ألف فى السنة وذلك لأنّ معزّ الدولة لم يستجب إلى عقدها على ناصر الدولة وعلى أن يقدّم من ذلك ألف ألف درهم ويطلق الأسارى الذين أسروا بسنجار.
فلمّا تقرر هذا انحدر معزّ الدولة وتأخر الوزير المهلبي والحاجب سبكتكين بالموصل والجيش بأسره معهما [٢٣٢] إلى أن يحمل مال التعجيل ثم وردا مع الجيش ومع أبى محمّد الفياضى كاتب سيف الدولة.
ذكر انحدار معزّ الدولة والسبب فيه بعد تمكّنه من ديار ربيعة ومضر
كان السبب فى إصعاده الإضاقة [١] الشديدة التي لحقته بعد الأمور التي ذكرناها وتأخر أموال الحمول عنه فعلم ناصر الدولة بذلك فانهزم من بين
стр. 2797
يديه وقال لأصحابه:
- «اذهبوا حيث شئتم فإنّى لا أقف للحرب.» فاستأمن أصحابه إلى معزّ الدولة كما كتبنا فيما تقدّم فازدادت إضاقة معزّ الدولة ولم يمكنه ضبط النواحي ولا الحماية، وتقاعد الناس بأداء الخراج احتجاجا بأنّهم لا يصلون إلى غلّاتهم وطلبوا الحماية واضطرّ معزّ الدولة إلى الانحدار ولكنّه أنف وأقام على كره ومشقّة. فلما ورد عليه رسالة سيف الدولة استراح إليها وأجابه بالشكر الجميل وشكا إليه أخاه وقلّة وفائه والغدر به مرّة بعد مرّة وقال له:
- «ان ضمنته أنت أجبت.» فضمنه وانحدر معزّ الدولة.
وفى هذه السنة انقطعت الحمول من واسط إلى البصرة والأهواز ذكر السبب فى ذلك
السبب فى ذلك ما كنّا ذكرناه من استيلاء الأتراك واستضامتهم العمّال ومضايقتهم إيّاهم حتى اضطرّوهم إلى بذل المرافق [٢٣٣] الكثيرة لهم فاقتنوا الأملاك وحاموا على قوم على سبيل التلاجى فتغلّبوا على حقوق بيت المال وصار العمّال يعولون على الغلمان الأتراك فى أخذ حقوقهم على التنّاء فيتنجزّونها كما يتنجّزون تسبيباتهم. وتشبه بهم الديلم واصطلح الفريقان على هذا السبيل فكسروا على السلطان حقوقه.
واجتمع العمال بذلك فكسروا أصول العقود وسألوا إزالة ما دهمهم فلم يمكن ذلك وصارا بمنزلة الداء الذي لا يرجى حسمه لأنّ الديلم كانوا مستوحشين ومتفرقين والأتراك متطاولين مدلّين. فلو قمعوا لصارت كلمتهم مع الديلم واحدة.
стр. 2798
فجرى الرسم بأن ينقل ما رفعه العمّال من فاضل ما عليهم إلى السنة التي بعدها وحصل الوزير وكلّ من دبّر فيه تدبيرا متعرضا لسفك دمه وذهاب نفسه إلّا أنّ هذا الفساد كان فى أيّام معزّ الدولة كالطفل الناشئ لهيبته وبقيّة [١] حشمته ثم ظهر الإفراط بعد على أولاده ولما أتى عليه الزمان بعد وفاته.
حوادث عدّة
وفيها خلع السلطان على الأمير أبى منصور بختيار بن معزّ الدولة وعقد له لواء وقلّده إمرة الأمراء ولقّبه عزّ الدولة.
وفيها أنفذ لواء وعهد إلى أبى علىّ [٢٣٤] بن الياس [٢] وكان السفير فى ذلك كله القاضي أبو بكر أحمد بن سيّار الصيمري.
وفيها مات أبو الحسن محمّد ابن أحمد المافرّوخى وكان يكتب لمعزّ الدولة وكتب له بعده أبو محمّد علىّ بن عبد العزيز المافرّوخى مدّة شهر. ثم استعفى وانصر تقلّد مكانه أبو بكر ابن أبى سعيد.
وفيها كانت وقعة بين علىّ بن كامه ابن أخت ركن الدولة وبين بيستون ابن وشمكير فكانت على بيستون.
وفيها غرق الحاج الواردون من الموصل وكانوا فى بضعة عشر زورقا كبارا فيها من الرجال والنساء نحو ألف نسمة.
وفيها غزا الروم المسلمين فأسروا وقتلوا وسبوا وانصرفوا وذلك فى طرسوس والرها.
стр. 2799
ودخلت سنة تسع وأربعين وثلاثمائة
وفيها ورد الخبر بأنّ صاحب خراسان قتل رجلا من قواده يسمى بختكين [١] من وجوه قواد الأتراك فاضطربت خراسان لأجله.
وفيها ورد الخبر بأن ابنا لعيسى بن المكتفي بالله ظهر بناحية أرمينية وتلقب بالمستجير بالله يدعو إلى المرتضى من آل محمّد رسول الله- ﷺ ولبس الصوف وأمر بالمعروف.
وكان هذا الرجل مضى إلى بلد الجيل فاستنصر بجماعة من الديلم المعروفيّة [٢٣٥] والمسوّدة والمنتسبين إلى مذهب السنة من مذاهب المسلمين فخرجوا معه وصاروا إلى آذربيجان فغلب على عدة بلدان منها ما كان فى يد سلّار الديلمي.
ثم ورد الكتاب فى شهر رمضان من جهة ابن سلّار بأنّه أوقع بهذا الرجل المتلقب بالمستجير بالله، فأسره وقتله.
ذكر السبب فى خروجه وسرعة هلاكه
كان السبب فيه أن جستان بن المرزبان ترك طريقة أبيه فى سياسة الجيش وتوفّر على النساء واللعب ثم أدخلهنّ فى التدبير.
وكان جستان بن شرمزن تحصّن بسور أرمية [٢] وكان وهسوذان بالطرم ويضرّب بين أولاد المرزبان كما حكينا فيما تقدّم.
وكان جستان بن المرزبان قبض على وزيره النعيمي واتّفق بين النعيمي
стр. 2800
وبين كاتب جستان بن شرمزن وهو أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن حمدويه مصاهرة.
فلمّا قبض جستان بن المرزبان على النعيمي استوحش صهره أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن حمدويه وحمل صاحبه على مكاتبة أخى جستان وكان يومئذ بأرمية [١] وأطمعه فى أموال عظيمة ووعده أن يقوم بين يديه وينصره بجيشه الذين جمعهم ويقيم مقام أخيه.
فعمل إبراهيم على ذلك وأشار عليه نصحاؤه بألّا يفعل [٢٣٦] فخالفهم وركب هواه وسار إلى أرمية واجتمع مع جستان بن شرمزن وكاتبه أبو الحسن عبيد الله بن حمدويه ووعدهما بكل ما سكنا إليه فصاروا إلى المراغة واستولوا عليها.
وقد كان جستان بن المرزبان صار إلى برذعة. فلمّا عرف خبر أخيه إبراهيم وانحيازه إلى جستان بن شرمزن عاد إلى أردبيل فراسل ابن شرمزن وكاتبهما ومنّاهما ووعدهما بإطلاق النعيمي وبذل لهما كل ما اقترحاه، فعادا إلى موالاته وتركا إبراهيم وانصرفا عنه إلى أرمية وأخلفاه فى كلّ ما كانا بذلاه.
فلمّا رأى إبراهيم ذلك عاد إلى أرمية وبقي جستان بن شرمزن وكاتبه يطمعان كل واحد من الأخوين أعنى إبراهيم وجستان ابني المرزبان أنّهما معه حتى استكملا بناء سور أرمية وقلعة فى داخلها منيعة واستكثرا من جمع الأقوات والآلات.
وظهر للأخوين معا نيّة ابن شرمزن فى النفاق والعداوة فتراسلا وتصالحا وعملا على أن يجتمعا ويقصداه.
стр. 2801
واتفق أن هرب أبو عبد الله النعيمي من حبس جستان بن المرزبان وصار إلى موقان وكاتب ابن عيسى بن المكتفي بالله المتلقب بالمستجير بالله، وأطمعه فى الخلافة وأن يجمع له من الرجال من يستولى بهم على آذربيجان فإذا قوى بالمال والرجال [٢٣٧] قصد العراق.
فسار المستجير بالله فى نحو ثلاثمائة رجل من المسوّدة ولم يكن بعد تمكّن ولا اجتمع له من الرجال ما أراد.
فلمّا أطمعه النعيمي صار إليه واجتمع معه وصار أيضا إليه جستان بن شرمزن فى عسكره فقوى به وقلّده أمر عسكره وبايعه الناس.
وسار إليه جستان وإبراهيم ابنا المرزبان فى جموعهما. فلمّا عبّى جستان عسكره تقدّم إليهم بأن يلزموا مصافّهم ويحفظوا نظامهم ولا يحملوا حتى يأذن لهم.
وكان معهم الفضل بن أحمد الكردي القحطانى وهم صنف من الأكراد ومع جستان الصنف الآخر من الأكراد الذين يعرفون بالهدايانية [١] وتلقاهم الهدايانية وابتدأوا بالحرب فانتقض على جستان بن شرمزن صفوفه فخرج من موضعه الذي كان فيه مع الديلم لينكر على الفضل مخالفته إيّاه ويردّه إلى موضعه فوجده قد أبعد فاتبعه فما شكّ أصحابه فى انهزامه فاقتفوا أثره وصحت الهزيمة.
وركب الهدايانية وأصحاب جستان وإبراهيم أكتافهم وأضطر جستان بن شرمزن إلى الانصراف إلى أرمية وظفر بإسحاق بن عيسى بن المكتفي بالله ولم يدر ما فعل به إلّا أنّى سمعت بقتله وسمعت بموته حتف أنفه فى الحبس.
стр. 2802
وتمّ لوهسوذان تفريق كلمة بنى أخيه وذلك [٢٣٨] أنّه استزار إبراهيم.
فلمّا صار إليه أكرمه ووصله بجوائز كثيرة وحمله على دوابّ وكاتب ناصرا واستغواه حتى صار إلى موقان مفارقا لأخيه ووجد الجند سبيلا إلى إقامة سوقهم والمطالبة بالأموال ففارق أكثرهم جستان وصاروا إلى ناصر فقوى وسار إلى أردبيل فملكها والجأ أخاه جستان إلى القلعة المعروفة بالنير.
ثمّ اجتمع الديلم والأكراد على ناصر يطالبونه بما لا يفي به وقعد به عمّه وهسوذان فعلم حينئذ أنّ وهسوذان عمّه كان يغويه وعرفا جميعا مغزاه فتراسلا وتصالحا وسلم ناصر الأمر إلى أخيه جستان فنزل من قلعته وصارا جميعا إلى أردبيل على إضاقة شديدة لنفاد الأموال وكثرة المتغلّبين على الأطراف. فاضطرّا إلى الخروج الى عمّهما وهسوذان مع والدة جستان بعد أن توثّقوا منه بالأيمان الغليظة والعهود.
فلمّا حصلوا تحت قبضته حبسهم ونكث واستولى على العسكر وعقد الإمارة لابنه إسماعيل بن وهسوذان وسلّم إليه أكبر قلاعه شميران وأخرج الأموال وأرضى الجند وجعل أبا القاسم شرمزن بن ميشكى صاحب جيشه وأخرجه إلى أردبيل.
وكان إبراهيم قد صار إلى أرمينية فتأهّب [٢٣٩] لمنازعة إسماعيل ومحاربته ولاستنقاذ أخويه جستان وناصر من محبس عمّهما وهسوذان وكان وهسوذان قد ضيّق عليهما وأساء كل الإساءة إليهما.
فلمّا عرف وهسوذان اجتماع إبراهيم على حرب إسماعيل واجتماع خلق من الديلم معه بادر بقتل جستان وناصر وأمّهما وأتى على كل من يقرب منهم ويخاف ناحيتهم وكاتب جستان بن شرمزن والحسين بن محمد بن
стр. 2803
الورّاد [١] بقصد إبراهيم وأنفذ إليهما مددا من جهته فاستجابا له وزحفا إليه وزحف إسماعيل فهرب إبراهيم إلى أرمينية وكان جستان بن شرمزن قريبا منه فاستولى على عسكره وملك المراغة وأضافها إلى أرمية.
غزو سيف الدولة الروم
وفيها غزا سيف الدولة فى جمع كثير فأثّر فى بلدان الروم آثارا عظيمة وأحرق وفتح حصونا وحصل فى يده سبى كثير وأسارى وانتهى فى غزوه إلى خرشنة فلمّا أراد الخروج أخذ الروم عليه المضايق فما تهيّأ له أن يتخلّص إلّا بجهد عظيم هو ونحو ثلاثمائة غلام وهلك باقى أصحابه أسرا وقتلا وارتجع منه السبي كلّه والأسارى والغنيمة وأخذ جميع خزائنه وسلاحه وكراعه وقتل من الوجوه الذين معه [٢] حامد بن النمس وموسى بن سياكان والقاضي أبو حصين [٢٤٠] وكان معه من المسلمين ثلاثون ألفا وخرج أهل طرسوس من طريق آخر فسلموا.
ذكر السبب فى سلامتهم ومصاب سيف الدولة
كان هذا الرجل أعنى سيف الدولة معجبا يحبّ أن يستبدّ برأيه وألّا تتحدث نفسان أنّه عمل برأى غيره وكان أشار عليه أهل طرسوس بأن يخرج معهم لأنّهم علموا أنّ الروم قد ملكوا عليه الدرب الذي يريد الخروج منه وشحنوه بالرجال فلم يقبل منهم ولجّ فأصيب المسلمون بأرواحهم وأصيب هو بماله وسواده وغلمانه.
стр. 2804
حوادث أخر
وفيها استأمن أبو الفتح المعروف بابى العربان أخو عمران بن شاهين وصار إلى واسط بحرمه و [١] عياله وولده لأنّه خاف أخاه ودخل بغداد فى ذى القعدة ولقى معزّ الدولة.
وفيها أملك أبو الفضل العبّاس بن الحسين الشيرازي بابنة الوزير أبى محمّد المهلّبى.
وفيها مات أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن البريدي.
وفيها أسلم من الأتراك نحو مائتي ألف خركاه.
وفيها انصرف حاجّ مصر بعد أن قضوا حجّهم فنزلوا فى واد بمكة. فلمّا كان بالليل حملهم الوادي وهم لا يشعرون فغرق أهل مصر وكانوا عددا كثيرا جدّا وكبسهم الماء مع أمتعتهم إلى البحر. [٢٤١]
ودخلت سنة خمسين وثلاثمائة
اشتداد علّة معزّ الدولة
فيها اشتدت علّة معزّ الدولة وامتنع عليه البول فاشتدّ جزعه وقلقه واستدعى الوزير أبا محمّد المهلّبى فى الليل والحاجب سبكتكين فأصلح بينهما عن وحشة قديمة وبكى وندب على نفسه على عادة الديلم.
فلمّا كان آخر الليل بال دما بشدّة ثمّ تبعه رمل وخفّ ألمه. فلمّا كان من الغد وهو يوم الخميس لخمس خلون من المحرّم سلّم داره وكراعه وغلمانه إلى ابنه عزّ الدولة وفوّض إليه الأمور وجمع المهلّبى الوزير والحاجب
стр. 2805
سبكتكين على الوصاة به وخرج فى عدّة يسيرة من غلمانه وخاصّته ليمضى إلى الأهواز.
ذكر سبب هذه الحركة والخروج بعد ظهور الصلاح والبرء من المرض
كان سبب ذلك استشعاره أنّ بغداد هي التي أحدثت له الأسقام وهي التي أفسدت عليه صحّته وتذكّر أيّام مقامه بالأهواز وهي أيّام شبابه ووفور قوّته وظنّ أنّ الأهواز هي التي كانت تجلب له الصحّة وأنّها توافقه.
فوصّى الحاجب سبكتكين والوزير المهلبي بابنه عزّ الدولة وبالجيش وغيره ممّا كان فى نفسه وانحدر إلى كلواذى.
فلمّا صار بها أشار المهلّبى بأن يقيم ويتأمّل أمره ويفكّر فيه ولا يعجل.
فأقام بكلواذى وأخذ [٢٤٢] فى تقدير بناء قصر ثمّ انتقل إلى الشفيعى وقدّر هناك البناء ثم انتقل منه إلى قطربّل لأنّها أعلى بغداد والهواء والماء هناك أصفى وأعذب وعمل على أن يبنى من حدّ قطربّل إلى باب حرب قصرا.
ثمّ صلح [١] من علّته وأبو محمّد المهلبي فى كل ذلك يعلّله ويصرف رأيه لعلمه بكثرة المؤن والنفقات التي تلزمه وبكراهة الجند والحاشية لانزعاجهم من أوطانهم ومألفهم ولكراهية تخريب بغداد بانتقال الملك عنها فلم يزل به حتى صرف رأيه. ولمّا علم أنّه لم يكن من البناء بدّ و [٢] أن يكون متصلا ببغداد من أعاليها ليكون هواؤه وماؤه أصحّ وأنظف، أنزله فى البستان المعروف بالصيمرى وهو فى أعلى بغداد من الجانب الشرقي بقصر فرج وأخذ فى هدم ما يليه من العقارات وابتياعها من أهلها إلى حدود ربيعة الدور