Полный текст (24 229 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الأَمْرَ مِنْ بَعْدُ اتَّبَعْتُهُ. وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ. فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَفِي يَدِ النّبيّ قِطْعَةُ جَرِيدٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلَمَةَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «إِنْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أعطيتكها.
ولن تعدو أمر الله فيك [١] ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ. وَإِنِّي أُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأَيْتُ، وَهَذَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ يُجِيبُكَ عَنِّي» . ثُمَّ انْصَرَفَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأَيْتُ» ، فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بينا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتَ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مَنْ بَعْدِي» . قَالَ: فَهَذَا أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ صَاحِبُ [١٢٥ ب] صَنْعَاءَ، وَالْآخَرُ مُسْيَلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، أَخْرَجَاهُ [٢] . وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ [٣] مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أُنْفُخَهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَ، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا، صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٤] . وقال (خ) : ثنا الصّلت بْن مُحَمَّد، نا مهديّ بْن ميمون، سمع أبا رجاء،
الحواشي
(٢٣٩٤) باب ما جاء في رؤيا النبيّ ﷺ في الميزان والدّلو. وأحمد في المسند ٢/ ٣١٩.стр. 1227
هُوَ العُطَارِدِيّ، يَقُولُ: لَمَّا بُعث النَّبِيُّ ﷺ فسمعنا بِهِ، لحِقنا بمسيلمة الكذّاب، لحقنا بالنار، وكنّا نعبد الحجَر فِي الجاهلية. وإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من ترابٍ ثمّ حَلَبْنا عليها [كُثْبَة] [١] اللَّبَن، ثمّ نطوف بِهِ.
وَقَالَ إسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد، عَنْ قيس بْن أَبِي حازم، قَالَ:
جَاءَ رجلٌ إِلَى ابْن مَسْعُود فَقَالَ: إنّي مررت ببعض مساجد بني حنيفة وهم يقرءون قراءةً ما أنزلها اللَّه: الطَّاحِنات طَحْنًا، والعاجنات عَجْنًا، والخابزات خَبْزًا، والثَّاردات ثَرْدًا، واللاقمات لَقْمًا. فأرسل إليهم عَبْد اللَّه فأتى بهم، وهم سبعون رجلًا ورَأسُهم عَبْد اللَّه بْن النَّوَّاحَة. قَالَ: فأمَر بِهِ عَبْد اللَّه فقُتل. ثمّ قَالَ: ما كنّا بمُحْرِزِين [٢] الشَّيْطان من هَؤُلَاءِ، ولكنّا نَحْدُرهم إلى الشّأْم لعلّ اللَّه أنَّ يَكْفِيَنَاهُمْ.
وَقَالَ الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أُثَالٍ رَسُولَيْنِ لِمُسَيْلَمَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ : «تَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟» فَقَالَ: نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلَمَةَ رَسُولُ الله. فقال: «آمنت باللَّه ورسوله، وَلَوْ كُنْتُ قَاتِلا رَسُولا لَقَتَلْتُكُمَا» . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرُّسُلَ لا تُقتَلُ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا ابْنُ أُثَالٍ فَقَدْ كَفَانَا اللَّهُ، وَأَمَّا ابْنُ النَّوَّاحَةِ فَلَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِي حَتَّى أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي «مُسْنَدِهِ» ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ. وَلَهُ شَاهِدٌ [٣] .
قَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [٤] حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ
الحواشي
(٥٩) .
[٤] الخبر في سيرة ابن هشام ٤/ ٢٢٠- ٢٢١، وتاريخ الطبري ٣/ ١٤٦.стр. 1228
نعيم بن معسود، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ جَاءَهُ رَسُولَا مُسَيْلَمَةَ الْكَذَّابِ بِكِتَابِهِ [١] يَقُولُ لَهُمَا: وَأَنْتُمَا تَقُولَانِ بِمِثْلِ مَا يَقُولُ؟ قَالَا: نَعَمْ. فَقَالَ: «أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَربْتُ أَعْنَاقَكُمَا» . وقال ابن إِسْحَاق [٢] : وقد كَانَ مسيلمة كتب إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي آخر سنة عَشْرٍ:
من مسيلمة رَسُول اللَّهِ إلى مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ. سلام عليك، أما بعد، فإنّي قد أُشركت فِي الأمر معك، وإنّ لنا نِصْفَ الأرض، ولكنّ قريشًا قوم يعتدون.
فكتب إِلَيْهِ: «من مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ إلى مسيلمة الكذّاب. سلام عَلَى من اتَّبع الْهُدَى، أما بعدُ، فإنّ الأرض للَّه يُورثها من يشاء من عباده، والعاقبة [١٢٦ أ] للمتّقين» .
[وفد طيِّئ]
ثم قدم وفد طيِّئ [٣] ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وفيهم زَيْد الخيل سيّدهم.
فأسلموا، وسمّاه رَسُول اللَّهِ ﷺ زيد الخَيْر، وقطع لَهُ فَيْد [٤] وأَرَضِين، وخرج راجعًا إلى قومه.
فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : «إِنْ يَنْجُ زيدٌ من حُمَّى المدينة» . فإنّه يقال قد
الحواشي
(١) [١] في الأصل: «الكتابة» . والتصحيح من ع، ح.
[٢] الخبر في سيرة ابن هشام ٤/ ٢٢٠- ٢٢١، وتاريخ الطبري ٤/ ١٤٦.
[٣] طيِّئ بن أدد وهم قبيلة عظيمة من كهلان من القحطانية، كانت منازلهم باليمن فخرجوا منه على أثر خروج الأزد منه ونزلوا سميراء وفيد في جوار بني أسد ثم غلبوهم على أجأ وسلمى (معجم قبائل العرب ٢/ ٦٨٩) .
[٤] في الأصل: «فند» ، والتصحيح من ع، ح. وفيه ناحية بشرقي سلمى أحد جبلي طيِّئ.стр. 1229
سمّاها رَسُول اللَّهِ ﷺ باسمٍ غيرَ الحمّى، فلم نُثْبِتْه. فلمّا انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه، يقال لَهُ فَرْدَة، أصابته الحمّى فمات بها. قَالَ: فعمدت امرأته إلى ما معه من كتب فحرّقَتها [١] .
[قدوم عديّ بْن حاتم]
قَالَ شُعْبَةُ [٢] : ثنا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ حُبَيْشٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: جَاءَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا بِعَقْرَبٍ [٣] ، فَأَخَذُوا عَمَّتِي وَنَاسًا. فَلَمَّا أَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، غَابَ الْوَافِدُ، وَانْقَطَعَ الْوَالِدُ، وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، فَمُنَّ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. قَالَ: «مَنْ وَافِدُكِ؟» قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ. قَالَ: «الَّذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟» قَالَتْ: فَمُنَّ عَلَيَّ. وَرَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ تَرَاهُ عَلِيًّا، فَقَالَ: سَلِيهِ حُمْلَانًا. فَسَأَلَتْهُ. فَأَمَرَ لَهَا بِهِ.
قَالَ [عَدِيٌّ] [٤] : فَأَتَتْنِي، فَقَالَتْ: لَقَدْ فَعَلْتَ فَعْلةً ما كان أبوك يفعلها.
ايته رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا. فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ، وَأَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ.
قَالَ عَدِيٌّ: فَأتَيْتُهُ، فَإِذَا عِنْدَهُ امْرَأَةٌ وَصَبِيَّانِ، أَوْ صَبِيٌّ، فَذَكَرَ قُرْبَهُمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَعَرَفْتُ. أَنَّهُ لَيْسَ مُلْكَ كِسْرَى وَلَا قَيْصَرَ، فَأَسْلَمْتُ. فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ قَدِ اسْتَبْشَرَ [٥] ، وَقَالَ: «إِنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ الْيَهُودُ، وَالضَّالِّينَ النَّصَارَى» . وذكر باقي الحديث [٦] .
الحواشي
(١) [١] الخبر في سيرة ابن هشام ٤/ ٢١١، وتاريخ الطبري ٣/ ١٤٥، وطبقات ابن سعد ١/ ٣٢١.
[٢] في الأصل «سعيه» . والتصحيح من ع، ح.
[٣] عقرب: أطم بالمدينة، وهو الأطم الأسود الصغير الّذي في شامي الرحابة في الحرّة، كان لآل عاصم بن عامر بن عطية (المغانم المطابة ٢٦٦) .
[٤] ليست في الأصل، وزدناها من ع، ح.
[٥] حتى هنا الخبر في تاريخ الطبري ٣/ ١١٢ وانظر سيرة ابن هشام ٤/ ٢١٢.
[٦] بقيّته في مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٧٨- ٣٧٩) .стр. 1230
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ حُذَيْفَةَ، قَالَ رَجُلٌ: كُنْتُ أَسْأَلُ عَنْ حَدِيثِ عَدِيٍّ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي لا أَسْأَلُهُ.
فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَكَرِهْتُهُ أَشَدَّ مَا كَرِهْتُ شَيْئًا قَطُّ. فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْصَى أَرْضِ الْعَرَبِ مِمَّا يَلِي الرُّومَ. ثُمَّ كَرِهْتُ مَكَانِي فَقُلْتُ: لَوْ أَتَيْتُهُ وَسَمِعْتُ مِنْهُ. فَأَتَيْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَاسْتَبْشَرُوا، أَيِ النَّاسَ، وَقَالُوا: جَاءَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، جَاءَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ. فَقَالَ: يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ. فَقُلْتُ:
إِنِّي عَلَى دِينٍ. قَالَ: «أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ، أَلَسْتَ رَكُوسِيًّا؟» [١] قُلْتُ: بَلَى.
قَالَ: «أَلَسْتَ تَرْأَسُ قَوْمَكَ؟» قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «أَلَسْتَ تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ؟» [٢] قُلْتُ: بَلَى. قَالَ، «فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَحِلُّ فِي دِينِك» . قَالَ: فَوَجَدْتُ بِهَا عَلَيَّ غَضَاضَةً. ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَمْنَعَكَ أَنْ تُسْلِمَ أَنْ تَرَى بِمَنْ عِنْدَنَا خَصَاصَةً، وَتَرَى النَّاسَ عَلَيْنَا إِلْبًا وَاحِدًا. «هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟» [٣] قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ عَلِمْتُ مَكَانَهَا. قَالَ: «فَإِنَّ الظَّعِينَةَ سَتَرْحَلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِغَيْرِ جِوَارٍ، وَلَتُفْتَحَنَّ عَلَيْنَا كُنُوزُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ» . قُلْتُ: كُنُوزُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ؟
قَالَ: «نَعَمْ، وَلَيَفِيضَنَّ الْمَالُ حَتَّى يُهِمَّ الرَّجُلُ مَنْ يَقْبَلُ مَالَهُ منه صدقة» . قال:
[١٢٦ ب] فَلَقَدْ رَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْحَلُ مِنَ الْحِيرَةِ بِغَيْرِ جِوَارٍ، وَكُنْتُ فِي أَوَّلِ خَيْلٍ أَغَارَتْ عَلَى الْمَدَائِنِ. وَاللَّهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةَ، إِنَّهُ لَحَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [٤] . وَرَوَى نَحْوَهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عن أبي عبيدة.
الحواشي
(١) [١] الرّكوسية: قوم لهم دين بين النصارى والصابئين.
[٢] المرباع: هو أن يأخذ ربع الغنيمة لنفسه، وذلك فعل الرئيس المطاع.
[٣] الحيرة: مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له النجف، زعموا أن بحر فارس كان يتصل به، وبها كان الخورنق بقرب منها مما يلي الشرق، والسّدير في وسط البرية التي بينها وبين الشأم (ياقوت) .
[٤] أخرجه ابن حجر في الإصابة ٢/ ٤٦٨ رقم ٥٤٧٥، وأخرج البخاري نحوه في المناقب ٤/ ١٧٥- ١٧٦، باب علامات النبوة في الإسلام، من طريق النضر، عن إسرائيل، عن سعد الطائي، عن محلّ بن خليفة، عن عديّ بن حاتم.стр. 1231
[قدوم فَرْوَةَ بْن مُسَيْك المُرَادِيّ]
وقال ابن إِسْحَاق [١] :
قدِم عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرْوَةُ بْن مُسَيْك المُرادِيّ، مُفارِقًا لملوك كِنْدَة.
فاستعمله النّبيّ ﷺ عَلَى مُرَادٍ وزُبَيْد ومَذْحِج كلها [٢] . وبعث معه عَلَى الصدقة خَالِد بْن سَعِيد بْن العاص، فكان معه حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
[وفد كِنْدة]
قَالَ [٣] : وقدِم عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وفد كِنْدَة [٤] ، ثمانون راكبًا فيهم الأَشْعَث بْن قَيْس. فلمّا دخلوا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: ألم تُسلموا؟ قَالُوا:
بلى. قَالَ: فما بَالُ هذا الحرير فِي أعناقكم؟ قَالَ: فشقُّوه وألقَوْه.
[وفد الأَزْد]
قَالَ [٥] : وقدِم عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ صُرَد بْن عَبْد اللَّه الأَزْدِيّ، فأسلم، في وفد من الأزد [٦] . فأمّره عَلَى من أسلم من قومه، ليجاهد من يليه.
الحواشي
(١) [١] الخبر في سيرة ابن هشام ٤/ ٢١٢، وتاريخ الطبري ٣/ ١٣٤، والطبقات ١/ ٣٢٧.
[٢] مذحج بن أدر: بطن من كهلان من القحطانية، كانوا يسكنون اليمن، ونزلوا الحيرة. ومراد بن مذحج، وزبيد بن صعب، بطنان من مذحج.
[٣] الخبر في سيرة ابن هشام ٤/ ٢١٤، وتاريخ الطبري ٣/ ١٣٨، وابن سعد ١/ ٣١٨.
[٤] كندة: قبيلة عظيمة تنتسب إلى كندة واسمه ثور بن عفير، وسمي كندة لأنه كند أباه أي كفر بنعمته. وكانت بلادهم بجبال اليمن مما يلي حضرموت، وكان لهم ملك باليمن والحجاز (معجم قبائل العرب ٣/ ٩٩٨) .
[٥] سيرة ابن هشام ٤/ ٢١٥، تاريخ الطبري ٣/ ١٣٠ وابن سعد ١/ ٣٣٧.
[٦] الأزد: من أعظم قبائل العرب وأشهرها، تنتسب إلى أزد بن نبت بن مالك بن كهلان من القحطانية.стр. 1232
[كِتَابُ مُلُوكِ حِمْيَر]
قَالَ [١] : وقدِم عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ [كتابُ] [٢] ملوكِ حِمْير، مَقْدَمَهُ [٣] من تَبُوك، ورسولهم إِلَيْهِ بإسلامهم، الحارث بْن عَبْد كُلَالٍ، ونُعَيْم بْن عَبْد كُلالٍ، والنُّعْمان قِيلَ ذِي رُعَيْن، ومَعَافِر، وهمْدان [٤] . وبعث إِلَيْهِ ذُو يَزَن، مالِكَ بْن مُرَّة الرّهاويّ بإسلامهم. فكتب إليهم النبيّ ﷺ كتابًا يذكر فِيهِ فريضة الصدقة.
وأرسل إليهم مُعَاذ بْن جَبَل فِي جماعةٍ، وقال لهم: وإنّي قد أرسلتُ إليكم من صالِحي أهلي. وَأُولِي دينهم وأولي علمهم، وآمركم بهم خيرًا، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
[بعث خَالِد ثمّ عليَّ إلى اليمن]
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْبَرَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْيَمَنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام. قَالَ الْبَرَاءُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ خَرَجَ مَعَ خَالِدٍ، فَأَقَمْنَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ. ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا ﵁، فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْفِلَ خَالِدٌ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَمَّمَ مَعَ خَالِدٍ أَحَبَّ أَنْ يُعَقِّبَ مَعَ عَلِيَّ فَلْيُعَقِّبْ مَعَهُ. فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقَّبَ مَعَ عَلِيٍّ. فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْقَوْمِ خَرَجُوا إِلَيْنَا، فَصَلَّى بِنَا عَلِيٌّ، ثُمَّ صَفَّنَا صَفًّا وَاحِدًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ بَيْنَ أَيْدِينَا وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَسْلَمَتْ هَمْدَانُ جَمِيعًا. فَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَرَأَ الكتاب
الحواشي
(١) [١] سيرة ابن هشام ٤/ ٢١٥- ٢١٦، تاريخ الطبري ٣/ ١٢٠.
[٢] لم ترد في الأصل، وأثبتناها من ع، ح. وسيرة ابن هشام، وتاريخ الطبري.
[٣] في الأصل «مقدمهم» . والتصحيح من ع. ح.
[٤] فحوى العبارة أن هؤلاء هم ملوك حمير الذين قدم كتابهم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لا أنهم قدموا بأشخاصهم، وإنما كان رسولهم مالك بن مرة الرهاوي الّذي قال عنه النبي ﷺ في كتابه إليهم «إن مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب وآمركم به خيرا» . انظر مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، الوثيقة رقم ١٠٩ (ص ١٨٠- ١٨٢) .стр. 1233
خَرَّ سَاجِدًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ، السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ» . هَذَا حَدِيثٌ صحيح أخرج الْبُخَارِيُّ بَعْضُهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ [١] .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أبي [١٢٧ أ] الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَبْعَثُنِي وَأنَا شَابٌّ أَقْضِي بَيْنَهُمْ وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ. فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: «اللَّهمّ اهْدِ قَلْبَهُ وَثَبِّتْ لِسَانَهُ» . فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ. أَخْرَجَهُ [د] [٢] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ من حديث عطاء [٣] .
[بعث أَبِي مُوسَى ومُعاذ إلى اليمن]
وَقَالَ شُعْبَةُ، وَغَيْرُهُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ وَمُعَاذَ بْنَ جبل إلى اليمن، فقال: «يسّرا ولا
стр. 1234
تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [١] ، وَمِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا.
وَفِي «الصَّحِيحِ» لِلْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَرْضِ قَوْمِي. قَالَ: فَجِئْتُهُ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْأَبْطَحِ. قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ؟» قُلْتُ:
نَعَمْ. قَالَ: «كَيْفَ؟» قُلْتُ: لَبَّيْكَ إِهْلَالًا كَإِهْلَالِكَ. فَقَالَ: «أَسُقْتَ هَدْيًا؟» قُلْتُ: لَمْ أَسُقْ هَدْيًا. قَالَ: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَاسْعَ ثُمَّ حِلَّ» . فَفَعَلْتُ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ [٢] . أما مُعاذ فالأَشْبَه أَنَّهُ لم يرجع من اليمن حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [٣] :
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَنَا، الَّذِي كَتَبَهُ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ يُفَقِّهُ أَهْلَهَا وَيُعَلِّمُهُمُ السُّنَّةَ وَيَأْخُذُ صَدَقَاتِهِمْ، فَكَتَبَ له كتابا وعهدا وأمره فيه أمره:
الحواشي
(١٧٣٣) باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير.
[٢] أخرجه البخاري في المغازي (٥/ ١٠٩) باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجّة الوداع، وبقيّته: «حتى مشطت لي امرأة من نساء بني قيس، ومكثنا بذلك حتى استخلف عمر» .
[٣] الخبر في سيرة ابن هشام ٤/ ٢١٨- ٢١٩، وبعضه في تاريخ الطبري ٣/ ١٢١.стр. 1235
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا كِتَابٌ [١] مِنَ الله ورسوله. يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود. عَهْدًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حَيْثُ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ.
أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ في أمره كلّه. فإنّ الله مع الّذي اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.
وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحَقِّ كَمَا أَمَرَهُ [٢] ، وَأَنْ يُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْخَيْرِ، وَيَأْمُرَهُمْ بِهِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ الْقُرآنَ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِيهِ [٣] ، وَلا يَمَسَّ الْقُرْآنَ أَحَدٌ [٤] إِلا وَهُوَ طَاهِرٌ، وَيُخْبِرَ النَّاسَ بِالَّذِي لَهُمْ، وَالَّذِي عَلَيْهِمْ، وَيَلِينَ لَهُمْ [٥] فِي الْحَقِّ، وَيَشْتَدَّ [٦] عَلَيْهِمْ فِي الظُّلْمِ، فَإِنَّ اللَّهَ كَرَّهَ الظُّلْمَ وَنَهَى عَنْهُ، وَقَالَ: أَلا لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ ١١: ١٨.
وَيُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْجَنَّةِ وَبِعَمَلِهَا، وَيُنْذِرَ النَّاسَ مِنَ النَّارِ وَعَمَلِهَا، وَيَسْتَأْلِفَ النَّاسَ حَتَّى يَفْقَهُوا فِي الدِّينِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ مَعَالِمَ الْحَجِّ وَسُنَنَهِ وَفَرَائِضِهِ وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَالْحَجَّ الأَكْبَرَ وَالْحَجَّ الأَصْغَرَ، فَالْحَجُّ الأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ. وَيَنْهَى النَّاسَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ الصَّغِيرِ إِلا أَنْ يَكُونَ وَاسِعًا فَيُخَالِفَ [٧] بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَيَنْهَى [أَنْ] [٨] يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَيُفْضِيَ إِلَى السَّمَاءِ بِفَرْجِهِ. وَلا يَعْقِدَ [٩] شعر [١٢٧ ب] رَأْسِهِ إِذَا عُفِيَ فِي قَفَاهُ. وَيَنْهَى النَّاسَ إِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ هَيْجٌ أَنْ يَدْعُوا إِلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ، وَلْيَكُنْ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. فَمَنْ لَمْ يَدْعُ إِلَى اللَّهِ، وَدَعَا إِلَى الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ فَلْيُقْطَفُوا بِالسَّيْفِ حَتَّى يَكُونَ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وَيَأْمُرَ النَّاسَ بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ، وَأَرْجُلَهُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَأَنْ
الحواشي
(١) [١] في السيرة ٤/ ٢١٨ «بيان» .
[٢] في السيرة «كما أمره الله» .
[٣] في السيرة «ويفقههم فيه، وينهى الناس فلا يمسّ» .
[٤] في السيرة «إنسان» .
[٥] في السيرة «للناس» بدل «لهم» .
[٦] في السيرة «يشدّ» .
[٧] في السيرة «إلا أن يكون ثوبا يثني طرفيه» .
[٨] سقطت من الأصل، وأثبتناها من (ع) و (ح) . وفي السيرة «وينهى الناس أن» .
[٩] في السيرة «يعقص أحد» .стр. 1236
يَمْسَحُوا رُءُوسَهُمْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ، وَأُمِرُوا بِالصَّلاةِ لِوَقْتِهَا، وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالْخُشُوعِ [١] ، وَأَنْ يُغَلِّسَ بِالصُّبْحِ، وَيُهَجِّرَ بِالْهَاجِرَةِ حِينَ تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَصلاةُ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ فِي الأَرْضِ مُدْبِرَةٌ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ يَقْبَلُ اللَّيْلُ، لا تُؤَخَّرُ حَتَّى تَبْدُوَ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ، وَالْعِشَاءِ أَوَّلَ اللَّيْلِ. وَأَمَرَهُ بِالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ إِذَا نُودِيَ بِهَا، وَالْغُسْلِ عِنْدَ الرَّوَاحِ إِلَيْهَا. وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَاَ كَتَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الْعَقَارِ فِيمَا سَقَى الْغَيْلُ [٢] وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرَ وَفِيمَا سَقَتِ الْغَرْبُ [٣] فَنِصْفَ الْعُشْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ زَكَاةَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ، مُخْتَصَرًا. قَالَ: وَعَلَى كُلِّ حَالِمٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، دِينَارٌ وَافٍ أَوْ عِوَضُهُ [٤] مِنَ الثِّيَابِ.
فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ، وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ [٥] .
وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، نحو هذا الحديث موصولا، بزيادات كَثِيرَةٍ فِي الزَّكَاةِ، وَنَقْصٍ عَمَّا ذَكَرْنَا فِي السُّنَنِ [٦] . وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ، ثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَاصِمِ ابن حُمَيْدٍ السَّكُونِيِّ: أَنَّ مُعَاذًا لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، فَخَرَجَ النبيّ ﷺ
الحواشي
(١) [١] في السيرة ٤/ ٢١٩ «الركوع والسجود والخشوع» .
[٢] في هامش ح: «هو الماء الجاري» . وفي السيرة ٤/ ٢١٩ «سقت العين» .
[٣] الغرب: الرواية والدلو العظيمة
[٤] في النسخ الثلاث: «عرضه» . وأثبتنا لفظ ابن هشام ٤/ ٢١٩.
[٥] انظر مجموعة الوثائق السياسية، الوثيقة رقم ١٠٥ (ص ١٧٣- ١٧٥) والسيرة، وتاريخ الطبري ٣/ ١٢١.
[٦] أخرج البخاري مختصرا في كتاب الزكاة (٢/ ١٣٣) باب العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري.стр. 1237
يُوصِيهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «يَا مُعَاذُ، إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي» . فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا [١] لِفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «لَا تَبْكِ يَا مُعَاذُ، الْبُكَاءُ مِنَ الشَّيْطَانِ» [٢] .
[وفد نَجْران]
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْن الزُّبير قَالَ: لما قدِم وفد نَجْران عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ، دخلوا عَلَيْهِ مسجده بعد العصر فحانت صلاتُهم، فقاموا يصلّون فِي مسجده، فأراد النّاس مَنْعَهم. فقال النّبيّ ﷺ : «دَعُوهم» . فاستقبلوا الْمَشْرِقَ فصلّوا صلاتهم [٣] . وقال ابْنُ إِسْحَاقَ:
حَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ ابن البَيْلَمانيّ، عَنْ كُرْز بْن علْقمة، قَالَ:
قدِم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفد نصارى نَجران، ستّون راكبًا، منهم أربعة وعشرون من أشرافهم، منهم: الْعَاقِبُ أمير القوم وذو رأيهم [و] [٤] صاحب [١٢٨ أ] مشورتهم، والذي لَا يصدرون إلّا عَنْ رأيه وأمره، واسمه عَبْد المسيح [٥] . والسيّد ثمِالُهم [٦] وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم. وأبو
الحواشي
(١) [١] في النسخ الثلاث «خشعا» ، والتصويب من: سير أعلام النبلاء ١/ ٤٤٨.
[٢] رجاله ثقات. رواه أحمد في المسند ٥/ ٢٣٥.
[٣] انظر طبقات ابن سعد ١/ ٣٥٧.
[٤] سقطت من النسخ الثلاث. وزدناها لتمام العبارة.
[٥] قال ابن سعد إنه رجل من كندة.
[٦] الثمال: الغياث الّذي يقوم بأمر قومه.стр. 1238
حارثة [١] بْن علْقمة، أحد بَكْر بْن وائل، أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم [٢] .
وكان أَبُو حارثة قد شرُف فيهم ودرس كتبهم حتّى حسُن علمه فِي دينهم. وكانت ملوك الرُّوم من أهُل النصرانية قد شرّفوه وموّلوه وبنوا لَهُ الكنائس. فلمّا توجّهوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ نجران، جلس أبو حارثة على بلغة لَهُ موجّهًا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وإلى جنبه أخٌ لَهُ، يقال لَهُ: كُرْز بْن عَلْقَمَة، يُسايِرُه [٣] ، إذْ عَثَرت بغلة أَبِي حارثة، فقال لَهُ كُرز: تَعِس الأَبْعدُ، يريد رَسُول اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ لَهُ أَبُو حارثة: بَلْ أنت تَعِسْتَ. فقال لَهُ: لِمَ يا أخي؟
فقال: والله إنه لَلنَّبيُّ الَّذِي كنّا ننتظره. قَالَ لَهُ كُرز: فما يمنعك وأنت تعلم هذا؟ قَالَ: ما صنع بنا هَؤُلَاءِ القوم شرّفونا وموّلونا، وقد أَبَوْا إِلّا خِلَافَهُ، ولو فعلتُ نَزَعوا منّا كل ما ترى.
فأَضْمَر عليها أخوه كُرز بْن علْقمة حتّى أسلم بعد ذَلِكَ [٤] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَوْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اجْتَمَعَتْ نَصَارَى نَجْرَانَ وَأَحْبَارُ يَهُودَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنَازَعُوا، فَقَالَتِ الْأَحْبَارُ: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا يَهُودِيًّا، وَقَالَتِ النَّصَارَى: مَا كَانَ إِلا نَصْرَانِيًّا. فأنزل الله فيهم: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ ٣: ٦٥
الحواشي
(١) [١] في الطبقات لابن سعد ١/ ٣٥٧ «الحارث» .
[٢] الأسقف: عند النصارى رئيس لهم في الدين فوق القسّيس ودون المطران. والحبر: بفتح الحاء المهملة: العالم ذمّيا كان أو مسلما بعد أن يكون من أهل الكتاب. والمدراس: بيعة اليهود. وفي طبقات ابن سعد «مدارسهم» .
[٣] يسايره: يسير معه. وفي (ع) : «على يساره» ، وهو وهم.
[٤] الإصابة لابن حجر ٣/ ٢٩٢ رقم ٧٣٩٨.стр. 1239
فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا من بَعْدِهِ ٣: ٦٥ الآيات [١] .
فَقَالَ أَبُو رَافِعٍ الْقُرَظِيُّ: أَتُرِيدُ مِنَّا يَا مُحَمَّدُ أَنْ نَعْبُدَكَ كَمَا تَعْبُدُ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ الرُّبَيْسُ [٢] : وَذَلِكَ تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ وَإِلَيْهِ تَدْعُو؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ آمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ» .
فَنَزَلَتْ مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ ٣: ٧٩ الآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ مِنَ الشَّاهِدِينَ ٣: ٨١ [٣] . وَقَالَ إِسْرَائِيلُ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ [٤] ، عَنْ صِلَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَقَالَا حُذَيْفَةُ بَدَلَ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ السَّيِّدَ وَالْعَاقِبَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرَادَ أَنْ يُلَاعِنَهُمَا [٥] فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فو الله لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنْتَهُ لَا نُفْلِحُ نَحْنُ ولا عقبنا.
قالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلا أمينا. ولا تبعث معنا إلّا أمينا.
فقال: «لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ» . فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابَهُ. فَقَالَ: «قُمْ، يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ» . فَلَمَّا قَامَ قَالَ: «هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» . أَخْرَجَهُ (خ) مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ [٦] . وَقَالَ إِدْرِيسُ الْأَوْدِيُّ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ علقمة بن وائل،
الحواشي
(١) [١] سورة آل عمران، الآية ٦٥.
[٢] في النسخ الثلاث: الرئيس (الرييس) . وأحسبها مصحفة عما أثبتناه. والربيس كبير السّامرة وهم قوم من اليهود يخالفونهم في بعض أحكامهم، كإنكارهم نبوة من جاء بعد موسى ﵇.
[٣] سورة آل عمران، الآيات ٧٩- ٨١.
[٤] في الأصل: «ابن إسحاق» . والتصحيح من ع، ح والبخاري.
[٥] كذا في النسخ الثلاث. ولفظ البخاري: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يريدان أن يلاعناه. وتلا عن القوم: أي تداعوا باللعن على الظالم منهم.
[٦] صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب قصة أهل نجران (٥/ ١٢٠) .стр. 1240
(١٢٨ ب] عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى نَجْرَانَ. فَقَالُوا فِيمَا قَالُوا: أَرَأَيْتَ مَا تَقْرَءُونَ: يَا أُخْتَ هارُونَ ١٩: ٢٨ [١] وَقَدْ كَانَ بَيْنَ عِيسَى وَمُوسَى مَا قَدْ عَلِمْتُمْ؟. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «أَفَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِأَسْمَاءِ أَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٢] . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [٣] :
بَعَثَ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، أَوْ جُمَادَى الأُولَى، سَنَةَ عَشْرٍ، إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ، ثَلاثًا. فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ الرُّكْبَانَ يَضْرِبُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ وَيَدْعُونَ إِلَى الإِسْلامِ وَيَقُولُونَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا. فأسلم الناس، فأقام خالد يعلّمهم الإسلام، وكتب إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بذلك. ثم قدم وفدهم مع خَالِدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمِنْ أَعْيَانِهِمْ:
قَيْسُ بْنُ الْحُصَيْنِ ذُو الْغُصَّةِ [٤] ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ، وَيَزِيدُ بْنُ الْمُحَجَّلِ قَالَ: فَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ قَيْسًا.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَعَثَ إِلَيْهِمْ، بَعْدَ أَنْ وَلَّى وَفْدَهُمْ، عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ لِيُفَقِّهَهُمْ وَيُعَلِّمَهُمْ السُّنَّةَ، يَأْخُذُ مِنْهُمْ صَدَقَاتِهِمْ [٥] .
وفي عاشر ربيعٍ الأول: تُوُفِّيَ إبراهيم ابن النّبيّ ﷺ [٦] ، وهو ابن سنةٍ ونصفٍ. وغسّله الفضل بن
الحواشي
(٢١٣٥) .
[٣] الخبر في السيرة ابن هشام ٤/ ٢١٧، وتاريخ الطبري ٣/ ١٢٦.
[٤] في الأصل، ح: «ذو العصبية» . وفي ع: «ذو العضبة» . والتصحيح من ترجمته في أسد الغابة (٤/ ٤١٨) . وسمّي بذلك لغصّة كانت في حلقه. وانظر: السيرة وتاريخ الطبري.
[٥] سيرة ابن هشام ٤/ ٢١٨، تاريخ خليفة ٩٤، تاريخ الطبري ٣/ ١٢٨.
[٦] تاريخ خليفة ٩٤.стр. 1241
الْعَبَّاس. ونزل قبره الْفَضْلُ وأسامة بْن زيد فيما قِيلَ. وكان أبيض مسمَّنًا، كثير الشَّبَه بوالده ﷺ .
وَقَالَ ثَابِتٌ: عَنْ أَنَسٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِأَبي إِبْرَاهِيمَ» . ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمِّ سَيْفٍ، يَعْنِي امْرَأَةَ قَيْنٍ [١] بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ أبو يوسف. قَالَ أَنَسٌ: فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِابْنِهِ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَدَخَلَ فَدَعَا بِالصَّبِيِّ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ بين يدي رسول الله ﷺ يَكيِدُ بِنَفْسِهِ [٢] ، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرضِي الرَّبَّ. وَاللَّهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٣] وَالْبُخَارِيُّ [٤] تَعْلِيقًا مَجْزُومًا بِهِ. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّ لَهُ مُرْضِعَةً تُتِمُّ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ» . أَخْرَجَهُ خ [٥] . وقال جَعْفَر بْن مُحَمَّد الصادق، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى عَلَى ابنه إِبْرَاهِيم حين مات.
الحواشي
(٢٣١٥) باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال، وتواضعه، وفضل ذلك.
[٤] في كتاب الجنائز (٢/ ٨٤- ٨٥) باب قول النبيّ ﷺ : إنّا بك لمحزونون. وأخرجه أبو داود في الجنائز(٣١٢٦) باب في البكاء على الميت. وابن ماجة في الجنائز(١٥٨٩) باب ما جاء في البكاء على الميت. وأحمد في المسند ٤/ ٣٢٨.
[٥] في كتاب الجنائز (٢/ ١٠٤) ما جاء في عذاب القبر، باب ما قيل في أولاد المسلمين، وفي كتاب بدء الخلق (٤/ ٨٨) باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، وفي كتاب الأدب (٧/ ١١٨) باب من سمّي بأسماء الأنبياء.стр. 1242
وفيها: مات أَبُو عامر الراهب، الَّذِي كَانَ عند هرقل عظيم الرُّوم [١] وفيها: ماتت بُوران بِنْت كسرى ملكة الفرس، وملّكوا بعدها أختها آزرمن [٢] . قاله أَبُو عُبَيْدة [٣] .
وفي أواخر ذي القعدة: وُلد مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الصدّيق، [١٢٩ أ] ولدته أسماء بِنْت عُمَيْس، بذي الحُلَيْفة، وهي مَعَ النّبيّ ﷺ [٤] .
قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟
فَقَالَ: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِري بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» [٥] . وفيها: وُلد مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم، بنَجْران وأبوه [بها] [٦] .
الحواشي
(١٢١٨) في الحج. باب حجّة النّبيّ ﷺ ، وسير أعلام النبلاء للمؤلف ٣/ ٤٨٢، والطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٢٨٣.
[٥] أخرجه مسلم في حديث طويل، في كتاب الحج(١٢١٨) باب حجّة النبيّ ﷺ . والنسائي في كتاب الطهارة (١/ ١٥٤) باب ما تفعل النفساء عند الإحرام. وفي كتاب الحيض (١/ ١٨٢) باب المرأة يكون لها أيام معلومة تحيضها كل شهر، وفي كتاب الغسل (١/ ٢٠٨) باب اغتسال النفساء عند الإحرام، وفي كتاب الحج (٥/ ١٢٦) باب الغسل للإهلال. وابن ماجة في المناسك(٣٠٧٤) باب حجّة رسول الله ﷺ . والدارميّ في المناسك(٣٤) .
[٦] سقطت من الأصل، وأثبتناها من: (ع) و (ح) . وانظر تاريخ الطبري ٣/ ١٣٠.стр. 1243
حجَّةُ الودَاع [١]
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَذَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ بالحجّ، فاجتمع فِي الْمَدِينَةِ بَشَرٌ كَثِيرٌ.
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، أَوْ لِأَرْبَعٍ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ» [٢] . وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَكِبَ الْقَصْوَاءَ [٣] حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، فَنَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي، بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ. فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ [٤] ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ.
وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ. وَلَسْنَا نَنْوِي إِلا الْحَجَّ، لسنا نعرف العمرة، حتى
الحواشي
(١) [١] المغازي لعروة ٢٢٢، المغازي للواقدي ٣/ ١٠٨٨، سيرة ابن هشام ٤/ ٢٣٠، الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ١٧٢، تاريخ الطبري ٣/ ١٤٨، تاريخ خليفة ٩٤، نهاية الأرب ١٧/ ٣٧١، عيون الأثر ٢/ ٢٧٢، عيون التواريخ للكتبي ١/ ٣٩٤.
[٢] مرّ تخريج هذا الحديث قبل قليل وانظر: طبقات ابن سعد ٨/ ٢٨٣.
[٣] القصواء: هي نَاقَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ أبو عبيدة: القصواء المقطوعة الأذن عرضا.
[٤] في صحيح مسلم: «لبّيك اللَّهمّ، لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنعمة لك.
والملك لا شريك لك» . (ج ٢/ ٨٨٧) .стр. 1244
[إِذَا] [١] أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ [٢] ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ [٣] إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ٢: ١٢٥ [٤] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ.
قَالَ جَعْفَرٌ: فَكَانَ أَبِي يَقُولُ- لا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ :
كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١١٢: ١ [٥] وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ١٠٩: ١ [٦] ثم رجع إلى الْبَيْتَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ٢: ١٥٨ [٧] ، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا رَأَى الْبَيْتَ فَكَبَّرَ وَهَلَّلَ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» . ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ رَمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَعَلا عَلَيْهَا وَفَعَلَ كَمَا فَعَل عَلَى الصَّفَا. [فَلَمَّا كَانَ] [٨] آخِرُ الطَّوَافِ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ: «إِنِّي لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً. فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً» .
فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إِلا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ.
فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله [١٢٩ ب] ألعامنا
الحواشي
(١) [١] عن صحيح مسلم.
[٢] الرمل: هو إسراع المشي مع تقارب الخطا، وهو الخبب.
[٣] في صحيح مسلم «نفذ» .
[٤] سورة البقرة، الآية ١٢٥.
[٥] أول سورة الإخلاص.
[٦] أول سورة الكافرون.
[٧] سورة البقرة، الآية ١٥٨.
[٨] سقطت من الأصل، وأثبتناها من ع، ح.стр. 1245
هذا أم لِلأَبَدِ؟ قَالَ فَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ وَقَالَ: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ مَعَ الْحَجِّ هَكَذَا، مَرَّتَيْنِ، لا، بَلْ لأَبَدِ الأَبَدِ» . وَقَدِمَ عَلِيٌّ، ﵁، مِنَ الْيَمِن بِبُدْنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا. فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرِّشًا بِالَّذِي صَنَعْتُهُ، مُسْتَفْتِيًا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «صَدَقَتْ، صَدَقَتْ. مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟» قَالَ، قُلْتُ: اللَّهمّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ:
«فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ فَلا تَحْلِلْ» . قَالَ: فَكَانَ الْهَدْيُ الَّذِي جَاءَ مَعَهُ، وَالْهَدْيُ الَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ مِائَةٍ. ثُمَّ حَلَّ النَّاسُ وَقَصَّرُوا، إِلا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَجَّهُوا إِلَى مِنًى، أَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِمِنًى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ. ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةٍ [١] ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ [٢] ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ [قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةٍ] [٣] فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ [٤] لَهُ، فَرَكِبَ حَتَّى أَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ.
«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كحرمة يومكم هذا، في شهركم
الحواشي
(١) [١] نمرة: ناحة بعرفة. ونقل ياقوت أن الحرم من طريق الطائف على طرف عرفة من نمرة على أحد عشر ميلا. وقيل: نمرة الجبل الّذي عليه أنصاب الحرم عن يمينك إذا خرجت من المأزمين تريد الموقف (معجم البلدان ٥/ ٣٠٤) .
[٢] في ع، ح: «حتى أتى نمرة» . والمثبت يتفق مع صحيح مسلم.
[٣] زيادة من صحيح مسلم للتوضيح.
[٤] رحلت: أي وضع عليها الرحل.стр. 1246
هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. أَلا وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ، وَدِمَاءَ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ. وَأَوَّلَ دَمٍ أَضَعُهُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ. وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ [وَأَوَّلَ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ] [١] كُلُّهُ. وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَنْتُمْ مَسْئُولُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنْ [٢] قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَكُبُّهَا [٣] إِلَى النَّاسِ: اللَّهمّ اشْهَدْ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
ثُمَّ أَذَّن بِلالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ جَبَلَ الْمُشَاةِ [٤] بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلا حين غاب القرص، [١٣٠ أ] وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ خَلْفَهُ فَدَفَعَ وَقَدْ شَنَقَ [٥] لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّمَا أَتَى جَبَلا مِنَ الْجِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلا حَتَّى تَصْعَدَ. حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ. ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى المشعر الحرام
الحواشي
(١) [١] سقطت في النسخ الثلاث وزدناها من صحيح مسلم.
[٢] في صحيح مسلم «إنك» .
[٣] هكذا في الأصل، ح. وفي ع: «وبكيها» ، محرفة. ولفظ مسلم: «ينكتها» ، وفي رواية أخرى: ينكبها، أي يقلبها ويردّدها إلى الناس مشيرا إليهم. ومثلها يكبها.
[٤] جبل المشاة: طريقهم. وفي رواية: حبل المشاة أي مجتمعهم.
[٥] شنق: ضمّ وضيّق للقصواء.стр. 1247
فَرَقِيَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ. فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، ثُمَّ دَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَجُلا حَسَنَ الشَّعْرِ وَسِيمًا [١] . فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ الظُّعُنُ [٢] يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَصَرَفَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ. حَتَّى إِذَا أَتَى مُحَسِّرًا [٣] حَرَّكَ قَلِيلا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تُخْرِجُكَ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْمَسْجِدِ، فَرَمَى سَبْعَ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلَ حَصْيِ الْخَذْف [٤] رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً [٥] ، وَأَعْطَى عَلِيًّا، ﵁، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ [٦] وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ. ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ [٧] فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، وَطُبِخَتْ، فَأَكَلا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا.
ثُمَّ أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى عَلَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ مِنْ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَقَالَ: «انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ تَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ» . فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٨] ، ودون قوله: يحيي ويميت.
الحواشي
(١٢١٨) باب حجة النبي ﷺ .стр. 1248
وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ أَشْعَرَ بُدْنَةً مِنْ جَانِبِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، ثُمَّ سَلَتَ عَنْهَا الدَّمَ، وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [١] .
وَقَالَ أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ، حَدَّثَنِي قُدَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، وَفِي رِوَايَةٍ صَهْبَاءَ، لَا ضَرْبَ وَلَا طَرْدَ وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ [٢] . حَدِيثٌ حسن [٣] .
وقال ثور بن يزيد، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [لُحَيٍّ] [٤] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ، يَسْتَقِرُّ فِيهِ النَّاسُ، وَهُوَ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ» . قُدِّمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَنَاتٌ، خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ، فَطَفِقْنَ [٥] يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا [٦] قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَلِمَةً خَفِيَّةً [٧] لَمْ أَفْهَمْهَا،
الحواشي
(١٢٤٣) باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام. وأبو داود في كتاب المناسك(١٧٥٢) باب في الإشعار.
[٢] إليك إليك: تقال للتنبيه أو الزجر. والمراد أنه ﷺ كان لا يدفع ناقته ولا يندفع بها في مزدحم الناس، ولا يحتاج إلى زجرها عن ذلك.
[٣] رواه الترمذي في كتاب الحج(٩٠٥) باب ما جاء في كراهية طرد الناس عند رمي الجمار.
قال الترمذي: وفي الباب عن عبد الله بن حنظلة. قال أبو عيسى: حديث قدامة بن عبد الله حديث حسن صحيح، وإنما يعرف هذا الحديث من هذا الوجه، وهو حديث حسن صحيح.
وأيمن بن نابل هو ثقة عند أهل الحديث. ورواه النسائي في مناسك الحج (٥/ ٢٧٠) باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم. وابن ماجة في المناسك(٣٠٣٥) باب رمي الجمار راكبا.
[٤] في الأصل بياض مقدار كلمة، والمثبت من نسخة (ح) وسنن أبي داود ٢/ ١٤٨، وفي (ع) سقط بمقدار سطرين هنا.
[٥] في الأصل «وطفقن» ، والمثبت من (ع) و (ح) وسنن أبي داود ٢/ ١٤٩.
[٦] وجبت جنوبها: أي سقطت إلى الأرض ميّتة بعد ذبحها.
[٧] في الأصل «خفيفة» ، والمثبت من: (ع) و (ح) وسنن أبي داود.стр. 1249
فَقُلْتُ لِلَّذِي إِلَى جَنْبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: قَالَ: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ [١] . وَقَالَ هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنّ رسول الله [١٣٠ ب] ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ، ثُمَّ رجع إلى منزله بمنى، فذبح، ثم دعا بالحلّاق فأخذ بشقّ رأسه الأيمن فحلقه، فجعل يقسمه الشّعرة والشّعرتين، ثم أخذ بشقّ رأسه الآخر [٢] فحلقه، ثم قال: ها هنا أَبُو طَلْحَةَ؟ فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ [٣] . وَقَالَ أَبَانٌ الْعَطَّارُ، ثنا يَحْيَى حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ابن زَيْدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ شَهِدَ الْمَنْحَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَسَمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ضَحَايَا، فَلَمْ يُصِبْهُ وَلا رَفِيقَهُ. قَالَ: فَحَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسُهُ فِي ثَوْبِهِ فَأَعْطَاهُ، فَقَسَمَ مِنْهُ عَلَى رِجَالٍ، وَقَلَّمَ أَظْفَارَهُ فَأَعْطَى صَاحِبَهُ. فَإِنَّهُ لَمَخْضُوبٌ عِنْدَنَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ [٤] .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، ثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ، حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ وَقَطِيفَةً تُسَاوِي، أَوْ لَا تُسَاوِي، أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ. وَقَالَ: «اللَّهمّ حِجَّةً لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سمعة» [٥] . يزيد ضعيف [٦] .
الحواشي
(١٧٦٥) باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ. وأحمد في المسند ٤/ ٢٥٠.
[٢] في ع، ح: «الأيسر» .
[٣] في كتاب الحج (٣٢٥ و ٣٢٦/ ١٣٠٥) ، باب بيان أن السّنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق والابتداء في الحلق بالجانب الأيمن من رأس المحلوق.
[٤] أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤٢.
[٥] رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ١٧٧.
[٦] انظر عنه في: التاريخ الصغير ١٣٩، التاريخ الكبير ق ٢ ج ٤/ ٣٢٠، الجرح والتعديل ج ٤ ق ٢/ ٢٥١، الضعفاء والمتروكين للدار للدّارقطنيّ ١٧٩ رقم ٥٩٣، الضعفاء والمتروكين للنسائي ٣٠٧ رقم ٦٤٢، التاريخ لابن معين ٢/ ٦٦٧ رقم ٤٤٨٦، المجروحين لابن حبّان ٣/ ٩٨،стр. 1250
وَقَالَ أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ، ﵁، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا.
[قَالَ] [١] : أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ٥: ٣ [٢] فَقَالَ: إِنِّي لأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ: نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٣] .
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ يَهُودِيٌّ، فَقَرَأَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ٥: ٣ الآيَةَ. فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: لَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيْنَا لاتَّخَذْنَا يَوْمَهَا عِيدًا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدٍ، يَوْمَ جُمُعَةٍ، يَوْمَ عَرَفَةَ. صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ م [٤] .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: «خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٥] . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثور بن يزيد، عن
الحواشي
(٥٠٣٥) ، والطيالسي ١٩٤٧، والطبري في التفسير ١١٠٩٧ وحسّنه الترمذي.
[٥] في كتاب الحج(١٢٩٧) باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا وبيان قوله ﷺ :
لتأخذوا مناسككم. وابن سعد في الطبقات ٢/ ١٨١.стр. 1251
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ:
«إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ. أَيُّهَا النَّاسُ: إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخُو الْمُسْلِمِ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، [وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ] [١] ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» [٢] . وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَكَانَ رَبِيعَةُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ هُوَ الَّذِي يَصْرُخُ يَوْمَ عَرْفَةَ تَحْتَ لُبَّةِ نَاقَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ . قَالَ لَهُ: «اصْرُخْ: أيها الناس» - وكان صيّتا [٣]- «هل [١٣١ أ] تَدْرُونَ أَيَّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَصَرَخَ، فَقَالُوا:
نَعَمْ، الشَّهْرُ الْحَرَامُ. قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا» . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ [٤] . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْهُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ منى قال: «إنّا نازلون غدا إن
الحواشي
(٦٦) باب بيان معنى قول النبي: لا ترجعوا بعدي كفارا، وأبو داود في السّنّة(٦٨٦) باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، والنسائي في تحريم الدم (٧/ ١٣٦) باب تحريم القتل. والطبراني في المعجم الكبير ٨/ ١٦١ رقم ٧٦١٩، والمعجم الصغير ١/ ١٥٣، وابن جميع الصيداوي في معجم الشيوخ (بتحقيقنا) ٢٤٢ رقم(١٩٨) ، والمؤلّف الذهبي في سير أعلام النبلاء ٩/ ٤٩٨.
[٣] صيّتا: أي شديد الصوت.
[٤] انظر بقيته في سيرة ابن هشام ٤/ ٢٣١، وابن سعد في الطبقات ٢/ ١٨٤.стр. 1252
شَاءَ اللَّهُ بِالْمُحَصَّبِ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ» [١] . وذلك أنّ قريشًا تقاسموا عَلَى بني هاشم وبني المطّلب أنَّ لَا يناكحوهم ولا يخالطوهم حتّى يسلّموا إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . اتّفقا عَلَيْهِ [٢] .
وقال أَفْلَح بْن حُمَيْد، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خرجنا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ليالي الحج. قَالَتْ: فلمّا تفرّقنا من مِنًى نزلنا المحصَّبَ. وذكر الحديث. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٣] .
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرقم: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وحجّ بعد ما هَاجَرَ حِجَّةَ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَحِجَّ بَعْدَهَا.
قَالَ أَبُو إِسْحَاق من قِبَلِهِ: وواحدة بمكة. اتّفقا عَلَيْهِ [٤] .
ويُروى عَنِ ابن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يكره أنَّ يقال: حجّة الوداع، ويقول:
حجّة الْإِسْلَام [٥] .
وقال زيد بْن الحُباب، ثنا سُفْيَان، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ حجّ ثلاث حجج قبل أنَّ يهاجر، وحجّة بعد ما هاجر معها عُمرة، وساق ستًّا وثلاثين بُدنة، وجاء عليٌّ بتمامها من اليمن، فيها جملٌ لأبي
الحواشي
(١) [١] حيث تقاسموا على الكفر: يعني حيث تعاهد كفار قريش على إخراج النَّبِيِّ ﷺ من مكة إلى شعب أبي طالب، وهو خيف بني كنانة، وكتبوا بينهم بذلك الصحيفة المشهورة.
[٢] صحيح البخاري: كتاب الحج، باب نزول النبي ﷺ مكة (٢/ ١٨١- ١٨٢) . وصحيح مسلم: كتاب الحج، باب استحباب النزول بالمحصب يوم النفر والصلاة به (٤/ ٨٦) .
[٣] صحيح البخاري: كتاب الحج، باب قول الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ٢: ١٩٧ (٢/ ١٧٣) ، وأبواب العمرة، باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة إلخ (٣/ ٦) . وصحيح مسلم: كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام إلخ (٤/ ٣١) .
[٤] صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب حجة الوداع (٥/ ٢٢٣- ٢٢٤) . وصحيح مسلم:
كتاب الجهاد والسير، باب عدد غزوات النبي ﷺ (٥/ ١٩٩) .
[٥] الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ١٨٨.стр. 1253
جهلٍ فِي أنفه بُرَةٌ من فِضَّةٍ، فنحرها رَسُول اللَّهِ ﷺ .
تَفَرَّد بِهِ زيد. وقيل إنه خطأ، وإنما يُروى عَنْ سُفْيَان، عَنْ أَبِي إِسْحَاق، عَنْ مجاهد، مرسلًا.
قَالَ أَبُو بَكْر البيهقيّ: قوله «وحجَّةٌ معها عمرةٌ» فإنما يَقُولُ ذَلِكَ أنسٌ، ومن ذهب من الصّحابة إلى أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَرَن، فأما من ذهب إلى أَنَّهُ أَفْرد، فإنه لَا يكاد يصحّ عنده هذه اللفظة لِما فِي إسناده من الاختلاف وغيره.
وَقَالَ وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَ حِجَجٍ، حَجَّتَيْنِ وَهُوَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَحَجَّةَ الْوَدَاعِ [١] .
وفي آخر السنة: كَانَ ظهور الأَسْوَد العنسي، وسيأتي [٢] .
الحواشي
(١) [١] الطبقات ٢/ ١٨٩.
[٢] في الجزء الثاني، في خلافة أبي بكر الصدّيق ﵁ (ص ١٤) .стр. 1254
سنة احدى عشر
سَرِيّة أُسَامَةَ
فِي يوم الإثنين، لأربعٍ بَقِينَ من صَفَر. ذكر الواقديّ [١] أنهم قَالُوا:
أمر النّبيّ ﷺ بالتَّهيُّؤ لغزْو الرّوم. ودعا أُسَامة بْن زيْد، فقال: سِرْ إلى موضع مقتل أبيك، فأَوْطِئْهم الْخَيْلَ، فقد وَلَّيْتُك هذا الجيش. فأَغِرْ صباحًا عَلَى أهُل أُبنى [٢] ، وأسرع السَّيْر، تسبق الأخبار. فإن ظفرتَ فأقْلِلْ اللَّبْث فيهم، وقَدِّم العيون والطلائع أمامك. فلما كان يوم الأربعاء، بدئ بِرَسُولِ [٣] اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ. فحُمَّ وصُدِّع.
فلمّا أصبح يوم الخميس، عَقَد لأسامة لواء بيده، فخرج بلوائه معقودا، [١٣١ ب] يعني أسامة. فدفعهُ إلى بُرَيْدة بْن الحُصَيْب الأسلميّ،
الحواشي
(١) [١] في المغازي (٣/ ١١٧- ١١٩) .
[٢] أبنى: موضع بفلسطين بين عسقلان والرملة، وقيل قرية بمؤتة. قال ياقوت: بالضم ثم السكون وفتح النون والقصر، بوزن حيلى، موضع بالشام من جهة البلقاء. (معجم البلدان ١/ ٧٩) .
[٣] في الأصل، ع: «بدئ رسول الله» . والمثبت عن ح.стр. 1255
وعَسْكر بالجُرْف [١] . فلم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلّا انْتَدَب فِي تِلْكَ الغزوة، فيهم أَبُو بَكْر، وعمر، وأبو عُبَيْدة.
فتكلّم قوم وقَالُوا: يستعمل هذا الغلام عَلَى هَؤُلَاءِ؟
فَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَغَيْرُهُ، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسَامَةَ، فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمَارَتِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ يَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ طَعَنُوا فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ. وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ. وَإِنَّ ابْنَهُ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ [٢] .
قَالَ شَيبان، عَنْ قَتَادَة:
جميع غزوات النّبيّ ﷺ وسراياه: ثلاثٌ وأربعون [٣] .
ثمّ دخل شهر ربيع الأول.
وبدخوله تَكَمَّلت عشر سنين من التاريخ للهجرة النبوية. والحمد للَّه وحده.
الحواشي
(٣٩٠٤) باب مناقب زيد بن حارثة ﵁.
وأحمد في المسند ٢/ ٢٠ و ٨٩ و ١٠٦ و ١١٠. وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ١٩٠.
[٣] انظر حول الغزوات والسرايا والبعوث: سيرة ابن هشام ٤/ ٢٣٣، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٥، وتاريخ الطبري ٣/ ١٥٢.стр. 1256
بعون الله وتوفيقه، فقد تمّ الجزء الخاص بمغازي الرسول ﷺ من كتاب «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» تأليف المؤرّخ الحافظ الذهبي، بتحقيق طالب العلم العبد الفقير إلى الله تعالى «عمر عبد السلام تدمري» الأستاذ الدكتور، الطرابلسيّ مولدا وموطنا، بمنزله بساحة النجمة بطرابلس الشام- حرسها الله-. وكان الفراغ من تحقيقه وتصحيحه في الثالث عشر من شهر ربيع الثاني ١٦٠٧، الموافق للثامن عشر من كانون الأول ١٩٨٦، من صباح يوم الخميس. والحمد للَّه وحده.
(يليه الجزء الثاني الخاص بالسيرة النبويّة)
стр. 1257
[المجلد الثالث (عهد الخلفاء الراشدين) ]
سنة احدى عشرة
خِلَافَةُ الصِّدِّيقِ ﵁ وَأَرْضَاهُ
قَالَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تُوُفِّيَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنُحِ [١] ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ، وَلَيَبْعَثنُهُ اللَّهُ فَيَقْطَعُ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ مَوْتَتَيْنِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَقَالَ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ٣٩: ٣٠ [٢] . وَقَالَ وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ٣: ١٤٤ [٣] . الْآيَةَ، فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ، وَاجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ [٤] ، فَقَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ
الحواشي
(١) [١] السّنح: بضمّ أوّله وثانيه: منازل بني الحارث بن الخزرج بالمدينة، بينها وبين مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ميل. وضبطه في التاج بسكون النون وضمّها أيضا. (معجم ما استعجم ٣/ ٧٦) .
[٢] سورة الزمر، الآية ٣٠.
[٣] سورة آل عمران، الآية ١٤٤.
[٤] هي بالقرب من دار سعد بن عبادة زعيم الأنصار.стр. 1258
أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فَسَكَّتَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنِّي هَيَّأْتُ كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيتُ أَنْ لَا يُبْلِغَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَتَكَلَّمَ فَأَبْلَغَ، فَقَالَ فِي كَلَامِهِ: نَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ [١] ، فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ أَبَدًا، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا، وَلَكِنَّا الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ، قُرَيْشٌ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَأَعَزُّهُمْ أَحْسَابًا فَبَايِعُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ نُبَايِعُكَ، أَنْتَ خَيْرُنَا وَسَيِّدُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ. فَقَالَ قَائِلٌ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: قَتَلَهُ اللَّهُ. رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْهُ، وَهُوَ صَحِيحُ السَّنَدِ [٢] .
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا يَقُولُ: «لَوْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا» فَلَا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ: كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً، وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّهُ كَانَ مِنْ خَيْرِنَا حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٣] اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ، وَتَخَلَّفَ عَلِّيٌّ وَالزُّبَيْرُ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتَخَلَّفَ الْأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نَؤُمُّهُمْ، فَلَقِيَنَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَا: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَأْتُوهُمْ وَأَبْرِمُوا أَمْرَكُمْ، فَقُلْتُ:
وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ، فَأَتَيْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فإذا هم مجتمعون على رجل
الحواشي
(١) [١] من هنا إلى قوله (الوزراء) ساقط من نسخة دار الكتب.
[٢] الحديث أخرجه البخاري في المغازي ٥/ ١٤٣ بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ ووفاته، وانظر: طبقات ابن سعد ٢/ ٢٦٨- ٢٦٩، وتاريخ الطبري ٣/ ٢٠٢، ٢٠٣، وسيرة ابن هشام ٤/ ٢٦٠، وأنساب الأشراف للبلاذري ١/ ٥٨١، ٥٨٢، والبدء والتاريخ لمطهر المقدسي ٥/ ٦٣، ٦٤، ونهاية الأرب للنويري ١٨/ ٣٨٥.
[٣] سقطت هنا أسطر من نسخة (ع) .стр. 1259
مُزَّمِّلٍ [١] بِالثِّيَابِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ مَرِيضٌ، فَجَلَسْنَا، وَقَامَ خَطِيبُهُمْ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَنَحْنُ الْأَنْصَارُ وَكَتِيبَةُ الْإِيمَانِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ مِنَّا، وَقَدْ دَفَّتْ إِلَيْكُمْ دَافَّةٌ [٢] يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا [٣] مِنْ أَصْلِنَا وَيَحْضُنُونَا [٤] مِنَ الْأَمْرِ.
قَالَ عُمَرُ: فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِمَقَالَةٍ قَدْ كَانَتْ أَعْجَبَتْنِي بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى رِسْلِكَ، وَكُنْتُ أَعْرِفُ مِنْهُ الْجِدَّ [٥] ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ، وَهُوَ كَانَ خَيْرًا مِنِّي وَأَوْفَقَ وَأَوْقَرَ، ثم تكلّم فو الله مَا تَرَكَ كَلِمَةً أَعْجَبَتْنِي إِلَّا قَدْ قَالَهَا وَأَفْضَلَ مِنْهَا حَتَى سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَهُوَ فِيكُمْ مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَأَنْتُمْ أَهْلُهُ وَأَفْضَلَ مِنْهُ، وَلَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ، وَأَخَذَ بِيَدِي وَيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: فَمَا كَرِهْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَهُ غَيْرَهَا. كَانَ وَاللَّهِ أَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي لَا يُقَرِّبُنِي ذَلِكَ إِلَى إِثْمٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ إِلَّا أَنْ تَتَغَيَّرَ نَفْسِي عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ [٦] : أَنَا جُذَيْلُهَا المحكك [٧] وعذيقها المرجب [٨] ، منا أمير ومنكم أمير معشر
الحواشي
(١) [١] مزّمّل: ملتفّ في كساء أو غيره.
[٢] الدّافّة: القوم يسيرون جماعة سيرا ليس بالشديد.
[٣] أي يقتطعونا. وفي البدء والتاريخ ٥/ ٦٥ «يحتازونا» ، وكذلك في سيرة ابن هشام ٤/ ٢٦١.
[٤] كذا في الأصل، بمعنى يخرجونا. وفي حاشية الأصل، والنسخة (ح) : «يمنعونا» وكذلك في النسخة (ع) ، وفي المنتقى لابن الملا «يمحصونا» وهو تصحيف. وفي تاريخ الطبري ٣/ ٢٠٥ «يغصبونا» .
[٥] كذا في الأصل، وفي سيرة ابن هشام ٤/ ٢٦١، وتاريخ الطبري ٣/ ٢٠٥ «الحدّ» بالحاء المهملة، أي الحدّة.
[٦] هو الحباب بن المنذر الأنصاريّ.
[٧] الجذيل: تصغير جذل. وهو عود يكون في وسط مبرك الإبل تحتكّ به وتستريح إليه، فيضرب به المثل في الرجل يشتفى برأيه.
[٨] العذيق: تصغير عذق، وهو النخلة نفسها. والمرجّب: الّذي تبنى إلى جانبه دعامة. ترفدهстр. 1260
المُهَاجِرِينَ، قَالَ: وَكَثُرَ اللَّغَطُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ حَتَى خَشِيتُ الْاخْتِلَافَ، فَقُلْنَا: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَبَايَعَهُ الْأَنْصَارُ، وَنَزَوْا [١] عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، فَقَالَ قَائِلٌ: قَتَلْتُمْ سَعْدًا. فَقُلْتُ:
قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا، قال عمر: فو الله مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا أَمْرًا أَوْفَقَ مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ نَحْنُ فَارَقْنَا الْقَومَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةً أَنْ يُحْدِثُوا بَعْدَنَا بيعة، فإمّا بايعناهم على ما لا نرضى، وإمّا خالفناهم فيكون فساد. رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ [٢] ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِطُولِهِ، فَزَادَ فِيهِ: قَالَ عُمَرُ: «فَلَا يَعْتَزِلِ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ: إنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً فَتَمَّتْ، فَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا، فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُتَابَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ تَغِرَّةً [٣] أَنْ يُقْتَلَا» . مُتَّفَقٌ على صحّته [٤] .
الحواشي
(١) [ () ] لكثرة حمله ولعزّه على أهله، فضرب به المثل في الرجل الشريف الّذي يعظّمه قومه.
[١] نزوا: وثبوا عليه ووطئوه.
[٢] في نسخة دار الكتب (زيد) وهو وهم، على ما في الأصل و (ع) و (التاريخ الكبير للبخاريّ ٢/ ٤/ ٤٠٦) .
[٣] حقّ البيعة أن تكون صادرة عن المشورة والاتّفاق، فإذا استبدّ رجلان دون الجماعة فبايع أحدهما الآخر، فذلك تظاهر منهما بشقّ العصا واطّراح الجماعة، فإن عقد لأحد بيعة فلا يكون المعقود له واحدا منهما، وليكونا معزولين من الطائفة التي تتّفق على تمييز الإمام منها، لأنّه إن عقد لواحد منهما وقد ارتكبا تلك الفعلة الشنيعة التي أحفظت الجماعة من التّهاون بهم والاستغناء عن رأيهم لم يؤمن أن يقتلا. كما في (النهاية لابن الأثير) وغيرها. وفي بعض النسخ: (يبايع) بدل (يتابع) .
[٤] أخرجه البخاري بشرح السندي ٢/ ٢٩٠، ٢٩١ ولكن من غير طريق الزهري، وأحمد في المسند ١/ ٥٥، ٥٦ وكذلك ابن هشام في السيرة ٤/ ٢٦١، ٢٦٢، برواية ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكير، عن ابن شهاب الزُّهْرِيِّ، عَن عُبَيْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن عُتْبَة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، ورواه الطبري في تاريخه ٣/ ٢٠٥، ٢٠٦ عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، والبلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٥٨٣ و ٥٨٤، واليعقوبي في تاريخه ٢/ ١٢٣، والمطهّر المقدسي في البدء والتاريخ ٥/ ٦٤- ٦٦، والنويري في نهاية الأرب ١٩/ ٢٩- ٣٣، وابن كثير في البداية والنهاية ٥/ ٢٤٥، ٢٤٦، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ٦٧، ٦٨، وابن شاكر الكتبي في عيون التواريخ ١/ ٤٨٥- ٤٨٧، ومناقب عمر لابن الجوزي ٥١، ٥٢.стр. 1261
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ [١] ، عَنْ زِرٍّ [٢] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالت الأنصار: منا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَأَتَاهُمْ عُمَرُ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ؟ قُلْتُ: يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ- فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: نَعُوذُ باللَّه أَنْ نَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ. رَوَاهُ النَّاسُ [٣] عَنْ زَائِدَةَ عَنْهُ [٤] .
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: أَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْميِّ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَى عُمَرُ أَبَا عُبَيْدَةَ فَقَالَ: ابْسُطْ يَدَكَ لِأُبَايِعَكَ، فَإِنَّكَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى لسان رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِعُمَرَ: مَا رَأَيْتُ لَكَ فَهَّةً [٥] قَبْلَهَا مُنْذُ أَسْلَمْتَ، أَتُبَايِعُنِي وَفِيكُمُ الصِّدِّيقُ وَثَانِيَ اثْنَيْنِ [٦] ؟.
وَرَوَى نَحْوَهُ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ أبي البختري.
وقال ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: ابْسُطْ يَدَكَ نُبَايِعْ لَكَ، فَقَالَ عُمَرُ [٧] : أَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنْتَ أَقْوَى مِنِّي، قَالَ: إنَّ قُوَّتِي لَكَ مَعَ فَضْلِكَ [٨] .
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تُوُفِّيَ اجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدٍ، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ، فَقَامَ الْحُبَابُ بْنُ
الحواشي
(١) [١] في نسخة (ح) بالنون «نهدلة» وهو تصحيف.
[٢] هو: زرّ بن حبيش.
[٣] في نسخة دار الكتب «الياس» وهو تصحيف.
[٤] رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٣/ ١٧٨، ١٧٩ عن الحسين بن عليّ الجعفيّ، عن زائدة، به، والحاكم في المستدرك ٣/ ٦٧، وتابعه الذهبي في التلخيص، ومناقب عمر لابن الجوزي ٥٠.
[٥] الفهّة: السّقطة والجهلة. وفي حاشية الأصل: الفهة مخفّفة: ضعف الرأي.
[٦] رواه ابن سعد في الطبقات ٣/ ١٨١.
[٧] في نسخة (ح) : «فقال له عمر» .
[٨] في تاريخ الطبري ٣/ ٢٠٣ «إن لك قوّتي مع قوّتك» .стр. 1262
المُنْذِرِ، وَكَانَ بَدْرِيًّا فَقَالَ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ [١] .
وَقَالَ وُهَيْبٌ: ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هند، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ [٢] ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: لَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ مِنَّا وَمِنْكُمْ، قَالَ: وَتَتَابَعَتْ [٣] خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِمَامُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ، كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْ حَيٍّ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَار وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، أَمَ [٤] وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَّا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدٌ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايِعُوهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقوَمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ وَخَتَنُهُ أردت أن تشق عصا المسلمين! فقال: لا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَايَعَهُ [٥] ، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ، فَسَأَلَ عَنْهُ حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنُ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَوَارِيُّهُ أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِميْنَ! فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَبَايَعَهُ.
رَوَى مِنْهُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» [٦] إِلَى قَوْلِهِ (لمّا صالحناكم) عن
الحواشي
(١) [١] طبقات ابن سعد ٣/ ١٨٢.
[٢] في نسخة (ح) : «نصرة» وهو تصحيف.
[٣] في نسخة (ح) : «وتبايعت» وهو تصحيف.
[٤] بفتح الميم بدون ألف، كما في الأصل وبقيّة النسخ، وفي المنتقى لابن الملّا «أما» ، وكلاهما صحيح.
[٥] وهذا من الأدلّة على أنّ بيعته لم تتأخّر، أو يقال بأنّ هذه هي البيعة الأولى، على ما قاله الحافظ، ابن كثير في (البداية والنهاية ٥/ ٣٠١) .
[٦] البداية والنهاية ج ٥/ ١٨٥، ١٨٦.стр. 1263
عَفَّانَ [١] عَنْ وُهَيْبٍ [٢] ، وَرَوَاهُ بِتَمَامِهِ ثِقَةٌ، عَنْ عَفَّانَ [٣] .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ عُمَرُ فِي خُطْبَتِهِ: وَإِنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ مَعَهُمَا تَخَلَّفُوا عَنَّا، وَتَخَلَّفَتِ الْأَنْصَارُ عَنَّا بِأَسْرِهَا، فَاجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَجُلٌ يُنَادِي مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ: اخْرُجْ يَا بْنَ الْخَطَّابِ، فَخَرَجْتُ فَقَالَ: إِنَّ الْأَنْصَارَ قَدِ اجْتَمَعُوا فَأَدْرِكُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثُوا أَمْرًا يَكُونُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِيهِ حَرْبٌ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: وَتَابَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَنَزَوْنَا على سعد بن عبادة، فقال قائل: قتلتم سَعْدًا، قَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ وَأَنَا مُغْضَبٌ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا فَإِنَّهُ صَاحِبُ فِتْنَةٍ وَشَرٍّ [٤] .
وَهَذَا مِنْ حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ مَالِكٍ. وَرَوَى مِثْلَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ [٥] عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، وَابْنِ
الحواشي
(١) [١] هو عفّان بن مسلم الصّفّار البصريّ، الثّقة الثّبت، من رواة الإمام البخاري في الصحيح، كما في (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٣٠ رقم ٤٢٣) وغيره.
[٢] هو وهيب بن خالد بن عجلان، الثقة الثّبت، روى له الإمام البخاريّ في صحيحه، على ما في (التهذيب لابن حجر ١١/ ١٦٩ رقم ٢٩٩) .
[٣] رواه الحاكم في المستدرك ٣/ ٧٦ عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن جعفر بن محمد بن شاكر، عن عفان بن مسلم.. به، وتابعه الذهبي في تلخيصه.
[٤] قال الأستاذ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه (نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم ص ٣٠) :
وأمّا تخلّف سعد بن عبادة ﵁ عن بيعة أبي بكر فهو الصحابيّ الوحيد الّذي لم يبايع لأبي بكر، فلا بدّ من تأوّل فعله بما يليق بصحابيّ جليل: لعلّه لمّا رأى الأنصار قد أعدّته للخلافة يوم السقيفة، ثم رأى إجماع الصحابة على أبي بكر وانصرافهم عن بيعة سعد استوحش نفسه بين النّاس، وكان سعد رجلا عزيز النّفس، فخرج من المدينة ولم يرجع إليها حتّى مات ... ولم ينقل عنه طعن في بيعة الصّدّيق ولا نواء بخروج، فتخلّفه عن البيعة لا يقتضي رفضه لها ولا مخالفته فيها.
[٥] في طبعة القدسي ٣/ ٧ «الهزلي» بالزاي، وهو تصحيف.стр. 1264
الْكَوَّاءِ، أَنَّ عَلِيًّا ﵁ ذَكَرَ مَسِيرَه وَبَيْعَةَ الْمُهَاجِرِينَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يَمُتْ فَجْأَةً، مَرِضَ لَيَالِي، يَأْتِيهِ بِلَالٌ فَيُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَيَقُولُ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ بِالصَّلَاةِ» ، فَأَرَادَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ أَنْ تَصْرِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ فَغَضِبَ وَقَالَ: إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اخْتَرْنَا وَاخْتَارَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْمُسْلِمُونَ لِدُنْيَاهُمْ مَنِ اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِهِمْ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ عِظَمَ الْأَمْرِ وَقِوَامَ الدِّينِ [١] . وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مسْلمٍ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، نا الزُّبَيْدِيُّ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الْآخِرَةَ قَالَ: حِينَ جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَدًا مَنْ مُتَوَفَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَشَهَّدَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قُلْتُ لَكُمْ أَمْسِ مَقَالَةً، وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ كَمَا قُلْتُ، وَمَا وَجَدْتُ الْمَقَالَةَ [٢] الَّتِي قُلْتُ لَكُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي عَهْدٍ عَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنَّهُ يَعِيشُ حَتَّى يُدَبِّرَنَا- يَقُولُ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخِرَنَا- فَاخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مَا عِنْدَهُ عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ، فَإِنْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ كِتَابَهُ الَّذِي هَدَى بِهِ مُحَمَّدًا، فَاعْتَصِمُوا بِهِ تَهْتَدُوا بِمَا هُدِيَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَثَانِيَ اثْنَيْنِ وَأَنَّه أَحَقُّ النَّاسِ بِأَمْرِهِمْ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ، وَكَانَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ بَيْعَةَ الْعَامَّةِ.
صَحِيحٌ غَرِيبٌ [٣] .
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ مَعَ عُمَرَ، وأنّ محمد بن مسلمة كسر سيف
الحواشي
(١) [١] انظر طبقات ابن سعد ٣/ ١٨٣.
[٢] في نسخة (ح) «في المقالة» ، وهو وهم.
[٣] انظر طبقات ابن سعد ٢/ ٢٧١، والبداية والنهاية لابن كثير ٦/ ٣٠١، وسيرة ابن هشام ٢٦٢، ونهاية الأرب للنويري ١٩/ ٤٢.стр. 1265
الزّبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى النَّاسَ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً وَلَا سَأَلْتُهَا اللَّهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مَقَالَتَهُ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ: مَا غَضِبْنَا [١] إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَإِنَّا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ [٢] . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ عَلِيًّا ﵁ تَمَادَى عَنِ الْمُبَايَعَةِ مُدَّةً: فَقَالَ يُونُسُ ابْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ أَبِيهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ اجْتَمَعَ إِلَى عَلِيٍّ أَهْلُ بَيْتِهِ، فَبَعَثُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ: ائْتِنَا، فَقَالَ عُمَرُ: لَا وَاللَّهِ لَا تَأْتِيهِمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُمْ، وَمَا تَخَافُ عَلَيَّ مِنْهُمْ! فَجَاءَهُمْ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ رَأْيَكُمْ، قَدْ وَجَدْتُمْ عَلَيَّ فِي أَنْفُسِكِمْ مِنْ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ الَّتِي ولّيت عليكم، وو الله مَا صَنَعْتُ ذَلِكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ أَكِلَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنْتُ أَرَى أثَرَهُ فِيهِ وَعَمَلَهُ إِلَى غَيْرِي حَتَّى أَسْلُكَ به سبيله وأنفذه فيما جعله الله، وو الله لَأَنْ أَصِلَكُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَصِلَ أَهْلَ قَرَابَتِي لِقَرَابَتِكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِعَظِيمِ حَقِّهِ. ثُمَّ تَشَهَّدَ عَلِيٌّ وَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ وَاللَّهِ مَا نَفَسْنَا عَلَيْكَ خَيْرًا جَعَلَهُ اللَّهُ لَكَ أَنْ لَا تَكُونَ أَهْلًا لِمَا أُسْنِدَ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّا كُنَّا مِنَ الْأَمْرِ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ فَتَفُوتَ بِهِ عَلَيْنَا، فَوَجِدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُبَايِعَ وَأَدْخُلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ، وَإِذَا كَانَتِ الْعَشِيَّةُ [٣] فَصَلِّ بِالنَّاسِ الظُّهْرَ، وَاجْلِسْ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى آتِيَكَ فَأُبَايِعَكَ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَكِبَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه، وذكر الّذي كان من
الحواشي
(١) [١] في بعض النسخ (عصينا) وهو تصحيف.
[٢] البداية والنهاية ٦/ ٣٠٢.
[٣] ما بعد الزوال إلى المغرب عشيّ، وقيل العشيّ من زوال الشمس إلى الصباح، على ما في (النهاية لابن الأثير) .следующие страницы →