Полный текст (24 229 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : [وَاللَّهِ] [١] لَا تَمْسَحُ عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ خَدَعْتُ مُحَمَّدًا مَرَّتَيْنِ. وَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ [٢] . وَقِيلَ لَمْ يُؤْسَرْ سِوَاهُ.
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ:
عُبَيْدَةُ بْنُ جَابِرٍ. وَشَيْبَةُ بْنُ مَالِكٍ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى [٣] بن عبد الله بن أبي فروة، عن قَطَنِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى- فَأَرْسَلَهُ مَرَّةً وَأَسْنَدَهُ مَرَّةً- عن أبي ذرّ عوض أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ أُحُدٍ مَرَّ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ﵁ وَهُوَ مَقْتُولٌ- عَلَى طَرِيقِهِ- فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ من يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ٣٣: ٢٣ [٤] . ثُمَّ قَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ شُهَدَاءُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأْتُوهُمْ وَزُورُوهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا رَدُّوا ﵇» . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [٥] : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَحَدَّثَنِيهِ بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بِحَمْزَةَ ﵁ مِنَ الْمُثْلِ- جُدِعَ أَنْفُهُ وَلُعِبَ بِهِ- قال: «لولا أن تجزع صفيّة
الحواشي
(١) [١] زيادة من ع.
[٢] الطبقات الكبرى ٢/ ٤٣.
[٣] في الأصل: أبي الأعلى. والتصحيح من ع، ومن ترجمته في تهذيب التهذيب (٦/ ٩٥) ، ويرد في الأصل صحيحا بعد قليل.
[٤] سورة الأحزاب: الآية ٢٢.
[٥] سيرة ابن هشام ٣/ ١٧١.стр. 772
وَتَكُونَ [١] سُنَّةً مِنْ بَعْدِي [٢] مَا غُيِّبَ [٣] حَتَّى يَكُونَ فِي بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ» . وَحَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لئن ظَفِرْتُ بِقُرَيْشٍ لَأُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ مِنْهُمْ. فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا بِهِ مِنَ الْجَزَعِ قَالُوا: لَئِنْ ظَفِرْنَا بِهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ به ١٦: ١٢٦ [٤] ، إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. فَعَفَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٤٠ ب] . [٥] . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ رَوَى عَنْهُمْ قِصَّةَ أُحُدٍ، أَنَّ صَفِيَّةَ أَقْبَلَتْ لِتَنْظُرَ إِلَى حَمْزَةَ- وَهُوَ أَخُوهَا لِأَبَوَيْهَا- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابْنِهَا الزُّبَيْرِ: الْقَهَا فَأَرْجِعْهَا، لَا تَرَى مَا بِأَخِيهَا. فَلَقِيَهَا فَقَالَ: أَيْ أُمَّهْ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكِ أَنْ تَرْجِعِي. قَالَتْ: وَلِمَ؟ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ مُثِّلَ بِأَخِي، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ، فَمَا أَرْضَانَا بِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ، فَلْأَحْتَسِبَنَّ وَلَأَصْبِرَنَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَجَاءَ الزُّبَيْرُ فَأَخْبَرَهُ قَوْلَهَا، قَالَ: فَخَلِّ سَبِيلَهَا. فَأَتَتْهُ، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ وَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَدُفِنَ [٦] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ [٧] ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ أَقْبَلَتْ صَفِيَّةُ، فَلَقِيَتْ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ، فَأَرَيَاهَا [٨] أَنَّهُمَا لَا يَدْرِيَانِ. فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: فَإِنِّي أَخَافُ عَلَى عَقْلِهَا. فَوَضَعَ
الحواشي
(١) [١] في السيرة «يكون» .
[٢] في الأصل: ما بعدي. وأثبتنا لفظ ع والسيرة.
[٣] في السيرة «لتركته» .
[٤] سورة النحل: من الآية ١٢٦.
[٥] سيرة ابن هشام ٣/ ١٧١ وفيه إضافة «وصبر ونهى عن المثلة» .
[٦] السيرة ٣/ ١٧٢.
[٧] في الأصل: عباس. والتصحيح من ع، وتهذيب التهذيب (١٢/ ٣٤) .
[٨] في الأصل: فأريا، وأثبتنا عبارة ع.стр. 773
يَدَهُ عَلَى صَدْرِهَا وَدَعَا لَهَا، فَاسْتَرْجَعَتْ وَبَكَتْ. ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَلَيْهِ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ فَقَالَ: «لَوْلَا جَزَعُ النِّسَاءِ لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ حَوَاصِلِ الطَّيْرِ وَبُطُونِ السِّبَاعِ» . ثُمَّ أَمَرَ بِالْقَتْلَى فَجَعَلَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَيُرْفَعُونَ وَيُتْرَكُ حَمْزَةُ، ثُمَّ يُجَاءُ بِسَبْعَةٍ فَيُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ سَبْعًا، حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ أَصَحُّ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ [١] مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ. فاللَّه أَعْلَمُ.
عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، بِإِسْنَادِ الْحَاكِمِ فِي «الْمُسْتَدْرَكِ» [٢] إِلَيْهُمَا، ثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَمْزَةَ وَقَدْ جُدِعَ وَمُثِّلَ بِهِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةُ تَرَكْتُهُ حَتَّى يَحْشُرَهُ اللَّهُ مِنْ بُطُونِ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ. فَكَفَّنَهُ فِي نَمِرَةٍ. وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ غَيْرَهُ. الْحَدِيثَ.
وَقَالَ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ: ثَنَا قَيْسُ- هُوَ ابْنُ الرَّبِيعُ- عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ قُتِلَ حَمْزَةُ وَمُثِّلَ بِهِ: «لَئِنْ ظَفِرْتُ بِقُرَيْشٍ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ» فَنَزَلَتْ: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ به ١٦: ١٢٦ الآية [٣] . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَلْ نَصْبِرُ يَا رَبِّ. إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ مِنْ قِبَلَ قَيْسٍ.
وَقَدْ رَوَى نَحْوَهُ حَجَّاجُ بْنُ منهال، وغيره، عن صالح المرّي- وهو
الحواشي
(٢٢٨٩) كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.
[٢] المستدرك على الصحيحين ٢/ ١٢٠.
[٣] سورة النحل- الآية ١٢٦.стр. 774
ضَعِيفٌ [١]- عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَزَادَ: فَنَظَرَ إِلَى مَنْظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إِلَى شَيْءٍ قَطُّ أَوْجَعَ مِنْهُ لِقَلْبِهِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ الْقَاضِي، أَنْبَأَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الزَّاهِدُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّلَفِيُّ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بن إبراهيم، أنبأ عبد الله ابن جَعْفَرٍ الْفَارِسِيُّ، ثَنَا يَعْقُوبُ الْفَسَوِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الله بن عثمان، أنا عيسى ابن عُبَيْدٍ الْكِنْدِيُّ، حَدَّثَنِي رَبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ أُصِيبَ مِنَ الْأَنْصَارِ يَوْمَ أُحُدٍ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ، وأصيب من المهاجرين ستّة، منهم [٤١ أ] حَمْزَةُ. فَمَثَّلُوا بِقَتْلاهُمْ. فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: لَئِنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ لَنُرْبِيَنَّ [٢] عَلَيْهِمْ [٣] .
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ نَادَى رَجُلٌ لَا يُعْرَفُ: لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، مَرَّتَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ١٦: ١٢٦ الآية. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كُفُّوا عَنِ الْقَوْمِ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَعَهَا ثَوْبَانِ لِحَمْزَةَ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَرِهَ أَنْ تَرَى حَمْزَةَ عَلَى حَالِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا الزُّبَيْرَ يَحْبِسُهَا وَأَخَذَ الثَّوْبَيْنِ. وَكَانَ إِلَى جنب حمزة قتيل
الحواشي
(١) [١] هو صالح بن بشير المرّي القاصّ، من أهل البصرة. انظر عنه: التاريخ الكبير ٢/ ٢٧٣، التاريخ لابن معين ٢/ ٢٦٢، المجروحين لابن حبّان ١/ ٣٧١، الضعفاء للعقيليّ ٢/ ١٩٩ رقم ٧٢٣، الكامل لابن عديّ ٤/ ١٣٧٨، الضعفاء والمتروكين للدار للدّارقطنيّ ١٠٦ رقم ٢٨٧، المغني في الضعفاء ١/ ٣٠٢ رقم ٢٨١٧، ميزان الاعتدال ٢/ ٢٨٩ رقم ٣٧٧٢، أحوال الرجال للجوزجانيّ ١٢٠ رقم ١٩٧ الضعفاء الصغير للنسائي ١٦٥.
[٢] لنربينّ: لنضاعفنّ عليهم في التمثيل من الإرباء، وهو التضعيف.
[٣] رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ٢/ ٣٥٩ من طريق إسحاق بن الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد. وبقية رجال السند.стр. 775
مِنَ الْأَنْصَارِ، فَكَرِهُوا أَنْ يَتَخَيَّرُوا لِحَمْزَةَ، فَقَالَ: أَسْهِمُوا بَيْنَهُمَا، فَأَيُّهُمَا طَارَ لَهُ أَجْوَدُ الثَّوْبَيْنِ فَهُوَ لَهُ. فَأَسْهَمُوا بَيْنَهُمَا، فَكُفِّنَ حَمْزَةُ فِي ثَوْبٍ وَالْأَنْصَارِيُّ فِي ثَوْبٍ.
وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [١] : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ قَالَ: لَمَّا أَشْرَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ قَالَ: أَنَا الشَّهِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ، مَا مِنْ جَرِيحٍ يُجْرَحُ فِي اللَّهِ إِلَّا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ [٢] دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ، انْظُرُوا أَكْثَرَهُمْ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ فَاجْعَلُوهُ أَمَامَ صَاحِبِهِ فِي الْقَبْرِ. فَكَانُوا يُدْفَنُونَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ. قَالَ بن إِسْحَاقَ [٣] : وَحَدَّثَنِي وَالِدِي، عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ حِينَ أُصِيبَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ: اجْمَعُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُمَا كَانَا مُتَصَافِيَيْنِ فِي الدُّنْيَا. قَالَ أَبِي: فَحَدَّثَنِي أَشْيَاخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالُوا: لَمَّا ضَرَبَ مُعَاوِيَةُ عَيْنَهُ الَّتِي مَرَّتْ عَلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ، اسْتَصْرَخَنَا عَلَيْهِمْ وَقَدِ انْفَجَرَتْ عَلَيْهِمَا فِي قَبْرِهِمَا، فَأَخْرَجْنَاهُمَا وَعَلَيْهِمَا بُرْدَتَانِ قَدْ غَطَّى بِهِمَا وُجُوهَهُمَا. وَعَلَى أَقْدَامِهِمَا شَيْءٌ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، فأخرجناهما كأنّهما يتثنّيان تثنّيا كأنّما دُفِنَا بِالْأَمْسِ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ:
اسْتُصْرِخَنَا إِلَى قَتْلَانَا يَوْمَ أُحُدٍ، وَذَلِكَ حِينَ أَجْرَى مَعَاوِيَةُ الْعَيْنَ، فَأَتَيْنَاهُمْ فَأَخْرَجْنَاهُمْ تُثَنَّى أَطْرَافُهُمْ رطابا، على رأس أربعين سنة.
الحواشي
(١) [١] سيرة ابن هشام ٣/ ١٧٢.
[٢] يثعب: يجري دما. (تاج العروس ٢/ ٨٦) .
[٣] سيرة ابن هشام ٢/ ١٧٢.стр. 776
قَالَ حَمَّادٌ: وَزَادَنِي صَاحِبٌ لِي فِي الْحَدِيثِ: فَأَصَابَ قَدَمَ حَمْزَةَ فَانْثَعَبَ دَمًا.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ نُبَيْحٍ [١] الْعَنَزِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى مَصَارِعِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ: ثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ لِقِتَالِهِمْ. فَقَالَ لِي أَبِي: مَا عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ فِي النَّظَّارَةِ حَتَّى تَعْلَمَ إلى ما يصير أمرنا، فو الله لَوْلا أَنِّي أَتْرُكُ بَنَاتٍ لِي بَعْدِي لَأَحْبَبْتُ أَنْ تُقْتَلَ بَيْنَ يَدَيَّ. فَبَيْنَمَا أَنَا فِي النَّظَّارِينَ إِذْ جَاءَتْ عَمَّتِي بِأَبِي وَخَالِي عَادَلَتْهُمَا عَلَى نَاضِحٍ، فَدَخَلَتْ بِهِمَا الْمَدِينَةَ، لِتَدْفِنَهُمَا فِي مَقَابِرِنَا، فَجَاءَ رَجُلٌ يُنَادِي: أَلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا بِالْقَتْلَى فَتَدْفِنُوهَا فِي مَصَارِعِهَا. فَبَيْنَمَا أَنَا [٢] فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا جَابِرُ، قَدْ وَاللَّهِ أَثَارَ أَبَاكَ عُمَّالَ مُعَاوِيَةَ فَبَدَا طَائِفَةٌ مِنْهُ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى النَّحْوِ [٣] الَّذِي تَرَكْتُهُ، لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا لَمْ يَدَعِ الْقَتْلُ أَوِ الْقِتَالُ [٤] فَوَارَيْتُهُ. وَقَالَ حُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عن جابر قال: لما حضر أحد قَالَ أَبِي: مَا أَرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا، وَإِنِّي لَا أَتْرُكَ بَعْدِي أَعَزَّ عَلِيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ.
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّ عَلِيَّ دَيْنًا فَاقْضِ وَاسْتَوْصِ بِإِخْوَانِكَ خَيْرًا. فأصبحنا
الحواشي
(١) [١] في الأصل: عن الأسود بن نبيح العنزي. وإنّما هما شخصان، والتصحيح من تهذيب التهذيب (١٠/ ٤١٧) وسيرد صحيحا في الأصل في أول الحديث التالي.
[٢] من أول قوله: «أنا» السقط الكبير في نسخة الأصل الّذي أشرنا إليه في التقديم، وقد استدركناه من ع، وصحّحناه من المراجع التي أشرنا إليها في مواضعها.
[٣] في ع: النحول. والتصحيح من تاريخ ابن كثير (٤/ ٤٣) .
[٤] في ع: إلا ما لم يدع القتيل. وفي ابن كثير: إلّا ما لم يدع القتل أو القتيل. وأثبتنا عبارة وفاء ألوفا (٢/ ١١٦) وفيه أنّ الحديث رواه أحمد برجال الصحيح خلا نبيح.стр. 777
فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، فَدَفَنْتُ مَعَهُ آخَرَ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أُنْزِلَهُ مَعَ آخَرَ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً [١] غَيْرَ أُذُنِهِ.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٢] .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ [الرَّحْمَنِ؟ [٣]] بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ.
وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقَيَامَةِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصِلَّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْهُ [٤] . وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالُوا يَوْمَ أُحُدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَصَابَنَا قَرْحٌ وَجَهْدٌ فَكَيْفَ تَأْمُرُ؟ قَالَ: احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا وَاجْعَلُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا [٥] .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَبْكِي وَأَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْهُ، وَجَعَلَ أَصْحَابُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَوْنِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْهَانِي، وَقَالَ لَا تَبْكِيهِ، أَوْ مَا تَبْكِيهِ، فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لظلّة
الحواشي
(١) [١] في هيبته والتصحيح من صحيح البخاري.
[٢] صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر واللّحد لعلّة (٢/ ١١٦) .
[٣] سقطت من واستدركناها من صحيح البخاري.
[٤] صحيح البخاري. كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهبة (٢: ١٠٤) . وكتاب المغازي، باب من قال من المسلمين يوم أحد (٥/ ١٣١) .
[٥] الطبقات الكبرى ٢/ ٤٤.стр. 778
بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ. أَخْرَجَاهُ [١] .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِدَفْنِ قَتْلَى أُحُدٍ فِي دِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ [٢] . وَقَالَ عَلِيُّ بْنِ الْمَدِينِيِّ: ثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الأنصاري، سمع طلحة ابن خِرَاشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَظَرَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ما لي أَرَاكَ مُهْتَمًّا؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُتِلَ أَبِي وَتَرَكَ دَيْنًا وَعِيَالًا.
فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ؟ مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّهُ كَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا [٣] ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدِي سَلْنِي أُعْطِكَ. فَقَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيًا. فَقَالَ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ. قَالَ: يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ ٣: ١٦٩ [٤] الآية.
وَيُرْوَى نَحْوَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. وَكَانَ أَبُو جَابِرٍ مِنْ سَادَةِ الْأَنْصَارِ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو [٥] بْنِ حَرَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غُنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ. وَأُمُّهُ الرَّبَابُ بِنْتُ قَيْسٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ. شَهِدَ معه العقبة ولده ﵄.
الحواشي
(١) [١] صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أحد (٥/ ١٣١) .
[٢] صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أحد (٥/ ١٣١) .
[٣] كفاحا: أي مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول. (تاج العروس ٧/ ٧٩) .
[٤] سورة آل عمران: من الآية ١٦٩.
[٥] الاستيعاب ٢/ ٣٣٩ الإصابة ٢/ ٣٥٠ رقم ٤٨٣٨.стр. 779
وعمرو بن الجموح [١] بن زيد بن حرام بْنِ كَعْبِ بْنِ غُنْمٍ الْأَنْصَارِيُّ السَّلْمِيُّ، سَيِّدُ بَنِي سَلَمَةَ، الَّذِي دُفِنَ مَعَهُ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ [٢] وَغَيْرُهُ: شَهِدَ بَدْرًا. وَابْنُهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ هُوَ الَّذِي قَطَعَ رِجْلَ أَبِي جَهْلٍ، وَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِسَلْبِهِ لِمُعَاذٍ. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ ﵁ زَوْجَ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ.
وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ مَنَافٌ [٣] فِي بَيْتِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ. فَلَمَّا قَدِمَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ الْمَدِينَةَ، بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَمْرٌو: مَا هَذَا الَّذِي جِئْتُمُونَا بِهِ؟ قَالُوا: إِنْ شِئْتَ جِئْنَا وَأَسْمَعْنَاكَ، فَوَاعَدَهُمْ فَجَاءُوا، فَقَرَأَ عَلَيْهِ [مُصْعَبٌ [٤]] الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ١٢: ١ [٥] ، فَقَرَأَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقْرَأَ. فَقَالَ: إِنَّ لَنَا مُؤَامَرَةً فِي قَوْمِنَا- وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي سَلَمَةَ- فَخَرَجُوا، فَدَخَلَ عَلَى مَنَافَ فَقَالَ: يَا مَنَافُ، تَعْلَمُ وَاللَّهِ مَا يُرِيدُ الْقَوْمُ غَيْرَكَ، فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ نَكِيرٍ؟ قَالَ: فَقَلَّدَهُ سَيْفًا، فَخَرَجَ فَقَامَ أَهْلُهُ فَأَخَذُوا السَّيْفَ، فَجَاءَ فَوَجَدَهُمْ أَخَذُوا السَّيْفَ فَقَالَ: يَا مَنَافُ أَيْنَ السَّيْفُ وَيْحَكَ؟ إِنَّ الْعَنْزَ لَتَمْنَعُ اسْتَهَا، وَاللَّهِ مَا أَرَى فِي أَبِي جِعَارٍ غَدًا مِنْ خَيْرٍ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ [٦] : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى مَالِي فَاسْتَوْصُوا بِمَنَافَ خَيْرًا. فَذَهَبَ فَكَسَرُوا مَنَافَ وَرَبَطُوهُ مَعَ كَلْبٍ مَيِّتٍ. فَلَمَّا جَاءَ رَأَى مَنَافَ، فَبَعَثَ إِلَى قَوْمِهِ فَجَاءُوهُ فَقَالَ: أَلَسْتُمْ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ؟ قَالُوا: بَلَى، أَنْتَ سَيِّدُنَا، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ آمَنْتُ بِمُحَمَّدٍ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عرضها
الحواشي
(١) [١] الاستيعاب ٢/ ٥٠٣- ٥٠٦، الإصابة ٢/ ٥٢٩، ٥٣٠ رقم ٥٧٩٧.
[٢] الطبقات الكبرى ٢/ ٤٣.
[٣] مناف من أصنام قريش، قال عنه ابن الكلبي: لا أدري أين كان ولا من نصبه. (الأصنام:
٣٢) وهو في رواية ابن هشام: مناة.
[٤] زيادة للتوضيح من ابن الملّا.
[٥] سورة يوسف: الآية الأولى.
[٦] في ع: له. والتصحيح من ابن الملا.стр. 780
السّماوات وَالْأَرْضُ» فَقَامَ وَهُوَ أَعْرَجُ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ﵁ [١] .
قَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نِعْمَ الرَّجُلُ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَرَوَى فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْن أَبِي ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا بَنِي سَلَمَةَ مَنْ سَيِّدُكُمْ؟ قَالُوا: الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَإِنَّا لَنُبَخِّلُهُ. قَالَ: وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ؟ بَلْ سَيِّدُكُمْ الْجَعْدُ الْأَبْيَضُ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ [٢] . وَقَدْ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى أُحُدٍ مَنَعَهُ بَنُوهُ وَقَالُوا: قَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ وَبِكَ عَرَجٌ، فَأَتَى النبي ﷺ فأخبره فقال: أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ. وَقَالَ لِبَنِيهِ: لَا تَمْنَعُوهُ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ الشَّهَادَةَ. فَخَرَجَ وَاسْتُشْهِدَ هُوَ وَابْنُهُ خَلادٌ، ﵄ [٣] . وَعَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أبي الضّحى، أنّ عمرو ابن الْجَمُوحِ قَالَ لِبَنِيهِ: مَنَعْتُمُونِي الْجَنَّةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَأَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ. فَكَانَ يَوْمُ أُحُدٍ فِي الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، ﵁. [٤] .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أُتِيَ ابْنُ عَوْفٍ بِطَعَامٍ فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ- وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي- فلم يوجد له إلّا بردة
الحواشي
(٢٩٦) من طريق عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا حميد بن الأسود، عن الحجاج الصواف قال: حدثني أبو الزبير قال: حدثنا جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وذكره. وهذا سند قوي. (سير أعلام النبلاء ١/ ٢٥٤) .
[٣] أخرجه ابن هشام، وأخرجه أحمد في مسندة ٥/ ٢٩٩، والذهبي في السير ١/ ٢٥٤.
[٤] رجاله ثقات، لكنه منقطع. (سير أعلام النبلاء ١/ ٢٥٥ حاشية(١) .стр. 781
يُكَفَّنُ فِيهَا، مَا أَظُنُّنَا إِلَّا قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [١] .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ ذَهَبَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ، وَكَانَ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا نَمِرَةٌ، كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْإِذْخَرِ. وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا [٢] . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٣] . وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [٤] ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قال: كانت امرأة من بني الأنصار مِنْ بَنِي دِينَارٍ قَدْ أُصِيبَ زَوْجُهَا وَأَخُوهَا [وَأَبُوهَا] [٥] يَوْمَ أُحُدٍ. فَلَمَّا نُعُوا لَهَا قَالَتْ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالُوا: خَيْرًا، يَا أُمَّ فُلَانٍ. فَقَالَتْ:
أَرُونِيهِ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ. فَأَشَارُوا لَهَا إِلَيْهِ، حَتَّى إِذَا رَأَتْهُ قَالَتْ: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ، أَيْ هَيِّنٌ [٦] . وَيَكُونُ فِي غَيْرِ ذَا بمعنى عظيم.
الحواشي
(٩٤٠) : كتاب الجنائز: باب في كفن الميت. وانظر: البداية والنهاية ٤/ ٣٥.
[٤] سيرة ابن هشام ٣/ ١٧٣.
[٥] ليست في ع، وأثبتناها من السيرة وتاريخ الطبري (٢/ ٥٣٣) وابن كثير (٤/ ٤٧) ولعلّه سقط، يدلّ عليه ضمير الجمع في الفعل «نعوا» وعبارة ابن الملا كما في ع وصرف الفعل إلى «نعيا» .
[٦] قال ابن هشام: «تريد صغيرة» الجلل يكون من القليل ومن الكثير، وهو هنا من القليل.стр. 782
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ [١] أَنَّ جُلَيْبِيبًا [٢] كَانَ مِنَ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ لِرَجُلٍ: «زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ» . قَالَ: نَعَمْ وَنِعْمَةُ عَيْنٍ [٣] قَالَ: «لَسْتُ أُرِيدُهَا [٤] لِنَفْسِي» . قَالَ: فَلِمَنْ؟ قَالَ: «لِجُلَيْبِيبٍ» . قَالَ: أَسْتَأْمِرُ أُمَّهَا.
فَأَتَاهَا فأجابت: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: إِنَّمَا يُرِيدُ ابْنَتَكِ لِجُلَيْبِيبٍ. قَالَتْ:
الْجُلَيْبِيبُ؟ لَا لَعَمْرِ اللَّهِ لَا تُزَوِّجْهُ [٥] . فَلَمَّا قَامَ أَبُوهَا لِيَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ .
قَالَتْ: أَفَتَرُدُّونَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ؟ ادْفَعْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَنْ يُضَيِّعَنِي.
فَذَهَبَ أَبُوهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: شَأْنُكَ بِهَا. فَزَوَّجَهَا جُلَيْبِيبًا، وَدَعَا لَهُمَا.
فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَغْزًى لَهُ قَالَ: هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَفْقِدُ فُلَانًا وَنَفْقِدُ فُلَانًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا، فَاطْلُبُوهُ فَنَظَرُوا فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ.
قَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ. فَوَضَعُوهُ عَلَى ساعديه ثم حفروا له، ما له سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى وضعه في قبره [٦] .
الحواشي
(١) [١] في ع: أبي بردة. والتصحيح من صحيح مسلم وتهذيب التهذيب (١٠/ ٤٤٦) وكما يرد في النصّ صحيحا بعد قليل.
[٢] جليبيب: بصيغة تصغير جلباب، غير منسوب، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وكانت فيه دمامة، فعرض عليه النّبيّ ﷺ التزويج فقال: إذن تجدني يا رسول الله كاسدا؟ فقال: إنّك عند الله لست بكاسد. وانظر ترجمته في الإصابة (١/ ٢٤٢) والاستيعاب في الهامش (١/ ٢٥٦) وأسد الغابة (١/ ٣٤٨) .
[٣] في مسند أحمد ٤/ ٤٢٢ «نعم وكرامة يا رسول الله ونعم عيني» .
[٤] في طبعة القدسي ١٩٧ «أريده» والتصويب من مسند أحمد.
[٥] هذه العبارة مضطربة في ع، وقد رسمت هكذا «قالت حلقي الجليبيب لا لقمر والله لا زوجه» وواضح أنّها محرّفة عن النّصّ الصحيح الّذي أثبتناه والّذي ورد في الحديث كما رواه الإمام أحمد في مسندة ٤/ ٤٢٢ من طريق عفّان، عن حمّاد بن سلمة، عن أبي برزة الأسلمي. وفيه تقول الأم كالمستنكرة: أجليبيب، إنيه. أجليبيب، إنيه. أجليبيب، إنيه (ثلاثا) إلخ وإنيه، بكسر الألف والنون وسكون الياء بعدها هاء تقال في الإنكار والاستبعاد. قال الزّبيدي في التاج:
(هذه اللفظة وردت في حديث جليبيب في مسند أحمد، وفيها اختلاف كثير) ثم تبقى بعد هذا لفظة (حلقي) في أول العبارة، ولعلّها تحريف شديد عن (محنقة) وقد أهملناها.
[٦] مسند أحمد ٤/ ٤٢١، و ٤٢٢، ٤٢٥.стр. 783
قَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: فَمَا فِي الْأَنْصَارِ أَنْفَقُ مِنْهَا [١] .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ [٢] .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ [٣] ، عَنْ مَسْرُوقٍ: سَأَلْنَا عَبْدَ الله ابن مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً ٣: ١٦٩ [٤] ، قَالَ: أَمَّا أَنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ [٥] : أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبَّكَ اطِّلَاعَةً فَقَالَ: سَلُونِي مَا شِئْتُمْ. فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا وَمَا نَسْأَلُكَ؟ وَنَحْنُ نَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شِئْنَا:
فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لا يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا: نَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا إِلَى أَجْسَادِنَا فِي الدُّنْيَا فَنُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ. فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ إِلَّا هَذَا، تُرِكُوا.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٦] . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ
الحواشي
(٢٤٧٢) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل جليبيب ﵁.
[٣] في ع: فره. والتصحيح من صحيح مسلم، وتهذيب التهذيب (٦/ ٢٤) .
[٤] سورة آل عمران: من الآية ١٦٩.
[٥] في ع فقال لهم. وأثبتنا لفظ مسلم.
[٦] صحيح مسلم(١٨٨٧) كتاب الإمارة، باب في بيان أنّ أرواح الشهداء في الجنّة، وأنّهم أحياء عند ربّهم يرزقون وذلك بتقديم وتأخير وألفاظ مختلفة. وانظر: سيرة ابن هشام ٣/ ١٨٨ والبداية والنهاية ٤/ ٤٥، ٤٦.стр. 784
تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةً فِي ظِلِّ الْعَرْشِ. فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ، قَالُوا: مَنْ يُبَلِّغْ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ، لِئَلا يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ وَلَا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ» ، فَأُنْزِلَتْ: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً ٣: ١٦٩ [١] . وَقَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابُ أُحُدٍ: أَمَا وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي غُودِرْتُ مَعَ أَصْحَابٍ نُحْصِ الْجَبَلَ [٢] يَقُولُ: قُتِلْتُ مَعَهُمْ [٣] . وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عن أبي الخير، عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ [٤] وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ.
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٥] . وَرَوَى الْعَطَّافُ [٦] بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَارَ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ بِأُحُدٍ.
وَرَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى: عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي قبور الشهداء، فإذا أتى
الحواشي
(١) [١] البداية والنهاية ٤/ ٤٥.
[٢] النّحص، أصل الجبل وسفه أو أسفله. قال أبو عبيد: أصحاب النّحص هم قتلى أحد.
(تاج العروس ١٨/ ١٧٢) وفي البداية والنهاية ٤/ ٤٤ «بحضن الجبل» .
[٣] أخرجه أحمد في مسندة ٣/ ٣٧٥ بالسند والنص دون قوله: يقول: قتلت معهم.
[٤] في طبعة القدسي ١٩٩ «فرطكم» والتصحيح من البخاري.
[٥] صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب «أحد يحبنا» (٥/ ٤٠) .
[٦] العطّاف: بتشديد الطاء. (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٢١ رقم ٤٠٩) .стр. 785
فُرْضَةَ [١] الشِّعْبِ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ. وَكَانَ يَفْعَلُهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ بَعْدَهُ ثُمَّ عُثْمَانُ.
وَذَكَرَ نَحْوَ هذا الحديث الواقدي في مغازيه بلند سَنَدٍ [٢] . وَقَالَ أَبُو حَسَّانَ الزِّيَادِيُّ: وَمَاتَ فِي شَوَّالٍ يَوْمَ جُمُعَةٍ عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ أَحَدُ بَنِي النَّجَّارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُحُدٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِ الْجَبَّانِ [٣] . وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ فُعِلَ به ذلك.
الحواشي
(١) [١] في ع: فرصة بالصاد. وفرضة الشعب مشرعته. أو الطريق الشارع إليه. وهي رواية ابن الملا. ورواية الواقدي «تفوه الشعب» بمعنى دخل في أوله.
[٢] الواقدي: المغازي (١/ ٣١٢) .
[٣] الجبّان: المقبرة.стр. 786
غزوَة حمَراء الأسَد [١]
قَالَ ابن إسحاق [٢] : فلما كان الغدُ من يوم أُحُد، يعني صبيحةَ وقعةِ أُحُد [٣] أذّن مؤذّنُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي النّاس لطلب العدوّ [٤] ، وأذّن مؤذّنه:
لا يخرج معنا أحدٌ إلّا أحَدٌ حضر يومَنا بالأمس. وإنّما خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مُرْهِبًا للعدّو [٥] ليُبَلغهم أنّه قد خرج في أثرهم وليظنُّوا به قوة.
وقال ابن لَهِيعة: ثنا أبو الأسود، عَنْ عُرْوَة [٦] قَالَ: قدِم رجلٌ فاستخبره النّبيّ ﷺ عَنْ أبي سُفيان. فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون، يَقْولُ بعضُهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكة القوم وحدهم، ثُمَّ تركتموهم ولم تُبيدوهم، وقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم. فأمر رَسُول اللَّهِ ﷺ أصحابه- وبهم أشدّ القَرْح- بطلب العدوّ، وليسمعوا بذلك. قَالَ:
لا ينطلقنّ معي إلّا من شهد القتال. فقال عبد الله بن أبيّ: أركب معك؟
الحواشي
(٥) في ع: الغزو- للغزو، والتصحيح من مختصر ابن الملّا، وتاريخ الطبري ٢/ ٥٣٤.
[٦] المغازي لعروة ١٧٤.стр. 787
قَالَ: لا. فاستجابوا للَّه والرسول عَلَى ما بهم من البلاء. فانطلقوا، فطلبهم النّبيّ ﷺ حتى بلغ حمراءَ الأسَد. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [١] : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابت، عَنْ أبي السّائب مولى عائشة بنت عثمان، أنّ رَجُلا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ بني عبد الأشهل قَالَ: شهدتُ أُحُدًا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَا وأخٌ لي، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدوّ، قلت لأخي وقال لي: تفوتنا غزوةٌ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ؟ وو الله ما لنا من دابة نركبها وما منّا إلّا جريح، فخرجنا مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ ، وكنت أيسر جراحة مِنْهُ، فكان إذا غلب حملته عُقبة [٢] ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون [٣] . فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انتهى إلى حمراءِ الَأسَد، وهي من المدينة عَلَى ثمانية أميال، فأقام بِهَا ثلاثًا ثُمَّ رجع [٤] .
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ عَائِشَةَ قالت: يا ابن أُخْتِي كَانَ أَبُوكَ [٥] تَعْنِي الزُّبَيْرَ- وَأَبَا بَكْرٍ- مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للَّه وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ. قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أُحُدٍ وَأَصَابَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مَا أَصَابَهُمْ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا فَقَالَ: مَنْ يَنْتَدِبُ لِهَؤُلَاءِ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ بِنَا قُوَّةً؟ قَالَ: فَانْتُدِبَ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ فِي سَبْعِينَ خَرَجُوا فِي آثَارِ الْقَوْمِ، فَسَمِعُوا بِهِمْ. وَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ.
قَالَ: لَمْ يَلْقَوْا عدوّا. أخرجاه [٦] .
الحواشي
(٢٤١٨) وفي رواية للبخاريّ.
[٦] صحيح البخاري: كتاب المغازي: باب الذين استجابوا للَّه والرسول (٥/ ١٣٠) ، وصحيحстр. 788
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [١] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ مَعْبَدًا الْخُزَاعِيَّ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الأَسَدِ. وَكَانَتْ خُزَاعَةُ مُسْلِمُهُمْ وَمُشْرِكُهُمْ عيبة نصح [٢] لرسول الله ﷺ بِمَكَّةَ، صَغْوُهُم [٣] مَعَهُ لا يُخْفُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا كَانَ بِهَا. وَمَعْبَدٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ. فَقَالَ: يا محمد، والله لقد عَزَّ عَلَيْنَا مَا أَصَابَكَ، فِي أَصْحَابِكَ وَلَوَدِدْنَا أَنَّ اللَّهَ عَافَاكَ فِيهِمْ. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى لَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ بِالرَّوْحَاءِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا الرَّجْعَةَ وَقَالُوا: أصَبْنَا حَدَّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَقَادَتِهِمْ، ثُمَّ نَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ! لِنَكُونَ عَلَى بَقِيَّتِهِمْ فَلَنَفْرَغَنَّ مِنْهُمْ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَدًا قَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ فِي طَلَبِكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ تَحَرُّقًا، قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ، وَنَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا، فِيهِمْ مِنَ الْحَنقِ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ. قَالَ: وَيْلَكَ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتَّى تَرَى نَوَاصِيَ الْخَيْلِ. قال: فو الله لَقَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ. قَالَ: فَإِنِّي أَنْهَاكَ [٤] عَنْ ذَلِكَ، وَاللَّهِ لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْت عَلَى أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ أَبْيَاتًا. قَالَ: وَمَا قُلْتَ؟ قَالَ:
كَادَتْ تُهَدُّ [٥] مِنَ الأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي ... إِذْ سَالَتِ الأَرْضُ بِالْجُرْد الأَبَابِيلِ [٦]
الحواشي
(٢٤١٨) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل طلحة والزبير ﵃.
[١] سيرة ابن هشام ٣/ ١٧٤.
[٢] العيبة: ما يجعل فيه الثياب والمتاع. ومن المستعار: هو عيبة فلان إذا كان موضع سرّه.
[٣] الصّغو: الميل. ومنه أصغى إليه أي مال إليه بسمعه. وتروى في بعض المصادر: صفقتهم معه، أي اتفاقهم. (انظر: سيرة ابن هشام ٣/ ١٧٤ تاريخ الطبري ٢/ ٥٣٤) .
[٤] في ع: فأنهى. وأثبتناه عبارة ابن الملا وهي مطابقة لما ورد في ابن هشام ٣/ ١٧٤ وتاريخ الطبري ٢/ ٥٣٥.
[٥] في ع: تهدي. والتصحيح من ابن الملا، وهي رواية ابن هشام والطبري، والأغاني.
[٦] الجرد: جمع أجرد، وهو الفرس القصير الشّعر. والأبابيل: الفرق الكثيرة.стр. 789
تُرْدِي [١] بِأُسْدٍ كِرَامٍ لا تَنَابِلَةٍ [٢] ... عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلا مَيْلٍ [٣] مَعَازِيلِ [٤]
فَظَلْتُ عَدْوًا أَظُنُّ الأَرْضَ مائلة ... لَمَّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ
فَقُلْتُ: وَيْلَ ابْنِ حَرْبٍ مِنْ لِقَائِكُمُ ... إِذَا تَغَطْمَطَتِ الْبَطْحَاءُ بِالْجيلِ [٥]
إِنِّي نَذَرْتُ [٦] لأَهْلِ الْبَسْلِ ضَاحِيَةً ... لِكُلِّ ذِي إِرْبَةٍ مِنْهُمْ وَمَعْقُولِ [٧]
مِنْ جَيْشِ أَحْمَدَ، لاوخش [٨] تَنَابِله [٩] ... وَلَيْسَ يُوصَفُ مَا أَنْذَرْتُ بِالْقيلِ [١٠]
قَالَ: فَثَنَى ذَلِكَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ. وَمَرَّ رَكْبٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ. أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: الْمَدِينَةَ، لِنَمْتَارَ. فَقَالَ: أَمَا أَنْتُمْ مُبَلِّغُونَ عَنِّي مُحَمَّدًا رِسَالَةً، وَأُحَمِّلُكُمْ عَلَى إِبِلِكُمْ هَذِهِ زَبِيبًا بِعُكَاظٍ غَدًا إِذَا وَافَيْتُمُوهُ [١١] ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِذَا جِئْتُمْ مُحَمَّدًا فَأَخْبِرُوهُ أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا الرَّجْعَةَ إِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَهُمْ. فلما مرّ الركب بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الأَسَدِ أَخْبَرُوهُ [١٢] . فَقَالَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ: حَسْبُنَا الله ونعم الوكيل. فأنزلت
الحواشي
(١) [١] في ع: ترمي. والتصحيح من ابن هشام والطبري. وتردي: أي تسرع.
[٢] تنابلة: جمع تنبال وتنبالة، وهو القصير.
[٣] عند الطبري ٢/ ٥٣٦ «خرق» .
[٤] الميل: جمع أميل، وهو الجبان أو الّذي لا سيف معه. والمعازيل: جمع معزال وهو من لا رمح معه.
[٥] تغطمطت: اضطربت البطحاء: السهل من الأرض. الجيل: الصّنف من النّاس أو الأمّة.
وفي سيرة ابن هشام (بالخيل) .
[٦] كذا في الأصل، وعند ابن هشام والطبري «نذير» .
[٧] البسل: الحرام. ورواية الأغاني «السيل» وكلاهما يعني مكة. والإربة: العقل.
[٨] الوخش: رذالة الناس.
[٩] عند الطبري «قنابله» .
[١٠] هذا البيت ليس عند ابن هشام.
[١١] في ع: (وافيتموهم) وأثبتنا عبارة ابن الملا، وعند ابن هشام ٣/ ١٧٤ «وافيتموها» وكذا عند الطبري.
[١٢] في ع: وعند ابن هشام والطبري: فأخبروه. وأثبتنا عبارة ابن الملا.стр. 790
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ٣: ١٧٣ [١] الآيَاتِ. وَقَالَ الْبَكَّائِيُّ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [٢] : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، كَمَا حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، لَهُ مَقَامٌ يَقُومُهُ كُلَّ جُمُعَةٍ لا يَتْرُكُهُ شَرَفًا لَهُ فِي نَفْسِهِ وَفِي قَوْمِهِ. فَكَانَ إِذَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَخْطُبُ قَامَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ وَأَعَزَّكُمْ بِهِ. فَعَزِّرُوهُ وَانْصُرُوهُ وَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوهُ. ثُمَّ يَجْلِسُ حَتَّى إِذَا صَنَعَ يَوْمَ أُحُدٍ مَا صَنَعَ وَرَجَعَ، قَامَ يَفْعَلُ كَفِعْلِهِ، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ ثِيَابَهُ مِنْ نَوَاحِيهِ، وَقَالُوا: اجْلِسْ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، لَسْتَ لِذَلِكَ بِأَهْلٍ، وَقَدْ صَنَعْتَ مَا صَنَعْتَ، فَخَرَجَ يتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي قُلْتُ بُجْرًا [٣] أَنْ قُمْتُ أَشُدُّ أَمْرَهُ: فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِبَابِ المسجد فقال: مالك؟ وَيْلَكَ! قَالَ: قُمْتُ أَشُدُّ أَمْرَهُ فَوَثَبَ عَلَيَّ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَجْبِذُونَنِي [٤] وَيُعَنِّفُونَنِي، لَكَأَنَّمَا قُلْتُ بُجْرًا [٥] .
قَالَ: وَيْلَكَ ارْجِعْ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَبْغِي [٦] أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ. وَثنا سعيد بن محمد ابن أَبِي زَيْدٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بن سعيد، قالوا: كان سويد بن
الحواشي
(١) [١] سورة آل عمران: من الآية ١٧٣.
[٢] سيرة ابن هشام ٣/ ١٧٥.
[٣] في طبعة القدسي ٢٠٥ «هجرا» والتصحيح من سيرة ابن هشام ٣/ ١٧٥ قال السهيليّ في الروض الأنف ٣/ ١٨١: البجر: الأمر العظيم، والبجاري: الدواهي. انظر تاج العروس ١٠/ ١٠٦.
[٤] يجبذونني: يجذبونني.
[٥] انظر الحاشية الأسبق.
[٦] في السيرة «ابتغي» .стр. 791
الصَّامِتِ قَدْ قَتَلَ زِيَادًا، فَقَتَلَهُ الْمُجَذَّرُ بْنُ زِيَادٍ، فَهَيَّجَ بِقَتْلِهِ وَقْعَةَ بُعَاثٍ [١] .
فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ أَسْلَمَ المجذّر، والحارث بن سويد بن الصّامت، فشهدا بَدْرًا. فَجَعَلَ الْحَارِثُ يَطْلُبُ مُجَذَّرًا لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَقَتَلَهُ.
فَلَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حَمْرَاءِ الأَسَدِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ قَتَلَ مجذَّرًا. فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قُبَاءَ، فَأَتَاهُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ فِي مِلْحَفَةٍ مُوَرَّسَةٍ. فَلَمَّا رآه دعا عويم بن ساعدة [٢] وقال: اضرب عنق الحارث بمجذّر ابن ذياد. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا قَتَلْتُهُ رُجُوعًا عَنِ الإِسْلامِ وَلَكِنْ حَمِيَةٌ، وَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأُخْرِجُ دِيَتَهُ وَأَصُومُ وَأَعْتِقُ. وَجَعَلَ يَتَمَسَّكُ بِرِكَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أَنْ فَرَغَ مِنْ كَلامِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَدِّمْهُ يَا عُوَيْمُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَضَرَبَ عنقه على باب المسجد.
الحواشي
(١) [١] بعاث: موضع في نواحي المدينة كانت به وقائع بين الأوس والخزرج في الجاهلية.
[٢] بدريّ كبير شهد العقبتين. توفي في خلافة عمر بن الخطاب وهو ابن ٦٥ سنة. انظر: مسند أحمد ٣/ ٤٢٢، الطبقات لابن سعد ٣/ ٢/ ٣٠، التاريخ الصغير ١/ ٤٤ و ٧٤، مشاهير علماء الأمصار، رقم ١٠٧، حلية الأولياء ٢/ ١١ الاستيعاب ٩/ ٩٥، أسد الغابة ٤/ ٣١٥، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٤١، تهذيب الكمال ٢/ ١٠٦٨ سير أعلام النبلاء ١/ ٥٠٣ الإصابة ٣/ ١٨١.стр. 792
السَّنة الرابعَة
«سريّة أبي سلمَة إلى قطن في أوّلها»
قَالَ الْوَاقِدِيُّ [١] : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ الْيَرْبُوعِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأَسَدِ، وَغَيْرِهِ قَالُوا: شَهِدَ أَبُو سَلَمَةَ أُحُدًا، وَكَانَ نَازِلًا فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ بِالْعَالِيَةِ، حَتَّى تَحَوَّلَ مِنْ قُبَاءَ فَجُرِحَ بِأُحُدٍ، وَأَقَامَ شَهْرًا يُدَاوِي جُرْحَهُ. فَلَمَّا كَانَ هِلالُ الْمُحَرَّمِ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: اخْرُجْ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ فَقَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَيْهَا: وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً وَقَالَ: سِرْ حَتَّى تَأْتِيَ أَرْضَ بَنِي أَسَدٍ فَأَغِرْ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ مَعَهُ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ، فَسَارُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَدْنَى قَطَن- مَاء مِنْ مِيَاهِهِمْ [٢] ، فَيَجِدُونَ سَرْحًا لِبَنِي أَسَدٍ، فَأَغَارُوا عَلَيْهِ وَأَخَذُوا مَمَالِيكَ ثَلاثَةً، وَأَفْلَتَ سَائِرُهُمْ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَغَابَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً [٣] . قَالَ عَمْرو بن عثمان: فحدّثني عبد الملك بن عمير [٤] ، قال: لما
الحواشي
(١) [١] المغازي ١/ ٣٤٠.
[٢] يعني من مياه بني أسد. وقطن: ماء، ويقال جبل من أرض بني أسد بناحية فيد (ياقوت) .
[٣] انظر الطبقات الكبرى ٢/ ٥٠ وعيون الأثر ٢/ ٣٨، ٣٩.
[٤] في ع: عبيد. والتصحيح من تهذيب التهذيب (٦/ ٤١١) ومغازي الواقدي (١/ ٣٤٣) .стр. 793
دخل أبو سلمة المدينة انتقض جُرْحُه، فمات لثلاث بقين من جُمَادى الآخرة [١] .
غزوة الرَّجيع [٢]
وهي في صفر من السّنة الرابعة، فيما ورَّخه الواقدي [٣] . وقال: هي عَلَى سبعة أميال من عُسْفان.
فحدثني موسى بن يعقوب، عَنْ أبي الأسود قَالَ: بَعَثَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أصحابَ الرَّجيع عيونًا إلى مكة ليُخْبِروه [٤] .
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ رَهْطٍ عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الأَقْلَحِ الأَنْصَارِيَّ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَّاة، بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ. فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمُ التَّمْرَ، فَقَالُوا، نَوَى يَثْرِبَ، فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ. فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ [٥] فَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمُ: انْزِلُوا- فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَنْ لا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا. قال عاصم: أما أنا فو الله لا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ مُشْرِكٍ، اللَّهمّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ. فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سبعة
الحواشي
(١) [١] المغازي للواقدي ١/ ٣٤٠.
[٢] الرجيع: ماء لهذيل قرب الهداة أو الهدة، قيل بين عسفان ومكة، وقيل بين مكة والطائف.
[٣] المغازي ٣٥٤.
[٤] المغازي لعروة ١٧٥.
[٥] في ع: قردد. تصحيف، والتصحيح من صحيح البخاري. والفدفد: الأرض المرتفعة ذات الحصى.стр. 794
مِنْ أَصْحَابِهِ، وَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلاثَةٌ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ: خُبَيْبٌ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ [١] ، وَآخَرُ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قُسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا.
فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللَّهِ لا أَصْحَبُكُمْ إِنَّ لِي بِهَؤُلاءِ أُسْوةٌ.
يُرِيدُ الْقَتْلَى. فَجَرُّوهُ وَعَالَجُوهُ، فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ، فَقَتَلُوهُ، وانطلقوا بخبيب، وزيد، حتى باعوهما بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ. فَابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ خُبَيْبًا. وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ. فَلَبِثَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ، فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسَى يُسْتَحَدُّ بِهَا لِلْقَتْلِ فَأَعَارَتْهُ. فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَاهُ، فَوَجَدَتْهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فَقَالَ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، والله لقد وجدته يكل قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ خُبَيْبًا. فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ قَالَ لَهُمْ: دَعُونِي أَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ. فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: والله لولا أن تحسبوا أنّ ما بِي جَزَعٌ مِنَ الْقَتْلِ لَزِدْتُ، اللَّهمّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، وَلا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا [٢] ، وَقَالَ:
فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أيّ جنب كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإله، وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو مُمَزَّعِ [٣]
ثُمَّ قَامَ أَبُو سِرْوَعَةَ عُقْبَةُ بْنُ الحارث فقتله.
الحواشي
(١) [١] الدّثنة: ضبط في المواهب اللدنية: بفتح الدال وكسر الثاء مع فتح النون، المشدّدة، وزاد البرهان: وقد تسكّن الثاء، وضبط صاحب القاموس بكسر الثاء مع فتح النون المخفّفة.
[٢] انظر سيرة ابن هشام ٣/ ٢٢٦، المغازي لعروة ١٧٥- ١٧٧، عيون الأثر ٢/ ٤٠، ٤١.
[٣] البيتان في عيون الأثر ٢/ ٤١ والبداية والنهاية ٤/ ٦٣، وانظر: سيرة ابن هشام ٣/ ٢٢٧، ونهاية الأرب للنويري ١٧/ ١٣٦، ١٣٧ والمغازي لعروة ١٧٧.стр. 795
وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا، الصَّلاةَ.
وَاسْتَجَابَ اللَّهُ لِعَاصِمٍ يَوْمَ أُصِيبَ، فأخبر رسول الله ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ. وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ لِيَأْتُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَى عَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ [١] ، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٢] .
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ وَأَصْحَابَهُ عَيْنًا لَهُ، فَسَلَكُوا النَّجْدِيَّةَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالرَّجِيعِ، فَذَكَرُوا الْقِصَّةَ [٣] .
قَالَ مُوسَى: وَيُقَالُ: كَانَ أَصْحَابُ الرَّجِيعِ سِتَّةً مِنْهُمْ: عَاصِمٌ، وَخُبَيْبٌ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ- حَلِيفٌ لِبَنِي ظَفَر- وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيّ، وَمَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ، حَلِيفُ حَمْزَةَ. وَسَاقَ حَدِيثَهُمْ [٤] .
وَقَالَ يُونُسُ، عن ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ [٥] قدموا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ بَعْدَ أُحُدٍ فَقَالُوا:
إِنَّ فِينَا إِسْلامًا، فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِكَ لِيُفَقِّهُونَا فِي الدِّينِ وَيُقْرِئُونَا الْقُرْآنَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ خُبَيْبُ بْنُ عديّ [٦] .
الحواشي
(١) [١] الدّبر: جماعة النّحل. ويقال: الزنابير ونحوهما مما سلاحها في أدبارها. (تاج العروس ١١/ ٢٥٣) .
[٢] صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الرّجيع إلخ. (٥/ ٤٠، ٤١) .
[٣] المغازي لعروة ١٧٥، مجمع الزوائد للهيثمي ٦/ ١٩٩، فتح الباري ٧/ ٣٨٤.
[٤] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٢٤، المغازي للواقدي ١/ ٣٥٤، ٣٥٥.
[٥] عضل والقارة، حيّان من الهون بن خزيمة بن مدركة.
[٦] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٢٤.стр. 796
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَعَثَ مَعَهُمْ سِتَّةً، أَمَّرَ عَلَيْهِمْ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ، [١] وَسَمَّاهُمْ كَمَا قَالَ مُوسَى.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَخَرَجُوا مَعَ الْقَوْمِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا عَلَى الرَّجِيعِ- مَاءٌ لِهُذَيْلٍ بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ عَلَى صُدُورِ الْهدأة [٢]-، غَدَرُوا بِهِمْ. فَاسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا، فَلَمْ يَرُع الْقَوْمَ وَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ إِلا الرِّجَالُ بِأَيْدِيهِمُ السُّيُوفُ، فَأَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ لِيُقَاتِلُوهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: مَا نُرِيدُ قَتْلَكُمْ وَلَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ نُصِيبَ بِكُمْ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَلَكُمْ عَلَيْنَا عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ لا نَقْتُلَكُمْ. فَأَمَّا مَرْثَدٌ، وَعَاصِمٌ، وَابْنُ الْبُكَيْرٍ فَقَالُوا: وَاللَّهِ لا نَقْبَلُ مِنْ مُشْرِكٍ عَهْدًا وَلا عَقْدًا أَبَدًا. وَأَرَادَتْ هُذَيْلٌ أَخْذَ رَأْسِ عَاصِمٍ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَيْهَا يَوْمَ أُحُدٍ، لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ فِي قِحْفِهِ الْخَمْرَ، فَمَنَعَتْهُ الدَّبْرُ، فَانْتَظَرُوا ذِهَابَهَا عَنْهُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ الْوَادِيَ فَحَمَلَ عَاصِمًا فَذَهَبَ بِهِ [٣] .
وَقَدْ كَانَ عَاصِمٌ أَعْطَى اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا تَنَجُّسًا. وَأَسَرُوا خُبَيْبًا، وَابْنَ الدَّثِنَةِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَارِقٍ، ثُمَّ مَضَوْا بِهِمْ إِلَى مَكَّةَ لِيَبِيعُوهُمْ. حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالظَّهْرَانِ انتزاع [٤] عَبْدُ اللَّهِ يَدَهُ مِنَ الْقِرَانِ [٥] ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ وَاسْتَأْخَرَ عَنِ الْقَوْمِ، فَرَمَوْهُ [٦] بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قتلوه، فقبره بالظّهران [٧] .
الحواشي
(١) [١] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٢٤.
[٢] في ع: الهدء، وانظر ما تقدّم.
[٣] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٢٤، ٢٢٥، الأغاني ٤/ ٢٢٥- ٢٢٧.
[٤] في ع: أن تزع. والتصحيح من سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري (٢/ ٥٣٩) وابن الملّا.
[٥] في ع: القراب. والتصحيح من سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري. وعبارة ابن الملّا: الوثاق.
[٦] في ع: فرموا. والتصحيح من سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري.
[٧] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٢٥، تاريخ الطبري ٢/ ٥٣٩.стр. 797
وقال البكّائيّ، عَنِ ابن إسحاق [١] ، حدّثني يحيى، عَنْ أبيه عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبير، عَنْ عُقْبَةَ بن الحارث، سَمِعْتُهُ يَقْولُ: ما أنا والله قتلتُ خُبَيْبًا، لأنا كنتُ أصغر من ذَلِكَ، ولكن أبا مَيسْرة أخا بني عبد الدّار أخذ الحرْبَةَ فجعلها في يدي، ثُمَّ أخذ بيدي وبالحربة، ثُمَّ طعنه بِهَا حتى قتله.
ثُمَّ ذكر ابن إسحاق أنّ خبيبًا قَالَ:
لقد جَمَّع الأحزابُ حولي وألَّبُوا ... قبائلَهم واستجمعوا كلّ مجمَّعِ
فكلّهم [٢] مُبْدِي العداوةَ جاهدٌ [٣] ... عليَّ لأنّي في وثاق مضيعِ [٤]
وقد جمعوا [٥] أبناءَهم ونساءَهم ... وقُرِّبَتْ من جذعٍ طويلٍ مُمَنَّعِ
إلى الله أشكو غُرْبَتي ثُمَّ كُرْبَتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
فذا العرش صبّرني [٦] على ما يرادني [٧] ... فقد بضّعوا لحمي وقد ياس [٨] مطمعي
وذلك في ذاتِ الِإلهِ وإنْ يشأْ ... يُبارِكْ عَلَى أَوْصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
وقد خيّروني الكفَر والموتُ دُونه ... وقد هملتْ عَيْناي من غير مَجْزَع [٩]
وما بي حِذارُ الموتِ، إنّي لميّت ... ولكن حذاري جحم نار ببلقع [١٠]
الحواشي
(١) [١] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٢٦، تاريخ خليفة ٧٥.
[٢] في سيرة ابن هشام، ونهاية الأرب ١٧/ ١٣٦ «وكلّهم» .
[٣] في نهاية الأرب «جاهدا» .
[٤] في السيرة «بمصيع» وفي نهاية الأرب «بمضيع» .
[٥] وفي نهاية الأرب «قرّبوا» .
[٦] في ع: صبري. والتصحيح من ابن الملا وابن هشام والنويري.
[٧] في نهاية الأرب «على ما أصابني» .
[٨] لغة في (يئس) . وفي نهاية الأرب «ضلّ» وفي المغازي لعروة «بان» .
[٩] البيت في نهاية الأرب:
وقد عرّضوا بالكفر والموت دونه ... وقد ذرفت عيناي من غير مدمع
[١٠] في نهاية الأرب:
ولكن حذاري حرّ نار تلفع.стр. 798
وو الله ما أرجو إذا متُّ مسلِمًا ... عَلَى أيّ جنبٍ كان في الله مَصْرَعي [١]
فلست بمُبدٍ للعدوّ تَخَشُّعًا ... ولا جَزَعًا إنّي إلى الله مرجعي
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ جَدِّهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَعَثَهُ عَيْنًا، قَالَ: فَجِئْتُ إِلَى خَشَبَةِ خُبَيْبٍ فَرَقِيتُ فِيهَا وَأَنَا أَتَخَوَّفُ الْعُيُونَ، فَأَطْلَقْتُهُ فَوَقَعَ بِالأَرْضِ، ثُمَّ اقْتَحَمْتُ فَانْتَبَذْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ خُبَيْبًا، فَكَأَنَّمَا ابْتَلَعَتْهُ الأَرْضُ.
زَادَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ: فَلَمْ يُذْكَرْ لِخُبَيْبٍ ﵁ رِمَّةٌ حَتَّى السَّاعَةِ [٢] .
غزوة بئر مَعُوَنة [٣]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَعَثَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أصحاب بئر مَعُوَنة [٤] في صفر، عَلَى رأس أربعةِ أشهرٍ من أحد [٥] .
الحواشي
(١) [١] يرد هذا البيت بألفاظ مختلفة راجع: المغازي لعروة ١٧٧ ونهاية الأرب ١٧/ ١٧٧ والمواهب اللدنية.
[٢] تاريخ الطبري ٢/ ٥٤١، ٥٤٢، الأغاني ٤/ ٢٢٨، ٢٢٩.
[٣] انظر عنها: المغازي لعروة ١٧٨- ١٨١، سيرة ابن هشام ٣/ ٢٣٠- ٢٣٢، المغازي للواقدي ١/ ٣٤٦ وما بعدها، الطبقات الكبرى ٢/ ٥١- ٥٤، تاريخ خليفة ٧٦ تاريخ الطبري ٢/ ٥٤٥- ٥٥٠، الروض الأنف ٣/ ٢٣٨، صحيح البخاري، كتاب المغازي، نهاية الأرب ١٧/ ١٣٠، عيون التواريخ ١/ ١٨٤، عيون الأثر ٢/ ٤٣ وما بعدها، البداية والنهاية ٤/ ٧١- ٧٤.
[٤] بئر معونة: قيل بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم، وقيل بين جبال يقال لها أبلى في طريق المصعد من المدينة إلى مكة، وقيل ماء لبني عامر بن صعصعة، وقيل في أرض بني سليم وأرض بني كلاب وعندها كانت قصة الرجيع. (معجم البلدان ١/ ٣٠٢) .
[٥] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٣٠.стр. 799
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن عبد الله ابن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَرِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ الَّذِي يُدْعَى «مُلاعِبَ الأَسِنَّةِ» قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإِسْلامَ. فَأَبَى أَنْ يُسْلِمَ، وَأَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَدِيَّةً. فَقَالَ: إِنِّي لا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ. فَقَالَ: ابْعَثْ مَعِي مَنْ شِئْتَ مِنْ رُسُلِكَ، فَأَنَا لَهُمْ جَارٌ. فَبَعَثَ رَهْطًا، فِيهِمُ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو السَّاعِدِيُّ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «أَعْنَقَ لِيَمُوتَ» [١] ، بَعَثَهُ عَيْنًا لَهُ في أهل نجد. فسمع بهم عَامِر بْن الطُّفَيْلِ، فَاسْتَنْفَرَ بَنِي عَامِرٍ، فَأَبَوْا أَنْ يُطِيعُوهُ. فَاسْتَنْفَرَ بَنِي سُلَيْمٍ فَنَفَرُوا مَعَهُ. فَقَتَلُوهُمْ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، غَيْرَ عَمْرِو بْنِ أُمَّيَةَ الضَّمْرِيِّ، فَإِنَّهُ أَطْلَقَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ. فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [٢] : حَدَّثَنِي وَالِدِي، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الحارث بْن هشام، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، وَغَيْرِهِمَا، قَالُوا: قَدِمَ أَبُو الْبَرَاءِ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، مُلاعِبُ الأَسِنَّةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَبْعُدْ مِنَ الإِسْلامِ. وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَوْ بَعَثْتَ مَعِي رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَى أَهْلِ نَجْدٍ يَدْعُونَهُمْ إِلَى أَمْرِكَ رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ. قَالَ: أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نجد. قال أبو البراء: أنار لَهُمْ جَارٌ. فَبَعَثَ الْمُنْذَرَ بْنَ عَمْرٍو فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا، فِيهِمُ الْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّة، وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ، أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَعُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ السُّلَمِيُّ، وَنَافِعُ [٣] بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، فِي خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَارُوا حَتَّى بلغوا بئر معونة، بين أرض بني عامر وحرّة بني
الحواشي
(١) [١] أعنق ليموت، أو المعنق ليموت: أي المسرع، سمى بذلك لإسراعه إلى الشهادة.
[٢] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٣٠، ٢٣١، تاريخ الطبري ٢/ ٥٤٦، ٥٤٧.
[٣] في طبعة القدسي ٢١٣ «رافع» والتصحيح من تاريخ الطبري ٢/ ٥٤٦، والإصابة ٣/ ٥٤٣ وهو «نافع بن بديل بن ورقاء» .стр. 800
سُلَيْمٍ. ثُمَّ بَعَثُوا حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، فَلَمْ يَنْظُرْ فِي الْكِتَابِ حَتَّى قَتَلَ الرَّجُلُ. ثُمَّ اسْتَصْرَخَ بَنِي سُلَيْمٍ فَأَجَابُوهُ وَأَحَاطُوا الْقَوْمَ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى اسْتُشْهِدُوا كُلُّهُمْ إِلا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ، مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ فَارتُثَّ [١] مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، فَعَاشَ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.
وَكَانَ فِي سَرْح الْقَوْمِ عَمْرو بْن أُمَيَّةَ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ [٢] ، فَلَمْ يُخْبِرْهُمَا بِمُصَابِ الْقَوْمِ إِلَّا الطَّيْرُ تَحُومُ عَلَى الْعَسْكَرِ، فَقَالا: وَاللَّهِ إِنَّ لِهَذِهِ الطَّيْرِ لَشَأْنًا، [فَأَقْبَلا] [٣] لِيَنْظُرَا، فَإِذَا الْقَوْمُ فِي دِمَائِهِمْ وَإِذَا الْخَيْلُ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ وَاقِفَةٌ. فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ لِعَمْرٍو: مَاذَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نلحق برسول الله ﷺ فَنُخْبِرهُ الْخَبَرَ. فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: لَكِنِّي لَمْ أَكُنْ لأَرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ مَوْطِنٍ قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَا كُنْتُ لأُخْبِرَ عَنْهُ الرِّجَالَ. وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَأَسَرُوا عُمَرًا. فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مِنْ مُضَرَ أَطْلَقَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وجزّ نَاصِيَتَهُ [٤] وَأَعْتَقَهُ. فَلَمَّا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ [٥] أَقْبَلَ رَجُلانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ حَتَّى نَزَلَا فِي ظِلٍّ هُوَ فِيهِ، وَكَانَ مَعَهُمَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجوارٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرٌو. حَتَّى إِذَا نَامَا عَدَا عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَهُ [فَقَالَ] [٦] :
قَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ، لأَدِيَنَّهُمَا. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، قَدْ كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا مُتَخَوِّفًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا الْبَرَاءِ فَشُقَّ عَلَيْهِ إِخْفَارُ عَامِرٍ إيّاه [٧] ،
الحواشي
(١) [١] ارتثّ: حمل من المعركة جريحا وبه رمق.
[٢] قال ابن هشام هو أحد بني عمرو بن عوف.
[٣] بياض في ع والتكملة من ابن هشام ٣/ ٢٣١.
[٤] المغازي لعروة ١٧٩، ١٨٠.
[٥] القرقرة: هي قرقرة الكدر، أو قرارة الكدر، وقد تقدّم التعريف بها.
[٦] إضافة على الأصل لضرورة السياق فالقول للرسول ﷺ ، انظر: السيرة ٣/ ٢٣١، وابن سعد ٢/ ٥٣.
[٧] عبارة فشقّ عليه إخفار عامر أبا براء. وقد أثبتنا عبارة ابن الملّا وهي مطابقة لنصّ ابن هشام ٣/ ٢٣١، ٢٣٢.стр. 801
فَحَمَلَ رَبِيعَةَ وَلَد أَبِي بَرَاءٍ عَلَى عَامِرِ بن الطّفيل فطعنه فِي فَخِذِهِ فَأَشْوَاهُ فَوَقَعَ مِنْ فَرَسِهِ وَقَالَ: هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، إِنْ مِتُّ فَدَمِي لِعَمِّي فَلا يُتْبَعَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَعِشْ فَسَأَرَى رَأْيِي [١] .
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: ارتُثَّ فِي الْقَتْلَى كَعْب بْن زَيْدٍ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: أَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَاسًا جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالًا يُعَلِّمُونَنَا الْقُرْآنَ، وَالسُّنَّةَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ، وَفِيهِمْ خَالِي حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ وَيَتَعَلَّمُونَ، وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَتَحَطَّبُونَ فَيَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ، فَبَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَتَعَرَّضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ.
قَالُوا: اللَّهمّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّكَ أَنْ قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِيتَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْكَ.
قَالَ: وَأَتَى رَجُلٌ خَالِي مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ بِالرُّمْحِ حَتَّى أَنْفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا وَقَالُوا: اللَّهمّ أَبْلِغْ عَنَّا نَبِيَّكَ أَنْ قَدْ لَقِينَاكَ فرضيناك عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ [٢] . وَقَالَ هَمَّامٌ وَغَيْرُهُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَالَهُ حَرَامًا فِي سَبْعِينَ رَجُلا فَقُتِلُوا يَوْمَ بِئْرِ مَعْونَةَ. وَكَانَ رَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ، وَكَانَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ:
الحواشي
(١٩٠٢) : كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنّة للشهيد.стр. 802
أُخَيِّرُكَ بَيْنَ ثَلاثِ خِصَالٍ: أَنْ يَكُونَ لَكَ أَهْلُ السَّهْلِ وَلِي أَهْلُ الْمَدَرِ، أَوْ أَكُونَ خَلِيفَتَكَ مِنْ بَعْدِكَ، أَوْ أَغْزُوَكَ [١] بِغَطَفَانَ بِأَلْفِ أَشْقَرَ وَأَلْفِ شَقْرَاءَ، قَالَ: فَطُعِنَ [٢] فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي فُلانٍ، فَقَالَ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَكْرِ [٣] فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي فُلانٍ ائْتُونِي بِفَرَسِي، فَرَكِبَهُ، فَمَاتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ.
وَانْطَلَقَ حَرَامٌ وَرَجُلانِ مَعَهُ أَحَدُهُمَا أَعْرَجُ فَقَالَ: كُونَا قَرِيبًا مِنِّي حَتَّى آتِيَهُمْ فَإِنْ آمَنُونِي كُنْتُ كُفْوًا، وَإِنْ قَتَلُونِي أَتَيْتُمْ أَصحَابَكُمْ. فَأَتَاهُمْ حَرَامٌ فَقَالَ:
أَتُؤَمِّنُونِي أُبلِّغُكُمْ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ، وَأَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ مَنْ خَلْفَهُ فَطَعَنَهُ. قَالَ هَمَّامٌ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. قَالَ: وَقُتِلَ كُلُّهُمْ إِلا الأَعْرَجَ، كَانَ فِي رَأْسِ الْجَبَلِ.
قَالَ أَنَسٌ: أُنْزِلَ عَلَيْنَا، ثُمَّ كَانَ مِنَ الْمَنْسُوخِ، «إِنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَيْنَاهُ» . فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبْعِينَ صَبَاحًا عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لَحْيَانَ وَعُصَيَّةً عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ: ثَلَاثِينَ صَبَاحًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ [٤] .
وَرَوَى نَحْوَهُ قَتَادَةُ، وَثَابِتٌ، وَغَيْرُهُمَا، عَنْ أَنَسٍ. وَبَعْضُهُمْ يَخْتَصِرُ الْحَدِيثَ.
قَالَ سليمان بن المُغيرة، عَنْ ثابت قَالَ: كتب أَنَس في أهله كتابًا فقال: اشهدوا معاشرَ القرّاء. فكأنّي كرهت ذَلِكَ، فقلت: لو سمّيتهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، فقال: وما بأس أن أقول لكم معاشرَ القُرّاء، أفلا أحدّثكم عَنْ إخوانكم الذين كنّا ندعوهم عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ القرّاء؟
الحواشي
(١) [١] في ع: عذول، تصحيف تصحيحه من صحيح البخاري ٥/ ٤٢.
[٢] طعن: أصابه الطاعون.
[٣] البكر: الفتى من الإبل. وغدّة البكر أي الطّاعون الّذي يصيبه.
[٤] صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع ٥/ ٤٢، ٤٣ وانظر المغازي لعروة ١٨١.стр. 803
قَالَ: فذكر أنس سبعين من الأنصار كانوا إذا جهنّم الليل أوَوْا إلى معلم بالمدينة فيبيتون يدرسون، فإذا أصبحوا فمَنْ كانت عنده قوة أصاب من الحَطَب واستعذب من الماء، ومن كانت عنده سَعَةٌ أصابوا الشَّاة فأصلحوها.
فكان معلّقًا بحجر رَسُول اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا أصيب خُبَيْب، بَعَثَهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَكَانَ فيهم خالي حرام. فأتوا عَلَى حيٍّ من بني سُلَيْم، فقال حَرام لأميرهم:
دعني، فلا خير [في] هَؤلاءِ. إنّا لَيْسَ إيّاهم نريد فيخلّون وجوهنَا. فأتاهم فقال ذَلِكَ، فاستقبله رجل منهم برُمْحٍ فأنفذه به. قَالَ: فلما وجد حَرام مسّ الرمح قَالَ: الله أكبر فزتُ وربِّ الكعبة. قَالَ: فانطووا عليهم فما بقي منهم مُخْبِر. قَالَ: فما رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وجد على شيء وجده عليهم. فقال أنس: لقد رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كلّما صلّى الغداةَ رفع يديه يدعو عليهم:
فلما كان بعد ذَلِكَ، إذا أبو طلحة يَقْولُ: هل لك في قاتلِ حَرام؟ قلت: ما له، فعل الله به وفعل. فقال: لا تفعل، فقد أسلم.
وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: ثنا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
كَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ غُلامًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ، أَخِي [١] عَائِشَةَ لأُمِّهَا، وَكَانَتْ لأَبِي بَكْرٍ مِنْحَةٌ [٢] ، فَكَانَ يَغْدُو بِهَا وَيَرُوحُ، وَيُصْبِحُ فَيَدَّلِجُ إِلَيْهِمَا ثُمَّ يَسْرَحُ فَلا يَفْطُنُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الرِّعَاءِ. ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُمَا يُعْقِبَانِهِ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ مَعَهُمَا. فَقُتِلَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَأُسِرَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ. فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: مَنْ هَذَا؟ وَأَشَارَ إِلَى قَتِيلٍ. قَالَ: هذا عامر ابن فُهَيْرَةَ. فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَ مَا قُتِلَ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى أَنِّي لأَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَرْضِ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ البخاري [٣] .
الحواشي
(١) [١] في صحيح البخاري ٥/ ٤٣ «أخو» .
[٢] المنحة: النّاقة يدرّ منها اللبن.
[٣] صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع ٥/ ٤٣، ٤٤.стр. 804
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرِّضُ بَنِي أَبِي الْبَرَاءِ عَلَى عَامِرِ [بْنِ] الطُّفَيْلِ:
بَنِي أُمِّ الْبَنِينَ أَلَمْ يَرُعْكُمْ ... وَأَنْتُمْ مِنْ ذَوَائبِ أَهْلِ نَجْدِ
تَهَكُّمُ عَامِرٌ بِأَبِي بَرَاءٍ ... لِيُخْفِرَهُ، وَمَا خَطَأٌ كَعَمْدِ
أَلا أَبْلِغْ رَبِيعَةَ ذَا الْمَسَاعِي ... فَمَا أَحْدَثْتَ فِي الْحَدَثَانِ بَعْدِي
أَبُوكَ أَبُو الْحُرُوبِ أَبُو بَرَاءٍ ... وَخَالُكَ ماجد حكم بن سعد [١]
الحواشي
(١) [١] ديوانه: ص ١٠٧ باختلاف في بعض الألفاظ وفي ترتيب الأبيات، وانظر: سيرة ابن هشام ٣/ ٢٣٢، وتاريخ الطبري ٢/ ٥٤٨.стр. 805
ذَكَرَ الخلاف فِي غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي سَنَةِ ثَلاثٍ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إِلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ أُحُدٍ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَتْ بَعْدَ أُحُدٍ، وَبَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْبُنِّ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْمِصِّيصِيُّ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نَصْرٍ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي العقب، أنا أحمد بن إبراهيم، ثنا محمد بْنُ عَائِذٍ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إلى بني النضير يستعينهم في عقل [١] الكلابيين. قَالُوا: اجْلِسْ أَبَا الْقَاسِمِ، حَتَّى تَطْعَمَ وَتَرْجِعَ بِحَاجَتِكَ.
ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ وَتَقَدَّمَ ذِكُرُهُ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا خَرَجَتْ بَنُو النَّضِيرِ أَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى فَأَطَافَ بِمَنَازِلِهِمْ، فَرَأَى خَرَابَهَا، وفكّر ثم
الحواشي
(١) [١] العقل: الدّية.стр. 806
رَجَعَ إِلَى قُرَيْظَةَ فَيَجِدُهُمْ فِي الْكَنِيسَةِ فَيَنْفُخُ فِي بُوقِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا. فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ أَيْنَ كُنْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ، وَكَانَ لا يُفَارِقُ الْكَنِيسَةَ وَكَانَ يَتَأَلَّهُ فِي الْيَهُودِيَّةِ، قَالَ: رَأَيْتُ الْيَوْمَ عِبَرًا قَدْ عَبَرْنَا بِهَا، رَأَيْتُ مَنَازِلَ إِخْوَانِنَا خَالِيَةً بَعْدَ ذَلِكَ الْعِزِّ وَالْجَلَدِ وَالشَّرَفِ الْفَاضِلِ وَالْعَقْلِ الْبَارِعِ، قَدْ تَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ وَمَلَكَهَا غَيْرُهُمْ وَخَرَجُوا خُرُوجَ ذُلٍّ. وَلا وَالتَّوْرَاةِ مَا سُلِّطَ هَذَا عَلَى قَوْمٍ قَطُّ للَّه [١] بِهِمْ حَاجَةٌ. فَقَدْ أَوْقَعَ قَبْلَ ذلك بابن الأشرف ذِي عِزِّهِمْ؟ بَيْتُهُ فِي بَيْتِهِ آمِنًا، وَأَوْقَعَ بِابْنِ سُنَيْنَةَ سَيِّدِهِمْ، وَأَوْقَعَ بِبَنِي [٢] قَيْنُقَاعَ فَأَجْلاهُمْ وَهُمْ جَدُّ يَهُودَ، وَكَانُوا أَهْلَ عِدَّةٍ وَسِلاحٍ وَنَجْدَةٍ، وَحَصَرَهُمْ فَلَمْ يُخْرِجْ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ رَأْسَهُ حَتَّى سَبَاهُمْ، وَكُلِّمَ فِيهِمْ فَتَرَكَهُمْ عَلَى أَنْ أَجْلاهُمْ مِنْ يَثْرِبَ، يَا قَوْمُ قَدْ رَأَيْتُمْ ما رأيت فأطيعوني وتعالوا نتّبع محمدا، فو الله إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ بَشَّرَنَا بِهِ وَبِأَمْرِهِ ابُنُ التَّيْهَانِ وَابْنُ الْحَوَّاسِ [٣] ، وَهُمَا أَعْلَمُ يَهُودَ، جَاءَانَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَتَوَكَّفَانِ [٤] قُدُومَهُ، أَمَرَانَا بِاتِّبَاعِهِ، وَأَمَرَانَا أَنْ نُقْرِئَهُ مِنْهُمَا السَّلامَ، ثم ماتا على دينهما، فأسلكت الْقَوْمُ، فَأَعَادَ هَذَا الْقَوْلَ وَنَحْوَهُ، وَتَخَوُّفَهُمْ بِالْحَرْبِ وَالسِّبَاءِ وَالْجَلاءِ. فَقَالَ ابْنُ بَاطَا: وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ [٥] صِفَتَهُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، لَيْسَ فِي الْمَثَانِي الَّتِي أَحْدَثْنَا.
فَقَالَ له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتّباعه؟ قال:
أنت، قال كعب: ولم، التّوراة ما حالت [٦] بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَطُّ، قَالَ الزُّبَيْرُ:
أَنْتَ صَاحِبُ عَهْدِنَا وَعَقْدِنَا فَإِنِ اتَّبَعْتَهُ اتَّبَعْنَاهُ وَإِنْ أَبَيْتَ أبينا. فأقبل عمرو بن
الحواشي
(١) [١] في ع: (الله) . والتصحيح من ابن الملّا.
[٢] في ع: (بني) والتصحيح من ابن الملّا.
[٣] في ع: ابن الهيبان وابن جواس، والتصحيح من ابن الملّا.
[٤] يتوكف الخبر: يتوقعه ويتسقّطه.
[٥] نصّ عبارة ع: قال ابن باطا: قرءوا التوراة قرأت صفته. وهي مضطربة وصحّحناها من ابن الملا.
[٦] في ع: حلت، ولعلّ الوجه ما أثبتناه.стр. 807
سُعْدَى عَلَى كَعْبٍ فَذَكَرَ مَا تَقَاوَلا، فِي ذَلِكَ، إِلَى أَنْ قَالَ كَعْبٌ: مَا عِنْدِي فِي أَمْرِهِ إِلا مَا قُلْتُ، مَا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ أَصِيرَ تَابِعًا.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ.
وَحَاصَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ سِتَّ لَيَالٍ [١] .
قَالَ: وَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ [٢] .
غزوة بني لحيان
قَالَ ابن إسحاق [٣] : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جُمادَى الأولى، عَلَى رأس ستّة أشهرٍ من صُلح [٤] بني قُرَيْظة إلى بني لحيان بطلب بأصحاب الرَّجيع: خُبَيْب وأصحابه، وأظهر أنّه يريد الشامَ ليصيب من القوم غِرَّة.
وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مَحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، وَغَيْرِهِ قَالُوا: لَمَّا أُصِيبَ خُبَيْبٌ وَأَصْحَابُهُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طلبًا لِدِمَائِهِمْ لِيُصِيبَ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ غِرَّةً، فَسَلَكَ طَرِيقَ الشّام وورى عَلَى النَّاسِ أَنَّهُ لا يُرِيدُ بَنِي لِحْيَانَ، حَتَّى نَزَلَ أَرْضَهُمْ- وَهُمْ مِنْ هُذَيْلٍ- فَوَجَدَهُمْ [٥] قَدْ حَذِرُوا فَتَمَنَّعُوا فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ أَنَّا هَبَطْنَا عُسْفَانَ لَرَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّا قَدْ جِئْنَا مَكَّةَ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مِائَتَيْ رَاكِبٍ حَتَّى نَزَلَ
الحواشي
(١) [١] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٤٠.
[٢] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٤٠.
[٣] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٩٧.
[٤] في ع: صالح. والتصحيح من ابن الملّا.
[٥] في ع: فوجدوهم، والتصحيح من ابن الملّا.стр. 808
عُسْفَانَ، ثُمَّ بَعَثَ فَارِسَيْنِ حَتَّى نَزَلا كُرَاعَ الْغَمِيمِ [١] ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَيْهِ [٢] . فَذَكَرَ أَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِعُسْفَانَ صَلاةَ الْخَوْفِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَغَازِي إِنَّ غَزْوَةَ بَنِي لِحْيَانَ كَانَتْ بَعْدَ قُرَيْظَةَ.
غزوة ذاتِ الرِّقاع [٣]
قَالَ ابن إسحاق [٤] : إنها في جمادى الأولى سنة أربع، وهي غزوة خصفة من بني ثَعْلبة من غَطَفَان.
وقال محمد بن إسماعيل [٥] ﵀: كانت بعد خَيْبَر، لأنّ أبا موسى جاء بعد خَيْبر، يعني وشهِدَها. قَالَ: وإنّما جاء أبو هُرَيْرَةَ فأسلم أيامَ خيبر.
وقال ابن إسحاق [٦] : في هذه الغزوة سَارَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى نزل نَخْلا [٧] ، فلقي بِهَا جمعًا من غطفان، فتقارب النّاس ولم يكن بينهم حرب.
الحواشي
(١) [١] كراع الغميم: واد بعد عسفان بثمانية أميال، وقيل فيما بين عسفان ومرّ الظّهران، والكراع جبل أسود في طرف الحرّة يمتدّ إليه (معجم البلدان ٤/ ٤٤٣، ووفاء ألوفا: ٣٥٤) .
[٢] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٩٧.
[٣] قيل سمّيت بذلك لأنّ أقدامهم نقبت «رقّت جلودها» فكانوا يلفّون عليها الخرق وقيل بل سمّيت بذلك لأنهم رقّعوا راياتهم فيها، ويقال: ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع. (انظر الدرر في المغازي والسير لابن عبد البر ١٧٦، وصحيح البخاري، باب غزوة ذات الرقاع) .
[٤] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٤٦.
[٥] صحيح البخاري ٥/ ٥١ باب غزوة ذات الرقاع.
[٦] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٤٦.
[٧] في ع: النخلة، والتصحيح من البخاري وابن هشام وياقوت حيث قال في نخل: منزل في منازل بني ثعلبة من المدينة على مرحلتين، وقيل موضع بنجد من أرض غطفان مذكور في غزوة ذات الرقاع (معجم البلدان ٥/ ٢٧٦) .стр. 809
وقد خاف النّاس بعضهم بعضًا، حتى صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بأصحابه صلاة الخوف. ثُمَّ انصرف بالنّاس.
وقال الواقدي: إنّما سُمِّيت ذاتِ الرّقاع لأنّها [١] قِبَل جبلٍ كان فيه بُقَعُ حمرةٍ وسواد وبياض، فسُمِّي ذات الرّقاع.
قَالَ: وخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ لعشرٍ خَلَوْن من المحرَّم، عَلَى رأس سبعة وأربعين شهرا، [و] قدم صرارًا [٢] لخمسٍ بقين من المحرَّم. وذات الرِّقاع قريبة من النُّخَيل بين السَعد والشُقْرَة [٣] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ.
وَعَنْ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدِمَ قَادِمٌ بجلب [٤] له، فاشترى بسوق النّبط [٥] ، وقالوا: مِنْ أَيْنَ جَلْبُكَ؟ قَالَ: جِئْتُ بِهِ مِنْ نَجْدٍ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْمَارًا وَثَعْلَبَةَ [٦] قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ جُمُوعًا، وَأَرَاكُمْ هَادِينَ عَنْهُمْ. فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَوْلُهُ. فَخَرَجَ في أربعمائة من أصحابه-
الحواشي
(٢٧٧) ومعجم قبائل العرب لكحالة (١/ ٤٧ و ١٤٤) .стр. 810
وَقِيلَ سَبْعِمِائَةٍ- وَسَلَكَ عَلَى الْمَضِيقِ [١] ، ثُمَّ أَفْضَى إِلَى وَادِي الشُّقْرَةِ، فَأَقَامَ بِهَا يَوْمًا، وَبَثَّ السّرايا، فرجعوا إليه مع اللّيل وأخبروه أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا أَحَدًا، وَقَدْ وَطِئُوا آثَارًا حَدِيثَةً.
ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصحَابُهُ، حَتَّى أَتَى مَحَالَّهُمْ، فَإِذَا لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ، وَهَرَبُوا إِلَى الْجِبَالِ، فَهُمْ مُطِّلُونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَخَافَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا.
وَفِيهَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بأصحابه صلاة الخوف.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ [٢] : وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا ذَاتُ الرِّقَاعِ لأَنَّهُمْ رَقَعُوا فِيهَا رَايَاتِهِمْ. قَالَ: وَيُقَالُ ذَاتُ الرِّقَاعِ شَجَرَةٌ هُنَاكَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا غَزْوَتَانِ.
وَقَالَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سِنَانٌ الدُّؤَلِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ نجد، فلما قفل قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعَضَاةِ [٣] ، فَنَزَلَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعَضَاةِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ.
وَقَالَ: هُوَ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلِقَ بِهَا سَيْفَهُ. فَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَا فَأَجَبْنَاهُ، فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُ. فَشَامَ [٤] السَّيْفَ وَجَلَسَ. فَلَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٥] .
الحواشي
(١) [١] المضيق: قرية كبيرة في لحف جبل آرة قريبة من الفرع.
[٢] سيرة ابن هشام ٣/ ٢٤٦.
[٣] العضاة: أعظم الشجر أو كلّ شجرة ذات شوك.
[٤] شام السيف: أغمده.
[٥] صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرّقاع. وكتاب الجهاد والسير، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة، وباب تفريق الناس عن الإمام عند القائلة والاستظلال بالشجر.следующие страницы →