← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

وقال ابن رجب: وكان- ﵀ ذا عبادة وتهجّد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتألّه، ولهج بالذّكر، وشغف بالمحبّة والإنابة والافتقار إلى الله تعالى والانكسار له، والإطراح بين يديه على عتبة عبوديته. لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علما، ولا أعرف بمعاني القرآن والحديث والسّنّة وحقائق الإيمان منه، وليس هو بالمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله. وقد امتحن وأوذي مرّات، وحبس مع الشيخ تقي الدّين في المرّة الأخيرة بالقلعة منفردا عنه، ولم يفرج عنه إلّا بعد موت الشيخ. وكان في مدة حبسه مشتغلا بتلاوة القرآن وبالتدبّر والتفكّر، ففتح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلّط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف والخوض في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك. وحجّ مرّات كثيرة، وجاور بمكّة، وكان أهل مكّة يذكرون عنه من شدّة العبادة، وكثرة الطّواف أمرا يتعجّب منه، ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه «قصيدته النّونية» الطويلة في السّنّة [١] ، وأشياء من تصانيفه، وغيرها. وأخذ عنه العلم خلق كثير، من حياة شيخه وإلى أن مات، وانتفعوا به. وكان الفضلاء يعظّمونه ويسلّمون له، كابن عبد الهادي وغيره. وقال القاضي برهان الدّين الزّرعي عنه: ما تحت أديم السّماء أوسع علما منه. ودرّس بالصّدرية، وأمّ بالجوزية مدّة طويلة. وكتب بخطّه ما لا يوصف كثرة.

стр. 3887

وصنّف تصانيف كثيرة جدا في أنواع العلوم. وكان شديد المحبّة للعلم، وكتابته، ومطالعته، وتصنيفه، واقتناء كتبه. واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره. فمن تصانيفه كتاب «تهذيب سنن أبي داود، وإيضاح مشكلاته، والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة» مجلد [١] ، كتاب «سفر الهجرتين وباب السعادتين» مجلد ضخم، كتاب «مراحل السائرين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين» مجلدان، وهو شرح «منازل السائرين» لشيخ الإسلام الأنصاري، كتاب جليل القدر، كتاب «عقد محكم الاحقاء بين الكلم الطيّب والعمل الصّالح المرفوع إلى ربّ السماء» مجلد ضخم. كتاب «شرح أسماء الكتاب العزيز» مجلد، كتاب «زاد المسافرين إلى منازل السعداء في هدي خاتم الأنبياء» مجلد، كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» أربع مجلدات وهو كتاب عظيم جدا [٢] ، كتاب «جلاء [٣] الأفهام في ذكر الصّلاة والسلام على خير الأنام وبيان أحاديثها وعللها» مجلد [٤] ، كتاب «بيان الدّليل على استغناء المسابقة عن التحليل» مجلد، كتاب «نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول» مجلد، كتاب «أعلام الموقعين عن ربّ العالمين» ثلاث مجلدات، كتاب «بدائع الفوائد» مجلدان،

стр. 3888

«الشافية الكافية في الانتصار للفرقة النّاجية» ، وهي القصيدة النّونية في السّنّة مجلد [١] ، كتاب «الصّواعق المرسلة على الجهمية والمعطّلة» مجلدان، كتاب «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» وهو كتاب صفة الجنّة مجلد [٢] ، وكتاب «نزهة المشتاقين وروضة المحبين» مجلد [٣] ، كتاب «الدّاء والدّواء» مجلد [٤] ، كتاب «تحفة المودود في أحكام المولود» مجلد لطيف [٥] ، كتاب «مفتاح دار السعادة» مجلد ضخم، كتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية» مجلد، كتاب «مصايد الشيطان» مجلد، كتاب «الطّرق الحكمية» مجلد، «رفع اليدين في الصلاة» مجلد، «نكاح المحرم» مجلد، «تفضيل مكّة على المدينة» مجلد، «فضل العلم» مجلد، كتاب «عدة الصّابرين» مجلد، كتاب «الكبائر» مجلد، حكم تارك الصّلاة مجلد، «نور المؤمن وحياته» مجلد، «حكم إغمام هلال رمضان» مجلد، «التحرير فيما يحلّ ويحرم من لباس الحرير» مجلد، «إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان» مجلد، «إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان» مجلد، «جوابات عابدي الصّلبان وأن ما هم عليه دين الشيطان» مجلد، «بطلان الكيمياء من أربعين وجها» مجلد، «الرّوح» مجلد، «الفرق بين الخلة والمحبة ومناظرة الخليل لقومه» مجلد، «الكلم [٦] الطيب والعمل الصالح» مجلد لطيف، «الفتح

стр. 3889

القدسي والتحفة المكية» ، كتاب «أمثال القرآن» ، «شرح الأسماء الحسنى» ، «أيمان القرآن» ، «المسائل الطرابلسية» مجلدان، «الصراط المستقيم في أحكام أهل الجحيم» مجلدان، كتاب «الطاعون» مجلد لطيف. وغير ذلك. توفي- ﵀ وقت العشاء الآخرة ثالث عشر رجب، وصلّي عليه من الغد بالجامع الأموي عقيب الظهر، ثم بجامع جرّاح، ودفن بمقبرة الباب الصّغير. وكان قد رأى قبل موته بمدة الشيخ تقي الدّين [١]﵀ في النوم وسأله عن منزلته، فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر، ثم قال له: وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أنت الآن في طبقة ابن خزيمة، ﵀. وفيها فخر الدّين أبو الفضائل وأبو المعالي محمد بن علي بن إبراهيم بن عبد الكريم، الإمام العلّامة، فقيه الشام وشيخها ومفتيها، ابن الكاتب، المصري الأصل، الدمشقي الشافعي، المعروف بالفخر المصري [٢] . ولد بالقاهرة سنة اثنتين، وقيل: إحدى وتسعين وستمائة، وأخرج إلى دمشق وهو صغير، وسمع الحديث بها وبغيرها، وتفقّه على الفزاري، وابن الوكيل، وابن الزّملكاني، وتخرّج به في فنون العلم، وأذن له في الإفتاء في سنة خمس عشرة، وأخذ الأصول عن الصّفي الهندي، والنحو عن مجد الدّين التّونسي، وأبي حيّان، وغيرهما. والمنطق عن الرّضي المنطيقي، والعلاء القونوي. وحفظ كتبا كثيرة، وحفظ «مختصر ابن الحاجب» في تسعة عشر يوما. وكان يحفظ في «المنتقى» كل يوم خمسمائة سطر. وناب في القضاء عن القزويني والقونوي، ثم ترك ذلك، وتفرّغ للعلم، وتصدّر للاشتغال والفتوى، وصار هو الإمام المشار إليه والمعوّل في

стр. 3890

الفتوى عليه. وحجّ مرارا، وجاور في بعضها، وتعانى التجارة، وحصّل منها نعما طائلة، وحصلت له نكبة في آخر أيام تنكز، وصودر، وأخرجت عنه العادلية الصّغرى، والرّواحية. ثم بعد موت تنكز استعادهما. ذكره الذهبي في «المعجم المختص» فقال: تفقّه وبرع، وطلب الحديث بنفسه، ومحاسنه جمّة. وكان من أذكياء زمانه. وقال الصلاح الكتبي: أعجوبة الزّمان. كان ابن الزّملكاني معجبا به وبذهنه الوقّاد، يشير إليه في المحافل، وينوّه بذكره، ويثني عليه. توفي في ذي القعدة، ودفن بمقابر باب الصغير قبلي قبّة القلندرية. وفيها، بل في التي قبلها، يحيى بن محمد بن أحمد بن سعيد الحارثي الكوفي النّحوي [١] . قال في «الدّرر» : ولد في شعبان سنة ثمان وسبعمائة، واشتغل بالكوفة، وبغداد، وصنّف «مفتاح الألباب» في النّحو، وقدم دمشق ومات بالكوفة.

стр. 3891

سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة فيها توفي أبو العتيق أبو بكر بن أحمد بن دمسين اليمني [١] . قال الخزرجي في «تاريخ اليمن» : كان فقيها، نبيها، عالما، عارفا بالفقه وأصوله، والنحو واللغة، والحديث والتفسير. ورعا، زاهدا، صالحا، عابدا، متواضعا، حسن السيرة، قانعا باليسير، كثير الصّيام والقيام، وجيها عند الخاص والعام، يحبّ الخلوة والانفراد. تفقه، وجمع، وانتشر ذكره، وله كرامات، مات بزبيد. وفيها عماد الدّين أبو العبّاس أحمد بن عبد الهادي [ابن عبد الحميد بن عبد الهادي] [٢] بن يوسف بن محمد بن قدامة الصّالحي الحنبلي المقرئ [٣] ، ولد الحافظ شمس الدّين المتقدم ذكره. سمع من الفخر بن البخاري، والشيخ شمس الدّين بن أبي عمر، وغيرهما. وسمع منه ابن رافع، والحسيني. وجمع، وتوفي في رابع صفر. وفيها أبو الحسن علي بن أبي سعيد [عثمان] بن يعقوب المرّيني [٤] صاحب مراكش وفاس.

стр. 3892

وفيها سراج الدّين أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن فتّوح الدّمنهوري [١] . قال الحافظ أبو الفضل العراقي: برع في النحو، والقراءات، والحديث، والفقه. وكان جامعا للعلوم. أخذ العربية عن الشّرف الشّاذلي، والقراءات عن التّقي الصّايغ، والأصول عن العلاء القونوي. والمعاني عن الجلال القزويني. والفقه عن النّور البكري. وسمع من الحجّار، والشّريف الموسوي. ودرّس وأفتى، وحدّث عنه أبو اليمن الطّبري. وقال الفارسي: توفي يوم الثلاثاء ثالث عشري ربيع الأول ومولده بعد ثمانين وستمائة. وفيها بهاء الدّين أبو المعالي وأبو عبد الله محمد بن علي بن سعيد بن سالم الأنصاري الدمشقي الشافعي، المعروف بابن إمام المشهد [٢] محتسب دمشق. ولد في ذي الحجّة سنة ست وتسعين وستمائة، وسمع بدمشق، ومصر، وغيرهما. وكتب الطّباق بخطّه الحسن، وتلا بالسبع على الكفري وجماعة. وتفقّه على المشايخ برهان الدّين الفزاري، وابن الزّملكاني، وابن قاضي شهبة، وغيرهم. وأخذ النحو عن التونسي والقحفازي، وبرع في الحديث، والقراءات، والعربية، والفقه وأصوله. وأفتى، وناظر، ودرّس بعدة مدارس، وخطب بجامع التّوبة. وولي الحسبة ثلاث مرّات.

стр. 3893

ذكره الذهبي في «المختص» ، وقال ابن رافع: جمع مجلدات على «التمييز» للبارزي، وكتابا في «أحاديث الأحكام» في أربع مجلدات وناولني إيّاه. وتوفي في شهر رمضان، ودفن بمقبرة باب الصغير. وفيها تاج الدّين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن يوسف بن حامد المرّاكشي المصري الشافعي [١] . ولد سنة إحدى، وقيل: ثلاث وسبعمائة، واشتغل بالقاهرة على العلاء القونوي وغيره من مشايخ العصر، وأخذ النحو عن أبي حيّان. وتفنّن في العلوم. وسمع بالقاهرة ودمشق من جماعة، وأعاد بقبّة الشافعي. وكان ضيّق الخلق، لا يحابي أحدا ولا يتحاشاه، فآذاه لذلك القاضي جلال الدّين القزويني أول دخوله القاهرة فلم يرجع، فشاور عليه السلطان، فرسم بإخراجه من القاهرة إلى الشّام مرسما عليه، فأقام بها. ودرّس بالمسرورية مدّة يسيرة، ثم أعرض عنها تزهّدا. قال الإسنويّ: حصّل علوما عديدة، أكثرها بالسّماع، لأنه كان ضعيف النّظر مقاربا للعمى. وكان ذكيا غير أنه كان عجولا محتقرا للناس، كثير الوقيعة فيهم. ولما قدم دمشق أقبل على الاشتغال والإشغال، وسماع الحديث، والتّلاوة، والنّظر في العلوم إلى الموت. وقال السّبكي: كان فقيها، نحويا، مفتيا، مواظبا على طلب العلم جميع نهاره وغالب ليله، يستفرغ فيه قواه ويدع من أجله طعامه وشرابه. وكان ضريرا، ولا نراه يفتر عن الطلب إلّا إذا لم يجد من يطالع له. توفي فجاءة في جمادى الآخرة.

стр. 3894

سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فيها على ما قاله في «ذيل الدّول» [١] قبض السلطان على الوزير علم الدّين بن زنبور، وصودر بعد الضّرب والعذاب، فكان المأخوذ منه من النّقد ما ينيف على ألفي ألف دينار، ومن أواني الذّهب والفضّة نحو ستين قنطارا، ومن اللؤلؤ نحو إردبّين، ومن الحياصات الذهب ستة آلاف، ومن القماش المفصّل نحو ألفين وستمائة قطعة، وخمسة وعشرين معصرة سكّر، ومائتي بستان، وألف وأربعمائة ساقية. ومن الخيل والبغال ألف. ومن الجواري سبعمائة، ومن العبيد مائة، ومن الطّواشية سبعين [٢] ، إلى غير ذلك. وفي صفر كان الحريق العظيم بباب جيرون. وفيها توفي أمير المؤمنين أبو العبّاس الحاكم بأمر الله أحمد بن المستكفي العبّاسي [٣] . كان أبوه لما مات بقوص عهد إليه بالخلافة، فقدم الملك النّاصر عليه إبراهيم ابن عمّه لما كان في نفسه من المستكفي، وكانت سيرة إبراهيم قبيحة، وكان القاضي عزّ الدّين بن جماعة قد جهد كل الجهد في صرف السلطان عنه فلم

стр. 3895

يفعل، فلما حضرته الوفاة أوصى الأمراء بردّ الأمر إلى ولي عهد المستكفي ولده أحمد، فلما تسلطن المنصور عقد مجلسا وقال: من يستحق الخلافة؟ فاتفقوا على أحمد هذا، فخلع إبراهيم، وبايع أحمد، وبايعه القضاة، ولقّب الحاكم بأمر الله لقب جدّه. قال ابن فضل الله في «المسالك» : هو إمام عصرنا، وغمام مصرنا، قام على غيظ العدى وغرق بفيض النّدى، صارت له الأمور إلى مصائرها، وسيقت إليه مصائرها، فأحيا رسوم الخلافة، ورسم بما لم يستطع أحد خلافه، وسلك مناهج آبائه. وقد طمست، وأحياها بمناهج أبنائه وقد درست، وجمع شمل بني أبيه وقد طال بهم الشّتات، وأطال عذرهم وقد اختلفت السيآت، ورفع اسمه على ذرى المنابر وقد غبر مدة لا تطلع إلّا في أفاقه تلك النّجوم ولا تسحّ إلّا من سحبه تلك الغيوم والسّجوم، طلب بعد موت السّلطان وأنفذ حكم وصيته في تمام مبايعته والتزام متابعته. وكان أبوه قد أحكم له بالعقد المتقدم عقدها وحفظ له عند ذوي الأمانة عهدها. وذكر الشيخ زين الدّين العراقي: أن الحاكم هذا سمع الحديث على بعض المتأخرين، وأنه حدث. مات في الطّاعون في نصف السنة بمصر ودفن بها. وفيها أبو علي حسين بن يوسف بن يحيى ابن أحمد الحسيني السّبتي [١] نزيل تلمسان. قال في «تاريخ غرناطة» : كان [شريفا] ظريفا، شاعرا، أديبا، لوذعيّا، مهذّبا، له معرفة بالعربية، ومشاركة في الأصول والفروع، حجّ، ودخل غرناطة، وولي القضاء ببلاد مختلفة، ثم قضاء الجماعة بتلمسان.

стр. 3896

ولد سنة ثلاث وستين وستمائة، ومات يوم الاثنين سابع عشر شوال. وفيها عضد الدّين عبد الرحمن بن أحمد ابن عبد الغفّار قاضي قضاة المشرق، وشيخ العلماء والشافعية بتلك البلاد الإيجي- بكسر الهمزة وإسكان التحتية ثم جيم- الشّيرازي [١] ، شارح «مختصر ابن الحاجب» وله المواقف. قال الإسنوي: كان إماما في علوم متعددة، محقّقا، مدقّقا، ذا تصانيف مشهورة، منها «شرح مختصر ابن الحاجب» و «المواقف والجواهر» وغيرها في علم الكلام. و «الفوائد الغياثية» في المعاني والبيان. وكان صاحب ثروة وجود وإكرام للوافدين عليه. تولى قضاء القضاة بمملكة أبي سعيد فحمدت سيرته. وقال السبكي: كان إماما في المعقولات، عارفا بالأصلين، والمعاني، والبيان، والنحو، مشاركا في الفقه، له في علم الكلام كتاب «المواقف» وغيره. وفي أصول الفقه «شرح المختصر» وفي المعاني والبيان «الفوائد الغياثية» . وكانت له سعادة مفرطة، ومال جزيل، وإنعام على طلبة العلم، وكلمة نافذة. مولده سنة ثمان وسبعمائة، وأنجب تلامذة، اشتهروا في الآفاق، مثل الشّمس الكرماني، والضّياء العفيفي، والسّعد التّفتازاني، وغيرهم. وقال التّفتازانيّ في الثناء عليه: لم يبق لنا سوى اقتفاء آثاره، والكشف عن خبيئات أسراره، بل الاجتناء من بحار ثماره، والاستضاءة بأنواره. توفي مسجونا بقلعة بقرب إيج [٢] غضب عليه صاحب كرمان فحبسه بها واستمر محبوسا إلى أن مات.

стр. 3897

وفيها أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن بليش العبدري الغرناطي النحوي [١] . قال في «تاريخ غرناطة» : كان فاضلا، منقبضا، متضلعا بالعربية، عاكفا عمره على تحقيق اللّغة. له في العربية باع مديد [٢] ، مشاركا في الطبّ أثرى من التكسب بالكتب. وسكن سبتة مدّة، ورجع وأقرّ بغرناطة. وكان قرأ على ابن الزّبير، ومات في رجب. وفيها شهاب الدّين يحيى بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن محمد القيسراني [٣] أحد الموقّعين. ولد سنة سبعمائة، وورد مع أبيه من حلب فباشر أبوه توقيع الدّست، وباشر هو كتابة الإنشاء، وكان حسن الخلق جدا، تامّ الخلق، متواضعا، متودّدا، صبورا على الأذى، كثير التّجمّل في ملبوسه وهيئته، حتّى كان ابن فضل الله يقول: المولى شهاب الدّين جمّل الديوان. وكان يكتب قلم الرّقاع، قويا إلى الغاية، ثم باشر توقيع الدّست بعد أبيه سنة ست وثلاثين، ثم ولي كتابة السّرّ في نيابة تنكز، ثم أمسك وصودر، فلزم بيته مدة، ثم نقل إلى القاهرة، فكتب بها الإنشاء سنة [٤] ، ما رأيت منه سوءا قطّ. وكان يتودد للصّالحين، ويكثر الصّوم والعبادة، ويصبر على الأذى، ولا يعامل صديقه وعدوه إلّا بالخير وطلاقة الوجه. مات بعلّة الاستسقاء بعد أن طال مرضه به في ثاني عشري رجب بدمشق، وصلّي عليه بالجامع الأموي بعد العصر.

стр. 3898

سنة أربع وخمسين وسبعمائة فيها كما قال ابن كثير [١] : كان في ترابلس [٢] بنت تسمى نفيسة، زوّجت بثلاثة أزواج ولا يقدرون عليها [يظنون أنها رتقاء] [٣] فلما بلغت خمس عشرة سنة، غار ثدياها، ثم جعل يخرج من محل الفرج شيء قليلا قليلا [٤] إلى أن برز منه ذكر قدر أصبع وأنثيان، وكتب ذلك في محاضر. وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد الخولاني، يعرف بابن الفخّار وبالإلبيري [٥] النحوي. قال في «تاريخ غرناطة» أستاذ الجماعة، وعلم الصّناعة، وسيبويه العصر، وآخر [٦] الطبقة من أهل هذا الفنّ. كان فاضلا، تقيا، منقبضا [٧] ، عاكفا على العلم، ملازما للتدريس، إمام الأئمة من غير مدافع، مبرّزا، منتشر الذكر، بعيد الصّيت، عظيم الشّهرة، متبحّر العلم [٨] ، يتفجّر بالعربية تفجّر البحر، ويسترسل استرسال القطر، قد خالطت

стр. 3899

لحمه ودمه، ولا يشكل عليه منها مشكل، ولا يعوزه توجيه، ولا تشذّ عنه حجّة. جدّد بالأندلس ما كان قد درس من العربية من لدن وفاة أبي عليّ الشّلوبين. وكانت له مشاركة في غير العربية، من قراءة [١] ، وفقه، وعروض، وتفسير. وقلّ في الأندلس من لم يأخذ عنه من الطلبة. وكان مفرط الطّول، نحيفا، سريع الخطو، قليل الالتفات والتعريج [٢] ، جامعا بين الحرص والقناعة. قرأ على أبي إسحاق الغافقي، ولازمه، وانتفع به وبغيره. مات بغرناطة ليلة الاثنين ثاني عشر رجب. وفيها صدر الدّين محمد ابن علي بن أبي الفتح بن أسعد بن المنجّى الحنبلي [٣] . حضر على زينب بنت مكّي [٤] ، وسمع من الشّرف بن عساكر، وعمر بن القوّاس، وجماعة. وسمع منه الذهبي، والحسيني، وابن رجب. وحجّ مرارا. وتوفي ليلة الاثنين ثاني عشر المحرم ودفن بسفح قاسيون. وفيها جمال الدّين أبو الحجّاج يوسف بن عبد الله بن العفيف محمد بن يوسف ابن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور المقدسي ثم الدمشقي [٥] الحنبلي الشيخ، الإمام، العالم، العامل، العابد، الحبر. ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة، وسمع «سنن ابن ماجة» من الحافظ ابن بدران النّابلسي، وسمع من التّقي سليمان وأبي بكر بن عبد الدائم، وعيسى

стр. 3900

المطعم، ووزيرة بنت المنجّى، وغيرهم. وسمع منه ابن كثير، والحسيني، وابن رجب. وكان من العلماء العبّاد الورعين، كثير التلاوة وقيام الليل، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ومحبّة الحديث والسّنّة. توفي في العشر الأوسط من جمادى الآخرة ودفن بقاسيون .

стр. 3901

سنة خمس وخمسين وسبعمائة فيها توفي شهاب الدّين أحمد بن عبد الرّحمن بن عبد الله الدمشقي القاضي الشافعي المعروف بالظّاهري [١] . مولده في شوال سنة ثمان وسبعين وستمائة. وسمع من جماعة، وتفقّه على الشيخ برهان الدّين الفزاري. وسمع منه البرزالي، والذهبي، وولده القاضي تقي الدّين. ودرّس بالأمجدية وغيرها. وأفتى، وولي قضاء الركب سنين كثيرة. وحجّ بضعا وثلاثين مرّة، وزار القدس أكثر من ستين مرة، وتوفي في شعبان ودفن بقاسيون. وفيها نجم الدّين أحمد بن قاضي القضاة عزّ الدّين محمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن أبي عمر المقدسي الصّالحي الحنبلي [٢] الخطيب بالجامع المظفّري. سمع من جدّه التّقي سليمان وغيره، وكان من فرسان الناس، وقلّ من كان مثله في سمته. توفي في رجب عن بضع وأربعين سنة.

стр. 3902

وفيها القاضي جمال الدّين أبو الطيّب الحسين بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمّام بن يوسف بن موسى بن تمّام الأنصاري الخزرجي السّبكي المصري ثم الدمشقي الشافعي [١] . ولد في رجب سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، وأحضره أبوه التّقي السّبكي على جماعة من المشايخ، وسمع «البخاري» على الحجّار لمّا ورد مصر، وتفقه على والده وعلى الزّنكلوني وغيره، وأخذ النّحو عن أبي حيّان، والأصول عن الأصفهاني، وقدم دمشق مع والده سنة تسع وثلاثين، ثم طلب الحديث بنفسه، فقرأ على المزّي، والذهبي، وغيرهما. ثم رجع إلى مصر، ثم عاد إلى الشام. وأفتى، وناظر، وناب عن والده في القضاء سنة خمس وأربعين، ودرّس بالشّامية البرّانية والعذراويّة، وغيرهما. قال ابن كثير: كان يحكم جيدا، نظيف العرض في ذلك، وأفتى وتصدّر، وكان لديه فضيلة. وقال أخوه في «الطبقات الكبرى» : كان من أذكياء العالم، وكان عجبا في استحضار «التسهيل» ودرّس بالأجر على «الحاوي الصغير» وكان عجبا في استحضاره، ومن شعره ملغزا ولعله في ريباس: يا أيّها البحر علما والغمام ندى ... ومن به أضحت الأيّام مفتخره أشكو إليك حبيبا قد كلفت به ... مورّد الخدّ سبحان الّذي فطره خمساه قد أصبحا في زيّ عارضه ... وفيه بأس شديد قلّ من قهره لا ريب فيه وفيه الرّيب أجمعه ... وفيه يبس ولين القامة النّضره وفيه كلّ الورى لمّا تصحّفه ... في ضيعة ببلاد الشّام مشتهره توفي في شهر رمضان قبل والده بسبعة أشهر، ودفن بتربتهم بقاسيون.

стр. 3903

وفيها زين الدّين أبو الحسن علي بن الحسين بن القاسم بن منصور بن علي الموصلي الشافعي، المعروف بابن شيخ العوينة [١] . كان جده الأعلى علي من الصّالحين، واحتفر عينا في مكان لم يعهد بالماء، فقيل له شيخ العوينة. ولد زين الدّين في رجب سنة إحدى وثمانين وستمائة، وقرأ القراءات على الشيخ عبد الله الواسطي الضّرير، وأخذ الشّاطبية عن الشيخ شمس الدّين بن الورّاق، وشرح «الحاوي» و «المختصر» ورحل إلى بغداد. وقرأ على جماعة من شيوخها. وسمع الحديث. وقدم دمشق وسمع بها من جماعة، ثم رجع إلى الموصل وصار من علمائها. وله تصانيف منها «شرح المفتاح» للسكّاكي، و «شرح مختصر ابن الحاجب» و «البديع لابن السّاعاتي» وغير ذلك. قال ابن حبيب: إمام، بحر علمه محيط، وظل دوحه بسيط، وألسنة معارفه ناطقة، وأفنان فنونه باسقة. كان بارعا في الفقه وأصوله، خبيرا بأبواب كلام العرب وفصوله، نظم كتاب «الحاوي» وشنّف سمع الناقل والرّاوي، وبينه وبين الشيخ صلاح الدّين الصّفدي مكاتبات. قال ابن حجر: وشعره أكثر انسجاما وأقل تكلفا من شعر الصّفدي. توفي بالموصل في شهر رمضان. وفيها سراج الدّين عمر بن عبد الرحمن بن الحسين بن يحيى بن عبد المحسن بن القبابي الحنبلي [٢] . سمع من عيسى المطعم وغيره، وكان مشهورا بالصّلاح، كريم النّفس، كبير

стр. 3904

القدر، جامعا بين العلم والعمل. اشتغل وانتفع بابن تيميّة، ولم ير على طريقه في الصّلاح مثله، وخرّج له الحسيني مشيخة، وحدّث بها ومات ببيت المقدس. وفيها ناصر الدّين خطيب الشّام محمد بن أحمد [بن أحمد] [١] بن نعمة بن أحمد بن جعفر النابلسي ثم الدمشقي الحنبلي [٢] . ولد سنة ثمانين وستمائة، وسمع على الفخر بن البخاري مشيخته، ومن «جامع الترمذي» . وكان أحد العدول بدمشق. توفي مستهل ربيع الآخر. وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن معالي بن إبراهيم بن زيد الأنصاري الخزرجي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن المهيني [٣] . سمع من ابن البخاري، ومن التّقي سليمان، وحدّث، وكان بشوش الوجه، حسن الشكل، كثير التّودد للناس، وفيه تساهل للدنيا، وصحب الشيخ تقي الدّين ابن تيمية. وتوفي في رابع شوال بدمشق ودفن بالباب الصغير. قاله العليمي.

стр. 3905

سنة ست وخمسين وسبعمائة في شهر ربيع الآخر منها أمطر [١] ببلاد الرّوم برد زنة الواحدة نحو رطل وثلثي رطل بالحلبي [٢] . وفيها توفي شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن يوسف بن محمد وقيل عبد الدائم، المعروف بابن السّمين، وقال السيوطي في «طبقات النّحاة» : ويعرف بالسمين الحلبي ثم المصري [٣] الشافعي النحوي المقرئ الفقيه العلّامة. قرأ النحو على أبي حيّان، والقراءات على ابن الصّايغ. وسمع وولي تصدير إقراء النحو بالجامع الطولوني، وأعاد بالشافعي، وناب في الحكم بالقاهرة، وولي نظر الأوقاف بها، ولازم أبا حيّان إلى أن فاق أقرانه، وسمع الحديث من يونس الدّبوسي، وله تفسير القرآن في نحو عشرين مجلدا و «إعراب القرآن» ألّفه في حياة شيخه أبي حيّان وناقشه فيه كثيرا، وشرح «التسهيل» وشرح «الشّاطبية» وغير ذلك. مات في جمادى الآخرة بالقاهرة. وفيها محيي الدّين أبو الرّبيع سليمان بن جعفر الإسنوي المصري الشافعي [٤] .

стр. 3906

ولد في أوائل سنة سبعمائة، وأفتى ودرّس، واشتغل، وأشغل. ذكره ابن أخته جمال الدّين الأسنوي في «طبقاته» وقال: كان فاضلا، مشاركا، في علوم [كثيرة] ، ماهرا في الجبر والمقابلة. صنّف «طبقات فقهاء الشافعية» ومات عنها وهي مسودة لا ينتفع بها. توفي في جمادى الآخرة ودفن بتربة الصّوفية خارج باب النّصر. وفيها قاضي القضاة فخر الدّين أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن ممدود التّميمي الشّيرازي الشّافعي [١] . قال ابن السّبكي: تفقه على والده، وقرأ التفسير على قطب الدّين الشعّار صاحب «التقريب على الكشاف» . وولي قضاء القضاة بفارس وهو ابن خمس عشرة سنة، وعزل بعد مدة بالقاضي ناصر الدّين البيضاوي، ثم أعيد بعد ستة أشهر، واستمر على القضاء خمسا وسبعين سنة. وكان مشهورا بالدّين والخير والمكارم، وله «شرح مختصر ابن الحاجب» و «مختصر في الكلام» ونظم كثير. توفي بشيراز في رجب. وفيها جمال الدّين عبد الله بن شمس الدّين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزّرعي الأصل الدمشقي الفقيه الحنبلي الفاضل، ابن ابن قيّم الجوزية [٢] . كان لديه علوم جيدة وذهن حاضر حاذق، وأفتى ودرّس، وناظر، وحجّ مرات. وكان أعجوبة زمانه. توفي يوم الأحد رابع عشر شعبان. وفيها الإمام تقي الدّين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن

стр. 3907

تمّام بن يوسف بن موسى بن تمّام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن مسور بن سوار بن سليم السّبكي [١] الشافعي المفسّر الحافظ الأصولي اللّغوي النّحوي المقرئ البياني الجدلي الخلافي، النظّار البارع، شيخ الإسلام، أوحد المجتهدين. قال السيوطي: ولد مستهلّ صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وقرأ القرآن [٢] على التّقي بن الصّايغ، والتفسير على العلم العراقي، والفقه على ابن الرّفعة، والأصول على العلاء الباجي، والنحو على أبي حيّان، والحديث على الشّرف الدّمياطي. ورحل وسمع من ابن الصوّاف، والموازيني، وأجاز له الرّشيد بن أبي القاسم وإسماعيل بن الطبّال وخلق يجمعهم «معجمه» الذي خرّجه له ابن أيبك. وبرع في الفنون، وتخرّج به خلق في أنواع العلوم. [وناظر] وأقرّ له الفضلاء، وولي قضاء الشام بعد الجلال القزويني، فباشره بعفّة ونزاهة، غير ملتفت إلى الأكابر والملوك، ولم يعارضه أحد من نوّاب الشام إلّا قصمه الله [تعالى] . وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية، والشّامية البرّانية، والمسرورية، وغيرها. وكان محقّقا، مدقّقا، نظّارا، له في الفقه وغيره الاستنباطات الجليلة والدقائق والقواعد المحرّرة التي لم يسبق إليها. وكان منصفا في البحث على قدم من الصّلاح والعفاف. وصنّف نحو مائة وخمسين كتابا مطوّلا ومختصرا، المختصر منها [لا بد وأن]

стр. 3908

يشتمل على ما لا يوجد في غيره، من تحرير وتدقيق وقاعدة واستنباط [١] ، منها «تفسير القرآن» و «شرح المنهاج» في الفقه. ومن نظمه: إنّ الولاية ليس فيها راحة ... إلا ثلاث يبتغيها العاقل حكم بحقّ أو إزالة باطل ... أو نفع محتاج سواها باطل وله: قلبي ملكت فما له ... مرمى لواش أو رقيب قد حزت من أعشاره ... سهم المعلّى والرّقيب يحييه قربك إن منن ... ت به ولو مقدار قيب [٢] يا متلفي ببعاده ... عنّي أما لك من رقيب [٣] ؟ وأنجب أولادا كراما أعلاما. وتوفي بمصر بعد أن قدم إليها، وسأل أن يولّى القضاء مكانه ولده تاج الدّين فأجيب إلى ذلك. وفيها شمس الدّين محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن بركات بن سعد بن بركات بن سعد بن كامل بن عبد الله بن عمر، من ذرية عبادة بن الصّامت، ﵁، الشيخ الكبير المسند المعمّر المكثر، المعروف بابن الخبّاز الحنبلي [٤] . ولد في رجب سنة تسع وستين وستمائة، وحضر الكثير على ابن عبد الدائم وغيره، وسمع من المسلم بن علّان «المسند» [٥] بكماله. وأجازه عمر الكرماني،

стр. 3909

والشيخ محيي الدّين النّووي، وخرّج له البرزالي مشيخة، وذكر له أكثر من مائة وخمسين شيخا. وسمع منه المزّيّ، والذّهبي، والسّبكي، وابن جماعة، وابن رافع، وابن كثير، والحسيني، والمقرئ وابن رجب، وابن العراقي، وغيرهم. وكان رجلا، جيدا، صدوقا، مأمونا، صبورا على الإسماع، محبا للحديث وأهله، مع كونه يكتب بيده في حال السماع. وحدّث مع أبيه وعمره عشرون سنة. وتوفي يوم الجمعة ثالث رمضان بدمشق عن سبع وثمانين سنة وشهرين، ودفن بباب الصغير. وفيها بدر الدّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الغني بن عبد الله بن أبي نصر، المعروف بابن البطائنيّ [١] الحنبلي، الشيخ العدل الأصيل. ولد في رمضان سنة ثمان وسبعين وستمائة، وسمع من ابن سنان، وابن البخاري، والشّرف بن عساكر. وسمع منه جماعة، منهم المقرئ ابن رجب، والحسينيّ. وباشر نيابة الحسبة بالشام. وتولى قضاء الرّكب الشامي، وتكسّب بالشهادة. وتوفي يوم الجمعة سادس رجب، ودفن بسفح قاسيون.

стр. 3910

سنة سبع وخمسين وسبعمائة وقع فيها في جمادى الآخرة حريق بدمشق ظاهر باب الفرج لم يعهد مثله، بحيث كانت عدة الحوانيت المحرقة سبعمائة سوى البيوت [١] . وفيها توفي كمال الدّين أبو العبّاس أحمد بن عمر بن أحمد [بن أحمد] [٢] بن مهدي، الإمام العالم الورع المصري الشافعي النّشائي [٣]- بالنون والمعجمة مخففا، نسبة إلى نشا قرية بريف مصر-. ولد في ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وستمائة، وسمع من الحفّاظ الدّمياطي، ورضي الدّين الطبري، وجماعة. واشتغل على والده وغيره من مشايخ العصر، ودرس بجامع الخطيري [٤] وخطب به، وأمّ أول ما بني، وأعاد بالظّاهرية والصّالحية، وغيرها. وصنّف التصانيف المفيدة الجامعة المحرّرة، منها «المنتقى» في خمس مجلدات، و «جامع المختصرات» وشرحه في ثلاث مجلدات. و «نكت التنبيه» وهو كتاب مفيد، و «الإبريز في الجمع بين الحاوي والوجيز» و «كشف غطاء الحاوي» و «مختصر سلاح المؤمن» وكلامه في مصنّفاته قويّ مختصر جدا. وفي فهمه عسر، فلذلك أحجم كثير من الناس عن مصنّفاته. وسمع منه، وحدّث عنه زين الدّين العراقي، وابن رجب الحنبلي.

стр. 3911

وذكره رفيقه الإسنويّ فقال: كان إماما، حافظا للمذهب، كريما متصوفا، طارحا للتكلّف، وفي أخلاقه حدّة كوالده. توفي في صفر ودفن بالقرافة الصّغرى. وفيها سلطان بغداد حسن بن أقبغا بن إيلكان بن خربندا بن أرغون بن هلاكو المغلي [١] ، ويعرف بحسن الكبير تمييزا له عن حسن بن تمرتاش [٢] . وكان حسن الكبير، ذا سياسة حسنة، وقيام بالملك أحسن قيام، وفي ولايته وقع ببغداد الغلاء المفرط، حتى بيع الخبز بصنج الدّراهم، ونزح الناس عن بغداد، ثم نشر العدل، إلى أن تراجع الناس إليها، وكانوا يسمّونه الشيخ حسن لعدله. قال في «الدّرر» : وفي سنة تسع وأربعين توجه إلى تستر ليأخذ من أهلها قطيعة قرّرها عليهم فأخذها وعاد، فوجد نوابه في بغداد في رواق الغزر [٣] ببغداد ثلاث قدور مثل قدور الهريسة، مملوءة ذهبا مصريا وصوريا ويوسفيا، وغير ذلك، فيقال: جاء وزن ذلك أربعين قنطارا بالبغدادي. ولما توفي قام ابنه أويس مقامه. وفيها جمال الدّين عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبّاس بن حامد بن خلف، المعروف بابن النّاصح، وهو لقب عبد الرحمن الحنبلي [٤] . سمع على الفخر ابن البخاري، وحدّث. وكان رجلا، صالحا، مباركا، يتعانى التجارة، ثم ترك ذلك ولازم الجامع نحو الستين سنة. توفي في ذي القعدة.

стр. 3912

وفيها السيد شرف الدّين أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن محمد الحسيني الأرموي المصري الشافعي، المعروف بابن قاضي العسكر [١] . مولده سنة إحدى وتسعين وستمائة، وسمع من جماعة، واشتغل بالفقه والأصول والعربية، وأفتى، ودرّس بمشهد الحسين، والفخرية، والطيبرسية. وولي نقابة الأشراف والحسبة، ووكالة بيت المال، وحدّث، وسمع منه جماعة. قال ابن رافع: كان من أذكياء العالم، كثير المروءة، أديبا بارعا. وقال ابن السبكي: كان رجلا، فاضلا، ممدحا، أديبا، هو والشيخ جمال الدّين بن نباتة، والقاضي شهاب الدّين بن فضل الله، أدباء العصر، إلّا أن ابن نباتة، وابن فضل الله يزيدان عليه بالشعر، فإنه لم يكن له فيه يد، وأما في النثر فكان أستاذا ماهرا، مع معرفته بالفقه والأصول والنحو. توفي بالقاهرة في جمادى الآخرة.

стр. 3913

سنة ثمان وخمسين وسبعمائة فيها وثب مملوك يقال له: آي قجا من مماليك السلطان علي شيخو الناصريّ وكان شيخو هذا تقدم في أيام المظفّر واستقرّ في أول دولة الناصر حسن من رؤوس أهل المشورة، ثم كاتب القصص، إلى أن صار زمام الملك بيده وعظم شأنه في سنة إحدى وخمسين. كتب له بنيابة طرابلس وهو في الصّيد، فساروا به إلى دمشق، فوصل أمر بإمساكه، فأمسك وأرسل إلى الاسكندرية، فسجن بها، فلما استقرّ الصّالح أفرج عنه في رجب سنة اثنتين وخمسين، واستقرّ على عادته أولا، وكثر دخله حتّى قيل: إنه كان يدخل له من إقطاعه وأملاكه ومستأجراته في كل يوم مائتا ألف، ولم يسمع بمثل ذلك في الدولة التركية، ولما وثب عليه المملوك وجرحه بالسيف في وجهه وفي يده اضطرب الناس، فمات من الزّحام عدد كثير، وأمسك المملوك، فقال: ما أمرني أحد بضربه ولكني قدمت له قصّة فما قضى حاجتي، فطيف بالمملوك، وقتل، وقطبت جراحات شيخو، فأقام نحو ثلاثة أيام والناس تعوده، السلطان فمن دونه، ثم مات في سادس عشر ذي القعدة وترك من الأموال ما لا يحصى. وفيها توفي شهاب الدّين أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد المحسن المصري العسجدي [١] . ولد في رمضان سنة ست وثمانين وستمائة، وطلب الحديث وهو كبير،

стр. 3914

فسمع من النّور البعلي، والدّبوسي، والواني، وغيرهم، وأكثر جدا. وكتب الطّباق، وأسمع أولاده، وكان أديبا، متواضعا، فاضلا، متدينا، يعرف أسماء الكتب ومصنّفيها، وطبقات الأعيان ووفياتهم، وولي تدريس الحديث بالمنصورية والفخرية وغيرهما. قال ابن حبيب: كان عالما، بارعا، مفيدا، مسارعا إلى الخير. ومن شعره: ولعي بشمعته وضوء جبينه ... مثل الهلال على قضيب مائس في خدّه مثل الذي في كفّه ... فاعجب لماء فيه جذوة قابس وفيها أرغون الصّغيّر الكاملي [١] نائب حلب. كان أحد مماليك الصّالح إسماعيل. رباه وهو صغير السّنّ حتّى صيّره أميرا، وزوّجه أخته لأمّه هي بنت أرغون العلائي. وكان جميلا جدا. قال الصفدي لما تزوّج خرج وعليه قباء مطرّز فبهر الناس بحسنه. ولما ولي الكامل حظي عنده، وكان يدعى أرغون الصّغيّر فصار يدعى أرغون الكاملي، ثم ولّاه النّاصر حسن نيابة حلب، فباشرها مباشرة حسنة، وخافه التّركمان والعرب، ثم ولي نيابة دمشق في أول دولة الصّالح صالح ثم اعتقل بالإسكندرية، ثم أفرج عنه، وأقام بالقدس بطّالا، وعمر له فيها تربة حسنة، ومات بها في شوال. وفيها قوام الدّين أمير، كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي أبو حنيفة الإتقاني الحنفي [٢] .

стр. 3915

قال السيوطي [وقيل:] : اسمه لطف الله. قال ابن حبيب: كان رأسا في مذهب أبي حنيفة، بارعا في اللّغة والعربية. وقال ابن كثير: ولد بإتقان في ليلة السبت تاسع عشر شوال سنة خمس وثمانين وستمائة، واشتغل ببلاده، ومهر، وقدم دمشق سنة عشرين وسبعمائة، ودرّس وناظر، وظهرت فضائله. وقال ابن حجر: ودخل مصر، ثم رجع فدخل بغداد، وولي قضاءها، ثم قدم دمشق ثانيا، وولي بها تدريس دار الحديث الظّاهرية بعد وفاة الذّهبي، وتكلّم في رفع اليدين في الصّلاة، وادّعى بطلان الصّلاة به، وصنّف فيه مصنّفا، فردّ عليه الشيخ تقي الدّين السّبكي وغيره، ثم دخل مصر فأقبل عليه صرغتمش وعظم عنده جدا، وجعله شيخ مدرسته التي بناها، وذلك في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين، فاختار لحضور الدرس طالعا، فحضر والقمر في السّنبلة والزّهرة في الأوج، وأقبل عليه صرغتمش إقبالا عظيما، وقدّر أنه لم يعش بعد ذلك سوى سنة وشيء، وكان شديد التعظيم [١] لنفسه [٢] ، متعصبا جدا، معاديا للشافعيّة، يتمنى تلفهم [٣] واجتهد في ذلك بالشام، فما أفاد، وأمر صرغتمش أن يقصر مدرسته على الحنفية. وشرح «الهداية» وحدّث ب «الموطأ» رواية محمد بن الحسن [٤] بإسناد نازل جدا. وذاكر [٥] القاضي عزّ الدّين ابن جماعة أن بينه وبين الزّمخشري اثنين، فأنكر ذلك، وقال: أنا أسنّ منك، وبيني وبينه أربعة أو خمسة. وكان أحد الدّهاة. وأخذ عنه الشيخ محبّ الدّين بن الوحديّة.

стр. 3916

ومات في حادي عشر شوال. انتهى ما ذكره السيوطي في «طبقات النّحاة» . وفيها أحمد بن مظفّر بن أبي محمد بن مظفّر بن بدر بن الحسن بن مفرّج بن بكّار بن النابلسي، سبط الزّين خالد أبو العبّاس [١] . كان حافظا، مفيدا، حجّة، ذا صلاح ظاهر، لكنه عن الناس نافر. قاله ابن ناصر الدّين [٢] . وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد الولي بن جبارة المقدسي ثم الصالحي المرداوي الحنبلي المعمّر المسند المعروف بالحريري [٣] . مولده سنة ثلاث وستين وستمائة، وسمع من الكرماني، وابن البخاري، وخلق. وأجاز له أحمد بن عبد الدائم، والنّجيب عبد اللطيف. قال الحسيني: وهو آخر من حدّث بالإجازة عنهم في الدّنيا، وسمع منه الذهبي، والبرزالي، والحسيني، وطائفة. وضعف بصره، وهو كثير التّلاوة والذّكر. توفي في ثالث عشر رمضان ببستان الأعسر، وصلّي عليه بجامع المظفّري، ودفن بالسفح بمقبرة المرادوة. وفيها شرف الدّين أبو سليمان داود بن محمد بن عبد الله المرداوي [٤] الحنبلي الشيخ الإمام الصّالح، أخو قاضي القضاة جمال الدّين المرداوي.

стр. 3917

سمع الكثير متأخرا على التّقي سليمان، وأجاز له جماعة، منهم ابن البخاري وغيره. وتوفي في رمضان ودفن بسفح قاسيون. وفيها تاج الدّين محمد ابن أحمد بن رمضان بن عبد الله الجزيريّ ثم الدمشقيّ الحنبليّ [١] . سمع من الشيخ شمس الدّين بن أبي عمر، وابن عساكر، وابن الفرّاء، وأجاز له الصّيرفي، وابن الصّابوني، وابن البخاري، وابن الكمال، وخلق. وخرّج له ابن سعد «مشيخة» سمعها عليه جماعة، منهم الحسيني، وابن رجب. توفي مستهل رمضان وصلّي عليه بالأموي، ودفن بسفح قاسيون. وفيها مريم ستّ القضاة [٢] بنت الشيخ عبد الرحمن بن أحمد ابن عبد الرحمن [٣] الحنبلية، الشيخة الصّالحة، المسندة، من أصحاب الشيخ المسند أبي الفضل أحمد بن هبة الله بن عساكر. ولدت عام أحد أو اثنين وتسعين وستمائة، وروت عن خلق، وحدّثت وأجازت لولدها شمس الدّين بن عبد القادر النابلسي، ويأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وتوفيت في المحرّم. وفيها بهاء الدّين عمر بن محمد بن أحمد بن منصور الهندي [٤] الحنفي نزيل مكّة. قال الفاسي: كان عالما بالفقه والأصول والعربية مع حلم وأدب، وعقل راجح، وحسن خلق. جاور بالمدينة، وحجّ فسقط إلى الأرض فيبست أعضاؤه

стр. 3918

وبطلت حركته، وحمل إلى مكّة، وتأخر عن الحجّ ولم يقم إلّا قليلا ومات. وفيها محبّ الدّين أبو الثناء محمود بن علي بن إسماعيل بن يوسف التّبريزي القونوي الأصل المصري الشافعي [١] . ولد بمصر سنة تسع عشرة وسبعمائة، وتوفي والده وهو صغير، فاشتغل وأخذ عن مشايخ العصر، ودرّس وأفتى وصنّف. ذكره رفيقه الإسنوي في «طبقاته» وبالغ في المدح له والثناء عليه، وشرع في تصنيف أشياء عاقه عن إكمالها انخرام الأمنية وانختام المنية [٢] . وكمل «شرح المختصر» [٣] في جزءين، وهو من أحسن شروحه. توفي في ربيع الآخر.

стр. 3919

سنة تسع وخمسين وسبعمائة فيها توفي أبو الغيث بن عبد الله بن راشد السّكوني الكندي الحضرمي [١] . قال الخزرجي: كان فقيها، بارعا، محقّقا، عارفا بالفقه والنحو واللغة والمعاني والبيان والعروض والقوافي، أخذ عن جماعة من أهل زبيد، وولي القضاء بها وتدريس العفيفية، ثم نقله المجاهد إلى تعز لتدريس مدرسته فاستمر بها إلى أن مات. وفيها الحسين بن علي بن أبي بكر بن محمد بن أبي الخير الموصلي الحنبلي [٢] . قدم الشام، وكان شيخا طوالا، ذكيا، له قدرة على نظم الألغاز، وكتابته جيدة. وكان يذكر أنه سمع «جامع الأصول» ودرّس. وتوفي في خامس عشر رمضان، وهو والد الشيخ عزّ الدّين الموصلي. وفيها علاء الدّين علي بن عبد الرحمن بن الحسين الخطيب بن الخطيب العثماني الصّفدي الشافعي [٣] . ناب في الحكم بصفد، وخطب بها ودرّس، وقام بالفتوى بعد ابن الرسام، وله مختصر في الفقه سماه «النافع» .

стр. 3920

توفي بصفد عقب وصوله من الحجّ وهو أخو القاضي شمس الدّين العثماني قاضي صفد، وصاحب «طبقات الفقهاء» المحشوة بالأوهام، و «تاريخ صفد» وغيرهما. قاله ابن قاضي شهبة. وفيها شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن إسماعيل المعروف بالحفّة- بمهملة وفاء وقد يصغر فيقال حفيفة- الحنبلي [١] الشيخ الصّالح المقرئ الملقن المعمّر. سمع من ابن البخاري «مشيخته» ، وحدّث وسمع منه ابن رجب، والعراقي، وطائفة. وكان يقرئ بالجامع المظفّري، وقرأ عليه جماعة مستكثرة. توفي ليلة الثلاثاء عاشر ربيع الأول بالصّالحية ودفن بسفح قاسيون. وفيها شمس الدّين محمد بن أحمد بن الحسن بن عبد الله بن عبد الواحد المقدسي الأصل ثم الدمشقي [٢] الحنبلي الشيخ الإمام. كان إماما بمحراب الحنابلة بجامع دمشق، وحضر على ابن البخاري «المسند» وسمع من جدّه لأمّه الشيخ تقي الدين الواسطي، وابن عساكر، وغيرهما. وحدّث، وسمع منه الحسيني، وابن رجب. توفي يوم السبت سابع عشر شعبان بسفح قاسيون ودفن به. وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عثمان بن موسى الآمدي ثم المكّي الحنبلي [٣] . إمام مقام الحنابلة بمكّة- شرّفها الله تعالى- ولي الإمامة بعد وفاة والده، فباشرها أحسن مباشرة، واستمرّ نحو ثلاثين سنة، وسمع الحديث من والده وغيره.

стр. 3921

وفيها شمس الدّين محمد بن يحيى بن محمد بن سعد [١] بن عبد الله بن سعد بن مفلح بن هبة الله بن نمير [٢] ، الشيخ الإمام العالم المتقن المحدّث المفيد الحنبلي المقدسي، ثم الصّالحي. ذكره الذهبي في «معجمه المختص» فقال: المحدّث الفاضل البارع، مفيد الطلبة، بكّر به والده، فسمع كثيرا وهو حاضر، وسمع من خلق كثير، وطلب بنفسه، وكتب ورحل، وخرّج للشيوخ. وقال الحسيني: سمع خلقا [٣] كثيرا وجمّا غفيرا، وجمع فأوعى، وكتب ما لا يحصى، وخرّج لخلق من شيوخه وأقرانه، وأثنى عليه ابن كثير، وابن حبيب، وغيرهما. توفي يوم الاثنين ثالث ذي القعدة بالصّالحية ودفن بقاسيون وقد قارب الستين.

стр. 3922

سنة ستين وسبعمائة فيها توفي خطيب مكّة وقاضيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطّبري [١] القاضي المكّي الشافعي من بيت العلم والقضاء والرئاسة والحديث. قال في «الدّرر» : ولد سنة ثمان عشرة وسبعمائة، وولي قضاء مكّة وهو شاب بعد أبيه، وولي الخطابة. وكان أسمع على الرّضي، والصّفي، والفخر التوزري، وغيرهم، وسمع منه غير واحد من شيوخنا، ومات في العشر الآخر من شعبان. وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن أبي الزّهر بن عطية الهكّاري الحنبلي [٢] الشيخ الإمام. سمع من ابن البخاري «مشيخته» وغيرها. وسمع منه الذهبي، وابن رجب، وابن العراقي، وغيرهم. وكان شيخا صالحا حسنا من أولاد المشايخ. توفي ليلة الجمعة سابع عشري جمادى الأولى ودفن بسفح قاسيون. وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن أحمد بن تمّام [٣] بن السرّاج الحنبلي [٤] الشيخ الصّالح.

стр. 3923

حضر في الثانية على ابن القوّاس «معجم ابن جميع» وسمع الغسولي وغيره، وحدّث، وسمع منه الذّهبي والحسيني، وابن أيدغدي، وجماعة. وكان رجلا جيدا. توفي سابع ذي الحجّة بالصّالحية ودفن بقاسيون. وفيها زين الدّين عمر بن عثمان بن سالم بن خلف بن فضل المقدسي المؤدّب الصّالحي الحنبلي [١] . سمع من ابن البخاري «سنن أبي داود» ومن التّقي الواسطي، وخطيب بعلبك، وحدّث، وسمع منه الحسيني، وابن أيدغدي، وجماعة. وكان من أهل الدّين والخير، وكان عامل الضيائية متودّدا كثير التحصيل للكتب الحديثية. توفي ليلة الخميس سادس عشر ذي القعدة. وفيها محمد بن عيسى بن عبد الله السّكسّكي النحوي الشافعي المصري [٢] نزيل دمشق. قال في «الدّرر» : مهر في العربية، وشغل الناس بها، وكان كثير المطالعة والمذاكرة، وله أرجوزة في التصريف، وكتب شيئا على «منهاج النووي» وله سماع من عبد الرحيم بن أبي اليسر وغيره، وكان كثير العبادة، حسن البشر، جيد التعليم، درّس وأفتى، وولي الخانقاه الشّهابية، وله أسئلة في العربية سأل عنها الشيخ تقي الدّين السّبكي فأجابه. مات في ثامن عشر ربيع الأول والله أعلم.

стр. 3924

سنة إحدى وستين وسبعمائة فيها توفي أورخان بن عثمان السلطان العظيم ثاني ملوك بني عثمان [١] . ولي سنة ست وعشرين وسبعمائة [٢] بعد وفاة والده السلطان عثمان حق أول ملوك بني عثمان، وكانت ولاية صاحب الترجمة في أيام السلطان حسن صاحب مصر. قال القطيعي [٣] : كان أورخان شديدا على الكفّار ففاق والده في الجهاد، وفتح البلاد فافتتح قلاعا كثيرة وحصونا منيعة، وفتح بروسة [٤] وجعلها مقر سلطنته، ثم ولي بعده ولده [٥] مراد. وفيها بشر بن إبراهيم بن محمود بن بشر البعلي الحنبلي [٦] الشيخ الصالح المقرئ الفقيه. ولد في ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وستمائة، وسمع من التّاج عبد الخالق، وابن مشرف، والشيخ شرف الدّين اليونيني، وغيرهما. وكان خيّرا،

стр. 3925

حسن السّمت، صحب الفقراء، وروى عنه ابن رجب حديث الربيع بنت النّضر وقول النّبيّ ﷺ : «إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه» [١] . وجاور بمكّة. وتوفي بمعان مرجعه من الحجّ ليلة الجمعة رابع عشر ذي الحجّة ودفن هناك، وأرّخ الحافظ ابن حجر وفاته في المحرّم ولعله الأقرب. وفيها جمال الدّين الدارقوي الحنبلي [٢] المقرئ للسبع، إمام الضيائية بدمشق. توفي في جمادى الأولى. قاله العليمي. وفيها صلاح الدّين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي [٣] الشافعي الإمام المحقّق، بقية الحفّاظ. ولد بدمشق في ربيع الأول سنة أربع وتسعين وستمائة، وسمع الكثير، ورحل، وبلغ عدد شيوخه بالسماع سبعمائة، وأخذ علم الحديث عن المزّي وغيره، وأخذ الفقه عن الشيخين البرهان الفزاري ولازمه، وخرّج له «مشيخة» والكمال الزّملكاني وتخرّج به، وعلّق عنه كثيرا. وأجيز بالفتوى، وجدّ واجتهد، حتى فاق أهل عصره في الحفظ والإتقان، ودرّس بدمشق بالأسدية وغيرها، ثم انتقل إلى القدس مدرّسا بالصّلاحية، وحجّ مرارا، وجاور، وأقام بالقدس مدة طويلة يدرّس ويفتي ويحدّث ويصنّف، إلى آخر عمره. ذكره الذهبي في «معجمه» وأثنى عليه، وكذلك الحسيني في «معجمه»
следующие страницы →