← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

جارية من سبي هرقلة كنت خطبتها له، فأسعفني بها، فأحضر الرّشيد الجارية، فزيّنت، وأرسل معها سرادقا وتحفا، فأعطى نقفور الرّسول خمسين ألفا وثلاثمائة ثوب وبراذين [وبزاة] [١] . ذكره في «العبر» [٢] . وفيها- كما قال ابن الجوزي في «الشذور» [٣]- أسلم الفضل بن سهل على يد المأمون، وكان مجوسيا. وفيها توفي الفقيه أسد بن عمرو البجليّ الكوفيّ صاحب أبي حنيفة وقاضي بغداد. قال في «المغني» [٤] : أسد بن عمرو أبو المنذر، عن ربيعة الرّأي، ليّنه [٥] البخاريّ. وقال يحيى: كذوب. وقال أحمد: صدوق. وقال ابن عدي: لم أر له شيئا منكرا. انتهى. وفيها قارئ مكّة في زمنه، إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين المخزوميّ، مولاهم المعروف بالقسط، وله تسعون سنة. وهو آخر أصحاب ابن كثير وفاة. قرأ عليه الشّافعيّ وجماعة. وفيها أبو عبيدة الحدّاد البصريّ نزيل بغداد، واسمه عبد الواحد بن واصل. روى عن عوف الأعرابي وعدّة، وكان حافظا متقنا.

стр. 807

وعبيدة بن حميد الكوفيّ الحذّاء الحافظ وله بضع وثمانون سنة. روى عن الأسود بن قيس، ومنصور، والكبار، وكان صاحب قرآن، وحديث، ونحو. أدّب الأمين بعد الكسائيّ. وكان من الأثبات. وعمر بن علي المقدّميّ أبو جعفر البصريّ. وكان حافظا مدلّسا. كان يقول: حدّثنا، أو يقول: سمعت، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة، وينوي القطع. قال ابن ناصر الدّين: عمر بن علي بن عطاء المقدّميّ من الثقات، لكنه شديد التدليس. انتهى. وفيها عطاء بن مسلم الخفّاف. كوفيّ صاحب حديث، ليس بالقوي. نزل حلب. وروى عن محمّد بن سوقة وطبقته. وفيها حميد بن عبد الرّحمن الرّؤاسيّ الكوفيّ. روى عن الأعمش وطبقته. قال أبو بكر بن أبي شيبة: قلّ من رأيت مثله. قال في «المغني» [١] : عن الضّحّاك لا يعرف. انتهى. وفيها يحيى بن خالد بن برمك البرمكيّ، توفي في سجن الرّشيد وله سبعون سنة. قال ابن الأهدل: وبرمك من مجوس بلخ، ولا يعلم إسلامه، وكان خالد قد ولي وزارة السّفّاح. قال المسعوديّ [٢] : ولم يبلغه أحد من بنيه، لا يحيى في شرفه وبعد همّته، ولا موسى في شجاعته ونجدته.

стр. 808

وكان المهديّ قد جعل الرّشيد في حجر يحيى، فعلّمه الأدب. وكان يدعوه أبا، فلما ولي دفع إليه خاتمه، وقلّده أمره، وفي ذلك يقول الموصليّ [١] : ألم تر أنّ الشّمس كانت سقيمة ... فلمّا ولي هارون أشرق نورها أمين أمين الله هارون ذو النّدى ... فهارون وإليها وهذا وزيرها ومن كلام يحيى: ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الهديّة، والكتاب، والرّسول. وكان يقول لبنيه: اكتبوا أحسن [٢] ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدّثوا بأحسن ما تحفظون. وفي بنيه يقول الشاعر: أولاد يحيى أربع ... كأربع الطّبائع فهم إذا اختبرتهم ... طبائع الصّنائع [٣] وفيه يقول العتّابيّ: سألت النّدى والجود حرّان أنتما ... فقالا كلانا عبد يحيى بن خالد فقلت شراء ذلك الملك قال لا ... ولكن إرثا والدا بعد والد [٤] وكان يقول: إذا أقبلت فأنفق فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت فأنفق فإنها لا تبقى. وقال: يدل على حلم الرّجل سوء أدب غلمانه.

стр. 809

وحكي أنه كتب أبياتا قبل موته يخاطب الرّشيد: سينقطع التّلذذ عن أناس ... أداموه وتنقطع الهموم ستعلم في الحساب إذا التقينا ... غدا عند الإله من الظّلوم ألا يا بائعا دينا بدنيا ... غرورا لا يدوم لها نعيم تخلّ من الذّنوب فأنت منها ... على أن لست ذا سقم سقيم تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبّه للمنيّة يا نؤوم تروم الخلد في دار التّفاني ... وكم قد رام قبلك ما تروم إلى ديّان يوم الدّين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم ولم يزل يحيى بن خالد وابنه الفضل في الرافقة- وهي الرّقّة القديمة المجاورة للرّقّة الجديدة، وهي البلد المشهورة الآن على شاطئ الفرات، ويقال: لهما الرّقّتان تغليبا كالعمرين- في حبس الرّشيد إلى أن مات يحيى في الثالث من المحرم سنة تسعين وهو ابن سبعين سنة، وصلّى عليه ابنه الفضل بن يحيى ودفن في شاطئ الفرات في ربض هرثمة، ووجد في جيبه رقعة فيها مكتوب بخطه: قد تقدم الخصم والمدّعي عليه في الأثر، والقاضي هو الحكم العدل الذي لا يجور ولا يحتاج إلى بيّنة، ولما قرأ الرّشيد الرقعة بكى يومه كله، واستمر أياما يتبيّن الأسى في وجهه، ونام يحيى فمات فجأة، فقال الرّشيد: اليوم مات عاقل النّاس. وقال يحيى بن أكثم: سمعت المأمون يقول: لم يكن ليحيى بن خالد ولولده أحد في الكفاية، والبلاغة، والجود، والشجاعة. انتهى.

стр. 810

سنة إحدى وتسعين ومائة فيها أمر الرّشيد بتغيير هيئة أهل الذّمة. وفيها توفي سلمة بن الأبرش قاضي الرّيّ، وراوي المغازي عن ابن إسحاق، وهو مختلف في الاحتجاج به، ولكنه في ابن إسحاق ثقة. وفيها الإمام أبو عبد الله بن عبد الرّحمن بن القاسم العتقيّ، مولاهم، المصريّ الفقيه، صاحب مالك وله ستون سنة، وقد أنفق أموالا كثيرة في طلب العلم، ولزم مالكا مدّة، وسأله عن دقائق الفقه. قال السيوطيّ في «حسن المحاضرة» [١] : عبد الرّحمن بن القاسم بن خالد العتقيّ المصريّ أبو عبد الله، الفقيه، راوية المسائل عن مالك. روى عن ابن [٢] عيينة وغيره. وعنه أصبغ، وسحنون، وآخرون. قال ابن حبّان: كان حبرا، فاضلا، تفقّه على مذهب مالك، وفرّع على أصوله. ولد سنة ثمان وعشرين ومائة، ومات في صفر سنة إحدى وتسعين ومائة. وكان زاهدا، صبورا، مجانبا للسّلطان. انتهى. وفيها الفضل بن موسى السّينانيّ شيخ مرو ومحدّثها- وسينان من قرى

стр. 811

مرو [١]-. ارتحل وكتب الكثير، وحدّث عن هشام بن عروة وطبقته. قال أبو نعيم الكوفيّ: هو أثبت من ابن المبارك. وقال وكيع: أعرفه ثقة صاحب سنّة. وقال ابن ناصر الدّين: كان ثقة، متقنا، من كبار أهل مرو، صاحب سنّة [٢] . وفيها محمد بن سلمة الحرّانيّ الفقيه. محدّث حرّان [٣] ومفتيها. روى عن هشام بن حسّان وطبقته. قال ابن سعد: كان ثقة فاضلا له رواية وفتوى [٤] . ومخلد [٥] بن الحسين الأزديّ المهلّبيّ البصريّ، نزيل المصّيصة. وكان من عقلاء زمانه وصلحائهم. ومعمر بن سليمان الرّقّيّ. روى عن إسماعيل بن أبي خالد وطبقته. وكان من أجلّاء المحدّثين. ذكره الإمام أحمد فذكر من فضله وهيبته. وقال أبو عبيد: كان من خير من رأيت.

стр. 812

سنة اثنتين وتسعين ومائة فيها أول ظهور الخرّميّة [١] ثاروا بجبال أذربيجان [٢] ، فغزاهم حازم بن خزيمة، أو عبد الله بن مالك، فسبى ذراريهم وبيعوا ببغداد [٣] . وفيها هدم حائط جامع المنصور وأعيد بناؤه، وزيد في توسعته. وفيها توفي الإمام الكبير أبو محمد عبد الله بن إدريس الأوديّ [٤] الكوفيّ الحافظ العابد. روى عن حصين بن عبد الرّحمن وطبقته. وقد روى عن مالك مع قدمه وجلالته.

стр. 813

قال أحمد بن حنبل: كان عبد الله بن إدريس نسيج وحده. وقال ابن عرفة: ما رأيت بالكوفة أفضل منه. وقال أبو حاتم: هو إمام من أئمة المسلمين، حجّة. وقال غيره: لم يكن بالكوفة أعبد لله [١] منه. عاش اثنتين وسبعين سنة. وقال ابن ناصر الدّين: نسيج وحده علما، وعملا، وعبادة، وورعا، وكان إذا لحن أحد في كلامه لم يحدّثه. انتهى. وفيها عليّ بن ظبيان العبسيّ الكوفيّ القاضي، أبو الحسن. ولي قضاء الجانب الشرقيّ ببغداد، ثم ولي قضاء القضاة. وروى عن أبي حنيفة، وإسماعيل بن أبي خالد. وكان محمود الأحكام، ديّنا، متواضعا، ضعيف الحديث. وفيها الفضل بن يحيى [٢] بن خالد البرمكيّ أخو جعفر البرمكي. مات في السجن، وقد ولي أعمالا جليلة، وكان أندى كفّا من جعفر مع كبر، وتيه [٣] ، له أخبار في السخاء المفرط، حتّى إنه وصل مرة بعض أشراف العرب بخمسين ألف دينار. قاله في «العبر» [٤] . وقال ابن الأهدل: قال محمد بن يزيد الدمشقيّ: ولد للفضل ولد، فقام الشعراء يوم سابعه يهنئونه، فنثر عليهم الدنانير مطيّبة بالمسك، وأخذوا وأخذت معهم، ولما خرجوا وخرجت، استدعاني فقال: أحبّ أن تسمعني

стр. 814

في المولود [١] ، شيئا، فاستعفيته، فقال: لا بدّ ولو بيتا واحدا، فقلت: ونفرح بالمولود من آل برمك ... ولا سيّما إن كان من ولد الفضل ويعرف فيه اليمن [٢] عند ولاده ... ببذل النّدى والجود والمجد والفضل [٣] فأمر لي بعشرة آلاف درهم، فلما نكبوا اتصل بي الولد المولود في أسوأ حال، فقلت له: كلّ ما ترى من المال من أجلك فخذه، فلا وارث لي، وأنا أعيش في فضلك حتّى أموت، فبكى وأبى، فعزمت عليه في البعض، فأبى وكان آخر عهدي به. وكان الفضل كثير البرّ بأبيه حتّى في السّجن، وكان في السجن ينشد قول أبي العتاهية: إلى الله فيما نالنا نرفع الشّكوى ... ففي يده كشف المضرّة والبلوى خرجنا من الدّنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجّان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدّنيا [٤] ولما بلغ الرّشيد خبر موته قال: أمري قريب من أمره، فكان كذلك. انتهى ما قاله ابن الأهدل. وقال ابن خلّكان [٥] : كان الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي من أكثرهم كرما، مع كرم البرامكة وسعة جودهم، وكان أكرم من أخيه

стр. 815

جعفر، [وكان جعفر] [١] أبلغ في الرسائل والكتابة منه، وكان هارون الرّشيد قد ولّاه الوزارة قبل جعفر، وأراد أن ينقلها إلى جعفر، فقال لأبيهما يحيى: يا أبت- وكان يدعوه: يا أبت- إني أريد أن أريد أن أجعل الخاتم الذي لأخي الفضل لجعفر وكان يدعو الفضل: يا أخي، فإنهما متقاربان في المولد، وكانت أمّ الفضل قد أرضعت الرّشيد، واسمها زبيدة من مولّدات المدينة، والخيزران أمّ الرّشيد أرضعت الفضل، فكانا أخوين من الرّضاع، وفي ذلك قال مروان بن أبي حفصة يمدح الفضل: كفى لك فضلا أنّ أفضل حرّة ... غذتك بثدي والخليفة واحد لقد زنت يحيى في المشاهد كلّها ... كما زان يحيى خالدا في المشاهد [٢] وقال الرّشيد ليحيى: قد احتشمت من الكتاب إليه في ذلك فاكفنيه، فكتب والده إليه: قد أمر أمير المؤمنين بتحويل الخاتم من يمينك إلى شمالك، فكتب إليه الفضل: قد سمعت ما قاله [٣] أمير المؤمنين في أخي وأطعت، وما انتقلت عنّي نعمة صارت إليه، ولا غربت عني رتبة طلعت عليه، فقال جعفر: لله أخي ما أنفس نفسه، وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منّة العقل فيه، وأوسع في البلاغة ذرعه. وكان الرّشيد قد جعل محمدا في حجر الفضل بن يحيى، والمأمون في حجر جعفر، فاختصّ كل واحد منهما بمن في حجره، ثم إن الرشيد قلّد الفضل عمل [٤] خراسان، فتوجّه إليها وأقام بها مدة، فوصل كتاب صاحب البريد بخراسان إلى الرّشيد ويحيى جالس بين يديه، ومضمون الكتاب أن

стр. 816

الفضل بن يحيى متشاغل بالصيد وإدمان اللّذات عن النظر في أمر الرعيّة، فلما قرأه الرّشيد رمى به إلى يحيى، وقال له: اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه بما يردعه عن هذا، فكتب يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللّذات عن النظر في أمر [١] الرعية ما أنكره، فعاود ما هو أزين بك، فإنه من عاد إلى ما يزينه وترك ما يشينه لم يعرفه أهل بلده إلّا به [٢] والسّلام، وكتب في أسفله هذه الأبيات: انصب نهارا في طلاب العلا ... واصبر على فقد لقاء الحبيب حتّى إذا اللّيل أتى مقبلا ... واستترت فيه عيون الرقيب فكابد اللّيل بما تشتهي ... فإنما اللّيل نهار الأريب كم من فتى تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمر عجيب غطّى عليه اللّيل أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب ولذّة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كلّ عدوّ رقيب [٣] والرّشيد ينظر إلى ما يكتب، فلما فرغ قال: قد [٤] أبلغت يا أبت، ولما ورد الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد [نهارا] [٥] إلى أن انصرف من عمله. ومن مناقبه أنه لما ولي [٦] خراسان، دخل إلى بلخ وهي [٧] وطنهم،

стр. 817

وبها النوبهار، وهو بيت النّار التي كانت المجوس تعبدها، وكان جدّهم برمك خادم ذلك البيت، فأراد الفضل هدم ذلك البيت، فلم يقدر لإحكام بنائه، فهدم منه ناحية وبنى فيها مسجدا. انتهى ملخصا. وفيها مفتي الأندلس وخطيب قرطبة، صعصعة بن سلّام الدمشقيّ. أخذ عن الأوزاعيّ، ومالك، والكبار. وأخذ عنه عبد الملك بن حبيب وجماعة.

стр. 818

سنة ثلاث وتسعين ومائة فيها سار الرّشيد إلى خراسان ليمهّد قواعدها، وكان قد بعث في العام الماضي هرثمة بن أعين فقبض له على الأمير عليّ بن عيسى بن ماهان بحيلة وخديعة، واستصفى أمواله وخزائنه، فبعث بها، فوافت الرّشيد وهو بجرجان، على ألف وخمسمائة جمل [١] ثم سار إلى طوس في صفر وهو عليل، وكان رافع بن اللّيث قد استولى على ما وراء النهر وعصى، فالتقى جيشه وعليهم أخوه وهرثمة [٢] فهزمهم وقتل أخو رافع، وملك هرثمة بخارى. وفي ذي القعدة، توفي الإمام العلم أبو بشر إسماعيل بن عليّة الأسديّ، مولاهم، البصريّ، واسم أبيه إبراهيم بن مقسم، وعليّة أمّه. سمع أيوب وطبقته. قال يزيد بن هارون [٣] : دخلت البصرة وما بها أحد يفضل في الحديث على ابن عليّة. وقال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة.

стр. 819

وقال ابن معين: كان ثقة، ورعا، تقيا. وقال شعبة: ابن عليّة سيّد المحدّثين. وقال ابن ناصر الدّين: كان ثبتا، متقنا، لم يحفظ عنه خطأ فيما يرويه، وشهرته بأمه عليّة دون أبيه. انتهى. وبعده بأيام توفي محمد بن جعفر غندر الحافظ، أبو عبد الله، البصريّ، صاحب شعبة. وقد روى عن حسين المعلّم وطائفة. وقال: لزمت شعبة عشرين سنة. قال ابن معين: كان من أصحّ النّاس كتابا. وقال غيره: مكث غندر خمسين سنة يصوم يوما ويفطر يوما. وقال ابن ناصر الدّين: روى عنه أحمد، وابن المديني، وغيرهما. كان أصحّ النّاس كتابا في زمانه، وكان فيه بعض تغفل مع إتقانه. انتهى. وفيها مخلد بن يزيد [١] الحرّانيّ محدّث رحّال. روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري وطبقته. وفيها في ذي الحجة أبو عبد الله مروان بن معاوية الفزاريّ الكوفيّ الحافظ نزيل دمشق، وابن عمّ أبي إسحاق [الفزاريّ] [٢] . روى عن حميد الطّويل وطبقته. قال أحمد: ثبت حافظ. وقال ابن المديني: ثقة فيما روى عن المعروفين.

стр. 820

وقال ابن ناصر الدّين: كان ثقة حجة. وقال في «المغني» [١] : ثقة حجة. لكنه يكتب عمّن دبّ ودرج، فينظر في شيوخه. وفيها الإمام أبو بكر بن عيّاش الأسديّ مولاهم، الكوفيّ الحنّاط [٢] شيخ الكوفة في القراءة [والحديث] [٣] وله بضع وتسعون سنة. كان أجلّ أصحاب عاصم. قطع الإقراء [من] [٤] قبل موته بتسع عشرة سنة. وقال ابن المبارك: ما رأيت أحدا أسرع إلى السّنّة من أبي بكر بن عيّاش. وقال غيره: كان لا يفتر من التلاوة، قرأ اثنتي عشرة [٥] ألف ختمة. وقيل أربعين ألف ختمة [٦] . وفيها العبّاس بن الأحنف أحد الشعراء المجيدين، ولا سيما في الغزل، ومن شعره: إذا هي لم تأتيك إلّا بشافع ... فلا خير في ودّ يكون بشافع

стр. 821

فأقسم ما تركي عتابك عن قلى ... ولكن لعلمي أنّه غير نافع وإني وإن لم ألزم الصّبر طائعا ... فلا بدّ منه مكرها غير طائع [١] وفي ثالث جمادى الآخرة توفي هارون الرّشيد أبو جعفر بن المهدي محمد بن المنصور بن عبد الله العبّاسي بطوس. روى عن أبيه، وجدّه، ومبارك بن فضالة، وحجّ مرّات في خلافته، وغزا عدة غزوات، حتّى قيل فيه: فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثّغور [٢] وكان شهما، شجاعا، حازما، جوادا، ممدّحا، فيه دين وسنّة مع انهماكه على اللّذات، والقيان، وكان أبيض، طويلا، سمينا، مليحا، قد وخطه الشّيب. وورد أنه كان يصلّي في اليوم مائة ركعة إلى أن مات. ويتصدّق كل يوم من بيت ماله بألف درهم. وكان يخضع للكبار ويتأدب معهم. وعظه الفضيل، وابن السمّاك، وغيرهما. وله مشاركة في الفقه، والعلم، والأدب. قاله في «العبر» [٢] . وقال ابن الفرات: كان الرّشيد يتواضع لأهل العلم والدّين، ويكثر من محاضرة العلماء والصالحين. قال عليّ بن المديني: سمعت أبا معاوية الضّرير يقول: أكلت مع الرّشيد طعاما يوما من الأيام، فصبّ على يديّ رجل لا أعرفه، فقال هارون: يا أبا معاوية! تدري من يصبّ على يديك؟ قلت: لا. قال: أنا. قلت: أنت أمير المؤمنين! قال: نعم إجلالا للعلم.

стр. 822

ودخل عليه منصور بن عمّار، فأدناه، وقرّبه. فقال له منصور: لتواضعك في شرفك أحبّ إلينا من شرفك. فقال له: يا أبا السّريّ عظني وأوجز، فقال: من عفّ في جماله، وواسى [١] من ماله، وعدل في سلطانه، كتبه الله من الأبرار. وكان طيّب النفس فكها، يحبّ المزح [٢] ويميل إلى أهل العفّة، ويكره المراء في الدّين. قال عليّ بن صالح: كان مع الرّشيد ابن أبي مريم المديني، وكان مضحاكا، محداثا، فكها، وكان الرّشيد لا يصبر عن محادثته، وكان قد جمع إلى ذلك المعرفة بأخبار أهل الحجاز، ولطائف المجان، فبلغ من خصوصيته به أنه أنزله منزلا في قصره، وخلطه ببطانته وغلمانه، فجاء ذات ليلة وهو نائم وقد طلع الفجر، فكشف اللحاف عن ظهره، ثم قال له: كيف أصبحت؟ فقال: يا هذا ما أصبحت بعد، مر إلى عملك. قال: ويلك قم إلى الصّلاة، فقال: هذا وقت صلاة أبي الجارود [٣] وأنا من أصحاب أبي يوسف القاضي، فمضى وتركه نائما، وقام الرّشيد إلى الصّلاة، وأخذ يقرأ في الصلاة الصبح وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ٣٦: ٢٢ [يس: ٢٢] وأرتج عليه [٤] فقال له ابن أبي مريم: لا أدري والله لم لا تعبده. فما تمالك الرّشيد أن ضحك في صلاته، ثم التفت إليه كالمغضب. وقال: يا هذا ما صنعت؟ قطعت عليّ الصّلاة.

стр. 823

قال: والله ما فعلت، إنما سمعت منك كلاما غمّني حين سمعته، فضحك الرّشيد. وقال: إيّاك والقرآن والدّين، ولك ما شئت بعدهما. وكان للرّشيد فطنة وذكاء. قال الأصمعيّ: تأخرت عن الرّشيد ثم جئته، فقال: كيف كنت يا أصمعي؟ قلت: بتّ والله بليلة النابغة، فقال: أنا والله هو: فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع فعجبت من ذكائه وفطنته لمّا قصدته. ودخل الأصمعيّ على الرّشيد ومعه بنيّة له، فقال له الرّشيد: قبّلها، فسكت الأصمعيّ، فقال: قبّل ويلك، فقال الأصمعيّ في نفسه: إن فعلت قتلني، ثم قام فوضع كمّه على رأسها، ثم قبّل. فقال: والله لو أخطأت هذا لضربت عنقك. وكان الرّشيد- ﵀ يحبّ الحديث وأهله، وسمع الحديث من مالك بن أنس، وإبراهيم بن سعد الزّهري، وأكثر حديثه عن آبائه. وروى عنه القاضي أبو يوسف، والإمام الشّافعي ﵄. ذكر ذلك ابن الجوزي. ومما رواه الرّشيد عن النّبيّ- ﷺ «عقّوا عن أولادكم فإنها نجاة لهم من كلّ آفة» [١] . وكان كثير البكاء من خشية الله تعالى، سريع الدمعة عند الذكر، محبّا للمواعظ.

стр. 824

قال يحيى بن أيوب العابد: سمعت منصور بن عمّار يقول: ما رأيت أغزر دمعا عند الذّكر من ثلاثة: فضيل بن عياض، وأبي عبد الرّحمن الزّاهد، وهارون الرّشيد. ودخل الإمام الشّافعيّ- ﵁ على الرّشيد فقال له: عظني، فقال: على شرط رفع الحشمة، وترك الهيبة، وقبول النصيحة. قال: نعم. قال: اعلم أن من أطال عنان الأمل في الغرّة طوى عنان الحذر في المهلة. ومن لم يعوّل على طريق النجاة خسر يوم القيامة إذا امتدت إليه [١] يد الندامة. فبكى هارون ووصله بمال جزيل. ودخل ابن السّمّاك على الرّشيد، فاستسقى الرّشيد ماء، فقال له ابن السّمّاك: بالله يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم تشتريها؟ قال: بملكي. قال: لو منعت خروجها بكم كنت تشتريه؟ قال: بملكي. فقال: إن ملكا قيمته شربة ماء لجدير أن لا ينافس فيه. وكان للرّشيد شعر حسن منه: ملك الثّلاث الغانيات عناني ... وحللن من قلبي بكلّ مكان ما لي تطاوعني البريّة كلّها ... وأطيعهنّ وهنّ في عصياني ما ذاك إلّا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعزّ من سلطاني وكان نقش خاتم الرّشيد، العظمة والقدرة لله. انتهى ما قاله ابن الفرات ملخصا. وقال ابن قتيبة في «المعارف» [٢] : وأفضت الخلافة إلى هارون الرّشيد سنة سبعين ومائة. وبويع له في اليوم الذي توفي فيه موسى ببغداد. وولد له

стр. 825

ابنه عبد الله المأمون ليلة أفضت الخلافة إليه في صبيحتها. وأمه الخيزران وكانت تنزل الخلد ببغداد في الجانب الغربيّ. وكان يحيى بن خالد وزيره، وابناه الفضل، وجعفر، ينزلون في رحبة الخلد، ثم ابتنى جعفر قصره بالدّور، ولم ينزله حتّى قتل. وحجّ هارون بالنّاس ستّ حجج، آخرها سنة ستّ وثمانين ومائة. وحجّ معه في هذه السنة ابناه ووليّا عهده: محمد الأمين، وعبد الله المأمون. وكتب لكل واحد منهما على صاحبه كتابا، وعلّقه في الكعبة. فلما انصرف، نزل الأنبار. ثم حجّ بالناس سنة ثمان وثمانين [ومائة] [١] . وقتل جعفر بن يحيى بالعمر [٢] موضع بقرب الأنبار سنة تسع وثمانين ومائة [٣] آخر يوم من المحرم، وبعث بجثته إلى بغداد. ولم يزل يحيى بن خالد، وابنه الفضل محبوسين حتّى ماتا بالرّقّة. وخرج الوليد بن طريف الشّاري في خلافته، وهزم غير مرة عسكره [٤] ، فوجّه إليه يزيد بن مزيد، فظفر به فقتله. وخرج بعده خراشة [٥] الشّاري أيضا. وقتل هارون أنس بن أبي شيخ، وهو ابن أخي خالد الحذّاء [٦]

стр. 826

المحدّث. وكان أنس صديقا لجعفر بن يحيى، وصلبه بالرّقّة، وكان يرمى بالزندقة. وكذلك البرامكة [كانوا] [١] يرمون بالزّندقة، إلّا من عصم الله منهم، ولذلك قال الأصمعيّ فيهم: إذا ذكر الشّرك في مجلس ... أضاءت قلوب [٢] بني برمك وإن تليت عندهم آية ... أتوا بالأحاديث عن مزدك وغزا هارون سنة تسعين ومائة الرّوم، فافتتح هرقلة، وظفر ببنت بطريقها، فاستخلصها لنفسه، فلما انصرف ظهر رافع بن ليث بن نصر بن سيّار بطخارستان مباينا لعلي بن عيسى، فوجّه إليه هرثمة لمحاربته وإشخاص علي بن عيسى إليه، فلما قدم عليه أمر بحبسه واستصفى [٣] أمواله، وأموال ولده. وتوجّه هارون سنة اثنتين وتسعين ومائة ومعه المأمون نحو خراسان حتّى قدم طوس فمرض بها ومات، وقبره [٤] هناك. وكانت وفاته ليلة السبت، لثلاث خلون من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقد بلغ من السن سبعا وأربعين سنة. وكانت ولايته ثلاثا وعشرين سنة، وشهرين، وسبعة عشر يوما. ومن ولد هارون: محمد، أمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر، والمأمون، واسمه عبد الله، وأمه تسمى مراجل. والمؤتمن واسمه القاسم، وصالح، وأبو عيسى، وأبو إسحاق المعتصم [وأبو يعقوب] [٥] ، وحمدونة، وغيرهم. انتهى ما قاله ابن قتيبة.

стр. 827

وقال ابن الأهدل: وفي إمرة الرّشيد وأخيه الهادي قام يحيى بن عبد الله بن الحسن المثنّى وبثّ دعاته في الأرض، وبايعه كثيرون من أهل الحرمين، واليمن، ومصر، والعراقين. وبايعه من العلماء محمد بن إدريس الشّافعي، وعبد ربّه بن علقمة، وسليمان بن جرير، وبشر بن المعتمر، والحسن بن صالح، وغيرهم. وكان هذا في زمن الهادي، فلما فتّش عنه الرّشيد وأخذ عليه بالرصد والطلب، وأمعن في ذلك، فلحق يحيى بخاقان ملك التّرك، وأقام عنده سنتين وستة أشهر والكتب ترد عليه من هارون، وعماله يسألونه تسليم يحيى، فأبى وقال: لا أرى في ديني الغدر، وهو رجل من ولد نبيّكم، شيخ عالم. وقيل: إنه أسلم على يديه سرّا، ثم رحل يحيى من عنده إلى طبرستان، ثم إلى الدّيلم، فأنفذ هارون في طلبه الفضل بن يحيى البرمكي في ثمانين ألف رجل، وكاتبه ملك الدّيلم من الرّيّ، وبذلوا له الأموال حتّى انخدع، ولما فهم يحيى فشله قبل أمان الرّشيد بالأيمان المغلّظة، وكتب له بذلك نسختين، ونسخة عنده، ونسخة عند يحيى البرمكي، فلما قدم عليه أظهر برّه وكرامته. وأعطاه مالا جزيلا، ثم خرج إلى المدينة بإذنه، وقيل: بإذن الفضل دونه، وفرّق المال بالمدينة على قرابته، وقضى دين الحسين بن علي، وحجّ ولم يزل آمنا حتّى وشى به عبد الله بن مصعب الزّبيريّ، فاستدعاه الرّشيد وأخبره بقول الزّبيريّ، فقال يحيى: إن هذا قد كان بايع أخي محمدا ومدحه بقوله: قوموا بأمركم ننهض بنصرتنا ... إنّ الخلافة فيكم يا بني الحسن واليوم يكذب عليّ ويسعى بي إليك، فصدّقه هارون وعذره، ومات ابن مصعب في اليوم الثالث. قيل: وسبب نقض أمان يحيى أنه قال له الرشيد في مناظرات عددها ويحيى في كلّها يقيم له الحجّة على نفسه اتقاء لشرّه، حتّى قال له: من

стр. 828

أقرب إلى رسول الله- ﷺ منّا؟ فاستعفاه فلم يعفه، وكرّر ذلك مرارا، فلم يعفه، فقال له يحيى بعد لجاج عظيم: لو بعث رسول الله- ﷺ أكان له أن يتزوج فيكم؟ فقال الرّشيد: نعم، قال: فنحن له أن يتزوج فينا؟ قال: لا. قال: فهذه حسب، فأنف الرّشيد وغضب، وطلب الفقهاء، فاستفتاهم في نقض أمان يحيى، فأحجم بعضهم، وتكلم بعضهم بموجب العلم أنه لا سبيل إلى نقضه، وقال بعضهم: هذا رجل شقّ عصا المسلمين، وسفك الدماء، لا أمان له، فأمر الرّشيد بحبسه، وضيّق عليه حتّى مات محبوسا. وقيل: إنه شدّ إلى جدار، وسمر على يديه ورجليه، وسدّ عليه المنافذ حتّى مات، وقيل: إنه وقع رقعة [١] ودفعها إلى يحيى بن خالد وحرّج عليه بوقوفه بين يدي الله إلّا كتمها إلى موته، ثم يدفعها إلى هارون، فدفعها بعد موته إلى هارون، فإذا فيها: بسم الله الرّحمن الرّحيم، يا هارون المستعدى [عليه] [٢] ، قد تقدم والخصم بالأثر، والقاضي لا يحتاج إلى بيّنة. وأما إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنّى فإنه لما انفلت من وقعة فخّ لحق بالمغرب ومعه ابن أخيه محمد بن سليمان الذي قتل بفخّ، فتمكن بها ودعا ونشر دعوته، وأجابوه، واستعمل ابن أخيه على أدنى المغرب من تاهرت إلى فاس، وبقي بها وولده يتوارثونها، وانتشر ملكهم، واستقروا. يقال: إن إدريس أدرك بالسمّ إلى هناك، وأوصى إلى ابنه إدريس بن إدريس، فقام بالأمر إحدى وعشرين سنة، وأوصى إلى ابنه إدريس المثلث، وكان أحد العلماء. قال صاحب كتاب «روضة الأخبار» : وهم على ذلك إلى هذه الغاية،

стр. 829

يتوارثون المغرب، والبربر. ويقال: إن عبد المؤمن القائم اليوم بأرض المغرب ينسب إلى بني الحسن بن علي، ظهر على الأندلس سنة أربعين وخمسمائة، وفيه يقول الشاعر من قصيدة طويلة: ما هزّ عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد القائم بن علي وقد ملكوا المغرب كلهم والأندلس إلى يومنا هذا، وهي سنة سبع وعشرين وستمائة. انتهى ما قاله ابن الأهدل. وفيها، وقيل: بعدها فقيه الأندلس زياد بن عبد الرّحمن اللّخميّ شبطون، صاحب مالك، وعليه تفقّه يحيى بن يحيى قبل أن يرحل إلى مالك، وكان زياد ناسكا، ورعا، أريد على القضاء فهرب. وفيها قتل نقفور ملك الرّوم في حرب برجان [١] وكانت مملكته تسعة أعوام، وملك بعده ابنه شهرين وهلك، فملك زوج أخته ميخائيل بن جرجس لعنهم الله تعالى.

стр. 830

سنة أربع وتسعين ومائة فيها وثبت [١] الرّوم على ملكهم ميخائيل، فهرب وترهّب، وقام بعده ليون القائد. وفيها مبدأ الفتنة بين الأمين والمأمون. وكان الرّشيد أبوهما قد عهد [٢] بالعهد للأمين، ثم [من] [٣] بعده للمأمون. وكان المأمون على إمرة خراسان، فشرع الأمين في العمل على خلع أخيه ليقدّم ولده ابن خمس سنين، وأخذ يبذل [٤] الأموال للقوّاد ليقوموا معه في ذلك. ونصحه أولو الرّأي فلم يرعو [٥] حتّى آل الأمر إلى أن قتل. وفي آخرها توفي الإمام أبو عمر حفص بن غياث بن طلق النّخعيّ قاضي الكوفة، وقاضي بغداد. روى عن الأعمش وطبقته، وعاش خمسا وسبعين سنة. قال يحيى القطّان: حفص أوثق أصحاب الأعمش.

стр. 831

وقال سجّادة [١] : كان يقال: ختم القضاء بحفص بن غياث. وقال ابن معين: جميع ما حدّث به حفص بالكوفة، وبغداد فمن حفظه. وقال حفص: والله ما وليت القضاء حتّى حملت لي الميتة. وقال ابن ناصر الدّين: كان حفص ثقة متقنا، تكلّم في بعض حفظه. وفيها سويد بن عبد العزيز الدّمشقيّ قاضي بعلبك، قرأ القرآن على يحيى الذّماري. روى عن أبي الزّبير المكّي، وعاش بضعا وثمانين سنة وضعفوه. وعبد الوهّاب بن عبد المجيد الثقفيّ محدّث البصرة. روى عن أيوب السّختياني، ومالك بن دينار، وطبقتهما. وقال الفلّاس: كانت غلّته في السنة أربعين ألفا ينفقها كلّها على أصحاب الحديث. وقال أبو إسحاق النظّام المتكلّم: وذكر عبد الوهّاب، هو والله أحلى من أمن بعد خوف، وبرء بعد سقم، وخصب بعد جدب، وغنى بعد فقر، ومن طاعة المحبوب وفرج المكروب. وقال ابن ناصر الدّين: هو ثبت متقن. ومحمد بن [أبي] [٢] عدي البصريّ المحدّث. روى عن حميد وطبقته، وكان أحد الثقات الكبار، ويقال له: محمد بن إبراهيم بن أبي عدي [٣] .

стр. 832

قال ابن ناصر الدّين: مشهور بالحفظ والثقة. ومحمد بن حرب الخولانيّ الأبرش الحمصيّ، قاضي دمشق. روى عن الزّبيدي فأكثر، وعن محمد بن زياد الألهاني، وكان حافظا مكثرا. ويحيى بن سعيد بن أبان الأمويّ الكوفيّ الحافظ، ولقبه جمل [١] روى عن الأعمش وخلق، وحمل المغازي عن ابن إسحاق، واعتنى بها وزاد فيها أشياء. وقال ابن ناصر الدّين: يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن الأحيحة أبو أيوب القرشيّ الأمويّ الكوفيّ، كان ثبتا، حافظا، نبيلا، كان يلقب جملا [٢] عنده عن الأعمش غرائب، ووهم من جعله أحد الأخوة، عمر الأشدق، وعبد الله، وعنبسة، إنما ذلك أخو أبان جدّ يحيى المذكور، وكان من التابعين. انتهى. وفيها استشهد في غزوة أبو علي شقيق البلخيّ الزّاهد، شيخ خراسان. سافر مرّة وفي صحبته ثلاثمائة مريد. وهو شيخ حاتم الأصم [٣] . وفيها قاسم بن يزيد الجرمي الموصلي عالم الموصل وزاهدها ومحدّثها المشهور وعابدها. وفيها سلم بن سالم [٣] البلخيّ الزّاهد. روى عن ابن جريج وجماعة، وكان صوّاما، قوّاما، عجبا في الأمر بالمعروف. وقال أبو مقاتل السّمرقنديّ: سلم [٤] في زماننا كعمر بن الخطّاب في زمانه.

стр. 833

قال في «العبر» [١] : قلت: هو وشقيق ضعيفان في الحديث. انتهى. وفيها عمر بن هارون البلخيّ. روى عن جعفر الصّادق وطبقته، وكان كثير الحديث، بصيرا بالقراءات، تركوه. قاله في «العبر» [٢] .

стр. 834

سنة خمس وتسعين ومائة لما تيقّن المأمون أن الأمين خلعه تسمّى بإمام المؤمنين، وكوتب بذلك، وجهّز الأمين عليّ بن عيسى بن ماهان في جيش عظيم أنفق عليهم أموالا لا تحصى، وأخذ عليّ معه [١] قيد فضّة ليقيّد به المأمون بزعمه. فبلغ إلى الرّيّ، وأقبل طاهر بن الحسين الخزاعيّ في نحو أربعة آلاف، فأشرف على جيش ابن ماهان وهم يلبسون السلاح، وقد امتلأت الصحراء بهم [٢] بياضا وصفرة في العدد المذهّبة. فقال طاهر: هذا ما لا قبل لنا به، ولكن اجعلوها خارجية، واقصدوا القلب [٣] ، ثم قبل ذلك ذكّروا ابن ماهان الأيمان التي في عنقه للمأمون، فلم يلتفت، وبرز فارس من جند ابن ماهان فحمل عليه طاهر بن الحسين فقتله، وشدّ داود سياه [٤] على علي بن عيسى بن ماهان فطعنه وصرعه، وهو لا يعرفه، ثم ذبحه بالسيف، فانهزم جيشه، فحمل

стр. 835

رأسه [١] على رمح، وأعتق طاهر مماليكه شكرا لله، وشرع أمر الأمين في سفال، وملكه في زوال. قيل: إنه لما بلغه قتل ابن ماهان وهزيمة جيشه كان يتصيّد سمكا، فقال لليزيديّ [٢] : ويلك دعني كوثر [قد] [٣] صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئا بعد، وندم في الباطن على خلع أخيه، وطمع فيه أمراؤه، ولقد فرّق عليهم أموالا لا تحصى حتّى فرّغ الخزائن وما نفعوه، وجهّز جيشا فالتقاهم طاهر أيضا بهمذان [٤] فقتل في المصافّ خلق كثير من الفريقين، وانتصر طاهر بعد وقعتين أو ثلاث. وقتل مقدّم جيش الأمين عبد الرّحمن الأساوي أحد الفرسان المذكورين بعد أن قتل جماعة، وزحف طاهر حتّى نزل بحلوان [٥] . وفيها ظهر بدمشق أبو العميطر السفيانيّ، فبايعوه بالخلافة، واسمه علي بن عبد الله بن خالد بن الخليفة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فطرد عاملها الأمير سليمان بن المنصور، فسيّر إليه الأمين عسكرا لحربه، فنزلوا الرّقّة ولم يقدموا عليه. قاله في «العبر» [٦] . وفيها توفي إسحاق بن يوسف الأزرق محدّث واسط. روى عن

стр. 836

الأعمش وطبقته، وكان حافظا، عابدا، يقال: إنه بقي عشرين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء. قال ابن ناصر الدّين: إسحاق بن يوسف بن مرداس القرشيّ الواسطيّ أبو محمّد، حدّث عنه خلق، منهم: أحمد، وابن معين. كان من الحفّاظ النّقّاد، والصلحاء العبّاد. انتهى. وفيها بشر بن السّريّ البصريّ الأفوه نزيل مكّة. كان فصيحا بالمواعظ مفوّها ذا صلاح. وقال أحمد: كان متقنا للحديث عجبا. روى عن مسعر، والثّوري، وطبقتهما. قال في «المغني» [١] : بشر بن السّريّ أبو عمرو الأفوه، وثّقه ابن معين وغيره، وأما الحميديّ أبو بكر فقال: كان جهميا لا يحلّ أن يكتب عنه. وقال ابن عديّ: يقع في حديثه منكر، وهو في نفسه لا بأس به. قلت [٢] : رجع عن التجهّم. انتهى. وفيها أبو معاوية الضّرير محمد بن معاوية الكوفيّ الحافظ، ولد سنة ثلاث عشرة ومائة، ولزم الأعمش عشر سنين. قال أبو نعيم: سمعت الأعمش يقول لأبي معاوية: أمّا أنت فقد ربطت رأس كيسك. وكان شعبة إذا توقّف في حديث الأعمش راجع أبا معاوية وسأله عنه. وقال ابن ناصر الدّين: أبو معاوية محمد بن خازم الضّرير التّيميّ السعديّ، كان حافظا، ثبتا، محدّث الكوفة، وكان من الثقات وربما دلّس،

стр. 837

وكان يرى الإرجاء، فيقال: إن وكيعا لم يحضر جنازته لذلك. انتهى. وفيها عبد الرّحمن بن محمّد المحاربيّ الحافظ. روى عن عبد الملك بن عمير وخلق. قال وكيع: ما كان أحفظه للطّوال. توفي بالكوفة. وفيها، أو في التي مضت، عثّام بن علي الكوفيّ. روى عن هشام بن عروة [١] ، والأعمش. وفيها، أو في الماضية، محمد بن فضيل بن غزوان الضّبيّ، مولاهم، الكوفيّ، الحافظ. روى عن حصين بن عبد الرّحمن، وطبقته. قال في «المغني» [٢] : ثقة، مشهور، لكنه شيعي. قال ابن سعد: بعضهم لا يحتجّ به. انتهى. وفيها محدّث الشّام أبو العبّاس الوليد بن مسلم الدّمشقيّ، وله ثلاث وسبعون سنة. توفي بذي المروة راجعا من الحج في المحرم. روى عن يحيى الذّماري، ويزيد ابن أبي مريم، وخلائق. وصنّف التصانيف. قال ابن جوصاء: لم نزل نسمع أنه من كتب مصنفات الوليد صلح أن يلي القضاء، وهي سبعون كتابا. وقال أبو مسهر: كان مدلّسا ربما دلّس عن الكذّابين. وقال ابن ناصر الدّين: الوليد بن مسلم الدّمشقيّ أبو العبّاس الأمويّ، مولاهم، كان إماما، حافظا، عالم الدّمشقيين، لكنه فيما ذكره أبو مسهر وغيره

стр. 838

كان مدلّسا وربما دلّس عن الكذّابين، وهو واسع العلم، صدوق من الأثبات. انتهى. وفيها يحيى بن سليم الطائفيّ الحذّاء بمكّة، وكان ثقة صاحب حديث. روى عن عبد الله بن عثمان بن خثيم [١] وطبقته. قال الخليل [٢] في «الإرشاد» : أخطأ يحيى في أحاديث، ثم ذكر حديث ابن عمران، أن النّبيّ- ﷺ قال: «من مرّ بحائط فليأكل منه ولا يتخذ خبنة [٣] » [٤] . قال الخليل: لم يسنده عن النّبيّ- ﷺ والباقون عن ابن عمر، عن عمر.

стр. 839

وقال في «المغني» [١] : يحيى بن سليم الطائفي، مشهور، وثّقه ابن معين، وقال النّسائيّ: ليس بالقويّ. وقال أحمد: رأيته يخلط في الأحاديث فتركته. انتهى. وقال ابن ناصر الدّين: روى عنه الشّافعيّ، وكان يعدّه [٢] من الأبدال، وفي بعض أحاديثه مقال. انتهى.

стр. 840

سنة ست وتسعين ومائة فيها توثّب الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ببغداد، فخلع الأمين في رجب وحبسه، ودعا إلى بيعة المأمون، فلم يلبث [١] [أن وثب] [٢] الجند عليه، فقتلوه وأخرجوا الأمين، وجرت أمور طويلة، وفتنة كبيرة. وفيها توفي قاضي البصرة أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبريّ في ربيع الآخر، روى عن حميد الطويل وطبقته، وكان أحد الحفّاظ. قال يحيى القطّان: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز، أثبت من معاذ ابن معاذ. وقال أحمد: كان ثبتا، وما رأيت أعقل منه. وفيها قاضي شيراز ومحدّثها، سعد بن الصّلت الكوفيّ. روى عن الأعمش وطبقته، وكان حافظا. قال سفيان: ما فعل سعد بن الصلت؟ قالوا: ولي القضاء قال: ذره [٣] واقعد [٤] في الحشّ.

стр. 841

قال في «العبر» : قلت: آخر من روى عنه سبطه إسحاق بن إبراهيم شاذان [١] . انتهى. وفيها أبو نواس الحسن بن هانئ الحكميّ الأديب، شاعر العراق. قال ابن عيينة: هو أشعر النّاس. وقال الجاحظ: ما رأيت أعلم باللغة منه. قال ابن الأهدل: كان أبوه من جند مروان الصغير الأموي، فتزوج امرأة بالأهواز، فولدت أبا نواس، فلما ترعرع أصحبته أبا أسامة الشاعر، فنشأ على يديه، وقدم به بغداد فبرع في الشعر، وعداده في الطبقة الأولى من المولّدين، وشعره عشرة أنواع، وقد اعتنى بشعره جماعة فجمعوه، ولهذا يوجد «ديوانه» مختلفا، وكان المأمون يقول: لو وصفت الدّنيا نفسها ما بلغت قول أبي نواس: ألا كلّ حيّ [٢] هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدو في ثياب صديق [٣] وكني بأبي نواس، لذؤابتين كانتا على عاتقه تنوسان، وأثنى عليه ابن عيينة وعلماء عصره بالفصاحة والبلاغة. وقال أبو حاتم: لو كتبت بيتيه هذين بالذّهب لما كثر وهما: ولو أني استزدتك فوق ما بي ... من البلوى لأعوزك المزيد

стр. 842

ولو عرضت على الموتى حياتي ... بعيش مثل عيشي لم يريدوا [١] وله نوادر حسان رائقة، واقترح عليه الرّشيد مرّات أن ينظم له [على] [٢] قضايا خفيّة يعرفها في داره ونسائه فيأتي على البديهة بما لو حضرها وعاينها لم يزد على ذلك. انتهى كلام ابن الأهدل. ومن لطيف شعره قوله بديها، وهو من ألطف بديهة وأبدعها: ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس مساحب من جرّ الزّقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جنيّ ويابس ولم أدر [٣] من هم؟ غير ما شهدت به ... بشرقيّ ساباط الدّيار البسابس حبست بها صحبي فجدّدت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابس أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم الترحّل خامس تدار علينا الرّاح في عسجديّة ... حبتها بأنواع [٤] التّصاوير فارس قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدّريها بالقسيّ الفوارس فللخمر ما زرّت [٥] عليه جيوبها ... وللرّاح [٦] ما دارت عليه القلانس [٧] وقد اختلف في معنى قوله «أقمنا بها يوما ويوما إلخ» فقال ابن هشام: ثمانية أيام. وقال الدّمامينيّ في «شرح المغني» : سبعة، لأن يوم الترحل ليس من

стр. 843

أيام الإقامة، فليتأمل. وقال ابن الفرات: أبو نواس الحسن بن هانئ البصريّ مولى الحكم بن سعد العشيرة- سمي سعد العشيرة لأنه لم يمت حتّى ركب معه من ولده وولد ولده مائة رجل- وتوفي وعمره اثنتان وخمسون سنة، والحسن أحد المطبوعين، وكان كثير المجون. قيل: عاتب أبو العتاهية الحسن على مجونه، فقال الحسن: والنّفس لا تقلع عن غيّها ... ما لم يكن منها لها زاجر [١] فقال أبو العتاهية: وددت أنّ هذا البيت بشعري كلّه، ورأى رجل الحسن في النوم فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: رحمني بأبيات قلتها، وهي: يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأنّ عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلّا محسن ... فبمن يلوذ ويستجير المجرم أدعوك ربّ كما أمرت تضرّعا ... ولئن رددت يدي فمن ذا يرحم ما لي إليك وسيلة إلّا الرّجا ... وجميل ظنّي [٢] ثمّ إني مسلم [٣] انتهى. وقال الحصري في كتابه «قطب السرور» : قال ابن نوبخت: توفي أبو نواس في منزلي، فسمعته يوم مات يترنّم بشيء، فسألته عنه، فأنشدني: باح لساني بمضمر السّرّ ... وذاك أني أقول بالدّهر

стр. 844

وليس بعد الممات منقلب ... وإنّما الموت بيضة العمر [١] والتفت إلى من حوله فقال: لا تشربوا الخمر صرفا، فإني شربتها صرفا فأحرقت كبدي ثم طفئ. انتهى، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ٢: ١٥٦

стр. 845

سنة سبع وتسعين ومائة فيها حوصر الأمين ببغداد، وأحاط به أمراء المأمون، وهم طاهر بن الحسين [١] ، وهرثمة بن أعين، وزهير بن المسيّب في جيوشهم. وقاتلت مع الأمين الرعيّة وقاموا معه قياما لا مزيد عليه. ودام الحصار سنة، واشتد البلاء وعظم الخطب. وفيها توفي الإمام الحبر أبو محمّد عبد الله بن وهب الفهريّ، مولاهم، المقرئ أحد الأعلام في شعبان، ومولده سنة خمس وعشرين ومائة، وطلب العلم بعد الأربعين ومائة بعام أو عامين. وروى عن ابن جريج، وعمرو بن الحارث، وخلق، وتفقّه بمالك، واللّيث. قال أبو سعيد بن يونس: جمع ابن وهب بين الفقه، والرّواية، والعبادة، وله تصانيف كثيرة. وقال أحمد بن صالح المصريّ: حدّث ابن وهب بمائة ألف حديث، ما رأيت أحدا أكثر حديثا منه. وقال ابن خداش: قرئ على ابن وهب كتابه في أهوال القيامة، فخرّ مغشيّا عليه، فلم يتكلم بكلمة حتّى مات بعد أيام.
следующие страницы →