← Сияса и кади

Сияса и кади · id 12400

الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية

ابن الطقطقي

Полный текст (316 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة المحقق الحمد للَّه رب العالمين بالغ الفضل والإحسان، والصلاة والسلام على نبيّه الأمين محمد بن عبد الله خيرة الأخيار من بني عدنان، المرسل رحمة للعالمين، وبعد فقد من الله تعالى على عبده الفقير إلى كرمه وعفوه صاحب التحقيق فهداه إلى كتاب «الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية» ليخرج به من ظلمات القدم والغمرة إلى أنوار الحداثة والشهرة وهو من مقتتيات مكتبتي المتواضعة مذ كنت طالبا من طلاب كلية الآداب بالجامعة السورية بدمشق عام/ ١٩٥٥/ م، وظلّ غائبا عن النظر حاضرا في الوجدان والفكر إلى أن برز لي فجأة كالصديق الموافي في ساعة الشدّة وأنا مشغول بالتصنيفات العديدة التي أصدرتها دار القلم العربيّ بحلب، واقترحت على صاحب الدار أن ننفض عن هذا المؤلف الجليل غبار الزمن فوافق في الحال لدى رؤية النسخة التي أملكها من الكتاب وتقع في مائتين وتسع وسبعين صفحة وليس بها من تاريخ ولا دليل على المحقّق سوى عبارة ذيّلت الغلاف بعد العنوان، وتقول العبارة التي هدفها التجارة: [يطلب من مكتب عزّ للتوريدات- مكتبة قومسيون- ميدان الأزهر بمصر] . وقد بادرت منذ اضطلاعي بعبء تحقيق الكتاب إلى التماس طبعاته المختلفة في كلّ ما يقع تحت يدي ولكنني آثرت مؤخرا النموذج الّذي توفر بحوزتي لأنه قديم ولأنه بخلوه من الضبط والتشكيل والفهرسة والهوامش المضيئة، يسمح لي بالمزيد من التدخّل والاجتهاد في ترجيح وجوه الكلام بعضها على بعض فيكون لي دور المحقّق وإن لم أعتمد على الأصل المخطوط. وقد كان لي بتوفيق من الله وبإخلاص النية فضل ضبط النص التاريخي بالشكل وشرح غريب مفرداته بالإضافة إلى ترجمة الأعلام ترجمة موجزة كافية وبذلك المجهود ألحقت النص التاريخي بالنص الأدبي فائدة وأثرا متداولا. وما يهمني أن يعرفه القارئ لهذا الكتاب أن اعتمادي كان على أربع طبعات من طبعات الفخري بالرموز والتواريخ الآتية: أوّلا: (عزّ) وهي المتوفّرة لدى المحقّق بلا تاريخ. ثانيا: (ألما) وهي الطبعة الأولى بألمانيا عام/ ١٨٥٨/ م.

стр. 2

ثالثا: (رحما) وهي الصادرة عن المطبعة الرحمانية بمصر/ ١٣٤٠/ هـ و/ ١٩٢١/ م. رابعا: (بيروت) وهي الصادرة عن دار بيروت للطباعة والنشر/ ١٣٨٥/ هـ و/ ١٩٦٦/ م. تقع طبعة (عزّ) كما ذكرنا في (٢٧٩) صفحة من القطع المتوسط بورق أصفر. وتقع طبعة (ألما) في (٣٩٠) صفحة من القطع المتوسط، يقابلها تقديم ودراسة باللغة الألمانية بقلم المستشرق W.Ahlwardt. وتقع طبعة (رحما) في (٢٥٣) صفحة من القطع فوق المتوسط مع مقدمة قصيرة للناشر محمود توفيق الكتبي. وتقع طبعة بيروت في (٣٤٠) صفحة عدا الفهارس بورق أبيض صقيل وهي الطبعة الأكثر حداثة وإتقانا. وقبل استعراض الأوراق المذكورة يهمنا الإلمام بترجمة لحياة المؤلف: ابن طباطبا مع ملمح كلّي وموجز جدّا لكتاب الفخري ليكون ذلك عونا للقارئ في قطع المسافة بين أول الكتاب وآخره في ألفة ومحبّة للمادّة التاريخيّة وهي الغنيّة غنى غزيرا بالحكايا والطرائف. أمّا المؤلّف فهو: محمّد بن عليّ بن محمّد بن طباطبا العلويّ. كنيته أبو جعفر، وشهرته بابن الطّقطقيّ [١] على خلاف في ضبطها، وختامها بالياء أو الألف المقصورة. كان أبوه نقيب الأشراف العلويّة بالحلّة والنجف وكربلاء، وقد خلف أباه في تلك

стр. 3

الرتبة. تزوج بامرأة فارسية من خراسان وأقام بالموصل، وتقرّب إلى واليها فخر الدين عيسى بن إبراهيم بإهدائه كتاب «الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية» الّذي فرغ من تأليفه عام/ ٧٠١/ هـ، وجعل نسبته إليه باسم «الفخريّ» . وقد عقد جلال الدين السيوطي في كتابه «تاريخ الخلفاء» فصلا في دولة بني طباطبا العلويّة الحسنيّة فقال: «وقام منهم بالخلافة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم طباطبا في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين ومائة [١] » . ويبدو أن المذكور هو الجدّ الّذي نسب إليه ابن طباطبا المؤرّخ، وله خبر مفصّل في كتاب الأعلام للزركلي ج ٥ ص ٢٩٣. ولم تمدّنا المراجع بتفصيلات عن حياة صاحب الفخري سوى أنه تزوج من فارسية وزار مراغة بأذربيجان واستقر بالموصل وتوفي فيها عام/ ٧٠٩/ هـ. وقد أبدى انحيازا للمغول وتهيبا لسلطانهم ولمن حكموا تحت رايتهم بالإضافة إلى علوّيته. أما كتاب «الفخري» فقد حوى جزأين هامّين: الأوّل، موضوعة الآداب العامة للسلاطين ومعاشريهم، وثانيهما التأريخ لثلاث من الدول: هي: دولة الخلفاء الراشدين، ودولة بني أميّة، والدولة العبّاسية، وقد تعرّض بذكر وجيز للدول العارضة على الكيان العبّاسي كالدولة العلوية المعروفة بالفاطمية مثلا. وكانت خطته أن يذكر الخلفاء والسلاطين وأعمالهم ثم يثنّي بذكر من استوزره من الوزراء، ملمّا بطرائف الوقائع من الحكايات على وجه الاستطراد لدفع الملل عن القارئ.. وهذا ما يجعل كتاب «الفخري» أهلا للمطالعة من جهتين، جهة التاريخ، وجهة الطرائف والحكايات العجيبة. فهو كتاب تاريخ وكتاب أدب ومسامرة في آن معا، وقد تقلّد بقلادة الأشعار في كثير من صفحاته، وكأنّ الناثر العربيّ سواء أكان مؤرخا أو عالما أم فيلسوفا، لا يستغني عن الاغتراف من معين الشعر

стр. 4

الّذي هو ديوان العرب. ويذكر الأستاذ عبد الوهاب الصابوني في كتابه «عيون المؤلفات» أنّ عنده من كتاب «الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية» طبعتين الأولى تامّة ولكنها غير محققة طبعت في مصر/ ١٩٢٧/ م، والثانية منقحة مصححة تاريخها/ ١٩٣٨/ م وقد راجعها ونقّحها محمد عوض إبراهيم بك وعليّ الجارم بك، ولولا أنني قد اطلعت على هذه الحقيقة بعد فراغي من تحقيق طبعة (عزّ) المتوفرة لديّ لنظرت بشكل أو بآخر في هاتين الطبعتين. على أنني كنت قد بيّنت حرصي على الانفراد بالجهد في الطبعة غير المنقحة ليكون لي فضل الجدّة والابتكار في إخراج العمل شكلا ومضمونا. ومهما يكن، فللقارئ العربيّ أن يغتنم في كتاب «الفخري» مرجعا مختصرا ومفيدا بين المراجع التاريخية الأخرى المستفيضة مثل «تاريخ الأمم والملوك» لمحمد بن جرير الطبري، أو «الكامل في التاريخ» لعليّ بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري وغيرهما.. ورغم انحياز صاحب الفخري إلى علويّته وحملته على عديد من خلفاء الدولتين الأموية والعباسية يجد القارئ في الكتاب مرجعا هامّا في تاريخ العرب والإسلام وها هو الآن نصّ محقق من نصوص الأدب والطرائف.. اسأل الله تعالى أن يجعل لي فيه ذخرا ليوم الدين، وأن يجعل فيه مددا لطلاب المعرفة والعبرة التاريخية، وهو على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. حلب ١٠/ ٢/ ١٤١٨ هـ ١٦/ ٦/ ١٩٩٧ م عبد القادر محمد مايو الحلبي القسطلي

стр. 5

الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية

стр. 6

[مقدمة المؤلف] بسم الله الرّحمن الرّحيم ١ الحمد للَّه مسبّب الأسباب، ومفتّح الأبواب. مقدّر الأمور، ومدبّر الدهور. واجب الوجود، وخالق الأخلاق والجود. مفيض العقل. وواهب الكلّ. أقرّ أنه المالك وأنّ الوجود مملوك لعظمته. وأشهد أنه الفاطر. وأن الغيب غير مستور لحكمته. وأعوذ بجلال عزّه من ذلّ الحجاب، وبفضل جوده من نقاش الحساب، وبخافي علمه ممّا في الكتاب من العذاب، وأصلي على النّفوس العلويّة المطهّرة من الأدناس، وعلى الأجسام الأرضيّة المنزّهة عن الأرجاس. وأخصّ من بينهم بأفضل الصلوات الزاكيات، وأكمل التحيّات الناميات، من نادى والألسن حداد، وأرشد والأكباد غلاظ والقلوب جلاد- محمّدا النبيّ الأميّ ذا التأييدات الإلهيّة، والتأكيدات الجلاليّة، وآله الطيّبين وأصحابه الصالحين، الذين كانوا صدّقوه وقد أرسل، ونصروه وقد خذل، ما سمح جواد ووري زناد. وبعد، فإن أفضل ما نظر فيه خواصّ الملوك، وسلكوا إليه أفضل السّلوك بعد نظرهم في أمر الأمّة، وقيامهم فيما استودعوه بالحجّة، هو النظر في العلوم، والإقبال على الكتب التي صدرت عن شرائف الفهوم، فأمّا فضيلة العلم فظاهرة ظهور الشمس عريّة من الشّكّ واللّبس، فمما جاء من ذلك في التنزيل قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ٣٩: ٩ [١] ، وممّا جاء في الحديث- صلوات الله وسلامه على من نسب إليه-: «إن الملائكة لتضع [٢] أجنحتها لطالب العلم» . وأما فضيلة الكتب فقد قالوا: إن الكتاب هو الجليس الّذي لا ينافق، ولا يملّ ولا يعاتبك إذا جفوته، ولا يفشي سرّك. وقال المهلّب [٣] لبنيه: يا بنيّ: إذا

стр. 7

وقفتم في الأسواق فلا تقفوا إلا على من يبيع السلاح، أو يبيع الكتب. وكان الفتح بن خاقان [١] إذا كان جالسا في حضرة المتوكّل، وأراد أن يقوم إلى المتوضّأ، أخرج من ساق موزته كتابا لطيفا، فلا يزال يطالعه في ممرّه وعوده فإذا وصل إلى الحضرة أعاده إلى ساق موزته. أرسل بعض الخلفاء في طلب بعض العلماء ليسامره، فلما جاء الخادم إليه وجده جالسا وحواليه كتب، وهو يطالع فيها: فقال له: إن أمير المؤمنين يستدعيك قال: قل له: عندي قوم من الحكماء أحادثهم، فإذا فرغت منهم حضرت. فلمّا عاد الخادم إلى الخليفة وأخبره بذلك، قال له: ويحك! من هؤلاء الحكماء الذين كانوا عنده؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما كان عنده أحد! قال: فأحضره الساعة كيف كان. فلما حضر ذلك العالم، قال له الخليفة: من هؤلاء الحكماء الذين كانوا عندك؟ قال: يا أمير المؤمنين: لنا جلساء ما نملّ حديثهم ... أمينون مأمونون غيبا ومشهدا يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ... ورأيا وتأديبا ومجدا وسؤددا فإن قلت: أموات. فلم تعد أمرهم ... وإن قلت: أحياء. فلست مفندا (طويل) فعلم الخليفة أنه يشير بذلك إلى الكتب، ولم ينكر عليه تأخره. وقال الجاحظ: دخلت على محمّد بن إسحاق [٢] أمير بغداد، في أيام ولايته وهو جالس في الديوان، والناس مثول بين يديه كأن على رءوسهم الطير، ثم دخلت إليه بعد مدّة وهو معزول، وهو جالس في خزانة كتبه، وحواليه الكتب والدفاتر والمحابر والمساطر. فما رأيته أهيب منه في تلك الحال!. وقال المتنبي: أعزّ مكان في الدّنا سرج سابح ... وخير جليس في الزّمان كتاب (طويل)

стр. 8

والعلم يزيّن الملوك أكثر ممّا يزين السّوقة، وإذا كان الملك عالما صار العالم ملكا وأصلح ما نظر فيه الملوك ما اشتمل على الآداب السلطانيّة، والسّير التاريخية المطويّة على ظرائف الأخبار، وعجائب الآثار، على أنّ الوزراء كانوا قديما يكرهون أنّ الملوك يقفون على شيء من السّير والتواريخ، خوفا أن يتفطّن الملوك إلى أشياء لا يحبّ الوزراء أن يتفطّن لها الملوك. طلب المكتفي [١] من وزيره كتبا يلهو بها؟ ويقطع بمطالعتها زمانه، فتقدم الوزير إلى النوّاب بتحصيل ذلك، وعرضه عليه قبل حمله إلى الخليفة، فحصلوا شيئا من كتب التاريخ، وفيها شيء مما جرى في الأيام السالفة من وقائع الملوك، وأخبار الوزراء ومعرفة التحيّل في استخراج الأموال، فلمّا رآه الوزير، قال لنوّابه والله إنكم أشدّ الناس عداوة لي، أنا قلت لكم: حصّلوا له كتبا يلهو بها، ويشتغل بها عنّي وعن غيري فقد حصّلتم له ما يعرّفه مصارع الوزراء، ويوجده الطريق إلى استخراج المال، ويعرّفه خراب البلاد من عمارتها! ردّوها، وحصّلوا له كتبا فيها حكايات تلهيه، وأشعار تطربه. وكانوا يكرهون أيضا أن يكون في الخلفاء والملوك فطانة ومعرفة بالأمور ولما مات المكتفي، عزم وزيره على مبايعة عبد الله بن المعتزّ [٢] ، وكان عبد الله فاضلا لبيبا محصلا، فخلا به بعض عقلاء الكتاب وقال له: أيّهذا الوزير: هذا الرأي الّذي قد رأيته في مبايعة ابن المعتز ليس بصواب، قال الوزير: كيف ذلك؟ قال: أيّ حاجة لك أن تجلس على سرير الخلافة من يعرف الذّراع والميزان والأسعار، ويفهم الأمور، ويعرف القبيح من الحسن، ويعرف دارك وبستانك وضيعتك؟ الرأي أن تجلس صبيّا صغيرا فيكون اسم الخلافة له، ومعناها لك، فتربّيه إلى أن يكبر، فإذا كبر عرف لك حقّ التربية، وتكون أنت قد قضيت أوطارك

стр. 9

مدّة صغره، فشكره الوزير على ذلك، وعدل عن عبد الله بن المعتزّ إلى المقتدر، وعمره يومئذ ثلاث عشرة سنة. وكان بدر الدين لؤلؤ [١] صاحب الموصل- ﵀ أكثر ما يجري في مجلس أنسه إيراد الأشعار المطربة، والحكايات الملهية، فإذا دخل شهر رمضان أحضرت له كتب التواريخ والسّير، وجلس الزّين الكاتب وعزّ الدين المحدّث يقرءان عليه أحوال العالم. وهذا التقرير يستدعي شرح حال: وذلك أنّي حين أحلّني حكم القضاء بالموصل الحدباء، حللتها غير متعرض لوبلها أو طلّها، ودخلتها كما قال عزّ من قائل: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ من أَهْلِها ٢٨: ١٥ [٢] ، وكنت بنيت عزمي على المقام فيها بقدر ما ينكسر البرد، ثم التوجّه بعد ذلك إلى تبريز، فحين استقررت بالموصل، بلغني من عدّة جهات مختلفة، ومن ذوي آراء غير مؤتلفة، غزارة فضل صاحبها الأعظم المولى المخدوم الملك المعظّم، أفضل الملوك وأعظمهم، وأكرم الحكماء وأحلمهم، فخر الملّة والدين، الممنوح بخصائص لو كانت للدهر لما شكا صرفه حر ولما مسّ أحدا منه ضرّ، ولو كانت للبحر لما كان ماؤه ملحا أجاجا، ولا خاف راكبه منه أمواجا، ولو ظفرت بها الأقمار، لما لحقها السّرار، عيسى [٣] الّذي أحيا ميت الفضائل، ونشر طيّ الفواضل، وأقام سوق المكارم في عصر كسدت فيه سوقها وأنهض مقعدات المحاسن بعد ما عجزت عن حمل أجسامها سوقها، وذبّ عن الأحرار في زمان هم فيه أقلّ من القليل، وملأ أيديهم من عطائه بأياد واضحة الغرّة والتّحجيل وأفاء عليهم ظلّ رأفة لا ينتقل، وخفض لهم جناح رحمة فما بيني يتفضّل عليهم ويتطوّل، كلّما ازداد دولة وتمكينا

стр. 10

زاد تواضعا ولينا، وكلّما بلغ من الملك غاية، رفع للكرم راية ابن إبراهيم أعزّ الله نصره، وأنفذ نهيه وأمره، الّذي أنسى ذكر الأجواد، ورزانة الأطواد وشجاعة الآساد: للشّمس فيه وللرّياح وللسحاب ... وللبحار وللأسود شمائل (كامل) الّذي هو في جبهة هذا الدهر غرّة، وفي قلادته درّة لا تدانيها في الدنيا درّة الّذي صدّق أخبار الماضين، وحقق ما نسخ من مآثر الأوّلين. وقد قال ابن الرومي: أظنّ بأنّ الدهر ما زال هكذا ... وأنّ حديث الجود ليس له أصل وهب أنّه كان الكرام كما حكوا ... أما كان فيهم واحد وله نسل؟! (طويل) فلو شاهد لصدّق ما سمع من أخبار أهل الكرم، ولما اختلجت بين جنبيه عوارض التّهم، الحاكم الّذي إذا سلّط ذهنه الشريف، وفكره اللطيف، على القضايا الديوانيّة، والأمور السلطانية ذلّت له الصعاب، ولانت له الصّم الصّلاب، وظهرت له الخفايا، وتعذّر أن يقال: في الزوايا خبايا. أما قوّة العدل عنده فسليمة، قواعدها لديه قويمة، فلا تجزعنّك هيبته المرهوبة فإنّ وراءها رأفة بالضعيف، ورقة على الفقير، وجبرا للكسير. وله من الصّفح الجميل عوائد ... أسر الطليق بها، وفكّ العاني [١] (كامل) ولقد حضرت يوما مجلسه الرفيع وكان يوم غيث، وقد تقدم بصيانة الباب فلما كثر الغيث، قال للحجّاب: من حضر الباب وله حاجة فعرّفونا بها، ثم قال: إن أحدا لا يحضر في مثل هذا الوقت إلّا لضرورة، ولا يجوز أن يردّ خائبا، فباللَّه هل يأتي في هذا الكتاب الّذي يريد أن يكون مشتملا على محاسن الآثار، إلا ما هو

стр. 11

من جنس هذه الحكاية؟. وأما قوة السّياسة عنده فعظيمة، لم تعترضها هضيمة [١] ، فلا تغرنكم رقته وابتسامه، فإنّ وراء ذلك صرامة يخضع لها الأسود، وشهامة يحذرها السيّد والمسود. هو البحر غص فيه إذا كان ساكنا ... على الدّرّ، واحذره إذا كان مزبدا (طويل) وأما قوّة الذكاء والتيقّظ فهو فيها كما قال المتنبّي: تعرف في عينه حقيقته ... كأنه بالذكاء مكتحل أشفق عند اتقاد فكرته ... عليه منها، أخاف يشتعل (منسرح) وأمّا قوّة العقل الغزير، والتمييز الصحيح، فإنّي لأظنّ أنّ عقلاء الملوك الماضين لو عاشوا وشاهدوه لتعلّموا منه كيف يساس الجمهور، وكيف تدبّر الأمور وأما قوّة الكرم الّذي تجاوز الحدّ وخرج، فحدّث عن البحر ولا حرج، فلو عاش الكرام الذين ضربت بهم الأمثال وعدمت لهم النظراء والأمثال، لتعلّموا منه غوامض الكرم ولتلقّفوا منه محاسن الشيم، ولو أنصفت لتركت وصف هذه القوّة من قواه عجزا عن الإحاطة بكنه وصفها، وقصورا عن القيام بواجب وصفها، ولكنّي أقول بحسب الجهد والطاقة: إن احتقاره للدنيا احتقار الأولياء، واستصغاره لها استصغار الزّهاد: فلو جاد بالدنيا وثنّى بضعفها ... لظنّ من استصغاره أنّه ضنّا (طويل) يعطي عطاء من يبقى الذّكر ويحييه، وينفد المال ويفنيه. أعاذل، إنّ الجود ليس بمهلكي ... ولا يخلد النفس الشحيحة لومها [٢] وتذكر أخلاق الفتى، وعظامه ... مغيّبة في التّرب بال رميمها (طويل)

стр. 12

بهمة نالت السماء، وجاوزت الجوزاء، ومن هناك حصل له الأنس بعلم النجوم فإنه أخذ علمها بالارتقاء إليها والاقتراب، لا بالحساب والأصطرلاب [١] ، بلغ السماء علوّا فشافهته بأسرارها كواكبها، وفرع [٢] الأفلاك سموّا فحدثته بأخبارها، مشارقها ومغاربها: له همم لا منتهى لكبارها ... وهمّته الصّغرى أجلّ من الدّهر (طويل) لا تستقرّ في خزائنه نفائس أمواله، وليس لها بيت يحفظها سوى بيوت سؤّاله [٣] : إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا ... ظلّت إلى طرق العلياء تستبق لا يألف الدّرهم المنقوش صرّتنا ... لكن يمرّ عليها وهو منطلق (بسيط) لا يفعل السّكر في كرمه إلا كما يفعل الصّحو في إمطار ديمه [٤] يعيد عطايا سكره عند صحوه ... ليعلم أنّ الجود منه على علم ويسلم في الإحسان من قول قائل ... تكرّم لمّا خامرته [٥] ابنة الكرم (طويل) ومن أسرار كرمه أنّه منزّه عن التّبذير، وإن كان أكثر من الكثير لأنه موضوع في أجلّ مواضعه، وواقع في أفضل مواقعة، فمتى تعرّض آمل أو عنّ سائل [٦] ، بادر إلى إرفاده (٧) مبادرة السيل إلى وهاده.

стр. 13

عشق المكارم فاستهام بذكرها ... والمكرمات قليلة العشّاق وأقام سوقا للثناء، ولم تكن ... سوق الثناء تعدّ في الأسواق فاذكر صنائعه فلسن صنائعا ... لكنهنّ قلائد الأعناق والثم أنامله فلسن أناملا ... لكنّهن مفاتح الأرزاق (كامل) وكأني بك أيها الناظر في هذا الكتاب قد استعظمت ما سمعت، فإن عرض لك الشّكّ فانظر أعيان هذا العصر، تجدهم يناقشون على الذرّة [١] ، وتجده لا يلتفت إلى الدّرّة، وتجدهم يحرصون على اقتناء الذّخائر، وتجده لا يحرص إلّا على الذكر السّائر والصيّت الطائر، وتجدهم قد شغفتهم محبّة الأولاد، وتجده قد شغفته محبّة السؤّال والقصّاد، وتجدهم يهربون من المغارم [٢] وتجده يعدّها من أفضل المغانم ثمّ ارجع البصر تجد المدائح عندهم كاسدة، وتجدها عنده نافقة، وتأمّل تبصر المكارم لديهم جامدة وتبصرها لديه دافقة، وانظر بابه تجده عامرا بوفود الثناء غاصّا بالأدباء والشّعراء والفضلاء والفصحاء. يسقط الطير حيث يلتقط الحبّ ... وتغشى منازل الكرماء [٣] (خفيف) وتاللَّه ما الدنيا إلا دنياه، ولا العيش إلا عيشه الّذي أعطاه الله. ما العيش أنّ يمسي الفتى ... متشبّعا ضخم الجزاره العيش أنّ يشجي الفتى ... أعداءه، ويعزّ جاره حتى يخاض [٤] ويرتجى ... ويرى له نشب وإ ويروح إمّا للكتابة ... سعيه، أو للإماره

стр. 14

رجعنا إلى حكاية الحال، وإتمام المقال: فلفقت المقادير أن جرى ذكري بين يديه وعرض شيء من أمري عليه فلمح بذكاء قلبه، وصحّة حدسه من تلك الأنباء حقيقة حالي قبل اللّقاء، وتقدّم بالحضور في خدمته، فلما حضرت راعني ما شاهدت من كمال هيئته وراقني ما عاينت من جمال صورته، وشريف سيرته فكان أوّل ما أنشدته قول المتنبي: وما زلت حتى قادني الشوق نحوه ... يسايرني في كلّ ركب له ذكر وأستعظم الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغّر الخبر الخبر [١] (طويل) ثمّ تابع من ألطافه ما غرس به ودّا، وجنى منه ثناء وحمدا، فرأيت أن أخدم حضرته بتأليف هذا الكتاب، ليكون تذكرة له، وتذكرة لي عنده، يذكرني به إذا غبت عن عالي جنابه، وانفصلت عن فسيح رحابه. وهذا كتاب تكلّمت فيه على أحوال الدّول وأمور الملك، وذكرت فيه ما استظرفته من أحوال الملوك الفضلاء، واستقريته من سير الخلفاء والوزراء وبنيته على فصلين [٢] : فالفصل الأول تكلّمت فيه على الأمور السلطانية والسّياسات الملكيّة وخواص الملك التي يتميّز بها عن السّوقة [٣] ، والتي تجب أن تكون موجودة أو معدومة فيه وما يجب له على رعيته وما يجب لهم عليه، ورصعت الكلام فيه بالآيات القرآنية والأحاديث النبويّة، والحكايات المستطرفة والأشعار المستحسنة. والفصل الثاني: تكلّمت فيه على دولة من مشاهير الدول التي كانت طاعتها عامّة، ومحاسنها تامّة، ابتدأت فيه بدولة الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان

стр. 15

وعليّ- ﵃ على الترتيب الّذي وقع، ثمّ بالدولة التي تسلّمت الملك منها وهي الدولة الأمويّة، ثم بالدولة التي تسلّمت الملك منها وهي الدولة الأموية، ثم بالدولة التي تسلمت الملك منها، وهي الدولة العبّاسيّة ثمّ بالدول التي وقعت في أثناء الدّول الكبار، كدولة بني بويه، وكدولة بني سلجوق وكدولة الفاطميين بمصر على وجه الإيجاز، فإنّها دول وقعت في أثناء دولة بني العبّاس ولكنها لم تكن طاعتها عامة، فأتكلّم على دولة دولة بمجموع ما حصل في ذهني من الهيئة الاجتماعية التي أفادتنيها مطالعة السّير والتواريخ، فأذكر كيف كان ابتداؤها وانتهاؤها، وطرفا ممتعا من محاسن ملوكها، وأخبار سلاطينها، فإن شذّ شيء من أحوالها عن ذهني، واحتجت إلى إثباته: من حكاية ظريفة، أو بيت شعر نادر، أو آية أو حديث نبوي، أخذته من مظانّه، ثم إذا ذكرت دولة فدولة تكلّمت على كلّيات أمورها، ثم ذكرت واحدا واحدا من ملوكها، وما جرى في أيّامه من الوقائع المشهورة والحوادث المأثورة، فإذا انقضت أيّام ذلك الملك، ذكرت وزراءه واحدا واحدا وظرائف ما جرى لهم، فإذا انقضت أيام الملك ووزرائه ابتدأت بالملك الّذي بعده وبما جرى في أيّامه، وبسير وزرائه كذلك، إلى آخر الدّولة العبّاسية. والتزمت فيه أمرين: أحدهما: ألّا أميل فيه إلّا مع الحقّ، ولا أنطق فيه إلّا بالعدل، وأن أعزل سلطان الهوى، وأخرج من حكم المنشأ والمربى، وأفرض نفسي غريبا منهم، وأجنبيّا بينهم. وثانيهما: أن أعبّر عن المعاني بعبارات واضحة تقرب من الأفهام لينتفع بها كلّ أحد، عادلا عن العبارات المستصعبة التي يقصد فيها إظهار الفصاحة، وإثبات البلاغة، فطالما رأيت مصنّفي الكتب قد اعترضتهم محبّة إظهار الفصاحة والبلاغة فخفيت أغراضهم، واعتاصت معانيهم، فقلّت الفائدة بمصنّفاتهم من ذلك كتاب القانون في الطبّ لأبي عليّ الحسين [١] بن سينا البخاريّ، فإنّه حشاه بالعبارات الغامضة، والتّراكيب المستغلقة، فبطل غرضه من

стр. 16

الانتفاع بكتابه، ولذلك ترى عامّة الأطباء قد عدلوا عن كتابه إلى «الملكي» السّهل العبارة، المفهم الإشارة. وهذا كتاب يحتاج إليه من يسوس الجمهور، ويدبّر الأمور، وإن أنصفه النّاس أخذوا أولادهم بتحفظه، وتدبّر معانيه، بعد أن يتدبّروه هم، فما الصغير بأحوج إليه من الكبير، ولا الملك العامّ الطاعة، بأحوج إليه من ملك مدينة ولا ذوو الملك بأحوج إليه من ذوي الأدب، فإنّ من ينصّب نفسه لمفاوضة الملوك، ومجالستهم ومذاكرتهم، يحتاج إلى أكثر ممّا في هذا الكتاب، فعلى أقلّ الأقسام لا يسعه تركه. وهذا الكتاب إن نظر بعين الإنصاف رئي أنفع من «الحماسة» التي لهج الناس بها، وأخذوا أولادهم بحفظها فإنّ «الحماسة» [١] لا يستفاد منها أكثر من الترغيب في الشّجاعة والضّيافة وشيء يسير من الأخلاق في الباب المسمّى بباب الأدب، والتأنّس بالمذاهب الشّعرية. وهذا الكتاب يستفاد منه هذه الخصال المذكورة ويستفاد منه قواعد السياسة، وأدوات الرّئاسة. فهذا فيه ما في «الحماسة» ، وليس في الحماسة، ما فيه. وإنّه ليفيد العقل قوّة، والذّهن حدّة، والبصيرة نورا، وهو للخاطر الذكيّ بمنزلة المسنّ الجيّد للفولاذ، وهو أيضا أنفع من «المقامات» [٢] التي الناس فيها معتقدون، وفي تحفّظها راغبون، إذ «المقامات» لا يستفاد منها سوى التمرّن على الإنشاء، والوقوف على مذاهب النظم والنثر. نعم، وفيها حكم وحيل وتجارب، إلّا أنّ ذلك ممّا يصغّر الهمّة، إذ هو مبنيّ على السّؤال والاستجداء والتحيّل القبيح على النّزر الطفيف، فإن نفعت من جانب، ضرت من جانب وبعض الناس تنبهوا على هذا من المقامات الحريرية والبديعيّة، فعدل ناس إلى «نهج البلاغة» من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- ﵇

стр. 17

فإنه الكتاب الّذي يتعلّم منه الحكم والمواعظ، والخطب والتوحيد والشجاعة والزهد وعلوّ الهمّة، وأدنى فوائده الفصاحة والبلاغة، وعدل الناس إلى «اليمني» للعتبي [١] ، وهو كتاب صنفه مؤلفه ليمين الدولة محمود بن سبكتكين [٢] يشتمل على سير جماعة من الملوك بالبلاد الشرقية، عبر فيه بعبارات حظها من الفصاحة وافر وصاحبها إن لم يكن ساحرا فهو كاتب ماهر، والعجم مشغوفون به مجدّون في طلبه وهو لعمري كتاب يشتمل على ظرائف حكم، وبدائع سير، مع ما فيه من فنون البلاغة، وأنواع الفصاحة، ولعلّ قائلا أن يقول: لقد بالغ في وصف كتابه، وحشا ما شاء في جرابه، والمرء مفتون بابنه وشعره، فإن اعتراه ريب فليتأمّل الكتب المصنّفة في هذا الفنّ، فلعله لا يرى فيها كتابا أجمع للمعنى الّذي قصد به من هذا الكتاب. وهو أعزّ الله نصره [٣] ، وسر بدوام السعادة سرّه، قد أغناه الله بالذّهن القاهر والفضل الباهر، عن هذا الكتاب وعن أمثاله، ولكنّ مهامّه الشّريفة ربّما أضجرته وأنسته، فإذا روّح فكره الشريف بالنظر فيه دفع به الملال، وتذكّر به ما أنسته الأشغال. ومن ألطاف الله تعالى أسأل ألّا يخلي هذا الكتاب من فائدتين، إحداهما تخصّني: وهي أن يقع عنده بموقع الاستصواب، فأبرأ من عهدة الخجل، والأخرى تخصّه: وهي ألا يعدمه الانتفاع به في القول والعمل، إنه ولي كلّ نعمة ومسدي [٤] كلّ عارفة.

стр. 18

الفصل الأول في الأمور السّلطانيّة والسّياسات الملكيّة أمّا الكلام على أصل الملك وحقيقته، وانقسامه إلى رياسات دينية ودنيوية، من خلافة وسلطنة، وإمارة وولاية، وما كان من ذلك على وجه الشرع وما لم يكن ومذاهب أصحاب الآراء في الإمامة، فليس هذا الكتاب موضوعا للبحث عنه، وإنّما هو موضوع للسّياسات والآداب التي ينتفع بها في الحوادث الواقعة، والوقائع الحادثة، وفي سياسة الرعيّة وتحصين المملكة، وفي إصلاح الأخلاق والسّيرة. فأوّل ما يقال: إن الملك الفاضل هو الّذي اجتمعت فيه خصال وعدمت فيه خصال، فأمّا الخصال التي يستحبّ أن توجد فيه: فمنها العقل: وهو أصلها وأفضلها وبه تساس الدّول بالملك، وفي هذا الوصف كفاية. ومنها العدل: وهو الّذي تستغزر به الأموال، وتعمر به الأعمال، وتستصلح به الرّجال: ولما فتح السّلطان «هولاكو» [١] بغداد في سنة ستّ وخمسين وستّمائة، أمر أن يستفتي العلماء، أيّهما أفضل، السلطان الكافر العادل، أم السلطان المسلم الجائر؟ ثمّ جمع العلماء بالمستنصريّة [٢] لذلك، فلما وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب، وكان رضيّ الدين عليّ بن طاووس [٣] حاضرا هذا المجلس، وكان مقدّما، فلما رأى إحجامهم تناول الفتيا، ووضع خطّه فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر فوضع الناس خطوطهم بعده. ومنها العلم: وهو ثمرة العقل، وبه يستبصر الملك فيما يأتيه ويذره ويأمن الزلل في قضاياه وأحكامه، وبه يتزيّن الملك في عيون العامّة ويصير به معدودا في خواص الملوك.

стр. 19

قال بعض الحكماء: الملك إذا كان خلوا من العلم كان كالفيل الهائج، لا يمرّ بشيء إلا خبطه، ليس له زاجر من عقل، ولا رادع من علم. واعلم أنّه ليس المراد بالعلم في الملوك هو تصوّر المسائل المشكلة، والتبحّر في غوامض العلوم، والإغراق في طلبها، قال معاوية: ما أقبح بالملك أن يبالغ في تحصيل علم من العلوم! وإنّما المراد من العلوم في الملك، هو ألا يكون له أنس بها إلا بحيث يمكنه أن يفاوض أربابها فيها، مفاوضة يندفع بها الحال الحاضر ولا ضرورة في ذلك إلى التدقيق. كان مؤيّد الدين محمّد بن العلقميّ وزير المستعصم [١]- وهو آخر وزراء الدّولة العبّاسية- يفاوض كلّ من يدخل عليه من العلماء مفاوضة عاقل لبيب محصّل ولم يكن له بالعلوم ملكة، ولا كان مرتاضا بها رياضة طائلة. كان بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، لكثرة مجالسة الأفاضل وخوضه في الأشعار والحكايات، يستنبط المعاني الحسنة على النّكت اللطيفة، مع أنه كان أمّيا لا يكتب ولا يقرأ. وكان عزّ الدين عبد العزيز بن جعفر النّيسابوريّ [٢]﵁ لمجالسة أهل الفضل، ولكثرة معاشرتهم له، يتنبّه على معان حسنة، ويحلّ الألغاز المشكلة أسرع منهم، ولم يكن له حظّ من علم، وما كان يظهر للناس إلا أنّه رجل فاضل وخفي ذلك حتّى على الصّاحب علاء الدين، فإن ابن الكبّوش الشاعر البصري عمل بيتين في الصاحب ونسبهما إلى عبد العزيز وهما: عطا ملك عطاؤك ملك مصر ... وبعض عبيد دولتك العزيز تجازي كلّ ذي ذنب بعفو ... ومثلك من يجازي أو يجيز (وافر)

стр. 20

فأنشدهما عبد العزيز بحضرة الصاحب وادّعاهما، وخفي الأمر على الصّاحب وما أدري من أيّهما أعجب؟! أمن الصّاحب كيف خفي عنه حال عبد العزيز مع أنه السنين الطويلة يعاشره في سفر وحضر، وجدّ وهزل؟ أم من عبد العزيز كيف رضي لنفسه مثل هذه الرّذيلة، وأقدم على مثل هذا مع الصاحب وما خاف من تنبّه الصاحب واسترذاله لفعله. وتختلف علوم الملوك باختلاف آرائهم، فأمّا ملوك الفرس: فكانت علومهم حكما ووصايا، وآدابا وتواريخ، وهندسة وما أشبه ذلك. وأما علوم ملوك الإسلام فكانت علوم اللسان، كالنّحو واللّغة، والشّعر والتواريخ، حتّى إنّ اللحن كان عندهم من أفحش عيوب الملك، وكانت منزلة الإنسان تعلو عندهم بالحكاية الواحدة وبالبيت الواحد من الشّعر، بل باللفظة الواحدة من اللغة. وأما في الدولة المغوليّة: فرفضت تلك العلوم كلّها، ونفقت فيها علوم أخر: وهي علم السياقة والحساب لضبط المملكة وحصر الدّخل والخرج، والطّب لحفظ الأبدان والأمزجة، والنجوم لاختيار الأوقات وما عدا ذلك من العلوم والآداب فكاسد عندهم، وما رأيته نافقا إلا بالموصل في أيام ملكها المشار إليه، مدّ الله ظلّه ونشر فضله. ومنها الخوف من الله تعالى، وهذه الخصلة هي أصل كلّ بركة، فإن الملك متى خاف الله أمنه عباد الله روي أن عليّا أمير المؤمنين- ﵇ استدعى بصوته بعض عبيده فلم يجبه، فدعاه مرارا فلم يجبه، فدخل عليه رجل، وقال: يا أمير المؤمنين إنّه بالباب واقف، وهو يسمع صوتك ولا يكلّمك! فلمّا حضر العبد عنده، قال: أما سمعت صوتي؟ قال: بلى، قال: فما منعك من إجابتي؟ قال: أمنت عقوبتك، قال عليّ ﵇: الحمد للَّه الّذي خلقني ممّن يأمنه خلقه. وما أحسن قول أبي نواس [١] لهارون الرشيد:

стр. 21

قد كنت خفتك ثم آمنني ... من أن أخافك خوفك الله (كامل) ولم يكن الرّشيد يخاف الله، وأفعاله بأعيان آل عليّ، وهم أولاد بنت نبيّه لغير جرم، تدلّ على عدم خوفه من الله تعالى، ولكنّ أبا نواس جرى في قوله على عادة الشّعراء. ومنها العفو. عن الذنوب، وحسن الصفح عن الهفوات: وهذه أكبر خصال الخير وبها تستمال القلوب، وتصلح النيات، فمما جاء في التنزيل من الحثّ على ذلك قوله تعالى شأنه: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ ٢٤: ٢٢ [١] ، وكان المأمون حليما حسن الصّفح معروفا بذلك، هجاه دعبل الشاعر بأشعار كثيرة من جملتها: إنّي من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرّفتك بمقعد شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد فلما بلغه هذا القول لم يزد على أن قال: قاتله الله ما أشدّ بهتانه، متى كنت خاملا وفي حجر الخلافة نشأت وبدرّها أرضعت؟! ولمّا بلغه أن دعبلا قد هجاه قال من أقدم على هجاء وزيري أبي عباد [٢] ، كيف لا يقدم على هجائي؟! وهذا الكلام ظاهره غير مستقيم، وهو يحتاج إلى تأويل، فإنّه عكس المعهود، قد كان ينبغي أن يقول الوزير: من أقدم على هجاء الخليفة كيف لا يقدم على هجائي ومعنى قول المأمون: أنّ من أقدم على هجاء أبي عباد مع حدّته وهوجه وتسرّعه- وكان أبو عباد كذلك- كيف لا يقدم عليّ في حلمي وصفحي؟!. ولولا خوف الإطالة لذكرت جماعة من حلماء الملوك في هذا الموضع، ولكن ليس هذا الفصل موضوعا للسّمر وسيرد من ذلك ما يمنع- إن شاء الله- في الفصل الثاني.

стр. 22

ومنهم من يرى أنّ الحقد خصلة محمودة في الملك، قال بزرجمهر [١] : يجب أن يكون الملك أحقد من جمل، وأنا أناظره في هذا القول فأقول: كيف يقال كذلك والملك متى كان حقودا فسدت نيته لرعيّته فمقتهم، وقلّل الالتفات إليهم بالشفقة عليهم ومتى أحسّوا بذلك تغيّرت نياتهم له، وفسدت بواطنهم، وهل يتمكّن الملك مما يريده من مهمّات مملكته، وبلوغ أغراضه كما في نفسه، إلّا بصفاء قلوب رعيّته؟ وأيّ حكمة في ذلك؟ وهل فيه سوى تنغيص عيش الملك وتبغيض رعيّته إليه، وإيحاشهم منه؟ قال شاعر العرب [٢] : ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا (طويل) خصوصا والناس مركّبون على الخطأ، ومجبولون على تشمير الطباع، فما أكثر ما تصدر منهم موجبات الحقد! فلا يزال الملك طول دهره يعاني من الغيظ والحقد عليهم، ما ينغّص عليه لذّته، ويشغله عن كثير من مهام مملكته، وما أكثر ما رأينا الرعيّة أو الجند قد وثبوا على ملوكهم، فسلبوهم رداء المملكة بل رداء الحياة! فابتدئ من عمر بن الخطاب، وقد وثب عليه لؤلؤة [٣] عبد المغيرة بن شعبة فقتله، ثم ثنّ بعثمان بن عفان- ﵁ وانظر كيف اجتمع عليه رعيّته من كلّ جانب، فحاصروه في داره أيّاما ثم دخلوا عليه فقتلوه، والمصحف في حجره حتى قطرت قطرات من دمه على المصحف، ثم ثلث بعليّ بن أبي طالب- ﵇ وقد ضربه عبد الرحمن بن ملجم- لعنه الله- بسيفه على أمّ رأسه

стр. 23

بالكوفة فقتله، وكان ابن ملجم من الخوارج، هذا في الصدر الأول والناس ناس والدين دين، ثم تنقّل دولة فدولة، وأياما، فأياما، إلى أواسط دولة بني العبّاس، فانظر منذ عهد المتوكل إلى عهد المقتفي ما جرى على واحد واحد من الخلفاء من القتل والخلع والنهب، بسبب تغيّر نيات جنده ورعيّته. فهذا سمل [١] ، وذاك قتل، والآخر عزل. ثم اسرح طرفك في الدولتين البويهية والسلجوقية تر من هذا الباب عجبا. ثم ارجع البصر إلى أونكخان ملك الترك، كيف لما تنكّرت نيّته على جنكزخان [٢] ، وحقد عليه أشياء عرضها عليه عنده حساده، وأراد الوقيعة به وأعلمه بذلك الصبيان فرحل من ليلته، ثم حشد وجمع ووثب على أونكخان فقتله وملك ممالكه- تعلم أن الحقد من أضرّ الأشياء للملك، وأن أوفق الأشياء له الصفح والعفو والغفران والتناسبي. وما أحسن قول القائل: اقبل من الناس ما تيسّر ... ودع من الناس ما تعسر فإنّما النّاس من زجاج ... إن لم ترفق به تكسّر (منسرح) وقد مدح بعض الشعراء الحقد، ولم يسمع بمن مدح الحقد غير هذا، فقال: وما الحقد إلا توأم الشّكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض فحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثمّ ترى شكرا على سالف الفرض إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع ... من البذر فهي ناهيك من أرض (طويل) هذا قول لا يعرج عليه. وإن عرّج عليه أحد فليعرّج عليه غير الملك، فإنّ الملك أحوج الخلق إلى استصلاح النيّات، واستصفاء القلوب. ومن الخصال التي يستحبّ أن تكون في الملك، الكرم: وهو الأصل في استمالة القلوب، وتحصيل النصائح من العالم، واستخدام الأشراف. قال الشاعر:

стр. 24

إذا ملك لم يكن ذا هبه [١] ... فدعه فدولته ذاهبه (متقارب) ومما جاء في الحديث النبوي- صلوات الله على صاحبه- «تجاوزوا عن ذنب السخيّ، فإنّ الله آخذ بيده كلّما عثر، وفاتح عليه كلّما افتقر» . وقال عليّ- ﵇ «: الجود حارس الأعراض» . واعلم أنه لم تتضمّن سيرة من حكايات الجود مثل ما نقل عن قان العادل (وهو أوكتاي بن جنكزخان) ، فإنه غبّر [٢] في وجوه جميع كرام الملوك. مناقب تفتق ما رقعتم ... من جود كعب [٣] وسماح حاتم (رجز) ومن الاتفاقات الحسنة، وجوده في عصر المستنصر باللَّه. وكان المستنصر أكرم من الريح، ولكن أين يقع جوده من جودقان؟ ومن أين للمستنصر [٤] مال يفي بعطايا قان؟. ومنها الهيبة: وبها يحفظ نظام المملكة، ويحرس من أطماع الرعيّة. وقد كان الملوك يبالغون في إقامة الهيبة والناموس، حتى بارتباط الأسود والفيلة والنمور، وبضرب البوقات الكبار كبوق النفير، والدّباب [٥] والقصع، ورفع السّناجق [٦] وخفق الألوية على رءوسهم. كلّ ذلك لإثبات الهيبة في صدور الرعية، ولإقامة ناموس المملكة. كان عضد الدولة إذا جلس على سريره أحضرت الأسود والفيلة والنمور في السلاسل، وجعلت في حواشي مجلسه، تهويلا بذلك على الناس، وترويعا لهم.

стр. 25

ومنها السّياسة: وهي رأس مال الملك، وعليها التّعويل في حقن الدماء، وحفظ الأموال، ومنع الشّرور، وقمع الدعّار [١] والمفسدين، والمنع من التظالم المؤدّي إلى الفتنة والاضطراب. ومنها الوفاء بالعهد: قال تعالى سلطانه: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا ١٧: ٣٤ [٢] . وهو الأصل في تسكين القلوب، وطمأنينة النفوس، ووثوق الرعيّة بالملك إذا طلب الأمان منه خائف، أو أراد المعاهدة منه معاهد. ومنها الاطّلاع على غوامض أحوال المملكة ودقائق أمور الرعيّة، ومجازاة المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته. كان أردشير [٣] الملك يقول لمن شاء من أشراف رعيّته وأوضاعهم: كان البارحة من حالك كيت وكيت حتّى صار يقال إنّ أردشير يأتيه ملك من السّماء يخبره بالأمور. وما ذاك إلا لتيقظه وتصفّحه. فهذه عشر خصال من خصال الخير، من كنّ فيه استحقّ الرئاسة الكبرى. ولو نظر أصحاب الآراء والمذاهب حقّ النظر، وتركوا الهوى، لكانت هذه الشرائط هي المعتبرة في استحقاق الإمامة، وما عداها فغير طائل. وقال بزرجمهر [٤] . ينبغي أن يكون الملك كالأرض في كتمان سرّه وصبره، وكالنار على أهل الفساد وكالماء في لينه لمن لاينه، وينبغي أن يكون أسمع من فرس، وأبصر من عقاب، وأهدى من قطاة، وأشدّ حذرا من غراب، وأعظم إقداما من الأسد، وأقوى وأسرع وثوبا من الفهد وينبغي للملك ألا يستبدّ برأيه وأن يشاور في الملمّات خواصّ الناس وعقلاءهم ومن يتفرّس فيه الذكاء والعقل وجودة الرّأي، وصحّة التمييز ومعرفة الأمور. ولا ينبغي أن تمنعه عزّة الملك من إيناس المستشار به وبسطه، واستمالة قلبه حتى يمحضه النّصيحة فإن أحدا لا ينصح بالقسر ولا يعطي نصيحته إلا بالرّغبة، وما أحسن قول الشاعر في هذا المعنى:

стр. 26

أهان وأقصى ثم يستنصحونني ... ومن ذا الّذي يعطي نصيحته قسرا؟! (طويل) قال الله تعالى: وَشاوِرْهُمْ في الْأَمْرِ ٣: ١٥٩ وكان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه دائما. لمّا كانت وقعة بدر [١] خرج- ﷺ من المدينة في جماعة من المسلمين، فلما وصلوا بدرا نزلوا على غير ماء، فقام إليه رجل [٢] من أصحابه وقال: يا رسول الله: نزولك ها هنا شيء أمرك الله به أو هو من عند نفسك قال: بل هو من عند نفسي، قال يا رسول الله: إن الصّواب أن ترحل وتنزل على الماء فيكون الماء عندنا، فلا نخاف العطش، وإذا جاء المشركون لا يجدون ماء، فيكون ذلك معينا لنا عليهم، قال رسول الله، صدقت، ثم أمر بالرحيل، ونزل على الماء، واختلف المتكلّمون في كون الله تعالى أمر رسوله بالاستشارة، مع أنه أيّده ووفّقه، وفي ذلك أربعة وجوه: أحدها: أنّه- ﵇ أمر بمشاورة الصحابة استمالة لقلوبهم وتطييبا لنفوسهم. والثاني: أنه أمر بمشاورتهم في الحرب ليستقرّ له الرأي الصحيح فيعمل عليه. والثالث: أنه أمر بمشاورتهم لما فيها من النفع والمصلحة. والرابع: أنه إنما أمر بمشاورتهم ليقتدي به الناس، وهذا عندي أحسن الوجوه وأصلحها. قالوا: الخطأ مع المشورة، أصلح من الصواب مع الانفراد والاستبداد، وقال صاحب كليلة ودمنة [٣] : لا بدّ لملك من مستشار مأمور يفضي إليه بسرّه، ويعاونه على رأيه، فإن المستشير- وإن كان أفضل من المستشار وأكمل عقلا وأصحّ رأيا- قد يزداد برأي المشير رأيا، كما تزداد النار بالدّهن ضوءا ونورا، قال الشاعر:

стр. 27

إذا أعوز الرأي المشورة فاستشر ... برأي نصيح أو مشورة حازم [١] (طويل) واعلم أنّ للملك أمورا تخصّه يتميز بها عن السوقة، فمنها: أنه إذا أحبّ شيئا أحبه الناس، وإذا أبغض شيئا أبغضه الناس، وإذا لهج بشيء لهج به الناس إمّا طبعا أو تطبّعا، ليتقربوا بذلك إلى قلبه، ولذلك قيل: الناس على دين ملوكهم فانظر كيف كان زيّ الناس في زمن الخلفاء، فلما ملكت هذه الدولة- أسبغ الله إحسانها وأعلى شأنها- غيّر الناس زيّهم في جميع الأشياء، ودخلوا في زيّ ملوكهم بالنطق واللباس، والآلات والرّسوم والآداب، من غير أن يكلّفوهم ذلك أو يأمروهم به أو ينهوهم عنه، ولكنهم علموا أن زيّهم الأوّل مستهجن في نظرهم، مناف لاختيارهم فتقرّبوا إليهم بزيّهم وما زال الملوك في كلّ زمان يختارون زيّا وفنّا، فيميل الناس إليه ويلهجون به، وهذا من خواصّ الدولة وأسرار الملك. ومن خواصّ الملك: أن صحبته تورث التيه والكبر، وتقوّي القلب وتكبّر النفس وليس صحبة غير الملك تفعل ذلك، ومن خواصّه: أنه إذا أعرض عن إنسان وجد ذلك الإنسان في نفسه ضعفا، وإن لم ينله بمكروه، وإذا أقبل على إنسان وجد ذلك الإنسان في نفسه قوّة، وإن لم يصبه منه خير، بل مجرّد الإعراض، والإقبال يفعل ذلك، وليس أحد من الناس بهذه المنزلة غير السّلطان. وأما الخصال التي يستحبّ أن تكون معدومة فيه: فقد ذكرها ابن المقفع في كلام له قال: ليس للملك أن يغضب، لأنّ القدرة من وراء حاجته، وليس له أن يكذب لأنه لا يقدر أحد على إلزامه بغير ما يريد، وليس له أن يبخل، لأنه أقل الناس عذرا في خوف الفقر، وليس له أن يكون حقودا، لأن قدره قد عظم عن المجازاة لأحد على إساءة صدرت منه، وليس له أن يحلف إذا حدّث، لأن الّذي يحمل الإنسان على اليمين في حديثه خلال: إمّا مهانة يجدها في نفسه واحتياج إلى

стр. 28

أن يصدّقه الناس، وإمّا عيّ وحصر وعجز عن الكلام، فيريد أن يجعل اليمين تتمة لكلامه أو حشوا فيه، وإما أن يكون قد عرف أنه مشهور عند الناس بالكذب، فهو يجعل نفسه بمنزلة من لا يصدّق ولا يقبل قوله إلّا باليمين، وحينئذ كلّما ازداد إيمانا ازداد الناس له تكذيبا، والملك بمعزل عن هذه الدنايا كلّها، وقدره أكبر من ذلك. ومن الخصال التي يستحبّ أن تكون معدومة في الملك: الحدّة، فإنّها ربّما أصدرت عنه فعلا يندم عليه حين لا ينفع الندم، وأكثر ما ترى الحداد من الرّجال سريعي الرّجوع، ولذلك قال- ﵊: «خير أمّتي حدادها» . ومن الخصال التي يستحب عدمها في الملك: الضّجر والسّأم والملل، فذلك من أضرّ الأمور وأفسدها لحاله. واعلم أنّ للملك على رعيّته حقوقا، وأنّ لهم عليه حقوقا، فأمّا الحقوق التي تجب للملك على رعيّته، فمنها الطاعة: وهي الأصل الّذي ينتظم به صلاح أمور الجمهور، ويتمكن به الملك من الإنصاف للضعيف من القويّ، والقسمة بالحقّ، وممّا جاء في التنزيل من الحثّ على ذلك- وهي الآية المشهورة في هذا المعنى- قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ٤: ٥٩ [١] . ومن أمثالهم: «لا إمرة لمن لا يطاع» [٢] . ولم ينقل في تاريخ ولا تضمّنت سيرة من السير، أنّ دولة من الدول رزقت من طاعة جندها ورعاياها، ما رزقته هذه الدولة القاهرة المغوليّة [٣] ، فإنّ طاعة جندها ورعاياها لها، طاعة لم ترزقها دولة من الدّول. فأما الدّولة الكسرويّة [٤] : فإنّها على عظمها وفخامتها، لم تبلغ ذلك، وقد

стр. 29

كان النّعمان بن المنذر [١] ملك الحيرة نائبا لكسرى على العرب، وبين الحيرة والمدائن التي كانت سرير ملك الأكاسرة فراسخ معدودة والنّعمان في كل أيّامه قد عصا على كسرى وإذا حضر مجلسه تبسّط وتجرّأ على مجاوبته، وكان متى أراد خلع طاعته دخل البرية فأمن شرّه. وأمّا الدّول الإسلاميّة: فلا نسبة لها إلى هذه الدولة حتّى تذكر معها، فأمّا خلافة الأربعة الأوّل: وهم أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان- ﵃ وعليّ بن أبي طالب- ﵇ فإنّها كانت أشبه بالرّتب الدينية من الرّتب الدنيوية في جميع الأشياء، كان أحدهم يلبس الثّوب من الكرباس الغليظ، وفي رجله نعلان من ليف، وحمائل سيفه ليف، ويمشي في الأسواق كبعض الرعيّة، وإذا كلّم أدنى الرعيّة أسمعه أغلظ من كلامه، وكانوا يعدّون هذا من الدين الّذي بعث به النبيّ صلوات الله عليه وسلامه، قيل إنّ عمر ابن الخطّاب جاءته برود من اليمن ففرّقها على المسلمين فكان نصيب كلّ رجل من المسلمين بردا واحدا، وكان نصيب عمر كنصيب واحد من المسلمين، قيل: ففصّله عمر ثم لبسه، وصعد المنبر فأمر الناس بالجهاد فقام إليه رجل من المسلمين وقال: لا سمعا وطاعة، قال لم ذلك؟ قال: لأنّك استأثرت علينا، قال عمر: بأيّ شيء استأثرت؟ قال: إن الأبراد اليمنيّة لما فرّقتها حصل لكلّ واحد من المسلمين برد منها، وكذلك حصل لك، والبرد الواحد لا يكفيك ثوبا، وتراك قد فصّلته قميصا تامّا، وأنت رجل طويل، فلو لم تكن قد أخذت أكثر منه لما جاءك منه قميص فالتفت عمر إلى ابنه عبد الله وقال: يا عبد الله أجبه عن كلامه، فقام عبد الله ابن عمر وقال: إنّ أمير المؤمنين عمر لمّا أراد تفصيل برده لم يكفه، فناولته من بردي لأتمّمه له، فقال الرّجل: أمّا الآن فالسّمع والطاعة [٢] . وهذه السّير ليست من طرز ملوك الدنيا، وهي بالنّبوّات والأمور الأخرويّة أشبه.

стр. 30

وأما خلافة بني أميّة: فكانت قد عظمت وتفخّم أمرها، وعرضت مملكتها [١] ولكنّ طاعتهم لم تكن كطاعة هؤلاء، وكان بنو أميّة في الشام، وكان بنو هاشم بالمدينة لا يلتفتون إليهم، وإذا دخل الرجل الهاشميّ على الخليفة من بني أمية أسمعه غليظ الكلام وقال له كلّ قول صعب. وأما الدّولة العباسية: فلم تبلغ طاعة الناس لها ما بلغت هذه الدولة [٢] ، مع أن مدّتها طالت حتّى تجاوزت خمسمائة سنة، ومملكتها عرضت حتّى إنّ بعضهم جبى معظم الدنيا. وستقع الإشارة إلى ذلك عند الكلام على دولة بني العبّاس. وحاصل الدنيا في أيّام الرشيد، في حسبة جامعة تشتمل عليها كتب التواريخ- يدل على ذلك. فأما أوائلهم: فجبوا شطرا صالحا من الدنيا. وقويت شوكتهم. كالمنصور والمهديّ والرشيد والمأمون والمعتصم والمعتضد والمتوكل. ومع ذلك لم تكن دولتهم تخلو من ضعف ووهن من عدة جهات: منها امتناع الروم عليهم، وقيام الحرب بينهم وبين ملوكها النّصارى في كلّ سنة على ساق. ومع ذلك كانت جبايتها تستصعب عليهم وملوكها لا يزالون على الامتناع منهم، وقد كان من أمر المعتصم وعمّورية ما بلغك ولعلّ طرفا منه يبلغك في هذا الكتاب: عند الكلام في الدّولة العباسية. ومن أسباب الوهن الواقع في دولتهم خروج الخوارج في كلّ وقت. فأمّا المنصور: فلم يشرب ريقا حلوا من ذلك، وخرج عليه النّفس الزكية محمّد بن عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب- ﵈ بالحجاز فجرت بينه وبينه حروب أفضت إلى إرسال عيسى بن موسى بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس إلى الحجاز لمحاربة النّفس الزكيّة، فقتله بموضع قريب من المدينة يقال له أحجار الزّيت. وذلك في سنة كذا [٣] ، ولذلك سمّي النفس الزكيّة قتيل أحجار الزّيت

стр. 31

وخرج عليه أخو النّفس الزكيّة. وهو إبراهيم بن عبد الله بالبصرة فقلق المنصور لذلك غاية القلق وقام وقعد حتّى توجّه إليه عيسى بن موسى فقتله بقرية قريبة من الكوفة يقال لها باخمرى [١]﵁ ومن هاهنا حقد المنصور على العلويّين وفعل بهم تلك الأفاعيل. ولعل طرفا منها يبلغك في هذا الكتاب إذا انتهيت من الكلام إلى الدولة العبّاسيّة. وكذلك جرى أمر الخوارج مع خليفة خليفة، حتى كان الرعيّة لا ينامون في بيوتهم آمنين ولا يزالون يتوقّعون الفتنة والحرب، كما كان حال أهل قزوين في مجاورة قلاع الملاحدة. حدّثني الملك إمام الدين يحيى بن الافتخاريّ- ﵁ قال: أذكر ونحن بقزوين إذا جاء الليل جعلنا جميع مالنا من أثاث وقماش ورحل في سراديب لنا في دورنا غامضة خفية، ولا نترك على وجه الأرض شيئا، خوفا من كبسات الملاحدة. فإذا أصبحنا أخرجنا أقمشتنا، فإذا جاء الليل فعلنا كذلك. ولأجل ذلك كثر حمل القزاونة للسكاكين وكثر حملهم للسلاح. وما زال الملاحدة على ذلك حتى كان من أمر شمس الدين قاضي قزوين، وتوجّهه إلى قان وإحضار العسكر وتخريب قلاع الملاحدة ما كان. وليس هذا الموضع موضع استيفاء الكلام في هذا، فإنه اعترض وليس بمقصود. وكما جرى للموفّق بن المتوكّل في مرابطة الزّنج أربع عشرة سنة [٢] : ما زال يصابرهم من البصرة وواسط طول هذه المدة حتّى أفناهم، وكان لطول المدة قد ابتنى الزّنج هناك مدائن، ثم خربت وآثارها الآن باقية. وأما أواخرهم: - أعني أواخر خلفاء بني العبّاسي- فضعفوا غاية الضعف حتى عصت تكريت عليهم، وفي ذلك يقول شاعرهم: في العسكر المنصور نحن عصابة ... من دولة أخسس بنا من معشر

стр. 32

خذ عقلنا من عقدنا فيما ترى ... من خسّة ورقاعة وتهوّر تكريت [١] تعجزنا ونحن بعقلنا ... نمضي لنأخذ ترمذا [٢] من سنجر [٣] (كامل) وكانوا- أعنى المتأخّرين من خلفاء بني العبّاس- قد اقتصروا في آخر الأمر على مملكة العراق فحسب، حتى إن ((إربل [٤] ، لم تكن في حكمهم. وما زالت خارجة عن حكمهم إلى أن مات مظفر الدين بن زين الدين عليّ كوجك صاحب إربل وذلك في أيام المستنصر [٥] ، فعيّن عليّ شرف الدين إقبال الشّرابي، وكان مقدّم الجيوش ليتوجه إلى إربل ليفتحها، وجهزه بالعساكر فتوجّه الشرابي اليها وأقام عليها أياما محاصرا ثم فتحها فضربت البشائر ببغداد يوم وصول الطائر بفتحها. فانظر الى دولة تضرب البشائر على أبواب صاحبها، ويزيّن البلد لأجل فتح قلعة إربل، التي هي اليوم في هذه الدولة من أحقر الأعمار وأصغرها وأهونها بلى قد كان ملوك الأطراف، مثل ملوك الشام ومصر وصاحب الموصل، يحملون إليهم في كل سنة شيئا على سبيل الهديّة والمصانعة ويطلبون منهم تقليدا بولاية بلادهم، بحيث يتسلّطون بذلك على رعيتهم، ويوجبون عليهم طاعتهم بذلك السبب ولعل الخلفاء قد كانوا يعوّضون ملوك الأطراف عن هداياهم بما يناسبها، أو يفضل عنها كلّ ذلك لحفظ الناموس الظاهر، وليكون لهم في البلاد والأطراف السكّة والخطبة، حتى صار يضرب مثلا لمن له ظاهر الأمر وليس له من باطنه شيء أن يقال قنع فلان من الأمر الفلاني بالسكّة والخطبة، يعنى قنع منه بالاسم دون الحقيقة فهذه جمل من أحوال الدولة العباسية.

стр. 33

وأما الدولتان البويهية [١] والسلجوقية [٢] : فلم تعرض مملكتهما مع قوة شوكة ملوكهما كعضد الدولة في بني بويه، وطغرلبك في بني سلجوق، ولم تعمّ طاعتهما ولم يشمل ملكهما. وأما الدولة الخوارزمشاهية: - مع أن جريدة السلطان جلال الدين اشتملت على أربعمائة ألف مقاتل- فلم يعرض ملكها أيضا، ولا تجاوزت النواحي القريبة منها، بل جلال الدين غزا أطراف الهند. ومن الحقوق الواجبة للملك على الرعيّة التّعظيم والتّفخيم لشأنه في الباطن والظاهر وتعويد النفس ذلك ورياضتها بحيث تصير ملكة مستقرة، وتربية الأولاد على ذلك وتأديبهم به ليتربى هذا المعنى معهم. وها هنا موضع حكاية: وهي أنّ سلطان هذا العصر- ثبّت الله قواعد دولته وبسط في الخافقين ظلّ معدلته- لما ورد إلى بغداد في سنة ثمان وتسعين وستمائة دخل المستنصرية [٣] لمشاهدتها والتفرج فيها. وكانت قبل وروده إليها قد زينت وجلس المدرسون على سددهم، والفقهاء بين أيديهم، في أيديهم أجزاء القرآن وهم يقرءون منها، فاتفق أن الرّكاب السلطاني بدأ بالاجتياز على طائفة الشافعيّة، ومدرّسها الشيخ جمال الدين عبد الله بن العاقوليّ، وهو رئيس الشافعيّة ببغداد، فلما نظروا إليه قاموا قياما فقال للمدرّس المذكور: كيف جاز أن تقوموا لي وتتركوا كلام الله؟ فأجاب المدرّس بجواب لم يقع بموقع الاستصواب في الحضرة السّلطانية- أعلى الله في الدنيا كلمتها وفي الآخرة درجتها- ثم بعد ذلك حكي لي المدرس المذكور صورة السؤال والجواب فأما السؤال: فهو ما حكيته، وأمّا جوابه فلم

стр. 34

أضبطه، وقلت له: قد كان يمكن أن يقال في جواب هذا السؤال: إنّ تركنا للمصحف إن كان في أيدينا، واشتغالنا بغيره لم يحرّم علينا في شريعتنا، ولا جعل علينا في ذلك حرج، ثم إنّ هذا المصحف الّذي تركناه وقمنا بين يدي السّلطان، قد أمرنا فيه بتعظيم سلاطيننا. ومن الحقوق الواجبة للملك على رعيته: النصيحة، فمما جاء في الحديث- صلوات الله وسلامه على من نسب إليه- قوله ﷺ : «الدين النصيحة» ، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «للَّه ولرسوله ولجماعة المسلمين» . ومنها ترك اغتياب الملك في ظهر الغيب، قال ﷺ : «لا تسبّوا الولاة، فإنّهم إن أحسنوا، كان لهم الأجر وعليكم الشكر، وإن أساءوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر، وإنّما هم نقمة ينتقم الله بها ممّن يشاء، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحميّة والغضب، واستقبلوها بالاستكانة والتضرّع» . وأما الحقوق الواجبة للرعيّة على الملك فمنها: حماية البيضة [١] ، وسدّ الثّغور وتحصين الأطراف، وأمن السّوابل، وقمع الدعّار [٢] ، فهذه حقوق تلزم السلطان تجري مجرى الفروض الواجبة، وبهذه الأمور تجب طاعته على رعيّته وبنحو من هذا احتجّ الخوارج على أمير المؤمنين عليّ- ﵇ عقيب انقضاء حرب صفّين قالوا له: أنت فرّطت في حفظ هذا الثغر- يعني ثغر الشأم- بتحكيمك الحكمين، فأنت مخطئ مفرّط، فليس لك علينا طاعة: فإن اعترفت بهذا الخطأ واستغفرت رجعنا إلى طاعتك، وقاتلنا معك العدوّ. فعرّفهم- ﵇ أنه غلب رأيه في قضية التحكيم وأن التحكيم لم يكن رأيه فأصرّوا على قولهم ولم يقبلوا ونابذوه وقاتلوه، حتى كانت الوقعة المشهورة بالنّهروان.

стр. 35

ومن الحقوق الواجبة للرعية على الملك: الرّفق بهم، والصّبر على صادرات هفواتهم، قال صلوات الله عليه وسلامه: «ما كان الرّفق في شيء إلا زانه ولا كان الخرق [١] في شيء إلا شانه» وقد روي عنه- صلوات الله عليه وسلامه: «من الرّفق أشياء لا تليق إلا بمنصب النبوّة» كان صلاح الدين يوسف ابن أيوب صاحب مصر والشأم، كثير الرّفق موصوفا به. دخل مرّة الحمام عقيب مرضة طويلة أضعفته وانتهكت قوته فأدخل الحمّام وهو في غاية من الضّعف، فطلب من مملوك كان واقفا على رأسه ماء حارا فأحضر له في طاسة ماء شديد الحرارة، فلما قرب منه اضطربت يد المملوك فوقعت الطاسة عليه فأحرق الماء جسده، فلم يؤاخذه ولا بكلام. ثم طلب منه بعد ذلك بساعة ماء باردا. فأحضر له في تلك الطاسة ماء شديد البرد، فحين قرب منه اتفق له ما اتفق في المرّة الأولى، من اضطراب يده ووقوع الطاسة عليه، بذلك المساء الشديد البرد فغشي عليه وكاد يموت، فلما أفاق قال للملوك إن كنت تريد قتلي فعرّفني. ولم يزد على هذه الكلمة ﵁ . قيل: تقدّم رجل أبخر [٢] إلى بعض الرؤساء يشاوره فقال له تنحّ عنّي فقد آذيتني. قال الرجل: لا كرامة لا عزازة. ما رأسناك وقمنا بين يديك إلا حتى تحتمل منا ما هو أشدّ من هذا وتصبر منّا على ما هو أعظم منه. وممّا يجب للرعيّة على الملك: ردع قويّهم عن ضعيفهم، وإنصاف ذليلهم من عزيزهم وإقامة الحدود [٣] فيهم، وإقرار حقوقهم مقارها، وإغاثة ملهوفهم، وإجابة مستصرخهم، والتسوية في حكمه بين الأبعد منهم والأقرب، والأذلّ والأعزّ. قال عمر بن الخطّاب لرجل: إني لا أحبك قال: فتنقصني من حقّي شيئا؟ قال عمر: لا. قال الرجل: فما يفرح بالحبّ بعد هذا إلا النساء!. ويجب للملك أن يعرف نعمة الله عليه بأن اصطفاه لهذه المرتبة العلية دون سائر الخلق، وبأن جعله يفزع منه كلّ أحد ولم يجعله يفزع من أحد، فلا يزال لها

стр. 36

ذاكرا شاكرا. فأمّا الذكر: فلامتثال قوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ٩٣: ١١ [١] . وأما الشكر: فلطلب المزيد لقوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ١٤: ٧ [٢] . ويجب أن يكون بينه وبين ربه معاملة سريّة لا يعلم بها إلا الله، فتلك المعاملة تقي مصارع السوء، وهذه العبارة مقبولة عند جميع أصحاب الملل، وعند الحكماء أيضا هي مقبولة، ويمكن تأويلها على هذا المطلوب بحسب اعتقادهم. ويجب أن يكون له دعوات يناجي بها ربّه، وهي دعوات تليق بالملوك ولا تصلح للعوامّ، ولا بأس ان أثبت في هذا الموضع فصلا من الدعاء الملكي. وهذا مما اقترحته أنا ولم أعلم أن أحدا تنبّه عليه.

стр. 37

فصل من الدّعاء مختصر اللَّهمّ إني أبرأ إليك من حولي وقوتي، وألجأ إلى حولك وقوّتك، أحمدك على أن أوجدتني من العدم، وفضّلتني على كثير من الأمم، وجعلت في يدي زمام خلقك واستخلفتني على أرضك. اللَّهمّ فخذ بيدي في المضايق واكشف لي وجوه الحقائق ووفقني لما تحب، واعصمني من الزلل، ولا تسلب عني ستر إحسانك وقني مصارع السوء واكفني كيد الحساد وشماتة الأضداد، والطف بي في سائر متصرفاتي، واكفني من جميع جهاتي. يا أرحم الراحمين!! ويحسن بالملك الفاضل إكرام فضلاء رعيّته واختصاصهم بالبرّ. قال بعض الحكماء: لا يجوز أن يكون الفاضل من الرجال إلّا مع الملوك مكرّما، أو مع النسّاك متبتّلا [١] ، كالفيل لا يحسن أن يرى إلّا في موضعين: إما في البرّية وحشيا وإما للملوك مركبا. كما قال الشاعر: كمثل الفيل إمّا عند ملك ... وإمّا في مراتعه منيعا (وافر) ومما يكره للملك: مخالطة الأنذال والسوقة والجهال فإنّ سماع ألفاظهم الساقطة ومعانيهم المرذولة، وعباراتهم الدنية، مما يحط الهمّة ويضع المنزلة، ويصدئ القلب ويزري [٢] بالملك. ومخالطة الأشراف ومعاشرة أفاضل الرّجال، مما يعلي الهمّة ويذكي القلب، ويفتق الذهن ويبسط اللسان. وتلك قاعدة مطّردة للملوك، ما زالوا يدخلون إليهم عوام الرعيّة ويعاشرونهم ويستخدمونهم، ولم يخل أحد من الخلفاء من مثل هذا وكأن لسان حالهم يقول: نحن نخلّي الكبار كبارا، فإذا اختصصنا عاميا نوّهنا بذكره وقدّمناه حتى يصير من الخواص. كما أننا إذا أعرضنا [٣] عن أحد من الخواص أرذلناه حتى يصير من أراذل العوام.

стр. 38

وكذلك هو، فإنّ هذه خاصيّة من خواصّ الملك، وقد سبق ذكرها وكل هذا مأخوذ من الخواصّ الإلهية، فإنّ العناية الإلهية إذا صدرت ذرّة منها إلى النفوس، صار ذلك الإنسان نبيّا أو إماما أو ملكا. وإذا صدرت في حقّ الزمان صار ذاك اليوم يوم العيد الكبير، وليلة القدر، وأيّام الحج، وأيّام المواسم والزيارات لسائر الأمم، وإذا صدرت تلك الذرّة في حقّ المكان، صار بيت مكّة، والبيت المقدّس والمشاهد والجوامع والزيارات والمتعبّدات، ومواضع التقرّبات. وها هنا موضع حكاية: كان ببغداد حمّال يقال له: عبد الغني بن الدّرنوس فتوصّل في أيام المستنصر [١] حتى صار برّاجا [٢] في بعض أبراج دار الخليفة، فما زال يحسن التوصّل إلى ولد المستنصر وهو المستعصم آخر الخلفاء، وكان في زمن أبيه محبوسا فما زال هذا البرّاج يتعهده بالخدمة طول مدة الأيام المستنصرية إلى أن توفي المستنصر وجلس على سرير الخلافة ولده أبو أحمد عبد الله المستعصم، فعرف لهذا البرّاج حقّ الخدمة، ورتبة متقدم البرّاجين، وفي آخر الأمر استحبّه في باطن داره، واختصّه وقدّمه حتى بلغ إلى أنه صار إذا دخل إلى الوزير ينهض له، ويخلي المجلس من جميع الناس، إذا كان ابن الدرنوس حاضرا وسبب إخلاء المجلس الوزيريّ عند حضور ابن الدّرنوس أنه يمكن أن يكون قد جاء في مشافهة من عند الخليفة. ولقّب: نجم الدين الخاص، وصار من أخصّ الناس بالخليفة. وبلغ من منزلته أنه كان يتعصّب لصاحب الديوان يعرض مطالعاته ومهامّه على يد نجم الدين الخاصّ، وكان يمدّه في كلّ سنة بمال طائل حتى يحفظ غيبه، ويزكّيه في الحضرة الخليفية. وجرى بيني وبين جمال الدين علي بن محمد الدّستجرداني- ﵀ كلام في معنى هذا ابن الدّرنوس، فصوّبت أنا رأي المستعصم في الإحسان إليه، وقلت: إنّه خدمه وأثبت عليه حقا، وقد كافأه فلا عيب في هذا. وقال جمال الدين- ﵀ ما معناه: إن تسليطه لمثل ذلك

стр. 39

الأحمق على أعراض الناس وأموالهم، وإدخاله في المملكة حتى كاد أن يوّلي الوزراء ويعزلهم، قبيح من المستعصم ودليل على جهله، وإلّا فإن كان مراده الإحسان إليه مكافأة له على سابق خدمته، فقد كان يحب أن يكون ذلك بمال يعطاه أو برفع منزلة لا يختلّ بسببها أمر في المملكة ولا يتطرّق بها قدح في عقل الخليفة، وكان نظر جمال الدين في هذا المعنى أدقّ من نظري، والحقّ في جانبه- ﵀ وكانت هذه المفاوضة بيني وبينه في كتاب كتبته فيه اقتضى الحال ذكر هذه القضية وكتب هو الجواب عنه، وأعاد كتابي إليّ لأني التمست منه إعادة كتابي، والكتابان هما في هذا التاريخ عندي بخطّي وخطّه ﵀. وممّا يليق بالملك ويكمل فضله: أن يكون عالي الهمّة رحيب الصّدر محبّا للرئاسة معدا لها أسبابها، طامح البصر إليها معملا فكره في توسيع مملكته وعلوّ درجته، غير مخلد إلى التنعّم ولا جانح إلى الترف، ولا منهمك في اللّذات. قال بعض حكماء الفرس: همم النّاس صغار، وهمم الملوك كبار. وألباب الملوك مشغولة بكلّ شيء عظيم وألباب السّوقة [١] مشغولة بأيسر الأشياء. وليعلم الملك أن الرئاسة عروس مهورها الأنفس. نظر معاوية إلى عسكر أمير المؤمنين علي- ﵇ في صفّين [٢] فالتفت إلى عمرو بن العاص وقال: من يطلب عظيما يخاطر بعظيم. وإني نظرت فيما أحاول فإذا الموت في طلب العزّ، أحسن عاقبة من الحياة مع الذلّ، قال بعض الشعراء: هي النفس إن ماتت فقد مات قبلها ... كرام وإن تسلم فللحدثان إذا النّفس لم تشره إلى طلب العلا ... فتلك من الأموات في الحيوان (طويل) ومن الغاية في المعنى قول امرئ القيس: ولو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني- ولم أطلب- قليل من المال ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي

стр. 40

ومما يكمل فضيلة الملك: أن تكون قوّة الاختيار عنده سليمة لم تعترضها آفة فيكون يختار الرجال اختيارا فاضلا، كان الناصر [١] آية الدنيا في اختيار الرجال فكان من توصّلاته إلى معرفة الرّجل إن أشكل عليه، أن يشيع بين الناس أنّه يريد أن يوليه المنصب الفلانيّ، ثم يتمادى في إبرام ذلك أيّاما، فيمتلئ البلد بالأراجيف، لذلك الرجل فيفترق فيه الناس: فقوم يصوّبون ذلك الرأي ويصفون فضائل الرجل، وقوم يغلّطون الخليفة ويذكرون عيوب الرجل، وللخليفة عيون وأصحاب أخبار لا يؤبه لهم، يخالطون أصناف الناس، فيكتب أصحاب الأخبار إليه بما الناس فيه من الغليان في ذلك، فيعرف بصحّة نظره وتمييزه أيّ القولين أرجح وأصوب، فإن رجح في نظره تفضيل الرجل، ولّاه وخلع عليه، وإن ترجّح عنده قول الطاعنين عليه وتبيّن له نقصه، تركه وأعرض عنه وفي الجملة فحسن الاختيار أصل عظيم، قال الشاعر: من كان راعيه ذئبا في حلوبته [٢] ... فهو الّذي نفسه في أمره ظلما يرجو كفايته والغدر عادته ... ومن يرد خائنا يستشعر النّدما (بسيط) ومما يكره للملوك: المبالغة في الميل إلى النساء، والانهماك في محبّتهنّ، فأمّا مشاورتهنّ في الأمور: فمجلبة للعجز، ومدعاة إلى الفساد، ومنبهة [٣] على ضعف الرّأي اللَّهمّ إلا أن تكون مشاورتهن يراد بها مخالفتهن، كما قال- ﵇: «شاوروهنّ وخالفوهن» وفي هذا الحديث سؤال وجواب. إن قال قائل: إذا كان المراد مخالفتهن في آرائهن فأي فائدة في الأمر بمشاورتهن وقد كان يكفي في هذا أن يقال خالفوهن فيما يشرن به؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الأمر الأول للإباحة، والأمر الثاني للوجوب. يعني إذا شاورتموهن فخالفوهن. والآخر: أن الصواب لا يزال في خلاف آرائهن، فإذا أشكل
следующие страницы →