Полный текст (492 стр.). Показаны 456–492 · переход к 461.
стр. 456
أن يرموا ويصموا، ويفنوا مهما أرادوا ولا يطنوا، وجعل ينظر إليهم، ويتفرج عليهم، ويزهره لأفعالهم، ويقهقه على أحوالهم، ويجرئهم على الإقدام والنضال، ويشجعهم بذلك على صيد الأبطال، وجعلت حواشي الجيش تنجز على ما أصموا، وتجهز على ما أنموا، وصار ذلك المفسد يترنم وينشد
صيد الملوك أرانب وثعالب ... فإذا ركبت فصيدى الأبطال
"
فصل " وكان يحمل إليه البلخش من بلخشان، والفيروزج من نيسابور، وكارون معادن خراسان، والياقوت من الهند، والماس منها ومن السند، واللؤلؤ من هرمز والقطيف والحسا، واليشم والمسك وغيره من الخطا، ومن سائر الأقطار، خالص الفضة ومصفى النضار " فصل " وأنشأ في سمرقند بساتين عديدة، وقصوراً شوامخ مشيدة، كله له ترتيب غريب، ووضع أنيق عجيب، أحكم أساسها، وطعم بأفخر
стр. 457
الفواكه غراسها، سمة أحدها بستان إرم والآخر زينة الدنيا، والآخر جنة الفردوس والآخر بستان الشمال والآخر الجنة العليا، ثم إنه هدم مصرا، وبنى في كل بستان منها قصرا، وصور في بعض هذه القصور مجالسه وأشكال صورته تارة ضاحكة وأخرى عابسة، وهيئات مواقعاته، وصور محاضراته، ومجالس صحبته مع الملوك والأمراء، والسادات والعلماء والكبراء، ومثول السلاطين بين يديه، ووفودها بالخدمات من سائر الأقطار إليه وحلق مصايده وكمائن مكايده ووقائع الهند والدشت والعجم، وصورة انتصاره وكيف انكسر عدوه وانهزم، وصورة أولاده وأحفاده، وأمرائه وأجناده، ومجالس عشرته، وكاسات خمرته، وسقاة كأسه، ومطربي إيناسه، وتغزلات مقاماته، ومقامات تغزلاته، وحظايا حضرته، وخواتين عصمته إلى غير ذلك، مما وقع له من صورة حادثة في الممالك، مدى عمره المتقارب المتدارك، كل ذلك كما وقع ووجد، ولم ينقص من ذلك شيئاً ولم يزد، وقصد بذلك الإفادة، لمن كان في عالم الغيب عن أحواله بالشهادة، فكان إذا توجه إلى مكان، وخلت سمرقند
стр. 458
من الظلمة وأعوان الشيطان، تخلوا تلك البساتين، فيتوجه إليها أهل المدينة الأغنياء والمساكين، فلا يوجد أعجب متنزهاً منها ولا أحسن، ولا أوفق مرتفقاً ولا آمن وأما ثمارها الطيبة فإنها مسبلة، بحيث إنه لا يباع منها قنطار بخردلة، وأنشأ في ضواحي سمرقند ومعاملاتها قصبات، سماهن بأسماء كبار البلدان والأمهات، كمصر ودمشق وبغداد، وسلطانية وشيزار عرائس البلاد، وأنشأ بستاناً في ضواحي سمرقند على طريق الكشف، وبنى به قصراً سماه تخت قراجا، يحكى أن بعض مشيدي عمارته ضاع له فرس واستمرت ترعى في البستان ستة أشهر حتى وجدوها
فصل
نساؤه الملكة الكبرى وهي أقدم وأكمل، والملكة الصغرى وهي أحسن وأجمل، وهما من بنات ملوك الخطا، وتومان بنت الأمير موسى أمير نخشب المار ذكره في أول الكتاب، وجلبان كانت كالبدر عند الكمال، وكالشمس قبل الزوال، قتلها في حياته لشيء بلغه عنها، وكان غير واقع، وإنما فعل ذلك معها لأنه قيل
стр. 459
إن صدقاً وإن كذباً، وأظنها كانت من الحظايا وأما السراري " والحظايا " فأكثر من أن يحصين فالملكتان، المذكورتان سمتهما شاد ملك خوفاً منها على خليلها، وتومان أرسل خليل سلطان إلى شيخ نور الدين بسغناق كما مر، وبعده جاءت إلى سمرقند، وسمعت أنها عزمت في يومنا هذا أعني سنة أربعين وثمانمائة على الحج، والله أعلم
فصل
" أولاده لصلبه " المتخلفون من بعده أميران شاه قتله قرا يوسف كما ذكر، وشاه رخ وهو المتملك في يومنا هذا، وبنت تدعى سلطان بخت سليمان شاه، كانت مترجلة لا تحب الرجال، وذلك لما أفسدها النساء البغداديات لما قدمن سمرقند، ولها تواريخ سوء " أحفاده " أغلبهم انقرض، إلا أولاد شاه رخ، وأمثلهم أولوغ بك حاكم سمرقند، وإبراهيم سلطان حاكم شيراز، وباي سنقر حاكم كرمان، ماتا كلاهما في سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، وجوكي وهو الذي مشى على اسكندر بن قرا يوسف وشتت شمله بعد موت قرايلوك، وذلك في شهور سنة تسع وثلاثين
стр. 460
وثمانمائة، ثم مات في أواخرها
فصل
أمراؤه ووزراؤه لا يحصون، وأشهرهم من ذكر في هذا الكتاب " وما مات إلا عن الطبقة الثالثة ممن أنشأه من الأمراء والوزراء، كذا أخبرني شيخي علاء الدين البخاري رحمه الله تعالى " دواوينه الخواجه محمود بن الشهاب الهروي، ومسعود السمناني، ومحمد الساغرجي، وتاج الدين السلماني، وعلاء الدولة، وأحمد الطوسي، وغيرهم منشئ ديوانه وهو عبارة عن كاتب السر مولانا شمس الدين قاضي زمانه، وفاضل إبانه، فارسياً وعربياً، صرف أخبار الإنشاء كيف شاء، كان قلمه في فتح أقاليمه، أنفذ من سنان مخدومه، ولما مات تيمور احتجب، وطوى بساط الأدب، فقيل له ضحكت البشرى ألا تباشر، وصفت العشرة فهلا تعاشر؟ فقال ذهب الذي كان يعرف قيمتي، فأنا لا أذهب في خدمة الأحداث حرمتي إمامه عبد الجبار بن النعمان المعتزلي صدور مملكته مولانا قطب الدين، والخواجه عبد الملك، وابن عمه " الخواجه " عبد الأول، وغيرهم قارئ قصصه وتواريخه مولانا عبيد أطباؤه فضل الله، وجمال الدين رئيس الطب بالشام كان، وغيرهما، وكان دائماً يستعمل معاجين الأحجار، وفي سنه تلك يجتني باكورة
стр. 461
الأبكار منجموه لا يحضرني أسماؤهم
فصل
حصل في أيام استيلائه بسمرقند من الفقهاء مولانا عبد الملك، وهو من أولاد صاحب الهداية، كان يلقي الدرس ويعلم الشطرنج والنرد وينظم الشعر في حالة واحدة، ونعمان الدين الخوارزمي أبو عبد الجبار المذكور، كان يقال له النعمان الثاني، وكان أعمى، والخواجه عبد الأول ابن عم مولانا عبد الملك، انتهت إليه الرياسة في ما وراء النهر بعد ابن عمه، ومولانا عصام الدين بن عبد الملك انتهت إليه الرياسة في يومنا هذا بعد ابن عمه عبد الأول ومن المحققين سعد الدين التفتازاني، توفي في المحرم سنة إحدى وتسعين وسبعمائة بسمرقند، والسيد الشريف محمد الجرجاني توفي بشيراز ومن المحدثين الشيخ شمس الدين محمد بن الجزري، كان أخذه من الروم وكان قد هرب إليها من مصر بعد توجهه من بلاده الشام قبل الفتنة، توفي بشيراز والخواجه الكبير المفسر الحافظ المحدث محمد الزاهد البخاري، فسر القرآن الكريم في مائة مجلد، توفي بمدينة النبي صلى
стр. 462
الله عليه وسلم سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة ومن القراء هما ومولانا فخر الدين ومن حفاظ القرآن المجودين قراءة وصوتا عبد اللطيف الدامغاني، ومولانا أسد " الدين "، والشريف الحافظ الحسيني، ومحمود المحرق الخوارزمي، وجمال الدين أحمد الخوارزمي، وعبد القادر المراغي الأستاذ في علم الأدوار ومن الوعاظ والمتكلمين مولانا أحمد بن شمس الأئمة السرائي، كان يقال له ملك الكلام عربياً وفارسياً وتركياً، وكان أعجوبة الزمان، ومولانا أحمد الترمذي، ومولانا منصور القاغاني ومن الكتاب المجودين السيد الخطاط ابن بندكير، وعبد القادر المذكور، وتاج الدين السلماني، وغيرهم
ومن المنجمين أناس برعوا، لا أعرف من أسمائهم غير مولانا أحمد الطبيب النحاس المستخرج، قال لي استخرجت من زايجة الطالع إلى مائتي سنة، وكان هذا الكلام في سنة ثمان وثمانمائة ومن الصواغين الحاج علي الشيرازي، والحاج محمد الحافظ الشيرازي، وغيرهما ومن الحكاكين طائفة جمة، وأمثلهم ألتون، وكان آية في فنه ينقش الفصوص ويحفر اليشم والعقيق، بخط أحسن من ياقوت ومن الشطرنجيين محمد بن عقيل الخيمي، وزين اليزدي، وغيرهما،
стр. 463
وعلامة ذلك علاء الدين التبريزي الفقيه المحدث، كان يحط لزين اليزدي بيدقاً ويغلبه، ولابن عقيل فرساً ويركبه ولقد دوخ تيمور الأقاليم شرقاً وغربا، وقمر في دست مصافاته كل سلطان وكل شاه مات عنده جداً أو لعبا وكان يقول له أنت في ملك الشطرنج فريد، كما أني في سياسة الملك وحيد، وكل مني ومن مولانا علي شيخ في فنه ذو كرامات لم يوجد له نديد، " ولي " وله في لعب الشطرنج وعلم مناصيبه شرح، وما كان أحد يقدر أن ينتج ولاد فكره في لعبه معه من غير طرح، وكان فقيهاً شافعياً، محدثاً أريحيا، حسن البهجة، صادق اللهجة حكى لي أنه رأى أمير المؤمنين علياً كرم الله وجهه في المنام، وأنه ناوله الشطرنج في كيس فلم يغلبه بعد ذلك أحد من الأنام، ومن أوصافه في لعبه أنه كان لا يتفكر، وبمجرد ما يلعب خصمه بعد التفكر والتأمل الطويل ينقل من غير أن يتدبر، وكان يلعب على الغائب مع خصمين، ويعلم مع الطرح لمن هو في جهته على الجهتين، وكان يلعب هو والأمير بالشطرنج الكبير ورأيت عنده شطرنجاً مدوراً وشطرنجاً طويلا،
стр. 464
والشطرنج الكبير فيه من الزوائد ما مر ذكره، وهذه صورته وطريقة تعلمه بالفعل أقوى، وليس في شرحه بالقول كثير جدوى ومن المطربين عبد القادر المراغي المذكور، وولده صفي الدين، وختنه نسرين، وقطب المواصيلي، وأردشير الجنكي وغيرهم ومن النقاشين كثير، وأعلاهم عبد الحي البغدادي، وكان ماهراً في فنه ومن البحرية شهاب الدين أحمد الزردكاش ومن نقاشي الزجاج والنحاس وغيرهم مالا يحصى، وهؤلاء كل منهم كان علامة دهره وأعجوبة عصره، ولو رصعت حلي الألفاظ بجواهر أوصاف هؤلاء الأعيان، لملأت الأكوان من فرائد الجمان وقلائد العقيان، وهؤلاء من حضرني ذكره ممن أعرفه، وأما من لا أعرفه أو أعرفه ولا يحضرني ذكره فأكثر من أن يحصى، وأغزر من أن يستقصى وحاصل الأمر أن تيمور كان جنى على كل حي، وجبى إلى سمرقند ثمرات كل شيء، فكان بها من أهل كل فن عجيب، وأسلوب من الصنائع غريب، من هو على جبين الفضل شامة، وبرز على أقرانه فصار في فنه علامة
فصل
стр. 465
وكان في سمرقند إنسان، يسمى الشيخ العريان، فقير أدهمي، بشكل بهي وعزم سمي، قيل إن عمره على ما هو فيهم شائع، وبين أكابرهم وكبرائهم ذائع، ثلاثمائة وخمسون سنة، مع أن قامته مستوية وهيئته حسنة، كان المشايخ الهرمون، والأكابر المعمرون، يقولون لقد كنا ونحن أطفال، نرى هذا الرجل على هذا الحال، وكذلك نروي عن آبائنا الأكرمين، ومشايخنا الأقدمين، ناقلين ذلك كذلك عن آبائهم والمعمرين من كبرائهم، وكان أطلس وله قوة ناهضة وحده، من رآه يتصور أنه لم يبلغ أشده، لم يكن للكبر، بوجهه تجعيد ولا أثر وكان الأمراء والكبراء، والأعيان والصلحاء، والفضلاء والرؤساء، يترددون إلى زاويته، ويتبركون بطلعته، ويلتمسون بركة دعوته، وفي سمرقند مسجد يسمى مسجد الرباط، يهب لمن يدخله الانشراح والانبساط والروح والنشاط " قيل إن " أحد فعلته كان ولياً، يسمى الشيخ زكريا، هو معتقد تلك البلاد، ومزاره في كل مكان مشهور على " رأس " طود من الأطواد، وقبره يستجاب عنده الدعا، وهو عن سمرقند نحو يوم في المدى، وهو بالكرامات
стр. 466
موصوف، وفي كرخ هذه المقامات معروف، وهو في ربوة ذات قرار، فيها جنات تجري من تحتها الأنهار، محفوف باليمن والأنس، كأنه اقتطع من حظيرة القدس يحكى أنه لما كان، فاعلاً في ذلك البنيان، وقع في جبهته نقطة من الطين، فرأى ذلك أحد من المباشرين، واستمر ذلك الطين على هذه الحال، نحواً من ثلاث ليال، فلما أرادوا وضع المحراب، وقع الاختلاف في الخطأ والصواب، وكثر في ذلك الصخب والاضطراب، فقال الشيخ زكريا ضعوا المحراب على هذه الفقرة ولا تعدلوا عنها يمنة ولا يسرة
فقال ذلك المباشر، لمن في ذلك المكان حاضر، يا للعجيبة، والقضية الغريبة، رجل لم يغسل وجهه ثلاثة أيام " يرشد الناس إلى معالم الإسلام فقال ذلك العابد الزاهد أو رجل هو من يتم ثلاثة أيام " بوضوء واحد، ولكن تعال أيها الجاحد، قف مكانك، وثبت جنانك، ولا تكن ممن أنكر وتولى، وانظر إلى عروس الكعبة كيف تجلى، فنظر ذلك الذي أنكر، فإذا الكعبة أمامه تتبختر، ثم التفتوا إلى الشيخ ففقدوه، وطلبوه أرضاً وسماء فلم يجدوه وهذا المسجد فيه شيء عجب، عدة اسطوانات من خشب،
стр. 467
من جملتها سارية شمخت ارتفاعاً، نحو من خمسة عشر ذراعا، وغلظ جسمها وبدنها، فلا يقدر الرجل " على أن " يحتضنها، وباقي السواري بها قد حطن، قيل إنها شجرة قطن، ولها خاصية عجيبة ظريفة غريبة من كان به وجع الضرس يضع عليه مقدار حبة من خشب ذلك البرس، فإنه ينفعه، ويسكن في الحال وجعه، جربته فصح، ويسأل من يدعي رؤية سمرقند عما رأى فيها من العجائب، وشاهده من علامات الطرائف والغرائب، فإن أخبر برؤية هذه السارية الفائقة، كانت رؤياه صادقة، واعتد له بصدق الكلام، وإلا كانت رؤيته أضغاث أحلام
فصل
سمرقند ليس فيها كيل ولا صاع يصان، ولا يجري على جنس المكيلات فيها بالكيل حسبان، وإنما معرفة حساب ذلك عندهم بالميزان، ورطل سمرقند أربعون أوقية، كل أوقية بالمثاقيل مائة، فيكون رطلهم أربعة آلاف مثقال، كل مثقال درهم ونصف من غير زيادة ولا إخلال، فعلى هذا رطلهم بالدمشقي عشرة أرطال حكى لي مولانا
стр. 468
محمود الحافظ المحرق الخوارزمي، ولقب بالمحرق لأن سهام ترجيعاته كانت تصيب حبات الحشاشات إذ ترمى، ويفوق رنات أوتارها نحو آذان القلوب فتصمى ولا تنمى، فإن صدعت من القلوب حجراً، تطاير من اقتداحها في الأرواح شررا، فيحرق برناته الأرواح، ويشعل بنغماته الأشباح قال استصحبني تيمور في بعض أسفاره، فكنت ملازم خدمته في ليله ونهاره، فنزلت عساكره على حصن تحاصره، وضرب خيمته على مكان عال، ليشرف منه على القتال، ويتفرج في صنع الرجال، ففي بعض الزمان، حضرت عنده أنا ورجلان، وكان قد حصل له حمى، أورثته كرباً وغما، وكانت سماء النزال ذات حبك واحتباك، ورماح القتال في التواء واشتباك فأراد أن يطالع أحوالهم، ويشاهد أفعالهم، وأفرطت شهوته في ذلك إلى العيمة فقال احملوني إلى باب الخيمة، فدخل ذلك الرجلان تحت إبطيه، وأوقفاه بباب الخيمة وأنا بين يديه، فجعل يشاهد حربهم، ويتميز طعنهم وضربهم، ثم أراد أن يأمرهم بشيء، فقال لي يا محمود إلي فأسرعت إلى يده، ودخلت تحت عضده، فأرسل أحد
стр. 469
الرجلين إلى عسكره يأمرهم بما عن " له " من عجره وبجره فكأنه لم يبر عليلا، ولم يرو غليلا، فقال لنا دعاني، وعلى الأرض ضعاني، فوضعاه فسقط كأنه رمة بالية، أو لحمة على بارية، ثم أرسل ذلك الرجل الآخر إليهم، وأمرهم بما اقتضته آراؤه، وأكد عليهم، فبقيت أنا وهو وحدنا، ولم يبق أحد عندنا، فقال لي يا مولانا محمود، انظر إلى ضعف بنيتي، وقلة حيلتي، لا يد لي تقبض، ولا رجل تركض، لو رماني الناس هلكت، ولو تركوني وحالي ارتبكت، لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً، ولا أجلب خيراً ولا أدفع شراً ثم تأمل كيف سخر الله تعالى لي العباد، ويسر لي فتح مغلقات البلاد، وملأ برعبي الخافقين، وأطار هيبتي في المغربين والمشرقين، وأذل لي الملوك والجبابرة، وأهان بين يدي كل الأكاسرة والقياصرة، وهل هذه الأفعال إلا أفعاله، وهذه الأعمال إلا أعماله؟ ومن هو أنا غير سطيح ذي فاقة، لا باب لي في الدخول إلى هذه الأفعال ولا طاقة، ثم بكى وأبكاني، حتى ملأت بالدموع أرداني، فانظر إلى هذا الوبر كيف سلك بهذا القول مسلك القائلين بالجبر، وأنشدوا فيه " بالفارسي بيتين وهما "
стр. 470
ينم تنى ملك جهانرا كرفت ... حشم كشا قدرت يزدان ببين
باي نه وتخت بزير قدم ... دست نه وملك بزير نكين
ترجمته فقلت دوبيت
قد أظهر قدرة بخافي حكمه ... من ملك شقى الدنا في قسمه
لا كف له والملك في خاتمه ... لا رجل له والتخت موطئ قدمه
فصل
وأما عساكره وطرائق سلوكهم، فإنهم على دين ملوكهم، كانوا استدرجوا من حيث لا يعلمون، ورزقوا من حيث لا يحتسبون، مسخراً لهم خفيات الدفائن، مفتوحاً عليهم خبيات الخزائن، ميسراً لهم مكامن المطالب والمعادن، كل طرف منهم قد جال وسطا، وصار بطرق اللوم أهدى من القطا، قد دربوا الأمور، وجربوا أحوال الدهور، وقاسوا معاصر العصور، وكابدوا المكايد، وعالجوا الشدائد، ومارسوا الأشياء، وذاقوا الناس والدنيا، وعرفوا مداخل كل مأزق ومخارجه، وأدركوا مداركه ومعارجه، لا يدهيهم داهية،
стр. 471
ولا يطغيهم طاغية، ربما يمرون بقفراء ويجيزون بمهمه صحراء
لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر
فيقف بعضهم ثم تراه، ينظر إلى أرض ذلك المكان وثراه، ثم يقول ليس هذا الثرى من هذا البرى، ثم ينزل عن دابته، ويأخذ من ذلك التراب ويشمه، ثم يلتفت إلى جهاته الأربع فيقصد منها جانباً ويؤمه، ثم لا يزال يسير بمن معه من الأعوان، حتى يصلوا إلى مكان، فيحفروه ويخرجوا كمين الدفائن، وما في ذلك " المكان " من المغلات والخزائن وكذلك إذا وصلوا إلى عمائر، أو مروا على مقابر، يتوجهون إلى الخبء كأنهم وضعوه بأيديهم، أو أوحت شياطينهم ذلك إليهم، وربما يجيئون إلى مقام، مر على ساكنه فيه أيام، ومضى عليه فيه شهور وأعوام " وفيه شيء مطمور، لم يكن لصاحبه وساكنه به شعور " فبمجرد دخولهم إليه، يفتح ذلك إليهم ويطلعون عليه، وحين يطلع ساكنه على ذلك يأكل ندامة وحسرة يديه وكان لهم درايات في دهرهم عجيبة، وسهام آراء في عمرهم مصيبة،
стр. 472
وكانوا يحملون البقر ويركبونها، ويسرجون الحمر ويلجمونها، ويسابقون على ذلك أصحاب الخيل العراب إلى " إحراز " قصبات المغانم فيسبقونها ويطعمون الجمل، لحم الكلب والحمل، ويعتاضون عن شعير الفرس، بالقمح والأرز والدخن والزبيب والعدس، وربما أعوزهم ذلك في السفر، فأطعموا دوابهم لحاء الشجر حكى " لي " القاضي برهان الدين إبراهيم بن القوشة الحنفي المذكور رحمه الله تعالى، أن قازان والتتار، لما قدموا هذه الديار، خرج من له قوة الفرار فاراً من الشرور، كما فعلوا في قضية تيمور، ومن جملتها تاجر بالصالحية، كان في عيشة رخية، وله أموال وافرة وفية، جمع ماله من صامت المال، ووضعه في قدرة فوال، ثم عمد إلى بركة ماء فحفرها، ووضع تلك القدرة تحتها وطمرها، ثم ردها إلى مبانيها وأعاد مياهها إلى مجاريها، وحين استتب الوثوب، وقدمت الدواب للركوب، قالت له امرأته نسينا قرطي، وأخاف أن يحدث عليهما في الطريق شيء، فانظر لهما مكانا، وحصل لنا بذلك أمانا، فقال أما الآن فلا مكان، ثم أخذهما ووضعهما في سقف سقيفة، على خشبة لطيفة ثم ركبا،
стр. 473
وتركا الديار وذهبا، فلما حل بدمشق التتار، نزل منهم فرقة في تلك الدار، فجعلوا يأكلون ويشربون، وهم في خوضهم يلعبون، فبينا هم بعض الأيام في النشاط، قرض الفأر أحد تلك الأقراط، فتدحرجت لؤلؤته وسقطت على البلاط، فتبادرت الجماعة إليها جارية، كأنهم يتسابقون إلى قرطي مارية، فسبقت الجماعة، ودخلت البلاعة، فكشفوا عن وجه الأرض ستر خدرها، فوجدوا الأموال كما هي في قدرها، فأخذوها واللؤلؤة وأخرجوها وقصدوا باقي القرطين واقتسموها وجماعة تيمور أيضاً كذا كانت، وكل معضلة من القضايا إذا وصلت إليهم هانت، وكل منهم كان على دين ملكه في فنه إلى غايته عرج، فإن كنت محدثاً عن أحوالهم وأخبارهم فحدث عن البحر ولا حرج
فصل
يحكى أن واحداً منهم من أهل الذكاء والكيد، أراد في فصل الشتاء التنزه فقصد الصيد، فأخرج مركوبه وهو بقرة، فشد عليها سرجه وهو خشبة مكسرة، غرزه قضيب مدور، وحزامه حبل مبتر،
стр. 474
وتجمل بلباسه وهو جلد فروة منهوش، وبتاجه وهو طرطور من لبد منقوش، وشد كنانته وهي جلود ممزقة، مشدودة بحبل وعليها خروق ملزقة، سهامها قد التوت، وحنيتها قد استوت، ومعه بازي قد نتف القرناص ريشه، وقلع على حقل بدنه زرع خوافيه وحشيشه
ثم ركب جواده، وحمل بازيه وقصد اصطياده، فرأى جماعة من البط، على ساحل غدير حط، فرفع يده بالبازي ساعة، حتى عاين تلك الجماعة، ثم وضع يده بخفض، وأرسل البازي على الأرض، فصار يحجل رويدا، وقد أضمر للبط كيدا، إذ لم يكن له قوة الطيران، ولا جناح به يستعان، فوصل إلى الطير بسكون، وهي آمن ما تكون، لأنها ما تتوقع البلاء، إلا من جهة السماء، فدخل بينها فما نفرت منه، ولا هربت عنه، فلم تشعر إلا وقد وثب على واحدة وفلذها، فأدركه صاحبه وأخذها ولما رحلوا عن دمشق، وقد مشقوا أوراق نعمها من أغصان وجودها أي مشق، كان مع بعضهم بقرة نهبها وحملها ما أخذه من الأموال التي سلبها، وأركبها أسيرة، وسار بها مدة يسيرة، فبعد سيرها يومين أو ثلاثة
стр. 475
قلقت، ونادت بلسان حالها أنها ما لهذا خلقت، فلما لم تجد مشكياً مما شكت توكلت على الله وبركت، فأنزلوا الراكبة عنها وصاحوا عليها فلم تقم، فحلوا أحمالها وضربوها فلم تتحرك، فأوجعوها ضرباً، وأشبعوها لعنا وسبا، وتلك المباركة باركة، فأدموها وهم يضربونها، إلى أن كادوا يهلكونها، فمن شاحط بمقدمها، ومن جاذب بمؤخرها، ومن متعلق بقرنها، ومن متشبث بأذنها، وهي جاثمة مشبهة فيل أبرهة، فعجزوا عنها، وأيسوا منها فبينا هم على ذلك، وقد ضاقت عليهم المسالك، وإذا بشيخ كوسج، كأنه شجرة عوسج، قد سلك المشارق والمغارب، ومرت به أنواع التجارب، وقاسى برد الأمور وحرها، وذاق حلوها ومرها، وعرف خيرها وشرها، مر بهم وهم في كربهم، فلما رآهم أسارى، عاجزين حيارى، سكارى وما هم بسكارى، قال تنحوا عنها أي جنة، ثم دنا منها دنو الراقي من ذي جنة، وأخذ كفا من تراب أنعم من عيش الشباب، ثم قبض على قرنها، وصبه في أذنها، ثم هز رأسها في مناخها، حتى وصل التراب إلى صماخها، فوثبت قائمة، وهي من ذلك الرغام راغمة،
стр. 476
وجعلت تنفض رأسها، وزادت اضطرابها وشماسها، وطلبت المسير، وكادت تطير، فأعادوا عليها أحمالها، وزادوا أثقالها، فصارت تلك البليها تعدو ولا يقدر عليها
فصل
وكان في عسكره من الترك عبدة الأصنام، وعباد النار من المجوس الأعجام، وكهنة وسحرة، وظلمة وكفرة، فالمشركون يحملون أصنامهم، والكهان يسجعون كلامهم، ويأكلون الميتة والدم المسفوح، ولا يفرقون بين مخنوق ومذبوح، وناس حزاءون، وزواجر خراضون، ينظرون في ألواح الضان، ويحكمون بما يرون فيها على أحوال كل مكان، وما حدث في كل بقعة، من الأقاليم السبعة، من الأمان والخوف، والعدل والحيف، والرخص والغلاء، والسقم والشفاء، وسائر ما يكون، فلا يكادون يخطئون ولهم أيام وشهور وأعوام، كل عام منسوب إلى حيوان، يحسبون ما مضى من السنين، فلا يتأتى فيها زيادة ولا نقصان وفي الخطا لهم خط يسمى دلبرجين، رأيت حروفه أحداً وأربعين، وسبب زيادته أنهم يعدون التفاخيم والأمالات حروفاً، وكذلك البين بينات، فتتولد الزوائد، وكل حرف زائد،
стр. 477
وأما الجغتاي فلهم قلم يسمى أويغور، وهو بالقلم المغولي مشهور، وعدته أربعة عشر حرفاً وهذه مقطعاته وسبب نقصانه وانحصاره في هذا العدد، أن حروف الحلق يكتبونها على هيئة واحدة، وكذلك تلفظهم بها، ومثل هذه الحروف المتقاربة في المخرج مثل الباء والفاء، ومثل الزاي والسين والصاد، ومثل التاء والدال والطاء، وبهذا الخط يكتبون تواقيعهم ومراسيمهم، ومناشيرهم ومكاتيبهم، ودفاترهم ومخاتيمهم، وتواريخهم وأشعارهم، وقصصهم وأخبارهم، وسجلاتهم وأسفارهم، وجميع ما يتعلق بالأمور الديوانية، والتوراة الجنكيزخانية، والماهر في هذا الخط لا يبور بينهم، لأنه مفتاح الرزق عندهم
فصل
وكما كان فيهم من جبل على الفظاظة، والقسوة والغلاظة، ومن هو قليل الرحمة بل وعديم الإسلام، كفرة فجرة أوغاد أنذال طغام أغتام، قد اتخذوه من دون الله هادياً ونصيرا، واستكبروا به في أنفسهم وعتوا عتواًكبيراً، استجرهم كفرهم وحبهم إياه، إلى أنه لو ادعى النبوة أو الإلهية لصدقوه في دعواه، كل منهم يتقرب إلى الله تعالى
стр. 478
ببره، ينذر له إذا وقع في شدة ويفي بنذره، واستمر على اعتقاده الباطل وكفره، مدة حياته وبعد موته، ينقل النذور ويقرب القربان إلى قبره، وكان قد ترقى معه في المصاحبة، حتى وصل إلى مقام المراقبة
قيل إنه كان في سفر، فرأى واحداً من العسكر، كأن الكرى عطف رقبته، أو السرى أمال شقته، أو على حال لا يتوجه عليه فيها لوم ولا عتب، فضلاً عن أن يترتب عليه ضرب أو سب، فقال تيمور ترى ما ثم أحد قاطع، يقطع رأس هذا الفاعل الصانع؟ ولم يزد على هذا الكلام، فسمعه واحد من أولئك الكفرة اللئام، اسمه دولت تيمور، وهو أمير كبير مشهور، قد ألبسه الله ثوب النقمة، ولم يشمه شيئاً من روائح الرحمة، ففي الحال سل رأسه من بين كتفيه، وحمله إلى تيمور ووضعه بين يديه، فقال تيمور ويلك، ما هذا الأمر الأفظع؟ فقال هذا الرأس الذي أشرت أن يقطع، فأعجبته هذه العبارة، وابتهج بأن أمره يمتثل بأدنى إشارة كان فيهم الظرفاء والأدباء، والأذكياء والشعراء، ومنهم في الفضل أعلام وعلماء، وفيهم المحقق، والباحث في العلوم والمدقق، ومن شارك في كل العلوم وبحث فيها بحثاً شافياً
стр. 479
من طريقي المنطوق والمفهوم، ويقرر مذهب الصوفية وإحياء العلوم ومع هذا فبعضهم يمضي على مقتضى ما علمه، وكان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، وبعضهم كان مع رقة الحاشية، واللطافة الفاشية، والعلم الوافي، والظرف الشافي، والجمال الفائق، والكمال الشائق، والكلام الرائق، قلبه أقسى من الحجر، وفعله أنكى من ضرب الصارم " الذكر "، يقولون من قول خير البرية، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وإذا وقع مسلم في مخالبهم، أو ابتلى غريب بتعذيبهم، صنف ذلك العالم المحقق، والحبر المدقق، في استخراج المال " منه " أنواع العذاب، وأصناف العقاب، واستحضر في فنون تعذيبه كتباً ومسائل، وسرد في علوم تثريبه خطباً ورسائل، فيصير ذلك المسكين يتكوى، ويستغيث ويتلوى، ويستجير بالله وآياته، ويستشفع بكل ما في أرضه وسمواته، من ملك ونبي، وصديق وولي، وذلك المليح يضحك ويتظارف، ويتمايل ويتلاطف، وينشد لطائف الأشعار، ويتمثل بطرائف النوادر والأخبار، وربما تحرق وبكى، وتأوه لما يفعل بذلك
стр. 480
من التعذيب وانتكى، وصار كبعض قضاة الإسلام، المستولي على مال الأيتام، يخطب ويبكي، وفعله في قلوب المسلمين ينكي ولما كانوا في دمشق دخلوا على بيت واحد من الأعيان بزقاق العجم، وإذا هو مملوء من النفائس والخيرات والنعم
قصر عليه تحية وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام
فقبضوا على صاحب ذلك المنزل وربطوه، وبأنواع العذاب والعقاب عذبوه، ثم أحكموا رجليه شداً وعلقوه، واستخرجوا النفائس، واستجلبوا من حسانها العرائس، وأحضروا لذيذات المطاعم والمشارب، وقضوا من التفكه والتنعم ما لهم من مآرب، وجعلوا يأكلون ويشربون، ويلهون ويطربون، وإذا تحرك في واحد منهم الخبث أو ثمل وأخذه في سكره العبث، عمد إلى ذلك المسكين، وهو في شدة النكاد، فسقاه الماء والملح، وسففه الكلس والرماد، وكان فيهم عالم متقشف، عن تناول المسكرات متعفف،
стр. 481
كما قيل
عجبت من شيخي ومن زهده ... وذكره النار وأهوالها
يكره أن يشرب من فضة ... ويسرق الفضة إن نالها
فكانوا إذا أرادوا القدح المزعفر، أحضروا له السكر المكرر، ووضعوه له في صيني الخوافق، وصبوا عليه الماء الرائق، فيسكرون هم بالأقداح القوادح، ويسكر ذلك الفاسق المحروم من الروائح، ثم يتوجه إلى صاحب المنزل، ويضحك عليه وهو في أشد ما يكون من العذاب ويسخر منه ويهزل، ثم يتمايل على صوت المثاني والمثالث، ويتناول من تلك المآكل والمشارب، ويقول بشر مال البخيل بحادث أو وارث وكان في عسكره كثير من النساء يلجن معامع الهيجاء، ووقائع البأساء، ويقابلن الرجال، ويقاتلن أشد القتال، ويصنعن أبلغ ما يصنع الفحول من الرجال في النزال، من طعن بالرمح وضرب بالسيف ورشق بالنبال، وإذا كانت إحداهن حاملاً وأخذها وهم سائرون الطلق، تنحت عن الطريق واعتزلت الخلق، ونزلت عن دابتها ووضعت حملها، ولفته وركبت دابتها وأخذته ولحقت أهلها وكان في عسكره ناس ولدوا في السفر، وبلغوا وتزوجوا وجاءهم الأولاد ولم يسكنوا
стр. 482
الحضر
وكان في عسكره ناس صلحاء عباد، ورعون زهاد، أجواد أمجاد، لهم في الخيرات أوراد، وفي وردها إصدار وإيراد، دأبهم خلاص مأسور، أو جبر مكسور، أو إطفاء حريق، أو إنقاذ غريق، أو اصطناع معروف، أو إغاثة ملهوف مهما أمكنهم، ووصلت إليه يدهم، إما بقوة وأيد، وإما بنوع خديعة وكيد، وإما باستيهاب واستشفاع أو تعويض وابتداع، وكانوا سائرين معه بالاضطرار، أو دائرين معه لهذه المعاني بالاختيار حكى لي مولانا جمال الدين أحمد الخوارزمي أحد القراء المشهورين المجودين، وكان إمام محمد سلطان في حياته، وإمام مدرسته بعد وفاته، ثم خطيب بروسا وبها أدركته المنية، سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، رحمه الله تعالى قال كنت في سمرقند في مدرسة محمد سلطان، أعلم مماليكه وأولاد الأمراء القرآن، فأرسل إليه جده الظلوم، وهو متوجه إلى بلاد الروم، أن يتوجه إليه، ويفد هو والأمير سيف الدين عليه، فامتثل ما به أمر، وأخذ في إعداد أهبة السفر، وقال لي هيئ مرافقك، واقطع علائقك، وخذ أهبة سفرك، واعمل
стр. 483
مصلحة رهطك ونفرك، ووافقنا في المرافقة، فإن من حسن المرافقة الموافقة، فاستعفيته من الذهاب، وفتحت له في سد خوخة السفر كل باب، وقلت له يا مولاي أنا رجل من أهل القرآن والفاقة، ما لي بفتح باب السفر من طاقة، لأني ضعيف البنيان، رخو الأركان لا جلد لي على الحركة، وإن كان في صحبة مولانا الأمير كل خير وبركة، خصوصاً على هذا السفر البعيد الشقة الكثير المشقة، ومع كوني ليس لي على ذلك من طاقة، لا جمل لي في مناخ السفر ولا ناقة وأما أنتم فالسفر عليكم حتم لازم، وحق ملازم، لا يسعكم فيه التخلف، ولا يفسح لكم فيه المطل والتسوف، فلم يعفني، وتعلل لي بعلل عللني فيها ولم يشفني، فلم أر بداً من الاستعداد، وتحصيل الرفيق والزاد ثم سرنا حتى وافينا جده، وقد ركب في الجادة جده، وجده، ورأينا من تلك العساكر، بحاراً لا أول لها ولا آخر، إن انفرط أحد من سلك جماعته، أو ضل معتزلاً عن سنن سنته، لا يصل إليهم بالسرج والشمع، " ولا " يهتدي إلى سنة جماعته إلا إن كان يوم الجمع فبينا أنا معهم أسير، وقد وهن مني العظم الكسير،
стр. 484
وأثر في التعب، وأخذ مني النصب والوصب، ومللت السرى، وعدمت الكرى، نفضت يدي من الرفيق، وأخذت على فجوة من الطريق، فلما خلوت، هينمت بالقرآن العظيم وتلوت، ثم استهواني الذوق والشوق، فحلقت بمراشيق حلقي إلى فوق، وكان صوته أطيب من رقيق المقطوع على رخيم الموصول، وألذ من جمع شمول، على كأس شمول، بنسيم الشمال معلول، وبرضاب الحبيب مشمول قال وإذا برجلين ضعيفين، كالعود البالي نحيفين، أشعثين أصفرين، ذوي طمرين أغبرين، بصرا بي عن جنب، وعلقا بي علوق الوتد بالطنب، فجعلا يراقبان أحوالي، ويستمعان أقوالي، فلما زممت زمزمتي، وكففت هينمتي، وكتمت في خزانة صدري جواهر كلماتي، وختمت بطابع دعائي زواهر آياتي، بكيا لمناجاتي وأمنا على دعواتي، ثم أقبلا نحوي وسلما، واهتزا لما سمعاه من تلاوتي وترنما، وقالا أحيا الله قلبك كما أحييت قلوبنا ومحوت بما سطرت في ألواح صدورنا، بحسن تلاوتك ذنوبنا ثم إنهما آنساني بالخطاب، وجارياني بالسؤال والجواب، وإذا هما من صميم الجغتاي، وخالص عسكر تيمور، ومن ضئضئ التتار وسنخ الفتن
стр. 485
والشرور، ثم سألاني عن نجاري ووجاري، وعن رفيقي في هذا السفر وجاري، فأخبرتهما عن مولدي ومحتدي، ومسقط رأسي من بلدي، وأني من أهل القرآن، وأني مع محمد سلطان فقالا لي يا سيدنا الشيخ إنما جئنا إليك لتحسن إلينا، وإنا سائلوك عن شيء فلا تجد فيه علينا، فقلت " قولا " وطولا، فلن تجداني ملولا، فقالا يا مولانا هذا شيء يعنينا، وإن كان قد عنانا، وكل من اشتغل بما لا يعنيه، فقد ترك ما يعنيه، ووقع فيما يعنيه، ومن لم يعرف الخير من الشر وقع فيه فبالله يا سيدنا قل من أين تأكل؟ فقلت على خوان محمد سلطان، فقالا مأكول هذا العسكر حلال، أم حرام ووبال؟ فقلت الغالب عليه الحرام، بل كله والله مظالم وآثام، لأنه من الثارات والنهب، والغارات والغصب، والاختلاسات والسلب فقالا والله يا إمام، لقد أسأنا الأدب إذ واجهناك بهذا الكلام، ولكن أنتم أهل العلم، شيمتكم العفو عن الجاني والحلم وأنتم أولى بجبر الكسير وفك الأسير،
стр. 486
وتيسير العسير، فقابل منا هذا الفحص بالصفح ولا تعامل هذا الإلحاف باللفح
فقلت سلا ولا تسلسلا، فقالا نسألك بالله الذي اصطفاك لخزن كلامه، الذي تعبد به عباده وبين لهم فيه معالم حلاله وحرامه، لا تؤاخذنا بما تهجمنا عليك به، فإن الشيخ المرشد كالوالد الشفوق لا يؤاخذ ولده بقلة أدبه، فقلت كلا سلا ما شئتما، وسلسلا مهما أردتما فقالا يا سيدنا أما كان لك مندوحة عن مرافقة هؤلاء اللئام، والتعفف بالحلال استغناء عن الحرام؟ فقلت إني دخلت فيهم وأنا مضطر، وخرجت معهم أنا كاره مجبر، وأكرهني محمد سلطان، وحاياني بما حباني من إحسان، فصحبتهم وعين ذاتي من كحل الراحة مرها، وحملتني فرسي في سفري كرها ووضعتني كرها، فقالا أرأيتك لو امتنعت عن الخروج أكانوا يريقون دمك ويأسرون أولادك ويسبون حرمك؟ فقلت لا والله، وحاشا لله، فقالا أكانوا يحبسونك، ويضربونك وفي مقام المصادرة يجلسونك؟ فقلت أنا أمنع جنابا، من أن يسوموني خسفاً وعذابا، لأني حافظ القرآن، والقرآن حافظي من هذا الخسران، قالا فغاية فعلهم
стр. 487
معك، إذا رأوا تعززك وتمنعك، أنهم كانوا يشتمونك، ويعمدون إلى معلومك فيقطعونك، ويسخطون عليك، ويمنعون برهم الواصل إليك، فقلت ولا كانوا أيضاَ يفعلون كذا، وتعززي وتمنعي ما يحط من مكانتي عندهم إلى هذا الأذى، ولكنهم حايوني فاستحيت، وخادعوني فانخدعت وليتني أبيت فقالا لا يصلح هذا لك عذراً وحجة، ولا يسلك بك إلى صحة الاعتذار بين يدي الله تعالى سوى المحجة، فهلا جلست في مكانك واشتغلت بتلاوة قرآنك، ومطالعة علمك ومباحثة إخوانك، وفرغت بدنك عن الكلال، وملأت بطنك من الحلال، واحتميت في حمى دينك عن هؤلاء اللئام، واسترحت من الاضطرار إلى تناول الحرام، مع أنا سمعنا من أمثالكم، ما قد ضرب في أمثالكم " أهل القرآن وقاصته، أهل الله وخاصته " وأنهم عتقاؤه بين خلقه، وببركاتهم أدر سحاب رزقه وإن السلاطين ملوك الناس أجمعين، وإنكم أنتم ملوك الملوك والسلاطين وإذا أعتقكم الله أعفاكم الناس، وصرتم لإنسان العالم بمنزلة القلب والكبد والرأس، ولم يبق لأحد عليكم سلطة، ثم ألقيتم أنتم أنفسكم
стр. 488
بأيديكم إلى هذه الورطة، وتهافتم على التهالك تهافت الفراش على النار، وتشبثتم مع كونكم قادرين على الخلاص بأذيال القسر والاضطرار، فكيف يصح هذا الاعتذار؟ وأنى ينجيكم هذا العذر من عذاب الملك الجبار؟ وهل صرتم إلا كما قيل
معاشر القراء يا ملح البلد ... ما يصلح الملح إذا الملح فسد
فقلت أما إذا حررتما القضية، فكلنا في هذه المصيبة سوية
" بي مثل ما بك يا حمامة فاندبي "
وقيل
بي مثل ما بك يا حمام البان ... أنا بالقدود وأنت بالأغصان
فبكيا وانتحبا، وتأوها والتهبا، وتنفسا الصعدا، وقالا أين ما بين قصتنا وقصتك في المدى؟ فورب الخافقين، إن بين القصتين لبعد المشرقين، ولكن ما للمقال مجال، وما كل ما يعلم يقال، وأين السر من الإعلان؟ وإن الحيطان لها آذان فقلت هذا أيضاً ليس بحجة، فلا تعدلا عن سواء المحجة فقالا نحن المضطرون
стр. 489
جبراً، المأخوذون قهراً وقسراً، وإنا مكتوبون في الديوان، مضافون إلى واحد من أعيان الأعوان، إذا ورد علينا مرسوم بالبروز، في يوم عيد مثلاً أو نوروز، ويكون الخروج وقت الظهر، وتأخر منا واحد إلى وقت العصر، لم يكن له جزاء فيما ارتكبه، إلا الصلب أو ضرب الرقبة، فضلاً عن ضرب وشتم وشناعة، أو زفع عدل أو تقديم شفاعة، وأين أنت عن قعود ما أو تخلف، أو استتار بذيل توار أو توقف؟ فنحن مدى الدهر لمثل هذا مستوفزون، وعن مثل ما جرى على أضرابنا من هذا البلاء متحرزون، مصيخون أبداً لما أشار وما أمر، عاملون بمقتضى " رحم الله من رأى العبرة في غيره فاعتبر " " و " يا ليتنا أمكننا التحويل عن مملكته، والرحيل عن إقليم ولايته وسلطنته، وكيف لنا بذلك وهي مسقط رأسنا ومحل أناسنا، ومحط إيناسنا، وإيلاف رحلتنا، ومزدرعات معيشتنا، ومدرج آبائنا، ومخرج أبنائنا، ومقام قبائلنا وعشائرنا، ومثابة قاطننا وغابرنا، ولو غاب من هوام قبائلنا جدجد فضلاً عن بلبل أو هدهد، لجحف الباقين سيل الظلم والحيف، ولتحكم في رقاب سائرنا صائل الموت بالسيف
وأما إذا برزنا، وعزمنا
стр. 490
على المسير معه وتجهزنا، فنسأل كم سنة يغيب، وأي جهة يريد ذلك المريد المريب، فنأخذ أهبتنا لذلك المقدار، وكل منا ابن عم للآخر وجار، وله جرابه فيه سويقه، ومعه كلفة نفسه وفرسه وعليقه، يصوم مدى الدهر ويفطر على ما يسد الرمق، ويلبس ما يستر العورة من رث الثياب والخلق، كل ذلك من زرع أيدينا وكدنا، وما بذلنا فيه من عرق جبيننا، والحلال غاية جهدنا، لا نتعرض لمال أحد ولا لعرضه، ولا نقف في طريق إبرامه ولا نقضه، ولا لأحد عندنا نشب، ولا بيننا وبين أحد علاقة ولا سبب، ولكن يا مولانا البلاء الطام، والمصاب العام ثم رقصا رءوسهما يميناً وشمالاً، وارتعدت فرائصهما هيبة وجلالاً، وابيضت شفاههما، واسودت جباههما، وأخذا في البكاء والعويل، وانتحبا الانتحاب العريض الطويل، فوالله لقد ذابت نفسي لديهما، واستصغرت كبار المشايخ بالنسبة إليهما، وتفكرت فيما هما فيه من شدة الأمر، وعلمت أنهما القابضان بكفيهما على الجمر، ثم تأوهت آهاً بعد آه، وقلت بالله يا إخوتاه، وما هذا البلاء الطام والمصاب العام الذي
стр. 491
ذكرتماه؟ قالا خيولنا ومواشينا، وحوامل مهادنا وغواشينا، نرفق بها في التحميل، وما نركبها إلا وقت الإعياء في الرحيل، وأمر قضيمها قصم ظهرنا، وأعجز أمرنا، واضطررنا إلى الخض في دماء المسلمين وأموالهم، وألجأنا إلى رعي زرعهم وتحمل وبالهم وما ندري كيف المخلص، وأنى ننجو من ذلك المقنص؟ فبالله يا سيدنا الشيخ هل تجد لنا في هذا الأمر الغالي رخصة؟ أو هل من قطرة برود تطفئ هذه الحرارة وتسكن شرق هذه الغصة؟ فقلت لا والله إلا عناية الله، وأيم الله لقد أشبعتماني شراً، وجرعتماني صبراً ومقراً، وأسقيتماني نكداً وضرا، وكان هموم ما بي، من نصبي وعذابي، تكفيني، إلى يوم تكفيني، فقد زدتماني بلاء على بلائي، وعناء على عنائي، فبالله من أنتما، وما أسماؤكما، وفي أي قطر أرضكما وسماؤكما، ومع من أنتما؟ فحييتما ما حييتما، فخبراني ولا تحيراني، لأجيء كل وقت إليكما، وأفوز بالسلام عليكما فقالا يا مولانا، الحمد لله الذي برؤيتك حبانا، إن معرفتنا لا تجديك شيئاً ولا تبرك، وعدم المعرفة بنا لا يؤذيك ولا يضرك، والغالب على ظننا يا مولانا، أنك بعد اليوم
стр. 492
لن ترانا، وإن قدر اجتماع فنحن نسعى على رؤوسنا إليك، وخليفتنا الله والسلام عليك ثم ودعاني وما وقفا، وأودعاني أليم الفراق وانصرفا وهذا من البحر قطرة، ومن الطود ذرة، ونسأل الله تعالى أن يصون عن الزلل أقوالنا، وعن الخطل والخلل أفعالنا وأحوالنا بمنه ويمنه آخره، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل