Полный текст (588 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فقوله: (هوت أمهم) دعاء عليهم في الظاهر، وهو دعاء لهم في الحقيقة.
وقوله: (إنك مرجلي) قال الأصمعي: دخل معها في الهودج فقالت: إنك تعقر بعيري فتدعني ذات
رجلة! والهودج، هو الخدر، ومن ثمة قيل: أسد خادر ومخدر، أي في أجمة مثل الخدر. يقال رجل
الرجل يرجل رجلا، وأرجله إرجالا.
وقال أبو عبيدة: إنما قال: (عقرت بعيري) ولم يقل ناقتي، لأنهم يحملون النساء على الذكور، لأنها
أقوى وأضبط.
والبعير يقع على المذكر والمؤنث. قال هشام: العرب تقول: اسقني لبن بعيرك، يريدون لبن ناقتك.
(تقولُ وقد مَالَ الغَبيطُ بنا معاً ... عَقَرْتَ بَعيرِي يا امْرأَ القيسِ فانْزلِ)
ما في تقول يعود على عنيزة في قول من زعم إنها امرأة، والواو واو حال، كأنه قال: تقول وهذه
حالها، كما تقول: ضربت زيدا وقد قام، أي وهذه حاله. وإنما جاز لمال أن تكون حالا لأن قد
صحبته، فصار بمعنى مائل، كما تقول: قد قام عبد الله وقاعد، فتنسق بقاعد على قد قام، لأنه بمنزلة
قولك قائم عبد الله وقاعد.
وقال الفراء: إذا قلت: قد اضطرب فلان، فهو مثل قولك: مضطرب فلان وأنشد:
أمِّ صبِيٍّ قد حبا أو دارجِ
قال الله : (أو جاءوكم حَصِرِتْ صُدورُهم)، فمعناه قد حصرت،
стр. 37
لأن الماضي لا يكون حالا إلا بقد. وقد قرأ الحسن رحمه الله تعالى: (حَصِرة صُدورهم).
و (الغبيط) قال أبو عمرو الشيباني: هو الهودج بعينه. وقال الأصمعي: قتب الهودج. وقال غيرهما:
هو مركب من مراكب النساء. ومعا منصوب على الحال من النون والألف، والعامل فيه مال، كأنه
قال: وقد مال الغبيط بنا جميعا، كما تقول: قام الزيدان معا، أي قاما جميعا. وقوله: (عقرت بعيري)
قال الأصمعي: معناه تركت بعيري عقيرا.
وامرؤ القيس منصوب لأنه منادى مضاف. وانزل موضعه جزم على الأمر، إلا إنه كسر اللام
للقافية ووصل كسرة اللام بالياء، كما قال زهير:
أمِنْ أمِّ أوْفَى دِمنةٌ لم تَكَلَّم ... بحَومانة الدَّرَّاج فالمتثلِّمِ
(فقُلْتُ لها سِيرِي وأَرخى زِمَامَه ... ولا تُبعِديني مِنْ جَنَاكِ المُعَلِّلِ)
الهاء تعود على عنيزة. وقال الأصمعي: المعنى هوني عليك لا تبالي أعقر أم سلم. وقوله: (من
جناك) قال الأصمعي: جعلها بمنزلة شجرة لها جنى، فجعل ما يصيب من رائحتها وحديثها وقبلها
بمنزلة ما يصيب من رائحة الشجرة وثمرها. والمعلل: الشاغل الذي يعللني ساعة بعد ساعة، ويقال
للمعلل الملهى.
وموضع سيري جزم بتأويل لام ساقطة، كأنه قال: لتسيري، وعلامة الجزم فيه سقوط النون، لأن
الأصل سيرين، وكذلك (أرخة زمامه). وقوله: (ولا تبعديني من جناك) موضع تبعديني جزم على
النهي بلا، وعلامة الجزم فيه سقوط النون، وكان الأصل تبعديني. والجنى مخفوض بمن، والمعلل
نعته.
стр. 38
وجنى النخل والشجر: ما اجتنى من ثمرها، قال الله : (وجَنَى الجَنَّتَيِنِ دَان). وقال الشاعر:
وطيبُ ثمارٍ في رياضٍ أريضةٍ ... وأغصانُ أشجار جناها على قُربِ
(فَمِثْلِكِ حُبْلَى قد طَرَقْتُ ومُرضِعٍ ... فأَلْهَيْتُها عَنْ تَمائِمَ مُحْوِلِ)
فمثلك، مخفوضة بإضمار رب، كأنه قال: فرب مثلك. قال الشاعر:
ومنهلٍ فيه الغراب مَيْتُ ... سَقيتُ منه القومَ واستقيتُ
أراد: رب منهل، فحذف رب وأقام الواو مقامها. وقال الآخر:
رسِم دارٍ وقَفْتُ في طَلَلهْ ... كِدتُ أقْضِى الحياةَ مِن جَلَلِهْ
أراد: ورب رسم، فأسقط رب وأسقط الواو التي تخلفها، وقال الآخر:
مِثِلكِ أو خَيْرٍ تركتُ رذِيَّةً ... تقلِّب عينَيها إذا طار طائرُ
وحبلى خفض على الاتباع لمثل، لان مثلا تأويلها تأويل النكرة ولفظها لفظ المعرفة، فتبعتها حبلى
وهي نكرة من اجل تأويلها. وقد طرقت صلة حبلى، والهاء المضمرة تعود عليها كأنك قلت: قد
طرقتها. والمرضع مخفوضة على النسق على الحبلى، ويجوز
стр. 39
أن يكون حبلى منصوبة على القطع من مثل، لأن لفظها لفظ المعرفة. ويجوز نصب مرضع من وجهين: أحدهما أن تنسقها على الحبلى،
والوجه الآخر أن تنسقها على الهاء المضمرة، أي طرقتها وطرقت مرضعا. ولم يرو النصب أحد.
قال الأعشى:
ومثلِكِ مُعجبَةً بالشَّبا ... بِ صاكَ العبيرُ بأجسادها
فنصب معجبة على القطع من مثل، لان لفظها لفظ المعرفة، ويجوز الخفض لان تأويلها النكرة. قال
امرؤ القيس:
ومثلِكِ بيضاءَ العوارض طَفْلَةً ... لعُوبًٍ تنِّسيني إذا قُمتُ سربالي
زعم الكسائي أنهم ربما نصبوا بيضاء العوارض طفلة، ثم يخفضون لعوبا. ويجوز خفض بيضاء
العوارض طفلة ونصب لعوب. ويروى: (فمثلك بكراً قد طرقتُ ومرضع) فالبكر منصوبة على القطع
منمثل، والمرضع مخفوضة بالواو التي خلفت رب، كأنك قلت: ورب امرأة أخرى ترضع ولدها قد
طرقتها. وقال الأصمعي: معنى قوله: (فمثلك حبلى قد طرقت) أن الحبلى لا تريد الرجال ولا
تشتهيهم، يقول: فهي ترغي فيّ لجمالي. وكل حامل تمنع الذكر إلا المرأة. وقوله: (طرقت) معناه
أتيتها فغلبتها على نفسها حتى لهيت عن ولدها. ويقال: طرقت الرجل، إذا أتيته ليلا. ولا يكون
الطروق إلا بالليل. قال الله : (والسَّماءِ والطارقِ) فالطارق: النجم، سمى طارقا لأنه يطرق
بالليل. قال جرير:
طرقَ الخيَالُ لأمِّ حزَرْة مَوهِناً ... ولَحَبَّ بالطَّيف الملمِّ خيَالا
(وقالت هند بنت عتبة):
نحنُ بناتُ طارقِ ... نمشي على النَّمارقِ
تريد: نحن بنات النجم في الحسن والعز. وقوله: (عن ذي تمائم محول). قال أبو عبيدة: التمائم:
العوذ، واحدتها تميمة. والمعنى: ألهيتها عن صبي ذي تمائم. ويقال: لهى الرجل عن الشيء يلهى، إذا
غفل عنه وأعرض. يقال في مثل: (إذا استأثر الله بشيء فاله عنه)، أي أعرض عنه. يقال: لهوت
من اللهو ألهو لهواً.
стр. 40
وقال أبو عمرو: المحول: الذي قد أتى عليه حول، يقال أحال إذا أتى عليه حول، وهو محيل
ومحول. وروي الأصمعي وأبو عبيدة:
فألهيتُها عن ذي تمائمَ مُغْيِلِ
وقال الأصمعي: المغيل: الذي تؤتى أمه وهي ترضعه. يقال امرأة مغيل، ومغيل. وقد أغالت
وأغيلت، إذا سقت غيلا. والغيل: أن يرضع على حمل، أو تؤتى أمه وهي ترضعه.
وذكرت امرأة ابنها فقالت: (والله ما حملته وضعا - ويروى ما حملته تضعا - ولا ولدته يتنا، ولا
أرضعته غيلا، ولا أبته مئقا). فالوضع: أن تحمل به في آخر طهرها في مُقبل الحيض. ويقال للولد
وضع وتضع. واليتن والأتن والوتن: أن تخرج رجل المولود قبل رأسه. ويقال: أتنت المرأة وأيتنت
وأوتنت، اذا نالها هذا. قال عيسى بن عمر: سألت ذا الرمة عن شيء ليس على جهة فقال: أتعرف
اليتن؟ فقلت: نعم. قال: فكلامك هذا يتن، كأنه مقلوب. ويقال ألهيت الرجل عن الشيء ألهيه، إذا
شغلته عنه. ولهى الرجل عن الشيء يلهى. (ولا أبته مئقا)، معناه ما أبته ينشج من البكاء. وينشج:
يردد الصوت بالبكاء. وأبته من البيتوتة. ومثل للعرب: (أنت تئق وأنا مئق، فكيف نتفق)، أي أنت
ممتلئ غضبا وأنا سريع البكاء، فلا نتفق لهذا. ومن ذلك قول الناس: هو أحمق مائق. في المائق
قولان: أحدهما أن يكون معناه كمعنى الأحمق، والقول الآخر أن يكون المائق السيئ الخلق، فيكون
مأخوذا من الباب الذي ذكرناه.
стр. 41
(إِذا ما بَكَى مِنْ خَلْفِها انصرفَتْ له ... بشِقٍّ وتحتي شِقُّها لم يُحوَّلِ)
يقول: كانت تحتي، فإذا بكى الصبي انصرفت له بشق ترضعه وهي تحتي بعد. وإنما تفعل هذا لأن
هواها معي. وروى أبو عبيدة:
إذا ما بكى مِن خلفها انحرَفت له ... بشِقً وشِقٌّ عندنا لم يُحلحَلِ
أي لم يحرك. وما صلة، كأنه قال: إذا بكى. وما في (بكى) يعود على ذي تمائم. وانصرفت جواب
إذا، والهاء في له يعود على ما في بكى. ويروى: (إذا ما بَكَى من حُبِّها).
(ويَوْماً على ظَهْر الكَثِيبِ تَعذَّرَتْ ... عَلَّى وآلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ)
اليوم منصوب بتعذرت، وعلى صلة اليوم. والكئيب: رمل مجتمع. (وتعذرت): تشددت. ويقال:
تعذرت الحوائج عند فلان، أي تعسرت. و (آلت): حلفت. ويقال ألوة، وألية، وألوة. وقوله: (ويوم
على ظهر الكثيب). وقال السجستاني: تعذرت أصله من العذر، أي لم نجدها على ما نريد.
(أَفَاطِمَُ مَهْلاً بعضَ هَذَا التَّدلُّلِ ... وإِنْ كُنْتِ قد أَزمَعْتِ صُرْمى فأَجْمِلي)
قوله (أفاطم)، معناه يا فاطم. وفي الاسم المنادى تسع لغات: يقال يا فاطم بإثبات يا، ويقال فاطم
بإسقاط يا، قال الله : (يا آدَمُ أنبئْهُمْ بأسمائهم) فأثبت يا، وقال في موضع آخر: (يوسُفُ
أعرِضْ عن هذا). ويقال: وافاطم، ويقال أيضا: أفاطم، ويقال آفاطم بهمزة بعدها ألف، ويقال أيْ
فاطم. أنشد الفراء:
ألم تسمعي أيْ عَبْدَ في رَونق الضُّحى ... بكاءَ حَمامات لهنَّ سَجيعُ
стр. 42
ويقال: آي فاطم، بإثبات ألف وياء بعد الهزة. قال الفراء: سمعت أعرابيا يقول: آي أمة، وأخرى،
أي أمه. ويقال: أيا فاطم. قال الشاعر:
أيا بانةَ الوادي أليس بليةً ... من العيش أن تُحمَى على ظِلالُكِ
وقال الآخر:
أيا عمرو لا تعذُلْ محباًّ ولا تُعنْ ... على لَومِهِ، أن المحبَّ أسيرُ
ويقال: هيا فاطم. أنشد الفراء:
هيا أمَّ عمرو هل ليَ اليومَ عندكمْ ... بِغَيْبةِ أبصارِ العُداةِ سبيلُ
وأراد بقوله أفاطم يا فاطمة، فأسقط الهاء وترك الميم مفتوحة، كما يقال في ترخيم بثينة وخديجة: يا
بُثين أقبلي، ويا خديج اقعدي. قال الشاعر):
بُثَينَ الزمِي لا أن لا أن لزمِته ... علَى كثرة الواشين أي مَعونِ
ويجوز في العربية: أفاطمُ بضم الميم، على أن تجعله اسما فترفع آخره، كما ترفع آخر زيد وعمرو
إذا ناديتهما. أجاز النحويون: يا بثينُ أقبلي ويا خديجُ اقعدي. وأنشد الفراء لذي الرمة:
فيا مَيَّ ما يُدرك أين مُناخنا ... مُعَرَّقةَ الألْحِى يمانِيَةً سُجْرا
وقال الفراء: يا فاطمةُ أقبلي ويا فاطمةَ أقبلي، فمن قال يا فاطمةُ هو نداء مفرد مرفوع، ومن قال يا
فاطمةَ كان لد مذهبان: أن تقول أردت أن أقول يا فاطم بالترخيم فرددت التاء وقدَّرت فيها فتح
الترخيم؛ والمذهب الآخر أن يقول: أردت يا فاطمتاه، فأسقطت الألف والهاء وتركت التاء على
فتحتها. قرأت القراء: (يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا) على معنى يا بنياه. قال أبو بكر: وأنشدني أبو العباس
للنابغة:
كِلِيني لهمٍّ يا أميمةَ ناصِبِ ... وليلٍ أقاسيهِ بطئِ الكواكبِ
стр. 43
وذكر أبو العباس في فتح أميمة الوجهين اللذين ذكرهما الفراء. ويروى: (أفاطم أبقى بعض هذا
التدلل. وأبقى موضعه جزم، لأنه أمر علامة الجزم فيه سقوط النون، وهمزت الألف في الوصل لأنها
ألف قطع، والدليل على ذلك أن الماضي على أرعة أحرف والمستقبل مضموم الأول، فالماضي بقى
والمستقبل يُبقى. وبعض منصوب ببقى، وهذا مخفوض بإضافة بعض إليه، والتدلل تابع لهذا.
ويروى: (أفاطم مهلا بعض هذا التدلل) فبعض في هذه الرواية منصوب بفعل مضمر، كأنك قلت
مهلا أبقى بعض هذا التدلل، فحذفت الفعل لأن مهلا يدل عليه والرواية الأولى رواية أبي عمرو
الشيباني. وقوله: (وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي) أن شرط، والتاء اسم الكون، وخبر الكون ما
عاد من الاء التي في أزمعت، وصرمي منصوب بأزمعت، والفاء في قوله فأجملي جواب الشرط،
وأجملي موضعه جزم لأنه أمر علامة الجزم فيه سقوط النون. والمعنى: أن كنت عزمت على هجري
فأجملي في اللفظ. وقال الأصمعي: يقال قد أمعت على الأمر، وأجمعت عليه، وعزمت عليه، سواء.
وهذا مثل قول العجاج:
فإنْ تُديمي وَصْلَ عَفٍّ وَصَّالْ ... يدُم وإلاَّ ينْصرفْ بإجمالْ
وروى أبو عبيدة: (وإن كنت قد أزمعت قتلي فأجملي). ويروى: (وإن كنت قد أزمعت هجري).
ويقال في المثل: (أجمل في قتلي). ويقال: قتلة أحسن من هذه. وقال يعقوب: الصرم: القطيعة. يقال:
صرمت الشيء أصرمه صرما، اذا قطعته؛ والصرم الاسم، ومنه سيف صارم، ومنه زمن الصِّرام
والصَّرام. ومنه الصرائم: قطع من الرمل تنقطع من معظمه. ومنه الصريمة: العزيمة. وقال ابن
الكلبي: فاطمة هي ابنة العبيد بن ثعلبة بن عامر. قال: وعامر هو الأجدار بن عوف بن كنانة بن
عوف بن عذرة. قال: ولها يقول:
لا وأبيكِ ابنةَ العامر ... ىِّ لا يدَّعى القومُ أني أفِرّ
وإنما سمى الأجدار لجدَرة كانت في عنقه.
стр. 44
(أَغَرَّكِ مِنِّي أن حُبَّكِ قَاتِلِي ... وأَنَّكِ مَهْمَا تأْمُري القَلبَ يَفْعَلِ)
قوله (أغرك مني) لفظه لفظ الاستفهام ومعناه معنى التقرير، وهو بمنزلة قول جرير:
ألَستمْ خيرَ مَنْ ركِب المطايا ... وأندَى العالمينَ بطونَ راحِ
فاللفظ لفظ الاستفهام، والمعنى: أنتم خير من ركب المطايا.
ومن صلة أغرك، وأن موضعها رفع بأغرك، كأنك قلت أغرك مني حبيك. وقاتلي موضعه رفع لأنه
خبر أن، وأن الثانية موضعها رفع لأنها منسوقة على أن الأولى، والكاف اسم أن الثانية، وخبرها ما
في تأمري، وتأمري موضعه جزم بمهما، علامة الجزم فيه سقوط النون، والقلب منصوب بتأمرى،
ومهما موضعه نصب بتأمري. قال الفراء: كان الأصل في مهما ما، فحذفت العرب الألف منها
وجعلت الهاء خلفا منها، ثم وصلت بما فدلت على المعنى وصارت كأنها صلة لما، وهي في الأصل
اسم. وكذلك مهمن. قال زهير:
ومهما تكُنْ عند امرئٍ من خليقة ... ولو خالَها تَخفى على الناس تُعلَمِ
فموضع مهما رفع بما في تكن من ذكره، والذي في تكن اسم الكون، وعند خبر الكون. وقال الآخر
في مهمن:
أماوِيَّ مَهْمَنْ يستمع في صديقه ... أقاويلَ هذا الناس ماوِيَّ يندمِ
فموضع مهمن رفع بما في يستمع. وقال بعض النحويين معنى مع كف، كما تقول للرجل إذا فعل
فعلا لا ترضاه منه: مه؛ أي كف. والمعنى: وأنك مهما تأمري قلبك يفعل لأنك مالكة له، وأنا لا أملك
قلبي. وقال قوم: المعنى مهما تأمرى قلبي يفعل لأنه مطيع لك.
стр. 45
(وإِنْ تَكُ قَدْ ساءَتْكِ مِنِّى خَلِيقةٌ ... فسلِّى ثِيابي مِنْ ثِيابكِ تَنْسُلِ)
قوله (إنْ تكُ) موضع تك جزم بإن، علامة الجزم فيه سكون النون، والواو من تكون سقطت لاجتماع
الساكنين، والساكنان الواو والنون، والنون حذفت لكثرة الاستعمال وشبهتها العرب بالواو والياء
فأسقطوها كما يسقطونهما، فإذا تحركت النون لم يجز سقوطها. تقول: لم يك زيد قائما، ولم يك عمرو
جالسا، فتسقط النون لما ذكرنا. فإذا قلت: لم يكن الرجل قائما لم يجز سقوط النون لتحركها. واسم
الكون الخليقة، والخبر ساءتك، وجواب الجزاء الفاء. والمعنى: أن كان فيَّ خلق لا ترضينه فلي
ثيابي من ثيابك، أي قلبي من قلبك. والثياب هاهنا كناية عن القلب. قال الله : (وثيابَكَ
فطَهَّر) معناه قلبك فطهر. قال عنترة:
فشككتُ بالرُّمح الطَّويلِ ثيابَه ... ليس الكريمُ على القنَا بمحرَّمِ
أراد: فشككت بالرمح قلبه. وقال امرؤ القيس:
ثيابُ بني عَوف طَهارَى نقيَّةٌ ... وأوجهُهْم عند المَشَاهِدِ غُرَّانُ
أراد بالثياب القلوب. ويقول: سلى ثيابي من ثيابك، أي أمري من أمرك، اقطعي. وقال خالد ابن
كلثوم: كان طلاق أهل الجاهلية أن يسل الرجل ثوبه من امرأته وتسل المرأة ثوبها. وقال أبو عبيدة:
إنما الثياب تنسل، وهو مثل للصريمة، كقولك: ثيابي من ثيابك حرام. وقال: هذا صرم والأول قتل،
يعني قوله أزمعت قتلي. ويروى: (وإنْ كنت قد ساءتك منى خليقة). والخليقة والطبيعة والسَّليقة
والسُّوس والتُّوس، كله واحد، ومعنى قوله (تنسل) تبين عنها. يقال للسن إذا بانت فسقطت: قد نسلت.
ويقال للنصل إذا سقط: قد نسل. ويقال للريش إذا بان عن الطائر: قد نسل. وهو النسيل والنُّسال.
وقد أنسل، إذا أنبت الريش.
وموضع سلى جزم على الأمر، علامة الجزم فيه سقوط النون، وموضع تنسل
стр. 46
جزم، لأنه جواب للجزاء المقدر؛ والتقدير: فسلي ثيابي من ثيابك، أي أن تسليها تنسل. واللام كسرت لأنه احتيج إلى
حركتها للقافية، والمجزوم إذا احتيج إلى حركته كسر. ويقال: نسل الريش ينسُل وينسِل. ويروى:
(فسلى ثيابي من ثيابك تنسل)، بكسر السين.
(وما ذَرَفَتْ عَيناكِ إِلاَّ لتَضْربي ... بسَهْمَيكِ في أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ)
قال ابن الأنباري: حدثني أبي قال: حدثنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا هشام ابن محمد قال: حدثني
شيبان بن معاوية قال: أخبرني رجل من أهل البصرة قال:
خرجت من البصرة أريد مكة، فبينا أنا أسير في ليلة بدر اذ نظرت إلى رجل على ظليم قد زمه
وخطمه، يعن لي - أي يعترض - وهو يقول:
هْل يُبْلغنّيهمْ إلى الصَّباحْ ... عِقْلٌ كأنَّ رأسَه جُمَّاحْ
قال: فاستوحشت منه وحشة شديدة، وتخوفت أن يكون ليس بإنسي. قال: فما زال يقول هذا البيت
حتى أنست به، فقلت له: يا هذا، من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
وما ذَرَفتْ عيناكِ إلاّ لتضربي ... بسهمَيك في أعشارِ قلب مُقتَّلِ
قلت: لمن هذا الشعر؟ قال لامرئ القيس. قال: قلت ثم من؟ قال: الذي يقول:
تطردُ القُرَّ بحرّ صادق ... وعكيكَ القَيظ أن جاء بِقُرّ
قلت: لمن هذا الشعر؟ قال: لطرفة بن العبد. قلت: ثم من؟ قال: الذي يقول:
وتبْرُدُ بردَ رِداء العرو ... سِ في الصَّيف رَقرقْتَ فيه العبيرا
стр. 47
قلت: لمن هذا الشعر؟ قال: للأعشى. ثم توارى من عيني فلم أره.
ومعنى قوله: (إلا لتضربي بسهميك): ما بكت إلا لتجرحي قلبا معشرا، أي مكسرا. يقال برمة أعشار
وقدح أعشار، إذا كان قطعا. ولم يسمع للأعشار بواحد. يقول: بكيت لتجعلي قلبي مقطعا مخرقا
فاسدا، كما يخرق الجابر أعشار البرمة، والبرمة تنجبر والقلب لا ينجبر. ومثله قوله، هو للمرقش
الأصغر:
رمتْكَ ابنةُ البكريِّ عن فرعِ ضالةٍ ... وهنّ بنا خُوصٌ يُخلَن نعائما
أي نظرت إليك فأقرحت قلبك، وليس أنها رمتك بسهم. وقال غير الأصمعي: إنما هذا مثل لأعشار
الجزور، وهي تقسم على عشرة أنصباء. وقوله (بسهميك)، يريد المعلى وله سبعة أنصباء، والرقيب
وله ثلاثة أنصباء. فأراد أنك ذهبت بقلبي أجمع. والمقتل: المذلل. يقال: بعير مقتل، أي مذلل. وهذا
مثل. وروى أبو نصر عن الأصمعي إنه قال: معناه دخل حبك في قلبي كما يدخل السهم. يقول: لم
تبكي لأنك مظلومة، وإنما بكيت لتقدحي في قلبي، كما يقدح القادح في الأعشار.
(وبَيضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ... تَمتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بهَا غَيْرَ مُعْجَلِ)
معناه: رب بيضة خدر، أي رب امرأة كأنها بيضة في خدرها، شبهها بها لصفائها ورقتها. وقوله:
(لا يرام خباؤها) معناه لعزها لا يتعرض لخبائها. والخباء: ما كان على عمودين أو ثلاثة. والبيت: ما
كان على ستة أعمدة إلى التسعة. والخيمة من الشجر. وإنما شبهها ببيضة في خدرها لأنها مخدرة
مصونة مكنونة لا تبرز للشمس، ولا تظهر للناس، فشبهها بالبيضة لصفائها وملاستها. ويقال: شبهها
ببيضة النعام. وقوله: (تمتعت من لهو بها غير معجل) معناه: وصلت إليها وتمتعت على تمهل
وتمكث، لم أعجل ولم أعر. ويقال معنى قوله: (غير معجل) غير خائف، أي لم يكن ذلك مما كنت
أفعله مرة ولا مرتين.
ولا يرام خباؤها صلة البيضة، والخبياء اسم ما لم يسم فاعله، ومن صلة تمتعت، وبها صلة لهو،
وغير معجل منصوب على الحال من التاء.
стр. 48
(تَجَاوَزْتُ أحراساً إليها ومَعْشَراً ... عَلَّى حِراصاً لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي)
ويروى: (يشرون مقتلي) بالشين، أي يظهرون. يقال أشررت الشيء، إذا أظهرته. قال الشاعر يذكر
أصحاب على رضي الله ﵎ عنه:
فما برِحوا حتَّى رأى الله صَبَرهمْ ... وحتَّى أُشِرّتْ بالأكف المصاحفُ
يريد: حتى أظهرت. ويروى: (تخطيت أبوابا إليها ومعشرا). والأحراس: جمع الحرس. وقوله
(ومعشرا) يريد قومها. يقول. تجاوزت إليها أعداء يتمنون قتلى لو وصلوا إليه. وقال يعقوب بن
السكين: هذا مثل قولك: هو حريص على لو يقتلني. وقال غيره: معنى قوله (لو يسرون مقتلي): هم
حراص على إسرار قتلى، وذلك غير كائن؛ لشرفي ونباهتي وموضعي من قومي. ويقال أسررت
الثوب، إذا شررته وأظهرته. ويسرون حرف من الأضداد، يقال: أسررت الشيء، إذا أخفيته؛
وأسررته، إذا أظهرته. قال الله : (وأسَرُّوا النَّجْوَى الذين ظَلَموا)، معناه: وأظهروا النجوى.
ذكر ذلك أبو عبيدة. واحتج بقول الشاعر:
ولما رأى الحجاجَ جرَّدَ سيفَه ... أسرَّ الحروريُّ الذي كان أضْمَرا
معناه أظهر الحروري. وقال أبو عبيدة في قول الله عز ذكره: (وأسَرُّوا النَّدامةَ لمَّا رأوُا العَذَاب):
معناه: وأظهروا الندامة. وكان الفراء يذهب إلى أن المعنى وأخفوا الندامة من السفلة الذين أضلوهم.
والأحراس منصوبون بتجاوزت، وواحدهم حرس، واليها صلة تجاوزت، والمعشر منسوق على
الأحراس. والمعشر جمع لا واحد له من لفظه، وكذلك النفر
стр. 49
والقوم، والرهط، والابل، والغنم، لا واحد
لهذه الجموع من لفظها. وحراصا نعت للمعشر، وعلى صلة حراص. ومعنى لو يسرون: أن يسروا،
وأن تضارع لو في مثل هذا الموضع، يقال: وددت أن يقوم عبد الله، ووددت لو قام عبد الله، إلا أن
لو يرتفع المستقبل بعدها بالزيادة التي في أوله، وأن تنصب الفعل المستقبل. قال الله : (أيودُّ
أحدُكُمْ أن تكونَ له جَنَّةٌ مِنَ نخيِلٍ وأعناب)، فجاء بأن. ومعنى: (وَدُّوا لو تُدْهِنُ فيُدْهنُون): ودوا أن
تدهن فيدهنون ... ومقتلي موضعه نصب بيسرون.
(إِذا مَا الثُّرَيَّا في السَّماءِ تَعَرَّضَتْ ... تَعَرُّضَ أثْناءِ الوشَاح المُفَصَّلِ)
إذا من صلة تجاوزت، والمعنى: تجاوزت أحراسا إليها عند تعرض الثريا في السماء في وقت غفلة
من رقبائها. وقوله (تعرضت) معناه أن الثريا تستقبلك بأنفها أول ما تطلع، فإذا أرادت أن تسقط
تعرضت، كما أن الوشاح إذا طرح تلقاك بناحية. وهذا مثل قوله:
كما خَطَّ عبِرانيَّةً بيمينه ... بِتَيْماء حَبْرٌ ثم عَرَّض أسطُرَا
يقول: خط أسطرا مستوية، ثم خالف أسطرا فجعل واحدا كذا وواحدا كذا. قال: ومثل هذا قوله:
تعرَّضَتْ لي بمكانٍ حِلِّ ... تعرُّضَ المُهْرَة في الطِّوَلِّ
الطول: الرسن. يقول: تريك عرضها وهي في الرسن.
стр. 50
والوشاح: خرز يعمل من كل لون. والمفصل: الذي فصل بالزبرجد. وأثناء الوشاح: نواحيه
ومنقطعه، وواحد الأثناء ثنْى وثنِى وثَنىً، وواحد آلاء الله إلى وإلاً وألاً، وواحد آناء
الليل إنى وإناً وأناً. قال الشاعر:
حُلْوٌ ومُرّ كَعَطْف القِدحِ مِرَّتُه ... في كلِّ إنْىٍ قَضاهُ الله يَنتعِلُ
وقال الآخر:
أبيضُ لا يرهب الهُزالَ ولا ... يقطع رِحماً ولا يَخُونُ إلاَ
وأنكر قوم (إذا ما الثريا في السماء تعرضت) وقالوا: الثريا لا تعرض لها. ويحكى عن محمد بن
سلام البصري إنه قال: إنما عنى بالثريا الجوزاء، لان الثريا لا تعرض. قال: وقد تفعل العرب مثل
هذا، واحتج بقوله زهير:
فتُنْتَجْ لكم غِلمانَ أشأمَ كلُّهم ... كأحمرِ عادٍ ثم تُرضِع فتَفْطِمِ
قال: أراد كأحمر ثمود، فجعل عادا في موضع ثمود لضرورة الشعر. وقال أبو عمرو: تأخذ الثريا
وسط السماء كما يأخذ الوشاح وسط المرأة.
وإذا وقت، وما صلة للكلام على جهة التوكيد له، والثريا مرتفعة بما في تعرضت، وفي السماء صلة
تعرضت، وتعرض أثناء منصوب على المصدر، وهو مضاف إلى الأثناء، والأثناء مضاف إلى
الوشاح، والمفصل نعت للوشاح.
ويقال معنى قوله: كأثناء الوشاح، إنه شبه اجتماع الكواكب في الثريا ودنو بعضها من بعض
بالوشاح المنظم بالوداع المفصل بينه.
(فجئْتُ وقد نَضَتْ لنَومٍ ثِيابَها ... لَدَى السِّتْرِ إِلاَّ لِبْسَةَ المُتفَضِّلِ)
قوله (وقد نضت لنوم ثيابها) معناه: وقد سلخت ثيابها عنها وألقتها. يقال:
стр. 51
نضا عنه ثيابه، وسرى
عنه ثيابه، إذا ألقاها. قال ابن هرمة:
سَرَى ثوبَه عنك الصِّبا المتَخايلُ
ويقال: نضا خضابه، إذا نصل من الشعر. وقد نضا الفرس الخيل، إذا نصل منها فخرج. ومنه
انتضى سيفه، إذا أخرجه. وقوله: (إلا لبسة المتفضل)، معناه ليس عليها من الثياب إلا شعارها، وهو
ثوبها الذي يلي جسدها، وتقوم وتقعد فيه وتنام. يقول: جئتها بعد هدء من الليل. ويروى: (فجئت وقد
ألقت لنوم ثيابها).
والفاء التي في قوله فجئت، تصل ما بعدها بما قبلها، والواو في قوله وقد نضت واو حال، وما في
نضت يعود على المرأة، ولدى الستر معناه عند الستر، واللبسة منصوبة على المصدر، وهي مضافة
إلى المتفضل. والمتفضل: الذي في ثوب واحد، وهو الفضل.
(فقالَتْ: يَمِينَ اللهِ مالَكَ حِيلةٌ ... وما أن أَرَى عَنْكَ الغَوايَةَ تَنْجَلِي)
وروى الأصمعي: (وما أن أرى عنك العماية). والعماية: مصدر عمى يعمى عمى وعماية. والغواية:
مصدر غوى يغوى غيا وغواية. ويقال: غوى الفصيل يغوى غوى، وهو أن يشرب من اللبن حتى
يتخثر ولا يروى. قال الشاعر:
معطَّفةُ الثناءِ ليس فَصِيلُها ... برازئها دَرّا ولا ميِّتٍ غَوَى
стр. 52
وقال الأصمعي: مالك حيلة، تجيء والناس أحوالي. وقال ابن حبيب: مالك حيلة، معناه لا أقدر أن
أحتال في دفعك عني. وقال غيره: وليس لك حجة في أن تفضحني. وقال آخرون: معناه ليس لك
وجه مجيء إلينا. ومعنى تنجلي تتكشف. والجلية: الأمر البيَّن، ومن ذلك جلوت العروس، معناه
أظهرتها. وجلا القوم عن منازلهم جلاء، معناه انكشفوا وظهروا، قال الله : (ولولا أن كتبَ
اللهُ عليهم الجَلاَءَ لعذَّبَهُمْ في الدُّنيا). و (يمين الله) منصوب على مذهب القسم، قال الفراء: هو
منصوب بالجواب، وجواب القسم مالك حيلة، والحيلة مرفوعة باللام. وما جحد لا موضع لها،
والغواية منصوبة بأرى، وما جحد لا موضع لها وإن جحد أيضا، جمع بينها وبين ما لأنها تخالفها في
اللفظ. وخبر أرى ما عاد من تنجلي.
(فقُمْتُ بها أَمْشِى تَجُرُّ وراءَنا ... على إِثْرِنا أَذْيالَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ)
معناه: قمت بها وقد خاصرتها وأخذت بيدها: وهي تجر ذيلها لتعفى الأثر لئلا يستدل علينا. ويروى:
(خرجت بها أمشي)، أي خرجت بها من البيوت لنخلو. و (المرط): كساء من خز أو غيره، ويقال
هو ثوب من مر عزى. و (المرحل): ضرب من البرود، ويقال لو شيه الترحيل، وقد رحلت ترحيلا.
ويقال المرحل: المعلم بأعلام كالرحال. والمسهم: المعلم بأعلام تشبه أفاويق السهام. وأنشد الأصمعي:
فظَلَّتْ تعفِّى بالرداء مكانَنا ... وتَلقُط وَدْعاً من جُمان محطَّمِ
وقال غيره: هذا مثل قول الآخر:
تُعَفِّى بذَيل المِرْط إذْ جئتُ مَوْدِقي
стр. 53
وروى أبو عمرو: (على إثرنا أذيال نير)، ويروى: (على أثرينا نير مرط مرحل).
وأمشى موضعه رفع بالألف، علامة الرفع فيه سكون الياء، وموضعه في التأويل نصب على الحال
من التاء في قمت، والتقدير: قمت بها ماشيا. وتجر فيه كناية مرفوعة تعود على المرأة، والأذبال
منصوبة بتجر، وهي مضافة إلى المرط، والمرحل نعته.
(فلَمَّا أَجَزْنا سَاحةَ الحَيَّ وانْتَحَى ... بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفافٍ عَقَنْقَلِ)
ويروى: (بظن حقف ذي ركام). وقال الأصمعي: أجزنا: قطعنا، يقال: أجزت الوادي، إذا قطعته
وخلفته وجزته وسرت فيه. وقال أوس بن مغراء:
حتَّى يُقالَ أجِيزُوا آلَ صفوانا
يعني أنفذوهم؛ وهو من الأول. و (الساحة)، والفجوة، والعرصة، والباحة، والنالة، كل هذا فناء
الدار. وانتحى: اعترض. والخبت: بطن من الأرض غامض. والحقف: رمل منعرج. وركام: بعضه
فوق بعض. قال جرير:
عرفَتُ الدَّار بعد بِلَى الخيامِ ... سقُيتِ نَجىَّ مُرتجِزٍ رُكامِ
كأنَّ أخا اليهودِ يخطُّ وَحياً ... بكافٍ في منازلها ولامِ
стр. 54
وقال الله : (ثمَّ يَجعلُه رُكاماً)، أي متراكما بعضه على بعض. و (القفاف): جمع قف، وهو
ما غلظ من الأرض وارتفع. وقال بعض أهل اللغة: لا يجوز: (انتحى بنا بطن خبت) لأن الخبت
المستوى من الأرض ولا يكون فيه ركام، والحقف يكون وسط الرمل. ويروى: (وانتحى بنما ثنى
رمل ذي قفاف). و (العقنقل): المنعقد الداخل بعضه فوق بعض. وعقنقل الضب: بطنه المنعقد. يقال
في مثل من الأمثال: (أطعم أخاك من عقنقل الضب) يضرب هذا المثل عند الخصوصية يخص بها
الإنسان. وعقنقله: كشيته وبيضه. والكشية: شحمة من أصل حلقه إلى رفغه. وجمع الكشية كشى. قال
الشاعر:
إنكَ لو ذُقْتَ الكشى بالأكبادْ ... لم ترسل الضَّبَّةَ أعداءَ الوَادْ
ولما وقت فيها طرف من الجزاء، والساحة منصوبة بأجزنا، وهي مضافة إلى الحي. وقال أبو
عبيدة: وانتحى نسق على أجزنا. وجواب فلما أجزنا (هصرت بفودي رأسها). وقال غيره: وانتحى
جواب فلما، والواو مقحمة لمعنى التعجب، وإنما تقحم الواو مع لما، وحتى إذا، قال الله :
(فلمَّا أسْلَمَا وتَلَّهُ للجبِينِ ونادَيْناهُ أن يا إبراهيم) معناه ناديناه، فأقحم الواو. وقال : (حَتَّى إذَا
فُتِحَتْ يَأجوجُ ومَأجوجُ وهُمْ من كل حَدَب يَنْسِلُون. واقْتَرَبَ)، معناه اقترب، فاقتحم الواو على
الجواب. وقال : (حتى إذا جاءوها وفُتِحتْ أبْوابُها)، أراد: فتحت أبوابها، فاقتحم الواو.
وأنشد الفراء:
حتى إذا قَمِلتْ بطونكُم ... ورأيتُم أبناءَكم شَبُّوا
وقَلبْتُمُ بظنَ المِجَنِّ لنا ... إنّ اللئيمَ العاجز الخَبُّ
стр. 55
معناه قلبتم، فأقحم الواو. وقال أبو عبيدة: الواو في هذه الأبيات واو نسق، والجواب محذوف لعلم
المخاطبين به. وقال عبد مناف بن ربع، في آخر قصيدة له:
حتَّى إذا أسلَموهم في قُتَائِدةٍ ... شَلاًّ كما تَطُرد الجَمَّالةُ الشرُدا
فحذف جواب حتى إذا. واحتج بقول امرئ القيس:
ألاَ يا عينُ بكِّى لي شَنِينَا ... وبَكِّى للمُلوكِ الذَّاهبِينا
ملوك من بني حُجْر بن عمروٍ ... يُسَاقُونَ العشيّةَ يُقَتلونا
فلو في يومِ مَعركةٍ أصِيبوا ... ولكنْ في ديار بني مَرِينا
أراد: فلو كان في يوم معركة أصيبوا لكان أسهل، فحذف الجواب. واحتج بقول الأخطل في آخر
قصيدة له:
خلا أن حيّاً من قريش تكرَّموا ... على الناس أو أن الأكارمَ نَهْشلا
أراد: فعلوا كذا، فحذف خبر أنَّ، اتكالا على علم المخاطبين به.
(مَددْتُ بُغصْنَيْ دَومَةٍ فتمايَلَتْ ... عَلَّى هَضيمَ الكَشْحِ رَيَّا المخَلْخَلِ)
ويروى: (إذا قلت هاتى نوليني تمايلت). فمعنى هاتى أعطيني نوالك، أي أصيري إلى وصالك
وأفضلي علىَّ به.
ويقال للرجل: هات يا رجل، فعلامة الجزم فيه سقوط الياء، وهو على مثال قاض يا رجل. وتقول
للاثنين: هاتيا يا رجلان، وللجميع: هاتوا، وللمرأة: هاتي يا امرأة، وللمرأتين: هاتيا يا امرأتان،
وللنسوة: هاتين يا نسوة. وإذا قال رجل لرجل: هات يا رجل، فأراد أن يقول له لا أفعل قال: لا
أهاتي.
стр. 56
ومعنى (نوَّليني): ليصبني منك نوال. قال الأحوص:
ولقد قلت يومَ مَكةَ سرًّا ... قبل وشكٍ من بَيْنها نوِّليني
ويقال: معنى قوله نوِّليني قبِّليني. والتنويل والتقبيل واحد. وقل الأحوص:
لقد منعَتْ مُعروفَها أمُّ جعفرٍ ... وإني إلى معروفِها لفقيرُ
ومعنى (تمايلت) أصغت إلى رأسها، أي أمالته. ويروى: (مددت بفودي رأسها)، ويروى: (هصرت
بفودي رأسها): فمعنى هصرت جذبت وثنيت. والفودان: جانبا الرأس. ومن روى: (مددت بغصني
دومة) قال: الدومة الشجرة، ويقال في جمعها دوم. قال الشاعر:
أجِدَّكَ تَطِوى الدَّوْمَ ليلاً ولا ترى ... عليكَ لأهل الدَّوم أن تتلكَّما
وبالدَّوم ثاوٍ لو ثَويتَ مكانه ... فمرَّ بأهل الدَّوم عاجَ فسلَّما
و (هضيم الكشح): ضامر الكشح داخلته. والهضوم: مطمأنات من الأرض. ومنه: اهضم له من
حقك، أي انقص له من حقك. قال الله : (فلا يَخافُ ظُلْماً ولا هَضْماً) معناه ولا نقصانا. قال
الشاعر:
يديان بيضاوان عند مُحلِّم ... قد تمنعانك بينهمْ أن تُهْضَما
أي تنقص. ويقال للجوارشن: الهاضوم. ويقال معنى قوله: (تمايلت علىَّ): التزمتني، وهو إعطاؤها.
و (الكشح): ما بين منقطع الأضلاع إلى الورك. ويقال: هو الكشح، والخاصرة، والقرب، والأيطل،
والإطل، ومنهم من يكسر الطاء فيقول إطل، واحد. وليس في الكلام اسم واحد على مثال فعل إلا إبل
وإطل. و (المخلخل): موضع الخلخال. والمسور: موضع السوار. ويقال السُّوار بالضم.
стр. 57
والمخدم: موضع الخدمة. والمقلد: موضع القلادة. و (الريا): الممتلئة لحما المكتنزة. والذين رووه:
(بغصني دومة) قالوا: شبه المرأة بالدومة في طولها واعتدالها، وشبه كثرة الشعر بأغصان الدومة.
وتمايلت جواب إذا قلت هاتي، وفاعل تمايلت مضمر فيه، كأنه قال: تمايلت المرأة على. ونصب
هضيم الكشح على الحال مما في تمايلت. وموضع ريا المخلخل نصب على الاتباع لقوله هضيم
الكشح.
(مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفَاضَةٍ ... تَرائِبُها مَصْقُولةٌ كالسَّجَنْجَلِ)
المهفهفة: الخفيفة اللحم التي ليست برهلة ولا ضخمة البطن. والمفاضة: المسترخية البطن. وقال
يعقوب: مهفهفة: مخففة، ليست بمثقلة منفضخة ولا عظيمة البطن. وأنشد لأعشى باهلة:
مهفهفٌ أهضم الكَشْحَين منْخَرِقٌ ... جَيْبَ القميصِ لِسير اللَّيل محتقرُ
وقال بعض البصريين: مهفهفة معناه لطيفة الخصر. وقال يعقوب: المفاضة: المتفتقة المندحة البطن؛
يقال اندح، إذا اتسع. وهو من قولهم: حديث مستفيض. وقال أبو عبيدة: المفاضة قد طالت حتى
اضطربت وسمج طولها فأفرط؛ وهو في النساء عيب، وفي الدرع مدح. و (الترائب): جمع تريبة،
وهو موضع القلادة من الصدر. قال الله : (يَخْرُجُ مِن بَيْن الصُّلب والتَّرائب). وأنشد الفراء:
والزَّعفرانُ على ترائبها ... شَرِقاً به اللَّبَّاتُ والنَّحرُ
стр. 58
ويقال في جمع التريبة تريب أيضا، قال الشاعر:
ومن ذهب يُسَنُّ على تَريبٍ ... كلون العاج ليسَ بذي غُضُونِ
وقال سهل: التريبتان: الثندوتان. وقوله (كالسجنجل) قال يعقوب: هو رومي. قال: وأراد مرآة. قال:
وهو أيضا قطع الفضة وسبائكها. وأبو عبيدة يرويه (مصقولة بالسجنجل). ويقال السجنجل:
الزعفران، ويقال السجنجل: ماء الذهب والزعفران.
والمهفهفة ترتفع بإضمار هي مهفهفة؛ وبيضاء وغير: نعتان لمهفهفة، وغير مضافة إلى المفاضة،
والترائب ترتفع بمصقولة، ومصقولة بالترائب، والكاف في موضع رفع لأنها نعت لمصقولة،
والتقدير هي مصقولة مثل السجنجل. ومن رواه (مصقولة بالسجنجل) نصب الباء بمصقولة. وإنما
يصف المرأة بحداثة السن. ويقال في جمع السجنجل سجاجل.
(تَصُدُّ وتُبْدِى عَنْ أَسِيلٍ وتَتَّقى ... بناظرةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ)
قوله (تصد وتبدى)، معناه تعرض عنا وتبدى عن خد أسيل ليس بكز. وقوله (وتتقى بناظرة) أي
وتلقانا بناظرة، يعنى عينها. ويقال اتقاه بحقه، أي جعله بينه وبينه. ووجرة: موضع. ويقال لقينا
العدو فاتقينا بفلان، أي قدمناه بين أيدينا. ومطفل: ذات طفل، وهو الغزال. والمطفل أحسن نظرا من
غيرها؛ لحسن نظرها إلى طفلها من الرقة والشفقة، كما قال في قصيدته الأخرى:
نظرتْ إليك بعَينِ جازية ... حَوراءَ حانية على طِفْلِ
стр. 59
ويروى: (تصدى وتبدى عن أسيل) يريد تتصدى أي تتعرض لتنظر. وقال بعضهم: معنى قوله
تتقى، تتقى بعينها من تخافه من أوليائها. ويقال: إنما وصفها بأنها مطفل لأنه أراد: ليست بصبية، بل
قد استكملت وعقلت. وقال كثير:
وما أمُّ خِشْف بالعَلايَةِ شادنٌ ... تنشِّئُ في برَدِ الظِّلال غَزَالهَا
يقول: قد بلغت وليست بكبيرة فهو أكمل لها وأتم. وقال ابن حبيب: مطفل: معها طفل، فهي تلفت
إليه كثيرا. ويجوز أن يكون قال مطفل لأنه أحسن لعينها وأوسع، فشبه سعة عينيها بسعة عيني هذه
البقرة في هذه الحال. وروى: (وتبدى عن شتيت)، أي عن ثغر شتيت، أي متفرق ما بين الثنيتين.
قال الله : (وقُلوبُهمْ شَتَّى)، فمعناه: وقلوبهم متفرقة. وواحد شتى شتيت. قال نابغة بني
شيبان:
وزانَ أنيابَها منها إذا ابتَسَمَتْ ... أحوى اللِّثاتِ شتيتٌ نَبْتُه رَتِل
وفاعل تصد مضمر فيه من ذكر المرأة، وتبدى نسق على تصد، وعن صلة تبدى وهي خافضة
للأشيل، وتتقى نسق على تصد، والباء صلة تتقى وهي خافضة للناظرة، ومن صلة ناظرة وهي
خافضة للوحش، والوحش مضافة إلى وجرة، ووجرة نصبت وهي في موضع خفض لأنها لا تجرى
للتعريف والتأنيث، ومطفل نعت لناظرة.
وقال السجستاني: (وتتقى بناظرة) معناه وتتقينا بناظرة، أي بمثل عين مطفل. قال: ومثله قول
الراجز:
متَّقياً بوجههِ الصَّحاصحا
يقول: الذي يلقى الأرض منه وجهه.
стр. 60
(وجيد كجِيدِ الرِّيمِ ليَس بِفاحشٍ ... إِذا هيَ نصَّتْهُ ولا بِمُعطَّلِ)
الجيد: العنق. قال الشاعر:
لها الجيدُ من جَيْداءَ والعَينُ طَرْفُها ... كعيناءَ يَهدِيها غَرَاها فتَرْمُقُ
الريم: الظبي الابيض الشديد البياض، وجمعه أرآم. قال زهير:
بها العِينُ والأرآم يَمْشِين خِلْفةً ... وأطلاؤها يَنْهضْنَ من كل مَجْثَم
والأعفر من الظباء: الذي يعلوه حمرة؛ ومنه قولهم: كثيب أعفر. والآدم: الطويل القوائم والعنق،
أبيض البطن، أسمر الظهر.
وقوله: (ليس بفاحش) معناه ليس بكريه المنظر. وقوله: (نصته) معناه نصبته ورفعته؛ ومنه النص
في السير، ومنه نصصته عن الحديث، ومنه المنصة. (والمعطل): العطل الذي لا حلى عليه. ويقال
قوس عطل: لا وتر عليها. وبعير علط، بتقديم اللام على الطاء، أي لا خطام عليه. وقال السجستاني:
وجدت في كتاب الأصمعي بخطه: الجيد اسم يقع لجمع العنق.
والجيد مخفوض على النسق على قوله بناظرة، والكاف موضعها خفض على النعت للجيد، والتقدير:
وجيد مثل جيد الريم. والجيد مضاف إلى الريم، واسم ليس مضمر فيها من ذكر الجيد، والخبر ليس
بفاحش. وإذا وقت من صلة فاحش، وهي رفع بما في نصت، والمعطل نسق على الفاحش.
стр. 61
(وفَرْعٍ يَزِينُ الْمَتْنَ أَسْوَدَ فاحم ... أَثِيثٍ كقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ)
الفرع: الشعر التام. والمتن والمتنة: ما عن يمين الصلب وشماله من العصب واللحم. والفاحم:
الشديد السواد، وهو مشتق من الفحم. وأثيث: كثير أصل النبات. والقِنْو والقُنْو والقنا: العذق، وهو
الشمراخ. والعَذق بفتح العين: النخلة. ويقال في جمع القنو قِنوان وقُنوان. وحكى الفراء قُنيان في
جمع قنو. وأنشد:
أثَّتْ أعاليهِ وآدَت أصولُه ... ومال بقُنيان من البُسْرِ أحمرا
قال الله : (ومِنَ النَّخْل مِنْ طَلْعِها قِنْوَانٌ دَانِية). و (المتعثكل) الذي قد دخل بعضه في بعض
لكثرته. والعثاكيل: الشماريخ، الواحد عثكول وعثكال، ويقال أثكول أيضا. وقال أبو عبيدة: المتعثكل
الكثير العثاكيل. وقال بعض أهل اللغة: المتعثكل المتدلي. ويقال رجل أفرع، إذا كان تام الشعر.
والفرع نسق على الجيد، ويزين صلة الفرع، وما فيه يعود على الفرع، والمتن منصوب بيزين،
والأسود نعت للفرع، ونصب في اللفظ لأنه لا يجرى لا يدخله تنوين ولا خفض. والفاحم نعت
للأسود. ويقال أسود فاحم، وأسود حالك وحانك، ومثل حنك الغراب وحلك الغراب. ويقال أسود
حَلكوك وحُلكوك، وأسود حلبوب سُحكوك. قال الراجز:
تضحك منِّى شَيخةٌ ضَحوكُ ... واستَنْوكَتْ وللشَّباب نُوك
وقد يَشِيب الشَّعَرُ السُّحكوكُ
وأثيث نعت للفرع، والكاف في موضع خفض على النعت للأثيث، والتقدير: أثيث مثل قنو النخلة.
والقنو مخفوض بالكاف، وهو مضاف إلى النخلة، والمتعثكل نعت للقنو.
стр. 62
(غَدَائِرُهُ مَسْتَشْزَراتٌ إلى العُلَى ... تَضِلُّ العِقَاصُ في مُثَنٍّى ومُرْسَلِ)
الغدائر: الذوائب، واحدتها غديرة. ومستشزرات: مرفوعات؛ وأصل الشزر الفتل على غير الجهة.
فأراد إنها مفتولة على غير الجهة من كثرتها. والشزر: ما أدبرت به عن صدرك، وهو الدبير.
واليسر: ما أقبلت به على صدرك، وهو القبيل. وقال الأصمعي في قولهم: (ما يعرف فلان قبيلا من
دبير): معناه لا يعرف الإقبال من الإدبار. قال: والقبيل: ما أقبل به من الفتل على الصدر، والدبير:
ما أدبر عنه. وقال الأصمعي: هو مأخوذ من الناقة المقابلة والمدابرة؛ فالمقابلة: التي شق أذنها إلى
قدام؛ والمدابرة: التي شق أذنها إلى خلف. و (العقاص): ما جمع من الشعر كهيئة الكبة. ويروى:
(تضل المدارى) أي تضل من كثافة شعرها. والمدارى: جمع المدرى، وهو مثل الشوكة يصلح به
شعر المرأة. ويروى: (مستشزرات) بكسر الزاي، على معنى مرتفعات. وقال أبو نصر: إنما أراد أن
هذه الغدائر قضبت بالخيوط، وهو أن تلف بالخيوط من أسفل إلى فوق، وهو من الشيء الناشز.
وقوله (في مثنى ومرسل)، معناه: منها ما قد ثنى ومنها ما لم يثن. وروى أبو جعفر أحمد بن عبيد:
(يضل العقاص) بالياء، وقال: العقاص اسم واحد بمنزلة الكتاب والحساب وما أشبه ذلك. ورواه اكثر
الرواة: (تضل) بالتاء، وقالوا: العقاص جمع عقصة، وهو جمع مؤنث.
والغدائر ترتفع بمستشزرات، ومستشزرات بالغدائر، وإلى صلة مستشزرات، والعلى مخفوضة بإلى،
والعقاص رفع بتضل، وفي صلة تضل، وهي خافضة للمثنى، والمرسل نسق على المثنى.
стр. 63
(وكَشْحٍ لَطيفٍ كالجَدِيل مُخصَّرٍ ... وساقٍ كأُنْبوبِ السَّقِيِّ المذَلَّلِ)
الكشح: الخصر. واللطيف، أراد به الصغير الضامر. والجديل: الزمام يتخذ من السيور فيجيء حسنا
لينا يتثنى، أي كشحها يتثنى. قال العجاج:
في صَلَبٍ مثلِ العِنان المُؤْدَمِ ... ليس بجُعْشوش ولا يجُعْشُمِ
الصلب: الصلب في لغة العجاج. والمؤدم: الذي قد أظهرت أدمته، وهي باطن الجلد، فهو ألين له.
والجعشوش: الضعيف. والجعشم: الغليظ. قوله: (كأنبوب السقي)، الأنبوب: البردى الذي ينبت وسط
النخل. والسقى: النخل الذي يسقى. والمذلكك: الذي قد عطف ثمره ليجتنى منه. وإنما جعله مثل
المذلل لأنه يكرم على أهله ويتعهدونه، فلذلك جعله مثله. ويقال: ذللوا نخلكم، فتخرج كباسة من سعفه
عند التقاطه. فأراد إنه ناعم في كن. فشبه ساق المرأة بالبردى في بياضه ونعمته. وقال قيس بن
الخطيم:
تَمْشِي على بَرديَّتَين غَذَاهما ... غَدِقٌ بسَاحةِ حائر يَعبوبِ
معناه: تمشى على ساقين كأنهما برديتان في بياضهما. والغدق: الماء الكثير. والحائر: الموضع الذي
يتحير فيه الماء من كثرته. واليعبوب: الطويل. وقال العجاج:
كأنما عظامُها بَردِيُّ
والأنبوب: الكعب من القصب. ويقال: السقي: البردي. والمذلل معناه المذلل له الماء. وقال: الكشح
منقطع الأضلاع إلى الورك. وقال غيره: المذلل: الذي قد خاضه الناس. ويقال (كأنبوب السقي) معناه
أن البردية تصير وسط النخلة على أحسن ما يكون من مثال الساق الغليظة الحسنة، وأراد أيضا
اللين. والسقي: الذي يسقى من النخل. ويقال أيضا: السقي الذي تروى من الماء.
стр. 64
والكشح نسق على الجيد، واللطيف نعته، والكاف نعت للطيف، والمخصر نعت للكشح، والساق نسق
على الكشح، والكاف نعت للساق، وهي خافضة للأنبوب، والأنبوب مضاف إلى السقي، والمذلل نعت
للسقي.
(ويُضْحِى فَتِيتُ المِسْكِ فَوْقَ فِراشِها ... نَؤومُ الضُّحَى لم تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ)
قوله: (ويضحى فتيت المسك) معناه يبقى إلى الضحى. وفتيت المسك: ما يفت منه في فراشها. وقال
أبو جعفر أحمد بن عبيد: معناه كأن فراشها فيه المسك من طيب جسدها، لا أن أحداً فت لها فيه
مسكا. واحتج بقول امرئ القيس:
خليليَّ مُرَّا بي على أم جُندَبِ ... لَنْقضيَ حاجاتِ الفؤاد المعذّب
ألم تَرَياني كلَّما جِئتُ طارقاً ... وجدتُ بها طيباً وإنْ لم تطيّب
قوله (نؤوم الضحى) معناه لها من يكفيها من الخدم، فهي تنام ولا تهتم بشيء. وقال أبو جعفر أحمد
بن عبيد: هي مكرمة، لها من يكفيها، ولم يسبها أحد فتحتاج إلى الخدمة فتشد نطاقها. وقال يعقوب:
(ولم تنتطق عن تفضل) أي لم تنتطق، لتعمل، ولكنها في بيتها فضل. وقال يعقوب: لم تنتطق عن
تفضل، أي لم تنتطق لتعمل، ولكنها في بيتها فضل. قال: وهذا كقولك: ما عرق فلان عن الحمى، أي
ما عرق بعد الحمى. وأنشد للأعشى:
ولقد شُبّتِ الحُروب فما غُ ... مِّرتَ فيها إذْ قَلَّصَتْ عن حيالِ
أي فما وجدت فيها غمرا، أي ضعيفا، إذ لقحت بعد أن كانت حائلا، فذلك أسد لقوة الحرب. ومعنى
(عن حيال) أي بعد حيال. وأنشد يعقوب أيضا:
قرّبا مَربِط النَّعامة منى ... لقِحتْ حربُ وائل عن حيالِ
стр. 65
وهذا أقوى للولد. وأنشد للعجاج:
ومنهلٍ وَرَدْتُه عن مَنْهَلِ
معناه بعد منهل. فقال أبو عبيدة: معنى قوله لم تنتطق عن تفضل: لم تنتطق فتعمل وتطوف، ولكنها
تتفضل ولا تنتطق. وقال غيره: التفضل التوشح، وهو لبسها أدنى ثيابها. والانتطاق: الائتزاز للعمل.
والنطاق: ثوب تشده المرأة على وسطها للمهنة والعمل. ويقال: هو فتيت المسك، وفتوت المرأة
وفتيتها للذي تشربه. ونؤوم يُهمز ولا يهمز؛ فمن لم يهمزه قال: هو فعول من النوم، ومن همزه قال:
الواو إذا انضمت صلح همزها، كقول الله : (وإذا الرُّسُل أقِّتَتْ)، همزت الواو لما انضمت،
كقول العرب: هذه أوجه حسان، للوجوه.
والفتيت يرتفع بيضحى، وفوق فراشها خبر يضحى، ونؤوم الضحى يرتفع على المدح بإضمار هي
نؤوم الضحى؛ ويجوز نؤوما بالنصب على المدح أيضا: كأنك قلت: أذكر نؤوم الضحى. وتنتطق
مجزوم بلم، وعن تفضل صلة تنتطق.
(وتَعْطُو برَخْصٍ غَيْرِ شَثْنٍ كأَنَّهُ ... أَساريعُ ظَبْيٍ أو مَسَاوِيكُ إِسْحِلِ)
قوله (وتعطو) معناه وتتناول؛ من ذلك قولهم: قد أعطيتك الشيء معناه ناولتك. ومنه أيضا: قد تعاكى
فلان كذا وكذا، معناه صار يتناوله ويتعرض له. وقوله (برخص) معناه ببنان رخص. والبنان:
الأصابع. قال الشاعر:
كم لكَ مِنْ خَصلةٍ مُباركةٍ ... يَحسُبُها بالبنانِ حاسُبها
والشثن: الكز الخشن. وظبي: اسم كثيب. والكثيب: جبيل من الرمل أنشدنا أبو العباس:
وإنَّ الكثيبَ الفَرْدَ من جانِب الحمى ... إلىَّ وإن لم آتِهِ لحبيبُ
стр. 66
وأساريعه: دواب تكون فيه مثل شحمة الأرض، وهي دودة تكون في الرمل. يقال أساريع ويساريع.
فسبه أصابعها بالأساريع للينها. قل ذو الرمة:
خرَاعيبُ أمُلودٍ كأنَّ بنانَها ... بناتُ النقا تَخْفى مِراراً وتظهرُ
خراعيب: ملس لينة. وأملود: ناعمة. وبنات النقا: دواب بيض تشبه العظاء تكون في الرمل. وواحد
الأساريع أسروع ويسروع، وهي دواب تسمى بنات النقا. قال: وسرقه ذو الرمة منه، يعني من امرئ
القيس. وقال ابن حبيب: شبه أصابعها بمساويك إسحل في دقتها ونقائها واستوائها. وقال يعقوب:
الإسحل شجر له غصون دقاق يستاك بها ويتخذ منها الرحال. قال العجاج:
مَيْسَ عُمانَ أو رحالَ إسحِلِ
والفاعل مضمر في تعطو من ذكر المرأة، والباء صلة تعطو، وهي خافضة للرخص، وغير شثن
للرخص، والهاء اسم كأن، وهي عائدة على الرخص، والأساريع خبر كأن، وهي مضافة إلى الظبي،
والمساويك نسق على الأساريع، وهي مضافة إلى الإسحل.
(تُضِيءُ الظَّلاَمَ بالعِشَاءِ كأَنَّها ... مَنَارَةُ مُمْسَي راهبٍ مُتَبتِّلِ)
قوله (تضيء الظلام بالعشاء) معناه هي وضيئة الوجه زهراء مشرقة الوجه، إذا تبسمت بالليل
رأيت لثناياها بريقا وضوءا، وإذا برزت في الظلام استنار وجهها وظهر جمالها حتى يغلب الظلمة.
قال قيس بن الخطيم:
قضَى لها الله حين صّورها ال ... خالقُ أن لا يُجنَّها سَدَفُ
وقال يعقوب: المنارة هي المسرجة، وهي مفعلة من النور. وأنشد لأبي ذؤيب:
стр. 67
وكلاهما في كَفِّهٌ يزَنيَّةٌ ... فيها سنانٌ كالمنارة أصلعُ
والمتبتل: المجتهد في العبادة. والتبتل: الانقطاع عن الناس في العبادة. والبتل: القطع. قال الله عز
وجل: (وتَبتَّلْ إليه تبتيلا) فمعناه انقطع إليه انقطاعا. ويقال في نعت مريم ﵍: العذراء
البتول، معناه المنقطعة عن الناس في العبادة. قال أمية بن أبي الصلت في ذكر مريم ﵍:
أنابت لوجه الله ثم تبتَّلتْ فسبَّحَ عنها لَومَة المتلوِّمِ
وقال ابن حبيب: شبهها بسراج الراهب لان سراج الراهب لا يطفأ.
وفاعل تضي مضمر فيه، والظلام مفعوله، والباء صلة تضيء وهب خافضة للعشاء، والهاء اسم
كأن وهي عائدة على المرأة، والمنارة خبر كأن وهي مضافة إلى الممسى، والممسى مضاف إلى
الراهب، والمتبتل نعت للراهب.
والمنارة وزنها من الفعل مفعلة من النور، أصلها منورة فألقيت فتحة الواو على النون وصارت ألفا
لانفتاح ما قبلها. ويقال في جمع المنارة على القلة منارات، ويقال في جمعها على الكثرة مناور
بالواو، ومنائر بالهمز والياء، لغتان شاذتان لا يقاس عليهما.
(إِلى مِثْلِها يَرنُو الحَلِيمُ صَبَابَةً ... إِذا مَا اسْبَكَرَّتْ بَيْنَ دِرْعٍ ومجْوَلِ)
قوله (يرنو الحليم صبابة) معناه يديم النظر. قال العجاج:
أي أديم النظر إلى النساء ويدمن إلى نظرهن. وأنشد الفراء:
أيامَ يدعوني الصِّبا فأجيبهُ ... وأعْيُنُ مَن أهَوى إلى رواني
стр. 68
معناه مديمات النظر. وقال جرير:
يَرين حَبابَ الماء والموتُ دونه ... فهنَّ لأصواتِ السُّقاة رواني
ويقال: رنا إليه بصره، أي أدام إليه بصره. ويقال: أرناني إليها حسن وجهها. وكأس رنوناة، أي
دائمة ثابتة. قال أبن أحمر:
بَنَتْ عليه الملكَ أطنابَها ... كأسٌ رَنوناةٌ وطرْفِّ طِمِرّ
واسبكرن: امتدت وتمت. يقال شعر مسبكر للمنبسط. وقال أبو عبيدة: المسبكر التام الممتلئ. يقال:
قد اسبكرت المرأة، اذا تم شبابها. أنشدنا أبو العباس للشنفري الأرذى:
فدقت وجَلَّت واسبكرّت وأُكمِلَتْ ... فلو جُنَّ إنسانٌ من الحسن جُنَّتِ
وقوله (بين درع ومجول)، معناه هي بين التي تلبس الدرع والتي تلبس المجول. وإنما يريد أن سنها
بين سن من يلبس الدرع وبين سن من يلبس المجول. والمجول: دريع خفيف تجول فيه الصبية. قال
الشاعر:
وعلىَّ سابغةٌ كأنَّ قَتيرَها ... حَدَقُ الأساودِ لونُها كالمجولِ
وقال ابن حبيب: المجول ملحفة. وقل أبو عبيدة: المجول قميص ليس له كمان، وهو البقيرة.
الصبابة: رقة الشوق. وقال يعقوب: مثل قوله (بين درع ومجول) قول رؤية:
فعَفَّ عن إسرارِها بعد العَسَقْ ... ولم يُضِعْها بين فِرْك وعَشَقْ
стр. 69
يقول: قد حملت فلم يضعها وهي بين فرك وعشق. والفرك: البض. والعشق: العشق. وقال ابن
حبيب: بين فرك وعشق، معناه لم يضع هذه الأتن، لا حين كانت تعشقه قبل حملها فتمكنه من
ظهرها، ولا حين حملت ففركته ومنعته من ذلك، فهو حافظ لها في الحالين جميعا.
والى صلة يرنو، والحليم يرتفع بيرنو، والصبابة تنتصب على المصدر، والتقدير يرنو الحليم
صبابة إلى مثلها. وإذا وقت من صلة يرنو، وما صلة للكلام لا موضع لها من الإعراب، وفاعل
اسبكرت مضمر فيه من ذكر المرأة، وبين صلة اسبكرت وهي خافضة للدرع، والمجول نسق على
الدرع.
(كِبكْرِ المُقاناةِ البَيَاضِ بصُفْرةٍ ... غَذَاها نَمِيرُ المَاءِ غَيْرَ مُحلَّلِ)
قال أبو بكر: سألت أبا العباس أحمد بن يحيى عن إعراب البياض، فقال يجوز الخفض والنصب
والرفع؛ فمن خفضه أضاف المقاناة اليه، وصلح الجمع بين الألف واللام والإضافة لان الألف واللام
معناهما الانفصال، والتقدير كبكر المقاناة البياض قونى بصفرة. قال: ولا يجوز لمن خفض البياض
بالإضافة أن يجعل الباء صلة المقاناة، لأن المقاناة في مذهب الأسماء فلا يجوز أن توصل بالباء،
فخطأ في قول الكسائي والفراء مررت برجل وجيه الأب في الناس، لان وجيها في مذهب الأسماء،
فلا يجوز أن يوصل بفي. وكذلك مررت برجل راغب الأب فيك، خطأ لما ذكرنا. قال: ومن نصب
البياض نصبه على التفسير، كما تقول: مررت بالرجل الحسن وجها. ومن رفع البياض جعل الألف
واللام بدلا من لهاء بفعل مضمر، والتقدير كبكر المقاناة قونى بياضها بصفرة. انقطع كلام أبي العبس
هاهنا.
قال أبو بكر: والألف واللام تكون بدلا من الاضافة، لانهما جميعا دليلان من دلائل الأسماء، قال الله
: (ونَهَى النَّفْسَ عن الهوى)، معناه عن
стр. 70
هواها، فأقام الألف واللام مقام الاضافة. وقال:
(يُصْهَرُ به ما في بُطونِهمْ والجلودُ) الآية، أراد وجلودهم. وقال النابغة:
لهم شيٍمةٌ لم يُعطِهَا اللهُ غَيَرهُمْ ... من النَّاسِ والأحلامُ غير عَوازبِ
معناه: وأحلامهم. وقال الشماخ:
فلما شَراها فاضَت العينُ عَبْرةً ... وفي الصدر حُزَّازٌ من اللَّوم حامزُ
أراد: في صدره. وقال الآخر:
ولكنْ نرى أقدامنا في نعالكم ... وأنُفَنا بين اللِّحى والحواجب
معناه: بين لحاكم وحواجبكم. وقال الفرزدق:
فلز سُئِلتْ عني النَّوارُ ورهطُها ... إذا أحدٌ لم تَنْطِق الشَّفتانِ
أراد: شفتاه.
والبكر: أول بيضة تبيضها النعامه. والمقاناة: المخالطة، التي قونى بياضها بصفرة، أي خلط بياضها
بصفرة.
والألف واللام للبيض، والمعنى كبيضة بكر البيض التي قونى بياضها بصفرة؛ فلما نقلت المقاناة
عن لفظ البياض إلى البيض أنث وأضيف إلى البياض، كما تقول: مررت بالمرأة الحسن وجهها
فتذكر الحسن لأنه للوجه فإذا نقلته عن الوجه إلى المرأة أنثته فقلت: مررت بالمرأة الحسنة وجهها.
وقال يعقوب: يقال ما يقانيني خلق فلان، أي ما يشاكل خلقي؛ وما يقانيني ذاك، أي ما يوافقني ولا
يلائمني. ويقال إذا كانت ظاهرة الجبة صفراء: أي شيء يقانيها؟ أي أيُّ يحسن معها. ويقال: قانى له
ذلك، أي جمع له ذلك وخالطه. ويقال: قانيت بين لقمتين: جمعتهما في لقمة واحدة. وكل ما جمع بين
لونين فقد قانى. قال الشاعر:
قانَى له بالصَّيف ظلٌّ باردٌ ... ونَصىُّ ناعجةٍ ومَحضٌ مُنْقَعُ
стр. 71
قال يعقوب: إنما أراد بالمقاناة ههنا المشاكلة، أي كبيضة مخلوط بياضها بصفرة، يعنى بيضة النعامة
الأولى. قال ومثله قول المخبل:
سبقَتْ قرائنهَا وأدفأوها ... قَرِدٌ كانَّ جنَاحه هِدْمُ
يعنى بيضة النعامة الأولى، وهي تستحسن.
ثم رجع إلى نعت المرأة فقال: (غذاها نمير الماء)، يريد إذا هذه المرأة أنمر الماء، أي نشأت بأرض
مريئة. والماء نمير: النامي الذي ينجع في الجسد. (غير محلل)، ومعناه لا يحلله أحد فيصفر ويتغير.
وقال أبو عبيدة: كبكر المقاناة، معناه كبردية بكر البردى. والمقاناة: الممتزجة البياض بصفرة. وقال:
البكر الدرة التي لم تثقب. والمقاناة: الألوان. والنمير: الماء العذب الذي يبقى في الأجواف. وليس كل
عذب بنمير؛ لأن النمير ما كان شاربه طويل الري منه؛ والذي يعطش صاحبه سريعا ليس بنمير.
وقال غيره: يروى (غذاها نمير الماء غير محلل) بكسر اللام، أي غذاها غذاء واسعا غير قليل
كتحلة النمير. والنَّمير: ما بقى في بطون الماشية وانحدر عن بطون الناس، لخفته وعذوبته. وقال
آخرون: غذاها نمير الماء معناه: إذا الدرة نمير الماء؛ لان البحر فيه مواضع يكون فيها الماء العذب.
قال أبو ذؤيب يذكر الدرة:
فجاء بها ما شِئتَ من لَطَميَّة ... يَدُومُ الفرات فَوقها ويموجُ
فالفرات: العذب. وقال أكثر أهل اللغة: الدر يخرج من الملح لا من العذب. ومعنى البيت أن الملح
للدرة بمنزلة العذب لغيرها، لأنها تنمى وتحسن عليه كما يحسن غيرها على العذب.
والنَّمير مرتفع بغذاها، وهو مضاف إلى الماء. وقال سهل: في كتابي (كبكر مقاناة البياض) بالرفع.
قال: وأظنها من صفة المرأة. ونصب (غير محلل) على الحال.
стр. 72
(تَسَلَّتْ عَمَاياتُ الرِّجالِ عن الصِّبَا ... وَلَيْسَ فُؤَادِي عَنْ هَواكِ بمُنْسَلِي)
ويروى: (وليس فؤادي عن صباه بمنسلي)، ويروى: (وليس فؤادي عن هواها بمنسلي). وقوله
تسلت ذهبت. يقال: سلوت عن كذا وكذا وسليت، إذا طابت نفسي بتركه. قال يعقوب: وقال بعضهم:
يا فلان لقد سقيتني السلوة من نفسك، أي رأيت منك ما سلوت به عنك. وأنشدنا أبو العباس عن ابن
الأعرابي:
لو أشربُ السُّلوانَ ما سَلِيتُ ... ما بي غنًى عنكِ ولو غَنِيتُ
وقال زهير في سلوت وأسلو:
وكلُّ محبٍّ أحدثَ النَّأيُ عِندهُ ... سُلوَّ فؤادٍ غَيْرَ حُبِّيكِ ما يَسلُو
وقوله (عمايات الرجال عن الصبا) عد الجهل عمى. والعمايات: جمع العماية. والصبا: اللعب. يقال
صبى يصبى صبا، وصبا إلى اللهو يصبو صباء.
والعمايات مرتفعة بتسلت، وهي مضافة إلى الرجال، وعن الصبا صلة تسلت، وفؤادي مرتفع بليس،
وبمنسل خبر ليس، وعن هواك صلة منسلى.
(أَلا رُبَّ خَصْمٍ فيكِ أَلْوَى رَدَدْتُه ... نَصيحٍ على تَعْذالِهِ غيرِ مُؤْتلِي)
الألوى: الشديد الخصومة. قال الراجز:
وجَدْتَني ألْوَى شديدَ المسُتَمرّ
стр. 73
والتعذال: العذل. وقال: عذلته عذلا وتعذالا. ويقال. لوى الرجل الكلام يلويه ليا، إذا حرفه. قال الله
: (لَيّاً بألسنتهم) معناه تحريفا بألسنتهم. ويقال: لوى الرجل غريمه ليا وليانا. قال النبي صلى
الله عليه وسلم: (ليُّ الواجد يحل عقوبته)، فمعناه مطل الواجد. وقال ابن الدمينة:
فإنَّ على الماء الذي تَردانه ... غريماً لواني الدَّينَ منذُ زمان
وقال الآخر:
تُطيليلنَ لَيَّاني وأنت مليئةٌ ... وأُحسنُ يا ذاتَ الوشاح التَّقاضيا
وقال بعض البصريين: يقال عذَلته عذَلا، بفتح الذال.
وقوله: (غير مؤتل) معناه غير تارك نصحي بجهده. يقال: ما ألوت وما آليت، أي ما قصرت.
ويقال أيضا: ما ألوت بمعنى ما استطعت.
وإلا افتتاح للكلام، والخصم خفض برب، وفيك صلة الخصم، وألوى نعت للخصم، ورددته خبر
لرب، ونصيح نعت للخصم، وغير مؤتل نعت للخصم أيضا، ونمير مضافة إلى المؤتلى. وقال بعض
البصريين: المعنى يصح على إنه يعذلني غير مؤتل.
(ولَيلٍ كَمْوجِ البَحْرِ أَرخَى سُدُولَهُ ... عَلَّى بأَنواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلِى)
قال يعقوب: يقول: اظلم حتى كأنه موج البحر إذا جاء من ظلمته. وقال ابن حبيب: معناه كموج
البحر في كثافة ظلمته. يقول: اظلم داخله حتى كأنه موج البحر إذا جاء من ظلمته. وسدوله: ستوره،
الواحد سدل. ويقال سدا ثوبه يسدله، إذا أرخاه ولم يضمه. قال: وكانوا يكرهون السدل في الصلاة.
стр. 74
وقوله (بأنواع الهموم) معناه بضروب الهموم. وقوله (ليبتلى) معناه لينظر ما عندي من الصبر
والجزع. قال الله : (وبَلَوْناهُم بالحسَنَات والسَّيِّئاتَ) معناه واختبرناهم بالخصب والجدب.
وقال الله ﵎: (يوم تُبْلَى السَّرائر) معناه تختبر السرائر. وقال أبو الأسود:
أرَيتَ امرأً كنتُ لم أبْلُه ... أتاني فقال اتَّخذْني خليلا
ويقال: لتبلون منى هذه الفلاة صبرا عليها، أي بتختبرن.
والليل خفض بإضمار رب، والكاف في موضع خفض على النعت لليل، وهي خافضة للموج،
والموج مضاف إلى البحر، ومرخ نعت لليل، والسدول منصوبة بمرخ، وعلى صلة مرخ، والباء
صلة له أيضا وهي خافضة للأنواع، والأنواع مضافة إلى الهموم، ويبتلى في موضع نصب بلام كي، والتقدير لكي يبتلى، قال الله : (يُريدون ليطفئوا نُوَر الله بأفواههم) فيطفئوا نصب بلام كي،
والتقدير: لكي يطفئوا. وقال البصريون: يبتلى نصب بإضمار أن، والتقدير عندهم لأن يبتلى، وكذلك
يتأولون قول الله : (يًريدون ليُطْفِئُوا) يزعمون أن التقدير يريدون لأن يطفئوا.
(فقُلتُ له لمَّا تَمطَّى بصُلْبِهِ ... وأَردَفَ أَعجازاً وناءَ بكَلْكَلِ)
قوله (لما تمطى بصلبه): لما تمدد بوسطه. يقال: تمطى الرجل، إذا تمدد، أي مد مطاه، أي ظهره.
ويقال: مطوت أمطو، اذا مددت في السير. ويقال تمدد الرجل، أي تمطى، إذا تبختر. والصلب:
الوسط.
وروى الأصمعي:
стр. 75
(فقلت له لما تمطى بجوزه) أي امتد. والجوز: الوسط، وجمعه أجواز. وأنشد
الفراء:
فهي تَنُوش الحوض نَوَشاً مِن عَلا ... نَوْشاً به تَقطعُ أجوازَ الفلا
أي أوساط الفلوات. وقال الأصمعي: أنشدني شعبة بن الحجاج في مثل معنى قول امرئ القيس:
كأنَّ اللَّيل مُدِّد جانباهُ ... وأوسَطُه بأمراسٍ شدادِ
قوله (وأردف أعجازاً) قال يعقوب عن الأصمعي: معناه حين رجوت أن يكون قد أردف أعجازا، أي
رجع. و (ناء بكلكل) أي تهيأ لينهض. قال: ومثله قول العجاج:
منها عَجَاساءُ إذا ما التجَّت ... حسبتها ولم تكُرّ كرَّتِ
العجاساء من الإبل: الثقال. فشبه قطع الليل بالإبل الثقال. يقول: كلما قلت قد ذهب كرت بطولها.
والكلكل: الصدر. ويقال: ردفت الرجل وأردفته، اذا ركبت خلفه. وقد أردفته خلفي لا غير. وقال
بعضهم: معنى البيت ناء بكلكله وتمطى بصليه وأردف أعجازا، فقدم وأخر.
والهاء تعود على الليل، ولما وقت فيها طرف من الجزاء، وأردف نسق على تمطى، والأعجاز
منصوبة به، وناء نسق على تمطى أيضا. وفي ناء لغتان: يقال ناء ونأى، قال الله : (ونأى
بجانبه)، وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: (أعرضَ وناءَ بجانبه). والباء صلة ناء، وهي خافضة
للكلكل.
следующие страницы →