الأساسية في هذا النوع من جرائم الكمبيوتر وهي عدم الارتباط بالحدود الجغرافية، وأيضًا كون التقنية المستخدمة في هذه الجرائم متطورة جدًا، فالأموال التي يتم استحصالها لعصابة في طوكيو، يمكن تحويلها في ثانية واحدة إلى أحد البنوك في نيويورك، دون إمكانية ضبطها (١) .
إن أجهزة الأمن تحتاج إلى كثير من العمل لتطوير قدراتها للتعامل مع جرائم الكمبيوتر والوقاية منها، وتطوير إجراءات الكشف عن الجريمة، خاصة في مسرح الحادث، وأن يكون رجل التحقيق قادرًا على تشغيل جهاز الحاسب الآلي، ومعرفة المعدات الإضافية فيه، ومعرفة البرمجيات اللازمة للتشغيل، بحيث يتمكن من تقديم الدليل المقبول للجهات القضائية، وأيضًا يلزم نشر الوعي العام بجرائم الكمبيوتر، والعقوبات المترتبة عليها، واستحداث الأجهزة الأمنية المختصة القادرة على التحقيق في جرائم الكمبيوتر، والتعاون مع الدول الأخرى في الحماية والوقاية من هذه الجرائم.
стр. 37
إن معظم أدوات الجريمة الإلكترونية تكون متوافرة على الشبكة، وهذا الأمر لا تمنعه الأنظمة في معظم الدول، إما لعدم القدرة على السيطرة عليه، أو لأن هناك استخدامات مفيدة لهذه البرامج، فمثلًا هناك عدة برامج لكسر كلمة السر لدخول الأجهزة المحمية بكلمة مرور وهو ما يطلق عليه (CRACKING) وهذه البرامج تكون مفيدة لمن نسي كلمة السر للدخول على الجهاز، أو الدخول على أحد الملفات المحمية، وفي الوقت نفسه يمكن للمعتدي أن يستغل هذه البرامج في فتح جهاز معين بعد معرفة كلمة السر، والدخول على الإنترنت واستغلاله في الاستخدام السيئ، إذن أدوات القرصنة والإجرام متوافرة، لكن الإجرام يكون في الاستغلال السيئ لهذه الأدوات، ويوجد لدى معظم الدول الكبرى أدوات تعقب لمعرفة مصدر مطلق الفيروس مثلا، أو الهجوم على بريد إلكتروني، أو موقع رسمي لإحدى هذه الدول، ولذلك يحرص هؤلاء المعتدون على أن يتم هذا العمل الإجرامي عن طريق أجهزة الآخرين، وهذا يبين أهمية أن يحمي كل واحد جهازه، وأن يحرص على رقمه السري حتى لا يستغل من قبل الآخرين، وينطبق هذا أيضًا على أصحاب الشبكات كالجامعات والمعاهد التي توفر الإنترنت لمنسوبيها،
стр. 38
فقد يستغلها بعضهم لإطلاق الفيروسات أو غيرها من الاعتداءات الإلكترونية.
إن المحافظة على المعلومات من أهم ما تحرص عليه الهيئات والمنظمات والدول، وحتى على مستوى الأفراد، إذ يمكن تعويض فقدان الأجهزة والبرامج، ولكن تعويض فقدان البيانات والمعلومات أو التلاعب بها يعد من الأمور الصعبة والمكلفة، فالمعلومات والبيانات تعد من أهم ممتلكات أي منظمة، لذا يتم السعي للمحافظة على البيانات والمعلومات قدر الإمكان حتى لا يصل إليها أشخاص غير مصرح لهم، ويتم اتباع مجموعة من الإجراءات التي تضمن سلامة هذه المعلومات منها ما يأتي:
١- عدم إلقاء مخرجات الحاسب الآلي، أو شريط تحبير الطابعة، لأن مثل هذه المخرجات قد تحتوي على معلومات مهمة تصل إلى أشخاص غير مصرح لهم الاطلاع عليها، لذا يجب تمزيق المخرجات بواسطة آلات خاصة قبل إلقائها.
٢- استخدام كلمات السر للدخول إلى الحاسب الآلي , وتغييرها كل فترة بحيث تعتمد طول الفترة على أهمية البيانات بالنسبة للمنظمة، كما أن بعض أنظمة التشغيل لا تسمح باستخدام كلمة السر نفسها مرة أخرى, وتجبرك على تغييرها بعد فترة محددة من قبل المشرف على نظام التشغيل.
стр. 39
٣- عمل طرق تحكم داخل النظام تساعد على منع محاولات الدخول غير النظامية مثال ذلك: عمل ملف يتم فيه تسجيل جميع الأشخاص الذين وصلوا أو حاولوا الوصول إلى أي جزء من البيانات: يحوي رقم المستخدم، ووقت المحاولة وتأريخها ونوع العملية التي قام بها وغير ذلك من المعلومات المهمة.
٤- توظيف أشخاص تكون مهمتهم المتابعة المستمرة لمخرجات برامج الحاسب الآلي للتأكد من أنها تعمل بشكل صحيح، وخاصة البرامج المالية التي غالبًا ما يكون التلاعب بها من قبل المبرمجين أو المستخدمين، وذلك عن طريق أخذ عينات عشوائية لمخرجات البرنامج في فترات مختلفة، كما يقومون بفحص ملف المتابعة للتعرف على الأشخاص الذين وصلوا إلى البيانات، أو حاولوا الوصول إليها.
٥- تشفير البيانات المهمة المنقولة عبر وسائل الاتصالات كالأقمار الصناعية أو عبر الألياف البصرية، بحيث يتم تشفير البيانات، ثم إعادتها إلى وضعها السابق عند وصولها إلى الطرف المستقبل، ويتم اللجوء إلى تشفير البيانات والمعلومات إذا كانت مهمة، لأن عملية التشفير مكلفة.
٦- عمل نسخ احتياطية من البيانات تخزن خارج مبنى المنظمة.
стр. 40
٧- استخدام وسائل حديثة تضمن دخول الأشخاص المصرح لهم فقط إلى أقسام مركز الحاسب الآلي، كاستخدام أجهزة التعرف على بصمة العين، أو اليد، أو الصوت (١) .
стр. 41
المبحث الثالث جهود التصدي للإرهاب الإلكتروني المطلب الأول: جهود المملكة العربية السعودية في التصدي للإرهاب الإلكتروني
تتميز المملكة العربية السعودية باعتمادها على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة شريعة وحكما في جميع شؤون الحياة، ومن هذا المنطلق فإن التعاملات المرتبطة بتقنية المعلومات، كغيرها من مجالات الحياة، تخضع للأحكام الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة , وفي ضوء تلك الأحكام تقوم الجهات المعنية بوضع اللوائح المحددة لحقوق والتزامات الأطراف المختلفة، كما تقوم الهيئات الأمنية والقضائية والحقوقية بتنزيل تلك الأحكام واللوائح على القضايا المختلفة.
ولقد صدرت في المملكة العربية السعودية بعض الأنظمة واللوائح والتعليمات والقرارات لمواجهة الاعتداءات الإلكترونية والإرهاب الإلكتروني، ونصت تلك الأنظمة على عقوبات في حال المخالفة لهذه الأنظمة والتعليمات واللوائح، كقرار مجلس الوزراء رقم (١٦٣) في ٢٤ / ١٠ / ١٤١٧هـ الذي ينص على إصدار الضوابط المنظمة لاستخدام شبكة الإنترنت والاشتراك فيها، ومن ذلك:
стр. 42
١- الامتناع عن الوصول أو محاولة الوصول إلى أي من أنظمة الحاسبات الآلية الموصولة بشبكة الإنترنت، أو إلى أي معلومات خاصة، أو مصادر معلومات دون الحصول على موافقة المالكين، أو من يتمتعون بحقوق الملكية لتلك الأنظمة والمعلومات أو المصادر.
٢- الامتناع عن إرسال أو استقبال معلومات مشفرة إلا بعد الحصول على التراخيص اللازمة من إدارة الشبكة المعنية.
٣- الامتناع عن الدخول إلى حسابات الآخرين، أو محاولة استخدامها بدون تصريح.
٤- الامتناع عن إشراك الآخرين في حسابات الاستخدام، أو إطلاعهم على الرقم السري للمستخدم.
٥- الالتزام باحترام الأنظمة الداخلية للشبكات المحلية والدولية عند النفاذ إليها.
٦- الامتناع عن تعريض الشبكة الداخلية للخطر، وذلك عن طريق فتح ثغرات أمنية عليها.
٧- الامتناع عن الاستخدام المكثف للشبكة بما يشغلها دومًا، ويمنع الآخرين من الاستفادة من خدماتها.
٨- الالتزام بما تصدره وحدة خدمات (الإنترنت) بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية من ضوابط وسياسات لاستخدام الشبكة.
стр. 43
٩- نص القرار على تكوين لجنة دائمة برئاسة وزارة الداخلية وعضوية وزارات: الدفاع، والمالية، والثقافة والإعلام، والاتصالات وتقنية المعلومات، والتجارة، والشؤون الإسلامية، والتخطيط، والتعليم العالي، والتربية والتعليم، ورئاسة الاستخبارات، ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، وذلك لمناقشة ما يتعلق بمجال ضبط واستخدام (الإنترنت) والتنسيق فيما يخص الجهات التي يراد حجبها، ولها على الأخص ما يأتي:
أ - الضبط الأمني فيما يتعلق بالمعلومات الواردة أو الصادرة عبر الخط الخارجي للإنترنت والتي تتنافى مع الدين الحنيف والأنظمة.
ب- التنسيق مع الجهات المستفيدة من الخدمة فيما يتعلق بإدارة وأمن الشبكة الوطنية.
وهذا القرار يبين مبادرة المملكة العربية السعودية وسعيها لتنظيم التعاملات الإلكترونية وضبطها.
стр. 44
ولقد بدأت المملكة العربية السعودية في عقد دورات تدريبية، هي الأولى من نوعها حول موضوع مكافحة جرائم الحاسب الآلي بمشاركة مختصين دوليين، وتقدر تكلفة جرائم الحاسب الآلي في منطقة الشرق الأوسط بحوالي ٦٠٠ مليون دولار، ٢٥% من هذه الجرائم تعرض لها أفراد ومؤسسات من السعودية خلال عام ٢٠٠٠م فقط، وفيما تعمل لجنة سعودية حكومية مكونة من وكلاء الوزارات المعنية بهذا الموضوع على الانتهاء من إنجاز مشروع نظام التجارة الإلكترونية، فهي مكلفة أيضًا بوضع النظم والبيانات، وتقييم البنية التحتية، وجميع العناصر المتعلقة بالتعاملات الإلكترونية، وتأتي هذه الاستعدادات للحد من انتشار هذا النوع من الجريمة محليًا بعد فتح باب التجارة الإلكترونية فيها، خاصة أن العالم يعاني من انتشارها بشكل واسع بعد أن تطورت بشكل لافت للنظر فيما يخص ماهية هذا النوع من الجرائم، ومرتكبيها، وأنواعها ووسائل مكافحتها، إلى جانب الأحكام والأنظمة التي تحد من ارتكابها.
стр. 45
وتهدف الإجراءات في المملكة العربية السعودية إلى تنمية معارف ومهارات المشاركين في مجال مكافحة الجرائم التي ترتكب عن طريق الكمبيوتر، أو عبر شبكة الحاسب الآلي، وتحديد أنواعها ومدلولاتها الأمنية، وكيفية ارتكابها، وتطبيق الإجراءات الفنية لأمن المعلومات في البرمجيات وأمن الاتصالات في شبكات الحاسب الآلي، والإجراءات الإدارية لأمن استخدام المعلومات، ويرتكب هذا النوع من الجرائم بواسطة عدة فئات مختلفة، ولعل الفئة الأخطر من مرتكبي هذا النوع من الجرائم هي فئة الجريمة المنظمة التي يستخدم أفرادها الحاسب الآلي لأغراض السرقة أو السطو على المصارف والمنشآت التجارية، بما في ذلك سرقة أرقام البطاقات الائتمانية والأرقام السرية ونشرها أحيانًا على شبكة الإنترنت، كما تستخدم هذه الفئة الحاسب الآلي لإدارة أعمالها غير المشروعة كالقمار والمخدرات وغسيل الأموال , وعلى رغم تنوع الفئات التي ترتكب هذه النوعية من الجرائم إلا أن الطرق المستخدمة في الجريمة تتشابه في أحيان كثيرة.
стр. 46
ولذلك فإن أجهزة الأمن بحاجة إلى الكثير من العمل لتطوير قدراتها للتعامل مع جرائم الكمبيوتر، خاصة في مسرح الجريمة، حتى يكون رجل التحقيق قادرًا على التعامل مع الأدوات الإلكترونية من أجهزة وبرامج (١) .
وكما ذكرنا سابقًا يجري العمل في المملكة العربية السعودية لإصدار عدد من الأنظمة التي تضبط التعاملات الإلكترونية وتجرم الاعتداء والعدوان الإلكتروني.
стр. 47
المطلب الثاني: الجهود الدولية في التصدي للإرهاب الإلكتروني
على مستوى دول العالم ومع مواكبة التطور الهائل لتقنية المعلومات سنت أنظمة لضبط التعاملات الإلكترونية، وتضمنت تلك الأنظمة عقوبات للمخالفين في التعاملات الإلكترونية ففي ماليزيا صدر نظام في عام ١٩٩٧م للمخالفات الإلكترونية، وقد صنف المخالفات إلى: الوصول غير المشروع إلى الحاسب الآلي والدخول بنية التخريب أو التعديل غير المسموح به وتتراوح العقوبات المحددة بين غرامات مالية تصل إلى ١٥٠. ٠٠٠دولار ماليزي (١) ، مع السجن مدة تصل إلى عشر سنوات.
وفي أيرلندا صدر نظام في عام ٢٠٠١م للحماية من الجرائم المعلوماتية، يتيح معاقبة الاستخدام غير المسموح به لأجهزة وأنظمة الحاسب الآلي.
وفي مصر يجري العمل في وزارة الاتصالات والمعلومات لإصدار نظام عن الجريمة الإلكترونية، يتضمن عقوبات رادعة لمن يقوم من الأفراد أو المؤسسات بتزوير أو إفساد مستند إلكتروني على الشبكة، أو الكشف عن بيانات ومعلومات بدون وجه حق، وغيرها من صور الجريمة الإلكترونية.
стр. 48
أما في الأردن فيجري العمل لإعداد تنظيم يتعلق بخصوصية المعلومات وسريتها، للمحافظة عليها في ظل التعاملات الإلكترونية عبر الشبكات العالمية للمعلومات، كما تساهم الأردن في إعداد مشروع حول قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وما في حكمها، والمقدم إلى الإدارة العامة للشؤون القانونية في جامعة الدول العربية.
صعوبة التعاون الدولي في مكافحة الجريمة الإلكترونية:
في عالم مزدحم بشبكات اتصال دقيقة تنقل وتستقبل المعلومات من مناطق جغرافية متباعدة باستخدام تقنيات لا تكفل للمعلومات أمنًا كاملًا، يتاح في ظلها التلاعب عبر الحدود بالبيانات المنقولة أو المخزنة، مما قد يسبب لبعض الدول أو الأفراد أضرارًا فادحة، يغدو التعاون الدولي واسع المدى في مكافحة الجرائم الواقعة في بيئة المعالجة الآلية للبيانات أمرًا متحتمًا، ومع الحاجة الماسة لهذا التعاون إلا أن عقبات عدة تقف في سبيله أبرزها ما يأتي:
١- عدم وجود اتفاق عام مشترك بين الدول حول نماذج إساءة استخدام نظم المعلومات الواجب تجريمها.
٢- عدم الوصول إلى مفهوم عام موحد حول النشاط الذي يمكن الاتفاق على تجريمه.
٣- اختلاف مفاهيم الجريمة باختلاف الحضارات.
стр. 49
٤- عدم وجود معاهدات دولية لمواجهة المتطلبات الخاصة بالجرائم الإلكترونية.
٥- تعقد المشكلات النظامية والفنية الخاصة بتفتيش نظام معلوماتي خارج حدود الدولة، أو ضبط معلومات مخزنة فيه، أو الأمر بتسليمها.
وسعيًا للتغلب على هذه المشكلات أو بعضها، أهاب مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين الذي عقد في هافانا، في قراره المتعلق بالجرائم ذات الصلة بالحاسب الآلي بالدول الأعضاء أن تكثف جهودها كي تكافح بمزيد من الفعالية عمليات إساءة استعمال الحاسب الآلي التي تستدعي تطبيق جزاءات جنائية على الصعيد الوطني، بما في ذلك النظر إذا دعت الضرورة في:
أ) تحديث الأنظمة والإجراءات الجنائية بما في ذلك اتخاذ تدابير من أجل ضمان أن تكون الجزاءات بشأن سلطات التحقيق وقبول الأدلة على نحو ملائم.
ب) النص على جرائم وجزاءات وإجراءات تتعلق بالتحقيق والأدلة، للتصدي لهذا الشكل الجديد والمعقد من أشكال النشاط الإجرامي.
стр. 50
كما حث المؤتمر الدول الأعضاء على مضاعفة الأنشطة التي تبذلها على الصعيد الدولي من أجل مكافحة الجرائم المتصلة بالحاسبات، بما في ذلك دخولها حسب الاقتضاء أطرافًا في المعاهدات المتعلقة بتسليم المجرمين، وتبادل المساعدة الخاصة المرتبطة بالجرائم ذات الصلة بالحاسب الآلي، وأن يسفر بحث مؤتمرات الأمم المتحدة لموضوع الجرائم ذات الصلة بالحاسب عن فتح آفاق جديدة للتعاون الدولي في هذا المضمار ولاسيما فيما يتعلق بوضع أو تطوير ما يأتي:
أ- معايير دولية لأمن المعالجة الآلية للبيانات.
ب- تدابير ملائمة لحل مشكلات الاختصاص القضائي التي تثيرها الجرائم المعلوماتية العابرة للحدود، أو ذات الطبيعة الدولية.
ج- اتفاقيات دولية تنطوي على نصوص تنظيم إجراءات التفتيش والضبط المباشر الواقع عبر الحدود على الأنظمة المعلوماتية المتصلة فيما بينها، والأشكال الأخرى للمساعدة المتبادلة، مع كفالة الحماية في الوقت نفسه لحقوق الأفراد والدول (١) .
стр. 51
الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على من ختمت ببعثته الرسالات نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا. أما بعد: فلقد أصبح الإرهاب الإلكتروني هاجسا يخيف العالم الذي أصبح عرضة لهجمات الإرهابيين عبر الإنترنت الذين يمارسون نشاطهم التخريبي من أي مكان في العالم، وهذه المخاطر تتفاقم بمرور كل يوم، لأن التقنية الحديثة وحدها غير قادرة على حماية الناس من العمليات الإرهابية الإلكترونية والتي سببت أضرارًا جسيمة على الأفراد والمنظمات والدول. ولقد سعت العديد من الدول إلى اتخاذ التدابير والاحترازات لمواجهة الإرهاب الإلكتروني، إلا أن هذه الجهود قليلة ولا نزال بحاجة إلى المزيد من هذه الجهود المبذولة لمواجهة هذا السلاح الخطير.
فالإرهاب الإلكتروني أصبح خطرًا يهدد العالم بأسره، ويكمن الخطر في سهولة استخدام هذا السلاح مع شدة أثره وضرره، فيقوم مستخدمه بعمله الإرهابي وهو في منزله، أو مكتبه، أو في مقهى، أو حتى من غرفته في أحد الفنادق.
стр. 52
إن من أبرز ما توصلت إليه في البحث الآتي أولًا: أن التعاملات المرتبطة بتقنية المعلومات كغيرها من مجالات الحياة يجب أن تخضع للأحكام الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة، وفي ضوء تلك الأحكام تقوم الجهات المعنية بوضع اللوائح المحددة لحقوق والتزامات الأطراف المختلفة، كما تقوم الهيئات القضائية والأمنية والحقوقية بتنزيل تلك الأحكام واللوائح على القضايا المختلفة، وفض النزاعات الناتجة عنها.
ثانيًا: أن من أعظم الوسائل المستخدمة في الإرهاب الإلكتروني استخدام البريد الإلكتروني في التواصل بين الإرهابيين وتبادل المعلومات بينهم، بل إن كثيرًا من العمليات الإرهابية التي حدثت في الآونة الأخيرة كان البريد الإلكتروني فيها وسيلة من وسائل تبادل المعلومات وتناقلها بين القائمين بالعمليات الإرهابية والمخططين لها.
стр. 53
ثالثًا: اختراق البريد الإلكتروني خرق لخصوصية الآخرين وهتك لحرمة معلوماتهم وبياناتهم والله نهى عن التجسس، والشريعة الإسلامية كفلت حفظ الحقوق الشخصية للإنسان وحرمت الاعتداء عليها بغير حق. كما أن الاعتداء على مواقع الإنترنت بالاختراق أو التدمير ممنوع شرعًا، ويعد تدمير المواقع من باب الإتلاف وعقوبته أن يضمن ما أتلفه فيحكم عليه بالضمان.
رابعًا: يقوم الإرهابيون بإنشاء وتصميم مواقع لهم على شبكة المعلومات العالمية الإنترنت لنشر أفكارهم والدعوة إلى مبادئهم، وتعليم الطرق والوسائل التي تساعد على القيام بالعمليات الإرهابية، فقد أنشئت مواقع لتعليم صناعة المتفجرات، وكيفية اختراق وتدمير المواقع وطرق اختراق البريد الإلكتروني، وكيفية الدخول على المواقع المحجوبة، وطريقة نشر الفيروسات وغير ذلك.
خامسًا: حجب المواقع الضارة والتي تدعو إلى الفساد والشر، ومنها المواقع التي تدعو وتعلم الإرهاب والعدوان والاعتداء على الآخرين بغير وجه حق من الأساليب المجدية والنافعة لمكافحة الإرهاب الإلكتروني.
стр. 54
سادسًا: على الرغم من إدراك أهمية وجود وتطبيق أحكام وأنظمة لضبط التعاملات الإلكترونية والتي تعتبر وسيلة من وسائل مكافحة الإرهاب الإلكتروني، فإن الجهود المبذولة لدراسة وتنظيم ومتابعة الالتزام بتلك الأحكام لا يزال في مراحله الأولية، وما تم في هذا الشأن لا يتجاوز مجموعة من القرارات المنفصلة واللوائح الجزئية التي لا تستوعب القضايا المستجدة في أعمال تقنية المعلومات كما لا توجد بصورة منظمة ومعلنة أقسام أمنية، ومحاكم مختصة، ومنتجات إعلامية لشرائح المجتمع المختلفة.
سابعًا: إن أجهزة الأمن تحتاج إلى كثير من العمل لتطوير قدراتها للتعامل مع جرائم الكمبيوتر والوقاية منها، وتطوير إجراءات الكشف عن الجريمة، خاصة في مسرح الحادث، بحيث تتمكن من تقديم الدليل المقبول للجهات القضائية، وأيضًا يلزم نشر الوعي العام بجرائم الكمبيوتر، والعقوبات المترتبة عليها، واستحداث الأجهزة الأمنية المختصة القادرة على التحقيق في جرائم الكمبيوتر، والتعاون مع الدول الأخرى في الحماية والوقاية من هذه الجرائم.
стр. 55
ثامنًا: تضطلع المملكة العربية السعودية بجهود جبارة في مكافحة الإرهاب الإلكتروني، ولقد أصدرت مجموعة من الأنظمة واللوائح والتعليمات والقرارات لمواجهة الاعتداءات الإلكترونية والإرهاب الإلكتروني، إضافة إلى عقد دورات تدريبية، هي الأولى من نوعها حول موضوع مكافحة جرائم الحاسب الآلي بمشاركة مختصين دوليين.
تاسعًا: على مستوى دول العالم ومع مواكبة التطور الهائل لتقنية المعلومات سنت أنظمة لضبط التعاملات الإلكترونية، وتضمنت تلك الأنظمة عقوبات للمخالفين في التعاملات الإلكترونية ومكافحة الإرهاب الإلكتروني.
وختامًا فإني أحمد المولى على ما منّ به عليّ من إكمال هذا البحث والذي أرجو أن ينال القبول منه سبحانه وأن يبارك فيه، وأن ينفع به، وأن يرزقني الإخلاص في القول والعمل وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم.
والحمد لله من قبل ومن بعد، واستغفر الله من الزلل والخطأ، فجل من لاعيب فيه وعلا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 56
المراجع * الإرهاب السياسي والقانون الجنائي. عبد الرحيم صدق، دار النهضة العربية - القاهرة، ١٩٨٥ م.
* الإرهاب والعنف في ميزان الشريعة الإسلامية والقانون الدولي. الدكتور / حسن بن محمد سفر، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، الدورة الرابعة عشرة، الدوحة- قطر ١١ / ١ / ٢٠٠٣م.
* تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام. برهان الدين إبراهيم بن محمد بن فرحون اليعمري المالكي، تخريج / جمال مرعشلي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
* تجارب الدول في مجال أحكام في المعلوماتية. د / محمد بن عبد الله القاسم، د / رشيد الزهراني، عبد الرحمن بن عبد الله السند، عاطف العمري، مشروع الخطة الوطنية لتقنية المعلومات، ١٤٢٣هـ.
* التجارة على الإنترنت. سايمون كولن، نقله إلى العربية، يحيى مصلح، بيت الأفكار الدولية بأمريكا ١٩٩٩م.
* التدمير المتعمد لأنظمة المعلومات الإلكترونية. د / عبادة أحمد عبادة، مركز البحوث والدراسات، شرطة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة.
стр. 57
* التعامل مع الاعتداءات الإلكترونية من الناحية الأمنية. د / خالد بن محمد الطويل، مركز المعلومات الوطني، وزارة الداخلية، ورقة عمل مقدمة لورشة العمل الثالثة (أحكام في المعلوماتية) الذي نظمه مشروع الخطة الوطنية لتقنية المعلومات ١٩ / ١٠ / ١٤٢٣هـ الرياض.
* التكييف القانوني لإساءة استخدام أرقام البطاقات عبر شبكة الإنترنت. عماد علي الخليل، بحث مقدم إلى مؤتمر القانون والكمبيوتر والإنترنت، الذي نظمته كلية الشريعة والقانون، بجامعة الإمارات العربية المتحدة، عام٢٠٠٠م.
* التهديدات الإجرامية للتجارة الإلكترونية. د / سهير حجازي، مركز البحوث والدراسات، شرطة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة.
* جرائم استخدام شبكة المعلومات العالمية (الجريمة عبر الإنترنت) . د / ممدوح عبد الحميد عبد المطلب، بحث مقدم إلى مؤتمر القانون والكمبيوتر والإنترنت، كلية الشريعة والقانون، بجامعة الإمارات العربية المتحدة، عام ٢٠٠٠م.
стр. 58
* الجرائم المعلوماتية (أصول التحقيق الجنائي الفني واقتراح بإنشاء آلية عربية موحدة للتدريب التخصصي) . د / هشام محمد فريد رستم، بحث مقدم إلى مؤتمر القانون والكمبيوتر والإنترنت كلية الشريعة والقانون، بجامعة الإمارات العربية المتحدة، عام ٢٠٠٠م.
* حاشية قليوبي على شرح المحلى. شهاب الدين أحمد بن محمد بن سلامة قليوبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.
* شرح منتهى الإرادات. منصور بن يونس البهوتي، تحقيق ونشر / مكتبة نزار الباز.
* قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي. منظمة المؤتمر الإسلامي، جدة، دار القلم، دمشق.
* مقدمة في الحاسب الآلي وتقنيات المعلومات. طارق بن عبد الله الشدي، دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٦هـ.