Полный текст (547 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
والله، يلوحُ خلل كبير لقوم من أهل العقل والأدب والحِكمة من رسائله ورِقاعه، وكانوا يحملون الذّنب على الورّاقين.
وقال يوماً آخر لابن القطّن أبي الحسن الفقيه المتكلّم: أيها الشيخ أنت على الحقّ؟ قال: نعم.
قال: واللهُ الحقّ؟ قال: نعم.
قال: فأنت على الله.
فقال القصّار: الحمد لله على سرعة هذا الانقطاع، وسُطوه هذا البُرهان، ولُزوم هذا الحكم.
فلما خرج قلنا له: هلاّ فصّلت أيها الشيخ وقد عرّض بك، وتضاحك عند الإشارة إليك؟ فقال: وما مُنا قَلتي رجلاً لو كان في المارستان مغلولاً لكنت لا آمن جانبه إذا كلّمته، فكيف وهو مُطلق
стр. 177
مطاع، ونعوذ بالله من مجنون قادر مُطاع، كما نعوذ به من عاقل ضعيفٍ مَعْصيّ؛ ثم قال: وهذا الكلام من صاحبه سوء أدب، وضعف عقل، وجَسارة نفس، واجتلاب مقت، وقلّة دين؛ إن الحقَّ الحقّ اسمان يقعان بالاشتراك في اللّفظ على معنيين مُختلفين، وأنا على الحق، ولكن الحق الذي ضدّه الباطل، ولستُ على الحق الذي لا ضدّ له؛ والحقّ يُطلق على الله ويُراد أنه محقِّق، والحق يُطلق على ما عداه ويُراد به أنه محقَّق؛ والله الحق المُحِقُّ المحقِّقُ، وما جاوزه فهو الحق المُحقّ المُحقَّق؛ وإذا قيل في وجهٍ آخر: الله محقَّق فالمراد به غير هذا، لأنه يُراد به أنه مُثبت موجود، ومعتَقَد مشهود له بالوحدة والقدرة والحِكمة والمشيئة.
وحدّثنا ابن عباد يوماً قال:
ما قطعني إلا شابٌّ ورَد علينا أصبهان من بغداذ، فقصدني
стр. 178
فأذنت له، وكان عليه مُرقَّعة، وفي رجله نعل طاق. فنظرت إلى حاجبي، فقال له، وهو يصعد إليَّ: اخلع نعلك، قال: ولم؟ ولعلّي أحتاج إليها بعد ساعة، فغلبني الضحك وقلت: أَتُراه يريد أن يصفعني بها.
وقال لي علي بن الحسن الكاتب: هجرني في هذه الأيام هجراً أضرَّ بي، وكشف مستور حالي، وذهب عليَّ أمري، ولم أهتد إلى وجه حيلةٍ في مصلحتي، وورد المهرجان فدخلت عليه في غمار الناس، فلما أنشد يونس تقدّمتُ وأنشدتُ، فلم يهشّ لي ولم ينظر إليّ، وكنت ضمَّنتُ أبياتي بيتاً له من قصيدة على رويّ قصيدتي، فلما مرّ به هذا البيت هبّ من كسله ونظر إليّ كالمنكر عليّ، فطأطأتُ رأسي، وقلتُ بصوتٍ خفيض: لا تلم، ولا تزد في
стр. 179
القُرحة، فما عليّ محمل؛ وإنما سرقتُ هذا البيت من قافيتك لأُزيّن بها قافيتي، وأنت بحمد الله تجود بكل عِلقٍ ثمين، وتهب كل جوهرٍ مكنون، أَتُراك تُشاحُّني على هذا القدر، وتفضحني في هذا المشهد؟ فرفع رأسه وصوته وقال: يا بُني أعد هذا البيت. فأعدته، فقال: طنَّانٌ والله! يا هذا! ارجع إلى أول قصيدتك، فقد سهونا عنك، وطارَ الفكرُ بنا في شيءٍ آخر؛ والدُّنيا مَشغلة، وصار ذلك ظلماً لك لا عن قصدٍ منا ولا تعمُّد.
قال: فأعدتها وأمررتها وأطربتُ بإنشادها، وفَغَرتُ فمي بقوافيها؛ فلما بلغت آخرها قال: الزَم هذا الفنّ فإنه حسن الدِّيباجة، وكأنَّ البُحتريّ قد استخلفك، وأكْثُر بحضرتنا وارتفِع
стр. 180
بخِدمتنا، وابذُل نفسك في طاعتنا نكُن من وراء مصالحك بأداء حقّك والجذْب بضبعِك، والزيادة في قدرك على أقرانك.
قال: فلم أرَ بعد ذلك لا الخير، حتى عراه ملل آخر، فعاد إلى عادته، ثم وضعني في الحبسِ سنة، وجمَع كتبي وأحرقها بالنار، وفيها كتب الفرّاء والكسائي، ومصاحف القرآن، وأصول كثيرة في الفقه والكلام، فلم يميّزها من كتب الأوائل، وأمر بطرح النّار فيها من غير تثبّت، لفَرط جهله وشدّة نزقه.
أَفهذا يا قوم من سيرة أهل الدين، أو أخلاق ذوي الرياسة، أو من جنس ما يُعتاد ممن له عقل أو تماسك؟ وهَلاّ طرح النار في خزانة كتبه على قياس هذا؟ فإن فيها كتب
стр. 181
ابن الرَّوَندي، وكلام ابن أبي العَوجاء في مُعارضة القرآن بزعمه، وصالح بن عبد القُدُّوس، وأبي سعيد الحصيري مع غيره من كتب أرسطا طاليس وأشباهه. ولكن من شاء حَمّق نفسه.
стр. 182
كان الأقطع المنشد الكوفي يقول كثيراً: لو لم تستدلّ على جنون هذا الرّجل وقلّة دينه وضعف عقله إلا بنفاقي عليه لكفى؛ لأني رجل قُطعت في اللّصوصية، فما قولُك في لصٍ مقامر؟ أقودُ وأَلوط وأَزني وأنمُّ وأضرِب، وليس عندي من خيرات الدُّنيا شيء؛ لأني لا أُصلي ولا أصوم، ولا أُزكّي ولا أحُجّ، ونشأتُ في المساطب والشطوط والفُرض والمواخير، ومشيت مع البطّالين سنين وسنين، وجرحت وخنقت وطررت ونقبت وقتلت وسلبت وكذبت وكفرت
стр. 183
وشربت وسكرت وشابكت وساكنت وماحكت ودامكت. ولم يبق في الدنيا منكر إلا أتيت، ولا خَنَى إلا ركبت؛ وهو على هذا يُغريبي ويلجّ معي ويؤذيني ويمنعني من الرّجوع إلى بيتي وامرأتي، قد حبسني في داره هكذا، فإذا اغتلمت جلدت عُميرة ضرورة.
وصدق هذا الشيخ، كذا كان مذهبه، وعليه شاخ، ولكنّ ابن عبّاد كان يتعلم منه كلام المُكَدِّين، ومُناغاة الشحّاذين، وعبارة المقامرين ومن يصرّ في اللعب بالكعبتين، ويضجر ويكفر وينخر ويشقّ المِئزر، ويبزق في الجوّ؛ وكان لا يجد هذا عند أحدٍ كما يجده عنده، فلذلك كان يتمسك به.
وكان الكوفي هذا، مع ما وصفناه، طيّباً مليحاً نظيفاً فصيحاً، وهو الذي حدثنا عن بعض أصحابه في المسطبة.
قال: قلنا له: إنك تُحب الطِّيب، وتلهج بالنكاح وتُفرط.
стр. 184
قال: فقال لنا: والله ما أقتدي في هذا إلا بنبيّنا صلى الله عليه، فأنه قال: " حُبِّب إليَّ من دنياكم ثلاثة الطِّيب والنّسَاء ".
قال: فقلنا له: ففي الخبر: " وجُعلت قُرَّةُ عيني في الصلاة " وأنت لا تُصلّي أصلاً.
فقال: يا حمقى لو صلّيت لكنت نبياً، وقد قال صلى الله عليه: " لا نبيَّ بَعْدي ".
ورأيتُ الأقطع هذا واقفاً بين يدي ابن عبّاد في صحن الدار، وذاك أيضاً واقف، فطلع أبو صالح الورّاق، فقال ابن عباد حين نظر إليه وإلى لحيته المسرّحة:
ولحيةٍ كأنّها القِباطِي
فقال الأقطع بلاّ وقفة:
جعَلتُها وقفاً عَلَى ضراطي
стр. 185
وكان أبو صالح هذا يقول: أنا من ولد محمد بن يزداد الوزير.
وكان ابن عبّاد يطالب الأقطع بأن يحفظ قصائده في أهل البيت ويُنشدها الناس على مَذهب النَّوْح، وكان يُعطيه على كل بيت درهماً، وإذا لم يُحكِم ضربه لكلّ بيت ضربةً بعصاً عَجْراء. فكان الأقطع المسكين كلّ يوم يُضرب.
فقلت له: من كلفك الصبر على هذا الضرب؟ احفظ كما كُنت تحفظ واربح الدّراهم، وتخلّص من الألم.
فقال: والله لو ضربني بكلّ عصاً في الأرض كان أخفّ عليّ من حفظ شعره الغَثّ، وإنشاد قافيته الباردة، والله وإن شعره في أهل البيت خِراء. فهذا قوله.
وكان لا يدع الأقطع لينصرف إلى منزله، وكان يشكو الشبق، وكانت امرأته تأتيه في كل قليل إلى دهليز الباب وتُغيّر ثيابه، وتُصلح أمره، وتحدّثه وتنصرف بشيء معه قد جمعه فصادف الأقطع
стр. 186
يوماً الدهليز خالياً، وكانت الهاجرة منعت من الحركة، فراودها وطرحها في المكان المُتَخطّى وتقمّمها وأخذ في عمله، فرمقه بعض السِّتريين فعَدا ورَفَع الحديث إلى ابن عباد، وذكر الحال والصورة، فهاج من مقيله البارد ومكانه الظليل، وحَشيته التي قد استلقى عليها، حاسِراً حافياً، قد جعل طرف كمه على رأسه بلا سراويل، ولَقَط قدمه لقطاً حتى وقف على الأقطع وهو يكوم يُولج ويُخرج ويرهز ذاهب العقل.
فقال له: يا أقطع ويلك يا ابن الزّانية إِيش هذا في داري!؟ فقال: أيها الصاحب! اذهب ليس هذا موضع النظارة، هذه امرأتي بشهود وعُدول وعقد وقبالة، اذهب اذهب، يَهذي ولا يعقل حتى أفرَغَ، وسيّدي على رأسه يضحك ويصفّق ويرقص. ثم أخذ بيده على تلك الحال، وهو يشد تكَّتَه، وابنُ عباد يُعينه، وأدخله إلى مقيلة يعاتبه ويسأله عن العمل والحال؟ وكيف استطابه وكيف هاج؟ ثم خلع عليه، ووَهب لامرأته ثياباً وطيباً.
أَفهذا من المروّة والفضيلة وأدب الرياسة وآيين الوزارة؟
стр. 187
أَهكذا كانت البرامكة وهو لا يرضاهم؟ أم هكذا كان حامد بن العباس، والعباس بن الحسن، وآل الفرات، وآل الجرّاح، وهو لا يزنهم بشيء فيمن تأخّر؟ إن من يستحسن هذا وأمثاله، ويعذر أهله في الرياسة والجلالة
стр. 188
لَضعيف النَّحيزة سليب المروّة؛ وإن من ينظر هذا وشبهه لصفيق الوجه قليل المعرفة.
وقال لابن الزيّات المتكلّم يوماً في مناظرته: لا تعبثْ بلحيتك.
فقال ابن الزيّات: وما عليك منها؟ هي لحيتي.
قال: أنا سلطان.
قال: أَفي عهدك النظر في لحيتي؟ قال أصحابنا: بل قال له: أنا سلطان، وإذا خرجتَ من عندي ولحيتك على غير الشكل الذي دخلت عليّ به ظنَّ الناس أني ظلمتك فيها عند المناظرة والخلاف، وأنا أحب صيانتك وصيانتي عند الناس بسببك.
وقلتُ لابن الزيّات ببغداد: كيف رأيت ابن عبّاد؟ قال: هو كالحِر، لا يرجع إليه من خرج منه.
وقلت للجيلوهي الشاعر، وكان شيخاً له تجربة ومعرفة بأيام الناس ومَشاهَدة: حدِّثني عن ابن عباد.
стр. 189
قال: مغرور من نفسه لمواتاة جده، وتصديق ذوي الأطماع في جميع دعواه، وما أحوجه إلى إنصاف الناس من نفسه بأحد شيئين: إما بأن لا يدّعي الكمال، أو بأن لا يُبكِّت الرجال؛ فلا هو بريءٌ من النّقص، ولا هو غير مُستحق للتَّبكيت؛ وليس من لا يمكن أن يواجه بالنقص الذي فيه وبالتوّبيخ الذي يستحقه على فعله، ليدٍ له في السلطان قوية، وشمسٍ له في الدولة طالعة - ينبغي أن يركب هاك الناس ويأكلهم بلسانه؛ فريح الدولة قد تركُد، والضَّعف يزول، والحَشَم يتحوّل، وقد يُقال وراء ظهره ما يُربي على ما هو عليه، ولو قصر يده على فضله الذي له لم تَشَلَّ، ولو وقف قدمه عند غايته لم تزل، ولكنه يجري طلقاً ثم يكبو، وينصلت للقراع ثم ينبو، ويتطاول إلى ما لا يناله ثم يخبو؛ وهذا طريق الجاهلين المغترين.
ثم قال: والكذب من آفاته، وهو خُلق يَعرُّ المروّة ويشين الديانة، ويسقط الهيبة، ويجلب الخِزي، ويستدعي المقت، ويقرّب الموت؛ وقلّ من لهج به إلا كان حتفه فيه، وما رُئي شيء أمحَى لنضارة الوجه ولبهجة العلم ولزينة البيان منه.
стр. 190
قال: وعلى ذلك فما رأيت رئيساً يُحسن ما يحسن من الإحسان إلا هو مردود بالتنكد، لأنه ما هنّأ قطّ بنعمته، ولا أمتع بإحسانه. ولا ترك له يداً بيضاء عند أحدٍ إلا وكرَّ عليها بالتسويد.
قال: وقد شاهدتُ النّافقين عليه، والمتقدّمين لديه، ووقفت على مَوَاتِّهم ووسائلهم وأسبابهم وذرائعهم فلم أجد فيهم إلا مَخْشيَّ اللسان استكفّ شرّه بالإحسان كالخوارزمي وغيره، أو مرتبطاً لأمر يُراد منه لا يفي به سواه كالهمذاني ومن جرى مجراه، أو ملعوباً به قرّب على ظنّه وريبة وحالٍ زائدة على القُبح والفضيحة، كفلان وفلان وهم الدُّهم؛ ولم أجد في ضروب المتوسّلين إليه، بعد هؤلاء، من وَصَل إلى درهمٍ من ماله إلا ببذل النفس وإذالة العِرض، ومواصلة البُكور
стр. 191
والرّواح واستنشاق الغبار والرياح وتجرع العبط والكد، ومزاحمة أهل الجهل والنقص، ومُغالبة ذُلّ الحجاب وسوء أدب البوّاب والرضا بالهزء والسخرية؛ وما ابيضت له يد عند أحد، ولا تمّت له نعمة على أحد، لملله وحسده، وضجره ونكده، وامتنانه وكثرة ذكره لفضله ومدحه لنفسه. والعرب تقول في حِكَمها: المنّة تُزرِي بالأَلبّاء.
على أن عطاءه لا يزيد على مائة درهم وثوب إلى خمسمائة، وما يبلغ إلى ألف نادر، وما يُوفي على الألف بديع، بل قد نال به ناس من عرض جاهه على السنين ما يزيد قدره على هذا بأضعاف، وعدد هؤلاء قليل جداً، وذلك أيضاً بابتذال النفس وهتك الستر، والإفراج عن الدين والمروة والعِرض والأَنَفة.
قال: وأي عقلٍ يكون لمن يقول: لم يكن في الدولتين الأموية والعباسية مثلي، وهذا الكلام قد دوّنه في بعض كُتُبه؛ وقد حكيتُ هذا بمدينة السّلام فسمعه قومٌ كرام يرجعون إلى فضل كثير وبصائر
стр. 192
حسنة منهم ابن البقّال الشاعر، ومحسِّن ابن التَّنوخي، وابن فتاش المصري فضحكوا وهزئوا، وشعثوا عرضه، وجحدوا محاسنه التي لو سكت عليها لسلمت له، ولادّعى في جملتها أكثر مما يدّعيه لنفسه؛ ولعمري ما كان له فيمن تقدّم في الدولتين مثل ولا شبيه، ولكن في الخلاعة والمجون، والرَّقاعة والجنون.
قال: ومن العجب أنه يدّعي " العدل والتوحيد " وهو لا يُفيق مِن قَتْلِ مَن ظَنَّ به عداوته والوقيعة فيه، أو القدح في رُقعةٍ له، وإن كان ذلك الإنسان من الصالحين العابدين.
стр. 193
ولقد بلغ من ركاكته أنه كان عنده أبو طالب العَلويّ، فكان إذا سمع منه كلاماً يسجع فيه، وخبراً يُنمّقه ويرويه، يبلق عينيه وينشر منخريه، ويُري أنه قد لحقه غَشيٌ حتى يُرشّ على وجهه ماء الورد. فإذا أفاق قيل له، ما أصابك؟ م عَراك؟ ما الذي نابك وتغشّاك؟ فيقول: ما زال كلام مولانا يروقني ويُونقني حتى فارقني لُبّي وزايلني ذِهني واسترخت له مفاصلي وتحلّلت عُرى قلبي وذهل عقلي وحِيل بيني وبين رُشدي؛ فيتهلّل وجه ابن عبّاد عند ذلك، وينتفش ويضمحل عجباً وجهلاً، ثم يأمر له بالتكرمة والحِباء والصِّلة والعطاء، ويقدمه على بني عمه وبني أبيه.
стр. 194
من ينخدع هكذا فلا يكون ممن له في الكتابة قسط، أو في التماسك نصيب، وهو بالنساء الرُّعن والصبيان الضعاف أشبه منه بالرؤساء والكِبار.
وحدثني الشاذياشي قال: حُجبت مدة عنه فضقت ذرعاً بذلك، فإن الجاه الذي كنت مَدَدته انزوى، والأمر الذي قوّمته تأوّد، وأخذت المادّة تقف، والحال ينقص، والذِّكر يقلّ، فأحييت الليل أرقاً وفكراً فيما أعتلّ فقدح لي الخاطر بحيلة، فأصبحتُ وكتبت رقعةً ذكرت فيها: " إني رجل امتُحنتُ بما لم يمتحن به أحد غشي بابك، ونال إحسانك واستمرع فناءك، واستحصد جنابك؛ إني بعد هذا الدأب الشديد والنَّصب المتّصل، والقراءة والنَّسخ، والبحث والمناظرة، والصَّبر والمناصحة، قد شككت في مسائل " الأصول الخمسة " التي عليها مدار المذهب، وركن المقالة، وهذه محنة بل فتنة، بل شيء فيه
стр. 195
هلاكي وخُسران عملي، فالله الله فيّ، تداركني فإني من الأموات بين الأحياء، غريب الدّار، خائب الأمل، بائر البضاعة، خاسر الصّفقة، طلبت الزيادة على ما كان عندي فأتلفتُ ما كان معي ".
قال: فلما قرأ الرُّقعة قلق في نصابه، وأقبل على أصحابه وقال: مسكين الشاذياشيّ لقد نزل به أمر عظيم، وحلّ به خطب جسيم، ودُهي في دينه، وأُصيب بيقينه؛ إن هذا لهو البلاء المبين. عليَّ به، هاتوه البائس. ودُعيتُ فأدْناني ولا طفني، وقال لي: ما هذا الشكّ الذي اعتراك، وأين أنت عن القاضي أبي الحسن حتى يحلّ ذاك؟ قلتُ: لستُ أثق إلا ببيان مولانا، ولا عجب من بيانه، ولكن العجب من إنصافه مع سلطانه، وحُسن إقباله مع أشغاله.
قال: فانفسخَ عقده، وابتلّ شنُّهَ، واستحال ذلك المللُ استطرافاً وذلك النُّبوُّ استعطافاً، وأقبل يقول: هاتِ، وأنا
стр. 196
أهاتيه هكذا أياماً وليالي، أَتأطَّر له تارةً بالاستحسان والقبول، وأتعسّر عليه تارة بالتوّقف والفتور، ولا أفارق الكيْس والحيلة، حتى استنفدتُ قوّته وقوتي له، ثم قبّلت أطرافه وتباكيتُ، وقلتُ: يا مولانا أسلمتُ على يدك، ونجوت من النار بإرشادك.
فقال: يا أبا عليّ! اكثُر عندنا، واقتبس علمنا، قد ذلّلنا لك الحجاب، وتقدّمنا بذلك إلى الحُجَّاب، فاسكن واطمئن، وطب نفساً وارفئنّ، ولا تقلق فترْجَحِنّ.
قال: فانصرفت من مجلسه قرير العين، ممدود الجاه، مملو اليد، ونفسي ريّا بكل أمل، وتفتّحت عليّ أبواب الرّزق، وجمعتُ إجّانة كبيرة خضراء دنانير.
قال الجيلوهي: وحديث هذا الرجل ذُو شجون، على أنك إذا أنصفت لم تجد له نظيراً في دهرك، ومتى بُليت به طلبت الخلاص منه ولو بفقرك.
стр. 197
قال: وما أخوفني أني إذا دفعت إلى غيره بعده تمنَّيتُه، فأكون كما قال الشاعر:
عتَبتُ عَلَى بشرٍ فلما فقَدتُه ... وجرَّبت أَقواماً بَكيْتُ علَى بشْرٍ
هكذا أنشد، وغيره يُنشد: " على عَمرو "؛ والصحيح " على سَلْم " وله حديث.
قال: ومن خواص ما فيه حُبّه للعامّة، وذاك بقدر بغضِهِ للخاصّة. وقد قال يوماً: أنا أعلم أن الحجاب قبيح وبغيض، والصبر عليه متعذّر، وهو الذي يُورث العداوة الشديدة، ويبعث على القالة الشنيعة، ويمحو كلّ حسنة، ويُهجِّن كل نعمة، ويثير كلّ نقمة، ويُبدي كلّ عَورة، ويُبرز كلّ سوأَة؛ وقد دُهي الناس منه قديماً وحديثاً، لكنّي
стр. 198
أتلذّذ به، ولستُ أجد طعم هذه المرتبة العلية، ولا أعرف ثمرة هذه الحال السَّنية إلا بعد أن أحتجب ويقف الناس على منازلهم بالباب، وأعلم أن صدورهم تغلي بالغيظ، وألسنتهم تجري بالعيب، وأهواءهم تأْتلف على القِلى والبُغض؛ فإن الحديث ينخرق بكل معنىً إلى سوء، ولكن لا أسمح بحلاوة الدولة، وبجلالة الصَّولة، وبهيبة المكانة، وبما أن سهوت عنه صرتُ إلى المهانة.
قال هذا الشيخ: وهذا قول من نصّ الله على خذلانه، وأسلمه إلى حوله، وأنطقه بلسان إبليس الذي هو عدوّ الله، ولا شكّ أن هذا المذهب من علامات الشَّقاء في الدنيا، وآيات الخُسران في العاقبة، ولن يُقدم عليه إلا من قد سمح بعرضه، واستهان بشنيع القالة في نفسه وأبيه وعمّه وأُسرته، وجميع من ضَرَب في مذهبه بسهم، وشابهه بوجه.
وحدثني ابن الثلاّج المتكلم، وكان ديِّناً صدوقاً، قال: العجب
стр. 199
أن ابن عبّاد يدّعي أنه قرأ على شيخنا أبي عبد الله البصريّ، ولقد كذب في دعواه وفجر في قوله؛ لقد ورد علينا بغداذ وهو ينصر ابن كُلاّبٍ على حدّ المبتدئين، فحمله مِسكَويه إليّ، ثم دخل الواسطيّ عليه وفتح باب المذهب له، ولم يكن غير ذلك.
وكان أبو عبد الله لا يعرفه ولا يعدّه، لأنه كان لا يدري ما يكون منه ويصير إليه في الثاني.
стр. 200
وما قدرُ كُويتبٍ يرد مع صاحبه، لا سنَّ له ولا شُهرة، ولا إفضال ولا توسُّع، ولا حاشية ولا حَشَم؟ ودارت الأيام ودالت الأحوال، فكتب هذا الشيخ إلى هذا الإنسان بعماد الدين؛ وأنا أبرأُ إلى الله من دين هذا عِمادُه؛ وكتب هذا إلى ذاك بالشّيخ المُرشد، وأيُّ إرشادٍ كان عنده؟ وكيف يكون مُرشداً من ليس برشيد؟ وكيف يكون رشيداً من لا يُفارق الغيّ؟ إن كنت تشكّ في أمره فانظر إلى غِلمانه: الرَّازي، وابن الغازي، وابن طرفان، والبزاز، والنَّصيبي أبي إِسحق، والصَّيرَفيّ، والهَمَذانيّ، والدّامغِانيّ، عِصابة الكُفر، ما فيهم من يرجع إلى ورع وتُقىً، أو إلى مُراقبة وحَياء أو هدى.
ولقد رأيتُ أبا عبد الله البصري في مجلس عِزّ الدولة سنة ستين في شهر رمضان، والجماعة هنا: أبو حامد المرورّوذي وأبو بكر
стр. 201
الرّازي، وعلي بن عيسى، وابن نبهان، وابن كعب الأنصاري، والأبهَري وابن طَرَارَة، وأبو الجيش شيخ الشيعة وابن معروف وابن أبي شيبان، وابن قُريعة، وناسٌ كثير، وهو في إيوانٍ
стр. 202
فسيح في صدره مَنْ حَضَروا من أجله، وأبو الوفاء المهندس نقيب المجلس ومُرتّب القوم.
فسئل البصري في مسألة فأظهر أنه في بقية علّته، وأنه لا يقدر على الكلام.
ثم قام عليّ بن عيسى الشيخ الصالح وقال: هذا مجلس يُبتهى بحضوره لشرفه، ويُفتخر بالكلام فيه لكثرة من يعرف ويُنصف، والمُغالطة فيه مأمونة، وليس في كلّ أوانٍ يتّفق هذا الجمع، وبيننا وبين هذا الشيخ، يعني أبا عبد الله، مسألة من أجلها ومن أجل نظائرها قد استجاز تكفيرنا وتفسيقنا والتَّشنيعَ علينا وتنفير المقتبسين
стр. 203
منا، وها أنا قد ابتديتُ سائلاً فلينصُر مذهبه كيف شاء، وإنما هو دينٌ، فيجب أن نبحث عنه من العارفين.
فقال عزُّ الدولة: كلام منصف، ما أسمع بأساً ولا أرى ظِنَّة، يحثُّ بذلك على الجواب.
فاصفرَّ أبو عبد الله وقلق، وفطِن أبو الوفاء وكان ضَلْعُه معه، وصَفُوه له، فحال بينه وبين الأمير وقال: الشيخ عليل، وإنما حضر للخدمة، وبعض غلمانه ينوب عنه، ولا ينبغي أن يتعَب فيحْمى جسمه، ويُخاف نكسُه، ويصير ما قُصد من قضاءِ حقه في التجمُّل بحضوره سبباً للتألم.
ثم أقبل أبو الوفاء على عليّ بن عيسى فقال: يُكلّمك أيها الشيخ من غلمانه من تُحب.
فقال: لا حاجة إلى الكلام مع غلمانه، إنما كان الكلام معه هو القصد، لأن الاجتماع بيننا يقلّ، ولأن الخصومة تكون معه الفيصل، وذاك أنه يُكتب كلامي سائلاً، وكلامه مُجيباً، ثم لا نزاع.
فأما أصحابه فإنهم يكلّمون أصحابي وذاك قائم بينهم، وكانت
стр. 204
البغية قطع المادّة، وحسم الشَّغب، وبلوغ الحدّ، وإذا وقع الإباء فلا لجاج، وإذا عُرف المراد فلا حجاج.
ثم قال عزّ الدولة: هاتوا شيئاً آخر قبل أن يتصرَّم النهار بما ليس له درٌّ، وكان فصيحاً.
فأعرض أبو الجيش الخراساني وكان متكلّم الشيعة، فسأل عن القرآن وقال: أروني من القرآن تنزيله على هيئته الأُولى حين نزل به جبريل على قلب محمد صلى الله عليه، فتلاه على أُمّته بلسانه، فإني أجد عند حمَلَته اختلافاً كثيراً في تحريفه وتصحيفه، ونقصه وزيادته، وإعرابه وغريبه ووضعه وترتيبه؛ ولهذا وأشباهه اختُلف في تأويله، وشُكّ في تنزيله، وكثُر خوضُ الناس فيه وفي تفسيره، والاحتجاج له؛ ولقد سبَق علمي أن كلام الله لا يكون في حكم كلام عباده، وأن ما يجوز على ذلك لا يجوز على هذا، لأن الله حكيم كريم رحيم، والحكمة والكرم والرحمة تأبى ما تصفون به في كتاب ربّكم، وتستجيزونه في كلام خالقكم.
قال: وهذا الذي قلتُ بيِّن معروف؛ القرأَةُ تختلف ضرباً
стр. 205
من الاختلاف، والنَّقلة تختلف ضرباً آخر، والفقهاء تختلف على قدر ذلك ضرباً آخر، وكذلك أصحاب الكلام؛ وحتى أفضى هذا إلى طعن الزّنادقة فيه، وانجرَّ عليه قدح الملحدين به، وقال كلاماً كثيراً من هذا الجنس، فكلّهم كاعَ عن الجواب، وكاد أبو الجيش بعد تذرُّعه بالقول يشمتُ ويبالغ في التَّشنيع.
فقال عزّ الدولة: يا أبا الجيش أنت في معركة لا مُبارٍ لك فيها، فافرِ كيف شئت وذر، والله المستعان.
فانبرى أبو حامد وتكلّك بملءِ فيه، ومحق أبا الجيش وبيّض وجوه الناس.
فلما خرج قال له محمد بن صالح الهاشميّ: لقد دعمت الإسلام بدِعامةٍ لا يُزعزها الزّمان، ولقد حصّنت الدين حَصانةً الله يُجزيك عنها، ورسوله صلّى الله عليه يُكافئك عليها.
ولولا أن هذه الرسالة لا تحتمل المسألة والجواب بما فيها من فنون القول لأتيتُ بالمجلس على وجهه.
стр. 206
فهذا كان اقتدار البصري جُعل في المناظرة، وقوّته عند لقاء الخصم ونُصرة المذهب والدّين.
ولقد ذَكَا عيناً عشرين سنة على صاحب بغداذ لصاحب ... حتى آلت الأمور إلى ما عرفه الصّغير والكبير بأصحابه أصحاب المحابر والأقلام والكرارس.
ولقد بلغ من قلة دينه أنه صنّف رسالة ذكر فيها الدّلالة على أنه هو المهدي المنتظر. قال: فإن معنى المهدي أن الله هَدَاك، وهدى أهل العدل والتوحيد لك؛ وأما المنتظر فلأَنّا كنا ننتظرك بالعراق؛ وهذه الرسالة مشهورة وحُملت في جُملة الهدايا إلى قابوس.
стр. 207
وسمعت أبا محمد الفرغاني الحنيفي يقول: ما خلوت بفكري في أمري ومُلازمتي هذا الرجل - يعني البصري - إلا ظننتُ أن الله تعالى يرسل عليّ صاعقة أو يجعلني آية وعبرةً باقية.
وأما ابن أبي كانون فإني قلت له يوماً: مالي أراك واجماً من غير عارضٍ، وطويل السكوت من غير عيّ، وكثير الفكر من غير وسواس، وشديد الحُزن من غير إفلاس؟ ليس لك أُنس بالجماعة، ولا تفكُّه بالمحادثة، ولا استماع بالمجالسة، بعد ما عهدتك في حدثان مقدَمك وأنت تتَّقد كالنار، وتزخر كالبحر، وتأرَنُ كالمُهر، وتذكو كالقنبر.
فقال: ومن أولى بالبال الكاسف والغمّ الطويل والأرق الدّائم منّي؟ فارقتُ وطني وأهلي وإخواني ومعارفي وجميع ما كنت آلفه وأحيا به، وأشتمُّ روح العيش منه، وتجرّعتُ مرارة بُعدي عنهم، وصبرتُ نفسي على ما نالهم بخروجي من بينهم وسلوتي دونهم، وما نزل بي بعدهم من جفاء الغُربة ووحشة الوحدة، وشَظف العيش بالقلّة - كلّ ذلك طمعاً فيما أًبرّد به غليل قلبي في الدّين والمذهب، وأنفي به الحَرج
стр. 208
من صدري وأسعد، وأن آخذ من هذا الشيخ ما أهتدي به وأسكن إليه، وأجعله عُدّة لآخرتي. والآن قد حصلت - بعد الرسالة الطويلة والمنازعة الشديدة وبعد البحث ولنّظر والكشف والجدل، وبعد اعتبار هذا الشيخ في نفسه وسيرته وما عليه أصحابه والمتقدّمين عنده - على حالٍ عسراء، وغايةٍ عمياء، وما أراه إلاّ صاحب دنيا يعمل للعاجلة، ولا أرى أصحابه المُطيفين به إلا كذلك، وإن هذا مما يؤلم القلب، ويُفرَّق البال، ويحشد الهمّ، وينفّر اليأس؛ فلذلك ما تراني على غير ما عهدتني عليه.
وأما ابن بُنان الورّاق فإني سمعته يقول: لقد خطب البصري على الإسلام بما لا يقدر عليه الرّوم والتّرك.
قلت: وكيف ذاك وأنت لا ترى اليوم ببغداذ مجلساً أبهى من مجلسه، لما يجتمع فيه من مشايخ العراق وشبّان خراسان وفقهاء كل مصرر، وما في هؤلاء أحد إلا وهو يصلح أن يكون داعية صُقعٍ وإمامَ بلد؟ فقال لي: صدَقت، فهل تعرف فيهم من إذا ذُكر الله وجِل قلبُه
стр. 209
واقشعرّ جلده، واطمأنّ صدره؟ وإذا سمع موعظةً دمعت عينه وخشعت نفسه أو سُمع نشيجُه؟ وإذا عرضت له منالة عفّت نفسه؟ أو إذا هاجته شهوةٌ اتّقى عندها ربّه؟ أو إذا لزمه إنكار أمرٍ بذل فيه وُسعه.
أما ترى اللّعب والمزاح والسَفه والقِحة والتَّجليحَ والفسق والفجور فاشيةً فيهم، وغالبه عليهم، وظاهرة بينهم؟ أما لك في الرازي أبي الفتح عِبرةً؟ أما لك بابن طَرْخان خِبرة؟ فما زال يقول هذا وأشباهه حتى سدّدتُ وقطعتُ عليه.
وكان أبو إسحاق النّصيبي من أفسق الفاسقين، وهو يُلقّب بُمقعدة، لا أعلم في الدنيا قاذورةً إلا أتاها، ولا خساسة إلا أظهرها
стр. 210
وجاهر بها، هكذا كان ببغداذ، ثم بالدِّينَوَر عند أبي عمرو كاتب فخر الدولة الإصبهاني، وحديثه بإصبهان مشهور، وكذلك بالصّيْمَرة، وكيف أكل في نهار شهر رمضان من غير عُذر، وكيف تهتّك بجماعة من الأحداث. نعوذُ بالله من الخذلان.
وحدثنا أبو سليمان محمد بن طاهر السِّجستاني، وكان بعيداً من التَّزيُّد شديد التّوقي، قال: حضرت وليمة في قطيعة الربيع، فلقيني فيها البصري أبو عبد الله، فجلس إلى جانبي، وتصرّف في الحديث معي، وأرخى عنانه إليّ إلى أن قال لي: يا أبا سليمان، هل وجدتم في فلسفتكم شيئاً تسكنون إليه، وتعتمدون عليه؟ فأنا من الكلام ومَذاهب أهل الجدل على غُرور.
قال: فسكتُّ من أجل الموضع، وقلتُ:
الناس أَخيافٌ وشتَّى في الشّيَمْ ... وكلهم يَجمعهم بيتُ الأَدَمْ
فقال: آخِرُ ما عندي أن الأدلّة تتكافأ، وأن المذاهب والآراء
стр. 211
والنِّحل جارية بين أربابها على قوة النتائج وضعفها، وجودة العبارة ورداءتها.
قال: وقلتُ له: ما بعد نظرك نظر، ولا بعد تحصيلك تحصيل، وانتهى.
وأمثل من شاهدناه عندنا ببغداذ: الواسطيّ أبو القاسم. وكان يبرأ إلى الله من البصري جُعَل، ويلعنه عند الوليّ والعدوّ تقرباً إلى الله.
وكان ابن الثلاّج يقول: حكَم الله بيننا وبين ابن عباد وفلان، فإنهما سلّطا هذا الإنسان في هذا المكان حتى أفسد من أجابه إلى المذهب، ونفّر من أراد أن ينظر في " العدل والتوحيد ".
وسمعتُ الفرغانيّ يقول: لولا أني لا أعرف في جميع المذاهب أقوى من مذهب المعتزلة لَناديتُ على أصحابي بمخازيهم التي يشتملون عليها ويُجاهرون بها، في الأسواق والشوارع، بل في المَحاضِر المشهورة
стр. 212
والمنابر الرفيعة، ولكن لهم حُرمة الدعوى وذمام النّسب إلى المقالة، ورجاءٌ في الإقلاع والتّوبة، فإن اليأس غير غالب ما دامت الاستطاعة موجودة، والنُّزوع ممكناً، والتّلافي مظنوناً.
ذاك حديث ابن عباد، وهذا حديث شيخه وإمامه ومُرشده بزعمه، وهو المرشد والهادي لمن أخذ عنه واقتدى به. يا قوم! أين يُذهب بكم؟! ما هذا العَمَى الذي قد غلب عليكم، والهوى الذي قد أصمّ آذانكم وأعمى أبصاركم؟ وماهذا الأمر الذي قد حال دون العيان، وطمس وجه الرُّشد، وقلب أثر الحسّ؟ أَليس هذا القائل في مُجونه وتلعُّبه بدينه:
مِن عَملِي مِن عَملِي ... نيكُ الرّجال البُزَّل
وإِنما أَنِيكُهم ... لأَنّني مُعتَزِلي
تلميذُ شيخٍ فاضلٍ ... مُلقَّبٍ بالجُعَل
أَفهكذا يكون من كان عماد الدّين، وناصر الإسلام والمسلمين؟ الويل له، ثم الويل لمن يتولاّه وينصره.
стр. 213
قال يوماً لابن فشيشا صاحب مَصْطَبَةِ المُكْدين بالريّ:
لا تُبطئَنَّ عن اللذات إِن حضَرت ... لكن تَبَنَّك ولا تحفل بتأَنيب
ولا تَزُقّ إذا ما نِلتَ ذاك وبت ... مع شَوْزَرٍ وافر الأَرداف محبوب
فالصَّمْي والمَتْرمن بعد القُشام به ... طيبُ الحياة فلا تعدِل عن الطيب
خذ في القُشام وخذ في الصَّمي بالكوب ... فالدَّهر يمزج تكسيحاً بتهريب
أَفهذا كلام من يدعو إلى الله، ويُحبُّ أن يُستجاب له، ويُجرى على طريقته، ويكون ذريعةً بين الله والعبد؟ هذا - عافاك الله - باللعنة الأولى، وبالبراءة منه ومن أصحابه أحقّ. ما أقلّ حياء هؤلاء وأشدّ تكاذبهم ومكابرتهم! وإذا ضربت عن باب الدّين، ورجعت إلى الكفاية التي زعم أنه بها تكفّى، وأنه كافي الكُفاة، وأنه واحد الدنيا.
هل كان يعرف من الحساب باباً؟ هل عقد جماعة؟
стр. 214
هل عُقدت له فتكلم عليها؟ هل قرأ مؤامرة؟ هل عرف منها حدٍ؟ هل أمكنه أن يحتجّ على عامل أو يناظر ناظراً؟ أو يُخاطب مُشرفاً، أو يرسم في العمل رسماً، أو يُجيب عن كتابٍ واحد في العمالة؟ وفيما يتعلق بأبواب النظر في العمارة، هل ناظر خائناً مُتقطِعاً، أو استدرك مالاً مُختلساً؟ هل فصل حكُومة بين كاتبين، أو قطع خصومة يبين جُنديين؟ هل رأينا ثَمَّ إلاّ الرَّقاعة والتدفق، والجنون والهذيان، والتَّسايل والتمايل، والبقبقة والطقطقة، والقرقرة والبربرة؟ إلا أنه غُلط
стр. 215
فيه ووُثق به، ووُكل إليه الرأي، ولك يؤذن لأحدٍ في تحريكه بكلمة، ولا في مضادّته بحرف، حتى تمّ له ذلك كله بأسهل وجه مع الجوّ المُواتي والأمر المُنقاد، وحُب أن يعتقد أن ذاك عن كفاية في الصناعة وحِذق ٍ في العمل، وسعة علمٍ بالكتابة الدّيوانية والرّسوم الخراجية.
وسُئل يوماً عن قول الشاعر:
سَقَوني النَّسْيَ ثم تكَنَّفُوني ... عُداةَ الله مِن كَذِبٍ وزُورِ
فقال: الخمر تسمّى نسْيا.
فقيل له: ولم؟ فقال: ليس للأسماء علل.
فلما خلوت بالزعفراني الشاعر قال لي: أخطأ، فإن الأسماء ضرب منها مُبتدأ، فالغرض فيه اختصاص العين به ليقع التمييز بينه وبين غيره، وضرب آخر يؤخذ من أصل الفعل وهو الذي سمي مُشتقّاً
следующие страницы →