← Адаб

Адаб · id 12541

أخلاق الوزيرين = مثالب الوزيرين

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (547 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فقال: لو أمكنني الوصف بالنظم كان أعجب إليّ؛ فإني رجل شاعر، ولكن الخوف من ذلك حائل. وقلت للتميمي: أما أصحابك فقد عرفت عقائد قلوبهم في هذا الرجل. فأين أنت منه؟ فقال: أحرى اعتقادي فيه أنه خنزير قد أُعطي قوة أسد؛ فهو يفترس يمنةً وشآمة، وكنت أرى فيما مضى أن الشرّ مكسوب بالقصد حتى شاهدتُ هذا فتحولت عن الرأي الأول، وقلتُ: بل السرّ في بعض الناس لاصق بالطّبع. وقلت لأبي سعيد الأبهري: بيّن لي أمر هذا الرجل، ففي نفسي أن أعمل كتاباً في أخلاقه. فقال لي: لقد حاولت عسيراً. أَتستطيع أن تصف إبليس بجميع ما هو فيه؟ قلت: لا والله، إنما أعوذ بالله منه فقط. قال: فعُذْ بالله من هذا قبل أن تعوذ بالله من إبليس؛ فإن إبليس

стр. 317

- وإن كان شريراً - فهو عاقل، وهذا يزيد عليه لأنه شرير وهو أحمق. وقلت لأبي طاهر الأنماطي: كل أحد له على هذا الرجل كلام، وفي نفسه مَوجدة سِواك؛ فإنك واصل إليه إذا أردت ونائل من ماله وجاهه إذا أحببت، فما قولك فيه؟ فقال: صبري على رقاعته قد نغَّص عليّ جميع ما أنا عليه معه، على أن رقاعته مُرشحة بجنون، وجنونه صادر عن قدرة، فالرّهبة منه قد كدّرت عين الرّغبة فيه، والغيظ عليه قد منع من الاستمتاع به. وسألت ابن زرعة الفقيه فقلت: ما أحوجني إلى فُتياك في هذا الرجل! فقال: قد - والله - جُبْتُ الآفاق، ولقيتُ أصناف الناس في الشرق والغرب، فما رأيت رجلاً في جنونه أعقل منه، ولا في عقله أجنّ منه، وإنه لأعجوبة؛ عدوّه هالك لسلطانه، ووليّه خائف من كثرة ألوانه؛ لا عهد له ولا وفاء، ولا صدق ولا لطف، كله هزْل، وجميعه جهل. وقلت لابن فارس صاحب اللغة: بِم تحكم على هذا الإنسان؟

стр. 318

فقال: بأنه لله عدوّ، وللأحرار مُهين، ولأهل الفضل حاسد، وللعامّة مُحبّ، وللخاصّة مُبغض. فأما عداوته لله فلقلّة دينه. وأما إهانته للأحرار فهي شهيرة كهذا النّهار. وأما حسده لأهل الفضل جرِّب ذلك بكلمة تُبديها. وأما حبُّه للعامّة فبمناظرته لهم وإقباله عليهم. وأما بغضه للخاصة فلإذلاله لهم وإقصائه إياهم. ****

стр. 319

فأما ابن العميد أبو الفضل، فإنه كان باباً آخر، وطامّة أخرى، وكان فضله من جنس ليس لابن عباد فيه نصيب، ونقصه من ضرب لم يكن له فيه ضريب، كان يُظهر حلماً تحته سفه، ويدّعي علماً هو به جاهل، ويُري أنه شجاع وهو " أجبن من المَنْزُوف ضَرْطاً "، وكان يدّعي المنطق وهو لا يفي بشيء منه، ولم يقرأ حرفاً على أحد، ويتشبّع بالهندسة وهو منها بعيد، ولم يكن معه من صناعة الكتابة الأصل وهو الحساب، وكان أجهل الناس بالدّخل والخرج، ولقد بقي ما بقي في أيامه فما قعد يوماً في الديوان ناظراً في عمل، أو فاصلاً لحكم،

стр. 320

أو مخلصاً لمشكل، وكان قد وضع في نفسه - بالحيل الدقيقة، والأسباب الخافية - أنه واحد الدنيا، وأن ملوك الأرض يحسدونه عليه، وأنه لسان الزمان، وخطيب الدهر؛ وأن قلمه فوق السّيف، وتدبيره فوق الجيش، ونظره في الدّولة والمملكة وأحوال الأولياء وذوي النصيحة كالوحي والنبوّة. وكان مُعَوَّله في الأعمال على أبي علي البيّع؛ وكان مع هذا شيّء السيرة، قليل الرحمة، شديد القسوة، وارم الأنف، عظيم التيه، شديد الحسد لمن نطق ببيان، أو أفصح بالعربية وسيتبيّن بعض هذا بما أذكره لك بشاهد عدل، وراوٍ ثقة. ورد أبو طالب الجرّاحي الكاتب بالريّ من العراق، ولم يكن في عصره أنطق منه لساناً وقلماً، وهو من بيت علي بن عيسى الوزير، فعرض نفسه عليه، فلما رأى بسطته ولسانه وخطّه وطلاقته ولطافته وأُبوّته وصناعته، حسده واغتاظ منه، وضاقت الدنيا به، وعمل على أن يسمّه، ففطن أبو طالب وكان فطناً، فطوى الأرض، ووقع إلى

стр. 321

آذربيجان، وصار إلى ملك الدّيلم المرزبان بن محمد، فعرف قدره، وبسط يده، وأعلى كعبه، ونوّه باسمه، واستطال على ملوك النواحي بمكانه. ثم انظر إلى ما جرّ أبو طالب عليه لخسّته ولؤمه ونقصه وسُقوطه، وهكذا يفعل من انصرف من باب عزيز ذليلاً ومن فناء موسر مذموماً؛ وقد كان يمكنه اصطناعه وتقديمه وإكرامه واستخدامه بأسهل غرامة وأيسر مؤونة، وأهون مرزية؛ ولكنه حسده وأبعده، وليته مع ذلك زوّده ما يوجب شكراً، ويكون بلاغاً، ويبقى حديثاً مأثوراً وذكراً جميلاً. ولقد كتب إليه أبو طالب بعد هذا الحديث كتاباً قرأتُ فصلاً منه يقول فيه: " حدِّثني بأيّ شيءٍ تحتجّ إذا طولبت بشرائط الرياسة التي انتحلتها وأكرهت الناس على تسميتك بها؟ أَتدري ما الرياسة؟ الرياسة أو يكون باب الرئيس مفتوحاً، ومجلسه مَغشياً، وخيره مُدْرَكاً،

стр. 322

وإحسانه فائضاً، ووجهه مبسوطاً، وكنفه مزوراً، وخادمه مُؤدَّباً، وحاجبه كريماً، وبوّابه رفيقاً، ودِرهمه مبذولاً، وخُبزه مأكولاً، وجاهه معرَّضاً، وتذكرته مسوَّدة بالصلات والجوائز، وعلامات قضي الحوائج. وأنت! فبابك مقفل، ومجلسك خال، وخيرك مقنوط منه، وإحسانك منصرف عنه، ووجهك عابس، وبنانُك يابس، وكَنفك حرِج، وخادمك مذموم، وحاجبك هَرّار، وبوابك كلب، ودرهمك في العَيُّوق، ورغيفك في منقطع التراب، وجاهك موفور عليك، وتذكرتك محشوو بالقبض على فلان، وباستئصال فلان وبنفي فلان، وبسم فلان، وبالدّس على فلان، وبحطّ مرتبة فلان. هل عندك أيها الرجل المدعي للعقل، المفتخر بالمال، والمتعاطي للحكمة، إلا الحسد والنذالة، وإلا الجهالة والضّلالة؟ تزعم أنك من شيعة أفلاطون وسُقراط وأرسطوطاليس، أَوَ كان هؤلاء يضعون الدّرهم على الدّرهم، والدينار على الدينار، أو أشاروا في كتبهم بالجمع

стр. 323

والمنْع، ومطالبة الضّعيف والأرملة بالعسف والظلم؟ فيا مسكين استحي، فإنك لا مع الشريعة ولا مع الفلسفة، وقد خسرت الدنيا والآخرة. هذا عقلك الذي يخاطب الناس برفعك التراب على رأسك والسّخام في وجهك. أَمن كرمك وحزمك أن يفِدَ عليك مثلي؛ رجل من آل الجرّاح بيت الوزارة والسؤدد، ينبري لمعروفك، ويخطب الخدمة بين يديك، والقيام بأمرك ونهيك؛ بحظٍ ميسور، ونائل مَنزور، فتحسده وتبعده، وتُخمله وتهمله، وتواطيءَ على سمّه وقتله؟ يا ويلك! فمتى كنت أنت وآباؤك تستحقّون خدمة رجلٍ من آل الجرّاح؟ كأنّ بيتك بقُمّ ما سألنا عنه، ولا وقفنا عليه؟ أَليس أبوك كان قوّاداً، وأبوه كان نَخّالاً؟ ها أنا قد انقلبتُ عنك خائباً، أَفضِعت وبُرتُ وكسدت؟ لا والله، بل قيَّضَ الله لي مُلكاً من ملوك الدنيا حتى اشتمل عليّ، ونظر بعين الكفاية إلي، وأهلّني لمحلٍّ زائد عن محلّك، ورتّبني في حالٍ هي أشرف من رُتبتك، والله أكرم من أن يُضيع مثلي أو يُحْوجني إلى مثلك. فبُؤ الآن بخساستك، والصق بالدَّقعاء ندماً على فعلك، وثق

стр. 324

بأن لساني وقلمي لا يزالان يبريان عرضك، ويخطبان بذمّك، ويلهجان بهتْ: سترك، ويبعثان الناس على معرفة خزيك وسقوطك؛ أَتظنّ - يا جاهل أنه إذا ركب قُدّامك حاجب، وسار معك راكب، وقال الناس: أيها الرئيس - أنك قد ملكت الكمال، واستحققت خدمة الرجال، من غير إسعاف ولا إفضال؟ هيهات! المجدُ أخشن مسّاً من ذاك. وسأشقّ النظم والنثر في أكناف الأرض بما ينكشف به للصغير والكبير نقصك، وتزول الشبهة عن القلوب في أمرك إن شاء الله. هذا أفادنيه، وكان شاعراً من آذربيجان. فهذا هذا. قلت للخليلي: لِمَ كان يصبر أبو الفضل على ابن ثابت الكاتب الهمذاني وهو آفة ونكال، لا حظَّ ولا معرفة ولا أدب ولا صناعة؟

стр. 325

فقال: لأنه علم أن غيره لا يصبر على ذلك الرِّزق الوَتْحِ، والجدوَى القليلة، ومن أجل ذلك قال مِسكويه: يقولون إِنّ ابن العميد محمداً ... يؤول إلى رأَيٍ وثيق المنابتِ فقلتُ: دَعُوه قد عرفتُ مكانَه ... بطلْعَةِ منصورٍ وحَظّ ابن ثابت ومنصور هذا خادم رأيته، كان من أقبح الناس وجهاً كثير الهذر، سيّء الأدب، وكان من قُمّ من الأحرار؛ ولما ذمّه صاحبه ووليّ نعمته بسبب هذا الخادم للشُّهرة الفاضحة، والتهتُّك الشائع. قال أبو الفضل بحكمته: ما أصنع؟ والله ما وجدت في هذه المدة لا يري غلافاً مثله، ولا بدّ لي منه، فليلم من شاء، والهوى لا يحلو إلا مع العذل. انظر بالله إلى هذا الحكيم بزعمه، واسمع قوله، وهو يزعم مع هذا أن أرسطاطاليس لو رآه لرجع عن آراء كثيرة ببيانه، ولغيّر كثيراً من كتبه بمشورته.

стр. 326

وكان يقول بقحته وقلة اكتراثه وتهاونه بمن حوله: أما الموسيقى فإنه يموت بموتي ويفقد بفقدي، هذا وهو لم يقرأ حرفاً منه على أحد من خلق الله، وما أُوحي إليه به، ولا يجوز أن ينفتح مغلقه جُزافاً عليه أو على غيره؛ وإنما كان يستجيز هذا القول في الموسيقى خاصّة لأنه لم يبق منذ دهرٍ من يدلّ من هذه الصناعة على حرف بتحقيق، أو يأتي فيها بوصف تام، لذهابه ودروسه. والعلم كلّه - أبقاك الله - قد دخله الضّيم، وغلب عليه الذّهاب لقلّة الراغبين، وفقد الطالبين، وإعراض الناس عنه أجمعين. والموسيقى من بين أجزاء الفلسفة فُقِد حمله، لأنه لا يوجد علمه إلا بعمل، ولا يكمل عمله إلا بعلم، والعلم والعمل في صناعة واحدةٍ قلّما يجتمعان على التناسب الصحيح. وكان يعمل كتاباً سماه: " الخلق والخلق " فمات سنة ستين وهو في المسودَّة، وقد رأيت ورقات منه وتقلتُ إلى " البصائر "

стр. 327

حروفاً كانت فيه أفادنيها أبو طاهر الورّاق. ولم يكن الكتاب بذاك، ولكن جَعْس الرؤساء خبيص، وصُنان الاغنياء نَدّ، وخنفساء أصحاب الدولة رامُسنَّة. وقلت للغويري: حدِّثني عن ابن عبّاد، فإنك قد عرفت ليله ونهاره وخافيه وباديه، وعن ابن العميد فقد اختبطت ورقه، وانتجعت صوبه. فقال: في ابن عبّاد قِحة مأبون، ولوثة مأفون، وهو ابن وقته معك، ونتيجة ساعته لك، لا يعرفك إلا عند امتلاء العين بك، ولا يُعطيك شيئاً إلا إذا أخذ أكثر منه منك، يشتري عرضك،

стр. 328

ولا يوليك حقك، ويبلغ بلسانه ما لا يسمح لك بعُشره من فعله، ثم الويل لك إن أصبت في كلامك، والويل لك إن أخطأت، على أن الخطأ يعطفه عليك بالرحمة، والصواب يحمله في معاملتك على الحسد والانتقام؛ يريد منك أن لا تذكر فاضلاً عنده وإن ذكرته فضّلته عليه. وإن ذُكر الشِّعر فقل: أين مسلم بن الوليد منك؟ وإن ذُكر النّحو فقل: وصلت إلى ما لم يصل إليه سيبوية، وإن ذكر البيان فقل: فيك أعراق متواشجة من قُسّ بن ساعدة، أو لعلّه كان في قس عرقٌمن آبائك الفرس، وإن ذُكر الكلام فقل: لو رآك النَّظَّام للزِم بابك وحمل عاشيتك، وإن ذُكر الفقه فقل: أين أبو حنيفة عن هذا

стр. 329

التحقيق والتدقيق؟ وأين صاحباه: محمد، وأبو يوسف عن هذا التطبيق ولتعميق؟ فأما الجاحظ فما وزنه عند مثقالك؟ وأين شراره من نارك؟ وهل يسبح في بحرك؟ وهل يتطاول إلى سمائك. لو رآك لرشاك، ولو شاهدك لما انتسب إلا إليك. وأما إبراهيم بن العباس الصُّولي فأحسن ما يختاره له أن يكون من المختلفين إليك، ومن الحاذين على مثالك، والآخذين عنك. وأما الدَّواوين فالكَلْواذي يسلّمها لك، ويتبرّأ من الأعمال بسببك، ويطّرح الرسوم القديمة معك، ويأخذ فيما تبتدعه وتضعه، لأنه إن نازعك افتضح على يدك، والعاقل لا يُلقي بيده إلى التّهلكة، ولو وثق أنك تقبل مصانعته لصانعك، ولو علم أنك تُبقي عليه لخَدَمك.

стр. 330

وأما الخطّ فابن مُقلة وابن أبي خالد والبربري ومن تقدّم وتأخر أعطوك الضمة فيه، وأظهروا لك الانقياد به. قال: ومن مناقبه في مثالبه أنه يقنع منك في مدحك بالنفاق، وفي ثنائك عليه بالرياء، وفي نُصرة سيرته بالحيلة، ويرضى في هذا كله بعفوك دون جَهدك، وبما يخفّ دون ما يثقل؛ وليس كذلك ابن العميد؛ فإنه لا يحب أن تمدحه إلا بأكرم الخِصال، وأشرف الفعال، وأن يكون قولك عن عقد، ووصفك عن يقين، وإخبارك عن تعجّب، وتعجُبك عن استبصار، واستبصارك عن مُعاينة، وفيه مع ذلك كِياد مُخنّث مَجْفوّ، وسفه ضرَّةٍ رعناء، ونميمة كُنَّةٍ سليطة. وحدثنا القاضي ابن عبد الرحيم، وكان خصيصاً به، وقهرمان داره ومُشرفاً على غوامض أمره، قال: قصده شاعر في بعض

стр. 331

الأيام ووصل إليه، وأنشده وأصغى إليه، وانصرف بأمل، وتردد على ذلك فلم ير ما يحبّ، وتعلّق بي. فقلت له: صاحبه روبين أغلب الناس عليه، وأوجههم عنده، فلو لُذتَ به رجوتُ لك، فلزمه وسأله الكلام في أمره، فوعده بذلك. قال روبين فقلت له - يعني ابن العميد -: هذا الشاعر البائس قد سمعت منه شعراً، وأسمنت أمله، وهو على ذلك يغدو ويروح ويشكو وينوح، فلو أمرت له بشيء كان أقطع لشغبه وأجلَب لشكره، وأدعى إلى السلامة من عتبه؛ وهؤلاء يردون الآفاق، ولهم الإلحاح والطّلب والتذرُّع باللسان، والتوصّل إلى كل حال بكل حيلة. فقال: وما يُريد؟ إن شاء الله أجبته عن قصيدته في رويّها بعدد أبياته وعَروضه وأعيان معانيه، وأزيد. وإذا وردت شعراً بشعرٍ فليس علي بعد ذلك لوم ولا أنا مقصّر ولا ظالم.

стр. 332

فقال: فقلت له: هذا سمج شنيع، والناس لا يقارّون عليه، ولا يرضون به ولو ذهبت أرواحهم وتلفت أنفسهم. فقال: يا هذا! هوّن عليك، وأقلل من حديثك، فقد ضيّعنا في هذا مالاً، وإنا بعدُ في لذع الحسرة على ذلك، لأن الشباب له عُرام، ولم يكن لي في تلك الحال تجربة، ولا يقظة، ولا معرفة بحق المال والقيام بحفظه إذا حصل، والشّغل بجمعه إذا انتقل، ونعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر. المال - عافاك الله - عديل الروح، كمال الحياة، وقوام الظهر، وسرور القلب، وزينة العيش، ومِجنّ الحوادث، وحبل اللّذات، ومُتعة الإنسان، ومادّة البقاء؛ ومن لا مال له لا عقل له، ومن لا عقل له فلا حياة له، ومن لا حياة له فلا لذّة له، ومن لا لذة له فهو في قبيل المعدوم. قال روبين: فعلمت أن بعد هذه الخطبة لا يسمح بدرهم واحد. فوصلت الرجل من مالي بشيء واعتذرت إليه؛ وبلغني أن ذلك الشاعر مزّق عِرضه، وهتك ستره. ولقد شاهدت في مجلسه شاعراً من الكرخ يعرف بمويه،

стр. 333

وكان جيّد اللسان، يقول له: أيها الرئيس! قد لزمتُ فناءك لزوم الظل، وذللت لك ذُكّ النعل، وخدمت أملي فيك خدمة ناصح لنفسي فيما التمست من الصلة والجائزة. ولك فيما أوفدت عليك من الثناء والمدحة، وما بي - والله - ألم الحرمان، ولكن شماتة قوم صدقوني فاتّهمتهم، ونصحوني فاغتششتهم؛ بأي وجهٍ ألقاهم، وبأيّة حجة أُدافعهم؟ وهل حصلت من مديح بعد مديح، ومن نظم بعد نثر، ومن رواح بعد بكور، ومن غسل أطمار وإخلاق سِربال، ومن تأفُّف لازم، وضجر دائم إلا على ندم مُؤلم ويأسٍ مُسقم؟ فإن كان للنجاح علامة فما هي، وأين هي؟ قد - والله - طالت غيبتي عن أهلي، وعن السائلين عن حالي، في هذه المعاملة التي عاقبتها الخيبة بعد المطل، والحرمان بعد الإطماع، والتحسُّر بعد الوعد؛ وقد بسط الله كفّك، وجعل الخير والجود والكرم جاريةً

стр. 334

في أسرارها ونابعةً من جوانبها. ففِض أيها الرئيس فإنما أنت بحر، واسكب فإنما أنت سحاب، واطلع فإنما أنت شمس، واتّقد فإنما أنت نجم، ومُر فإنما أنت مُطاع، وهَب فإنما أنت واجِد، واهتزّ فإنما أنت ماجد، وصِل فإنك جَواد. واللهما يقعد بك خَور في الطباع، ولا نَغَل في العِرق، ولا قدحٌ في الأصل. المُخُّ قصيد والحبل حصيد، والزَّندُ وارٍ، والفَروة خضراء، والعُودُ مُورق، والمال جمٌّ، والأمر أجمّ، والسلك دقيق، والنسيج صفيق، والطِّراز أنيق؛ وما هو إلا أن تقول حتى تُسمع، وما هو إلا أن تأمر حتى يُمتثل، لأن أمرك على الفور، وحكمك ماضٍ بالعدل والجَوْر؛ فما الذي يثني عزمك عن الكرم؟ ويفُلُّ حدَّك في الجود؟ ويُقصِر باعك عن المجد؟ ويسدّ أُذنك عن أحاديث غد؟ إن الذين تكره لهم ما هُجوا به كانوا مثلك، وإن الذين تحسدهم على ما مُدِحوا

стр. 335

به كانوا من طينتك؛ فزاحم بمنكبك أضخمهم سَناماً، وزد على من كان أكبرهم كاهلاً، وأعلاهم يفاعاً، وأسطعهم شُعاعاً، وأزهرهم ناراً، وأكثرهم زواراً! فلما بهَره هذا الكلام الشَّهيّ في ذلك المجلس البهيّ شُدِه وعلِه ولم يدر ما يقول، وأطرق هُنيهةً، ثم قال: هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة، وعن الإطالة منّي في المعذرة؛ فإذا تواهبنا في الحال ما قد دُفعنا إليه، استأنفنا في الثّاني ما نتحامد عليه. فقال الشاعر: أيها الرئيس! هذه نُفاثة صدرٍ قد جوي منذ سنة، وفضلةُ لسانٍ قد فَدُم منذ زمان؛ وقد تقدّم العمل، والجزاء موقوف، والرّجاء عليل، والأمل غادر، والحال بعرض سوء،

стр. 336

والشّامت قد شمّر للتأنيب، ولا صبر لمُقلّ على مدلّ إلا على وجه يُحتمل؛ فإن رأيت قدمت المتأخر، وقربت المتأخّر، وقربت الشّاسع، وجعلت إجزال العطية في تعجيلها، وإكرام طالبها في تسهيلها، فلا مانع إن لم يكن ذلك من سدّة جد، أو تقاعس جَدّ. فقال: يا هذا قد كررت العتب، واجتررت الملام، وما أستوجب هذا من أحد من خلق الله؛ ولقد نافرت العميد بدون هذا حتى ثار من ذلك عجَاج قاتم، وانتهينا منه إلى قَرِيٍّ عاتم؛ ولست وليّ نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك؛ وإن بعض ما قررته في أُذني لمما ينقض مِرَّة الحلم، ويُبدد شمل الصّبر؛ ولستُ ممن يطيش لأدنى سانح، ويتطيّر لأوّل بارح؛ والله ما دعوتك إليّ، ولا أغريتك بي، ولا سألتك تقريظي، ولا أتعبتُك في قصدي؛ وإن الظُّلم منك، وكذاك العتب منك؛ وأنا على كلّ حالٍ مالي؟ فلا تجمع بين الظلم والتظلّم، والجناية والتَّجنِّي، وخُذ نفسك بالنزاهة والعَفاف فإنهما لا يقفانك هذا الموقف، ولا يعرضانك على هذا المجلس، ورزق الله

стр. 337

مُنتاب وغاد، واطلب الغنى منك فإنه عندك أكثر منه عند من تظلمه وهو لم يظلم، وتعاقبه وهو لم يُجرِم. فقال الرجل: ما كرّرت العتب حتى أكلت النّوى المُحرَّق في انتظار صِلتك، ولا اجتررتُ الملام حتى خانني صبري في توقّع جائزتك؛ والغضنيُّ إذا مَطَل ظلَم، والواجِد إذا لوى أثِم، والجواد إذا منعَ لِيم. ولَعَمري ما دعوتني إليك، ولا أغريتني بك بكتابٍ خصصتني ورتّبتني فيه، ولا سألتني تقريظك، ولا أبغيتني في قصدك برسول أرسلته إليّ؛ ولكن لما جلست في صدر هذا الإيوان بأُبّهتك وعظمتك وكبريائك وجَبَروتك؛ وقلت: لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة،

стр. 338

ولا يُنازعني أحد في حقوق السياسة؛ فإني كاتب ركن الدولة، وزعيم الأولياء بالحضرة، والقيّم بمصالح المملكة - فقد أهبت الناس إلى بابك، وأغريتهم بخدمتك، وأطعمتهم في مالك، وكأنك قد خاطبتهم بلسان الحال، وإن لم تكن خاطبتهم بلسان المقال. فأنا ذلك السّامع برياستك، والشاهد بفضلك، والراغب في خدمتك، والراجي لخيرك؛ سمعتُ فأجبت، وحضرت فمدحت، ووقفتُ أثنيت؛ وأصغيتَ فقبلت؛ وأدّيتَ فاستحسنت؛ ولم يبق بعد هذا كله إلا أن لا يكون عطاؤك حرماناً، ولا جودك انتحالاً، ولا فُتوّتك اقتيالاً، ولا ماؤك سراباً، ولا جَودك ضباباً؛ ولا خدمتك مندمة، ولا الحاصل من معاملتك مظلمة. وإن الرجل الحُرّ متى علم أن صاحبه لئيم الطِباع، خسيس الخُلُق، مرقَّع المنصب، ملبوس المحتد، وأن الله تعالى لم يجعله من معادن الرّزق، ولا من أبواب النّجاح، فإنه لا يطمع فيه، ولا يتواضع له، ولا يعدّه فيمن

стр. 339

يُعد، ولا يشغل لسانه بمدحه، ولا يُعقُّ أمله بقصده، ولا يُضيع قوله في وصفه؛ بل يرى أن اقتحام الجمر، وسفّ التراب، ونزع الرُّوح أهون من ذاك وأعزّ. ولعن الله الأدب إذا كان بائعه مُذيلاً له، ومشتريه مُهيناً لقدره، ومُماكِساً فيه. وتقوّض المجلس، وقام الناس، ونصرف الشاعر. فحدّثني شمسويه أنه طلبه بعد ذلك ليصله، فرجع إليه أنه ذهب بين سمع الأرض وبصرها. وسألت الجُرجانيَّ عن ابن عبّاد وابن العميد.

стр. 340

فقال: ما يبينان بكرم كبير، وفعال مشهور؛ ولا فائدة في نشر لؤمهما وخساسة طباعهما؛ بلغ من فلسفة هذا أنه أمر بقطع لسان رجل شتم بلد قُمّ غضباً لبله، وتيهاً بوطنه، وشدّ آخر في داره إلى شجرة وما زال يُضرب إلى أن مات، وطرحه في جَوْبةٍ حتى أكلته الكلاب؛ فقال صاحبه: انظروا إلى هذا الذي قُلنا إنه أعقل الناس. حدّثني بهذا الهرويّ. ثم قال: وكان ابن عبّاد - كما قال أصحابنا - هو ابن سجب ليس عنده إلا القال والقيل، والكِبر والتخييل؛ يحبّ العامّة ويرفع نفسه عنها، ويحسد الخاصّة ويجعل نفسه منها، ويستطيل بالعلم وهو قريب القَعْر فيه، ويدّعي الردّ على الأوائل وهو لا يعرف حرفاً من نمطهم، ويتحلّى بالعدل والتّوحيد، قولاً ويتحلى بالجّور فعلاً، ويتشبّع

стр. 341

بالأدب وهو سيء الأدب؛ يتهكّم بلسانه مُستطيلاً، ويتقحّم الجراثيم مُستهيناً، لو وقع عليه الخصم لجرده للناس، وأظهره للصّغار والكبار، لكنه في خفارة جدّه، وحصن دولته؛ على أن الجهابذة قد نقدوه وبهْرَجوه وتركوا التعامل به، وإنما هو وميض برق وهبوب ريح، وخفق راية؛ قإذا قرّت الأمور قرارها، وعطفت الفروع على أصولها ألفيته مُطِّرحاً مع نظائره، خامل الذكر، وضيع القدر، قصير الشِّبْر، مهتوك السّتر. قال: وجملة الأمر أن ابن العميد كان حسن الكتابة، غزير الإنشاء، جيد الحفظ، ولم يكن له في كتابته حساب ولا تحصيل لوجوه الأموال، ولا معرفة بالدواوين، ولكنه كان بفضل الكيس يتأتّى له ويتلطّف. قال: وله شعر صالح في الغزل والمعاتبة؛ ولأنه مشهور لا طائل في روايته، ومن ذلك قوله: قَلبِيَ دامٍ به نُدوبُ ... يكادُ ممَا بِه يَذوبُ

стр. 342

قد كنتُ أُخفي الوشاة جهدي ... فنمَّ مني به الوجيبُ فهل سمِعتُم بمستهامٍ ... عليه من قلبِه رقيبُ يَعمِد ما سَاءني ضراراً ... ما هكذا تفعل القلوبُ يقتادني للصِّبا غَرير ... كأنه شادن ربيبُ جرَى مع الدّهر في عنانٍ ... فهو لأحكامه نسيبُ فكلُّ محبوبه بعيدٌ ... وكلُّ مكروهِه قريبُ وكيف يُرجَى بقاء صَبٍّ ... ناكده الدَّهرُ والحبيبُ وكان ابنه أبو الفتح أشعر منه وأحسن حظاً، واستفاد بدخول بغداد شيئاً فاتَ والده. وكان لذلك يغمز على البغداديين ويتعنّتهم، وكان نزر العطاء شديد المنع لا يقبل صنفاً من الناس، وإنما غرم شيئاً يسيراً على العامري، لأن العامري خدعه وطلاه وصبغه ودخل من بابٍ غامضٍ عليه وقال: لقد قصدتُك من خُراسان لأقرأ عليك علم الحيل وجرّ الثقيل، ومراكز الأثقال،

стр. 343

وهو في أواخر علم الهندسة. بهذه الدعوى وبخلابته أيضاً، وبعصر عينيه عند سماع كلامه، وكان يقول له: ضاع عمري ولم أُوفّق لرُشدي في أول أمري، ولو وُفّقتُ لوقعت إلى كنز علمك وروضة بيانك قبل هذه السنين. ولما رآه أبو الفضل على هذا، قال: لست في قراءتك جرّ الثقيل عليَّ بأحوج مني في قراءة الإلهيات عليك، فإنك في هذا الفن بحر لا يتغلغل إلى قعره، وجبل لا يتوقّل إلى مَصاده. وكان هذا تساخُراً منهما، وتكاذُباً بينهما، لأنهما كانا لا يعرفان من هذين العِلمين لا قليلاً ولا كثيراً. وما ينقضي عجبي من تكاذب العُقلاء، ومن تجاذب الجهّال. وخبُّ هذا الإنسان خِبٌّ فائت، والإحاطة به ممتنعة. وأما الهرويّ فإنه ارتبطه بأمر ركن الدولة، وكان يمدّه من

стр. 344

ناله، لأنه حُمِد في طبّه الذي كان يتكثّر به بعد هندسته التي كان فيها أبرع، وبها أعرف. وأما مسكويه فإنه اتخذه خازناً لكتبه، وأراد أيضاً أن يقدح ابنه به، ولم يكن من الصنائع المقصودة والمهمّات اللازمة؛ وكان أيضاً ما يُقيم عليه شيئاً نزراً لا يقنع به إلا من لا نفس له ولا همّة، وكان يحتمل ذلك لبعض العزازة بظلّه والتظاهر بجاهه. وأما ما تكلّفه لأبي جعفر الخازن فإنه كان لأسباب طويلة؛ منها أن رُكن الدّولة أعظمه، فلزمه أن يقتدي به. ومنها أنه طمع في اقتباس علمه. ومنها أن العيون كانت تنظر إليه في أمره، والناس يحسبون ما يأتيه في بابه، لأنه وقع إلى الرّيّ مع صاحبه الصّاغاني أبي عليّ حين طلب الأمان، والحديث معروف.

стр. 345

فأما ابن فارس فإنه استخدمه ليعلّم ولده. وأما ابن أبي الثيّاب البغدادي فإنه قرّبه ليسترق منه المنطق، فلما علم بذلك أبو محمد نفس بما معه، وتكاسل؛ وقيل له: كيف تعاصيت؟ فقال: كان سيء الانبعاث في هذه الفنون، وكان شديد التشبّع بها، يُحبّ أن يختلس الحكمة، ويمتهن أربابها بفضل المقدرة. وأنشدني في هذه القصّة: إلى الله أشكو رَيبَ دهرٍ كأنّما ... يَرَى كلّ ما يَجرِي بمَكْرُوهنا فَرْضَا يُؤمِّل مِنّي أن أَذِلَّ لمُوسِرٍ ... لَئِيمٍ ونفسُ الحُرّ بِالذُّلِّ لا تَرضَى قلت: لمن الشعر؟ قال: أنشدني ابن أبي البغل لنفسه. وأراغه أبو الفضل على المنادمة فأنف، وما زال يترصّد وقتاً ينفلت فيه حتى كان من أمر ابن العميد ما كان من خروجه إلى أرَّجان، فطوى

стр. 346

فجاج الأرض، وجابَ البلاد إلى بُخارى، وولي بها البريد إلى أن قضى. وأما أبو طاهر الورّاق فإنه رتّبه في النسخ، وكان قوي الخطّ كثير الصبر على النقل، ولم يكن من الصنائع ولا من حملة النّعمة، ولا ممن يطالب بالحمد ويُبعث على الشُّكر. وأما ابنُ بُنْدار فإنه كان فَدْماً غليظاً، غليظ الكلام جافياً جاسياً مقيتاً، وكان وزر بأذربيجان لجُسْتان، فأحبّ أن يُري من نفسه أنه على مائدته من وزر. فأين الصّنائع والمدّاح؟ وأين المنتجعون والزائرون؟ وأين من مرَّ به محتاجاً إلى زاد ونفقة فطلبه وقرّبه، وأعطاه ووصله، وأضافه وأكرمه، وتصفّح ما معه واقتبس ما معه واقتبس مما عنده؟ سقى الله ابن عباد! فإنه وقف نفسه على الغرباء وطلبهم بأكثر مما تعرّضوا له، وسأل عنهم

стр. 347

بأكبر مما رجوه فيه؛ ولولا أنه كان يفسد هذه الأفعال بالرّقاعة والتخيل والعجب والتطاول، وذكر الطعام والمائدة، وما يعطي ويهبُ، لكان قليله أكثر من قليل ذاك، وصغيره أكبر من كبيره؛ ولكن لكل حسن مقبّح، ولكلّ عزيز مذلل، ولكلّ جديد مبلٍ. وحدثني ابن عبد الرحيم القاضي قال: قال يوماً لصاحب طعامه حدثني عن هذا الخبز المكسّر على الطبق، والملوّث، وما تتجافى عنه الأيدي، وما يصيبه اللحم والمرق والثريد - ما تصنعون به؟ وابتدأ هذا القول وهو في جوف خَرْكَاه، وظنّ أن لا أُذن هناك. فقال له الرجل في جوابه، بعد أن تكرر قوله، وقد حال عن مزاجه لغيظه في سؤاله: نَدسُّه في حر امرأة من يسأل عنه. قال: وهذا بالفارسيّة قاله، وهذا تفسيره. قال: فانكسر وانخزل، وعلم أنه قد باء بالخزي، وعاصَ على سواده،

стр. 348

وأن الخطأ منه في أفحش من الخطأ عليه في الجواب. فقال له: أنت مجنون، اخرج لا بارك الله فيك. وهذا كما تسمع. والموت بهذا الرئيس على الخشبة صلباً أحسن من هذا الحديث؛ وكان الرجل من فرط كيسِه لا يقع إلا مكبوباً، ولا يُذكر إلا مسبوباً. ولقد بلغ من لؤمه وشؤمه أنه قتل من أكل عنده؛ وذلك أن أبا المحاوش ورد إلى الرّيّ، وكان بدوياً، أو من هذه المزالف مُتبادياً، وشُهر بشدّة الضرس وكثرة الأكل، وتكرر حديثه عنده، وما وُصف به من طِيب كلامه، وحُسن وصفه للقِدر والطّبيخ والألوان، فدعا به، وتقدّم بإحضار شيءٍ كثير من الخبز والحلوى، فاكتسحه كله، وطلب الزيادة، وكشر أبو الفضل في وجهه، وأظهر استملاحه على تقفُّؤ فؤاده ونار صدره؛ ثم وهب له دريهمات وخُريقات وشملة؛ وقال: اكثُر عندنا واقترح ما في نفسك على صاحبنا المطبخي. فكان المسكين يحضر في الفَرْط، فيطلب شيئاً ويأكل وينصرف.

стр. 349

فطال ذلك على أبي الفضل، واغتاظ منه، وغلب طباعه، فقال لصاحب مطبخه، اجمع هذا الذي يقال له لالكات التي قد أخلقت وتقطّعت، وقطّعها صِغاراً كالبنادق، وقدّمها إليه في عجّةٍ وافرة، بيضٍ كثير، وسَمْنٍ وافر، حتى ننظر إلى أكله، وهل يفطن؟ وإنما كان كيداً، ففعل وأُحضر؛ وأقبل أبو المحاوش عليها وتذرّع في أكلها، وأعظم اللُّقمة، ودارَك الرَّفع والوَضع، ووجدها وطِيةً ناعمة، فلما أقلع عنها وانصرف، وشرب الماء وجاء وقتُ الثَّلْط، انقدَّ بطنه فخرج فيه نفسه. فهذا لما تكرّم بالإطعام، وحثَّ على الأكل، ورغَّب في الرغيب. وهذا الفعل يجمع إلى النّذالة قلّة الدِّين، وإلى اللُّؤم سُخف العقل. فالويل ثم الويل له. وكان إذا رأى ابن بندار يقول: جاءكم أسد الغَريف على الرَّغيف.

стр. 350

والرَّيّ جادة الدنيا، ومنهج المشرق والمغرب والجوّالين في الآفاق، فكان يكثر أهل الانتجاعمن كل صُقع، فلم يكن لأحد منهم عنده مَقيلُ ساعةٍ ولا مبيتُ ليلة، ولا زادُ مرحلةٍ ولا هشاشةٌ ولا بشاشة. وقد اجتاز به أبو إسحاق الفارسيّ، وكان من غلمان أبي سعيد السّيرافيّ، وكان قيّماً بالكتاب، وقرضِ الشّعر، وصنَّف وأملَى وشرَح، وتكلّم في العَروض والقوافي والمعَمَّى، وناقَضَ المتنبي، وحفظ الطِّم والرِّم فما زوَّده درهماً، ولا افتقده برغيف بعد أن أذِن له حتى حضره وسمِع كلامه وعرف فضله، واستبان سعته. قال الخليلي: وكيف يُرجى خيرُه، أو يُؤمَّل رُشده، أو يُساق طمعٌ إليه، أو يُوفَد ثناءٌ عليه، أو يُشَامُ له بَرق، أو يقطع دونه

стр. 351

خَرْق، وقد عقَّ أباه، وسعى في أول أيامه، حتى تبرّأَ منه ذلك الشِّيخ وهرب إلى خُراسان، واستُكْتِب هناك، ولُقّب بالعميد. وكتب إلى القاضي أصبهان كتاباً برئ منه فيه. وأما أروي قصّته في هذا المكان ليكون أذهَبَ في العجب. وكان عقوقه في وجه عجيب؛ جاء إلى ذخيراتٍ في مواضع ووضع يده عليها، وعرَّف صاحبه مكانها، وخطَّ خطوه عليها، وزَوَى ذلك كلّه عن شيخه وعن جميع كم كان له فيه نصيب، إما بحقّ الإرث أو بحقّ الهبة، حتى قامت قيامة ذلك الشيخ، فدعا عليه، وفضحه عند النّاس، وبَرِئ منه، وقدح في ولادته. والرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم القاضي، أطال الله بقاه، وأدام نعماه، أجلُّ محلٍّ من مواهب الله فيه وعوائده عنده، في الدّين والدنيا والعِصمة والخير والفضيلة،

стр. 352

وحسن التأتي في كل فضيلة، وجميل اللفظ في جميع الحكومة؛ ولي في الشكوى إليه ومُباثَّته، وذمّ الزمان عنده والاستعداء عليه لديه، استراحة وتخفيف للثقل، وتفرُّج من حَرَج الصّدر؛ وأنا المُتمسّك به تمسُّكي - كان - بالوالد والعمّ، واثق بأن نصيبي من شفقته تام، ومن مشاركته وافر، والله لا يُعْد مُنِيه، ويحفظني بمواصلة النِّعم عنده إليه بقُدرته. والكُلومُ - أعزَّ الله القاضي - ضُرُوب، والنّدوب فنون؛ وأعسَرها برءاً وأصعبها داء، وأعزّها دواء، ما جرحته يدُ القريب، وجلَبَته أفعال الأهل؛ فإن ذلك يصلِ إلى حبّة القلب، وصميم الفؤاد، ويصير قذَىً في إنسان العين، وشَجىً مُعترضاً في الحَلْق، ويتراكم على الأيام، ويتثكاثف على الدّهر، فيكون نَكْءُ القَرح بالقَرح أوجَع، ومتى تنفّس الممنوّ، وشكا المملوّ غيظاً وحَنَقاً اجتمع إليه من

стр. 353

عشيرته وأُسرته شيخ ضعيف، أو طفل صغير، أو امرأة باكية، أو عورة بادية، أو ذو قرابة؛ فاستغفر هذا واستفصَح، وسأل وتشفّع. ثم رُويت أخبار في قطيعة الرحم، وعُدّت آثار في صلة القُربى، فضاق النَّفَس، واشتدّ الحنق، وتجرّع هذا المظلوم الغيظ وصبر، وأَنِف واحتمل، واحتسب وعفّا وغفَر، والشرُّ عتيد، والبلاء يزيد، والطّبع أغلب، والعادة لا تنزع، والجاهل يُقلع. فهل دواءُ هذا، إذا اتصل وطال، وامتدّ وتتابع، وزاد وتضاعف، إلا الصَّريمة والإعراض، والقطيعة والانقباض؟ فدواءُ ما لا تشتهيه النّفس تعجيل الفِراق. وأنا - جعلني الله فِداء القاضي - ذلك الملآن المغتاظ الذي قد عِيلَ صبره وضاع حلمه، وضاقت نفسه، وقرحَ قلبه، ونضِجت كبِده، وقلَّت حيلته، وعظُمت بليته. وهذا الجاهل ابني، وما هو بابني، من انتهى بي إلى هذه الشكوى، وقصدني بهذه البلوى، وعقّني وخالفني، وبغى عليّ وباغضَني؛ وارتكب معي ما لا يحلّ، بعد أن ربّيته صغيراً، وأعززته كبيراً، وأوليته جميلاً، وأمْلَيته جسيماً، وصُنتُه شديداً، وحُطتُه دهراً

стр. 354

طويلا؛ وخضتُ دونه الأهوال، وقاسيت في حمايته الأغوال؛ أُجِمُّه وأتعب، وأُقلّده وأتعطَّل، وأُعزّه وأُذلّ، وأغتَرب ليُقيم، وأُنعمه وأشقى، وأتحمّل عنه ليرضى؛ فما يعرف لي حقاً ولا يتأتى، ولا يرعى ذِماماً ولا يهدي، ويتهنأُ مُتعرّضاً مستخفّاً بي، ولو أمنتُ ملال القاضي - أدام الله أيامه - لعددتُ مقابحه، وذكرتُ مساويه، ووصفتُ ما يرتكبه من عظائم، هي به متصلة وإليّ منسُوبة، أن أفزع من يسيرها، وأجزع من قليلها، ولا أُحب أن أراها وأُعاينها في جارٍ أو قريب. وقد زَجَرتُ ووعظتُ، وقلت وراسلت، وكاتبت وشافهت، وعاتبتُ وخاطبتُ، وشدّدت وهوّلت، ورغبت وأوجعت؛ وضربت الأمثال، وذكرت السِّير، وخوفت وحذّرت، فما انتفعت؛ وجرائمه تكثر، وجَرائره تغلُظ؛ ولا فضل فيّ، ولا احتمال معي، ولا بقية للإغضاء عِندي.

стр. 355

وغرضي في هذه المخاطبة، ومَغزاي من هذه الشكوى والمباثّة، أن يشهد القاضي أني بريء منه، قاطع له، عادل عنه، غير راضٍ بقوله ولا فعله، نازعُ ما ألبسته من بُنوّة، مُطَّرح له ديناً ودُنيا؛ ليس منّي ولا إليّ، قد تبَرّأتُ منه وصَرمته، ووكلته إلى اختياره، ورفعت عنه يدي، وأسلمته إلى الله ليأخذه بحقي، ويقبل به دعائي، ولا يحفظ عليه ما لم يحفظه عليَّ. اللهمَ اسمع واشهد، وكُن حسيب الظّالم، واحكم بيني وبينه، يا خير حاكم. وهذه شهادة لي عند القاضي يحفظها كما يحفظ إليه من حقوق عمله، فإنّي مُطالبه بها (يَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) وكفى بالله العليّ شهيداً. وهذه - أبقاك الله - رسالة تدلّ على قُرحةٍ دامية، وعين باكية هامية، ونفسٍ قد ولهت عمّا حلّ بها؛ وإن غُلاماً يُحوِج أباه إلى مثل هذه البَراءة والشكوى منه والتأَلُّم، لَغُلام سوء، والله أكرم من أن يحبره في الدنيا، وأن يُسعده في الآخرة.
следующие страницы →