Полный текст (547 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
آل عليّ بن هشام؛ وحتى الصُّولي بالأمس ذمَّ بعض بني المُنَجّم في رسالة له.
وحدثنا حمزة المصنّف عن أبي البغدادي قال: كتب أبو العَيناء إلى أحمد بن أبي دؤاد: أما بعد فالحمد لله الذي حبسك في جلدك، وأبقى لك الجارحة التي بها تنظر إلى زوال نعمتك، قال: وهي طويلة، قال: وقال أبو العَيْناء: لولا أن القدر يُعشي البصر، لما نهى ولا أمر، ومن غريب
стр. 72
هذا الفنَ رسالة لأبي العباس محمد بن يزيد في خبائث الحسن بن رجاء، ورأيت أيضاً رسالة للعمري في رقاعات الفضل بن سهل ذي الرياستين.
فأما الشعراء وأصحاب النظم، وأرباب المدح والهجاء، والثَّلب والحمد، والتشنيع والتَّحسين فهم كالطِّم والرِّم؛ لا يكسبون إلا بهذا المذهب، ولا يعيشون إلاّ على هذا الاختيار، ولهم الهِجاء المُنكر، والقول المُخزي، والقذْع المؤلم، واللفظ الموجِع؛ والتعريض الذي يتجاوز التصريح، والتصريح الذي يجمع كل قبيح، وأمرهم أظهر من أن يُدلّ عليه، وشأنهم أبينُ من أن يُردّد القول فيه.
وإنما المَدار الصّدق في القول، وعلى تقديم الحق في العقد، وقصد الصّواب عند اشتباه الرأي وغَلَبة الهَوى.
стр. 73
فأما قول أبي الحرث حمين وقد سُئل عمّن يحضُر مائدة محمّد ابن يحيى، وجوابه: الملائكة، قيل: إنما نسألك عمن يأكل معه، قال: الذُّباب فإن هذا من باب التملُّح والمجانة، وليس من قبيل الصدق في شيء؛ وإن كان بعض الصدق مشوباً، وبعض الحقّ ممزوجاً فلا بأس ولا حرج، فإن ذلك القدر لا يقلب الصدق كذباً، ولا يُحيل الحق باطلاً وأين المحضُ من كل شرٍّ، والخالص من كل خير؟ إنك
стр. 74
إن رُمت ذاك في عالم الكون والفساد، ودار الامتحان والتكليف، مع هذه الطبائع المختلفة، والعناصر المتمازجة، والأسباب القريبة، رُمت محالاً، ورائم المحال خابط، وطالب الممتنع خائب، ومُحاول ما لا يكون مَكْدود مُعَنّى، ومحدود مُعدّى، ومرجعه إلى النّدم، وغايته الأسف الذي يشجو النّفس، ويَمْرُس الفؤاد، ويُوجع القلب ويُضاعف الأسى، وربما أفضى إلى العطب.
قد ذكرنا - حاطك الله - جملة من القول رأينا تقديمها والاستظهار بها، قبل أخذنا فيما أنشأنا له هذا الكلام، قصداً لفلّ حدّ الطاعن، وحسماً لمادة الحاسد، وتعليماً للجاهل، وإرشاداً للمتحيِّر، واحتجاجاً على من يُدِلّ بحفظ اللسان، وكتمان السرّ، وطيّ القبيح، ومُسالمة الناس، واغتفار المنكر؛ وهو مع ذلك في قوله كالأسد في غيله، والنِّمر في أشِبِه، والثُّعبان في وِجاره، حتى إذا غُمِز غَمْزةً، أو وُخِز وَخْزَةً، رأيت معاقد حلمه مُتحللة، ودخائر صبره منتهية، وكظمه الذي
стр. 75
كان يُدلُ به مفقوداً، وجلده الذي كان يدعيه باطلاً؛ وما أكثر من يتكلّم - على السلامة من النفس والمال، وطيب القلب، ورخاء البال، وعند مواتاة الأمور، وطاعة الرجال، ومُساعدة المراد - بالحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، وبالنظر الدقيق، واللفظ الرقيق، حتى إذا التوت عليه حالٌ، وتعسّر دون مُراده أمر، وعرض في بعض مطالبه تعقُّد، سمعتَ له هناك زَخرةً ونخرةً، وضجرة، وكَفْرة، كأن لم يسمع بالحلم والتحلُّم، والصبر والتصبُّر؛ يخرج من فروته عارياً من الحلم والكظم، بادي السَّوأَة بالبذاء والجهل، كما يخرج الشَّعر من العجين، ولعلَّ ما نزل به وحلَّ عليه لم يرْزأَه زِبالاً ولا مسح عنه عِذاراً.
وهذا هو اللئيم الذي بلغك، والسّاقط الذي سمعت به والله تعالى يقول: (لاَ يُحِبُّ اللهَ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِمْ) ؛ وروى أصحابنا عن ابن عباس أنه قال: إلا مَن لَم يُكْرَم، في ضِيافتِه، فإن كان هذا التأويل صحيحاً، وهذا الوجه معروفاً، فأنا ذلك المظلوم،
стр. 76
ولا بد لمن ظُلم من أن يتظلّم، وكيف يكون المظلوم إذا انتصر ظالماً، والله يقول: (وَلِمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوُلئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) ، ولو كان المظلوم إذا تظلّم ظالماً، لكان الظالم إذا ظلم معذوراً؛ وكما هجّن الله لوم المُحسن، فكذلك حسَّن توبيخ المُسيء، وكما أثاب على تزكية من كان طاهراً، كذلك آجرَ على جرْح من كان مَدخولاً؛ ألا ترى أن التقرّب إلى الله بِعداوة أبي جهل، وذمِّه ولعْنه وذِكر لؤمِه وخَسَاسته، كالتقرب إلى الله بولاية أبي بكر ومَدحِهِ والترحُّم
стр. 77
عليه وذكر فضْله وبلائه ونُصرته؛ وهذا مُستمر في غير أبي جهل ممَّن عادى الله ورسوله صلى الله عليه، كما أنه مُستمر في غير أبي بكر ممن أطاع الله ورسوله؛ وإنما الأمور بعواقبها، والمذاهب بشواهدها، والنتائج بمقدماتها، كما أن الفروع بأُصولها، والأواخر بأوائلها، والسُّقوف بأساسها.
ولستُ أدّعي على ابن عبَّاد ما لا شاهد لي فيه، ولا ناصر لي عليه، ولا أذكر ابن العميد بما لا بيّنة لي معه، ولا برهان لدعوايَ عنده، وكما أتوخّى الحقّ عن غيرهما إن اعتراض حديثه في فضل أو نقص، كذلك أعاملها به فيما عُرفا بين أهل العصْر باستعماله، وشُهِرا فيهم بالتحلّي به، لأنَّ غايتي أن أقول ما أحطتُ به خُبرا، وخفظته سماعاً.
وسهلٌ عليَّ أن أقول، لم يكن في الأولين والآخرين مثلهما، ولا يكون إلى يوم القيامة من يَعْشِرهما اصطناعاً للنّاس، وحِلْماً عن الجُهّال، وقياماً بالثواب والعقاب، وبذلاً لقنْية المال، ولكلّ ذُخرٍ من الجواهر والعقد؛ وأنهما بلغا في المجد والذِّروة الشمّاء، وأحرزا في كل فضلٍ وعلم قَصَب السَّبق، وأن أهل الأرض دانُوا لهما، وأن النقص لم يشنهما بوجه من الوجوه، وأن العجز لم يَعْترهما في حال من
стр. 78
الأحوال؛ وأنهما كانا في شعار إمام الرافضة وعصمته المعروفة، وأن الاستثناء لم يقع في وصفهما في حالٍ، لا في الصناعة والمعرفة، ولا في الأخلاق والمُعاملة، ولا في الرياسة والسياسة، ولا في الأُبوّة، والعُمُومة، ولا في الأُمومة والخؤولة، وأن الولادة قرَّت على شرف المَحْتِد، والمنشأ جَرَى على كَرَم المَولِد؛ فالجوهر فائق في الأصل، والمجدُ عميم في الفرع، والنِّصاب مقوَّم بالقديم المذكور، والخير شامل في الحديث المشهور، والنجابة معروفة عند الوليّ والعدوّ، والعِرقُ نابض بكل فعل رضيّ، والغَور بعيد على المتأمل، والأمر كلّه عالٍ عن المتطاول، وأنه كما يُقال لهذا؛ ابن العميد لنبَاهة أبيه، كذلك كان يُقال لذاك ابنُ الأمين
стр. 79
لخير كثير كان فيه، أن العميد وإن كان مقدّماً في الكتابة، فقد كان الأمين معظَّماً في الديانة، والكِتابة صناعة تدركها الخُلوقة، والديانة حلية لا تزْداد إلا الجِدَة، وتلك الدنيا هي زائلة، وهذه الآخرة وهي باقية، والله تعالى يقول: (وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) ، (وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ) ؛ على أن الأمين كتَبَ لرُكن الدولة كما كتب
стр. 80
العميد لصاحب خراسان. والأمين كان ينصر مذهب الأُشْنانيّ تديُّناً وطلباً للزُّلْفى عند ربّه، والعميد كان يعمل لعاجلته؛ وإن قلتَ كان الأمين معلّماً بقرية من قُرى طالقان الدَّيلم، قيل: وكان والد العَميد نخّالاً في سوق الحنطة بقُمّ.
فدع هذا ونظيره، وأنك متى أردت أن تُحصي صنائع ابن العميد وابن عبّاد أردت عسيراً، ومتى أثرت أن تُحَصِّل فضائلهما حاولت ممتنعاً، وأنهما كانا بالسياسة عالمَيْن، ولأولياء نِعَمِهما ناصحين، وإلى الصَّغير والكبير متَحَبّبيْن، وعلى القاصي والداني حَدِبَيْن،
стр. 81
ولأموالهما باذلين، ولأعراضهما صائنين، وفي مرضاة الله دائبين، وعلى هدي أهل التُّقى جاريين، ومن كل دنسٍ ونطف بعيدين نزهين؛ وأنهما لو بقيا لنزَل عليهما الوحي، ولتجدّد بهما الشَّرع، وسقط بمكانهما الاختلاف، وزال بنظرهما ما فيه الأُمة من هذا العيش النَّكد، والشؤم الشّامل، والبلاء المحيط، والغلاء المتَّصل، والدِّرهم العزيز، والمكْسب الدَّنِس، والخوف الغالب، ولكانت الأرض تُخرج أثقالها، وتلفِظُ كنوزها، ويستغني من ألم الفقر أهلها، ومن فضيحة الحاجة أربابها، ويعود ذوي الدين ناضراً، وخامل المروَّة نَبِيهاً.
ولكن قد يسمع هذا الكلام مني من شاهدهما، وتبطّن أمرهما، وخبر حالهما وعرف ما لهما وما عليهما، فلا يتماسك عن زجري وخسائي وإسكاتي ومَقْتي، ولا يُنَهْنهه شيء عن مُقابلتي بالتكذيب واللّوم، ولا يجد بداً من أن يردّ قولي في وجهي، ولا يسعه إلا ذاك بعد ازدرائي وتجهيلي، ولا يلبث أن يقول: انظُروا إلى هذا الكذب الذي ألّفه، وإلى هذا الزُّور الذي فوّقه، والباطل الذي وصفه، والحقّ الذي دفعه
стр. 82
بسبب ثوب لعله أخذه، أو درهم ثنى عليه كفّه، أو حاجةٍ خسيسة قُضيت له؛ تبلغ قلّة الدين وسُوء النظر فيما يُتعقّب بالتقبيح والتحسين أنه يمدح واحداً مَقْروفاً بالزَّندقة والكُفر، ويُقرّظ آخر معروفاً بالإلحاد والسُّخف، ويصف بالجود من كان أبخل من كلب على عقي صبيّ ويدّعي العقل لمن كان أحمق من دُغَة؛ ومن أظلم ممن يصفالسفيه بالحصانة، واللئيم بالكرم، والمتعجرف بالأناة، والعاجز بالكفاية، والنّاقص بالزيادة، والمتأخر بالسّبق، والعنيف بالرِّفق، والبخيل بالسخاء، والوضيع بالعلاء، والوقاح بالحياء، والجبان بالغناء؟ فلا يكون حينئذٍ لقولي قابل، ولا لحُكمي ملتزم، ولا لنَصَبِي مرجوع، ولا لسعي نُجح، ولا لصوابي مُختار، ولا لحُدائي مستمع؛ وفي الجملة لا يكون لدعْواي مُصَدّق.
стр. 83
ولَعمري لو انقلبت عن ابن عبّاد - بعد قصدي له من مدينة السّلام وإناختي بفنائه مع شدّة العُدم والإنقاض، والحاجة المُزعجة عن الوطن، وصفْر الكفّ عما يُصان به الوجه؛ وبعد تردُّدي إلى بابه في غِمار الغادين والرائحين، والطامعين الرّاجين، وصبري على ما كلّفني نسخه حتى نشِبتُ به تسعة أشهرٍ خدمةً وتقرُّبا، وطلباً للجدوى منه، والجاه عنده، مع الضَّرع والتملُّق - ببعض ما فارقت من أجله الأعزَّة، وهجرت بسببه الإخوان، وطويت له المهامِه والبلاد، وعلى جزءِ مما كان الطّمع يُدندن حوله، والنفس تحلم به، والأمل يطمئن إليه، والناس يعذرونه ويحققونه، لكنت لإحسانه من الشاكرين ولإساءته من السَّاترين، وعند ذكره بالخير من المساعدين المصدقين، وعند قرفهِ بالسُّوء من الذّابّين الممتعضين. والشاعر يقول:
من يُعطِ أثمانَ المحامد يُحمَد
والآخر يقول:
والحمدُ لا يُشتَرى إِلاّ بأَثمان
стр. 84
والآخر يقول:
وإن المجدَ أَولُّه وُعور ... ومَصْدَرُ غِبّة كرمٌ وخِيرٌ
وإنك لن تنالَ المجدَ حتّى ... تجودَ بما يَضَنُّ به الضميرُ
بنفسِك أَو بملكك في أُمورٍ ... يَهاب ركوبَها الورَعُ الدَّثور
والآخر يقول:
والْحمدُ لا يُشتَرى إلا له ثَمن ... مما يَضَنُّ به الأَقوامُ معلومُ
والجودُ نافيةٌ للمال مُهلِكة ... والبُخْلُ مبق لأَهلِيه ومَذمُومُ
وقال الآخر:
ومن لا يَصُن قبلَ النّوافِذ عرضَه ... فيُحرزَه يُعْرَرْ به ويُحَرَّقِ
ومن يلتمِسْ حسْنَ الثناءِ بمالِهِ ... يَصُنْ عِرضَه من كل شنعاء مُوبِق
ولكنني ابتُليتُ به، وكذلك هو ابتُليَ بي، ورماني عن قوسه مُغرقا فأفرغتُ ما كان عندي على رأسه مغيظاً؛ وحرَمَني فازدَرَيته،
стр. 85
وخصّني بالخيبةِ التي نالت مني، فخصصته بالغيبة التي أحرقته، والبادي أظلم، والمنتصف أعذر؛ وكنت كما قال الأول:
وإِن لسَاني شَهدةٌ يشتَفَى به ... أَجَلْ وعَلَى مَن صَبَّه اللهُ علقَمُ
ولئن كان منعني ماله الذي لم يبق له، فما حظر عليَّ عرضه الذي بقي بعده، ولئن كنتُ انصرفت عنه بخُفَّي حُنين لقد لصق به من لساني وقلمي كل عارٍ وشَنَار وشَيْن، ولئن لم يرني أهلاً لنائله وبرّه، إني لأراه أهلاً لقول الحق فيه، ونثِّ ما كان يشتمل عليه من مخازيه، ولئن كان ظنَّ أن ما يصير إليّ من ماله ضائع، إني لأتيقّن الآن أن ما يتّصل بعرضه من قولي شاعر، والحساب يُخرج الحاصل من الباقي، والنَّظرُ يميّز الصحيح من السّقيم، والاعتبار يفرد الحق من الباطل، والمُنصف في الحُكم يعذِر المظلوم ويلوم الظالم، والشاعر يقول:
فإِن تَمنَعُوا ما بأيدِيكُمُ ... فلن تمنَعُونا إذَن أَن نَقولاَ
стр. 86
وقال آخر:
فيا قَوْمَنا لا تظْلِمُونا فإِنَّنا ... نَرَى الظُّلْم أَحياناً يُشِلُّ ويُعْرِجُ
ويَترُك أَعرَاضَ الرِّجال كأَنَّها ... فريسَة لحْمٍ ليسَ عَنها مُهَجْهِجُ
وقال آخر:
إنّ الذي يَقْبِض الدُّنيا ويَبْسُطُها ... إن كانَ أَغناك عَنّي فهْو يُغْنيني
ماذا عليَّ وإِن كنتُم ذوِي رَحِمي ... أَن لا أُحِبَّكُم إِذْ لم تُحِبُّونِي
يا قَوم إِن حَصاتي ذاتُ مَعْجَمَةٍ ... على العَدُوّ فخلّوهم وخَلُّونِي
وقال آخر:
لَئن طِبتَ نفساً عن ثَنائيَ إنني ... لأَطيَبُ نفساً عن نَداك على عُسْرِي
فلَستُ إلى جَدْواك أَعظَم فاقةً ... عَلَى شِدّة الإعسَارِ منك إِلى شُكْرِي
وروى الحَزَنْبَل عن أبي الأعرابي قال: مَدَح زياد
стр. 87
الأعجم بعض العمّال فحرمه ورأى لكنته فاستحقره، فدخل فأنشده:
وكنتُ إذا مَا عامِلٌ عَقَّ أُمَّه ... وَلم يَحْمها مِنِّي أَبحتُ حِمَاهُما
كسَوتُهما بُرْدَينٍ من يَمَنِيةٍ ... إذا أُلبِسَا كانَا بَطِيئاً بِلاَهُما
وأجهل الناس في ارتفاع منزلته، من ظنّ أنّ عِرضه في خفارة قُدرته، وأن المُقدم عليه مُتعرض لنكيره، وخير من هذا الظن أن يحتمل ألم مُفارقة المال ببعض الميسور، حتى لا يقرف بشيء لا غاسل له، ولا نافح عنه؛ ما الذي ربح اليزيدي حين آسد الشاعر الذي حرمه على نفسه حتى قال فيه شيئاً شافياً لغليله منه بما بقي على أُست الدهر، وذلك قوله:
بَنو اليَزيديّ في أدبارهم شعَرٌ ... قد شابَ ممّا عليه تُحلَبُ الكَمَرُ
أَمَّا حُبيْشَةُ منهم فهُو ممتَحَنٌ ... من البغاء بما لم يمتَحَن بَشَرُ
بوُدّه أَن كلَّ الناسِ من حُمُرٍ ... وكلَّ جَارحة في جِسْمِه ذَكَرُ
стр. 88
والله للخروج من الطّارف والتّالد أسهل من التعرّض لهذا القول والصبر عليه وقلّة الاكتراث به، ولهذا بكت العرب من وقع الهِجاء كما تبكي الثَّكْلى من النساء، وذلك لشرف نفوسها ونزاهتها عن كل ما يتخوَّن جمالها ويعيب فعالها.
ومما يُختَل به الرئيس ويَذهل عليه أنه ينظر إلى جماعة بين يديه قد أحسن إلى كلّ واحد منهم وقرّبه وأعطاه واختصّه بشيء وأنابه بحال، وإذا رأى واحداً بعد هؤلاء لا نباهة لقدره، ولا جهارة لمنظره، ولا شُهرة لاسمه ومنصبه حقَره، وثنى طرْفه عنه، وأغضاه دونه، ولم يهشّ لذكره ورؤيته، واعتقد أنه ليس بذي محلٍّ يبالي به، ولا يبين في غمار الباقين؛ أو يجب على ذلك المحروم أن يذكره بما هو أغلب عليه، وأشهر عنه، وأن يعدَّ نيل غيره كرماً قد عمَّ، وأن كان إخفاقه وحده لؤماً قد خص؟ وهذا موضع يُشكِل قليلاً، وتطول فيه الخصومة بين الآمل والمأمول، على أن الكرم والاحتجاج لا يجتمعان، واللُّؤم والاحتيال لا يفترقان؛ وقد ألمَّ الشاعر بطرف من هذا المعنى بقوله:
стр. 89
إِن تكلَّمتُ لم يكُن لكلامي ... موقعٌ والسكوتُ ليس بمُجْدِي
فأَبنِ لي أَكُلُّ هذا التواني ... في جَميع الإِخوان أَم فيَّ وحْدِي
أَم ترى ما اصطنَعته عند غيري ... واجب أَن أَعدَّه لك عِندي
والذي أقول غير محتشم ولا مراقب: أنّ السؤدد لا يكون إلا باحتمال خِصال من الصَّبر والحِلْم والتكَرُّم والبذل والعَطاء والتفقُّد، وهنّ أثقل مما يُعانيه الزائر بأمله، والفقير برجائه، والشاعر بطَمَعه، والمُنتجِع بزيارته؛ اللهم إلا أن يكون السّيد يجري في هذه الأخلاق والشِّيم على الهوى فيُعطي من كان روحاً عنده، وأحلى شمائل وألطف فضلاً، وأعبر قولاً، فهذا ليس عليه من ثقل السُّؤدد شيء، لأنه قد ميّز ما يخفّ عليه مما يثقل، وما يتصل بنفسه مما ينبو عنه، وما هذا السؤدد ما قال أبو الأسود الدِّبلي لعُبيد الله بن زياد: إنك لن
стр. 90
تسُود حتى تصبر على سرار الشيوخ البُخر، وهذا الكلام كالميل، وقال الشاعر،
لا تحسِب المجدَ تَمراً أَنت آكِلُه ... لن تِبْلُغَ المجدَ حتى تلعَقَ الصَّبِرا
وقيل لعديّ بن حاتم: مَن السيد؟ قال: الأحمق في ماله، الذّليل في عِرضه، المُطّرح لحقده، المعْنيّ بأمر جماعته؛ فليس يسود المرء إلا بعد أن يسهر من أول ليله إلى آخره فِكراً في قضاء الحقوق، وكفّ السَّفاه، وازدِراع المحبّة في القلوب، وبعث الألسنة على الشُكر؛ وفي الجملة من جهل حقك، فليس يلزمك أن تعترف بحقه، ومَن لم ينظر فيما لك عليه، لم يجب عليك أن تنظر فيما له عليك؛ وقد قال رسوله صلّى الله عليه: " لا خيْر لكَ في صُحبَة مَن لا يَرى لك مثلَ ما ترى له ".
وقد قيل تواضَع للمُحسن إليك وإن كان عبداً حبشياً، وانتصف
стр. 91
ممن أساء إليك وإن كان حُراً قُرشياً؛ ومن صفات الكريم ما قال الشاعر:
وإنّ الكريمَ من تلفَّت حولَه ... وإِن اللَّئيم دائمُ الطَّرْف أَقوَدُ
وقال آخر:
لَحا الله أكبانا زِناداً وشَرَّنا ... وأَيسَرنا عن عِرض والِده ذَبّا
رأيتُك لما نِلتَ مالاً وعَضَّنا ... زمانٌ تَرى في حدّ أنيابه سَغْبا
جعلتَ لنا ذنباً لتمنع نائلاً ... فأَمسِك ولا تجعَل غِناك لنا ذَنباً
وقال آخر:
نالَ الغِنا بعدَ فقْرٍ فاستغاثَ به ... كما استغاثَ بباقي ريقِه الشَّرِقُ
وإذا احتججتُ بالعيان في وصف هذين الرّجلين في الكرم واللؤم فقد رفعت المِرْية، وإذا أقمت الشاهد على الدّعوى فقد منعت من اللائمة، وإذا رأيت الضرورة فقد بلغت الغاية؛ وأيُّ خفقةٍ للقلب بعد اليقين، وأيُّ وحشةٍ للنفس بعد الاستصبار، أم أيُّ بقية على المُحتج إذا وصل البرهان، أم كيف يُستحيا في الحق وإن كان مُرّاً، أم كيف يُعتذَر من الصّدق وإن كان موجعاً.
هذا ما لا يُكلّفه حكيم، ولا يأمر به مُرشد، ولا يحثّ عليه ناصح.
стр. 92
وهذا مبدأ أخذي في حديث ابن عبّاد على ما يتّفق من تربيته ووضعه، غير آخذٍ في أُهبةٍ، ولا مُحتفلٍ بتقدِمة.
فأول ما أذكر من ذلك ما أدلُّ به على سَعَة كلامه، وفصاحة لسانه، وقوة جأْشه، وشدة مُنَّته، وإن كان في فحواه ما يدل على رقاعته وانتكاث مَريرته، وضعف حوله، وركاكة عقله وانحلال عقده.
لمّا رجع من هَمَذان سنة تسع وستين وثلاثمائة بعد أن فارق حَضرَة عضُدِ الدّولة استقبله الناس من الرَّيّ وما يليها، واجتمعوا بِساوَةَ، ودونها وفوقها، وكان قد أعدَّ لكل واحدٍ منهم كلاماً
стр. 93
يلقاهُ به عند رؤيته وأين كانوا يقعون منه، وأين كانوا يبيتون عندهُ؛ وهذا الذي ذهب به في الإعجاب والكِبر، وبعثه على احتقار الناس، وتركه في التّيهِ المُضلّ.
فأول من دنا منه القاضي أبو الحسن الهمذاني وهو من قرية يقال لها أَسَدآباد، فقال له: أيها القاضي! ما فارقتُك شوقاً إليك، ولا فارقتني وَجْداً عليك، ولقد مرَّت بعد ذلك مجالس كانت تقتضيك وتُحظيك وترتضيك؛ ولو شهِدتَني بين أهلها وقد علوتُهم ببياني ولساني وجدلي، لأنشدتُ قول حسّان بن ثابت في ابن عباس ورأيتني أولَى به منه، فإنَّ حسّان قال:
стр. 94
إذا ما ابنُ عبّاس بَدا لك وَجهُه ... رأيتَ له في كلّ مجمعة فضْلا
إذا قال لم يترُك مقالاً لقائل ... بملتَقَطاتٍ لا تَرى بينها فصْلا
كفى وَشفى ما في النُّفوسِ فلَم يَدَع ... لذي إِرْبةٍ في القَوْل جدّاً ولا هَزْلا
سَموتَ إلى العَلْيا بغيْر مشقةٍ ... فنِلتَ ذُراها لا دَنيّاً ولا وَغْلا
ولذكرت أيها القاضي قول الآخر وأنشدته: فإنه قال فيمن وقفَ موقفي، وقرفَ مقرفي، وتصرَّف مُتصرفي، وانصرف مُنصَرَفي، واغتَرف مُغْتَرَفي:
إذا قال لم يَترُك وَلم يَقِفْ ... لِعيٍّ ولَم يَثْنِ اللّسانِ على هُجْر
يُصَرّف بالقول اللّسانَ إذا انتَحى ... وينظرُ في أَعطافِهِ نظَرَ الصَّقْرِ
ولقد أودعت صدر عضد الدولة ما يطول به التفاته إليّ، ويُديم حسرته عليّ، ولقد رأى ما لم يرَ قبله مثله، ولا يرى بعده شكله؛ فالحمد لله الذي أوفدني عليه على ما يَسُر الوليّ، وأصدرني عنه على
стр. 95
ما يسوء العدوّ.
أيها القاضي كيف الحال والنفس، وكيف الإمتاع والأُنس، وكيف المجلس والدَّرس، وكيف القرص والجرْس، وكيف الدَّس والدعْس، وكيف الفرس والمَرْس وكاد لا يخرج من هذا الهذيان لتهيّجه واحتدامه، وشدة خَيلائه وغُلوائه. والهمذاني مثلُ الفارة بين يدي السِّنَّور قد تضاءل وقُمؤ لا يصعَد له نفَس إلاّ بنزع تذلُّلاً وتقلُّلاً، هذت على كِبره في مجلسه مع نذالته في نفسه.
ثم نظر إليّ الزَّعفرانيّ رئيس أصحاب الرأي فقال: أيها الشيخ! سرَّني لقاؤك وساءني عناؤك وقد بلغني عُدَواؤك وما خيَّله إليك خُيلاؤك وأرجو أن أعيش حتى يُردّ عليك غُلواؤك؛
стр. 96
ما كان عندي أنك تُقدم على ما أقدمت عليه، وتنتهي في عداوتك لأهل " العدْل والتوحيد " إلى ما انتهيت إليه؛ ولي معك - إن شاء الله - نهارٌ له ذيل، وليل يتبعه ليل، وثُبورٌ يتّصل به ويل، وقطْر يدوم معه سَيْل؛ (وَسَيَعْلَمُ الكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّار) .
قال الزَّعفرانيّ: " حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلً ".
ثم أبصرَ أبا طاهر الشيخ الحنفي فقال:
أيها الشيخ! ما أدري أأشكوك أم أشكو إليك، أما شكواي منك فلأنّك لم تكاتبني بحرف، حتى كأنّا لم نتلاحظ بطرف، ولم نتحافظ على إِلف، ولم نتلاق على ظرف؛ وأما شكواي إليك فهو أنّي ذممتُ الناس بعدك، وذكرت لهم عَهْدك، وعرضت بينهم وُدَّك، وقدحت عليهم زَنْدك، ونشرت عندهم غرائب ما عندك؛ فاشتاقوا إليك بتشويقي، واستصْفَوك بتزْويقي، وأثنَوا عليك يتنميقي وترويقي؛ وهكذا عمل الأحباب إذا تناءت بهم الرّكاب، والتوَت دونهم الأعناق، واضطرمت في صدورهم نارُ الاشتياق.
стр. 97
فالحمد لله الذي أعاد الشعب ملتئماً، والشمل منتظماً، والقلوب وادعة، والأهواء جامعة؛ حمداً يتّصل بالمزيد، على عادة السادة مع العبيد، عند كل قريب وبعيد.
ثم التفت إلى ابن القطّان القزويني الحنفي، وكان من ظرفاء العلماء، فقال: أيها الشيخ! كدت والله أحلم بك في اليقظة، وأشتمل عليك دون الحفظة، لأنك قد ملكت ني غاية المكانة والحظوة؛ والله ما أسَغتُ بعدك ريقاً إلاّ على جَرَض، ولا سلكتُ دونك طريقاً إلا على مضَض، ولا وجدتُ للظَّرف سوقاً إلاّ بالعرض. سقى الله ربعاً أنت ساكنه بنزاهتك، وطبعاً أنت طابته ببراعتك، ومغرساً أنت نبْعُه بنباهتك، وأصلاً أنت فرعه بفقاهتك.
وقال للعباداني: أيها القاضي! أيَسُرُّك أن أشتاقك وتسلو عني، وأن أسأل عنك فتنسلّ
стр. 98
مني، وأن أُكاتبك فتتغافل، وأُطالبك بالجواب فتتكاسل؛ وهذا ما لا أحتمله من صاحب خُراسان، ولا يطمع منّي فيه ملك بني ساسان؛ متى كنتُ منديلاً ليد؟ ومتى نزلت على هذا الحدّ لأحد؟ إن انكفأتَ إليّ بالعُذر انكفاء، وإلاّ اندرأت عليك بالعذل اندراء، ثم لا يكون لك معي قرار بحال، ولا يبقى لك بمكاني استكثار إلا على وبالٍ وخبال.
ثم طلع أبو طالب العلوي فقال: أيها الشريف! جعلت حسناتك عندي سيئات، ثم أضفت إليها هَناتٍ بعد هنات، ولم تفكر في ماضٍ ولا آت، أضعت العهد وأخلفت الوعد، وحققت النحس وأبطلت السَّعد؛ وحُلت سراباً للحيران، بعد ما كانت شراباً للحرَّان، وظننت أنك قد شبعت مني، أو اتعضت عني، هيهات! وأنَّى لك بمثلي، أو بمن يعثر في ذيلي، أو له نهارٌ كنهاري أو ليلٌ كليلي؟
وهَل عائضٌ مِنّي، وإِن جلَّ، عَائضُ
أنا واحد هذا العالم، وأنت بما تسمع عالم؛ لا إله إلا الله، وسبحان الله.
أيها الشريف! أين الحق الذي وكَّدناه أيام كادت الشمس عنا تزول؟ والزَّمان علينا يصول، وأنا أقول، وأنت تقول، والحال
стр. 99
بيننا يحول؟ سقى الله ليلة تشييعك وتوديعك، وأنت متنكر تنكراً يسوء الوليّ، وأنا مفكّر تفكّراً يسُرّ العدو، هذا ونحن متوجهون إلى ورامين خوفاً من ذلك الجاهل المهين، يعني بالجاهل المهين ذا الكفايتين حين أخرجه من الريّ بعد أن ألَّب عليه وكاد يُؤتى على نفسه الخبيثة، وهو حديث له فَرْش، وما أنا بصدده يمنع من اقتصاصه، ولعله يجري على وجهه فيما بعد؛ ولقد ظلم بقوله، وكان بالجهل والمهانة أحقّ، وسيَمر ما يدل على قولي ويُصحّح حكْمي، ويبيّن لك أنه لم يكن معه إلا الجدُّ المساعد فقط، وباقي ذلك تشبُّع وإيهام وتمويه وكذِب وبَهْتٌ ووقاحة.
ثم نظر إلى أبي محمد كاتب الشروط فقال: أيها الشيخ! الحمد لله الذي كفانا شرّك، ووقانا عُرَّك، وصرف عنّا ضُرَّك، وأرانا فيحك وحرَّك؛ دببت الضرّاء إلينا، ومشيت الخَمَر علينا، ونحن نَحيسُ لك الحَيس ونصفك باللَّبابة والكَيس، ونقول
стр. 100
ليس مثله ليس، وأنت خلال ذلك تقابلنا بالوَيْح والوَيْس؛ لولا أنك قَرحان لسقط العَشَا بك منّا على سِرحان.
وقال لابن أبي خراسان الفقيه الشافعي: أيها الشيخ! ألغيتَ ذكرنا عن لسانك، واستمررت على الخلوة بإنسانك، جارياً على نسيانك، مُستهتراً بفتيانك وافتنانك، غير عاطفٍ على إخوانك وأخدانك؛ لولا أنني أرعى قديماً قد أضعته، وأُعطيك من رعايتي ما قد منعته، لكان لي ولك حديث، إما طيّب وإما خبيث؛ خلَّفتك محتسباً فخلفت مكتسباً، وتركتك آمراً بالمعروف فلحِقتُك راكباً للمنكر، قد يفيل الرأيّ ويخيب الظن، ويكذب الأمل، وقد قال الأول:
أَلا رُبَّ من تغتَشُّه لك ناصِحٌ ... ومؤتَمنٍ بالغَيْب وهو ظَنِين
ثم نظر إلى الشادياشي فقال:
стр. 101
يا أبا عليّ! كيف أنت وكيف كنت؟ فقال: يا مولانا
لا كنتُ إِن كنت أدري كيف كنت ولا ... لا كنتُ إن كنتُ أَدري كيف لم أَكن
فقال: أغرب يا ساقط يا هابط، يا من يذهب إلى الحائط بالغائط، ليس هذا من نحت يدِك ولا هو مما نشأَ من عندك، هذا لمحمد بن عبد الله بن طاهر، أوله:
كتبت تسأَل عني كيف كنتُ وما ... لاقيت بعدك من غمّ ومن حَزَنِ
لا كنتُ إِن كنتُ أَدري كيف كنتُ ولا ... لا كنتُ إِن كنتُ أدري كيف لم أَكنِ
وكان ينشد وهو يلوي رقبته، ويجحظ حَدَقته، ويُنزي أطراف منكبه ويتسايل ويتمايل، كأنه (الَّذِي يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) .
ثم قال: يا أبا علي! لا تُعوِّل على اير في سراويل غيرك، لا ايرَ إلا ايرٌ تمَطّى تحت عانتك، فإنك إن عولت على ذلك خانك وشانك وفضح خانك ومَانَك.
стр. 102
ثم نظر إلى غلامٍ قد بقل وجهه كان يُتَّهم به على الوجه الأقبح، فالتوى وتقلقل، وقال: ادْنُ يا بُنيّ! كيف كنت؟ ولم حملت على نفسك هذا العناء؟ وجهُك هذا الحسن لا يبتذل للشحوب، ولا يُعرض لِلَفحات الشمس بين الطلوع والغروب، أنت يجب أن تكون في بِذْلة بين حجَلةٍ وكِلّةٍ، تُزاح بك العلّة، وتُعلا فيك القُلّة، وتُشفى منك الغُلَّة.
هذا آخر حديث الاستقبال، وقد حذفت منه أشياء كثيرة من رقاعاته، لأنَّ الغرض غير مقصور على فنٍّ واحد من حديثه.
وقال يوماً في دار الإمارة لفَيْرُوزَان المجُوسي، وكان الخرائطيّ حاضراً، في شيء نابذه عليه؛ إنما أنت مجش محش لا تهش ولا تبش ولا تَمْتِش.
стр. 103
فقال له فيروزان: أيها الصّاحب! برئت من النار إن كنت أدري ما تقول، إن كان من رأيك أن تشتمني فقُل ما شئت بعد أن أعلم، فإن العِرض لك، والنَّفس فِداؤك، لست من الزّنج، ولا من البربر، ولا من الغُزّ، كلِّمنا بما نعقل على العادة التي عليها العمل؛ والله ما هذا من لُغة آبائك الفُرس، ولا لغة أهل دينك من هذا السَّواد؛ فقد خالَطْنا الناس فما سمعنا منهم هذا النَّمط، وإني أظن أنك لو دعوت الله بهذا الكلام لما أجابك، ولو سألته لما أعطاك، ولو استغفرت الله به ما غفر لك؛ وحقيق على الله ذلك.
فقال الخرائطيّ: أيها الصاحب! والله لقد صدق فلا تغضب، فليس كل من وثق بأنه لا يُراجع في قوله رَكِب ما يُحَمَّقُ فيه شاهداً أو غائباً.
فقام عنهما خَزْيان يُردّد ريقه حِقداً عليهما، وكان ذلك سبباً كبيراً في فساد أمرهما.
وقلتُ للزّعفراني الشاعر، وكان من أهل بغداد: اصدُقني أيها
стр. 104
الشيخ عن هذا الإنسان، كيف وجدته في طول ما عجمت عودَه، وتصفّحت أخلاقه، وخبرت دِخلته.
فقال: وجدته كليل الكرم، حادّ اللؤم، رقيع الظاهر، مُريب الباطن، دنِس الجيب، مُثرياً من العيب، كأنه خلق عبثاً مما مُلي خُبثاً؛ سفهه ينفي حكمة خالقة، وغِناه يدعو إلى الكفر برازقه؛ وأنا أستغفر الله من قولي فيه ونفاقي معه؛ ولعن الله الفقر فهو الذي يُحيل المروءة، ويقدح في الديانة؛ ولو كان لي ببغداد قوتٌ يحفظ عليَّ ماء الوجه ما صبرت على هذا الرّقيع البارد المطاع ساعة، ولكن ما أصنع قد قلّبت أمري ظهراً لبطن، مالي إلى الرزق باب إلاّ منه، وأنشد:
وَالرّزق كالوَسميّ رُبَّتَما عَدا ... روضَ القَطا وسقَى مَهامِه جِلّقِ
فإذا سمعت بحوَّّلٍ متأَله ... متأَدب فهو الذي لم يُرزَقِ
والرِّزقُ يخطيء بابَ عاقل قومه ... ويَبيتُ بَواباً لبابِ الأَحمقِ
وأنشد أيضاً:
الرّزقُ قد يأتيك في وَقتِه ... والحرصُ لا يُغني ولا يُجدي
كم قاعدٍ يبلغ مأْمولَه ... وَطالبٍ مضطرب يُكدي
فاسترزِق الرازقَ مِن فضلِه ... وارضَ بما يُوليك من رفدِ
стр. 105
وثِق بإِحسانٍ له واسعٍ ... فهكذا عاداتُه عندي
وأنشد القرمسيني قال: أنشدنا عليُّ بن سليمان الأخفش لشاعر:
قد يُرزَق المرء لم تتعَب رواحلُه ... ويُحرم الرزقَ من لم يُؤتَ من تَعَب
يا ثابتَ العقل كم عايَنْتَ ذا أَدب ... الرزقُ أَعدَى له من ثابت الجَرَب
وإِنني واجدٌ في النّاس واحدةً ... الرزقُ والنُّوكُ مقرونان في نسب
وخصلةً قلَّ فيها من يُنازِعُني ... الرزقُ أَروَغُ شيءٍ عن ذوِي الأَدبِ
وقلت للمسيَّبي: ما قولك في ابن عباد؟
فقال: له في الخلاعة قرآن مُعجر، وفي الرّقاعة آية مُنزلة، وفي الحسد عرق ضارب، وفي الكذب عارٌ لازب؛ لا ينزع عن المساوي إلا مَلَلا، ولا يأتي الخير إلا كسلاً؛ ظاهره ضلالة، وباطنه جهالة، وليس له في الكرم دلالة، ولا في الإحسان إلى الأحرار آلة؛ فسبحان من خلقه غيظاً لأهل الفضل والأدب، وأعطاه فيضاً من المال والنشب! وقلت لأبي بكر الخوارزمي الشاعر، وكان قد خَبَره:
стр. 106
كيف وجدت الصاحب، وقد أعطاك وأولاك وقدَّمك وآثرك، وسفر لك إلى عضد الدولة، وهو اليوم شاه الملوك، حتى ملأتَ عيابك تِبراً، وحقائبك ثياباً، ورواحلك زادا؟ فقال: دعني مما هنالك، والله إنه لخواز في المكارم، صبار على الملائم، زحّاف إلى المآثم، سمّاع للنمائم، مِقدام على العظائم؛ يدعو إلى " العدل والتوحيد "، ويدّعي " الوعد والتخليد "، ثم يخلو باستعمال الأُيُور، ويشتمل على الفسوق والفجور، ويُمسي وهو بُور ويُصبح وما على وجهه نور.
وكان الخوارزمي من أفصح الناس، ما رأينا في العجم مثله، وإنما نوَّله الصاحب ما نوّله، وخوّله ما خوّله، لأنه كان أذكاه عيناً على محمد بن إبراهيم صاحب الجيش بنيسابور، واستملى فيه أخبار المشرق، وبهذا
стр. 107
المعنى استدرَّ له من ملِك بغداد بوساطة ابن يوسف، وكان الظاهر أنه إنما يعطيه لأدبه، ويجيزه لشعره، ويصطفيه لفضله.
ولقد قات للزعفرانيّ: أرى الخوارزميّ سيّءَ الرأي في ابن عبّاد مع ما يصل إليه منه، فما السبب؟ فقال: ابن عبّاد سيءُ السياسة لصنائعه، وذلك أنه يعطي الإنسان عطية ما، ثم يبلوه بجفاءٍ يتمنّى معه لَقْط النّوى من السِّكك، والمصطنع الكريم هو الذي يكون اصطناعه بلسانه فوق اصطناعه بيده؛ وإني أحدثك ببعض ما عامل به الخوارزمي ليصحّ لك القياس عليه، والتعجب منه.
حضر الخوارزمي يوماً، وجرى حديث القَافة، فقال الخوارزمي:
стр. 108
دخل محرز المدْلجيّ على رسول الله صلى الله عليه ونظر إلى أقدام أُسامة، وزيد، فقال: هذه أقدامٌ بعضها من بعض، وصحّف البائس كما يُصحّف الناس، العلماء فمن دونهم، وكان ابن عبّاد على بركة، فما زال يدور حول البركة وهو يصفع الخوارزمي ويقول: محرز؟ بحياتي؟ إلى أن رعَف الخوارزمي فتنحى وخرج.
فهذا وما داناه هو الذي كان يُفسد به ما يفعله من الخير والبر.
وحدّثني بذكْوِ أبي بكرٍ عيناً بخراسان أبو الطيب النصراني، وكان علي السرِّ عند مؤيّد الدولة وكان يعرف من مخازي ابن عبادٍ عجائب؛ سمعته يقول: لو بُحتُ بما في نفسي من حديث هذا المأبون لتصدَّع الجبل، ولتقلّع الجَندَل.
стр. 109
وكان ابن عبّاد شديد السفه عجيب المناقصة، سريع التحوّل من هيئة إلى هيئة، مُستقبلاً للأحرار بكل فرْية وفاحشة؛ كان يقول للإنسان الذي قد قدم عليه من أهل العلم: تقدّم يا أخي! وتكلّم، واستأنس، وافترِح، وانبسِط، ولا تُرع، واحسبني في جوف مرقعة، ولا يهولك هذا الحشم والخدَم، وهذه الغاشية والحاشية، وهذه المرتبة والمسْطَبة، وهذا الطارق والرِّواق، وهذه المجالس والطنافس؛ فإن سلطان العلم فوق سلطان الولاية، وشرف العلم أعلى من شرف المال، فليفرح روعك ولينعم بالُك، وقُل ما شئت، وانصُر ما أردت، فلست تجد عندنا إلا الإنصاف والإسعاف والإتحاف والإطراف، والمقاربة والمواهبة، والموانسة والمقابسة، وعلى هذا التنزيل، ومن كان يحفظ ما يهذي به في هذا وغيره؟ حتى إذا استقى ما عند ذلك الإنسان بهذه الزّخارف والحيل، وسال الرجل معه في حدُوره على مذهب الثّقة، وركب في مناظرته،
стр. 110
وردعه وحاجّه، وراجعه وضاجعه وشاكعه ووضع يده على النكتة الفاصلة، والأمر القاطع تنمَّر له، وتنغّر عليه، واستحصد غضباً وتلظّى لهباً وقال بعد وثبتين أو ثلاث: يا غلام! خذ بيد هذا الكلب إلى الحبس، وضعه فيه بعد أن تصبّ على كاهله وظهره وجنبيه خمس مئة عَصا؛ فإنه مُعاند ضدّ، يحتاج إلى أن يُشدّ بالقِدّ، ساقط هابط، كلبٌ نبّاح، متعجرف وقَاح؛ أعجبه صبري، وغرّه حلمي، ولقد أخلف ظني، وعدت على نفسي من أجله بالتوبيخ، وما خلق الله العصا باطلاً، ولا ترك خلقه هاملاً.
فيُقام ذلك البائس على هذه الحال التي تسمَع، على أن مسموعك دون مُشاهدتك لو شاهدت، ومن لم يحضر ذلك المجلس لم يرَ منظراً رفيعاً ورجلاً رقيعاً؛ وقد عامل بما وصفتُ الحريري غلام ابن طرارة
следующие страницы →