الأخير الذي سماه الزركشي لعبا، لأنهم لم يقيموا على صحتها دليلا يصح الاعتداد به.
الثالث: لا بدَّ أن يسلم ذلك الدليل -الصارف- عن المعارض، وإلا فإذا قام دليل قرآني وإيماني يبين أن الحقيقة مراده امتنع تركها.
ثم إن كان هذا الدليل قاطعاً لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهراً فلا بدّ من الترجيح (١).
وقد تأمَّل أهل السنة في النصوص التي زعم أهل التأويل وجوب تأويلها، فوجدوا أن في النصوص نفسها ما يدل على وجوب ترك تأويلها، فمن ذلك الحديث الذي يدَّعون رفعه إلى النبي ﷺ : ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض)).
ومنه الحديث ((قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن)).
ومنه قوله ﷺ :
стр. 37
((عبدي جعت فلم تطعمني ...)).
وقد بين العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- أن في الحديث الأول ما يدل صراحة على أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه، لأنه قال: ((فمن قبَّله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه)).
ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به.
ففي الحديث نفسه بيان أن مستلمه ليس مصافحاً لله، وليس هو نفس يمينه، فليس ظاهر الحديث كفراً يحتاج إلى تأويل، كما جعلته المؤولة، بحيث يحتاج إلى تأويله.
وقد نبه شيخ الإسلام إلى أن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً، وإنما يعرف عن ابن عباس.
وأما قوله ﷺ : ((قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن))، فإنه غير محتاج إلى تأويل، فالمؤولة زعموا أنه يلزم تأويله (لاستحالة
стр. 38
وجود الأصبعين حساً، وكل من فتش عن صدره لم يشاهد فيه أصبعين، فأولوه على ما به تقليب الأشياء، وقلب الإنسان بين لمة الملك ولمة الشيطان، وبهما يقلب الله القلوب، فكنى بالأصبعين عنهما) (١).
ولو تأمل هؤلاء في النص لعلموا أنهم أخطئوا في الفهم، فالحديث يصرح أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، ولم يصرح بأن الأصابع مماسة للقلوب، فجعلهم ظاهر النص أنها مماسة للقلوب، وأن عدم رؤيتهم لهذه المماسة في صدر كل واحد منا يوجب التأويل فهم خاطئ للنص، فالنص لم يصرح، وليس فيه أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوف العباد، وإذا قيل السحاب مسخر بين السماء والأرض، وكثير من الكواكب والنجوم بين السماء والأرض لم يقتض هذا أن يكون مماس للسماء والأرض.
стр. 39
فالمؤولون أوتوا في هذا الحديث من عدم فقههم له، بينما كان خطؤهم في الحديث الأول في جعل ظاهره المعنى الباطل المردود، وهو ليس كذلك (١).
ومما أوله المؤولون من النصوص زاعمين وجوب تأويله حديث ((عبدي جعت ولم تطعمني)). قالوا هذا الحديث يُثْبت لله معنى باطلاً هو الجوع، ولذا يجب صرفه عن ظاهره وتأويله، لأن الله منزه عن صفات النقص.
والجواب: أن هذا الذي زعمتموه ظاهر النص ليس بظاهره، وفي الحديث ما يدل على هذا ويفسر مراد الله منه، ففي الحديث: ((يقول الله: عبدي، جعت فلم تطعمني.
فيقول: رب، كيف أطعمك، وأنت رب العالمين؟
فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي.
стр. 40
عبدي، مرضت فلم تعدني.
فيقول: رب، كيف أعودك، وأنت رب العالمين؟
فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض، فلو عدته لوجدتني عنده)).
يقول ابن تيمية: (هذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبده، وجاع عبده، فجعل جوعه جوعه، ومرضه مرضه، مفسراً ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده، فلم يبقى في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل) (١).
الرابع: أن الرسول ﷺ إذا تكلم بكلام، وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته، فلا بدَّ أن يبين لأمته أنه لم يرد به حقيقته، وأنه أراد مجازه، سواء عينه أو لم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم، دون
стр. 41
عمل الجوارح.
فإن الله سبحانه جعل القرآن نوراً وهدىً، وبياناً للناس، وشفاء لما في الصدور، وأرسل الرسول ليبين للناس ما نزل إليهم، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل) (١).
فلا يجوز أن يتكلم بكلام يريد به خلاف ظاهر، إلا وقد نصب دليلاً يمنع من حمله على ظاهره.
إما أن يكون عقلياً ظاهراً مثل قوله: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد: أتيت من جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك ﴿خالق كل شيء﴾ يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل في هذا العموم.
стр. 42
أو سمعياً ظاهراً، مثل الدلالات في الكتاب والسنة والتي تصرف بعض الظواهر.
ولا يجوز أن يحيلهم على معنى دليل خفي لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان سمعياً أو عقلياً.
لأنَّه إذا تكلَّم بالكلام الذي يفهم منه معنى، وأعاده مراراً كثيرة، وخاطب به الخلق كلّهم، وفيهم الذكي والبليد والفقيه وغير الفقيه، وأوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه، ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب عليهم أن لا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئاً من ظاهره، لأن هناك دليلاً خفياً يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره كان ذلك تدليساً وتلبيساً، وكان نقيض البيان وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان.
فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهرة أقوى بدرجات من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد؟
стр. 43
كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة؟ (١).
مثال تطبيقي للشروط السابقة
وإذا نظرنا في تأويلات الذين أوّلوا الصفات في ضوء المقامات الأربعة التي ذكرها شيخ الإسلام تبين لنا مدى الضلال والتحريف الذي تلبس به المؤولة.
وقد ذكر لنا شيخ الإسلام مثلاً يوضح المسألة ويبينها، فالله ﵎ وصف نفسه بأن له يدين، وجاءت النصوص كثيرة طيبة مصرحة بذلك، فقالت المؤولة: المراد باليد النعمة والعطية، سمّي الشيء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات سماء، وقول العربي: لفلان عندي أياد.
وجاء في الأخبار أن عروة بن مسعود قال لأبي
стр. 44
بكر في يوم الحديبية: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.
وقد تفسر المؤولة اليد بالقدرة، تسمية للشيء باسم مسببه، لأن القدرة هي التي تحرك اليد، ومنه قوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ والنكاح كلام يقال.
وإنما معناه أنه مقتدر عليه.
والعرب قد تجعل إضافة الفعل إلى الأيدي إضافة الفعل إلى الشخص نفسه فمما جاء عن العرب: يداك أو كتا، وفوك نفخ، تقوله توبيخاً لكل من جرَّ على نفسه جريرة، لأن أول ما قيل هذا لمن فعل بيديه وفمه.
ومما جاء في القرآن على هذا النحو قوله تعالى: ﴿ذلك بما قدمت أيديكم﴾ أي بما قدمتم، لأن بعض ما قدموه كلام تكلموا به.
стр. 45
من هنا حمل المؤولون قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ وقوله مؤنبا إبليس ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ على النعمة أو القدرة.
وقد نظر شيخ الإسلام في هذه الصفة التي أولها الجهمية ومن سار سيرهم في ضوء المقامات التي ذكرها ليبين فساد هذا التأويل.
فبين أولاً أن العرب قد تستعمل الواحد في الجمع كقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ كما تستعمل صيغة الجمع في الواحد كقوله: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ وتستعمل الجمع في الاثنين كقوله: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ ولكن
стр. 46
العرب لا تستعمل لفظ الواحد في الاثنين، والاثنين في الواحد مطلقاً، وقد جاءت هذه الصفة مثناة فيما وصف الله به نفسه ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ وقد بين شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى- السبب في عدم جواز استعمال الواحد في الاثنين، والاثنين في الواحد فمن هذه الألفاظ عدد، وهي نصوص في معناها، ولا يتجوز بها، فلا يجوز أن يقال: عندي رجل، ويعني رجلين، وعندي رجلان ويعني به الجنس لأن اسم الواحد يدل على الجنس ... ، والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد.
فقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ لا يجوز أن يراد به القدرة، لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد، ولا يجوز أن يراد به النعمة، لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر
стр. 47
عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية.
ولا يجوز أن يراد بقوله ﴿لما خلقت بيدي﴾ "بما خلقته أنا", لأن العرب إذا أرادوا هذا المعنى فإنهم يضيفون هذا المعنى إلى اليد, فيكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفاعل كقوله ﴿بما قدَّمت يداك﴾ ﴿بما قدمت أيديكم﴾ ومنه قوله: ﴿مما عملت أيدينا أنعما﴾ أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدّى الفعل إلى اليد بحرف الباء كما هو الحال في هذه الآية ﴿لما خلقت بيدي﴾ فإنه نص في أنّه فعل الفعل بيده.
ولهذا لا يجوز أن يقال لمن تكلم أو مشي: فعلتَ هذا الفعل بيديك، أو يقال: هذا فعلته يداك،
стр. 48
لأن مجرد قوله: فعلتَ كاف في الإضافة إلى الفاعل.
فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة.
ويكاد يجزم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بأنه لا يجوز في كلام العرب ولا العجم أن فصيحاً يقول: فعلت هذا بيدي. أو فعل فلان هذا بيديه، إلا ويكون فَعَلَه بيده حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها.
ولا يرد على هذا الذي قرره شيخ الإسلام مثل قوله تعالى: ﴿ألقيا في جهنم كل كفار عنيد﴾، قالوا: خاطب الواحد بصيغة التثنية ﴿ألقيا﴾ لأن تثنية الفاعل هنا لتثنية الفعل، فكأنه قال: ألق ألق. وقيل: إنّه خطاب للسائق والشهيد.
ومن قال: إنه خطاب الواحد، قال: إن الإنسان
стр. 49
يكون معه اثنان أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقول: خليلي، خليلي. ثم إنه يقع الخطاب، وإن لم يكونا موجدين، كأنه يخاطب موجدين.
فقوله: ﴿ألقيا﴾ عند هذا القائل إنما هو خطاب لاثنين يقدر وجودهما.
وبين شيخ الإسلام في المقام الثاني أنه على فرض أنه يعني باليد حقيقة اليد، ويجوز أن يعني بها القدرة والنعمة، وأن يجعل ذكرها كناية عن الفعل فإنه ليس هناك ما يوجب صرفها عن الحقيقة.
فإن قيل: إن الموجب لذلك أن إطلاق اليد على الله يوهم أنها يد من جنس أيدي المخلوقين.
والجواب: أن هذا المعنى مرفوض وممتنع على الله تعالى، ولكن اليد المثبتة للباري ﵎ يد تليق بجلاله وكماله، تستحق ما تستحقه ذاته الكريمة، فإذا كان هذا المعنى الذي نثبته لله تعالى،
стр. 50
فلا موجل لصرف اليد من الحقيقة إلى المجاز.
وفي المقام الثالث أورد شيخ الإسلام الأدلة الجلية القاطعة الظاهرة الدالة على أن لله "يدين" حقيقة.
فمن ذلك قوله تعالى مخاطباً إبليس: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ فالباري جلّ وعلا ذكر هنا ما فضل به آدم على غيره من المخلوقات، فقد خلقه ﵎ بيديه، فلو كان الخالق ﵎ خلقه بقدرته أو بنعمته أو بمجرد إضافة خلقه إليه، لشاركه في ذلك إبليس وكل المخلوقات من الجماد والنبات والحيوان.
ونبه شيخ الإسلام هنا إلى أن كلَّ إضافة إلى الله ﵎ على وجه التشريف لا بدّ أن يكون فيها معنى تشرف به على غيرها، كقوله: (ناقة الله) و (بيت الله)، فلو لم يكن في الناقة والبيت من
стр. 51
الآيات البينات ما امتازوا به على جميع النوق والبيوت لما استحقا هذه الإضافة.
ومن هذا النصوص التي صرحت بخلق آدم بيديه توجب أنه اختص بشيء لم يشركه فيه غيره، ألا وهو خلقه ﵎ بيديه دون غيره من المخلوقات التي خلقها بكلمة "كن".
ونبه أيضاً إلى أمرين:
الأول: أن العرب تفقه من مثل قوله تعالى: ﴿بيد الملك﴾ ﴿مما عملت أيدينا﴾ أمرين:
إثبات اليد.
إضافة الملك والعمل إلى اليد.
الثاني: هو الذي يقع التجوز كثيراً.
ولكنهم لا يطبقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة فلا يقولون:
стр. 52
يد الهوى، ولا يد الماء فقوله تعالى: ﴿بيده الملك﴾ وإن قيل المراد به قدرة الله، إلا أن هذا التعبير لا يقال إلا لمن له يد حقيقة.
والأمر الثاني الذي نبه إليه هو الفارق بين قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ وقوله: ﴿مما عملت بأيدينا﴾.
فقد فرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أنه في الآية الأولى أضاف الفعل إلى نفسه، وبين أنه خلقه بيديه، وفي الثانية أضاف الفعل إلى الأيدي.
وثانيهما: أن الآية الثانية وضع اسم الجمع وموضع التثنية، وهذا جائز عن العرب إذا أمن اللبس، كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾
стр. 53
أي يديهما. وقوله: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ قلباكما.
ومن النصوص المصرحة بأن لله يدين قوله ﵎: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ وقوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمنه﴾ وقد تواتر في السنة التصريح بذكر اليدين كقوله ﷺ : ((المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين)) رواه النسائي وأحمد.
وقوله ﷺ : ((يأخذ الرب سماواته وأرضه بيديه، وجعل يقبض يديه ويبسطهما، ويقول: أنا الرحمن، حتى نظرت إلى
стр. 54
المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني أقول: أساقط برسول الله)) رواه مسلم وابن ماجه في سننه.
والأحاديث في ذلك كثيرة طيبة صحيحة، وقد ساق شيخ الإسلام بعضاً منها وعقب على ذلك قائلاً: هل تقبل هذه الأحاديث تأويلاً، وقد تلقتها الأمة بالقبول والتصديق؟
وفي المقام الرابع بين شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى- أنه لم يرد في شيء من الكتاب والسنة، كما أنه لم يرد عن واحد من الصحابة أو الأئمة الذين تابعوهم على أثرهم أن المراد باليد خلاف ظاهره، أو أن الظاهر غير مراد كما لم يرد نص عن الله ولا عن رسوله ولا عن واحد من أئمة السلف ينفي إثبات اليد لرب العزة، وأقصى ما يلجأ إليه المعارض هو الاحتجاج بالنصوص الدالة على تنزيه الباري كقوله:
стр. 55
﴿قل هو الله أحد﴾، ﴿ليس كمثله شيء﴾، ﴿هل تعلم له سمياً﴾ وهذه النصوص تدل على نفي التشبيه والتجسيم، ولكنها لا تدل على نفي الصفات التي جاءت بها النصوص، كل ما تدل عليه نفي مماثلة أيدي المخلوقين ليد الباري ﵎.
وقد توصل شيخ الإسلام من خلال ما أورده من حجج وبينات إلى أنه لم يوجد في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد.
وكل ما يحتج به من ينفيها أو يؤولها إنما هو شبه فاسدة.
ويخلص إلى قوله بأنه لا يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد، وأن الله خلق آدم بيديه، وأن
стр. 56
يداه مبسوطتان وأن الملك بيده، وفي الحديث، مالا يحصى، ثم لا يبين الرسول ﷺ لأمته أن هذا الكلام يراد به حقيقة ظاهرة، حتى يأتي مثل الجهم بن صفوان وبشر بن غياث المريسي ومن سلك سبيلهم فيدَّعوون أنه يجب صرف هذه النصوص عن ظاهرها، ويسلكون سبيلاً يخالفون به النصوص القرآنية والحديثية، وما كان عليه الصحابة وأعلام التابعين والأئمة (١).
الأدلة على بطلان التأويل
يزعم المؤولون أن الأدلة العقلية ألزمتهم بتأويل نصوص الصفات، فتراهم يزعمون أن العقل حكم بأن رؤية الباري مستحيلة، وإن إثبات السمع والوجه والاستواء لله يستلزم تشبيه الباري بخلقه.
стр. 57
والرد على هؤلاء من وجوه:
الأول: أن المعاني المحدثة المستحيلة على الله التي أرادوا صرف النصوص عن ظاهرها لاستبعادها ليست هي ظاهر النصوص، بل الظاهر هو ما يسبق إلى العقل السليم من اللغة التي يفقهها من تكلم بها (١).
وأهل العلم والإيمان عندما يسمعون كلام الله ورسوله في وصف الله ﵎ يتبادر إلى أذهانهم التعظيم والتنزيه والإجلال ولا يتبادر إلى أذهانهم هذه المعاني القذرة النجسة.
يقول شارح الطحاوية (٢): (يجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه).
стр. 58
وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
الثاني: أن نفي التشبيه لا يكون بنفي الصفات وتأويلها، وإنما يكون بإثبات هذه الصفات، مع نفي التشبيه، وهذا لا يحيله العقل ولا يرفضه، يقول شارح الطحاوية: (هل يكون التنزيه بنفي صفات الكمال؟ فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال إذ أن المعدوم لا يرى، وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي له إدراك إحاطة) (١).
الثالث: إن منهجهم هذا أدى إلى تحكيم العقل في النصوص، فكل من لم يرض عقله عقيدة أو حكماً أو تشريعاً جاءنا من عند الله قال: إن حكم العقل لا يقبله، ومن هنا وجب تأويله.
وما أن العقول مضطربة في أحكامها فإنها تتناقض وتتعارض فيما بينها فيما تحكم عليه، يقول
стр. 59
شيخ الإسلام ابن تيمية: (فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة، فرضي الله عهن الإمام مالك بن أنس حيث قال: "أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء") (١).
والجواب: أن العقول لا تحكم باستحالة إثبات الصفات، كما لا تحكم بوجوب التأويل، وإنما الذي يحكم بذلك كله هو العقول المريضة.
فالعقل الصريح لا يمكن أن يناقض ما جاءّت به النصوص، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك ذلك التفصيل، والذي يجب الجزم به أن العقول وحدها لا تستطيع الوصول إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية بعيداً عن الشرع.
ومرض العقول الذي أصاب هؤلاء سببه شبهات ملأت رؤوسهم لم يجدوا من يكشف لهم ظلماتها،
стр. 60
ومقررات سابقة جاءَتهم من الأديان والمبادئ والفلسفات التي كانوا يدينون بها، أو دخلت إليهم من خلال دراساتها ومعايشتها، فصعب عليهم مفارقتها كما شق عليهم مخالفة الدين الذي يعتنقونه، فحاولوا التوفيق بالتأويل، يقول العز بن عبد السلام فيما نقله عنه الزركشي مبيناً السبب الذي من أجله أوّل أكثر المؤولين: (من أسباب التأويل الميل الحاصل بسبب الأدلة الشرعية بالميل الحاصل من الإلف والعادة والعصبية، فإن هذه الأمور تحدث للنفس هيئة وملكة تقتضي الرجحان في النفس بجانبها، بحيث لا يشعر الناظر ذلك، ويتوهم أنه رجحان الدليل، وهذا محل خوف شديد، وخطر عظيم، يجب على المتقي أن يصرف نظره إليه، ويقف فكره عليه) (١).
وهذا الذي قرره ابن عبد السلام نظرة سديدة تدل على فقه عميق ونظر دقيق، وهو حال كثير من
стр. 61
الذين انحرف بهم المسار عن فقه الكتاب والسنة، بحيث مالوا وأرادوا أن يميلوا فقه النصوص كما مالوا، ولكن الله حافظ دينه، ومظهر الحق والصواب، والله هو الهادي إلى سواء الصراط.
стр. 62
خطورة التأويل وآثاره المدمرة
تكلم كثير من العلماء على جناية التأويل الباطل على الإسلام وأهله، بل جنايته على كل الأديان، وقد بين ابن القيم - رحمه الله تعالى- أن التأويل أصل خراب الدين والدنيا، فما اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل، وأعداء الإسلام سلطوا علينا بالتأويل، ودماء المسلمين إنما أريقت بالتأويل.
فاليهود والنصارى أبطلوا البشارات المصرحة بصحة نبوة محمد ﷺ بتأويل هذه البشارات وتبديلها وكتمانها.
ودين النصارى إنما أفسد بالتأويل.
وافتراق اليهود إلى أحدى وسبعين فرقة والنصارى إلى اثنتين وسبعين
стр. 63
فرقة وافتراق هذه الأمّة إلى ثلاثة وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل.
وما أريقت دماء المسلمين في يوم الجمل وصفين والحرة وفتنة ابن الزبير إلا بالتأويل.
وما دخل أعداء الإسلام من الفلاسفة والقرامطة والباطنية والإسماعلية والنصيرية إلا من باب التأويل.
وما أريقت دماء بني جذيمة إلا بالتأويل.
وما تأخر الصحابة يوم الحديبية عن موافقة الرسول ﷺ حتى اشتد غضبه إلا بالتأويل.
وما سفك دم الأخيار: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابنه الحسين، وعمار بن ياسر، وابن الزبير، وحجر بن عدي، وسعيد بن جبير وغيرهم إلا بالتأويل.
وما جرد الإمام أحمد بين العقابين وضربه بالسياط غير التأويل.
وما سلط سيوف التتار على ديار الإسلام غير التأويل" (١).
стр. 64
وقد لخص برهان مفاسد التأويل الفاسد بقوله: (ولم يزل الزال إلا بالتأويل الفاسد) (١).
الثاني: أن التأويل فتح لأهل الشرك والبدع لإفساد دين الله، يقول شارح الطحاوية مخاطباً أهل التأويل: (لقد فتحتم عليكم باباً لأنواع المشركين والمبتدعين، لا تقدرون على سدّه، فإنكم إذا سوغتم صرف آيات القرآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟
فإن قلتم: ما دل الدليل القاطع على استحالته تأولناه، وإلا أقررناه.
قيل لكم: وبأي عقل نزن القاطع العقلي؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على بطلان ظواهر الشرع، ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد.
ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية
стр. 65
الله تعالى، وعلى امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تعالى) (١) وقد جعل المؤولة المنتسبون للإسلام للملاحدة سبيلاً عليهم، لأن الملاحدة ألزموا المؤولين في نصوص المعاد نظير ما ادعاه المؤولون في نصوص مصفات.
وحجة المؤولين في الرد على الملاحدة قولهم لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءَت بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبه المانعة منه.
وأهل السنة يقولون لأهل التأويل: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءَت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد، ومن المعلوم أن مشرك العرب وغيرهم أنكروا المعاد بخلاف الصفات، وبذلك نعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وإن كان إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات،
стр. 66
فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟ (١).
فرماهم أهل السنة بمثل ما أجابوا به على الملاحدة مؤولي نصوص المعاد.
والمؤولون الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن الإسلام بزعمهم لم يستطيعوا أن يقفوا أمام باطل الملاحدة، لأنهم قعدوا قواعد باطلة نفذ الملاحدة عبرها إليهم وأضعفوا حججهم كما رأينا هذا ظاهراً في منهج التأويل الذي سلكوه ولذا قال علماؤنا في أهل التأويل: (لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا) (٢).
الثاني: التأويل يشوش القلوب، فإن القلوب تطمئن إلى معبودها إذا عرفته بصفاته وأسمائه، ووثقت
стр. 67
بالنصوص التي تحدثنا عنه، فإذا أصبحت النصوص مجالاً للتأويل والأخذ والرد، فقدت هيبتها، وضعفت الثقة بها، وأدى ذلك إلى الجهل بالباري، وقد أبان شارح الطحاوية أن أحد المحذورين الذين يلزم من التأويل: (أن تتخلى القلوب عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول ﷺ ، إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ به العباد، وخاصة أن النبوة هي الإنباء، ولهذا نجد أن أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتقاد لا للاعتماد، إن وافقت ما ادعوا أن العقل دلَّ عليه قبلوه، وإن خالفته أولوه وهذا فتح باب الزندقة) (١).
стр. 68
مثال يبين خطورة التأويل
وقد ضرب ابن رشد - فيما نقله عنه ابن القيم- مثلاً للذين تأولوا شيئاً من القرآن، يبين مدى جنايتهم على هذا الدين.
فقد مثل أوَّل شيئاً من الشرع زاعماً ما أوله هو الذي قصده الشرع مثال طبيب ركَّب دواءً يحفظ صحة جميع الناس أو أكثرهم، فجاء رجل لم يلائم ذلك الدواء مزاجه لرداءة مزاج كان به، فزعم بعضهم أن تلك الأدوية التي ركب منها الدواء لم يرد بها ذلك الدواء. وإنما أراد بها دواءً آخر، فأزال ذلك الدواء، وجعل بدله دواءً آخر زعم أن الطبيب الأول قصده، فتابعه قوم أخذوا منه ذلك الدواء، ففسدت أمزجة كثير من الناس.
فجاء آخرون شعروا بفساد أمزجة الناس من
стр. 69
ذلك الدواء المركب فراموا إصلاحه بدواء جديد غير الدواء الأول، فزاد المرض، ثم تتابع الذين تلاعبوا بذلك الدواء، وكلما غيروا في تركيب الدواء الأول ازدادت الأمراض وفساد الأمزجة، ولم يزل الأمر هكذا حتى فسدت منافع الدواء الأول.
وهذه حال أصحاب التأويل، كل واحد منهم يؤول الشرع تأويلاً غير ما أوله غيره، زاعماً أن تأويله هو الذي قصده الشرع حتى تمزق الشرع، واختلط عند كثير من الناس في وسط ذلك الركام من الآراء والتأويلات، وأدى هذا إلى افتراق الأمّة واختلافها (١).
نسأل الله العصمة من الزلل، والسداد في القول والعمل، والحمد لله رب العالمين.